← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وقوله: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ ابتداء وخبر، والكناية عن السدرة. وقرئ: (جَنَّهُ المأوى) (١)، على أنه فعل ومفعول وفاعل، والكناية عن رسول الله ﷺ ، وفيه وجهان: أحدهما: أدركه المأوى، من قولهم: جَنَّهُ الليلُ، إذا أدركه، وجن عليه الليل وأَجَنَّهُ، إذا ألبسه سواده. والثاني: ستره بظلاله ودخل فيه. وقوله: ﴿إِذْ يَغْشَى﴾ (إذ) ظرف لـ ﴿رَآهُ﴾ ومعمول له، أي: رآه حين كان يغشى سدرة المنتهى ما يغشاها من أمر الله. وقوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ يحتمل أوجهًا: أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ صفة لمحذوف هو مفعول ﴿رَأَى﴾، والتقدير: والله لقد رأى الآية الكبرى من آيات ربه، و ﴿مِنْ﴾ يجوز أن تكون من صلة ﴿رَأَى﴾، وأن تكون حالًا من المقدر المذكور آنفًا، أي: كائنة من آيات ربه. وأن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ في موضع جر على النعت لـ ﴿آيَاتِ رَبِّهِ﴾ على إرادة الجماعة في المنعوت، وله نظائر في التنزيل، نحو: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ (٢)، و ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (٣)، و ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ (٤)، ومفعول ﴿رَأَى﴾ أيضًا محذوف، والتقدير: والله لقد رأى آياتٍ من آياتِ ربه الكبرى. و ﴿مِنْ آيَاتِ﴾ يجوز أن تكون من صلة ﴿رَأَى﴾، وأن تكون في موضع نصب على النعت للمفعول المذكور آنفًا، أي: كائناتٍ من آيات ربه.

стр. 3432

و ﴿مِنْ﴾ على هذين الوجهين تبعيضية، ويجوز أن تكون صلةً، و ﴿آيَاتِ رَبِّهِ﴾ هي مفعول ﴿رَأَى﴾، و ﴿الْكُبْرَى﴾ صفتها على التأويل المذكور آنفًا، ولا حذف على هذا في الآية، فاعرفه فإنه موضع. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾: قوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ﴿اللات﴾ وما عطف عليه مفعول أول لقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾، لأنه يقتضي مفعولين لكونه بمعنى علمتم، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام التي اتخذتموها آلهة فاعلة شيئًا مما ذكرنا لكم، وقادرةً على بعض ما نقدر عليه؟ وقيل: المفعول الثاني قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ (١). قال بعض أصحابنا: وهذا إنما يكون أيضًا بإضمار، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام حاكمة بأن يكون لكم الذكر وله الأنثى. وعن أبي علي: أن التقدير: أفرأيتم جعلتم اللآت والعزى ومناة بنات الله؟ قلت: لم يُرِدْ أبو علي أنّ ﴿أَرَأَيْتُمُ﴾ بمعنى: جعلتم، وإنما يريد -والله أعلم- أن الجعل مضمر، والتقدير: أخبروني عن هذه الأصنام التي جعلتموهن بنات الله هل فعلت شيئًا مما يجوز لأجله أن يُعْدَلَ بالله؟ لا ورب الكعبة. وبعد، فإن أصل ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ لَوْيَةٌ، فَعْلة من لَوَى على الشيء يَلْوِي، إذا عكف عليه، لأنهم كانوا يَعْكُفون عليها، والتاء فيه للتأنيث. وقيل: هو من لَتَّ السويق، إذا بَلَّهُ بالماء. وقيل: كان رجلًا يَلْتّ السويق للحاج، فلما

стр. 3433

مات عبدوا صورته، فالتاء على هذا أصل مشددة، وليست للتأنيث، وقد خففت كراهة التضعيف، وأصل الكلمة فاعل. والجمهور على تخفيف التاء، وقرئ: (اللاتَّ) بتشديدها (١)، وزعموا أنه كان رجلًا بسوق عكاظ يلتُّ السويق والسمن عند صخرةٍ، فإذا باع السويق والسمن صُبَّ على الصخرة ثم يُلَتُّ، فلما مات ذلك الرجل عبدتْ ثقيف تلك الصخرة إعظامًا لذلك الرجل صاحب السويق (٢). وقال أبو حاتم كان رجل يلت لهم السويق، فإذا شرب منه أحد سَمِنَ فعبدوا ذلك الرجل (٣). وحكى أبو الحسن فيها: (أفرأيتم اللاتِ) بكسر التاء، وذهب إلى أنها بدل من لام الفعل بمنزلة التاء في ليت وذيت (٤)، وأن الألف قبلها عين الفعل بمنزلة ألف شاة، وذات مال، ذكره عنه أبو الفتح (٥). وأما (العزى) ففعلى من العز، وهي تأنيث الأعز في الأصل، وعن مجاهد: العزى كانت لغطفان، وهي شجرة كانوا يعبدونها، فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد ﵁ إليها فقطعها وجعل يضربها بالفأس ويقول: يا عز كُفرانَكِ لا سُبحانكِ ... إني رأيتُ اللَّهَ قد أهانَكِ فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها، داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها، فقتلها خالد ﵁ (٦).

стр. 3434

وأما (منوة) فاسم صنم كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة (١). وعن ابن عباس ﵄: لثقيف (٢) والتاء فيه للتأنيث، والنسبة إليها مَنَوِيّ، وألفها يجوز أن تكون منقلبة عن ياء، وأن تكون منقلبة عن واو. و﴿الثَّالِثَ﴾: صفة لمناة و ﴿الْأُخْرَى﴾ صفة بعد صفة جيء بها على وجه التوكيد، لأن الثالثة لا تكون إلا للأخرى، ولكن الصفات تُذْكَرُ للتأكيد، كأمسِ المدبرِ، وأمسِ الدابرِ. وقيل: ﴿الْأُخْرَى﴾ صفة للعزى، والتقدير: العزى الأخرى ومناة الثالثة. وقيل: الأخرى ذم، وهي المتأخرة الوضيعة المقدار. وقيل: أصل مناة: مَنْأَة بالهمز، وهو من قولهم: مَنَأتُ، إذا مسحتَ، لأنهم كانوا يمسحونها بأيديهم. وقرئ: (مَنَاءَةَ) بالمد والهمز، وبتركهما (٣)، وهما لغتان، غير أن المشهور تركهما. قال أبو علي: ولعل مناءة بالمدّ لغةٌ، ولم أسمع بها عن أحد من رواة اللغة، انتهى كلامه (٤). ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾: قوله : ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ﴿ضِيزَى﴾. أي: ناقصة، من ضازه حقَّهُ يَضيزُهُ ضَيْزًا، إذا بخسه ونقصه، عن أبي الحسن (٥). فإذا اشتُق

стр. 3435

من تركيبه مثال حُبْلَى، كان الظاهر ضُوزى بضم الفاء لأنها صفة، والصفات في المؤنث لا تأتي إلا فُعْلَى بضم الفاء، كحُبْلَى وأُنْثَى، وفَعلَى بفتح الفاء، كسَكْرَى وعَطْشَى، ولا تأتي البتةَ فِعلى بكسر الفاء وإنما تكون فِعلى بكسر الفاء في المصادر وغيرها من الأسماء، فلما كان كذلك كسروا الضاد لتسلم الياء، كما كسروا الباء في بِيض لذلك، والأصل: بُوض كسُورٍ، هذا هو مذهب صاحب الكتاب ﵀ (١)، وهو جَعْلُهُ ضِيزى فُعْلَى كحُبلى وأُنثى. وأما ما حكاه أحمد بن يحيى (٢) من قولهم: رَجُلٌ كِيصىً، إذا كان يأكل وحده، فموافق لمذهب صاحب الكتاب من وجهٍ ومخالف من آخر، أما وجه الموافقة: فهو أنه نَوَّنَهُ وجعل الألف فيه للإلحاق بدرهم، والذي منع صاحبُ الكتاب أن تكون صفةً هو فِعْلَى كائنة الألف للتأنيث. وأما وجه المخالفة: فهو أن صاحب الكتاب لم يثبت مثال فِعْلَى صفةً إلا أن يلحق تاء التأنيث، نحو: عِزْهاة وسِعْلاة، وقد حَكَى: كِيصى بغير تاء، وحكى غيره: امرأة عِزْهًى (٣)، وامرأة سِعْلَى، والمشهور: عِزهاة وسِعْلاة. فإن قلت: قد زعمت أنهم كسروا الضاد لتسلم الياء، فَلِمَ لم يقلبوا الياء واوًا، وبقّوا الضاد على حالها؟ قلت: لأن الكسرة والياء عندهم أخف من الضمة والواو مع عدم اللبس، إذ ليس في الصفات فِعْلى بكسر الفاء. وقرئ أيضًا: (ضِئْزَى) بالهمز (٤)، من ضأزهُ حقه يضأزه ضأزًا، إذا نقصه أيضًا، ويُنْشَدُ:

стр. 3436

٥٨٦ - .................. ... فَحَقُّكَ مُضْؤوزٌ وَأَنْفُكُ راغِمُ (١) قيل: وهي لغة لبني العنبر، وهي فِعْلى بالكسر. ويكون مصدرًا كالذكرى، والتقدير: قسمة ذاتُ ضئزى، أي: ذات نقصان، وفيها لغات سوى ما قرئ به: ضُوزَى من ضُزْتُهُ، وضُؤْزَى بالهمز، وضَأْزى بفتح الضاد والهمز. وضَأَزى بفتح الضاد والهمزة (٢). وقوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾ ضمير الأسماء المذكوره، وهي اللات والعزى ومناة. ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أي: سميتم بها، يقال: سميته زيدًا، وسميته بزيد. وقوله: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ (أم) هنا يجوز أن تكون متصلة وفي الكلام حذف، والتقدير: أتجعلون بحجة ودليل للإنسان ما تمنى فيعبد من يشاء (٣)، ويعطي العزة لمن يشاء، ويجعل لربه ما شاء من الأولاد؟ تعالى الله عما يقول الظالمون. وأن تكون منقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام. ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾:

стр. 3437

قوله : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾ (كم) خبرية للتكثير، ومحلها الرفع على الابتداء، والخبر ﴿لَا تُغْنِي﴾. وجُمع الضمير في ﴿شَفَاعَتُهُمْ﴾ حملًا على معنى (كم) دون لفظها، ولو قيل: شفاعته بالتوحيد حملًا على اللفظ لكان جائزًا، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ به، لأن القراءة سنة متبعة يأخذها الخلف عن السلف من غير اعتراض. وقوله: ﴿وَإِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: إلا من بعد إذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء شفاعته من المشفوع لهم، فحذف المضاف وهو المصدر المقدر بإضافته إلى المفعول به، فصار لمن يَشَاؤهُ، ثم حذف الراجع إلى (من) فبقي ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ كما ترى، أو إلا من بعد إذن الله لمن شاء منهم في الشفاعة، فقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يجوز أن يكون لمن يشاء من المشفوع لهم من أهل التوحيد، وأن يكون من الملائكة الشافعين. وقوله: ﴿تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ نصب على النعت لمصدر محذوف، أي: تسميةً مثل تسمية الأنثى. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤)﴾: قوله : ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ﴾ اللام من صلة محذوف دل عليه ما في قوله: (للَّهِ) من معنى الملك، لأن اللام لامُ المِلْكِ، والمِلْكُ إنما يكون بخلقه ذلك، والتقدير: خلقهما وما فيهما لهذا الغرض، وهو أن يجازي المطيع بطاعته، والمسيء بإساءته. وقيل: هو متصل بما دل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي:

стр. 3438

أحصى ذلك لهذا الغرض، وهو أن يجازي الفريقين على أعمالهم (١). وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب على البدل من ﴿الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾، وأن يكون في موضع ردع على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين يجتنبون. وقوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: فيه وجهان: أحدهما: منقطع، أي: لكن اللمم قد غفره الله، وهو الوجه، لأن اللمم ما قَلَّ وصَغُر من الذنب عند الجمهور. والثاني: متصل، والمعنى: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا أن يُلِمَّ مُلِمٌّ بها ثم يتوب، فإنه وإن لم يكن اجتنبها في حالِ ما ارتكبها، فغير خارج عن صفة المحسنين؛ لأنه تاب منها. وقوله: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ (أجنة) جمع جنين، والجنين: الولد ما دام في البطن، وهو فعيل بمعنى مفعول، أي: مدفون، والجنين: الدفين في الشيء. ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾: قوله : ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ (يرى) من رؤية القلب، ومفعولاه محذوفان، أي: أعند هذا المعطي القليل المكدي علم الغيب فهو يراه شاهدًا؟ أي: يرى الغيب مثل الشهادة، فحُذفا لدلالة الكلام عليهما. قيل: وهذه جملة اسمية واقعة موقع الفعلية، والأصْلُ أعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَيَرىَ، ولو جاء على ذلك لكان نصبًا على جواب الاستفهام (٢).

стр. 3439

وقوله: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ (أم) هنا يجوز أن تكون منقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام، وأن تكون معادلة للهمزة في قوله: ﴿أَعِنْدَهُ﴾. وقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ عطف على ﴿مُوسَى﴾، أي: وبما في صحف إبراهيم. والجمهور على تشديد قوله: ﴿وَفَّى﴾، وقرئ: (وَفَى) بالتخفيف (١)، على معنى: صدق في قوله وعمله، وهو قريب من معنى التشديد، وقد مضى الكلام عليهما فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٢). وقوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (أن) هنا هي المخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، وهو الأمر أو الشأن، وموضع (أن) وما اتصل بها: إما الجر على البدل من (ما) في قوله: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ وإما الرفع على: ذلك، أو: هو ألَّا تَزِرُ، كأنه قيل: وما في صحف المذكورين؟ فقيل: ذلك، أو: هو ألا تَزِرُ، و ﴿وِزْرَ﴾ مفعول به وليس بمصدر. وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (أن) أيضًا هي المخففة عَطْفٌ على (أن) الأولى المذكورة آنفًا، و ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ خبر ﴿لَيْسَ﴾، و ﴿إِلَّا مَا سَعَى﴾ اسمها، أي: إلا سعيه، ويجوز أن تكون موصولة، وجاز دخول (أن) على ﴿لَيْسَ﴾ من غير عوض لأحد الأمرين: إما لعدم تصرفها فأشبهت الحروف، ولذلك جُوّز: ليس الطِّيبُ إلَّا المسكُ (٣)، فجعلت بمنزلة (ما)، وإما لسد ما فيها من معنى النفي مسد ذلك.

стр. 3440

وقوله: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ عطف أيضًا على ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ على معنى: أن المذكورات كلها في الصحف، و ﴿يُرَى﴾ خبر ﴿وَأَنَّ﴾ وهو من رؤية العين، وفيه ضمير يعود على اسمها وهو السعي. والقرّاء على ضم الياء وهو الوجه، لأجل العائد من خبر ﴿أَنَّ﴾ على اسمها، وأجاز أبو إسحاق (١): (سوف يَرى) بفتح الياء على إضمار الهاء، أي: سوف يراه، وفي الكلام حذف مضاف، أي: سوف يرى جزاءه، لا بد من هذا التقدير، لأنَّ سعيه حركاتُه وعملُه، وذلك قد انقضى. وأجازه المبرد أيضًا، أعني فتح الياء، وقال: لأن عمل ﴿أَنَّ﴾ في ﴿سَعْيَهُ﴾ يدل على الهاء المحذوفة من (يرى) (٢) ومنعه أهل الكوفة، وقالوا: لأنَّ ﴿سَعْيَهُ﴾ يصير معمول ﴿أَنَّ﴾ و (يرى)، ولم يجيزوا: إنَّ زَيْدًا ضَربْتُ، لأنه لا يعمل في زيد عاملان، وأجازه البصريون على إضمار الهاء، أي: ضربته (٣). وقوله: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ (جزى) فعل يتعدى إلى مفعولين، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (٤)، فعداه إلى مفعولين كما ترى. وأحد المفعولين هو القائم مقام الفاعل، والثاني: الهاء، والتقدير: ثم يُجزى الإنسانُ سَعْيَهُ، أي: جزاء سَعْيِهِ، فحذف المضاف، والمضاف إليه على هذا هو المفعول الثاني لأمرين: أحدهما: أنه قد وُصف بالأوفى، وذلك من صفة المجزيّ به لا من صفة الفعل، تسميةً للمفعول بالمصدر، كضَرْبِ الأمير، وصَيْدِ الصائدِ.

стр. 3441

والثاني: أن فعلًا واحدًا لا ينصب مصدرين. أو مفسرٌ له، أو بدلٌ منه (١)، والفائدة منوطة بالصفة وهي الأوفى. والأوفى: الأَتَمُّ غاية التمام. ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾: قوله : ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ وما بعده إلى قوله: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ﴾ عطف على ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ (٢)، على أن هذه كلها في ﴿صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾، ولك أن تنصبها بفعل مضمر، أي: واعلمْ أن إلى ربك المنتهى. والجمهور على الفتح في الجميع على أحد هذين التقديرين، وقرئ: بالكسر على الاستئناف، وكذا ما بعدها (٣). ﴿الْمُنْتَهَى﴾ مصدر بمعنى الانتهاء، أي: ينتهى إليه الخلق ويرجعون إليه. والضمير في ﴿وَأَنَّهُ﴾ لله جل ذكره. ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ بكسر التنوين وإسكان اللام وبعدها همزة مضمومة على الأصل (٤). و (عادَ لُّولى) بإدغام التنوين في اللام، وطرح همزة (أولى) ونقل حركتها إلى اللام (٥)، وقد

стр. 3442

أوضحت ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة، فأغناني عن الإعادة هاهنا. ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)﴾: قوله : ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ نَصْبٌ بـ ﴿أَهْلَكَ﴾ عَطْفٌ على ﴿عَادًا﴾ لا بقوله: ﴿فَمَا أَبْقَى﴾، لأن ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله، وكذلك قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ عطف على ﴿عَادًا﴾، أي: وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود. وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ عطف أيضًا، أي: وأهلك المؤتفكة (١)، ومفعول ﴿أَهْوَى﴾ محذوف، وهو ضمير المؤتفكة، والإهواء هنا: بمعنى الإسقاط، وفي التفسير: أنه رفعها إلى السماء على جناج جبريل ﵇ ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها (٢). وقيل: أهْوَى: أكثر هوًى (٣)، وهو من باب التفضيل، كـ ﴿أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾، ومحله على هذا النصب إما على أنه خبر كان، أو على أنه حال، والتقدير: وأهلك أهل المؤتفكة وكانوا أكثر هَوًى من عادٍ وثمود، أو في حال كونهم أكثر هَوَىً منهم. وقوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ المنوي في الفعل الأول لله ، أي: أَلْبَسَ الله المؤتفكة ما ألبسها من العذاب، فمفعولا الفعل الأول مذكوران، أحدهما: ضمير المؤتفكة، والثاني: ﴿مَا﴾، وكذا المنوي في الفعل الثاني له جل ذكره، وأما مفعولاه فمحذوفان، أحدهما: ضمير ﴿مَا﴾، والآخر

стр. 3443

ضمير المؤتفكة، أي: فغشاها الله ما غشاه إياها. وقيل: (المؤتفكة) نصب بأهوى (١). ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾: قوله : ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ أي: دَنَت القيامة القريبة منكم أيها المخاطبون، يقال: أَزِفَ رحيلُ فلانٍ، إذا قرب ودنا، ومنه قول الشاعر: ٥٨٧ - بانَ الشَّبَابُ وأمْسَى الشَّيْبُ قَد أَزِفا ... ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفَا (٢) وقوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ يجوز أن تكون ﴿كَاشِفَةٌ﴾ مصدرًا بمعنى الكشف، كالعاقبة والعافية، أي: ليس لها بغير الله كشفٌ، أي: لا ينكشف وقت مجيئها إلا به. وأن يكون اسم فاعل بمعنى كاشف والتاء للمبالغة، كالتي في نحو: راوية وعلّامة، أي: ليس لوقت مجيئها كاشف غير الله، وأن يكون التقدير: ليس لها نفس أو أمة كاشفة، أي: موضحة، كقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٣). والله تعالى أعلم بكتابه [وبما قيل فيه] (٤). هذا آخر إعراب سورة النجم والحمد لله وحده

стр. 3444

إِعراب سُوْرَةُ القَمَر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾: قوله : ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا سحر مستمر، أي: قوي شديد، من المِرّةِ وهي القوة، على معنى: أنه يعلو كل سحر. وقوله: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾، وهو خبر عن ﴿كُلُّ﴾: وكل أمر قدره الله جل ذكره مستقر على ما قدره. وقرأ ابن القعقاع: (مُسْتَقِرٍّ) بالجر (١) على النعت لأمر، ورفع قوله: ﴿كُلُّ﴾ على هذه إما على الابتداء وخبره محذوف، أي: وكل أمر مستقر آت لا محالة، أو كائن في اللوح المحفوظ، وإما على الفاعلية عطفًا على الساعة، أي: اقتربت الساعة وكلُّ أمر مستقر، على معنى: قرب ودنا قيام الساعة، وقرب ودنا استقرار الأمور يوم القيامة، من حصول أهل الجنة في الجنة، وحصول أهل النار في النار، أو في الدنيا، لأن الشيء إذا انتهى إلى

стр. 3445

غايته استقر، في الدنيا كان أو في الآخرة. وقرئ أيضًا: (مُسْتَقَرٌّ) بفتح القاف (١) على معنى: وكل أمر ذو استقرار، أو ذو موضع استقرار. وقوله: ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿فِيهِ﴾ الخبر، أو بفيه على رأي أبي الحسن، والجملة صلة ﴿مَا﴾، أو صفتها إن جعلت ﴿مَا﴾ موصوفة. و ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ مفتعل من الزجر، وأصله مزتجر، فأبدل من التاء دال لتؤاخي الزاي في الجهر، وتؤاخي التاء في المخرج، وزجره وازدجره بمعنى، غير أن افتعل أبلغ في المعنى من فعل. وقرئ أيضًا: (مُزَّجَر) بقلب تاء الافتعال زايًا وإدغام الزاي فيها (٢). وقوله: ﴿حِكْمَةٌ﴾ الجمهور على رفع ﴿حِكْمَةٌ﴾ إما على البدل من (ما) في قوله: ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، أو من ﴿مُزْدَجَرٌ﴾، أي: هذا المزدجر حكمة، أو على تقدير: هو حكمة بالغة، أي: متناهية في كونها حكمة. وقرئ: (حكمةً) بالنصب (٣) على الحال من ﴿مَا﴾، موصولة كانت أو موصوفة. وقوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ يجوز أن تكون نافية، ومفعول ﴿تُغْنِ﴾ محذوف، وأن تكون استفهامية في موضع نصب بقوله: ﴿تُغْنِ﴾، أي: فأيَّ غناءٍ تغني النُّذُرُ؟ والنُّذُرُ: جمع نذير، وهو بمعنى منذر، ويجوز أن يكون مصدرًا بمعنى الإنذار.

стр. 3446

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾: قوله : ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (خاشعًا أبصارهم يخرجون) (١) يجوز أن يتم الكلام عند قوله: ﴿عَنْهُمْ﴾، أي: أعرضْ عنهم فقد أديت ما عليك، ثم ابتدأ فقال جل ذكره: ﴿يَوْمَ يَدْعُ﴾، و ﴿يَوْمَ﴾ إما ظرف لقوله: (خاشعًا) أو ﴿يَخْرُجُونَ﴾، وإما منصوب بإضمار اذكر، فيكون مفعولًا به لا ظرفًا، ويجوز أن يكون ظرفًا للتولي ومعمولًا له، على معنى: فتولَّ عنهم في ذلك اليوم، ولا تشفعْ لهم كما أعرضوا عنك في الدنيا، ولم يؤمنوا بك، فلا يوقف ﴿عَنْهُمْ﴾، فاعرفه فإنه موضع. وقوله: ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ الجمهور على ضَم النون والكاف، وضم النون وإسكان الكاف (٢)، فالضم الأصل، والإسكان مخفف منه، وهو صفة على فُعْل، وهو قليل في كلام القوم. وقرئ: (نُكِرَ) بضم النون وكسر الكاف وفتح الراء (٣)، على أنه فعل ماض مبني للمفعول في موضع الصفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾، كقولك: مررت برجل ضُرِب. وقوله: (خاشعًا أبصارهم) (خاشعًا) نصب على الحال وفِعْلٌ للأبصار، وذو الحال إما الضمير في ﴿يَخْرُجُونَ﴾، أي: يخرجون خاشعًا أبصارهم، وإما محذوف وهو مفعول ﴿يَدْعُ﴾، أي: يدعوهم الداع خاشعًا أبصارهم. وإما

стр. 3447

الضمير المجرور في ﴿عَنْهُمْ﴾، أي: فتول عنهم خاشعًا أبصارهم. وقرئ: (خاشعًا) بالألف على الإفراد، و (خُشَّعًا) بضم الخاء وتشديد الشين من غير ألف (١)، على الجمع، كَشُهَّد في شاهد، فالإفراد لأنه بمنزلة الفعل المتقدم، لكونه رفع ما بعده فأُفْرِدَ كما يفرد الفعل، وذُكِّر كما يُذكر الفعل في قولك: يخشع أبصارهم، لأن الأبصار جمع، والجمع لكونه جمعًا مكسرًا، والجمع المكسر حكمه حكم الإفراد، وأيضًا فإن الجمع يدل على التأنيث فصار في دلالته على التأنيث، بمنزلة ما جاء في الأخرى خاشعة أبصارهم، ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ﴾ (٢) وقد جوز أن يكون في (خُشَّعًا) ضمير (هم) وأبصارهم بدل منه، ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٣). وقرئ: (خَاشِعَةً) (٤). على تخشع، على تأنيث الجماعة تعضده: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ (٥)، و ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ﴾. ومحل ﴿يَخْرُجُونَ﴾ النصب على الحال من ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ إذ المراد أصحابها، لا من الضمير المجرور في ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ كما زعم بعضهم (٦) لعدم العامل، وكذا ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في موضع الحال، أي: مشبهين الجراد، وكذا ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين إلى جهة الداعي منقادين أذلاء. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ

стр. 3448

أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾: قوله : ﴿مَجْنُونٌ﴾ أي: هو مجنون، وازدجر، أي: وزُجر عن تبليغ الرسالة بالوعيد والسب. وقوله: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي﴾ الجمهور على فتح الهمزة، أي: بأني، وقرئ: (إني) بالكسر (١)، إما على إرادة القول، أو لأن الدعاء نوع من القول، وقوله: ﴿فَانْتَصِرْ﴾ أي: فانتصر لي. وقوله: ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ الانهمار: الانصباب بكثرة. وقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ انتصاب ﴿عُيُونًا﴾ يحتمل أوجهًا: أن يكون تمييزًا على أن الأصل، والتقدير: وفَجَّرنا عيونَ الأرض، فلما نُقل الفعل عن العيون انتصب على التمييز. وأن يكون حالًا. وأن يكون مفعولًا به ثانيًا، على تضمين التَّفَجِير معنى التصيير. وأن يكون مفعولًا به، على تقدير: وفجَّرنا من الأرض عيونًا، وكفاك دليلًا (حتى تُفَجِّرَ لنا من الأرض ينبوعًا) (٢). وقرئ: (وفَجَرْنا) بتخفيف الجيم (٣)، وهو الأصل. وقوله: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾، أي: الماءان، ماء السماء من فوقهم، وماء الأرض من تحتهم، وإنما أفرد والمراد به النوعان: السماوي والأرضي، لأن الماء اسم للجنس، وأيضًا فإن الالتقاء لا يكون إلا من اثنين فصاعدًا.

стр. 3449

وقرئ: (الماءان) على التثنية (١)، على الأصل. و (الماوان) بقلب الهمزة واوًا (٢)، كقولهم: عِلباوان (٣). وقوله: ﴿عَلَى أَمْرٍ﴾ يجوز أن يكون من صلة الفعل، وأن يكون في موضع الحال من الماء. ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾: قوله : ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾ أي: على سفينة ذات ألواح. ﴿وَدُسُرٍ﴾ وهي جمع دِسارٍ، ككتاب وكُتُب، والدِّسارُ: المسمار الذي يُشَدّ به السفن، فِعَال من دَسَرَه، إذا دفعه، لأنه يُدْسَرُ به مَنْفَذُهُ (٤). وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (تجرى) في موضع جر على النعت لسفينة، و ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿تَجْرِي﴾، أي: محفوظة. وقوله: ﴿جَزَاءً﴾ يجوز أن يكون مفعولًا له، أي: فعلنا ذلك، وهو إنجاء نوح ﵇ ومن معه، وإهلاك الباقين جزاءً للمكفور، وهو نوح ﵊. ومعنى كُفِرَ: جُحِدَ، ونبي كل أمة نعمة من الله ورحمة لهم. وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله وفعله محذوف، أي: جزيناهم ذلك جزاء.

стр. 3450

وقرئ: (لمن كان كَفَرَ) بفتح الكاف والفاء على البناء للفاعل (١)، قال أبو الفتح: أي: جزاء للكافرين بنوح ﵊، ثم قال: وأما قراءة العامة ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ فتأويله: جزاء لهم لكفرهم بنوح ﵇، فاللام الأولى التي هي مفعول بها محذوفة، واللام التي في التلاوة لام المفعول له، وهناك مضاف محذوف، أي: جزاء لهم لكفر مَن كُفِرَ، أي: لكفرهم بمن كفروا به، انتهى كلامه (٢). وعن مجاهد: جزاءً لله الذي كان كُفِرَ، لأنهم كفروا به، فاعرفه فإنه موضع مشكل (٣). وقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ الضمير يجوز أن يكون للسفينة، وأن يكون للقصة، وأن يكون للعقوبة، وأن يكون للفعلة جعلها الله جل ذكره عبرة يُعْتَبَرُ بها. وقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أصل ﴿مُدَّكِرٍ﴾ مذتكر، مفتعل من الذكر، فالذال حرف مجهور، والتاء حرف مهموس، فأبدلوا من التاء حرفًا مجهورًا ليوافق الذال في الجهر والتاء في المخرج وهو الدال، ثم أدغمت الذال في الدال بعد أن قلبوها دالًا وهو الوجه والأصل وعليه الجل. ويجوز إدغام الثاني في الأول بعد قلب الدال ذالًا فيصير (مُذّكر) بذال معجمة، وبه قرأ بعض القراء (٤). وقيل: بل قلبت التاء ذالًا وأدغمت الذال فيها.

стр. 3451

وقرئ أيضًا: (مذتكر) على الأصل (١)، وكُلٌّ عربيٌّ. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾: قوله : ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (عذابِى) اسم كان، و (كيف) خبرها، وقد جوز أدن تكون ﴿كَانَ﴾ التامة، و (كيف) في موضع الحال، و (والنذرُ) جمع نذير وهو بمعنى الإنذار، كالنكير بمعنى الإنكار. وقول: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الصرصر: الشديد الصوت، عن المبرد (٢)، من صَرَّ، إذا صَوّتَ. وقيل: الصرْصَرُ: البارد، مأخوذ من الصِّر، وهو البرد (٣). وقوله: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرّ﴾ أي: دائم الشؤم. وقيل: ماض قد استمر على الصغير والكبير، وهو صفة، إما ليوم، أو لنحس. وقوله: ﴿تَنْزِعُ﴾ في موضمع نصب على النعت لقوله: ﴿رِيحًا﴾، ولك أن تجعله حالًا منها لكونها موصوفة. وقول: ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿النَّاسَ﴾ والتقدير: نازعة الناس مشبهين أعجاز نخل، وعن الطبري: أن الكاف في موضع نصب

стр. 3452

على أنه مفعول به بفعل مضمر، أي: فتركهم مثل أعجاز نخل منقعر (١). وذُكّر ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ على اللفظ، ولو حُمِل على المعنى لأُنِّثَ كما جاء في الأخرى ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ (٢)، والمنقعر: المنقطع (٣) عن أصله، وقَعْرُ الشيء: أصله. والنخل جمع نخلة، وهو اسم جنس يجوز فيه التذكير والتأنيث. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾: قوله : ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا﴾ الجمهور على نصب قوله: ﴿أَبَشَرًا﴾، وانتصابه بفعل مضمر يفسره ﴿نَتَّبِعُهُ﴾، أي: أنتجع بشرًا، و ﴿مِنَّا﴾ نعت له، وكذا ﴿وَاحِدًا﴾ نعت بعد نعت. ولك أن تنصب ﴿وَاحِدًا﴾ على الحال، إما من قوله: (بشرًا) لكونه قد وصف، وإما من المنوي في ﴿مِنَّا﴾ والعامل الظرف عينه، وإما من الضمير المنصوب في ﴿نَتَّبِعُهُ﴾، أي: منفردًا لا ناصر له. وقرئ: (أَبَشَرٌ مِنَّا) بالرفع (٤)، ورفعه إما على الابتداء والخبر ﴿نَتَّبِعُهُ﴾، وإما على الفاعلية بإضمار فعل يدل عليه (أُلْقِيَ)، والتقدير: أَيُنَبَّأُ، أو: أيبعثُ بشر منا؟ و ﴿وَاحِدًا﴾ على هذه القراءة حال ليس إلا من أحد المذكورات، لا إذا رفعت (أبشر) بالابتداء، فإنه لا يجوز أن يكون حالًا منه لعدم العامل، لأن الابتداء لا يعمل في الأحوال، فاعرفه فإنه موضع.

стр. 3453

وقوله: ﴿وَسُعُرٍ﴾ وقوله: فيه وجهان، أحدهما: جمع سعير، والسعير النار. والثاني: مصدر سَعر، إذا طاش (١)، والسُّعُرُ: الجنون أيضًا، يقال: ناقة مسعورة، أي: مجنونة (٢). وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾، أي: منفردًا، و ﴿أَشِرٌ﴾ اسم الفاعل، وفعله أَشِرَ يَأْشَرُ، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر أَشَرًا، فهو أَشِرٌ، أي: بَطِر. وقوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته لقوله: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا﴾، وبالتاء النقط من فوقه (٣)، إما على حكاية ما قال لهم صالح ﵇ مجيبًا لهم، وإما على تأويل: قل لهم، فيكون من كلام الله جل ذكره. وقوله: ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ الجمهور على كسر الشين وتخفيف الراء، وقد أوضحت آنفًا، وقرئ: (الأشُرُ) بضم الشين وتخفيف الراء (٤)، وهما لغتان بمعنى، يقال: رجل أَشِرٌ وأَشُرٌ، كَيقِظٍ وَيَقُظٍ، وَحَذِرٍ وحَذُرٍ. ونحوها من الأوصاف التي اعتقب عليها المثالان اللذان هما فَعِلٌ وفَعُلٌ. وقرئ: أيضًا: (الأَشَرُّ) بفتح الشين وتشديد الراء (٥)، وهو أَفْعَلُ من الشر جيء به على الأصل، لأن أصل قولهم: هذا خير منه، وشر منه: أخير منه، وأشر منه، فحذفت الهمزة منهما لكثرة الاستعمال، قال رؤبة:

стр. 3454

* بلال خيرُ الناسِ وابنُ الأخْيَرِ (١) * وهو مع ذلك أصل مرفوض، أعني إتيان الهمزة قبلهما، قال الجوهري: وفلان شر الناس، ولا يقال: أشر الناس إلا في لغة رديَّة، انتهى كلامه (٢). ومحل قوله: ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ النصب بقوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾. ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾: قوله : ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً﴾ (فِتنةً) يجوز أن يكون مفعولًا له، أي: باعثوها امتحانًا لهم وابتلاءً، وأن يكون في موضع الحال من المنوي في ﴿مُرْسِلُو﴾، أي: باعثوها مُبْتَلِين. وقيل: هو منصوب على المصدر، أي: فتناهم بذلك فتنة (٣). وقوله: ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ الطاء مبدلة من التاء، وأصله واصتبر، فأبدلوا منها الطاء لتوافق الصاد في الإطباق مع مؤاخاتها في المخرج، والمعنى: واصبر على أذاهم. وقوله: ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ تسمية للمفعول بالمصدر، كضرب الأمير، وخلق الله، أي: مقسوم بينهم، أي بين ثمود وبين الناقة، وإنما جُمع جَمع من يعقل تغليبًا للعقلاء.

стр. 3455

وقوله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ الشرب: النصيب، والمعنى: كل نصيب من الماء يحضره صاحبه في يومه. وقوله: ﴿فَتَعَاطَى﴾ أي: فتناول الفعل، من عَطَوْتُ الشيءَ، إذا تناولته. وقوله: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ أي: كهشيم الرجل المحتظر، وهو الذي يعمل الحظيرة، ويجمع فيها الهشيم لغنمه، وهو من الحظر، والحظر: المنع. والهشيم في اللغة اليابس المتكسر من الشجر وغيره. والجمهور على كسر ظاء ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ وقد أوضحت آنفًا، وقرئ: (المُحْتَظَر) بفتح الظاء (١)، وفيه وجهان، أحدهما: مصدر، أي كهشيم الاحتظار، كقولهم: عود النجارة، وحَجر البناء. والثاني: موضع الاحتظار، أي: الحظيرة. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾: قوله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ قيل: ﴿حَاصِبًا﴾ أي: سحابًا حصبهم، أي: رماهم بالحصباء، وهي الحصى الصغار. وقيل: ﴿حَاصِبًا﴾ أي: ريحًا فيها الحصباء (٢). وقوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ نصب على الاستثناء، والاستثناء متصل، لأن

стр. 3456

الحاصب أرسلت على الجميع فأهلكتهم إلا آل لوط. وقيل: هو منقطع، فالحاصب على هذا لم ترسل على آل لوط (١). وقوله: ﴿بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً﴾ (سحر) هنا نكرة، فلذلك انصرف، والباء في ﴿بِسَحَرٍ﴾ للحال، أي: نجيناهم ملتبسين أو مسحرين، و ﴿نِعْمَةً﴾ مفعول له، أي: نجيناهم إنعامًا منا عليهم، أي: للإنعام عليهم. وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نجزي من شكر جزاء مثل ذلك الجزاء. وقوله: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً﴾ الجمهور على تنوين ﴿بُكْرَةً﴾ لكونهم أرادوا التنكير، وقرئ: بغير تنوين (٢)، على إرادة التعريف. ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾: قوله : ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إنما أُفْرِدَ ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ حملًا على لفظ الجميع، ولو حمل على المعنى لقيل: منتصرون. وقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ الجمهور على البناء للمفعول، وقرئ: (سنهزمُ الجمعَ) بالنون ونصب (الجمع) (٣) على البناء للفاعل، وهو الله جل ذكره، ووجه كليهما ظاهر.

стр. 3457

وقوله: ﴿أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (أدهى) أي: أشد وأعظم، والأدهى: الأعظم في الدهاء والداهية، والأمر الذي لا يهتدى لدوائه. ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾: قوله : ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ (يوم) يجوز أن يكون من صلة قوله: ﴿فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ عند من جعل السُّعُرَ جَمْعَ السعير التي هي النار في الآخرة، وأن يكون من صلة مضمر بعده، أي: يقال لهم في ذلك اليوم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾. وقد جوز أن يكون من صلة قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾. وأن يكون من صلة قوله: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (١). وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ الجمهور على نصب قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، ونصبه بإضمار فعل يدل عليه هذا الظاهر، والتقدير: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، وقرئ: (إنا كلُّ شيء) بالرفع (٢)، قال أبو الفتح: الرفع هنا أقوى من النصب وإن كانت الجماعة على النصب، وذلك أنه من مواضع الابتداء، فهو كقولك: زيد ضربته، وهو مذهب صاحب الكتاب والجماعة (٣)، وذلك لأنها جملة وقعت في الأصل خبرًا عن مبتدأ في قولك: نحن كل شيء خلقناه بقدر، فهو كقولك: زيدٌ هندٌ ضربها، ثم دخلت إنّ فنصبت الاسم، وبقي الخبر على تركيبه الذي كان عليه من كونه جملة من مبتدأ وخبر، انتهى كلامه (٤).

стр. 3458

وليس الأمر كما زعم هنا، بل النصب هنا أقوى من الرفع لدلالته على عموم المخلوقات، والرفع لا يدل على عمومها، ولكن يدل على أن كل شيء [مخلوق] فهو بقدر. بيان ذلك أنك إذا قلت: إنا كلَّ شيء خلقناه، على تقدير: إنا خلقنا كل شيء خلقناه، اشتمل الخلق على جميع الأشياء البتة، كما أنك إذا قلت: خلقنا كلَّ شيء بقدر، كان كذلك، وإذا قلت: إنا كلُّ شيء خلقناه بقدر بالرفع لم يكن متمحضًا للعموم، لأنه يجوز أن يظن أن ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾ في قوله: (كلُّ شيءٍ)، حتى كأنه قيل: إنا كل شيء مخلوق لنا بقدر، أي كائن بقدر، فيجوز أن يكون هنا ما ليس بمخلوق من الأشياء، كما أنك إذا قلت: كلُّ ظريف ضربته في الدار، جاز أن يظن أن (ضربته) صفة لظريف، وأن (في الدار) خبره، حتى كأنك قلت: كلُّ ظريف مضروب مستقر في الدار، فيجوز أن يكون هنا ظرفاء لم تضربهم، وهم الذين ليسوا في الدار. فقوله تعالى: (كلُّ شيءٍ) بمنزلة (كل ظريف)، و ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ بمنزلة ضربته، و ﴿بِقَدَرٍ﴾ مهو بمنزلة (في الدار)، فكما يحتمل قولك: كل ظريف ضربته في الدار، أن جماعة من الظرفاء ضربتهم، وهم المشتمل عليهم الدار فقط، كذلك يحتمل قوله: (كلُّ شيء خلقناه بقدر) إذا رفع كلُّ شيء مخلوقٍ كائن بقدر، فيجوز أن يكون هنا ما ليس بمخلوق في الأشياء، وإذا نصبت لم يحتمل إلا العموم، ألا ترى أنك إذا قلت: كلَّ ظريف ضربته في الدار بالنصب على تقدير الإضمار كان بمنزلة أن تقول؛ ضربت في الدار كلَّ ظريف، وهذا يفيد أن الضرب قد عم جميع الظرفاء، إلا أنه على صفة مخصوصة، وهي إن كان في الدار دون غيرها من الأماكن، وكذا يكون التقدير: في قوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أن الخلق قد عم جميع الأشياء على صفة وهي إن كان بقدر، فيكون الباء في ﴿بِقَدَرٍ﴾ متعلقًا بـ ﴿خَلَقْنَاهُ﴾، ولا يكون فيه إضمار نحو: كائن، وكذا لا يكون في الدار في قولك: كلَّ ظريف ضربته في الدار متعلقًا بضربته دون استقر، كما أنك إذا قلت: ضربت في الدار كل ظريف، كان كذلك، ففي النصب فائدة عظيمة لم

стр. 3459

تكن في الرفع، ولذلك عدل الجمهور إلى النصب، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا (١). فمتى نصبت ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ كان ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ تفسيرًا لناصبه المذكور المقدر، ولا يكون صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾، لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، و ﴿بِقَدَرٍ﴾ من صلة ﴿خَلَقْنَاهُ﴾، ومتى رفع جاز أن يكون ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ في موضع جر على النعت لـ ﴿شَيْءٍ﴾، ويكون الخبر ﴿بِقَدَرٍ﴾ من صلة محذوف وهو كائن أو مستقر، وأن يكون ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ هو الخبر، أي: إنا كلُّ شيء مخلوق لنا بقدر، و ﴿بِقَدَرٍ﴾ إما خبر بعد خبر، أو حال، أي: مقدرًا. وقيل: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ منصوب بمضمر هو جعلنا. و ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾، والتقدير: إنا جعلنا كل شيء مخلوق بقدر. وقيل: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ نصب بأنه بدل من اسم ﴿إِنَّ﴾ بدل الاشتمال، والتقدير: إن كل شيء خلقناه بقدر، والوجه هو الأول وعليه الجل، فاعرفه. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾: قوله : ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ قيل؛ في كتب الحفظة. وقيل: في اللوح المحفوظ (٢). والزبر: الكتب، واحدها زَبُور، وهو فعول بمعنى مفعول، أي مزبور بمعنى مكتوب.

стр. 3460

وقوله: ﴿وَنَهَرٍ﴾ فيه وجهان، أحدهما: في أنهار، فاكتفى باسم الجنس عن الجمع. والثاني: هو السعة والضياء من النهار، لأن الجنة لا ليل فيها، وأصل الكلمة من السعة، انتهر: إذا اتسع، وأنهر الفتق: وَسَّعَهُ، ومن السعة أيضًا: النهر والنهار. والجمهور على فتح النون والهاء في قوله: ﴿وَنَهَرٍ﴾، وهو واحد في معنى الجمع، وقد ذكر آنفًا، وقرئ: (وَنُهُرٍ) بضم النون والهاء (١)، وهو جمع نَهَر، كأُسُدٍ في أَسدٍ، وَوُثُنٍ في وَثَنٍ، ويجوز أن يكون جمع نَهْرٍ، كرُهُنٍ وسُقُفٍ، في جمع رَهْنٍ وسَقْفٍ. وقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون بدلًا من قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾، أي: في مجلسِ حَقٍّ لا لغوَ فيه ولا تأثيمَ، كما يكون في أمكنة الدنيا، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة القمر والحمد لله وحده

стр. 3461

إعراب سورة الرحمن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾: قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (الرحمن) مبتدأ، وما بعده من الأفعال إلى قوله: ﴿الْبَيَانَ﴾ أخبار عنه، أو خبر مبتدأ محذوف على قول من جعله آيةً ليحسن الوقوف عليه، أي: الله الرحمن، وأحد مفعولي ﴿عَلَّمَ﴾ محذوف. وقوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ابتداء وخبر، والتقدير: يجريان بحسبان، أي: بحساب. وقيل: حُسبان جمع حِساب، كشُهبان في جمع شِهاب، عن أبي الحسن (١). وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ الجمهور على نصب قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ﴾، ونصبه بمضمر يدل عليه هذا الظاهر، والتقدير: ورفع السماء، ثم حذف

стр. 3462

حين فسر بقوله: ﴿رَفَعَهَا﴾، وهذه الجملة مركبة من فعل وفاعل معطوفة على جملة مركبة من فعل وفاعل هي: ﴿يَسْجُدَانِ﴾. وقرئ: (والسماءُ) بالرفع (١)، مصروفًا إلى الجملة الكبرى عطفًا عليها، وهي ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾، فكما أن هذه الجملة مركبة من مبتدأ وخبر، كذلك رُكِّبَ ما عطف عليها من مبتدأ وخبر، لتكونا على شكل واحد. وقوله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا﴾ يحتمل أن تكون (أنْ) هنا هي الناصبة للفعل على تقدير حذف الجار وهو اللام، أي: لئلا تطغوا، فيكون في موضع نصب أو جر على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع في كتابي (٢). وأن تكون المفسرة التي هي بمعنى (أي) عارية عن المحل، والقول معها مضمر، والفعل مجزوم بلا. وقوله: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ الجمهور على ضم التاء وكسر السين، ومعناه: لا تنقصوا ما تزنون بالميزان، وقرئ: (ولا تَخسِروا) بفتح التاء وكسر السين (٣) من خَسَرَ يخسِر، بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر، بمعنى: نَقَصَ، لغية في أخسر، يقال: خَسِرتُ الشيءَ وأخسرتُهُ، أي: نقصته، لغتان بمعنى، ذكره الجوهري وغيره (٤). ودترئ أيضًا: (ولا تَخْسَروا) بفتح التاء والسين (٥)، من خَسِر، في كذا يَخْسَر، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر خُسْرًا وخُسرانا، والأصل: لا تَخْسَرُوا في الميزان، فلما

стр. 3463

حذف الجار منه وَصَلَ إليه الفعلُ فنصبه، وله نظائر في التنزيل، وفي كلام القوم (١). ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾: قوله : ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ أي: وضع الأرض، فلما أضمر (وضع) فسّره بقوله: ﴿وَضَعَهَا﴾. واللام من ﴿لِلْأَنَامِ﴾ من صلة ﴿وَضَعَهَا﴾، وقيل: من صلة ما بعدها، أي: للأنام فيها فاكهة (٢)، والوجه هو الأول، وهذا تعسف عند من تأمل. وقوله: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ قرئ: بالرفع فيهن (٣) عطفًا على المرفوع قبلهن وهو ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾، وقرئ: (والريحانِ) بالجر (٤) عطفًا على ﴿الْعَصْفِ﴾، وقرئ: (والحَبَّ ذا العَصْفِ والرَّيْحَانَ) بالنصب فيهن (٥) عطفًا على قوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾، على تقدير: وخلق الحب ذا العصف والريحان. فالحب: ما يؤكل كالحنطة والشعير والذرة وغير ذلك. والعصف: ورق الزرع، وقيل: التبن (٦). وقيل: بقل الزرع، وهو أول ما ينبت منه (٧)، وقد أعصف الزرع.

стр. 3464

والريحان: الرزق، والعرب تقول: خرجت أطلب ريحان الله (١)، أي: رزق الله، وفي الحديث: "الولد من ريحان الله" (٢). وقيل: الريحان: المشموم (٣). واختلف النحاة في وزنه على وجهين: أحدهما: فَيْعِلان في الأصل وعينه محذوفة، وأصله: رَيْوحان، فقلبت الواو ياء لاجتماعهما، وسبق أحدهما بالسكون فبقي رييحان، ثم أدغمت الياء في الياء فبقي ريَّحان، ثم خفف فبقي (رَيْحان) ووزنه فيلان. والثاني: فعلان كلبّان، وأصله: روحان، فقلبت واوه ياء لخفة الياء، كما قلبت في أَشاوَى فبقي (ريحان) كما ترى (٤). وقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ الباء من صلة ﴿تُكَذِّبَانِ﴾، وحُكْمُ ما بعده حكمه. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣)﴾: قوله : ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ محل الكاف الجر لكونه نعتًا لـ ﴿صَلْصَالٍ﴾، والصلصال: الطين اليابس الذي لم يطبخ، له

стр. 3465

صلصلة من يبسه، والفخار: الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف. وقوله: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (من نارٍ) في موضع الصفة لـ ﴿مَارِجٍ﴾. واختلف في الجان، فقيل: أبو الجن. وقيل: هو إبليس (١). وكذا المارج، قيل: اللهب الصافي الذي لا دخان فيه، وقيل: المختلط بسواد النار، من مرج الشيء، إذا اضطرب واختلط. وقيل: المارج: ما اختلط بعضه ببعض من بين أحمر وأصفر وأخضر، من قولهم: مرج أمر القوم، إذا اختلط (٢). وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هو سبحانه رب المشرقين. وقيل: هو مبتدأ والخبر ﴿مَرَجَ﴾، وقد جوز أن يكون بدلًا من المنوي في ﴿خَلَقَ﴾، ويجوز في الكلام جره ودًا إلى قوله: ﴿رَبِّكُمَا﴾ (ربِّ المشرقين وربِّ المغربين). ونصبه على الاختصاص. ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾: في موضع الحال من البحرين، أي: متلاقيين لا حائل بينهما في مرأى العين، وكذا ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ في موضع الحال، أي: غير باغيين. وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ قرئ: بفتح الياء وضم الراء على البناء للفاعل، و (يُخرَج) بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول (٣)، وكلاهما بمعنىً، لأنه إذا أخْرِجَ خَرَجَ. وقرئ أيضًا: (يُخْرِج) بضم الياء وكسر الراء على البناء للفاعل، وهو

стр. 3466

الله جل ذكره، والمنوي فيه له سبحانه، ونصب (اللؤلؤَ والمرجانَ) (١) وهو ظاهر. وقرئ أيضًا كذلك غير أنه بالنون (٢). قيل: وإنما قيل: ﴿مِنْهُمَا﴾ وهما يخرجان من أحدهما وهو الملح، لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال: يخرجان منهما، كما يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، ولكن من بعضه (٣). وقيل: التقدير: من أحدهما, فحذف المضاف (٤). ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾: قوله : ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ﴾ قرئ: بفتح الشين على: أُنشِئَتْ فهي مُنْشَأة، بمعنى: أُجريت فهي مجراة، وهو الوجه، لأنها فُعِلَ بها الإنشاء، وقرئ: بكسرها (٥)، على إسناد الفعل إليها على وجه الاتساع، والتقدير: المنشِئاتُ السيرَ، فحذف المفعول للعلم به.

стр. 3467

وقوله: ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿الْمُنْشَآتُ﴾، وأن يكون في موضع الحال من المنوي في ﴿لَهُ﴾، أو من ﴿الْجَوَارِ﴾ على اختلاف المذهبين. وقوله: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ في موضع نصب على الحال، إما من المنوي في ﴿الْبَحْرِ﴾ إن جعلته حالًا، وإما من المستكن في ﴿الْمُنْشَآتُ﴾، فاعرفه. وقوله: ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ الجمهور على الرفع، وهو صفة للوجه، وقرئ: (ذي) بالجر (١) على الصفة للرب. وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (كلَّ يومٍ) ظرف، وفي عامله وجهان: أحدهما: ما في ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من معنى الفعل، أي: يُحْدِثُ أمورًا كل يوم، أو يجدد كل يوم، و ﴿هُوَ﴾ مبتدأ خبره ﴿فِي شَأْنٍ﴾، والضمير لله جل ذكره. والثاني: ﴿يَسْأَلُهُ﴾ وهو صلة، و ﴿فِي شَأْنٍ﴾ من صلة، ﴿يَسْأَلُهُ﴾ أيضًا، أي يسأله أهل السماوات والأرض كل يوم في شؤونهم وأحوالهم، وقد جوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ غير صلة، ويكون كناية عن السؤال، ويكون مبتدأ، و ﴿فِي شَأْنٍ﴾ خبره، أي: يسأله أهل السماوات والأرض كل يوم، ثم ابتدأ فقال: هو في شأن، أي: سؤالهم في شأن يبدو لهم ويتجدد، والوجه هو الأول بشهادة ما روي عن رسول الله ﷺ أنه تلاها فقيل له: وما ذلك الشأن؟ فقال ﵊: "من شأنه أن يَغفر ذنبًا، ويُفَرِّجَ كَربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين" (٢). فاعرفه.

стр. 3468

وقوله: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ قرئ: (سنَفرُغ) بفتح النون وضم الراء، على الإخبار من الله عن نفسه، بلفظ الجمع على وجه التعظيم والتفخيم. وقرئ كذلك غير أنه بالياء النقط من تحته (١) لقوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾. وقرئ أيضًا: (سنَفرَغ) بفتح النون والراء. و (سيَفرَغ) بفتح الياء والراء، و (سنِفرَغ) بكسر النون وفتح الراء (٢). وبعدُ، فإنه يقال: فَرَغَ يَفْرُغُ، بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر كَدَبَغَ يَدْبُغُ، وعلى هذه اللغة قراءة الجمهور، وفَرَغَ يَفْرَغُ بفتح العين في الماضي والغابر كدفع يدفع، وعلى هذه اللغة القراءة الثالثة والرابعة. وفرغ يفرَغ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر كَلَثِغَ يَلْثَغُ وهي لغة بني تميم، وعليها القراءة الخامسة. وفيه قراءة أخرى وهي (سَيُفْرَغُ) بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول (٣)، ووجهها ظاهر. وفي حرف أبي ﵁: (سنفرغ إليكم) بزيادة إلى التي للغاية (٤)، على معنى: سنقصد إليكم، فهذه سبع قراءات فاعرفهن. ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّت

стр. 3469

السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠)﴾: قوله : ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ ﴿لَا﴾ للنفي والباء للحال، والمعنى: لا تنفذون إلا مملوكين نافذًا سلطاني عليكم، أو بالعكس، أي: لا تنفدون إلا قاهرين غالبين وليس لكم ذلك، أو ناطقين بحجةٍ ولا حجةَ لكم. وقيل: الباء بمعنى (في)، أي: لا تنفذون إلا في سلطاني وملكي (١). وقيل: بمعنى (إلى)، أي: إلا إلى سلطاني وملكي (٢). وقوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ قرئ: (شُواظ) بكسر الشين وضمها (٣)، وهما لغتان. و ﴿مِنْ نَارٍ﴾: في موضع الصفة. و(الشواظ): اللهب الخالص لا دخان معه، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤). وقيل: نار تتأجج (٥). وقيل: لهب أخضر (٦). وقيل: خَلْطٌ من نار ودخان (٧). وعن أبي عمرو ﵀: لا يكون الشواظ إلا من شيئين، وعن أبي الحسن ﵀ كذلك (٨).

стр. 3470

والنحاس: الدخان. وأُنشد: ٥٨٩ - يُضِيءُ كضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ... طِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسًا (١) وعن ابن عباس ﵄: أنه الصُّفْر يذاب ويُصبُّ على رؤوسهم (٢). فإذا فهم هذا، فقرئ: (وَنُحَاسٌ) بالرفع عطفًا على ﴿شُوَاظٌ﴾، وبالجر (٣) عطفًا على ﴿نَارٍ﴾، على قول من جعل الشواظ من النار ومن الدخان، وأما على قول من قال: إنه اللهب الخالص لا دخان معه، فيكون في الكلام حذف موصوف، والتقدير: شواظ من نار وشيء من نحاس، فيكون (شيء) معطوفًا على قوله: ﴿شُوَاظٌ﴾، ويكون (من نحاس) في موضع صفة لشيء، فحذف الموصوف وهو (شيء) لدلالة ما قبله عليه، ثم حذفت (مِنْ) لتقدم ذكرها في ﴿مِنْ نَارٍ﴾، فبقي النحاس مجرورًا بمن المحذوفة. وقرئ أيضًا: (وَنُحُسٌ) بضم النون والحاء والسين مع التنوين (٤) عطفًا على قوله: ﴿شُوَاظٌ﴾، وهو جمع نُحَاسٍ أو جمع نَحْسٍ. وقيل: أصله
следующие страницы →