← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

فجمع بينهما كما ترى. وقوله: (وما نَزَّلَ) في موضع جر عطفًا على ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: وَلِمَا نَزّله الله على رسوله من الحق، و (ما) موصولة، ويجوز أن تكون مصدرية، وقرئ: (نَزَلَ) بالتخفيف (١)، والمنوي يعود إلى ﴿مَا﴾، أي: نزل هو بإنزال الله جل ذكره إياه، و ﴿مَا﴾ على هذه القراءة موصولة لا غير، إذ لو جعلتها مصدرية لبقي الفعل بلا فاعل، والموصول بلا عائد، وأما مَن شَدّد (٢)، فـ ﴿مَا﴾ يحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، لأن المنوي في الفعل لله جل ذكره لا لـ ﴿مَا﴾ فاعرفه. وقوله: ﴿وَلَا يَكُونُوا﴾ يجوز أن يكون عطفًا على ﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾ فيكون نصبًا، وأن يكون نهيًا لهم فيكون جزمًا. والجمهور على الياء فيه النقط من تحته لأنهم غيب، وقرئ: (ولا تكونوا) بالتاء (٣) على الالتفات. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ قرئ: بتشديد الصاد والدال فيهما (٤)، والأصل: المتصدقين والمتصدقات، اسم الفاعل من الصدقة، فأدغمت التاء في الصاد بعد قلبها صادًا، يعني الباذلين للصدقة والباذلات لها، تعضده قراءة من قرأ على الأصل: (المتصدقين والمتصدقات)، وهو أبي بن كعب ﵁ (٥).

стр. 3502

وقرئ: بتشديدها أي الدال ليس إلا (١)، وذلكم اسم الفاعل من صدّق يصدّق بمعنى الإيمان، أي: إن الذين يصدّقون الله ورسوله واللاتي يصدقن، يعني أن المؤمنين والمؤمنات، وهو يجمع الإيمان والصدقة، أعني التخفيف، لأن الصدقة من جملة شرائع الإيمان، وأيضًا فإن الاقتراض قد ذكر بعده، فلو كان بمعنى الصدقة لكان الكلام كالتكرار، فإذا حمل على التصديق أفاد معنى غير معنى الصدقة. وقوله: ﴿وَأَقْرَضُوا﴾: فيه وجهان: أحدهما: عطف على معنى الفعل في ﴿الْمُصَّدِّقِينَ﴾ لأن ﴿الْمُصَّدِّقِينَ﴾ بمعنى الذين تصدقوا، فكأنه قيل: إن الذين تصدقوا وأقرضوا، لأن الألف واللام في الكلمة بمعنى الذي، واسم الفاعل بمعنى الفعل، والواو في قوله: ﴿وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ بمعنى مع، ولا يكون للعطف كما زعم الجمهور من المعربين، لأن عطف الصلة على الصلة - أعني تصدقوا وأقرضوا - لا يجوز بعد العطف على الموصول، لأنه يكون مانعًا وفاصلًا بين الصلة والموصول، وإذا كان بمعنى (مع) كان متعلقًا بقوله: ﴿تَصَدَّقُوا﴾، فيكون التقدير: إن الذين تصدقوا مع المتصدقات، فيكون المتصدقات من إتمام الصلة التي هي تصدقوا، فيكون ﴿وَأَقْرَضُوا﴾ عطفًا عليه بعد تمامه من غير مانع ولا فاصل، فاعرفه فإنه موضع. والثاني: اعتراض بين اسم ﴿إِنَّ﴾ وخبرها وهو ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾، وجاز [فيه] الاعتراض لأنه يسدد الأول، والتقدير: إن المصدقين والمصدقات وقد أقرضوا لله قرضًا حسنًا يضاعف لهم، فيكون ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ و ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ خبره، وعلى الأول يكون ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ

стр. 3503

وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ جميعًا اسم ﴿إِنَّ﴾ و ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ خبره، فاعرفه فإنه بيان شافٍ (١). ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، ونهاية صلة الموصول ﴿وَرُسُلِهِ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ أيضًا، و ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر ﴿أُولَئِكَ﴾، والجملة خبر المبتدأ الأول. وقوله: ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: متصل بما قبله عطف على ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾، أي: أولئك هم الصديقون والشهداء، أي: عدول الآخرة، أي: هم الموصوفون بصفة المبالغة في الصدق وبكونهم شهداء في الآخرة، و ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الخبر، و ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ يعود على (٢) الجميع. والثاني: ليس متصلًا بما قبله، بل هو مستأنف مبتدأ، والخبر ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ خبر بعد خبر، ولك أن تجعل هذا هو الخبر، ويكون ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ من صلة هذا الخبر، وتمامه يُنْوَى به

стр. 3504

التأخير، وقال بعضهم: الوقوف على (الشهداء)، ثم تبتدئ بما بعده (١). وقوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ في محل الكاف وجهان: أحدهما: النصب على الحال من معنى ما ذكر، أي. تثبت لها هذه الصفات مشبهة غيثًا. والثاني: الرفع، وفيه وجهان، أحدهما: صفة لـ (تفاخر)، أي: تفاخر مثل غيث. والثاني: خبر بعد خبر للحياة. وقوله: ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ انتصاب قوله: ﴿مُصْفَرًّا﴾ على الحال من الضمير المنصوب، لأن الرؤية من رؤية العين. وقوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ الأول للكافرين، والمذكوران بعده للمؤمنين، والوقف على قوله: ﴿شَدِيدٌ﴾ جيد. ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾: قوله : ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ﴾ في موضع جر على النعت لـ (جَنَّةٍ) وكذا ﴿أُعِدَّتْ﴾.

стр. 3505

وقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (في الأرض) يجوز أن يكون من صلة ﴿أَصَابَ﴾، وأن يكون من صلة ﴿مُصِيبَةٍ﴾ لكونها مصدرًا، وأن يكون من صلة محذوف على أنه نعت لـ ﴿مُصِيبَةٍ﴾ في موضع جر أو رفع على اللفظ أو على الموضع، كقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١). وحكم قوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ حكم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في الأوجه، وحسن دخول (لا) للحاق النفي في أول الكلام. وقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿مُصِيبَةٍ﴾ أو من المنوي ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: إلا مكتوبة. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا لـ ﴿كِتَابٍ﴾، وأن يكون صفة له. وقوله: ﴿أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي: من قبل أن نخلق المصيبة، أو الأرض، أو الأنفس (٢). وقوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ اللام من صلة محذوف، أي: أَعْلَمَكُمْ ذلك، أو كَتَبَ ذلك في اللوح المحفوظ، و ﴿تَأْسَوْا﴾ منصوب بعين (كي) (٣)، واللام هنا جارّة لدخولها على (كي)، ﴿وَلَا تَفْرَحُوا﴾ منصوب أيضًا عطف على قوله: ﴿تَأْسَوْا﴾. وقوله: (بما أتاكم) قرئ: بالقصر (٤) لقوله: ﴿فَاتَكُمْ﴾ لأن الفاعل

стр. 3506

هو الفائت، فكذلك يكون الفاعل في قوله: ﴿آتَاكُمْ﴾ الآتي، والعائد إلى (ما) في الموضعين المنوي الذي في فات وفي أتى. وبالمد (١) والمنوي فيه لله جل ذكره والعائد إلى (ما) محذوف، أي: (بما آتاكموه)، والقصر من الإتيان، والمد من الإيتاء. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب إما على البدل من قوله: ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ﴾، أو على إضمار أعني، وأن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين، أو على الابتداء والخبر محذوف، أي: الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل مُسْتَغْنًى عنهم، يدل عليه ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، وقد ذكر نظيره في النساء (٢). ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾: قوله : ﴿فِيهِ بَأْسٌ﴾ محل الجملة؛ النصب على الحال من الحديد، أي: أنزلناه ذا بأس. وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ نصب بالعطف

стр. 3507

على الضمير المنصوب في ﴿يَنْصُرُهُ﴾، أي: وينصر رسله، كقوله: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١). ولا يجوز أن يكون عطفًا على مفعول ﴿لِيَعْلَمَ﴾ وهو ﴿مَنْ﴾ لأن فيه فصلًا بين الصلة والموصول، وذلك أن قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ من صلة ﴿يَنْصُرُهُ﴾ ولا يجوز أن يكون من صلة (يَعْلَمَ) لفساد المعنى، وإذا كان من صلة ﴿يَنْصُرُهُ﴾ كان من تمام صلة ﴿مَنْ﴾ ولا يجوز العطف على الموصول قبل تمام صلته فاعرفه، وقد ذكر نظير هذا فيما سلف من الكتاب في غير موضع (٢). وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ عطف على قوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ﴾ و ﴿لِيَقُومَ﴾ من صلة ﴿أَنْزَلْنَا﴾. وقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ انتصاب قوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ بفعل مضمر دل عليه ما بعده، والتقدير: وابتدعوا رهبانية، ثم فسر المضمر بقوله جل ذكره ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ لا بالعطف على الرحمة، لأجل أنك إذا عطفت على الرحمة وجب أن تجعل ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ صفة لها، حتى كأنك قلت: ورهبانيةً مبتدعةً لهم، وهذا غير مستقيم لأن الرهبانية لو كان حكمها حكم الرحمة لما وصفت بأنها مبتدعة من جهتهم، وإذا لم يستقم هذا وجب أن يكون انتصابها بمضمر دل عليه ما بعده، والوقف على ﴿وَرَحْمَةً﴾، وقيل: إنها معطوفة على الرحمة، و ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ صفة لها، على معنى: أن الله تعالى أعطاهم إياها فغيروا وابتدعوا فيها، والأول هو الوجه وعليه الجل (٣). والرهبانية: من الرهبة وهي الخوف، وذاك أن يبلغ من خوف الله إلى حال ينقطع معها عن الناس، وعن ملأ الدنيا، وينفرد بالعبادة.

стр. 3508

وقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون استثناءً منقطعًا، وأن يكون بدلًا من الضمير المنصوب في قوله: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا﴾ وأن يكون مفعولًا له، والتقدير: ما كتبناها عليهم لكن فعلوها لابتغاء رضوان الله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾: قوله : ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ الجمهور على كسر اللام وفتح الهمزة بعدها، و (لا) صلةٌ عند الجمهور، تعضده قراءة من قرأ: (ليعلم) بغير (لا) وهو ابن مسعود ﵁ وغيره (١)، والمعنى: ليعلم أهل الكتاب عجزهم. وقيل: ليست بصلة (٢)، والضمير في ﴿يَقْدِرُونَ﴾ ليس لأهل الكتاب، والمعنى: لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدر المؤمنون على شيء من فضل الله، وهي من صلة محذوف دل عليه الكلام، أي: فعل الله هذه الأشياء لأن يعلم. وقرئ: (لَيْلا يَعْلَمَ) بفتح اللام الأولى وإسكان الياء من غير همزة (٣)، ووجه ذلك أن من العرب من يفتح لام الجر مع الظاهر. وحكى أبو الحسن

стр. 3509

عن أبي عبيدة أن بعضهم قرأ: (وإنْ كَانَ مَكْرهُمْ لَتَزَوُلَ مِنْهُ الجِبَالُ) بفتح اللامين جميعًا (١)، فأما إسكان الياء فوجهه أن همزة (أنَّ) حذفت فبقيت (لن لا) فأدغمت النون في اللام فبقي (للا) فلما اجتمعت اللامات أبدلت الوسطى منهن ياء، كما قالوا: أيما، والأصل: (أمَّا)، ودينار والأصل: (دِنَّار) وديوان والأصل: (دِوَّان). وقرئ: أيضًا: (لِيْلَا) بكسر اللام وإسكان الياء (٢)، ووجهه ما ذكر آنفًا، غير أنه أبقى لام الجر على اللغة المشهورة وهي الكسرة. وقوله: ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ (أنْ) فيه مخففة من الثقيلة، والأصل: أنه لا يقدرون، أي: الأمر أو الشأن لا يقدرون، وليست بأن الناصبة للفعل المستقبل لأمرين: أحدهما: ارتفاع الفعل بعدها. والثاني: أن (أن) الناصبة لا تقع بعد العلم، لو قلت: علمت أن يقوم زيد، لم يجز، لا أعرف في ذلك خلافًا بين النحويين، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الحديد والحمد لله وحده

стр. 3510

إعراب سُورة المُجَادلِة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾: قوله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ (قد) حرف توقع، قيل: ومعنى التوقع ها هنا أن رسول الله ﷺ والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها، وينزل في ذلك ما يفرج عنها (١). وقوله: ﴿وَتَشْتَكِي﴾ يجوز أن تكون الواو للحال، وأن تكون للعطف. وقوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾: في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلة الموصول ﴿مِنْ نِسَائِهِم﴾، والخبر ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، وقرئ: (أمهاتِهم) بكسر التاء ورفعها (٢)، على اللغتين الحجازية والتميمية. وقوله: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ (إن) بمعنى (ما)، و ﴿اللَّائِي﴾ في موضع رفع على اللغتين جميعًا لكونه إيجابًا.

стр. 3511

وقوله: ﴿مُنْكَرًا﴾ ﴿وَزُورًا﴾ كلاهما نعت لمصدر محذوف، وهما منصوبان بالقول، أي: لَيقولون قولًا منكرًا وقولًا زورًا. ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾: قوله : (والذين يظَّهَّرونَ) مبتدأ، ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ عطف على (يَظَّهَّرون) (١). وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، أي: فعليهم تحرير رقبة، والمبتدأ والخبر في موضع رفع لوقوعهما موقع خبر المبتدأ الأول وهو (والذين يَظَّهَّرون). وقوله: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ فيه وجهان: أحدهما: من صلة قوله: ﴿يَعُودُونَ﴾، و (ما): يجوز أن تكون مصدرية تسمية للمفعول بالمصدر، كضرب الأمير، وخلق الله، واللام على بابها، والمعنى: يعودون لإمساك المقول فيه الظهار، والعود ههنا إمساك الحليلة على الزوجية عَقِيبَ الظهار ولو بلحظة مع إمكان الطلاق، فإذا أمسكها عقيب الظهار ولمْ يطلقها، كان جماعها عليه حرامًا إلى أن يُكَفِّرَ. وعن الفراء: اللام بمعنى عن، والمعنى: ثم يرجعون عما قالوا (٢)، ويريدون الوطء. وقيل: اللام بمعنى إلى، والمعنى: ثم يعودون إلى ما قالوا (٣)، أي:

стр. 3512

يعودون إلى لمحول الكلمة التي قالوها أولًا، من قولهم: أنت عليَّ كظهر أمي، فيوجبون تحرير الرقبة إذا قالها مرة أخرى. وقيل: بمعنى في (١)، وأن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة. والثاني: من صلة قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، والمعنى: والذين يَظَّهَّرُون من نسائهم فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به ثم يعودون إلى نسائهم، وفي هذا كلام وتفصيل وأحكام، ولا يليق ذكرها هنا. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ الضمير في ﴿يَتَمَاسَّا﴾ يرجع إلى ما دل عليه الكلام من المُظاهِرِ والمظاهَرِ منها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾: قوله : ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ (يوم) ظَرْفٌ لِظَرْفٍ، أي: استقر لهم العذاب المهين في ذلك اليوم، وهو يوم البعث، أو منصوب بإضمار (اذكر) تعظيمًا لليوم، فيكون مفعولًا به. و ﴿جَمِيعًا﴾ حال، بمعنى: مجتمعين في حال واحدة، أو بمعنى الإحاطة، أي: لا يُترك منهم أحد. وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (كان) هنا التامة، أي: ما يقع، أو ما يحدث من نجوى. والنجوى هنا يجوز أن تكون مصدرًا بمعنى

стр. 3513

التناجي، فتكون مضافة إلى ﴿ثَلَاثَةٍ﴾، وأن تكون بمعنى متناجين فيكون ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ بدلًا منها. ويجوز في الكلام رفع ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ على البدل من موضع ﴿نَجْوَى﴾، وموضعها الرفع على الفاعلية، و ﴿مِنْ﴾ صلة، أي: تقع أو تحدث نجوى ثلاثة. ونصبها على الحال من المنوي في ﴿نَجْوَى﴾ على أن تكون بمعنى متناجين. والجمهور على الياء في قوله: ﴿مَا يَكُونُ﴾ النقط من تحته، وهو لِما في الكلام من معنى الشياع وعموم الجنسية، كقولك: ما جاءني من امرأة، وقرئ: (ما تكون) بالتاء (١)، لأجل تأنيث اللفظ، فكأنه قيل: ما تكون نجوى ثلاثة (٢). وقوله: ﴿وَلَا خَمْسَةٍ﴾ الجمهور على الجر عطفًا على ﴿ثَلَاثَةٍ﴾، وقرئ: (ثلاثةً) و (خمسةً) بالنصب (٣) على الحال من المستكن في ﴿نَجْوَى﴾، على أن يكون بمعنى متناجين. وقوله: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾ عطف على ما قبله، وكذا ﴿وَلَا أَكْثَر﴾ عطف على اللفظ، وهو في موضع جر، ولكنه لا ينصرف، كأنه قيل: ما يكون مِن أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. ويجوز أن يكون مفتوحًا على أن ﴿لَا﴾ لنفي الجنس. وقرئ: (ولا أكثرُ) بالرفع (٤)، وذلك يحتمل وجهين:

стр. 3514

أن يكون عطفًا على محل ﴿لَا﴾ مع ﴿أَدْنَى﴾، كقولك: لا حولَ ولا قوةٌ إلا بالله بفتح الحول ورفع القوة، وأن يكونا مرفوعين بالعطف على محل ﴿نَجْوَى﴾، كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثرُ إلا هو معهم. وقد جوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء، كقولك: لا حولٌ ولا قوةٌ إلَّا بالله، بالرفع والتنوين فيهما (١). وقوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ الجمهور على فتح النون وتشديد الباء وضم الهمزة، وقرئ: (ثم يُنْبِئْهم) بإسكان النون والهمزة تخفيفًا (٢). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾: قوله : ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ وقرئ: (ويَنْتَجُون) (٣)، وكلاهما بمعنىً، يقال: تناجوا وانتجوا، ولذلك قالوا: ازْدَوَجُوا، فصححوا إذ كان بمعنى تزاوجوا. وقوله: ﴿وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ الجمهور على ضم العين وإفراد

стр. 3515

المعصية، وقرئ: (والعِدوان) بكسر العين (١)، وهما لغتان. (وَمَعْصِياتِ الرسولِ): على الجمع (٢)، لاختلاف معاصيهم، وهما كالرسالة والرسالات. وقوله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ابتداء وخبر. وقوله: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ في موضع نصب على الحال، أي: يكفيهم جهنم صالين إياها. وقوله: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾ المنوي في ﴿لَيْسَ﴾ يجوز أن يعود إلى الشيطان، وأن يعود إلى التناجي، و ﴿شَيْئًا﴾ منصوب على المصدر، أي: ضَرًّا. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾: قوله : (تفسحوا في المجلس) قرئ: بالإفراد (٣)، لأنه أريد به مجلس رسول الله ﷺ ، وهو واحد وإن كانت فيه مجالس، ويجوز أن يراد به العموم، فيكون كقولهم: كثر الدرهم والدينار.

стр. 3516

وقرئ: بالجمع (١)، لكثرة مجالس القوم، ويجوز أن يراد به مجلس رسول الله ﷺ ، وجمع لأن فيه مجالسَ، لكل جالسٍ مجلسٌ. والجمهور على كسر لام المجلِس وهو الوجه، والمراد به المكان، وقرئ: (في المجلَس) بفتحها (٢)، وهو الجلوس، أي: توسعوا في جلوسكم، ولا تضايقوا. وعلى تشديد سين (تفسّحوا) من غير ألف، وقرئ: (تفاسحوا) بتخفيفها مع الألف (٣)، ومعناه: ليفسح بعضكم لبعض، فالتفاسح تفاعل، والتفسح في معناه، إذ لم يُرَدْ به تفسح مخصوص، فهو شائع بينهم فسرى لذلك في جميعهم، فاعرفه فإنه من كلام أبي الفتح (٤). وقوله: ﴿انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ قرئ: بضم الشين وكسرها (٥)، وهما لغتان. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (والذينَ) في موضع نصب بالعطف على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾. فأما انتصاب ﴿دَرَجَاتٍ﴾ فيحتمل أوجهًا: أن يكون مصدرًا، أي: ويرفع الذين أوتوا العلم رفع درجات، فحذف المضاف. وأن يكون حالًا منهم. وأن يكون ظرفًا. وأن يكون على إسقاط الخافض، أي: إلى درجات.

стр. 3517

وقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ اختلف في (إذ) هنا، فقيل: هي بمعنى (إن) الشرطية، كقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ (١). قيل: هي لما مضى والمراد بها الاستقبال، كقوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ (٢). وقيل: هي على بابها على معنى: إنكم تركتم ذلك فيما مضى فتداركوه بإقامة الصلاة (٣). وقوله: ﴿وَتَابَ اللَّهُ﴾ عطف على ﴿لَمْ تَفْعَلُوا﴾ لأنه في معنى المُضيِّ. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾: قوله : ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الجمهور على فتح الهمزة، وهو جمع (يمين)، أي: اتخذوا أيمانهم الكاذبة ولمحاية لدمائهم وأموالهم، وقرئ: (إِيمانهم) بكسرها (٤)، والمراد به الإيمان الذي هو التصديق، وفي الكلام حذف مضاف، والتقدير: اتخذوا إظهار إيمانهم وقاية، فحذف المضاف. ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ

стр. 3518

(٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾: قوله : ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ أَحَدُ ما أَتَى على الأصل، نحو: استصوب، واستنوق الجمل، وقياسه: استحاذ، كاستقام، وإنما أتى على الأصل تنبيهًا عليه، ليعلم أن أصله هكذا كالقصوى. وقوله: ﴿لَأَغْلِبَنَّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: جواب ﴿كَتَبَ﴾ على إجرائه مجرى القسم، كأنه قيل: أَقْسَمَ اللهُ. والثاني: جواب قسم محذوف، والوجه هو الأول. و﴿أَنَا﴾ توكيد للضمير الذي في ﴿لَأَغْلِبَنَّ﴾. وقوله: ﴿لَا تَجِدُ﴾ يجوز أن يكون بمعنى تصادف، وأن يكون بمعنى وجدت زيدًا ذا الحفاظ. فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: ﴿يُوَادُّونَ﴾ صفة لقوم بعد صفة، أو حال، أو مفعول ثان على الوجه الثاني لقوله: ﴿لَا تَجِدُ﴾. و ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضمير المنصوب. والله تعالى أعلم بكتابه، [وبما هو الصواب فيه]. هذا آخر إعراب سورة المجادلة والحمد لله وحده

стр. 3519

إعراب سُورَةِ الحَشْر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾: قوله : ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ من صلة ﴿أَخْرَجَ﴾، والمعنى: أخرجهم عند أول الحشر. وقوله: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ﴾ الظن الأول على بابه، والثاني: بمعنى العلم واليقين، بشهادة وقوع (أنَّ) المشددة بعده. وقوله: ﴿مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ﴾ (مانِعَتُهمْ) خبر (أنَّ) و ﴿حُصُونُهُمْ﴾ مرتفعة به على الفاعلية على المذهبين، لكون اسم الفاعل معتمدًا، لا على الابتداء و ﴿مَانِعَتُهُمْ﴾ الخبر كما زعم بعضهم (١). وقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ﴾ الجمهور على القصر من الإتيان، أي: فأتاهم أمره، أو عذابه، فحذف المضاف. وقرئ: (فآتاهم الله) بالمد (٢)

стр. 3520

من الإيتاء، أي: فآتاهم الهلاكَ. وقوله: (يُخَرِّبُونَ بيوتَهم) قرئ: مشددًا من التخريب، ومخففًا (١) من الإخراب، وهما واحد في المعنى، لأن فعَّل وأفْعَل كثيرًا ما يأتيان بمعنى واحد، نحو: فَرَّحْتُهُ وأَفْرَحْتُهُ. وعن أبي عمرو: أنه فرق بين التخريب والإخراب، فقال: التخريب: الهدم، والإخراب: التعطيل (٢). ومحله النصب على الحال، ويجوز أن يكون مستأنفًا ومفسرًا للرعب، فيكون عاريًا عن المحل. ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤)﴾: قوله : ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ﴾ (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، وهو ضمير الشأن أو الأمر، ومحلها الرفع على الابتداء، لأن (لولا) إذا كانت بمعنى الامتناع لا يليها إلا المبتدأ. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ ابتداء وخبر، أي: ذلك العذاب المعد لهم في الآخرة بسبب أنهم شاقوا الله، ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار فعل، أي: فعلنا بهم ذلك بسب كيت وكيت. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: شديد العقاب له، فحذف العائد للعلم به. ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾:

стр. 3521

قوله : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ (ما) شرطية منصوبة الموضع بـ ﴿قَطَعْتُمْ﴾، كقوله : ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ (١) وجواب الشرط قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ و ﴿مِنْ لِينَةٍ﴾ في موضع نصب على التمييز. و ﴿لِينَةٍ﴾ فِعْلَةٌ، إما من اللون، وأصلها: لِوْنَة، بشهادة قولهم في جمعها: ألوان، فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها كالدِّيمة، وجمعها: لِينٌ، وجمع اللين: لِيانٌ، كذئب وذئاب. وإما من لان يلين، فياؤها على هذا أصلية وليست بمنقلبة، واختلف في اللينة، فقيل: ضَرْبٌ من النخل (٢). وقيل: كِرامُ النخل (٣)، كأنهم اشتقوها من اللين. وقيل: ألوان التمر سوى العجوة والبرني (٤). وقيل: سوى العجوة، والعرب تسمى ألوان التمور إذا اجتمعت ما لم يكن فيها عجوة: لِينٌ جمع لينة (٥). وقوله: ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾ انتصاب قوله: ﴿قَائِمَةً﴾ على الحال من الضمير المنصوب في ﴿تَرَكْتُمُوهَا﴾ الراجع إلى ﴿مَا﴾، وأُنث لأنه في معنى اللينة. وقرئ: (قائمًا على أصوله) (٦) ردًّا على لفظ ﴿مَا﴾ دون معناها. و (قُوَّمًا) (٧)، وهو جمع قائم، كشُهَّدٍ في جمع شَاهدٍ، و (على أُصُلِها) بضم الصاد من غير واو (٨)، وذلك يحتمل وجهين: أن يكون جمع أصْلٍ، كرُهُنٍ

стр. 3522

في جمع رَهْنٍ، وأن يكون اسْتُغْنيَ بالضمة عن الواو، كقوله: ٥٩٢ - فَلَوْ أَنَّ الأَطِبَّا كَانُ حَوْلِي ... .................... (١) يريد كانوا، فحذف الواو وأبقى الضمة تدل عليها، وهذا مذهب القوم في كثير من كلامهم، يجتزئون بالضمة عن الواو، وبالكسرة عن الياء، وبالفتحة عن الألف. ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾: قوله : ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ (ما) شرطية في محل النصب بقوله: ﴿أَفَاءَ﴾. وفَاءَ يَفِيءُ فَيْئًا: رَجَعَ، وأَفَاءَهُ غيرُهُ: رَجَعَهُ. وقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ جواب الشرط، والإيجاف من الوجيف، وهو السير السريع، يقال: وجف الفرس يجف وجفًا ووجيفًا: إذا أسرع، وكذا البعير، وأوجفته: إذا حركته وأتعبته، قال العجاج: ٥٩٣ - * نَاجٍ طَوَاهُ الأَيْنُ مِمَّا وَجَفَا (٢) * الأين: الإعياء، قال أبو زيد: لا يبنى منه فعل (٣).

стр. 3523

وقوله: ﴿مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (من) صلةٌ، أي: خيلًا ولا ركابًا، والركاب: الإبل خاصة، واحدتها راحلة، ولا واحد لها من لفظها. ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾: قوله : ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ حكمها حكم ما سلف آنفًا في الإعراب والمعنى. قيل: وإنما خَلَتْ هذه الجملة من العاطف، لأنها بيان للأولى، فهي منها غيرُ أجنبية عنها (١). وقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ من صلة محذوف، أي: فعلنا ذلك في هذه الغنائم، أو بينا ذلك لئلا يغلب الأغنياءُ الفقراءَ على الفيء. قيل: والمراد بالأغنياء: الرؤساء، أي: يعملون فيه كما يفعل أهل الجاهلية، لأنهم جعلوا الحكم للرؤساء (٢). وقرئ: (كي لا يكون) بالياء النقط من تحته (دُولَةً) بالنصب، أي: كيلا يكون الفيء دولةً، وبالتاء النقط من فوقها (دُولَةٌ) بالرفع (٣)، على (كان) التامة، كقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (٤) أي: كيلا تقع دولةٌ، أو تحدث دولةٌ.

стр. 3524

و ﴿بَيْنَ﴾ يجوز أن يكون من صلة (دُولة)، على معنى: تداول بين الأغنياء، وأن يكون من صلة (تكون) أي: تقع أو تحدث بينهم، وأن يكون من صلة محذوف على أنه نعت لـ (دُولة)، أي: كائنةٌ بينهم، أو كائنةً على قدر القرائتين، وقد جوز أن تجعل (كان) الناقصة، وتجعل ﴿بَيْنَ﴾ خبرها (١)، والوجه هو الأول وعليه الجل (٢). ولو قرئ بالتاء النقط من فوقه مع نصب ﴿دُولَةً﴾ لكان جائزًا، على معنى: كيلا تكون الغنيمةُ دولةً. والجمهور على ضم دال (دُولة)، وقرئ: (دَولة) بفتحها (٣). واختلف فيهما: فقيل: الدُّولة بالضم ما يتداوله الناس بينهم، وبالفتح الظفر في الحرب. وقيل: الدُّولة بالضم انتقال النعمة من قوم إلى قوم، وبالفتح الاستيلاء والغلبة. أبو الفتح: منهم من يفصل بينهما فيقول: الدَّولة في المُلْك، والدُّولة في المِلْكِ. ومنهم من لا يفصل (٤). وقيل: بالضم مثل العارية، يقال: اتخذوه دُولةً يتداولونه بينهم، وبالفتح من دال عليهم الدهر دَولةً، ودالت الحربُ بهم. وقيل: يكونان جميعًا في الحرب والمال (٥).

стр. 3525

وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ قيل: بدل من قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ والمعطوف عليه (١). وقيل: من صلة محذوف يدل عليه قوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾، والتقدير: ولكن يكون للفقراء، وما بينهما اعتراض (٢). ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ يجوز أن يكون في موضع جر عطفًا على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾، وأن يكون في موضع رفع على الابتداء والخبر ﴿يُحِبُّونَ﴾، أو محذوف، أي: أفلحوا أو فازوا، و ﴿يُحِبُّونَ﴾ على هذا، وعلى الأول في موضع نصب على الحال. وقوله: ﴿وَالْإِيمَانَ﴾ منصُوب بفعل مضمر (٣). وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من صلة ﴿تَبَوَّءُوا﴾، أي: والذين تبوؤا الدار من قَبْلِ المهاجرين، وإنما قُدِّر هذا لأن إيمان الأنصار ليس قبل إيمان المهاجرين، وقد جوز أن يكون محمولًا على ما دل عليه ﴿تَبَوَّءُوا﴾، لأن معناه لزموا، كأنه قيل: لزموا الدار ولزموا الإيمان، فلم يفارقوهما. وقيل: في الكلام حذف مضاف تقديره: تبوءوا الدار وحلوا موطن الإيمان (٤).

стр. 3526

وقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ في الكلام حذف مضافين، والتقدير: مَسَّ حاجةٍ من فَقْدِ ما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره، أي: لا يحسدونهم على ما أوتوا من الفضيلة، فحُذفا للعلم بهما. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ يجوز أن يكون في موضع جر أيضًا عطفًا على ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾، فيكون قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ حالًا، وأن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣)﴾: قوله : ﴿لَنَخْرُجَنَّ﴾ جواب القسم، وأَغْنَى جواب القسم عن جواب الشرط، ومثله ﴿لَا يَخْرُجُونَ﴾، وكذا ﴿لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾، ودل على القسم في هذه المواضع اللام في ﴿لَئِنْ﴾. وقوله: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّه﴾ أي: رهبتكم في قلوبهم أشد من رهبة الله، فالمصدر المقدر حذفه في تقدير الإضافة إلى الفاعل، و ﴿رَهْبَةً﴾ نصب على التمييز. وقيل التقدير: رهبتهم لكم تزيد على رهبتهم لله. ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾:

стр. 3527

قوله : ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا﴾ (جميعًا) نصب على الحال من الضمير المرفوع، أي مجتمعين. ﴿إِلَّا فِي قُرًى﴾: جمع قرية على غير قياس، والقياس قِرَاء (١). (أو من وراء جدار) قرئ: بكسر الجيم وفتح الدال وبعدها ألف (٢)، وفيه وجهان، أحدهما: مفرد يراد به الجمع، كقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (٣) أي: أطفالًا. والثاني: تكسير جدار، والألف في الواحد كألف كتاب، وفي الجمع كألف ظِراف، ونظيره: ناقة هِجان، ونوق هِجان، ومثله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٤) هو جمع إمام، وهو عند الأخفش: جمع آمّ، كقيام في جمع قائِم (٥). و﴿جُدُرٍ﴾ بضم الجيم والدال من غير ألف على الجمع (٦). و(جُدْر) بضم الجيم وإسكان الدال (٧)، [وهي تخفيف الأولى. و (جَدْر) بفتح الجيم وإسكان الدال] (٨) والجَدْرُ والجدَارُ بمعنىً وهو الحائط، غير أن جمع الجدار جُدُر، وجمع الجَدْرِ جُدْران، كبطْنِ وبُطْنان (٩)، وقد

стр. 3528

جوز أن يكون المعنى على قراءة من قرأ: (من وراء جَدْرٍ) من وراء شجرهم ونخلهم (١)، يقال: أجْدَرَ الشجر، إذا طلعت رؤوسها في أول الربيع. والجَدْرُ نبت، واحدته: جَدْرَةٌ (٢). وقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ﴾ أي: مَثَلُ هؤلاء كمثل الذين، فحذف المبتدأ، ومِثْلُهُ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾، وقيل: ﴿كَمَثَلِ﴾ متصل بقوله: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ (٣) ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾. و﴿قَرِيبًا﴾: نعت لظرف محذوف، أي: وقتًا قريبًا، أي: في وقت قريب، والعامل فيه محذوف، والتقدير: أُخْرِجُوا من قبلهم قريبًا، أو ذاقوا وبال أمرهم قريبًا. ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾: قوله : ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ الجمهور على نصب العاقبة على خبر كان، واسمها ﴿أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾، وقرئ: (عاقبتُهما) بالرفع (٤) على أنها الاسم، والخبر ﴿أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾.

стр. 3529

وعلى نصب ﴿خَالِدَيْنِ﴾ ونصبهما على الحال من المنوي في النار، أي: أنهما ثابتان في النار وخالدَين فيها. وقرئ: (خالدان) بالرفع (١)، على أنه خبر أنَّ، و ﴿فِي النَّارِ﴾ ملغى. وعن المبرد: نصب ﴿خَالِدَيْنِ﴾ على الحال أولى، لئلا يلغى الظرف مرتين، يعني ﴿فِي النَّارِ﴾ و ﴿فِيهَا﴾ (٢). ولم يجز الفراء إلا نصب ﴿خَالِدَيْنِ﴾ على الحال، قال: لأنك إذا رفعته على خبر أنَّ كان حقُّ ﴿فِي النَّارِ﴾ أن يكون مؤخرًا فيتقدم المضمر على المظهر، لأن التقدير عنده: فكان عاقبتهما أنهما خالدان فيها في النار. وذلك عند البصريين جائز، لأنهم إنما يراعون الرتبة في اللفظ لا الأصل (٣). وكرر الظرف، لأجل التأكيد، أعني ﴿فِي النَّارِ﴾، و ﴿فِيهَا﴾، كما تقول: زيد في الدار قائمًا فيها. ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾:

стр. 3530

قوله : ﴿خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ حالان من الضمير المنصُوب في قوله: ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾، لأن الرؤية من رؤية البصر، وإن شئت جعلت ﴿مُتَصَدِّعًا﴾ حالًا من المنوي في ﴿خَاشِعًا﴾. وقرئ: (مُصَّدّعًا) على الإدغام (١). (والقَدُّوس) بفتح القاف (٢)، وهو لغة في القُدّوس حكاها صاحب الكتاب ﵀ (٣)، وفَعُّولٌ في الصفات قليل، وأكثر ما يأتي في الأسماء، نحو: تَنُّور، وسَمُّور، وهَبُّودٍ لجبلٍ باليمامة (٤). وقوله: ﴿الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الجمهور على كسر واو ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ وضم رائه على أنه نعت أو خبر بعد خبر، وقرئ: (المُصَوَّرَ) بفتح الواو ونصب الراء (٥)، على أنه مفعول ﴿الْبَارِئُ﴾، على معنى أنه يَبْرَأُ المُصَوَّرَ، أي: يخلق كل مُصوَّر وينشئه، لا كما يزعم المبطلون أنه يَحدث بطبعه وذاته. ويجوز في الكلام: (البارئُ المُصَوَّرِ) بفتح الواو وجر الراء (٦)، على التشبيه بالحَسَنِ الوَجْهِ على الإضافة.

стр. 3531

وقرئ أيضًا: (ولِتَنْظُرْ) بكسر اللام على الأصل (١)، والجمهور على إسكانها، وهو تخفيف منه، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الحشر والحمد لله وحده

стр. 3532

إعراب سُورَة المُمْتَحنَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾: قوله : ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ محل ﴿تُلْقُونَ﴾ النصب إما على الحال من الضمير في ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ أي: لا تتخذوهم أولياء ملقين إليهم، وإما على النعت لـ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، لأن ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ نكرة، والنكرة تحتاج إلى البيان بالنعت، قال الفراء: كما تقول: لا تتخذ (١) رَجُلًا تلقي إليه كل ما عندك، انتهى كلامه (٢). فإن قلت: الضمير في قوله: ﴿إِلَيْهِمْ﴾ إلى من يعود؟ قلت: أما على الوجه الأول: فيعود على العدو، وأما على الوجه الثاني: فيعود على ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، ولولا رجوع هذا الضمير على الأولياء لما جاز أن يكون

стр. 3533

﴿تُلْقُونَ﴾ نعتًا لهم، لأنه لا بد أن يكون في النعت ضمير يعود على المنعوت. وقد جوز أن يكون منقطعًا مستأنفًا على تقدير: أنتم تلقون (١). وقيل: الاستفهام مقدر، والتقدير: أتلقون إليهم بالمودة (٢)؟ والوجهُ الوجهان المذكوران. والباء في قوله: ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ إما صلة مؤكدة للتعدي، كالتي في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٣) وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٤)، أي: تلقون إليهم مودتكم. وإما سببية ومفعول ﴿تُلْقُونَ﴾ محذوف، والتقدير: تلقون إليهم أخبار النبي ﷺ بسبب المودة التي بينكم وبينهم. وقوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ محل الجملة النصب على الحال من الضمير في ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، أو من الذي في ﴿تُلْقُونَ﴾، أي: لا تتخذوهم أو تلقون إليهم مودتكم وهذه حالهم. وقوله: ﴿يُخْرِجُونَ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿كَفَرُوا﴾، أي: كفروا مخرجين الرسول وإياكم من مكة، وقد جوز أن يكون مستأنفًا. وقوله: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ مفعول له، أي: يخرجونكم لأجل إيمانكم بالله. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ في جواب الشرط وجهان: أحدهما: محذوف، تقديره: إن كنتم خرجتم للجهاد في سبيلي مبتغين مرضاتي فلا تلقوا إليهم بالمودة.

стр. 3534

والثاني: محذوف أيضًا غير أنه في الكلام ما يدل عليه، وهو معنى قول النحاة في نظيره: هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه (١)، والتقدير: إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي مبتغين مرضاتي أوْ لهما [- أعني للجهاد وللابتغاء -] (٢): فلا تتخذوهم أولياء. و﴿جِهَادًا﴾ مصدر في موضع الحال، أو مفعول له، ومثله ﴿ابْتِغَاءَ﴾، وقد أَوضحتُ كليهما آنفًا بالتقدير. وقوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ يجوز أن يكون في موضع الحال، أي: مسرين، وأن يكون مستأنفًا، أي: أنتم تسرون، والباء صلة، أي: تسرون إليهم مودتكم، أو تسرون إليهم أسرار النبي ﷺ بسبب المودة، كما ذكر في ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾، وقيل: هو بدل من ﴿تُلْقُونَ﴾ (٣)، أو تأكيد بتكرير معناه دون اللفظ (٤). ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾: قوله : ﴿وَدُّوا﴾ فيه وجهان: أحدهما: ماضٍ في اللفظ، مستقبلٌ في المعنى، لأنه في جواب الشرط، والأصل: ويودوا، [قيل: ] وإنما عدل عن أصله لسببٍ ونكتةٍ فيه، كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفرَكم وارتدادَكم (٥).

стр. 3535

والثاني: هو ماض في اللفظ والمعنى عُطِفَ على قوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ (١)، أي: وقد كفروا وودوا لو تكفرون. وقوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾، أي: لن تنفعكم في يوم القيامة أرحامكم، وأن يكون ظرفًا لقوله: ﴿يَفْصِلُ﴾، أي: يفصل بينكم في ذلك اليوم. وقرئ: (يُفْصَل) و (يُفَصَّل) مخففًا ومشددًا مبنيًّا للمفعول (٢)، والقائم مقام الفاعل ﴿بَيْنَكُمْ﴾، ولم يرفع لكونه جرى مفتوحًا في كلامهم، كقوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ (٣) وهذا مذهب أبي الحسن (٤). وقيل: القائم المصدر، وهو الفصل والتفصيل على قدر القراءتين (٥). و(يَفْصِلُ) و (يُفَصِّلُ) مبنيًّا للفاعل (٦)، وهو الله لقوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ﴾ (٧)، وتعضده قراءة من قرأ: (يُفْصِلُ) بياء مضمومة وإسكان الفاء وكسر الصاد على البناء للفاعل وهو الله تعالى، وهو أبو حيوة (٨). وقراءة من قرأ (نُفَصِّلُ) بالنون والتشديد، وهو طلحة بن مصرف (٩).

стр. 3536

﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾: قوله : ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: في سنته وأفعاله وأقواله، فحذف المضاف، وهو إما ظرف للظرف وهو ﴿لَكُمْ﴾، و ﴿لَكُمْ﴾ خبر كان، أو حال من المنوي في ﴿لَكُمْ﴾، أو خبر بعد خبر لكان، أو صفة بعد صفة لـ ﴿أُسْوَةٌ﴾، ولا يجوز أن يكون صلة ﴿أُسْوَةٌ﴾ كما زعم بعضهم، لكونها موصوفة (١). و﴿إِذْ﴾ ظرف لخبر كان ومعمول له لا لأسوة كما زعم بعضهم، لما ذكر آنفًا. والأسوة: القدوة، والجمع أُسىً وإِسىً بضم الهمزة وكسرها. وقوله: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ جمع بريء، ككُرَماء وظُرَفَاء في جمع كريمٍ وظَرِيفٍ. و (بُرَآءُ) قراءة الجمهور، وقرئ: (بِراءٌ) بكسر الباء وهمزة واحدة بعد الألف، في وزن قولك: بِراعٌ (٢)، وهو جمع بريء أيضًا، ككرام في جمع كريم، ولك أن تجمعه على أبرياء، كأصدقاء في جمع صديق، وعلى بُراءٍ على إبدال الضم من الكسر، كما قالوا: رُخَالٌ، وهو جمع رَخِلٍ بكسر الخاء والرَّخِل: الأنثى من أولاد الضأن. وغَنَمٌ رُبابٌ ورِبابٌ (٣).

стр. 3537

وأَجاز الفراء فيه (بَراء) بفتح الباء على لفظ الواحد، لأن (بَراء) في الأصل مصدر، فهو يقع على الواحد والجمع، والمعنى: ذو بَراءٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ (١) أي: ذو بَراءٍ (٢). وقوله: ﴿وَحْدَهُ﴾ مصدر في موضع الحال، أي: واحدًا منفردًا. وقوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ استثناء من قوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، أي: لكم أسوة في إبراهيم إذ تبرأ من قومه لكفرهم، إلا قوله لأبيه: لَأَستغفرن لك، فإنه لا أسوة لكم به، لأنه لا يجوز الاستغفار لأعداء الله. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾: قوله : ﴿لِمَنْ كَانَ﴾ بدل من ﴿لَكُمْ﴾ وقد ذكر في "الأحزاب" بأشبع من هذا (٣). وقوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ يجوز أن يكون في موضع جر على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾، أي: لا ينهاكم الله عن أن تبروهم، وهو بدل الاشتمال. وقوله: ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾، وعُدّي بإلي على تضمين الإحسان، كأنه قيل: وتحسنوا إليهم.

стр. 3538

وقوله: ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ القول فيه كالقول في ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾، والأصل: أن تتولوهم، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾: قوله : ﴿مُهَاجِرَاتٍ﴾ نصب على الحال من ﴿الْمُؤْمِنَاتُ﴾، و ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ مفعول ثان لعلمتم. وقوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ﴾ رَجَعَ يتعدى ومصدره رَجْعٌ، ولا يتعدى ومصدره رُجوعٌ، وهنا متعدٍ. وقوله: ﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أي: في أن تنكحوهن، فحذف الجار. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ المنوي في ﴿يَحْكُمُ﴾ لله جل ذكره، أو للحكم على جعل الحكم حاكمًا (١)، على وجه المبالغة، كقولهم: نهارك صائم، وليلك قائم، وكفاك دليلًا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٢) وقد جوز أن يكون كلامًا مستأنفًا، وأن يكون حالًا من ﴿حُكْمُ اللَّهِ﴾ على حذف الضمير إن جعلت المنوي فيه لله تعالى، أي: يحكمه الله، وإن جعلت للحكم فلا. وقوله: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ الجمهور على الألف وفتح القاف مخففًا، أي: أصبتم منهم عقبى، أي: غنيمة وظفر، وقيل: عاقبتم من العقوبة، يعني

стр. 3539

قتلتم الذاهبة المرتدة. والجمهور على ما ذكر آنفًا، وقرئ: (فَعَقَّبْتُم) بغير ألف مع تشديد القاف (١)، أي: اتبعتم أعقاب عدوكم فأصبتم ما طلبتم، والتعقيب أيضًا: أن يغزوَ الرجلُ ثم يُثَنِّي من عامه، وعقَّب في الأمر، إذا تردد في طلبه مُجِدًّا. وقرئ أيضًا: (فَعَقَبْتُمْ) بغير ألف وفتح القاف مخففًا، (٢)، أي: نلتم وغنمتم. وقرئ أيضًا: كذلك إلا أنه بكسر القاف (٣) بوزن غَنِمْتُم ومعناه جميعًا. وقرئ أيضًا: (فَأَعْقبْتُم) بهمزة مفتوحة بين الفاء والعين (٤)، أي: صنعتم بهم مثل ما صنعوا بكم. وعاقب فلان، وعَقَّبَ، وتَعَقَّبَ، واعتقب، وأعقب بمعنىً، وهو أن تفعل به مثل ما فعل بك. والقراءات وإن اختلفت ألفاظها فهي راجعة إلى معنى واحد عند من تأمل. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ

стр. 3540

الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾: قوله : ﴿يُبَايِعْنَكَ﴾ في موضع الحال من ﴿الْمُؤْمِنَاتُ﴾، أي: بائعات. و ﴿يَفْتَرِينَهُ﴾ إما في موضع جر على الصفة لـ (بهتان)، أو نصبٍ على الحال من ضمير الفاعل. وقوله: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿يَأْتِينَ﴾، وأن يكون من صلة محذوف على أنه صفة بعد صفة لـ (بهتان) (١)، وقد جوز أن يكون من صلة ﴿يَفْتَرِينَهُ﴾، وهو بعيد من جهة المعنى، لأن المعنى: لا يأتين بولد في غير الفراش فينسبنه إلى الفراش. وقوله: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ (مِن) الأولى: من صلة ﴿يَئِسُوا﴾، أي: يئسوا من ثواب الآخرة وعقابها، لأنهم لا يؤمنون بها. وأما الثانية: فيجوز أن تكون من صلة ﴿يَئِسَ﴾ أي كما يئس الكفار من موتاهم أن يُبعثوا أو يَرجعوا أحياء، وأن تكون من صلة محذوف على أنه في موضع نصب على الحال من الكفار، أي: كائنين من أصحاب القبور، والمعنى: يئسوا من البعث كما يئس أسلافهم المقبورون منه في حياتهم، وأما في حين موتهم فقد أيقنوا به، لأن الكافر يعاين الحقائق عند موته كما يعاينها المؤمن الموحِّد. ومحل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف. و (ما) مصدرية، أي: يأسا مثل يأس الكفار، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الممتحنة والحمد لله وحده
следующие страницы →