الله جل ذكره، والمنوي فيه له سبحانه، ونصب (اللؤلؤَ والمرجانَ) (١) وهو ظاهر. وقرئ أيضًا كذلك غير أنه بالنون (٢).
قيل: وإنما قيل: ﴿مِنْهُمَا﴾ وهما يخرجان من أحدهما وهو الملح، لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال: يخرجان منهما، كما يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، ولكن من بعضه (٣). وقيل: التقدير: من أحدهما, فحذف المضاف (٤).
﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾:
قوله : ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ﴾ قرئ: بفتح الشين على: أُنشِئَتْ فهي مُنْشَأة، بمعنى: أُجريت فهي مجراة، وهو الوجه، لأنها فُعِلَ بها الإنشاء، وقرئ: بكسرها (٥)، على إسناد الفعل إليها على وجه الاتساع، والتقدير: المنشِئاتُ السيرَ، فحذف المفعول للعلم به.
стр. 3467
وقوله: ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿الْمُنْشَآتُ﴾، وأن يكون في موضع الحال من المنوي في ﴿لَهُ﴾، أو من ﴿الْجَوَارِ﴾ على اختلاف المذهبين.
وقوله: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ في موضع نصب على الحال، إما من المنوي في ﴿الْبَحْرِ﴾ إن جعلته حالًا، وإما من المستكن في ﴿الْمُنْشَآتُ﴾، فاعرفه.
وقوله: ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ الجمهور على الرفع، وهو صفة للوجه، وقرئ: (ذي) بالجر (١) على الصفة للرب.
وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (كلَّ يومٍ) ظرف، وفي عامله وجهان:
أحدهما: ما في ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من معنى الفعل، أي: يُحْدِثُ أمورًا كل يوم، أو يجدد كل يوم، و ﴿هُوَ﴾ مبتدأ خبره ﴿فِي شَأْنٍ﴾، والضمير لله جل ذكره.
والثاني: ﴿يَسْأَلُهُ﴾ وهو صلة، و ﴿فِي شَأْنٍ﴾ من صلة، ﴿يَسْأَلُهُ﴾ أيضًا، أي يسأله أهل السماوات والأرض كل يوم في شؤونهم وأحوالهم، وقد جوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ غير صلة، ويكون كناية عن السؤال، ويكون مبتدأ، و ﴿فِي شَأْنٍ﴾ خبره، أي: يسأله أهل السماوات والأرض كل يوم، ثم ابتدأ فقال: هو في شأن، أي: سؤالهم في شأن يبدو لهم ويتجدد، والوجه هو الأول بشهادة ما روي عن رسول الله ﷺ أنه تلاها فقيل له: وما ذلك الشأن؟ فقال ﵊: "من شأنه أن يَغفر ذنبًا، ويُفَرِّجَ كَربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين" (٢). فاعرفه.
стр. 3468
وقوله: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ قرئ: (سنَفرُغ) بفتح النون وضم الراء، على الإخبار من الله عن نفسه، بلفظ الجمع على وجه التعظيم والتفخيم. وقرئ كذلك غير أنه بالياء النقط من تحته (١) لقوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾.
وقرئ أيضًا: (سنَفرَغ) بفتح النون والراء. و (سيَفرَغ) بفتح الياء والراء، و (سنِفرَغ) بكسر النون وفتح الراء (٢).
وبعدُ، فإنه يقال: فَرَغَ يَفْرُغُ، بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر كَدَبَغَ يَدْبُغُ، وعلى هذه اللغة قراءة الجمهور، وفَرَغَ يَفْرَغُ بفتح العين في الماضي والغابر كدفع يدفع، وعلى هذه اللغة القراءة الثالثة والرابعة. وفرغ يفرَغ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر كَلَثِغَ يَلْثَغُ وهي لغة بني تميم، وعليها القراءة الخامسة.
وفيه قراءة أخرى وهي (سَيُفْرَغُ) بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول (٣)، ووجهها ظاهر.
وفي حرف أبي ﵁: (سنفرغ إليكم) بزيادة إلى التي للغاية (٤)، على معنى: سنقصد إليكم، فهذه سبع قراءات فاعرفهن.
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّت
стр. 3469
السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠)﴾:
قوله : ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ ﴿لَا﴾ للنفي والباء للحال، والمعنى: لا تنفذون إلا مملوكين نافذًا سلطاني عليكم، أو بالعكس، أي: لا تنفدون إلا قاهرين غالبين وليس لكم ذلك، أو ناطقين بحجةٍ ولا حجةَ لكم. وقيل: الباء بمعنى (في)، أي: لا تنفذون إلا في سلطاني وملكي (١). وقيل: بمعنى (إلى)، أي: إلا إلى سلطاني وملكي (٢).
وقوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ قرئ: (شُواظ) بكسر الشين وضمها (٣)، وهما لغتان. و ﴿مِنْ نَارٍ﴾: في موضع الصفة.
و(الشواظ): اللهب الخالص لا دخان معه، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤). وقيل: نار تتأجج (٥).
وقيل: لهب أخضر (٦). وقيل: خَلْطٌ من نار ودخان (٧). وعن أبي عمرو ﵀: لا يكون الشواظ إلا من شيئين، وعن أبي الحسن ﵀ كذلك (٨).
стр. 3470
والنحاس: الدخان. وأُنشد:
٥٨٩ - يُضِيءُ كضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ... طِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسًا (١)
وعن ابن عباس ﵄: أنه الصُّفْر يذاب ويُصبُّ على رؤوسهم (٢).
فإذا فهم هذا، فقرئ: (وَنُحَاسٌ) بالرفع عطفًا على ﴿شُوَاظٌ﴾، وبالجر (٣) عطفًا على ﴿نَارٍ﴾، على قول من جعل الشواظ من النار ومن الدخان، وأما على قول من قال: إنه اللهب الخالص لا دخان معه، فيكون في الكلام حذف موصوف، والتقدير: شواظ من نار وشيء من نحاس، فيكون (شيء) معطوفًا على قوله: ﴿شُوَاظٌ﴾، ويكون (من نحاس) في موضع صفة لشيء، فحذف الموصوف وهو (شيء) لدلالة ما قبله عليه، ثم حذفت (مِنْ) لتقدم ذكرها في ﴿مِنْ نَارٍ﴾، فبقي النحاس مجرورًا بمن المحذوفة.
وقرئ أيضًا: (وَنُحُسٌ) بضم النون والحاء والسين مع التنوين (٤) عطفًا على قوله: ﴿شُوَاظٌ﴾، وهو جمع نُحَاسٍ أو جمع نَحْسٍ. وقيل: أصله
стр. 3471
نحوس، فقصر بحذف واوه كما قالوا: (نُجُمٌ) في جمع نَجْم، وأصله نُجُوم.
و(نَحْسٌ) بفتح النون وإسكان الحاء، ورفع السين (١)، والمراد به العذاب.
و(نَحُسُّ) بفتح النون وضم الحاء والسين مشددة (٢)، على أنه فعل، من حَسَّ القومَ يَحُسُّهم حَسًّا، إذا قتلهم مستأصَلين، أي: ونقتل بالعذاب.
(ونحاس) بكسر النون (٣)، وهو إما لغيّة فيكون بمعنى الضم، وإما جمع نَحْسٍ كصعَاب وكِعَابٍ في جمع صَعْبٍ وكَعْبٍ.
و(الدهان) جمع دُهْنٍ، كَقِراطٍ في جمع قُرْطٍ، وقيل: (الدهان): الأديم الأحمر (٤)، فيكون مفردًا.
وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ التقدير: لا يسأل إنس عن ذنبه ولا جانّ عن ذنبه، وإنما وحد ضمير المذكورَين لكونهما في معنى البعض، أو على إرادة الجنس.
﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ
стр. 3472
رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥)﴾:
قوله : ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي﴾ القائم مقام الفاعل ﴿بِالنَّوَاصِي﴾ والتقدير: بالنواصي منهم، أو بنواصيهم، وليس في قوله: ﴿فَيُؤْخَذُ﴾ ضمير يقوم مقام الفاعل يعود على المجرمين لأمرين:
أحدهما: ما حكاه الأكابر: أن العرب تقول: أخذت بالناصية، ولا تكاد تقول: أخذت الدابة بالناصية.
والثاني: لو كان فيه ضمير لوجب أن يقال: فيؤخذون، لأجل تقدم ذكرهم، ولا يجوز أن يكون التقدير: فيؤخذ كل واحد بالنواصي كما زعم بعضهم (١)؛ لما ذكرت آنفًا من أن العرب لم تُعَدِّ (أخذ) إلى مفعولين أحدهما بالباء على هذا المعنى، وأيضًا فإن الفاعل لا يحذف (٢).
وقوله: ﴿يَطُوفُونَ﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون في موضع الحال من ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾، و ﴿آنٍ﴾ صفة لـ ﴿حَمِيمٍ﴾، وهو فاعلٌ كَرامٍ وفانٍ، فُعِلَ به ما فُعِل بهما.
وقوله: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ صفة لقوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾، وهو تثنية ذات، وذات تأنيث قولك: ذو، وألف ذات منقلبة عن حرف علة، وهو الواو في ذو، ولامه ياء وهو محذوف، وأصله ذَوَيٌ، وأصل ذات: ذَوَةٌ، ووزنها: فَعَةٌ، لأن الذال فاء، والألف المنقلبة عن الواو عين، واللام محذوفة، وإنما حكم
стр. 3473
بأن اللام المحذوفة ياء، لأن باب (طويت) أكثر من باب قوة، فالواوُ في ﴿ذَوَاتَا﴾ عين، والألف بعدها لائم منقلبة عن ياء، ولو لم تُرَدّ اللام لقيل: (ذاتا)، فكان تكون الألف منقلبةً عن الواو، ودلت التثنية في رجوع اللام فيها على أصل الواحد.
والأفنان: جمع فَنَنٍ، وهو الغصن، ومن قال: أفنانٌ ألوانٌ من كل شيء، فواحدها (فَنٌّ) (١).
قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ هونصب على الحال مِن (منْ خافَ) حملًا على معناه، والعامل فيها الاستقرار، أي: استقر لهم جنتان في هذه الحال. وما بين قوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ صفة للجنتين.
وقوله: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ ابتداء وحْبر في موضع جر على النعت لِـ ﴿فُرُشٍ﴾. وألف ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾ ألف قَطْعِ بمنزلة ميم مستفعل، لأن الهمزة لا تزاد أولًا في بنات الأربعة والخمسة، وتصغيره عند صاحب الكتاب: أُبيرق (٢)، لأن السين والتاء زائدتان، وعند الفراء: تبيرِق، بحذف الهمزة والسين.
وقرئ: (مِنِ استبرق) بوصل الهمزة وكسر النون (٣)، قال أبو الفتح: هذه صورة الفعل بمنزلة استخرج، كأنه سُمِّيَ بالفعل، وفيه ضمير الفاعل، فحُكي جُملةً، وهذا باب إنما طريقه في الأعلام، كتأبط شرًا، وذَرَّى حبًّا، وشابَ قَرناها، وليس الاستبرق عَلَمًا فيُسمَّى بالجملة، انتهى كلامه (٤).
стр. 3474
﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩)﴾:
قوله : ﴿فِيهِنَّ﴾ اختلف في الضمير، فقيل: للآلاء المعدودة من الجنتين، والعينين، والفاكهة، والفرش، والجنى (١). وقيل: للفرش (٢)، أي: عليهن. وقيل: للجنتين، لاشتمالهما على أماكن، وقصور، ومجالس (٣). وقيل: للجنان الأربع (٤): جنةِ عدن، وجنة الفردوس، وجنة نعيم، وجنة المأوى.
وقوله: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ الإضافة غير محضة، وفي الكلام حذف موصوف، أي: نساء قاصرات، أي: قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم، وأُفرد الطرفُ لكونه مصدرًا في الأصل، والطرف: النظر بطَرَفِ العين وهو الجفن.
وقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ﴾ صفة أخرى لـ ﴿قَاصِرَاتُ﴾، أو حال منهن لكونهن خُصِصْنَ بالوصف، أي: مشبهات الياقوت والمرجان، وذو الحال المنوي في ﴿فِيهِنَّ﴾ على رأي صاحب الكتاب، أو ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ على مذهب أبي الحسن.
стр. 3475
﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾:
قوله : ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: في الجنان الأربع. ﴿خَيْرَاتٌ﴾ أي: نساء خَيْرات، والأصل خيّرات بتشديد الياء، ووزن خيّرات بالتشديد: فيعلات، وبالتخفيف: فيلات، الواحدة خَيْرة، والأصل: خَيِّرَة، فخفف بالحذف، كَهَيْنٍ وَلَيْنٍ.
والجمهور على الحذف، وبالأصل قرأ بعض القراء (١).
وقوله: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ﴾ بدل من ﴿خَيْرَاتٌ﴾، أو: وفيهن حور مقصورات، قيل: يقال: امرأةٌ قَصِيرَةٌ، وقَصُورَةٌ، ومَقْصورةٌ، أي: مُخَدَّرَةٌ.
وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من المجرور المضمر المحذوف في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ أي: ولهم من دونهما جنتان، والعامل فيها الاستقرار.
وقوله: ﴿عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ الرفرف: جَمْعٌ، الواحد: رفرفةٌ، ولكونه جمعًا وصف بـ ﴿خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ﴾ كذلك الواحد عبقرية. وقيل: رفرف اسم للجمع (٢). وعبقري واحد يدل على الجمع منسوب إلى
стр. 3476
عبقر، تزعم العرب أنه بلد الجن، فينسبون إليه كل شيء عجيب (١).
وقرئ: (على رفارف)، وهو جمع رفرف، (خُضُرٍ) بضم الضاد وهو قليل ومع قلته بابه النظم دون النثر، و (عباقري) بكسر القاف غير مصروف، وبفتحها ومنع الصرف أيضًا، والوجه: الصرف، كقولك في النسب إلى مدائن: مدائني. قال الزمخشري: وهذا الأوجهُ لصحته، انتهى كلامه (٢). وهذه القراءة منسوبة إلى رسول الله ﷺ ، مروية عن جماعة من الأكابر: كعثمان، ومالك بن دينار، وابن محيصن وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين (٣)، ووجهها إن صحت -أعني (عباقري) بفتح الياء غير مصروف-: أن يكون (عباقر) جمع عبقر، ثم أُلحق ياءَ النفْسِ فصار (عباقري)، ثم زيدت على ياء النفس ياء أخرى، كما زيدت في رَمَيْتِيْهِ وفي أَعْطَيْتُكِيْهِ، حكاه صاحب الكتاب ﵀ (٤)، وكإلحاقهم الياء الهاء في بِهي، فلما كانت الياء بعد هذه الحروف التي هي قريبة من الياء، كانت زيادتها مع الياء أَوْلَى، لأنها نظيرتها، ثم أدغمت ياء النفس في المزيدة، فبقي (عباقري) كما ترى، فهذا وجه هذه القراءة إن صحت، فاعرفه (٥).
وقوله: (ذو الجلال) قرئ: بالرفع والجر (٦)، فالرفع: يعود إلى
стр. 3477
الاسم المضاف، على معنى أن اسمه هو الجليل في قلوب العقلاء والعارفين، وهذه القراءة تؤيد قول من قال: إن الاسم هو المسمى، كأنه قال: تبارك الله. والجر: يعود إلى المضاف إليه. والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة الرحمن جلّ ذكره
والحمد لله وحده [على التمام] (١)
стр. 3478
إعراب سورة الواقعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩)﴾:
قوله : ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ في ﴿إِذَا﴾ وجهان، أحدهما: مفعول به، على معنى: اذكر إذا وقعت. والثاني: ظرف، وعامله يحتمل أوجهًا: أن يكون الاستقرار الحاصل من جهة خبر ﴿لَيْسَ﴾. وأن يكون محذوفًا، أي: إذا وقعت كان كيْت وكيْت. وأن يكون ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾، أي: إذا وقعت خفضت قومًا إلى النار، ورفعت آخرين إلى الجنة. وأن يكون مضمرًا دل عليه قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾: أي: إذا وقعت افرقتم، وقوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي: إذا وقعت ظهرت أحوال الخلق.
وقيل: ﴿إِذَا﴾ صلة (١)، أي: وقعت الواقعة، أي: قرب وقوعها، كقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (٢)
стр. 3479
وقيل: ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ مبتدأ خبره ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ﴾ (١)، على معني وقت هذا وقت هذا، كما تقول: إذا تزورني إذا يقوم زيد، أي: وقتُ زيارتِك إيايَ وقتُ قيامِ زيدٍ، وجاز لإذا أن تفارق الظرفية وترتفع بالابتداء، كما جاز لها أن تخرج بحرف الجر عن الظرفية نحو: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ﴾ (٢)، فـ ﴿إِذَا﴾ عند أبي الحسن مجرورة بحتى، وذلك يخرجها عن الظرفية.
وقيل: العامل في ﴿إِذَا﴾: ﴿وَقَعَتِ﴾، لأنها قد يُجازَى بها كما يجازى بما ومَن اللتين للشرط، فعمل فيها ما بعدها كما يعمل فيهما (٣)، وهذا فيه ما فيه، لأن (إذا) لا يجازى بها في حال السعة والاختيار، وإذا كان كذلك فما بعدها يكون مجرورًا بالإضافة، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.
وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ كاذبة) اسم ليس، والخبر ﴿لِوَقْعَتِهَا﴾ من صلة محذوف وهو الاستقرار، وهو معنى قولي: الاستقرار الحاصل من جهة خبر ﴿لَيْسَ﴾، و ﴿كَاذِبَةٌ﴾ مصدر بمعنى الكذب كالخاطئة والطاغية، أو صفة، أي: نفس كاذبة، أي: ذات كذب، بمعنى: تكذب بها، ومحل الجملة النصب على الحال من ﴿الْوَاقِعَةُ﴾، أي: إذا وقعت الواقعة صادقة.
وقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ الجمهور على الرفع على: هي خافضة رافعة. وقرئ: (خافضةً رافعةً) بالنصب (٤) على الحال من ﴿الْوَاقِعَةُ﴾ , أي: إذا وقعت الواقعة في حال الخفض والرفع، فهذه ثلاث أحوال: أولاهن الجملة
стр. 3480
التي هي ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا﴾، والثانية (خافِضَةً)، والثالثة (رافِعَةً). وجاز ذلك وحسن، أعني كثرة الأحوال، لأن الحال نوع من الخبر، فكما جاز لك أن تأتي للمبتدأ بأخبار، كذلك يجوز أن تأتي بأحوال.
وقوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ يجوز أن تكون بدلًا من ﴿إِذَا﴾ الأولى. وأن تكون خبرًا لها كما شُرح. وأن تكون ظرفًا لـ ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ أي: تخفض وترفع وقت رَجّ الأرضِ وبَسِّ الجبال. وأن لكون مفعولًا به بمعنى: اذكر وقت رجّ الأرض، و ﴿رَجًّا﴾ مصدر مؤكد لفعله، وكذا ﴿بَسًّا﴾.
وقوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ مبتدأ. ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ جملة من مبتدأ وخبر، والجملة خبر ﴿أَصْحَابُ﴾ الذي هو المبتدأ الأول، والمعنى: وأصحاب الميمنة ما هم؟ فلذلك جاز ألا يعود على المبتدأ الأول عائدٌ من المجملة، لأن ﴿أَصْحَابُ﴾ الثاني هو الأول، فهو محمول على المعنى دون اللفظ، وظهور الاسم الثاني بعد تقدمه، ولم يأت مضمرًا، لأنه أفخم وأشد في التعظيم. وكذا ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ حكمُهُ حكمُه في جميع ما ذكرت.
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾:
فأما قوله : ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ فيجوز أن يكون مبتدأ ويكون ﴿السَّابِقُونَ﴾ الثاني خبره، والتقدير: والسابقون إلى الأعمال الصالحة السابقون
стр. 3481
إلى الجنة، وأن يكون مبتدأ ويكون الثاني تأكيدًا له، والخبر ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾. و ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ خبر بعد خبر، أو حال، وقيل: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ صفة لـ ﴿أُولَئِكَ﴾، و ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ خبر ﴿أُولَئِكَ﴾، والجملة خبر ﴿السَّابِقُونَ﴾ هو. وقيل: ﴿السَّابِقُونَ﴾ على تقدير (ما)، مِثْلُ (ما) في أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، أو ﴿الْحَاقَّةُ﴾ و ﴿الْقَارِعَةُ﴾، أي: والسابقون ما السابقون، وحكمه في الإعراب حكم ما قد سلف.
وقوله: ﴿ثُلَّةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هم ثلة، و ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿ثُلَّةٌ﴾، و ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ خبر بعد خبر، أو حال من المنوي في ﴿مِنَ الْأَوَّلِين﴾. وقيل: ﴿ثُلَّةٌ﴾ مبتدأ، والظرف قبله وهو ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ خبره.
وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من المنوي في الظرف، وهو ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾، وهو العامل فيها، وكذا ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حال منه على قوله من جوز حالين من ذي حال واحد، أو من المستتر في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ على قول من لم يجوز، وكذا ﴿يَطُوفُ﴾ في موضع الحال أيضًا، وقد جوز أن يكون مستأنفًا، و ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ من صلة ﴿يَطُوفُ﴾.
وقوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ عطف على (أكواب)، أي: ويطوف عليهم بفاكهة.
وقوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ قرئ: بالرفع (١)، على: وفيها، أو ولهم، أو وعندهم، أو وهناك حور عين. أو عطفًا على المنوي في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، أو ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾، وجاز ذلك من غير تأكيد لطول الكلام، أو على ﴿وِلْدَانٌ﴾، على: يطفن عليهم كالولدان، إما للخدمة أو للتنعم.
وبالجر (٢) عطفًا إما على ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، على معنى: هم في جنات
стр. 3482
وفي حور، أو على (أكواب) حملًا على المعنى، لأن معنى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ﴾: منعمون بأكواب، وبفاكهة، وبلحم طير، وبحور عين.
وبالنصب (١)، على: ويُؤْتَوْنَ حُورًا، حملًا على المعنى، لأن معنى يطاف عليهم بكذا: يعطونه، أو يزوجون حورًا عِينًا، كقوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٢). والحور: جمع حوراء، وهي التي اشتد بياض حدقتها مع اشتداد سوادها، والعِينُ: جمع عَيناء، وهي الواسعة العين، وكسرت العَين لتصح الياء، إذ لو ضُمَّتْ لانقلبت الياء واوًا.
وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا﴾ يجوز أن يكون مفعولًا له، أي: يُفعل بهم ذلك كلُّه لجزاء أعمالهم، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لما قبله، كـ (وعْدَ اللهِ) (٣) أي: يجزون جزاءً، و (ما): يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون موصولة.
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾:
стр. 3483
قوله : ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ ﴿قِيلًا﴾ منصوب على الاستثناء المنقطع (١)، ﴿سَلَامًا﴾: نعت له، أي: ولكن يسمعون قولًا ذا سلامة مما يكره، أي: قولًا سارًا وكلامًا حسنًا، وكرر ﴿سَلَامًا﴾ للتأكيد. وقيل: ﴿سَلَامًا﴾ مفعول به لقوله: ﴿قِيلًا﴾، بمعنى: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلامًا سلامًا (٢). وقيل: هو مصدر (٣) مؤكد لفعل محذوف، أي: إلا أن يقول بعضهم لبعض سَلِمْنا سلامًا، أو اسلم مما تكره سلامًا، أو سلّم الله عليك سلامًا.
ويجوز في الكلام رفعهما بمعنى: سلام عليكم (٤). قيل وقد قرئ به (٥).
وقوله: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ﴾ صفة لـ (فاكهة).
وقوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ الضمير إما للنساء، يدل عليهن الفرش، أو للفرش على قول من قال: المبراد بها النساء. وقيل: لـ (حورٌ عينٌ) (٦)، ومُنع ذلك لأن قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ في قصة السابقين، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ في قصة أصحاب اليمين، فلا يعود إلى قصة أخرى، وإنما يعود إلى القصة التي هو فيها (٧). و ﴿إِنْشَاءً﴾ مصدر مؤكد لفعله.
стр. 3484
وقوله: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾: عُرُبًا جمع عَرُوب، كرُسل في رَسول، و (عُرْبًا) مخفف منه (١)، وهي المتحببة إلى زوجها، الحسنة التبعل. و ﴿أَتْرَابًا﴾: جمع تِرْبٍ. واللام في ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ يجوز أن تكون من صلة ﴿أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾، وأن تكون من صلة ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ﴾، وأن تكون من صلة محذوف على أنها خبر لقوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾، أو صفة لأتراب.
﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾:
قوله : ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ واليحموم: الدخان الأسود الشديد السواد، مشتق من الحُمّ، أو الحُمَمِ، وهو الرماد والفحم، يفعول منه.
وقوله: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ (من) الأولى: يجوز أن تكون لابتداء الغاية والمفعول محذوف، أي: لآكلون طعامًا، أي: شيئًا. وأن تكون صلة على رأي أبي الحسن، أي: لآكلون شجرًا. وأما الثانية: فلبيان الشجر وتفسيره، ومحلها الجر على اللفظ إنْ قَدَّرْتَ المفعولَ محذوفًا، أو النصب على المعنى إن لم تقدر، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
وقيل: ﴿مِنْ﴾ الثانية صلة (٢)، أي: لآكلون زقومًا من شجر.
стр. 3485
قيل: وأُنِّث ضمير الشجر على المعنى، وذُكِّر على اللفظ في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ و ﴿عَلَيْهِ﴾ (١).
وقيل: الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ للزقوم، أو للمأكول، والأول أمتن (٢).
وقوله: ﴿فَمَالِئُونَ﴾ ﴿فَشَارِبُونَ﴾ عطف على قوله: ﴿لَآكِلُونَ﴾.
وقوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ قرئ: بالحركات الثلاث (٣)، أما الفتح: فمصدر بلا مقال، وأما الضم: ففيه وجهان، أحدهما: اسم للمصدر. والثاني: مصدر كالفتح. وأما الكسر: فبمعنى المشروب كالطحن بمعنى المطحون، أي: فشاربون ما يشربه الهيمُ. وقيل: هن لغات في المصدر (٤). وانتصابه: على تقدير شرْبًا، مثل شرب الهيم، فحذف الموصوف والمضاف.
والهِيم: جمع أهيم، وهو الذي أصابه الهيام، وهو داء يأخذ الإبل من العطش، فلا يزال يشرب حتى يهلك، والأنثى هيماء، ولم يضم أوله لئلا ينقلب الياء واوًا.
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ
стр. 3486
(٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾:
قوله: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ (على) على بابها مَيلًا إلى المعنى، لأن معنى ما أنا بمسبوق على الشيء: قادر عليه، فحمل على المعنى دون اللفظ. وقيل: بمعنى اللام، وفي الكلام حذفان: حذف مفعول، وحذف جار، والتقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، فحذف المفعول من الأولى والجار من الثاني.
وقوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ الجمهور على فتح الظاء وإسكان اللام مفردة، فالفتح هو الأصل، وأصله: ظَلِلتم بفتح الظاء وكسر اللام، فحذفت اللام الأولى تخفيفًا. و (فَظِلْتُمْ) بكسر الظاء (١)، على نقل حركة اللام الأولى إليها بعد إزالة حركتها، لأنها لا تتحرك بحركة وهي متحركة بأخرى، وحذفها بعد النقل، و (فَظَلِلْتُمْ) على الأصل. و (فَظَلَلْتُم) بلامين على الأصل أيضًا، غير أنه فتحت اللام (٢)، فَكَسْرُ اللام هو الشائع، وفَتْحُها لُغَيَّة. وأصل ﴿تَفَكَّهُونَ﴾: تتفكهون، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا.
стр. 3487
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾:
قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ (لا) صلة عند قوم (١)، وَرَدٌّ لكلامٍ سالفٍ عند قوم (٢)، ونفي للقسم عند آخرين، والمعنى: أن الكلام أوضح من أن يُحتاج معه إلى قسم (٣).
والجمهور على إتيان الألف بعد اللام، وعن الحسن: (فلأقسم) بغير ألف بعدها (٤)، على أن اللام لام الابتداء دخلت على جملة من مبتدأ وخبر، والتقدير: فلأنا أقسم، كقولك: لَزَيد منطلق، ثم حُذف المبتدأ للعلم به مع عدم اللبس، إذ لو كانت اللام لام القسم للزمت معها النون المؤكدة، قيل: لأَقسمن، والفعل فعل الحال، ولو أريد به الاستقبال لقرنت به النون، وحذفها ضعيف جدًا في النثر. وقيل: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ أصله: فلأقسم، فأشبعت فتحة اللام فتولدت منها الألف، وهو تعسف (٥).
стр. 3488
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ جواب القسم.
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ اعتراض بين القسم والمقسم عليه. وقوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، أيضًا اعتراض بين قوله: ﴿لَقَسَمٌ ... عَظِيمٌ﴾ وهما الموصوف والصفة، و ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ اعتراض بينهما والتقدير: أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم، فاعترض بين القَسَمِ والمُقْسَمِ عليه بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ ... عَظِيمٌ﴾ ثم اعترض أيضًا بين الموصوف والصفة بقوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ فاعرفه.
وقوله: ﴿بِمَوَاقِعِ﴾ قرئ: (بموقع) بغير ألف على الإفراد (١)، لأنه مصدر يؤدي عن معنى الواحد والجميع. وبالألف على الجمع (٢) لاختلاف ذلك مع موافقة ما أضيف إليه.
وقوله: ﴿فِي كِتَابٍ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع على أنه صفة بعد صفة لقوله: ﴿لَقُرْآنٌ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو في كتاب. وأن يكون في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿كَرِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ محل الجملة إما الرفع على أنها صفة أخرى (لقرءان)، أو الجر: على أنها نعت لـ ﴿كِتَابٍ﴾. فـ ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ على الأول نهي، وضَمَّةُ السينِ ضَمَّةُ بناءٍ تابعة لضمة الهاء، والفعل مجزوم، أو لفظه نفي ومعناه نهي، وله نظائر في التنزيل (٣).
ولا يجوز لأحد أن يمس القرآن إلا وهو طاهر، وهو مذهب غير واحدٍ
стр. 3489
من فقهاء الصحابة والتابعين (١). وعلى الثاني: خبرٌ، والضمة ضمة إعرابٍ، والمعنى: لا يمسه إلا الملائكة.
والجمهور على تخفيف الطاء وفتح الهاء، وفعله طَهَّرَ، طَهَّرَهُم الله من الذنوب والخطايا، فهم مطهرون، وقرئ: (إلا المُطَّهِّرُونَ) بتشديد الطاء وكسر الهاء (٢)، وأصله: المتطهرون، فأدغمت التاء في الطاء، وبه قرئ أيضًا، أعني بالأصل (٣). و (المُطْهَرون) بإسكان الطاء وفتح الهاء مخففة (٤)، من أطهره بمعنى طَهَّره. وقرئ أيضًا كذلك، غير أنه بكسر الهاء (٥)، بمعنى يُطَهرون أنفسهم أو غيرهم بالاستغفار لهم وما يُنَزِّلونه من الوحي.
وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ الجمهور على رفعه، على: هو تنزيل، أو صفة أخرى لقرآن، أي: مُنزل من رب العالمين، تسمية للمفعول بالمصدر، كخلق الله، وضرب الأمير، أو وُصِفَ بالمصدر لكونه نُزِّل نجومًا (٦) دون سائر الكتب المنزلة، فكأنه في نفسه تنزيل، كقولك: رجل صَوْمٌ، وزَوْزٌ. وقرئ: (تنزيلًا) بالنصب (٧) على: نُزِّلَ تنزيلًا.
стр. 3490
وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، فحذف المضاف وهو الشكر، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر، والمعنى: تجعلون شكر الله على ما رزقكم تكذيب رسله والكفر به. الأزهري: المعنى: وتجعلون بدل شكر رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب بأنه من عند الله (١). وقرئ: (تَكْذِبون) بالتخفيف (٢)، على معنى: أنكم تقولون: مُطِرنا بنوء كذا، وتنسبون المطر الذي هو رزق الله إلى الأنواء لا إلى الله .
﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾:
قوله : ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (لولا) بمعنى: هلّا، أي: فهلّا إذا بلغت النفس وهي الروح إلى الحلقوم. و ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ جواب (لولا) هذه، والتقدير: فلولا ترجعون روح ميتكم إلى بدنه إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين، وأغنى هذا الجواب عن جواب (لولا) الثانية، وأغنى ذلك عن جواب الأولى. وقيل (لولا) الثانية مكررة للتوكيد (٣).
стр. 3491
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ شرط دخل على شرط، والجواب متعلق بهما، والتقدير: إن كنتم صادقين غير مدينين فارجعوها. كما تقوله: إن دخلت الدار إنْ كلمتَ زيدًا أكرمتُك، أي: إن دخلت الدار وكلمت زيدًا أكرمتك.
وقوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ﴾ (فروحٌ) جواب (أما)، وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب (أما)، والتقدير: مهما يكن من شيء فله روح إن كان من المقربين فله روح، فحذف جواب الشرط لدلالة ما تقدم عليه، كما حذف الجواب في قولك: أنت ظالم إن فعلت، لدلالة أنت ظالم عليه، هذا مذهب المبرد (١)، ومذهب أبي الحسن: أن الفاء جواب (أما) و (إنْ) (٢)، ومعنى ذلك أن الفاء جواب (أما) وقد سد مسد جواب (إنْ)، فهو راجع إلى معنى القوله السالف، وقد مضى الكلام على (أما) في أول البقرة بأشبع ما يكون (٣).
والجمهور على فتح راء قوله: ﴿فَرَوْحٌ﴾، واختلف في معناه: فقيل: الروح: الراحة، وقيل: الفرح، وقيل: طِيبُ نسيم (٤). وقرئ: (فرُوح) بضمها (٥)، أي: فبقاء وحياة، قال أبو الفتح: وهو راجع إلى معنى الرَّوْحِ، فكأنه قال: فممسكُ رُوْحٍ، وممسكها هو الرَّوْحُ، كما تقوله: هذا الهواء هو الحياة، وهذا السماحُ هو العيش، وهو الرُّوحُ، انتهى كلامه (٦).
стр. 3492
وقوله: ﴿فَنُزُلٌ﴾ أي: فله نزل، أو فرزقه نزل.
وقوله: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ الجمهور على رفعها عطفًا على قوله: ﴿فَنُزُلٌ﴾، وقرئ: (وتصليةِ) بالجر (١)، عطفًا على ﴿حَمِيمٍ﴾.
وقوله: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ قيل: أصل اليقين أدن يكون نعتًا للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع، والتقدير: حق الخبر اليقين، كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ (٢)، وقولهم: صلاة الأولى، ومسجد الجامع (٣). و ﴿الْعَظِيمِ﴾ يجوز أن يكون نعتًا للاسم أو للرب. والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة الواقعة
والحمد لله وحده
стр. 3493
إعراب سورة الحديد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾:
قوله : ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، الزمخشري: جاء في بعض الفواتح ﴿سَبَّحَ﴾ على لفظ الماضي، وفي بعضها على لفظ المضارع (١)، وكل واحد منهما معناه: أن مِن شأن ما أسند إليه التسبيح أن يسبحه، وذلك هجيراه وديدنه، وقد عُدِّيَ هذا الفعل باللام تارة، وبنفسه أخرى في قوله: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ (٢)، وأصله التعدي بنفسه، لأن معنى سبحته: بعدته عن السوء، منقول من سَبَحَ، إذا ذَهَبَ وبَعُدَ، فاللام لا تخلو إما أن تكون مثل اللام في نصحته ونصحت له، وإما أن يراد بـ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ أحدث التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصًا (٣).
وقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ما في السموات وما في الأرض، فحذفت (ما) وهي نكرة موصوفة عند أهل البصرة، وقامت الصفة
стр. 3494
وهي (في الأرض) مقام الموصوف، ولا يجوز أن تكون موصولة عندهم، لأن الصلة لا تقوم مقام الموصول، وأجاز ذلك أهل الكوفة، والوجه هو الأول، لأن الفريقين (١) أجمعوا على جواز قيام الصفة مقام الموصوف، فحمله على الإجماع أولى من حمله على الاختلاف (٢).
وقوله: ﴿يُحْيِي﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا عاريًا عن المحل، وأن يكون مرفوعًا على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو يحيي، وأن يكون منصوبًا على الحال من الضمير المجرور في ﴿لَهُ﴾، والعامل فيها ما تعلق به ﴿لَهُ﴾، و ﴿وَيُمِيتُ﴾ عطف عليه، وحكمه حكمه في الأحوال الثلاث.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾:
قوله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أي: كائن أو شاهد معكم.
وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ ابتداء وخبر. ﴿لَا تُؤْمِنُونَ﴾ في موضع نصب على الحال، أي: ما لكم غير مؤمنين، كقولك: ما لك قائمًا؟ وقيل: هو
стр. 3495
على حذف أن وإضمار الجار، والتقدير: ما لكم في أن لا تؤمنوا، فأضمر (في) ثم حذف (أنْ) فارتفع الفعل.
وقوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ محل الجملة النصب على الحال من الضمير في ﴿لَا تُؤْمِنُونَ﴾، أي: وما لكم غير مؤمنين بالله مَدْعُوًّا للإيمان بربكم، فهما حالان متداخلتان كما ترى.
وقوله: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ قرئ: بفتح الهمزة والخاء على البناء للفاعل وهو الله جل ذكره، أو الرسول عَزَّ نَصْرُهُ، ونصب الميثاق به، وبضم الهمزة وكسر الخاء على البناء للمفعول ورفع الميثاق به (١)، وبناؤه للفاعل كبنائه للمفعول في المعنى.
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾:
قوله : ﴿أَلَّا تُنْفِقُوا﴾ أي: في ألا تنفقوا، فحذف (في).
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ﴾ الواو واو الحال، والتقدير: أي شيء لكم في ترك الإنفاق والحال أنكم تعلمون أن الأموال يرثها الله تعالى وتصير إليه؟ .
وقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ﴾ في الكلام حذف، والتقدير: من أنفق من قبل الفتح ومن أنفق من بعد الفتح، فحذف لوضوح الدلالة في الآية، لأن قوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾ يدل عليه. و ﴿دَرَجَةً﴾: تمييز.
стр. 3496
وقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (كُلًا) نصب على أنه المفعول الأول لـ ﴿وَعَدَ﴾، و ﴿الْحُسْنَى﴾ المفعول الثاني، أي: وعد الله كُلًا من المنفق قبل الفتح والمنفق بعده الحسنى، أي المثوبة الحسنى، وهي الجنة على ما فسر (١).
وقرئ: (وكلٌ) بالرفع (٢) على أنه مبتدأ، لأن المفعول إذا تقدم ضعف عمل الفعل، والجملة التي هي بعده خبره على تقدير العائد، والتقدير: وكلٌّ وعده الله الحسنى، ثم حُذف كما يحذف من الصِّلات والصفات نحو: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٣)، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ (٤)، أي: بعثه، ولا تجزي نفس فيه، ومنه قوله الشاعر:
٥٩٠ - ..................... ... فَثَوْبٌ نَسِيتُ وَثَوْبٌ أَجُرّ (٥)
والتقدير: ثوب نسيته وثوب أجره.
وقوله: (فيضاعفُه) قرئ: بالرفع عطفًا على ﴿يُقْرِضُ﴾، وبالنصب على جواب الاستفهام حملًا على المعنى، وقد ذكر في البقرة بأشبع من هذا (٦).
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾:
стр. 3497
قوله : ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (يوم) يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾، على معنى: أن الأجر الكريم يحصل لهم في ذلك اليوم. وأن يكون مفعولًا به على: اذكر ذلك اليوم تعظيمًا له. وقيل: هو ظرف لـ ﴿وَعَدَ﴾. وقيل: لـ ﴿يَسْعَى﴾. وقيل: لمحذوف، أي: يُؤْجَرُونَ في ذلك الوقت (١).
و﴿يَسْعَى﴾: في موضع نصب على الحال، لأن قوله: ﴿تَرَى﴾ من رؤية العين. و ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: حال من النور، وكذا ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ أي: يسعى كائنًا من أيديهم وكائنًا بأيمانهم، ولك أن تجعل ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ظرفًا لقوله: ﴿يَسْعَى﴾، أو حالًا من النور وتقف عليه، وتبتدئ بقوله: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾، على معنى: وبأيمانهم كتبهم.
والجمهور على فتح همزة (أيمانهم)، وهو جمع يمين، وقرئ: (بإيمانهم) بكسر الهمزة (٢)، وهو الإيمان الذي هو التصديق، والمعنى: يسعى نورهم بين أيديهم وبسبب إيمانهم في الدنيا يقال لهم: بشراكم اليوم جنات، أي: دخول جنات، فحذف المضاف، ولا بد من هذا التقدير لأن البشرى معنى، والجنة عين، فلا تكون هي هي.
وقد أجاز أبو الفتح أن يكون (بإيمانهم) على قراءة من كسر الهمزة معطوفًا على قوله: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، وعَطَفَ ما ليس بظرف على الظرف، لأن معنى الظرف الحال، وهو متعلق بمحذوف، أي: كائنًا بين أيديهم، وكائنًا بإيمانهم، وليس ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من صلة ﴿يَسْعَى﴾ عنده، لأنه يلزم من ذلك أن يعطف على الظرف وهو ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما ليس بظرف وهو
стр. 3498
(بإيمانهم)، وقد علمت أن العطف نظير التثنية، والتثنية توجب تماثل المثنى، وإذا جعلت ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ حالًا، جاز أن يعطف عليه الباء وما جرته، فاعرفه فإنه موضع (١).
وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ نصب على الحال، وذو الحال محذوف يدل عليه المصدر المقدر المحذوف الذي هو (دخول)، كأنه قال: بشراكم اليوم دخول جنات تدخلون خالدين، وتكون الفائدة منوطة بالحال، أو يبشرون خالدين، يدل عليه ﴿بُشْرَاكُمُ﴾، ولا يجوز أن يكون حالًا من المصدر الذي هو (دخول) كما زعم بعضهم (٢) لعدم العامل والفائدة، ولا الكاف والميم في ﴿بُشْرَاكُمُ﴾ كما زعم بعضهم (٣)، لأجل التفرقة بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو ﴿جَنَّاتٌ﴾، أي: دخول جنات، فاعرفه.
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾:
قوله : ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ يجوز أن يكون بدلًا من قوله: ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ وأن يكون ظرفًا لقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، أو لما دل عليه هذا، أي: يفوزون في ذلك اليوم. وأن يكون مفعولًا به بإضمار اذكر.
стр. 3499
وقوله: ﴿انْظُرُونَا﴾ أي: انتظرونا، من نظرت بمعنى انتظرت، كقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ (١)، أي: غير منتظرين إدراكه، وقرئ: (أَنظِرونا) بفتح الهمزة (٢)، أي: أَخِّرونا، يقال: أنظرته، إذا أخرته، والمعنى: أمهلونا.
وقوله: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ (وراءكم) تأكيد لقوله: ﴿ارْجِعُوا﴾ لأنه أيضًا في معنى ارجعوا، كأنه قيل: ارجعوا ارجعوا، ففي ﴿وَرَاءَكُمْ﴾ ضمير، وهو من الأسماء التي سميت بها الأفعال، كما تقول: وراءك زيدًا، وليس بظرف لقوله: ﴿ارْجِعُوا﴾ كما زعم بعضهم لعدم الفائدة، لأن لفظ الرجوع يغني عنه (٣)، والباء في قوله: ﴿بِسُور﴾ صلة، أي: سور (٤).
وقوله: ﴿لَهُ بَابٌ﴾ ابتداء وخبر، والجملة ضفة لقوله: ﴿بِسُورٍ﴾. ﴿بَاطِنُهُ﴾: مبتدأ، ﴿الرَّحْمَةُ﴾: مبتدأ ثان، و ﴿فِيهِ﴾ خبره، والجملة خبر عن المبتدأ الأول، والمبتدأ الأول وخبره في موضع الصفة لـ ﴿بَابٌ﴾. و ﴿يُنَادُونَهُمْ﴾ مستأنف.
وقوله: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الجمهور على فتح الغين، وهو الشيطان، وقرئ: (الغُرور) بضمها (٥)، وهو مصدر بمعنى الاغترار، فالفتح اسم الفاعل، والضم مصدر.
стр. 3500
وقوله: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ قيل: ﴿مَوْلَاكُمْ﴾ مصدر كالمأوى مضاف إلى المفعول، أي: تليكم وتمسكم. وقيل: المعنى هي أولى بكم، واختير الأول، لأن المولى بمعنى الأولى عزيز لا يكاد يوجد (١). وقيل: هي ناصركم، أي: لا ناصر لكم غيرها، والمراد نفي الناصر (٢).
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾:
قول : ﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾ في موضع رفع لكونه فاعل ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾.
والجمهور على تخفيف قوله: ﴿أَلَمْ﴾ , وقرئ: (ألمّا) بالتشديد (٣)، و (لم) أصلها، زيدت عليها (ما) فصارت نفيًا لقوق القائل: قد كان كذا، ولم نفي لقوله: كان كذا، بغير قد، فزادوا في النفي حين زادوا في الإثبات (٤).
وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ من أَنَى يأني أَنًا، إذا حان إناه، أي وقته. وفيه لغة أخرى آن يئين وأنشد:
٥٩١ - ألَمَّا يَئِنْ لي أَنْ تُجَلَّى عَمايَتي ... وأُعْرِضُ عن ليلى بَلَى قد أَنَى لِيا (٥)
стр. 3501
فجمع بينهما كما ترى.
وقوله: (وما نَزَّلَ) في موضع جر عطفًا على ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: وَلِمَا نَزّله الله على رسوله من الحق، و (ما) موصولة، ويجوز أن تكون مصدرية، وقرئ: (نَزَلَ) بالتخفيف (١)، والمنوي يعود إلى ﴿مَا﴾، أي: نزل هو بإنزال الله جل ذكره إياه، و ﴿مَا﴾ على هذه القراءة موصولة لا غير، إذ لو جعلتها مصدرية لبقي الفعل بلا فاعل، والموصول بلا عائد، وأما مَن شَدّد (٢)، فـ ﴿مَا﴾ يحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، لأن المنوي في الفعل لله جل ذكره لا لـ ﴿مَا﴾ فاعرفه.
وقوله: ﴿وَلَا يَكُونُوا﴾ يجوز أن يكون عطفًا على ﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾ فيكون نصبًا، وأن يكون نهيًا لهم فيكون جزمًا. والجمهور على الياء فيه النقط من تحته لأنهم غيب، وقرئ: (ولا تكونوا) بالتاء (٣) على الالتفات.
وقوله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ قرئ: بتشديد الصاد والدال فيهما (٤)، والأصل: المتصدقين والمتصدقات، اسم الفاعل من الصدقة، فأدغمت التاء في الصاد بعد قلبها صادًا، يعني الباذلين للصدقة والباذلات لها، تعضده قراءة من قرأ على الأصل: (المتصدقين والمتصدقات)، وهو أبي بن كعب ﵁ (٥).
стр. 3502
وقرئ: بتشديدها أي الدال ليس إلا (١)، وذلكم اسم الفاعل من صدّق يصدّق بمعنى الإيمان، أي: إن الذين يصدّقون الله ورسوله واللاتي يصدقن، يعني أن المؤمنين والمؤمنات، وهو يجمع الإيمان والصدقة، أعني التخفيف، لأن الصدقة من جملة شرائع الإيمان، وأيضًا فإن الاقتراض قد ذكر بعده، فلو كان بمعنى الصدقة لكان الكلام كالتكرار، فإذا حمل على التصديق أفاد معنى غير معنى الصدقة.
وقوله: ﴿وَأَقْرَضُوا﴾: فيه وجهان:
أحدهما: عطف على معنى الفعل في ﴿الْمُصَّدِّقِينَ﴾ لأن ﴿الْمُصَّدِّقِينَ﴾ بمعنى الذين تصدقوا، فكأنه قيل: إن الذين تصدقوا وأقرضوا، لأن الألف واللام في الكلمة بمعنى الذي، واسم الفاعل بمعنى الفعل، والواو في قوله: ﴿وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ بمعنى مع، ولا يكون للعطف كما زعم الجمهور من المعربين، لأن عطف الصلة على الصلة - أعني تصدقوا وأقرضوا - لا يجوز بعد العطف على الموصول، لأنه يكون مانعًا وفاصلًا بين الصلة والموصول، وإذا كان بمعنى (مع) كان متعلقًا بقوله: ﴿تَصَدَّقُوا﴾، فيكون التقدير: إن الذين تصدقوا مع المتصدقات، فيكون المتصدقات من إتمام الصلة التي هي تصدقوا، فيكون ﴿وَأَقْرَضُوا﴾ عطفًا عليه بعد تمامه من غير مانع ولا فاصل، فاعرفه فإنه موضع.
والثاني: اعتراض بين اسم ﴿إِنَّ﴾ وخبرها وهو ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾، وجاز [فيه] الاعتراض لأنه يسدد الأول، والتقدير: إن المصدقين والمصدقات وقد أقرضوا لله قرضًا حسنًا يضاعف لهم، فيكون ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ و ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ خبره، وعلى الأول يكون ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ
стр. 3503
وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ جميعًا اسم ﴿إِنَّ﴾ و ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ خبره، فاعرفه فإنه بيان شافٍ (١).
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، ونهاية صلة الموصول ﴿وَرُسُلِهِ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ أيضًا، و ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر ﴿أُولَئِكَ﴾، والجملة خبر المبتدأ الأول.
وقوله: ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: متصل بما قبله عطف على ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾، أي: أولئك هم الصديقون والشهداء، أي: عدول الآخرة، أي: هم الموصوفون بصفة المبالغة في الصدق وبكونهم شهداء في الآخرة، و ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الخبر، و ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ يعود على (٢) الجميع.
والثاني: ليس متصلًا بما قبله، بل هو مستأنف مبتدأ، والخبر ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ خبر بعد خبر، ولك أن تجعل هذا هو الخبر، ويكون ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ من صلة هذا الخبر، وتمامه يُنْوَى به
стр. 3504
التأخير، وقال بعضهم: الوقوف على (الشهداء)، ثم تبتدئ بما بعده (١).
وقوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ في محل الكاف وجهان:
أحدهما: النصب على الحال من معنى ما ذكر، أي. تثبت لها هذه الصفات مشبهة غيثًا.
والثاني: الرفع، وفيه وجهان، أحدهما: صفة لـ (تفاخر)، أي: تفاخر مثل غيث. والثاني: خبر بعد خبر للحياة.
وقوله: ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ انتصاب قوله: ﴿مُصْفَرًّا﴾ على الحال من الضمير المنصوب، لأن الرؤية من رؤية العين.
وقوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ الأول للكافرين، والمذكوران بعده للمؤمنين، والوقف على قوله: ﴿شَدِيدٌ﴾ جيد.
﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾:
قوله : ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ﴾ في موضع جر على النعت لـ (جَنَّةٍ) وكذا ﴿أُعِدَّتْ﴾.
стр. 3505
وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (في الأرض) يجوز أن يكون من صلة ﴿أَصَابَ﴾، وأن يكون من صلة ﴿مُصِيبَةٍ﴾ لكونها مصدرًا، وأن يكون من صلة محذوف على أنه نعت لـ ﴿مُصِيبَةٍ﴾ في موضع جر أو رفع على اللفظ أو على الموضع، كقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١). وحكم قوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ حكم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في الأوجه، وحسن دخول (لا) للحاق النفي في أول الكلام.
وقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿مُصِيبَةٍ﴾ أو من المنوي ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: إلا مكتوبة.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا لـ ﴿كِتَابٍ﴾، وأن يكون صفة له.
وقوله: ﴿أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي: من قبل أن نخلق المصيبة، أو الأرض، أو الأنفس (٢).
وقوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ اللام من صلة محذوف، أي: أَعْلَمَكُمْ ذلك، أو كَتَبَ ذلك في اللوح المحفوظ، و ﴿تَأْسَوْا﴾ منصوب بعين (كي) (٣)، واللام هنا جارّة لدخولها على (كي)، ﴿وَلَا تَفْرَحُوا﴾ منصوب أيضًا عطف على قوله: ﴿تَأْسَوْا﴾.
وقوله: (بما أتاكم) قرئ: بالقصر (٤) لقوله: ﴿فَاتَكُمْ﴾ لأن الفاعل