﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾:
قوله : ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: في سنته وأفعاله وأقواله، فحذف المضاف، وهو إما ظرف للظرف وهو ﴿لَكُمْ﴾، و ﴿لَكُمْ﴾ خبر كان، أو حال من المنوي في ﴿لَكُمْ﴾، أو خبر بعد خبر لكان، أو صفة بعد صفة لـ ﴿أُسْوَةٌ﴾، ولا يجوز أن يكون صلة ﴿أُسْوَةٌ﴾ كما زعم بعضهم، لكونها موصوفة (١).
و﴿إِذْ﴾ ظرف لخبر كان ومعمول له لا لأسوة كما زعم بعضهم، لما ذكر آنفًا.
والأسوة: القدوة، والجمع أُسىً وإِسىً بضم الهمزة وكسرها.
وقوله: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ جمع بريء، ككُرَماء وظُرَفَاء في جمع كريمٍ وظَرِيفٍ. و (بُرَآءُ) قراءة الجمهور، وقرئ: (بِراءٌ) بكسر الباء وهمزة واحدة بعد الألف، في وزن قولك: بِراعٌ (٢)، وهو جمع بريء أيضًا، ككرام في جمع كريم، ولك أن تجمعه على أبرياء، كأصدقاء في جمع صديق، وعلى بُراءٍ على إبدال الضم من الكسر، كما قالوا: رُخَالٌ، وهو جمع رَخِلٍ بكسر الخاء والرَّخِل: الأنثى من أولاد الضأن. وغَنَمٌ رُبابٌ ورِبابٌ (٣).
стр. 3537
وأَجاز الفراء فيه (بَراء) بفتح الباء على لفظ الواحد، لأن (بَراء) في الأصل مصدر، فهو يقع على الواحد والجمع، والمعنى: ذو بَراءٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ (١) أي: ذو بَراءٍ (٢).
وقوله: ﴿وَحْدَهُ﴾ مصدر في موضع الحال، أي: واحدًا منفردًا.
وقوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ استثناء من قوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، أي: لكم أسوة في إبراهيم إذ تبرأ من قومه لكفرهم، إلا قوله لأبيه: لَأَستغفرن لك، فإنه لا أسوة لكم به، لأنه لا يجوز الاستغفار لأعداء الله.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾:
قوله : ﴿لِمَنْ كَانَ﴾ بدل من ﴿لَكُمْ﴾ وقد ذكر في "الأحزاب" بأشبع من هذا (٣).
وقوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ يجوز أن يكون في موضع جر على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾، أي: لا ينهاكم الله عن أن تبروهم، وهو بدل الاشتمال.
وقوله: ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾، وعُدّي بإلي على تضمين الإحسان، كأنه قيل: وتحسنوا إليهم.
стр. 3538
وقوله: ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ القول فيه كالقول في ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾، والأصل: أن تتولوهم، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾:
قوله : ﴿مُهَاجِرَاتٍ﴾ نصب على الحال من ﴿الْمُؤْمِنَاتُ﴾، و ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ مفعول ثان لعلمتم.
وقوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ﴾ رَجَعَ يتعدى ومصدره رَجْعٌ، ولا يتعدى ومصدره رُجوعٌ، وهنا متعدٍ.
وقوله: ﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أي: في أن تنكحوهن، فحذف الجار.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ المنوي في ﴿يَحْكُمُ﴾ لله جل ذكره، أو للحكم على جعل الحكم حاكمًا (١)، على وجه المبالغة، كقولهم: نهارك صائم، وليلك قائم، وكفاك دليلًا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٢) وقد جوز أن يكون كلامًا مستأنفًا، وأن يكون حالًا من ﴿حُكْمُ اللَّهِ﴾ على حذف الضمير إن جعلت المنوي فيه لله تعالى، أي: يحكمه الله، وإن جعلت للحكم فلا.
وقوله: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ الجمهور على الألف وفتح القاف مخففًا، أي: أصبتم منهم عقبى، أي: غنيمة وظفر، وقيل: عاقبتم من العقوبة، يعني
стр. 3539
قتلتم الذاهبة المرتدة.
والجمهور على ما ذكر آنفًا، وقرئ: (فَعَقَّبْتُم) بغير ألف مع تشديد القاف (١)، أي: اتبعتم أعقاب عدوكم فأصبتم ما طلبتم، والتعقيب أيضًا: أن يغزوَ الرجلُ ثم يُثَنِّي من عامه، وعقَّب في الأمر، إذا تردد في طلبه مُجِدًّا.
وقرئ أيضًا: (فَعَقَبْتُمْ) بغير ألف وفتح القاف مخففًا، (٢)، أي: نلتم وغنمتم.
وقرئ أيضًا: كذلك إلا أنه بكسر القاف (٣) بوزن غَنِمْتُم ومعناه جميعًا.
وقرئ أيضًا: (فَأَعْقبْتُم) بهمزة مفتوحة بين الفاء والعين (٤)، أي: صنعتم بهم مثل ما صنعوا بكم.
وعاقب فلان، وعَقَّبَ، وتَعَقَّبَ، واعتقب، وأعقب بمعنىً، وهو أن تفعل به مثل ما فعل بك. والقراءات وإن اختلفت ألفاظها فهي راجعة إلى معنى واحد عند من تأمل.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ
стр. 3540
الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾:
قوله : ﴿يُبَايِعْنَكَ﴾ في موضع الحال من ﴿الْمُؤْمِنَاتُ﴾، أي: بائعات. و ﴿يَفْتَرِينَهُ﴾ إما في موضع جر على الصفة لـ (بهتان)، أو نصبٍ على الحال من ضمير الفاعل.
وقوله: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿يَأْتِينَ﴾، وأن يكون من صلة محذوف على أنه صفة بعد صفة لـ (بهتان) (١)، وقد جوز أن يكون من صلة ﴿يَفْتَرِينَهُ﴾، وهو بعيد من جهة المعنى، لأن المعنى: لا يأتين بولد في غير الفراش فينسبنه إلى الفراش.
وقوله: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ (مِن) الأولى: من صلة ﴿يَئِسُوا﴾، أي: يئسوا من ثواب الآخرة وعقابها، لأنهم لا يؤمنون بها.
وأما الثانية: فيجوز أن تكون من صلة ﴿يَئِسَ﴾ أي كما يئس الكفار من موتاهم أن يُبعثوا أو يَرجعوا أحياء، وأن تكون من صلة محذوف على أنه في موضع نصب على الحال من الكفار، أي: كائنين من أصحاب القبور، والمعنى: يئسوا من البعث كما يئس أسلافهم المقبورون منه في حياتهم، وأما في حين موتهم فقد أيقنوا به، لأن الكافر يعاين الحقائق عند موته كما يعاينها المؤمن الموحِّد.
ومحل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف. و (ما) مصدرية، أي: يأسا مثل يأس الكفار، والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة الممتحنة
والحمد لله وحده
стр. 3541
إعراب سُورَة الصَّفِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾:
قوله : ﴿لِمَ تَقُولُونَ﴾ أصله لما، فلما دخل الجار على (ما) الاستفهامية حذفت الألف منها، لأن الجار جُعِلَ معها كالشيء الواحد، وقد ذكر فيما سلف بأشبع من هذا (١).
وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا﴾ (مقتًا) نصب على التمييز، والمميز مضمر وهو فاعل ﴿كَبُرَ﴾، والتقدير: كبر المقت مقتًا.
وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ يجوز أن يكون مبتدأ، وخبره ما قبله، والتقدير: قولكم ما لا تفعلون كبر مقْتًا عند الله. وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قيل: كبر مقتًا عند الله، قال قائل: ما هو؟ فقيل: هو أن تقولوا ما لا تفعلون. وقد جوز الزمخشري أن يكون ﴿كَبُرَ﴾ مسندًا إلى ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾، أي: كبر ذلك مقتًا (٢).
стр. 3542
وقوله: ﴿صَفًّا﴾ مصدر في موضع الحال، أي: صافين أنفسهم، أو مصفوفين.
وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في موضع الحال أيضًا، أي: يقاتلون مشبهين بنيانًا مرصوصًا، فهما حالان متداخلتان، أعني ﴿صَفًّا﴾ و ﴿كَأَنَّهُمْ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ محل ﴿إِذْ﴾ نصب بإضمار اذكر، أي: واذكر زمن أو حين قال موسى، ومثله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
وقوله: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ﴾ في موضع الحال من الضمير المرفوع الذي في ﴿تُؤْذُونَنِي﴾، أي: تؤذونني عالمين علمًا يقينًا أني رسول الله.
وقوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ (إليكم) من صلة قوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾. و ﴿مُصَدِّقًا﴾ [حال] مؤكدة من (١) معنى قوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ وهو العامل فيها، لأن معنى قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ إني أرسلت إليكم. ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ يجوز أن يكون من صلة الاستقرار العامل في ﴿بَيْنَ﴾. و ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ عطف على ﴿مُصَدِّقًا﴾ وحكمه في الإعراب حكمه،
وقد جوز أن يكون ﴿إِلَيْكُمْ﴾ من صلة محذوف لا من صلة ﴿رَسُولُ﴾، فيكون ﴿مُصَدِّقًا﴾ و ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ حالين من المنوي في ﴿إِلَيْكُمْ﴾، والعامل في الحال ما في ﴿إِلَيْكُمْ﴾ من معنى الفعل، والوجه ما ذكرت لأن الفائدة
стр. 3543
منوطة بكون ﴿إِلَيْكُمْ﴾ من صلة ﴿رَسُولُ﴾ لا من صلة محذوف، فاعرفه (١).
وقوله: ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ابتداء وخبر، إما في موضع جر على أنها نعت بعد نعت لـ (رسولٍ)، أو في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿يَأْتِي﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾:
قوله : ﴿وَهُوَ يُدْعَى﴾ الواو واو الحال، والجمهور على ضم الياء وفتح العين على البناء للمفعول وهو ظاهر، وقرئ: (وهو يَدَّعِي) بفتح الياء والدال وتشديد الدال وكسر العين مع ياءٍ بعدها على البناء للفاعل (٢)، على معنى يدَّعي الإسلام، وإنما عداه بإلى حملًا على المعنى، لأن معنى يدَّعي الإسلام وينتسب إليه سيان في المعنى.
وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ أي: أن يطفئوا، وكفاك دليلًا ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ في سورة التوبة (٣). قيل: وإنما زيدت اللام مع فعل الإرادة تأكيدًا له، لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لأكرمك (٤)، كما زيدت
стр. 3544
في: لا أبالك، تأكيدًا لمعنى الإضافة في لا أباك (١). وقيل: مفعول ﴿يُرِيدُونَ﴾ محذوف واللام لام العلة، أي: يريدون الكذب ليطفئوا نور الله بأفواههم (٢).
وقوله: (مُتِمٌّ نُورَه) أي: يتم نورَه، وقرئ: (مُتِمُّ نورِه) بالإضافة (٣)، وهي في نية الانفصال، وقد جوز أن تكون الإضافة حقيقية عَلى معنى: أتمّ نوره، كما تقول: هو ضَارِبُ زيدٍ أمس.
وقوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿أَرْسَلَ﴾، أي: أرسله بسبب الهدى، وأن يكون في موضع الحال من ﴿رَسُولَهُ﴾. ﴿وَلَوْ كَرِهَ﴾: ﴿لَوْ﴾ بمعنى (إن) وجوابه محذوف، أي: وإن كرهوا ذلك فالله تعالى يفعله لا محالة.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾:
قوله : ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ اختلفت النحاة فيه، فقال بعضهم: هو على تقدير حذف (أن)، أي: أن تؤمنوا، لأنه تفسير للتجارة، ومحله: إما الجر على البدل من ﴿تِجَارَةٍ﴾ أو الرفع، أي: التجارة هي أن تؤمنوا، فلما حذف (أن) ارتفع الفعل، كقوله:
стр. 3545
٥٩٤ - أَلا أَيُّهذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى ... ........................ (١)
أي: أن أحضر، فلما حذفت (أن) بطل عملها، ورجع الفعل إلى أصله، ومن قال بهذا القول ذهب إلى جزم قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [على] أنه جواب شرط محذوف يدل عليه ما قبله، أي: إن تؤمنوا يغفر لكم.
وقال الفراء: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ على تقدير (أن) كما ذكر آنفًا، و ﴿يَغْفِرْ﴾ جزم لأنه جواب الاستفهام، وهو قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾، كقولك: هل تأتيني أكرمْك (٢)؟
وأُنكر عليه وخُطِّئ، وقيل: لو كان جوابه لكان التقدير: إنْ دَلَلْتكم على التجارة يغفر لكم، ودلالته إياهم لا توجب المغفرة لهم، إنما تجب المغفرة بالقبول والإيمان، لأن الله تعالى قد دل كثيرًا على الإيمان فلم يؤمنوا، ولم يغفر لهم (٣).
فأجاب عنه بعض من انتصر له وقال: هو حمله على المعنى لا على اللفظ، وذلك أنه جعل التجارة مُفَسَّرَة بالإيمان والجهاد، وجعلهما مفسِّرين لها، فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد؟ أي: هل تؤمنون وتجاهدون يغفر لكم (٤)؟ .
وقال صاحب الكتاب ﵀ وموافقوه: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ هنا ليس على حذف، وليس بدلًا عن التجارة ولا مفسرًا لها، ولكن هو خبر في معنى الأمر، والمعنى: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم، ولهذا أجيب بقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٥).
стр. 3546
إذا قالت حَذامِ فصدقوها ... فإن القول ما قالت حَذامِ
تعضده قراءة من قرأ: (آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا) على لفظ الأمر وهو ابن مسعود ﵁ (١)، قيل: وإنما جيء به على لفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل، فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين، كما تقول: غفر الله لزيد ويغفر الله له.
وعن زيد بن علي ﵁: (تؤمنوا وتجاهدوا) مجزومين (٢) على إضمار لام الأمر، كقوله:
٥٩٥ - محمدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ ... .......................... (٣)
وقوله: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ يجوز أن تكون في موضع جر عطفًا على ﴿تِجَارَةٍ﴾، أي: هلْ أدلكم على تجارة منجية وعلى تجارة أخرى مُحَبَّةٍ؟ وأن تكون في موضع نصب على تقدير: يغفر لكم ويدخلكم جنات ويؤتكم أخرى، أي نعمة أخرى. وأن تكون في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف، أي: ولكم إلى هذه النعمة من الغفران والثواب في الآجلة نعمة أخرى (٤)، ثم فسرها بقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾، أي: هي نصر من الله فـ ﴿نَصْرٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف.
стр. 3547
وقرئ: (نصرًا من الله وفتحًا قريبًا) بالنصب فيهما (١)، ونصبهما إما على الاختصاص، أو على: تنصرون نصرًا ويفتح لكم فتحًا، وكلاهما قاله الزمخشري (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾:
قوله : ﴿كَمَا قَالَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: أقول لكم قولًا مثل قول عيسى ﵇ للحواريين. وقيل: هو محمول على المعنى، والمعنى: انصروا الله - أي: دينه - نصْرًا مثل نصر الحواريين عيسى ابن مريم ﵇. وقيل: هي نعت لـ ﴿أَنْصَارَ﴾، أي: كونوا أنصارًا مثل أنصار عيسى ﵇.
وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ (إلى) على بابها، أي: مَن يضم نصره إلى نصر الله؟ قال الزمخشري: ولا يصح أن يكون معناه: من ينصرني مع الله، لأنه لا يطابق الجواب، انتهى كلامه (٣).
و﴿ظَاهِرِينَ﴾: خبر ﴿أَصْبَحَ﴾. والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة الصف
والحمد لله وحده
стр. 3548
إعراب سُورَة الجُمُعَةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾:
قوله : ﴿الْمَلِكِ﴾ الجمهور على جر ﴿الْمَلِكِ﴾ وما بعده على أنها صفات لاسم الله جل ذكره، وقرئ: بالرفع في الجميع (١) على القطع والاستئناف. ويجوز النصب فيهن على المدح والاختصاص، لأنها صفات مدح وثناء.
وقوله: ﴿يَتْلُو﴾ وما بعده صفات لقوله: ﴿رَسُولًا﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ (إن) هي المخففة من الثقيلة، واسمها مضمر وهو ضمير الشأن أو الأمر، واللام في ﴿لَفِي﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية.
стр. 3549
وقوله: ﴿وَآخَرِينَ﴾ يجوز أن يكون في موضع جر عطفًا على ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾، أي: وبعثوا في ﴿آخَرِينَ﴾. وأن يكون في موضع نصب عطفًا على المضمر المنصوب في ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾، أي: ويعلم آخرين. و ﴿مِنْهُمْ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿آخَرِينَ﴾، و (من) للتبيين
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾:
قوله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ مبتدأ خبره: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾. و ﴿يَحْمِلُ﴾ في موضع الحال من ﴿الْحِمَارِ﴾، أي: حاملًا، والعامل فيها ما في المثل من معنى الفعل، وقد جوز أن يكون في موضع جر على الوصف، لأن الحمار كاللئيم في قوله:
٥٩٦ - وَلَقَدْ أَمَرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... ....................... (١)
وقوله: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ﴾ في موضع ﴿الَّذِينَ﴾ وجهان:
أحدهما: في موضع رفع لقيامه مقام المقصود بالذم، والتقدير: بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا بآيات الله، فـ ﴿مَثَلُ الْقَوْمِ﴾: فاعل ﴿بِئْسَ﴾، وهو مضاف إلى ما فيه الألف، واللام للجنس، و ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ هو المقصود بالذم، ثم حذف المضاف الذي هو (مثل) وأقيم المضاف إليه مقامه.
стр. 3550
والثاني: في موضع جر على أنه نعت للقوم، والمقصود بالذم محذوف، والتقدير: بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله مثلهم، أو هذا، لأن قبله ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾، فهذا إشارة إلى المثل المذكور، والوصف بالذم وإن كان جاريًا على المثل في اللفظ فإنه في المعنى والحقيقة للقوم، والتقدير: بئس القوم قوم هذا مثلهم.
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾:
قوله : ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ في خبر (إنَّ) وجهان:
أحدهما: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ ودخلت الفاء في خبر ﴿إِنَّ﴾ لأن اسمه موصوف بموصول، والصفة والموصوف كالشيء الواحد، واسم إن إذا كان موصولًا جاز دخول الفاء في الخبر إذا كانت الصلة فعلًا أو ظرفًا، كقولك: إن الذي يأتيني فمكرم، وإن الذي في الدار فمكرم، وكذلك إذا كان اسم إن موصوفًا بموصول نحو: إن الشخص الذي يأتيني فمكرم، وإنما كان كذلك لتضمن ﴿الَّذِي﴾ معنى الشرط، لأن ﴿الَّذِي﴾ مبهم، والإبهام حد من حدود الشرط، ألا ترى أنك إذا قلتْ: الذي يأتيني فله درهم، معناه: إن أتاني إنسان فله درهم مستحق بالإتيان، متوقف على وجود الإتيان كما يتوقف الجزاء على الشرط.
قيل: فإن قيل: ما ذكرته لا يصح في الآية، لأن الموت ملاقٍ لهم لا محالة، فروا منه أو لم يفروا، فلا معنى للجزاء في الآية، فوجب أن تكون الفاء صِلَةً كما زعم بعضهم. فالجواب: إن هذا وارد في حق من اعتقد وظن أن الفرار ينجيه إلى وقت آخر.
والثاني: الخبر ﴿الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾، بمعنى: قل إن الموت هو
стр. 3551
الذي تفرون منه، والفاء جواب للجملة، كما تقول: زيد منطلق فقم إليه.
وفي حرف ابن مسعود ﵁: (إنه ملاقيكم) بغير فاء (١)، وهو حسن جائز عند أهل هذه الصناعة.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾:
قوله : ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ في (من) هنا أوجه، أحدها: صلة، أي: إذا نودي يوم الجمعة (٢). والثاني: بمعنى (في)، أي: في يوم الجمعة (٣). والثالث: للتبعيض، والتقدير: إذا نودي لوقت الصلاة من يوم الجمعة (٤). والرابع: هو بيان لـ ﴿إِذَا﴾ وتفسير له (٥).
والجمهور على ضم ميم ﴿الْجُمُعَةِ﴾. وقرئ: بإسكانها (٦)، والضم هو الأصل، والإسكان تخفيف.
وسميت الجمعة جمعة، لاجتماع الناس فيها للصلاة، وكانت العرب
стр. 3552
تسميه: عَروبة (١)، ويجمع على جُمُعَات، وجُمَع.
ويجوز في الكلام: (الجُمَعَة) بفتح الميم (٢)، على معنى: يوم الوقت الجامع، على نسب الفعل إليها، كأنها تجمع الناس، كقولهم: رجل لُعَنَةٌ، إذا كان يلعن الناس (٣).
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾
قوله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ إنما كُني عن الأول دون الثاني عَكْسُ ما في التوبة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ (٤) لأنَّ ميلهم كان إلى التجارة على ما فسر (٥). وقيل: في الكلام حذف تقديره: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهوًا انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه (٦).
وقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ انتصاب قوله: ﴿قَائِمًا﴾ على الحال. والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة الجمعة
والحمد لله وحده
стр. 3553
إعراب سُوْرَة المُنَافِقُونَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾:
قوله : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ العامل في ﴿إِذَا﴾: ﴿قَالُوا﴾.
وقيل: العامل (جاء)، لأنَّ فيها معنى الشرط، فهي غير مضافة إلى ما بعدها، ولم يجزم للتوقيت الذي فيها، ففارقت معنى حروف الشرط من هذا الوجه.
وقوله: ﴿إِنَّكَ﴾ كسرت (إنَّ) وما بعدها لأجل لام الابتداء التي في الخبر، لأنَّ لها صدر الكلام، نحو: لزيد قائم، وإنما أخرت عن موضعها لئلا يجمع بين حرفي تأكيد: إنَّ واللام، وكانت اللام أجدر بالتأخير، لأنَّها غير عاملة.
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ الجمهور على فتح الهمزة، وهو جمع (يمين)، وقرئ: (إيمانهم) بكسرها (١)، وهو مصدر آمن يؤمن إيمانًا، وفي
стр. 3554
الكلام حذف مضاف تقديره: اتخذوا إظهار إيمانهم جُنَّة، أي: وقاية وسترة، فحذف المضاف.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قد جوز أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة في موضع رفع بـ ﴿سَاءَ﴾، وما بعدها صلتها، والعائد محذوف، أي: ساء الشيء الذي كانوا يعملونه، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
وأن تكون موصوفة في موضع نصب، أي: ساء شيئًا، وما بعدها صفتها، والهاء أيضًا محذوفة من الصفة، وحذفها من الصلة أحسن من حذفها من الصفة.
وأن تكون مصدرية في موضع رفع بـ ﴿سَاءَ﴾، ولا حذف على هذا، أعني حذف العائد، أي: بئس العمل عملهم وهو النفاق، وقد مضى الكلام على نحوها في البقرة بأشبع من هذا (١).
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾:
قوله : ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في قوله: ﴿لِقَوْلِهِمْ﴾، أي: مشبهين خُشُبًا. وقيل: هو كلام مستأنف لا محل له (٢).
و﴿خُشُبٌ﴾ قرئ: بالضم، وهو جمع خَشَب، كأُسُد في أَسَدٍ. وبالإسكان (٣)، وهو جمع خَشَبةٍ، كَبُدْنٍ في بَدَنة، وعن اليزيدي أنّه قال:
стр. 3555
خُشْب جمع خشباء (١)، والخشباء: الخشبة التي دَعِرَ جوفُها، شُبِّهُوا بها في نفاقهم وفساد بواطنهم.
وقوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ (يحسبون) في موضع الحال من الضمير المنصوب في ﴿كَأَنَّهُمْ﴾، والعامل فيها معنى التشبيه، ويجوز أن يكون مستأنفًا. و ﴿كُلَّ صَيْحَةٍ﴾: مفعول أول لـ ﴿يَحْسَبُونَ﴾، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ المفعول الثاني، أي: يحسبون كلّ صيحة واقعة عليهم، وتم الكلام. وقد جوز أن يكون ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ المفعول الثاني كما لو طرح الضمير. قيل: فإن قيل: فحقه أن يقال: هي العدو، قيل: منظور فيه إلى الخبر كما ذكر في ﴿هَذَا رَبِّي﴾ (٢) وأن يقدر مضاف محذوف، على: يحسبون كلّ أهلِ صيحةٍ (٣).
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)﴾:
قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ هذا على إعمال الفعل الثاني وهو ﴿يَسْتَغْفِرْ﴾، ولو أُعمل الأول وهو ﴿تَعَالَوْا﴾ لقيل: تعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله، والتقدير: تعالوا إلى رسول الله يستغفر لكم، ففي ﴿يَسْتَغْفِرْ﴾ على هذا التقدير ضمير يرجع إلى ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾. وأما على الوجه الأول فليس فيه ذكر، لأنه مسند إلى ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ وهو بعده.
стр. 3556
﴿لَوَّوْا﴾ قرئ: بالتشديد للتكثير، وبالتخفيف (١)، وهو يصلح للقليل والكثير.
وقوله: ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (يَصدُّونَ) في موضع الحال، لأنَّ الرؤية من رؤية العين، وكذا ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ في موضع الحال، أي: صادين مستكبرين.
وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ﴾ أي: سواء عليهم الاستغفار وعدمه. والجمهور على فتح همزة ﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾ من غير مد وهي همزة الاستفهام، وهمزة الوصل محذوفة لعدم اللبس، وعن ابن القعقاع أنه قرأ: (استغفرتَ) على الخبر (٢)، على أنَّه حذف همزة الاستفهام وهو يريدها، وجاز حذفها، لأنَّ ﴿أَمْ﴾ المعادلة تدل عليها، وعنه أيضًا: (آستغفرتَ لهم) بالمد (٣)، على أنَّه أشبع همزة الاستفهام للإظهار والبيان، لا أنه قلب همزة الوصل ألفًا كما يُفْعَلُ بالتي مع لام التعريف نحو: آلقوم عندك؟ و ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (٤) كما زعم بعض من شرح وجه قراءته (٥)، لأنَّ إثبات همزة الوصل غير التي تصحب لا التعريف مع همزة الاستفهام، غير مستعمل عند أهل العربية، فاعرفه (٦).
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا
стр. 3557
﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾:
قوله : ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ الجمهور على ضم الياء وكسر الراء على البناء للفاعل وهو ﴿الْأَعَزُّ﴾، و ﴿الْأَذَلَّ﴾ مفعول، ووجهها ظاهر، وقرئ: (ليَخْرُجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ) بفتح الياء وضم الراء (١)، فَنَصبُ (الأَذَلَّ) على هذه القراءة على الحال، لأنَّ الفعل لازم، ونظيره ما حكاه صاحب الكتاب ﵀: ادخلوا الأول فالأولَ (٢)، فنصبه على الحال: أي: مُرتبين. وأجاز يونس: مررت به المسكينَ على الحال، وهذا شيء يروى ولا يقاس عليه، أعني كون الحال مع لام التعريف (٣).
وقيل: الوجه أن يكون ﴿الْأَذَلَّ﴾ مفعولًا به، على: ليخرجن الأعز مشبهًا الأَذَلَّ، فـ (مشبهًا) حال من ﴿الْأَعَزُّ﴾، و ﴿الْأَذَلَّ﴾ مفعول هذه الحال المقدرة (٤).
و﴿لَيُخْرِجَنَّ﴾ جواب قسم محذوف، وأغنى جواب القسم عن جواب الشرط.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ
стр. 3558
أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾:
قوله : (وأكونَ) قرئ: بالنصب (١) عطفًا على لفظ ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾، و ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ جواب التمني منصوب بالفاء وأن مضمرة، والمعنى: أخرني فأصدق وأكونَ، كما تقول: زرني فأكرمَك وأعطيَك.
وقرئ: ﴿وَأَكُنْ﴾ بالجزم (٢) عطفًا على محل ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾، ومحله الجزم بأنه جواب شرط محذوف، والتقدير: إن أخرتني أصَّدَّقْ وأكنْ، كما تقول: زرني أكرمْك وأُعطِك.
وقرئ: (وأكونُ) بالرفع (٣) على: وأنا أكونُ.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قرئ: بالتاء النقط من فوقه على الخطاب لقوله: ﴿لَا تُلْهِكُمْ﴾، و ﴿مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾. وبالياء النقط من تحته على الغيب (٤) لقوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾، لأنَّ النفس وإن كان واحدًا في اللفظ فالمراد به الكثرة، فحمل على المعنى وجمع. والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة المنافقين
والحمد لله وحده
وقيل: رفعه بإضمار فعل يدلُّ عليه ما بعده، أي: أيهدينا بشر؟ والاستفهام بمعنى الإنكار.
قال أبو محمد (١): وقد أجاز النحويون: رأيت ثلاثة نفر، وثلاثة رهط حملًا على المعنى، ولم يجيزوا رأيت ثلاثة قوم، ولا ثلاثة بشر، والفرق بينهما أن نفرًا ورهطًا لما دون العشرة من العدد، فأضيف ما دون العشرة من العدد إليه إذ هو نظيره، وقوم قد يقع لما فوق العشرة، فلم يحسن إضافة ما دون العشرة من العدد إلى ما فوقها، وأما بشر فيقع للواحد، فلم يمكن إضافة عدد إلى واحد، انتهى كلامه (٢).
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾:
قوله : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ قيل: ﴿زَعَمَ﴾ بمعنى كذب بلغة حمير. وقيل: زعم بمعنى ظن. وقيل: زعم: قال قولًا غير موثوق به. وزعم: ادعى.
و﴿أَن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، أي: أنهم. و ﴿زَعَمَ﴾ يتعدى إلى مفعولين كما يتعدى العِلْم، وأن مع ما في حيزه سد مسدهما.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾ أو لقوله:
стр. 3561
﴿لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ أو لقوله: ﴿خَبِيرٌ﴾ لما فيه من معنى التهديد والوعيد، كأنه قيل: والله معاقبهم، قاله الزمخشري (١). وأن يكون مفعولًا به بإضمار اذكر، فيحسن الوقوف على هذا على ﴿خَبِيرٌ﴾.
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (خالدين) حال من الهاء في ﴿يُدْخِلْهُ﴾. ووحد أولًا حملًا على لفظ (مَن) ثم جمع على معناه. و ﴿أَبَدًا﴾ نصب على الظرف، وكذا ﴿خَالِدِينَ﴾ الثاني نصب على الحال من ﴿أَصْحَابُ﴾، والعامل فيها ما في ﴿أُولَئِكَ﴾ من معنى الفعل.
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾:
قوله : ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (يهد) مجزوم على جواب الشرط، والجمهور على الياء النقط من تحته، والمنوي فيه لله ، وقرئ: (نَهْدِ) بالنون (٢)، وكلاهما يرجع إلى معنىً واحدٍ، وقرئ: (يهدَأْ) بفتح الدال وبعدها همزة ساكنة ورفع (قلبه) (٣) على معنى: يطمئن قلبه، يقال: هَدَأ فلانٌ يَهْدَأ بفتح العين في الماضي والغابر هَدْءًا وهدوءًا، إذا
стр. 3562
سكن. و (يهْدَ) بفتح الدال (١)، والأصل: يَهْدَأ، ثم يهدا، ثم يَهْدَ، كقولهم: لَمْ يَقْرَ فلان القرآن، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. و (يهدا) على التخفيف، و (يهدّ قلبه) (٢) بمعنى يهتد. و (يُهْد) بضم الياء وفتح الدال على البناء للمفعول ورفع القلب ونصبه (٣)، أما رفعه فظاهر، وأما نصبه فكقوله : ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (٤) على مذهب أبي الحسن، لأنه قال معناه: سفه في نفسه، فلما سقط حرف الجر نصب ما بعده، كقوله : ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ (٥) أي: على عقدة النِّكَاح، والمعنى: يُهد إلى قلبه (٦).
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾:
قوله : ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ انتصاب ﴿خَيْرًا﴾ عند صاحب الكتاب بمضمر يدلُّ عليه ﴿أَنْفِقُوا﴾، أي: وأتوا خيرًا لأنفسكم، وذلك أنه لما قال: وأنفقوا، دل على أنَّه أمرهم أن يأتوا فعل خير (٧).
стр. 3563
وهو عند الكسائي والفراء نعت لمصدر محذوف، أي: أنفقوا إنفاقًا خيرًا لأنفسكم (١). وهو عند أبي عبيدة: خبر (كان) مضمرة، أي: أنفقوا يكن خيرًا لأنفسكم (٢). ومن جعل الخيرَ المالَ كقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٣) فهو منصوب بأنفقوا مفعول به (٤).
وقوله: ﴿يُضَاعِفْهُ﴾ جواب الشرط، و (يغفر) عطف عليه، ويجوز نصبه على الظرف، ورفعه على القطع والاستئناف، ولا يجوز القراءة به لأنَّ القراءة سنة متبعة، وإنما ذكرته ليعرف المعرِبُ وجوهَ الإعراب، والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة التغابن
والحمد لله وحده
المحرم، أي: مستقبلًا لها (١). وقيل: هي بمعنى عند، أي: عند عدتهن، كقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٢) أي: عند وقتها (٣). والمعنى: عند أول ما يُعْتَدُّ لهن به، وهو في قُبلِ طُهرٍ لَمْ يجامعهن فيه، تعضده قراءة من قرأ: (في قُبلِ عِدَّتِهِنَّ) وهو النَّبِيّ ﷺ ، وابن عباس، وعثمان، وأُبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، ومجاهد، وعلي بن الحسين، وزيد بن علي، وجعفر بن محمد ﵃ (٤)، وبهذا قال المحققون من أصحابنا، وعلى الجملة فلا يخلو من إضمار، إما أن يكون التقدير لإقبال عدتهن، أو لزمان عدتهن، وقيل: هي بمعنى (في)، أي: في إقبال، أو في زمان عدتهن (٥).
وقوله: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ﴾ الاستثناء متصل، ومحل ﴿أَنْ يَأْتِينَ﴾ النصب على الحال، أي: ولا يخرجن إلَّا آتياتٍ بفاحشة، كقولك: لا تخرج إلَّا أن تركب، أي: إلَّا راكبًا، وأن مع الفعل بتأويل المصدر، أي: لا تخرج إلَّا ركوبًا، أي: ذا ركوب، فحذف المضاف فصار ما بعده في موضع الحال. وقيل: الاستثناء منقطع بمعنى (لكن)، أي: لكن أن يأتين بفاحشة.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ قرئ: بالتنوين في (بالغٌ) ونَصْبِ (أمرَه) (٦). و (بالغُ أمرِه) بإضافة (بالغ) إلى الأمر (٧)، مَن نَوَّنَ فعلى الأصل،
стр. 3566
لأنه اسم فاعل بمعنى الاستقبال، فهو يعمل عمل الفعل، والأمرُ منصوب به، والمعنى: يبلغ أمره، ومن أضاف فإنه حذف التنوين استخفافًا، والمعنى معنى المنون.
وقرئ: أيضًا (بالغٌ) بالتنوين، (أَمْرُهُ) با لرفع (١)، فـ (أمره) مرتفع إما ببالغ على أنَّه فاعل وهو الجيد، والمفعول محذوف، أي: بالغ أمره ما يريده الله به، وإما بالابتداء، و (بالغ) خبره، والجملة خبر (إنَّ)، على معنى: أمره نافذ.
قال الزمخشري: وقرأ المفضل: (بالغًا أمره) (٢)، على أَنَّ قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ خبر إنَّ، و (بالغًا) حال، انتهى كلامه (٣). وذو الحال اسم الله جل ذكره الواقع بعد الفعل.
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾:
قوله : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ مبتدأ، ونهاية صلة الموصول قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾: الجملة من الشرط والجزاء في موضع الخبر.
стр. 3567
وقوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ مبتدأ أيضًا والخبر محذوف، إذ ليس له خبر في اللفظ، والتقدير: والنساء اللاتي لَمْ يحضن لصغرهن أو لِعِلَّةٍ بهنَّ فعدتهن أيضًا ثلاثة أشهر، فحذف الخبر لأنَّ خبر المبتدأ الأول يدلُّ عليه.
وقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ ثانيًا، و ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، وأن يكون بدلًا من (أولاتُ) وهو بدل الاشتمال، و ﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾ الخبر، وأن مع الفعل بتأويل المصدر، أي: أَجَلُهُنَّ وَضْعُ حملهن، و (أولاتُ) واحدتها (ذات) (١).
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾:
قوله ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾: قال الزمخشري: ﴿مِنْ﴾ الأولى للتبعيض، والمبعض محذوف، والمعنى: أسكنوهن مكانًا من حيث سكنتم، أي: بعضُ مكانِ سُكْناكم، والثانية: عطف بيان لقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ وتفسير له، كأنه قيل: أسكنوهن مكانًا من مسكنكم مما تطيقونه، انتهى كلامه (٢).
وقيل: الأولى لابتداء الغاية (٣)، والثانية لبيان الجنس.
يكون منصوبًا بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ على أنَّه مفعول به. وأما ﴿رَسُولًا﴾ على هذا فنصبه يحتمل أوجهًا: أن يكون منصوبًا بالذكر؛ لأنه مصدر والمصدر قد يعمل في المفاعيل كما يعمل الفعل، أي: أنزل الله إليكم أَنْ ذَكَرَ رَسُولًا، ويكون الذكر هو القرآن على هذا. وأن يكون بدلًا من ﴿ذِكْرًا﴾ على أنَّ يكون الرسول هو الذكر، وفي الكلام على هذا حذف مضاف، والتقدير: قد أنزل الله إليكم ذا ذكر، أو صاحب ذكر.
والرسول هو محمد ﷺ ، وقيل: جبريل ﵇ (١) أبدل من ذكر؛ لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر، فصح إبداله منه، أو أريد بالذكر الشرف (٢)، من قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (٣) فأبدل منه كأنه في نفسه شرف، على وجه المبالغة، أو ذا شرف، كما تقول: رجل صَوْم، وزَوْر على التأويلين.
وقيل: الرسول هنا بمعنى الرسالة، وهو بدل من ﴿ذِكْرًا﴾ (٤).
وأن يكون منصوبًا على الإغراء على أنَّ الكلام قد تم عند قوله ﴿ذِكْرًا﴾، ثم ابتدأ فقال: "رَسُولًا"، على: الزموا رسولًا، أو اتبعوا رسولَا. وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل دل عليه ﴿أَنْزَلَ﴾، أي: أنزل الله إليكم ذكرًا، وأرسل إليكم رسولَا. وأن يكون منصوبًا بقوله: ﴿أَنْزَلَ﴾ و ﴿ذِكْرًا﴾ صفة له، والتقدير: قد أنزل الله إليكم رسولَا ذكرًا، أي: مُذَكِّرًا، فلما تقدم انتصب على الحال، كقوله:
стр. 3570
٥٩٧ - لِعَزَّةَ مُوحِشًا طَللٌ قَدِيمُ ............................. (١)
فقوله: ﴿ذِكْرًا﴾ حال من ﴿رَسُولًا﴾. وأن يكون مفعولًا له، أعني ﴿ذِكْرًا﴾، و ﴿رَسُولًا﴾ مفعول به، أي: أنزل الله إليكم رسولًا للذكر، أي: ليذكركم ويعظكم، فاعرفه فإنه موضع [لطيف] (٢).
وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ (يتلو) نعت لرسول و ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ حال من (الآياتِ).
وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ انتصاب ﴿خَالِدِينَ﴾ على الحال من الضمير المنصوب في ﴿يُدْخِلْهُ﴾، وأفرد ﴿يُدْخِلْهُ﴾ حملًا على لفظ ﴿مِنْ﴾، وجمع ﴿خَالِدِينَ﴾ على معناه، ووحد ﴿لَهُ﴾ أيضًا حملًا على اللفظ، والحمل على اللفظ بعد الحمل على المعنى قليل ضعيف عند النحاة.
وقوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ محل الجملة النصب على الحال، إما من الضمير المذكور آنفًا، فتكون حالان من ذي حال واحدة، وإما من المنوي في ﴿خَالِدِينَ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾:
قوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الجمهور على نصب قوله: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾، ونصبُهُ بإضمار فعل يدلُّ عليه ﴿خَلَقَ﴾، والتقدير: ومن الأرض خلق مثلهن. ويضعف أن يكون معمول ﴿خَلَقَ﴾
стр. 3571
المذكور عطفًا على ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ما زعم الزمخشري (١) وغيره، لأجل الفصل بين الواو وبين المعطوف بالظرف، وقد كره ذلك صاحب الكتاب ﵀ ونص عليه في باب القسم. وقرئ: (مِثْلُهُنَّ) بالرفع (٢)، ورفعه إما بالابتداء وخبره الظرف، وإما بالظرف.
وقوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ﴾ الجمهور على فتح الياء والتاء والنون والزاي، ورفع ﴿الْأَمْرُ﴾ به، وقرئ: (يُنْزِلُ الأمرَ) بضم الياء وإسكان النون وكسر الزاي على البناء للفاعل، وهو الله تعالى، ونصب (الأمرَ) (٣)، ووجه كلتا القراءتين ظاهر.
وقوله: ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ في انتصاب قوله: ﴿عِلْمًا﴾ وجهان:
أحدهما: مصدر مؤكد لفعله من غير لفظه، لأنَّ قوله: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ معناه: علم كلّ شيء، كأنه قيل: قد علم كلّ شيء علمًا.
والثاني: تمييز، ويسمى نقل الفعل، كقولهم: قَرَّ به عينًا، وطاب به نفسًا، أي: عينه ونفسه، وكذا هذا، أي: أحاط علمه بكل شيء، والله تعالى أعلم بكتابه.
هدا آخر إعراب سورة الطلاق
والحمد لله وحده
стр. 3572
إعراب سُورَةِ التَّحْرِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾:
قوله : ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ محل ﴿تَبْتَغِي﴾ النصب على الحال من المنوي في ﴿تُحَرِّمُ﴾، أي: مبتغيًا مرضاة أزواجك.
وقوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الأصل: تحللة، بوزن تفعلة، فنقلت حركة اللام الأولى إلى الحاء وأدغمت في الثانية.
وقوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ﴾ أي: واذكر إذ أسر.
وقوله: ﴿نَبَّأَتْ بِهِ﴾ المفعول محذوف، والضمير في به للحديث، أي نبأت صاحبتها، يعني: أخبرتْ حفصةُ عائشةَ ﵄ ما أسر إليها رسولُ الله ﷺ .
وقوله: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الهاء الأولى: للنبي ﷺ ، والثانية: للحديث.
стр. 3573
وقوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ المفعول الأول محذوف، والمعنى: عرف رسول الله ﷺ حفصة بعض ما أفشته إلى صاحبتها.
وقرئ: (عَرَفَ) بالتخفيف (١)، قال الفراء: معناه جازى (٢). تقول العرب: أنا أعرف الإحسان، أي أجازي عليه، والمعنى جازى ببعضه، وجازاها ﵊ على ذلك من فعلها بأن طلقها طلقة على ما فسر (٣).
وقوله: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ قيل: تعدى الفعل الأول إلى مفعولين، والثاني إلى مفعول واحد، لأنَّ أنبأ ونبّأ إذا لَمْ يدخلا على المبتدأ والخبر جاز أن يُكتفَى بمفعول واحد وبمفعولين، فإذا دخلا على المبتدأ والخبر تعدى كلّ واحد منهما إلى ثلاثة مفعولين، ولم يجز الاقتصار على الاثنين دونه، كما يُقتصر على المبتدأ دون الخبر، فاعرفه.
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾:
قوله : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ جواب الشرط محذوف، واختلف في تقديره، فقيل تقديره: فالتوبة في موضعها، لأنَّ قلوبكما قد مالت عن الحق. وقيل تقديره: فهو الواجب، أو يتب الله عليكما، لأنَّ صَغْوَ قلوبهما إلى ذلك ذنب، وقيل تقديره: فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب. وقيل: هو على إضمار لا،
стр. 3574
والتقدير: إنْ لا تتوبا فقد صغت قلوبكما، وإنما قال: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ وهما اثنان ولم يقل: قلباكما، لأنَّ أعضاء الوتر (١) إذا أضيفت إلى اثنين جاز أن تجمع في موضع التثنية لعدم الالتباس، ولأن التثنية جمع، وإنما وضعت لها صيغة مفردة لتتميز عما هو أكثر منها، ولو قيل: قَلْبَاكُما جاز (٢)، وأنشد:
٥٩٨ - ومَهْمَهَينِ قَذَفَينِ مَرْتَينْ ... ظَهراهُما مثلُ ظُهُورِ التُّرْسَينْ (٣)
فأتى فيه بهما كما ترى.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ يجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ مبتدأ خبره ﴿مَوْلَاهُ﴾، والجملة خبر (إِنَّ)، وأن يكون ﴿هُوَ﴾ فصلًا والخبر ﴿مَوْلَاهُ﴾.
وقوله: (جبريلُ) يجوز أن يكون معطوفًا على ﴿مَوْلَاهُ﴾ على معنى: الله وليه وجبريل وليه، فلا يوقف على ﴿مَوْلَاهُ﴾ ولكن يوقف على (جبريلُ). وأن يكون مبتدأ، ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطف عليه، (الملائكةُ) عطف أيضًا، و ﴿ظَهِيرٌ﴾ خبر المبتدأ وما عطف عليه، وجاز ذلك لأنَّ فعلًا يقع على الواحد وعلى الجمع كفعول، وفي التنزيل: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ (٤)، وفيه: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (٥) فظهير كنجي، وقال:
٥٩٩ - * دَعْها فما النحويّ من صديقِها (٦) *
стр. 3575
أي: من أصدقائها.
ويجوز أن يكون ﴿ظَهِيرٌ﴾ خبرًا للملائكة فيوقف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، والوجه أن يوقف على ﴿مَوْلَاهُ﴾. و ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ واحد في معنى الجمع، لأنه جنس، ويجوز أن يكون أصله: (صالحو المؤمنين) بالواو، فسقطت الواو لالتقاء الساكنين من اللفظ، وبُني الخط على اللفظ كما فُعل في مواضع نحو: ﴿وَيَمْحُ﴾ (١). و ﴿سَنَدْعُ﴾ (٢) وشبههما.
وقوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾، أي: بعد نصر من تقدم ذكره.
وقوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ مفعول ثان لقوله: ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ﴾، و ﴿خَيْرًا﴾ صفة للأزواج، وكذا ما بعده من لدن قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾. قيل: وإنما أخليت الصفات كلها عن العاطف وجيء به بين الثيبات والأبكار وهما صفتان أيضًا؛ لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات، فلم يكن بد من العاطف (٣). والثيّب: فَيْعِلُ من ثاب، إذا رجع.
﴿اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾:
قوله : ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أمر من وقَى يقِي بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر وقايةً، إذا حَفِظَ، والأمر منه: (قِ) بحذف الفاء واللام جميعًا، أما الفاء فحذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وأما اللام فحذفت لسكونها وسكون الواو بعدها، وعلامة البناء حذف النون، والأصل: