← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

المذكور عطفًا على ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ما زعم الزمخشري (١) وغيره، لأجل الفصل بين الواو وبين المعطوف بالظرف، وقد كره ذلك صاحب الكتاب ﵀ ونص عليه في باب القسم. وقرئ: (مِثْلُهُنَّ) بالرفع (٢)، ورفعه إما بالابتداء وخبره الظرف، وإما بالظرف. وقوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ﴾ الجمهور على فتح الياء والتاء والنون والزاي، ورفع ﴿الْأَمْرُ﴾ به، وقرئ: (يُنْزِلُ الأمرَ) بضم الياء وإسكان النون وكسر الزاي على البناء للفاعل، وهو الله تعالى، ونصب (الأمرَ) (٣)، ووجه كلتا القراءتين ظاهر. وقوله: ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ في انتصاب قوله: ﴿عِلْمًا﴾ وجهان: أحدهما: مصدر مؤكد لفعله من غير لفظه، لأنَّ قوله: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ معناه: علم كلّ شيء، كأنه قيل: قد علم كلّ شيء علمًا. والثاني: تمييز، ويسمى نقل الفعل، كقولهم: قَرَّ به عينًا، وطاب به نفسًا، أي: عينه ونفسه، وكذا هذا، أي: أحاط علمه بكل شيء، والله تعالى أعلم بكتابه. هدا آخر إعراب سورة الطلاق والحمد لله وحده

стр. 3572

إعراب سُورَةِ التَّحْرِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾: قوله : ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ محل ﴿تَبْتَغِي﴾ النصب على الحال من المنوي في ﴿تُحَرِّمُ﴾، أي: مبتغيًا مرضاة أزواجك. وقوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الأصل: تحللة، بوزن تفعلة، فنقلت حركة اللام الأولى إلى الحاء وأدغمت في الثانية. وقوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ﴾ أي: واذكر إذ أسر. وقوله: ﴿نَبَّأَتْ بِهِ﴾ المفعول محذوف، والضمير في به للحديث، أي نبأت صاحبتها، يعني: أخبرتْ حفصةُ عائشةَ ﵄ ما أسر إليها رسولُ الله ﷺ . وقوله: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الهاء الأولى: للنبي ﷺ ، والثانية: للحديث.

стр. 3573

وقوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ المفعول الأول محذوف، والمعنى: عرف رسول الله ﷺ حفصة بعض ما أفشته إلى صاحبتها. وقرئ: (عَرَفَ) بالتخفيف (١)، قال الفراء: معناه جازى (٢). تقول العرب: أنا أعرف الإحسان، أي أجازي عليه، والمعنى جازى ببعضه، وجازاها ﵊ على ذلك من فعلها بأن طلقها طلقة على ما فسر (٣). وقوله: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ قيل: تعدى الفعل الأول إلى مفعولين، والثاني إلى مفعول واحد، لأنَّ أنبأ ونبّأ إذا لَمْ يدخلا على المبتدأ والخبر جاز أن يُكتفَى بمفعول واحد وبمفعولين، فإذا دخلا على المبتدأ والخبر تعدى كلّ واحد منهما إلى ثلاثة مفعولين، ولم يجز الاقتصار على الاثنين دونه، كما يُقتصر على المبتدأ دون الخبر، فاعرفه. ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾: قوله : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ جواب الشرط محذوف، واختلف في تقديره، فقيل تقديره: فالتوبة في موضعها، لأنَّ قلوبكما قد مالت عن الحق. وقيل تقديره: فهو الواجب، أو يتب الله عليكما، لأنَّ صَغْوَ قلوبهما إلى ذلك ذنب، وقيل تقديره: فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب. وقيل: هو على إضمار لا،

стр. 3574

والتقدير: إنْ لا تتوبا فقد صغت قلوبكما، وإنما قال: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ وهما اثنان ولم يقل: قلباكما، لأنَّ أعضاء الوتر (١) إذا أضيفت إلى اثنين جاز أن تجمع في موضع التثنية لعدم الالتباس، ولأن التثنية جمع، وإنما وضعت لها صيغة مفردة لتتميز عما هو أكثر منها، ولو قيل: قَلْبَاكُما جاز (٢)، وأنشد: ٥٩٨ - ومَهْمَهَينِ قَذَفَينِ مَرْتَينْ ... ظَهراهُما مثلُ ظُهُورِ التُّرْسَينْ (٣) فأتى فيه بهما كما ترى. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ يجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ مبتدأ خبره ﴿مَوْلَاهُ﴾، والجملة خبر (إِنَّ)، وأن يكون ﴿هُوَ﴾ فصلًا والخبر ﴿مَوْلَاهُ﴾. وقوله: (جبريلُ) يجوز أن يكون معطوفًا على ﴿مَوْلَاهُ﴾ على معنى: الله وليه وجبريل وليه، فلا يوقف على ﴿مَوْلَاهُ﴾ ولكن يوقف على (جبريلُ). وأن يكون مبتدأ، ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطف عليه، (الملائكةُ) عطف أيضًا، و ﴿ظَهِيرٌ﴾ خبر المبتدأ وما عطف عليه، وجاز ذلك لأنَّ فعلًا يقع على الواحد وعلى الجمع كفعول، وفي التنزيل: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ (٤)، وفيه: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (٥) فظهير كنجي، وقال: ٥٩٩ - * دَعْها فما النحويّ من صديقِها (٦) *

стр. 3575

أي: من أصدقائها. ويجوز أن يكون ﴿ظَهِيرٌ﴾ خبرًا للملائكة فيوقف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، والوجه أن يوقف على ﴿مَوْلَاهُ﴾. و ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ واحد في معنى الجمع، لأنه جنس، ويجوز أن يكون أصله: (صالحو المؤمنين) بالواو، فسقطت الواو لالتقاء الساكنين من اللفظ، وبُني الخط على اللفظ كما فُعل في مواضع نحو: ﴿وَيَمْحُ﴾ (١). و ﴿سَنَدْعُ﴾ (٢) وشبههما. وقوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾، أي: بعد نصر من تقدم ذكره. وقوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ مفعول ثان لقوله: ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ﴾، و ﴿خَيْرًا﴾ صفة للأزواج، وكذا ما بعده من لدن قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾. قيل: وإنما أخليت الصفات كلها عن العاطف وجيء به بين الثيبات والأبكار وهما صفتان أيضًا؛ لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات، فلم يكن بد من العاطف (٣). والثيّب: فَيْعِلُ من ثاب، إذا رجع. ﴿اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾: قوله : ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أمر من وقَى يقِي بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر وقايةً، إذا حَفِظَ، والأمر منه: (قِ) بحذف الفاء واللام جميعًا، أما الفاء فحذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وأما اللام فحذفت لسكونها وسكون الواو بعدها، وعلامة البناء حذف النون، والأصل:

стр. 3576

(اوقِيُوا)، فحذفت الواو لما ذكرت آنفًا، إذ الأمر مبني على المضارع، ولما حذفت الواو استغني عن ألف الوصل، ثم إما ألقيت حركة الياء على القاف بعد حذف حركتها لأنَّها لا تتحرك بحركة وهي متحركة بأخري، وحذفت الياء لسكونها وسكون الواو بعدها، أو حذفت حذفًا وضمت القاف لئلا تنقلب الواو ياء. وقوله: ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾، الجمهور على نصبه عطفًا على قوله: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ وعلامة نصبه الياء، وحذفت النون للإضافة، وقرئ: (وأهلوكم) بالرفع (١)، عطفًا على واو (قوا)، وجاز من غير تأكيد لأجل الفاصل، والمعنى: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم، على وجه التغليب. وقوله: ﴿نَارًا﴾ مفعول ثان، لأنَّ (وقَى) يتعدى إلى مفعولين، وكفاك دليلًا: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ (٢). وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ محل الجملة النصب على أنَّها نعت لنار. والجمهور على فتح واو ﴿وَقُودُهَا﴾ وهو الحطب، وقرئ: بضمها (٣)، وهو مصدر بمعنى التوقد، وفي الكلام حذف مضاف، أي: ذوو وُقودها، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٤). وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع على أنَّه صفة بعد صفة للملائكة، وأن يكون في موضع نصب على الحال إما من الملائكة

стр. 3577

على مذهب أبي الحسن، أو من المنوي في ﴿عَلَيْهَا﴾ على رأي صاحب الكتاب رحمة الله عليهما. وقوله: ﴿مَا أَمَرَهُمْ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب إما على البدل من اسم الله جل ذكره، أي لا يعصون أمره، كقوله عز وعلا: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (١). وإما لعدم الجار وهو (في)، والأصل: لا يعصونه فيما أمرهم به من زيادة أو نقصان أو توارٍ، فحذف الجار. وأن يكون في موضع جر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾: قوله : ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (توبة) مصدر مؤكد لفعله، و ﴿نَصُوحًا﴾ صفة له على طريق المبالغة، كقولهم: رجل صبور، وشكور، وفعول من أبنية المبالغة، أي: توبة بالغة في النصح، يعني: لا مداهنة فيها، وهي صفة مجازية، لأنَّ الفعل في الحقيقة لصاحب التوبة لا لها. وقرئ أيضًا: (نُصُوحًا) بضم النون (٣)، وفيه وجهان: أحدهما: مصدر بمعنى الخلوص، يقال نصح نصاحةً ونصوحًا،

стр. 3578

كذهب ذَهابًا وذُهوبًا، أي: توبة ذات نُصُوحٍ أو تنصح نصوحًا. والثاني: هو جمع نُصْحٍ، كبُرود في جمع بُرْد، أي: ذات نصوح، أو تنصح نصوحًا (١). وقوله: ﴿وَيُدْخِلَكُمْ﴾ الجمهور على النصب عطفًا على ﴿أَنْ يُكَفِّرَ﴾. وقرئ: (ويُدْخِلْكُمْ) بالجزم (٢)، قيل: وهو معطوف على محل ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ﴾، كأنه قيل: توبوا يوجب تكفير سيئاتكم ويدخلْكم (٣). ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿وَيُدْخِلَكُمْ﴾، وأن يكون مفعولًا به على إضمار اذكر. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: يجوز أن يكون في موضع نصب عطفًا على النَّبِيّ ﷺ و ﴿مَعَهُ﴾ يحتمل أن يكون من صلة ﴿لَا يُخْزِي﴾، أي: لا يخزي النَّبِيّ ولا يخزي معه الذين آمنوا، أي يعمهم جميعًا بأن لا يخزيهم، وأن يكون حالًا من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: لا يخزي الله النَّبِيّ والذين آمنوا كائنين معه، وأن يكون من صلة ﴿آمَنُوا﴾ على معنى: أنهم آمنوا كما آمن، لا أنهم آمنوا في وقت إيمانه، وأن يكون في موضع رفع بالابتداء، أعني ﴿الَّذِينَ﴾ على أنَّ الكلام تم عند قوله: ﴿لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ على: والمؤمنون نورهم يسعى بين أيديهم، فـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، و ﴿نُورُهُمْ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿يَسْعَى﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول. وقرئ: (وبإيمانهم) بكسر الهمزة، وقد مضى الكلام عليه في سورة الحديد (٤).

стр. 3579

و ﴿يَقُولُونَ﴾: يجوز أن يكون حالًا، وأن يكون مستأنفًا. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾: قوله : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ (ضربَ) يجوز أن يكون بمعنى وصف، وبمعنى ذكر، فيكون ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ بدلًا من قوله: ﴿مَثَلًا﴾ على تقدير حذف المضاف، أي: مَثَلَ امرأةِ نوحٍ، فحذف المضاف. وأن يكون بمعنى جعل فيكونا مفعولين، والتقدير: ضرب الله امرأة نوح مثلًا، وامرأة لوط مثلًا. وقوله: ﴿وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ عطف على ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ﴾، وكذا. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ عطف جملة على جملة. وكذا ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ عطف أيضًا، أي: وضرب الله مريم ابنة عمران مثلًا، أو واذكر مريم، و ﴿ابْنَتَ﴾ صفة لها أو بدل منها، و ﴿إِذْ﴾ ظرف لقوله: ﴿ضَرَبَ﴾ أو للمثل. وقوله: ﴿فِيهِ﴾ الضمير للفرج. وقيل: لعيسى ﵇ (١).

стр. 3580

وقوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾، قرئ: بالألف على التوحيد، على إرادة الإنجيل، أو الجنس، وبغير ألف على الجمع (١)، وهو الأصل لأنَّ الكتب المنزلة جماعة، وهي صدّقت بجميعها، فاعرفه. وقوله: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ قد جوز أن تكون ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، وأن تكون لابتداء الغاية على أنَّها ولدت منهم (٢). قيل: وإنما قيل: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ على التذكير، لأنَّ الذين يقنتون فيهم المذكور، فغلّب المذكور على الإناث تفضيلًا لهم (٣)، وكذا قوله: ﴿مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ لأنَّ الدخول صفة تقع على القبيلين. والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة التحريم والحمد لله وحده

стр. 3581

إعراب سُورَة المُلْكِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾: قوله : ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع، إما على البدل من ﴿الَّذِي﴾ الأول، أو على إضمار (هو). وأن يكون في موضع نصب على إضمار أعني. وقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ من صلة ﴿خَلَقَ﴾، و ﴿أَيُّكُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿أَحْسَنُ﴾ خبره، و ﴿عَمَلًا﴾ تمييز. وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ (طباقًا) نعت لقوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: جمع طَبَق، كَجِمال في جمع جَمَلٍ، أو طبقة كرحاب في رحَبَةٍ. والثاني: هو مصدرُ طابق يطابق مطابقةً وطِباقًا، وُصف بالمصدر، كما تقول: رَجُلٌ زَوْرٌ، أو على: ذات طباق، ويجوز أن يكون منصوبًا على المصدر على معنى: طابق سبع سماوات طباقًا، فيكون مصدرًا مؤكدًا لِخَلَقَ حملًا على المعنى.

стр. 3582

وقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ الجملة في موضع الصفة لقوله: ﴿طِبَاقًا﴾. وأصلها، ما ترى فيهن من تفاوت، فوضع مكان الضمير، قاله الزمخشري (١). والخلق مصدر بمعنى المخلوق. وقرئ: (من تفاوت) بألف مع تخفيف الواو (٢)، وهو مصدر تفاوتَ تفاوتًا، كتعاهد تعاهدًا، و (مِن تَفَوُّتٍ) بتشديد الواو من غير ألف (٣)، وهو مصدر تَفَوَّتَ تَفَوُّتًا، كَتَعَقَدَ تَعَهُّدًا، لغتان بمعنى. وقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ انتصاب ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ كما على المصدر، كأنه قيل: رجعتين. واختلف في ﴿كَرَّتَيْنِ﴾: فقيل: لَمْ يرد اثنتين، وإنما أراد أن يكرر النظر إليها مرارًا، كما تقول: قد قلت ذلك لك مرّة بعد مرّة، وإنما قلته مرارًا كثيرة، وهو الوجه بشهادة قوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ إذ قد عُلم أنه بكرتين اثنتين لا يصير حسيرًا، وإنما يصير حسيرًا بمرار كثيرة، وقد شبه هذا بقولهم: لبيك وسعديك، يريدون إجابات كثيرة، أي: إلبابًا بعد إلبابٍ، وإسعادًا بعد إسعاد (٤). وقيل: أراد: كَرِّر النظر مرتين مع الأولى. وقيل: كرتين سوى الأولى. وقيل: أراد انظر إليها فارجع البصر، فهاتان كرتان، ثم ارجع البصر كرتين أخريين، فهذه أربع كَرَّات. وقوله: ﴿يَنْقَلِبْ﴾ مجزوم على جواب شرط محذوف. ﴿خَاسِئًا﴾ حال من ﴿الْبَصَرُ﴾، وهو فاعل إما على بابه، أي: صاغرًا، أو بمعنى مفعول، أي: مبعدًا، يقال: خَسَأ الكلب وخسأته.

стр. 3583

﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ الواو للحال، و ﴿حَسِيرٌ﴾ فعيل بمعنى فاعل، من الحسور وهو الإعياء، يقال: حسر، إذا أعيا، فهو حاسر وحسير، [أو بمعنى مفعول من حَسَره] (١). ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾: قوله : ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ في الضمير المنصوب وجهان: أحدهما: يعود إلى السماء، وفي الكلام على هذا حذف مضاف تقديره: وجعلنا شُهبها. والثاني: يعود إلى المصابيح، قال أبو علي: التي ترجم بها الشياطينُ شهاب ينفصل عن الكواكب محرق، وهو الذي تُرْجَمُ به الشياطينُ، والكواكب قارَّة في الفَلَكِ على حالها لا تزول. واختلف في الرجوم، فقيل: جمع رَجْم بسكون الجيم، وهو مصدرٌ جُمِعَ لاختلاف أصنافه. وقيل: جَمْعُ رَجَمِ بفتح الجيم، وهو بمعنى المرجوم، كالقبض بمعنى المقبوض. وقيل: جمع راجم، كجلوس وقعود في جمع جالس وقاعد. وقوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ الجمهور على رفع قوله:

стр. 3584

﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾، ورفعه إما بالابتداء، أو بالظرف، والباء من صلة ﴿كَفَرُوا﴾. وقرئ: (عذابَ جهنم) بالنصب (١) عطفًا على ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾، أي: أعتدنا للذين كفروا بربهم عذابَ جهنم. وقوله: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿لَهَا﴾. وقوله: ﴿كُلَّمَا﴾ معمول ﴿سَأَلَهُمْ﴾ لا معمول ﴿أُلْقِيَ﴾ كما زعم أبو محمد (٢). والنذير: المنذر، فعيل بمعنى مُفْعِل، كأليم بمعنى مؤلم. وقوله: ﴿فَسُحْقًا﴾ يجوز أن يكون مفعولًا به على: فألزمهم الله سحقًا، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله وفعله محذوف، أي: فأسحقهم سحقًا، على حذف الزيادة، أي: إسحاقًا، وإن شئت فأسحقهم فسحقوا هم سحقًا، كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (٣) إما على وضع النبات موضع الإنبات، أو على أنَّبتكم فنبتم نباتًا. والسحق: البعد، والإسحاق: الإبعاد، وقد جُوِّز رفعه بالابتداء (٤)، والوجه النصب. وقرئ: (فَسُحْقا) و (فَسُحُقًا) بإسكان الحاء وضمها (٥)، وهما لغتان. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ

стр. 3585

(١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾: قوله : ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ في (مَن) وجهان: أحدهما: في موضع رفع بيعلم، وهو الله تعالى: أي: إلا يعلم ما في الصدور مَن خَلَقَ الصدورَ؟ والثاني: في موضع نصب بأنه مفعول به، والفاعل مستكن في ﴿يَعْلَمُ﴾، وهو الله جل ذكره، أي: إلا يعلم الله ما خلق؟ وإنما جعله بمعنى (ما) ليدل على العموم. وقوله: ﴿ذَلُولًا﴾ مفعول ثان لجعل، لأنَّ جعل هنا بمعنى صير. وقوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾ في موضع نصب على البدل مِن ﴿مَنْ﴾، وهو مِن بدل الاشتمال، أي: أأمنتم مَن في السماء خَسْفَهُ. وكذا ﴿أَنْ يُرْسِلَ﴾ بدل من ﴿مَنْ﴾ وحكمه حكم ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾، أي: إرسالَه. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ (فوقهم) يجوز أن يكون من صلة ﴿يَرَوْا﴾، وأن يكون حالًا من ﴿الطَّيْرِ﴾، أي: كائنات فوقهم، و ﴿صَافَّاتٍ﴾ حالًا إما من ﴿الطَّيْرِ﴾ وإما من المنوي في الظرف إن جعلته حالًا. وقوله: ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ عطف على ﴿صَافَّاتٍ﴾ حملًا على المعنى، ومفعوله محذوف، أي: وقابضات أجنحتهن. ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾: قوله : ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ (مَنْ)

стр. 3586

استفهامية بمعنى أيُّ الناسِ؟ و ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِي﴾ صفته، و ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، و ﴿جُنْدٌ﴾ خبره، و ﴿لَكُمْ﴾ صفة لجند، و ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ صفة لجند أيضًا بعد صفة محمول على اللفظ، أو حال من المنوي في ﴿لَكُمْ﴾. و ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ من صلة ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ وهو نهاية صلة الموصول وهو ﴿الَّذِي﴾. و﴿هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ مبتدأ، و (من) في قوله ﴿أَمَّنْ﴾ خبره قدم عليه لما فيه من معنى الاستفهام، والاستفهام بمعنى الإنكار، أي: لا جند لكم ينصركم، ولك أن تعكس وهو أن تجعل (مَنْ) مبتدأ، و ﴿هَذَا﴾ خبره، وهذا حسن جيد من جهة الرتبة، والأول جيد أيضًا، و ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ بمعنى: سوى الرَّحمن. وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ مبتدأ خبره ﴿أَهْدَى﴾، و ﴿مُكِبًّا﴾ حال من المنوي في ﴿يَمْشِي﴾، وكذا ﴿سَوِيًّا﴾ حال أيضًا، و ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾ توكيد، وخبر (مَنْ) الثانية محذوف، أي: أم من يمشي سويًا أهدى؟ يدلُّ عليه ما تقدم. قال الجوهري: كَبَّهُ لوجهه، أي: صرعه، فأكبَّ هو على وجهه، وهذا من النوادر أن يقال: أفعلتُ أنا وفَعَلْتُ غيري، انتهى كلامه (١). يعني: أنَّ كب متعد، فإذا دخلت عليه الهمزة لَمْ يتعد، نحو: أكب زيد على وجهه، وهذا يوهم أن أكب مطاوع كَبَّ، وليس الأمر كما زعم، وإنما أكب من باب أفعل الشيء، إذا صار ذا أمر من الأمور التي دخل عليها الفعل، نحو: أجرب الرجل، إذا صار ذا جرب، وأراب، إذا (٢) صار ذا ريبةٍ، والام، إذا فعل ما يلام عليه، كأنه صار ذا ملامة، وكذا أكب معناه: دخل في الكب وصار ذا كب، وإنما مطاوعه انكب لا أكب فاعرفه فإنه موضع (٣).

стр. 3587

﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾: قوله : ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (قليلًا) نعت لمصدر محذوف، أي: تشكرون شكرًا قليلًا، أو وقتًا أو زمانًا قليلًا، و (ما) صلة. وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، الضمير المنصوب لما وُعدوا به من عذاب القيامة، و ﴿زُلْفَةً﴾ مصدر في موضع الحال من الضمير المنصوب، لأنَّ رأى من رؤية العين، أي: ذا زلفة، والمعنى: قريبًا منهم. وقوله: ﴿تَدَّعُونَ﴾ الجمهور على تشديد الدال وفيه وجهان: أحدهما: تفتعلون من الدعاء، أي: تدعون الله بإيقاعه، والمراد استعجالهم إياه بقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ وقيل: ﴿تَدَّعُونَ﴾ أي: تتداعون، أي: هذا ما كنتم تجتمعون على الدعاء به والاستبطاء له. والثاني: تفتعلون من الدعوى، والمعنى: تَدَّعون به التكذيب، أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون. والأصل: (تدتعيون) فأعلت اللام وقلبت التاء دالًا وأدغمت الدال الأولى فيها. وقرئ: (تَدْعُونَ) بإسكان الدال (١)، من دعوت أدعو دعاء، أي: هذا الذي كنتم تدعون الله أن يوقعه بكم، فالقراءتان ترجعان إلى معنى واحد، إنْ جعلتَ (تدعون) من الدعاء لا من الدعوي، فاعرفه.

стр. 3588

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾: قوله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾. وبعده ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ قيل: دخلت الفاء ها هنا في قوله: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ﴾؛ لأن ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى: انتبهوا، أي: انتبهوا فمن يجير، وانتبهوا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ، كما تقول: قم فزيد قائم، ولا يكون الفاء جواب الشرط (١)، وإنما جواب الشرط مقدرٌ مدلولُ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، والتقدير: إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا لَمْ ينفعكم. ولك أن تقدر فعلًا يكون قوله: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ﴾ عطفًا عليه مُعْتَقِبًا له، يدلُّ عليه قوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، والتقدير: تفكروا وانتبهوا تعلموا ذلك فمن يجير الكافرين، وهذا راجع إلى معنى الأول، غير أن فيه زيادة بيان. وقد جوز أن يكون الفاءُ صِلةً (٢) كالتي في قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ (٣) على أحد الوجهين، ويكون الاستفهام سادًّا مسد مفعول ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، كقولهم: أرأيت زيدًا ما فعل؟ و﴿غَوْرًا﴾ خبر ﴿أَصْبَحَ﴾، أي: غائرًا، كَعَدْلٍ بمعنى عادل، أو ذا غورٍ، أي: ذاهبًا في الأرض. وفي وزن ﴿مَعِينٍ﴾ وجهان: أحدهما: أنه مفعول من العين، كمبيع من البيع، أي: مُبْصرٌ بالعين،

стр. 3589

أي: تراه العيون. وقيل: من عين الماء أي: تمده عيونٌ، ووزنه في كلا القولين مفعول، وأصله معيون، فسكنت الياء استثقالًا للضمة عليها، فاجتمع ساكنان، فحذفت الياء بعد نقل حركتها إلى العين فبقي معون، ثم أبدلت من الضمة كسرة لتنقلب الواو ياء فَيُعْلَمَ أنه من ذوات الياء، كما فعل في مبيع، فبقي (معين) كما تري، أو حذفت الواو لسكونها وسكون الياء قبلها على الخلاف المشهور بين صاحب الكتاب وبين أبي الحسن رحمهما الله في إعلال اسم المفعول من ذوات الواو والياء. والثاني: أنه فَعِيل من المَعْن، وهو الشيء السهل الهين. قال النمر بن تولب (١): ٦٠٠ - ...................... ... فإِنَّ هَلَاكَ ما لِكَ غيرُ مَعْنِ (٢) أي غير هين. والله تعالى أعلم بكتابه. هدا آخر إعراب سورة الملك والحمد لله وحده

стр. 3590

إعراب سُوْرَة ن (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾: قوله : ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ قرئ: بإظهار النون، وهو الأصل في الحروف التي في أوائل السور، إذ الوجه الوقوف على كلّ حرف منها، والوقوف يمنع من الإدغام. وبإدغامها (٢) على نية الوصل. وفتحها (٣)، وفيه وجهان: أحدهما: لالتقاء الساكنين كأين وكيف (٤). والثاني: فتحها فتحة إعراب، وهو مفعول به، أي: اقرأ نون، أو الزم نون.

стр. 3591

وقيل: حذفت منها واو القسم فانتصب بإضمار فعل، كقولهم: اللَّهَ لأفعلنَّ (١). وكسرها (٢)، وفيه وجهان أيضًا، أحدهما: لالتقاء الساكنين. والثاني: على إضمار واو القسم، كقولهم: اللَّهِ لأفْعَلَنَّ، وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٣). وقوله: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ جَرٌّ بواو العطف على قول من جعل ﴿ن﴾ قَسَمًا، وبواو القسم على قول من لَمْ يجعَله قَسَمًا. وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ الواو للعطف ليس إلَّا. و (ما) يجوز أن تكون موصولة، أي: والذي يكتبونه، فحذف العائد، وهو كثير في الأسماء الموصولة، حَسَنٌ لأجل طول الاسم بصلته. وأن تكون مصدرية فلا تحتاج إلى راجع، والتقدير: وسَطْرِهم، أي: وكتابتهم. وقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ هذا جواب القسم، و ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ خبر ﴿مَا﴾، والباء صلة لتأكيد النفي، وأما الباء في ﴿بِنِعْمَةِ﴾ فيجوز أن تكون من صلة مجنون على معنى: ما أنت بمجنون بسبب ما أنعم الله به عليك من النبوة، لأنَّ النبوة تقتضي كمال العقل والمعرفة، فهي تنافي الجنون، فالنعمة: النبوة على ما فسر (٤)، والباء للسبب، وأن تكون من صلة محذوف على أنَّه في موضع نصب على الحال من المنوي في مجنون، أي: ما أنت بمجنون ملتبسًا بنعمة ربك.

стр. 3592

ولا يجوز أن يكون متعلقًا بمجنون وهو في موضع الحال كما زعم الزمخشري (١): ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجل مضروب في الدار، وجعلت (في الدار) حالًا، لا يكون (في الدار) من صلة (مررت) ولا من صلة (مضروب)، بل من صلة محذوف وهو كائن أو مستقر، لا أعرف في ذلك خلافًا بين النحاة. وقيل: الباء في ﴿بِنِعْمَةِ﴾ للقسم (٢)، وهو قسم بعد قسم، وجوابه محذوف يدلُّ عليه جواب الأول، والوجه ما ذكر أولًا وهو أن تكون من صلة (مجنون) أو من صلة محذوف. ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾: قوله : ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ اختُلف في الباء: فقيل: بمعنى (في)، والمفتون: المجنون. والمعنى: فستعلم وسيعلمون في أي الفريقين المجنون الذي لا يتبع الحق، أفي فريقك أم في فريقهم؟ أي: في أيهما يوجد؟ وقيل: الباء صلة، والمعنى: أيكم المفتون - أي المجنون - أَمِنَّا أم منكم؟ وقيل: الباء للإلصاق، والمفتون: الفتنة، وهو مصدر كالمجلود والمعقول، أي: بأيكم الجنون أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين؟ وقيل: في الكلام حذف مضاف، والتقدير: بأيكم فتنة المفتون؟

стр. 3593

وقيل: الباء للسبب، والمعنى: بسبب أيكم المفتون، أي: المعذب، أي: أبدعائك يا محمد أم بدعائهم؟ (١) وقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (فيدهنون) عطف على (تدهن) وليس بجواب للتمني؛ لأنه لو كان كذلك لوجب حذف النون، قال صاحب الكتاب ﵀: وزعم هارون أنَّها في بعض المصاحف: (ودوا لو تدهن فيدهنوا) يعني: بالنصب على جواب التمني (٢). ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾: قوله : ﴿كُلَّ حَلَّافٍ﴾ أي: كل رجل حلاف، فحذف الموصوف، والحلَّاف: الكثير الحلف في الحق والباطل. و﴿مَهِينٍ﴾: نعت بعد نعت، ويجوز في الكلام نصبه إما على النعت لي ﴿كُلَّ﴾ أو على الذم، ورفعه على هو، وكذا ما بعده من النعوت يجوز فيه الوجهان. و ﴿مَهِينٍ﴾ فعيل، إمَّا من المهانة وهو الجيد، وهي الحقارة، وفعله مَهُنَ يَمْهُنُ بالضم فيهما مَهَانة فهو مَهِينٌ، وإمَّا من المِهْنَةِ وهي الخدمة، والماهِقُ: الخادمُ، وقد مَهَنَ القومَ يمهنهم بالفتح فيهما مَهْنَةً، أي: خدمهم، فهو ماهن القوم، أي: خادمهم، فمهين: فعيل إما بمعنى مفعول كقتيل وحقير، وإما بمعنى فاعل كرحيم إذا كان بمعنى راحم. ﴿هَمَّازٍ﴾ عيَّاب، من هَمَزَه يَهْمِزُهُ بفتح العين في الماضي وكسرها في

стр. 3594

الغابر هَمْزًا، إذَا عَابَه. ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ الكثير المشي بالنميمة بين الناس، والنمام القتات، وفعله: نَمَّ الحديث يَنِمُّهُ وَيَنُمُّهُ نَمًّا، إذا قَتَّهُ، والاسم النميمة. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي: للمال، يمنعه من أن يخرج في حقوقه، والخير المال، ومنه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (١). ﴿مُعْتَدٍ﴾ أي: معتدٍ على الناس، والاعتداء التعدي، وهو مجاوزة الشيء إلى غيره. ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: ذي إثْمٍ، وهو فعيل بمعنى فاعل، وكفاك دليلًا: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٢)، وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول، أي: مأثوم. ﴿عُتُلٍّ﴾ العتل: الجافي، من عَتَلَهُ، إذا قاده بعنف. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد هذه الخصال الذميمة، وقال أبو عبيدة: مع ذلك (٣). ﴿زَنِيمٍ﴾ الزنيم: الملصقُ بالقوم الدَّعِيُّ، وأُنشد لحسان ﵁: ٦٠١ - وَأَنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هَاشِمٍ ... كَمَا نِبطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ (٤) وقوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ﴾ (أَنْ) مفعول له متعلق إما بقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ﴾، أي: ولا تطعه لأَنْ كان ذا مالٍ، أي: ليساره وحظه من الدنيا،

стр. 3595

وإما بـ ﴿مُعْتَدٍ﴾ أي: يعتدي على الناس لأَنْ كان ذا مال، وليس لمعترض أن يعترض عليَّ ويقول: هذا قد وصف بقوله: ﴿أَثِيمٍ﴾، وما وصف لا يعمل عمل الفعل، لأني لا أجعل (أثيمًا) صفة لـ ﴿مُعْتَدٍ﴾، لأنَّ الصفة لا توصف، وإنما الموصوف هنا محذوف، والتقدير: ولا تطع كلّ رجل أو كلّ إنسان من نعته كيت وكيت، مع أن الشيخ أبا علي ﵀ أجاز أن يكون من صلة ﴿عُتُلٍّ﴾ (١) وإن كان قد وصف على زعم هذا المعترض بقوله: ﴿زَنِيمٍ﴾. وإما بـ ﴿مَشَّاءٍ﴾، أي: يمشي بنميم ليساره. وإما بمحذوف تقديره: يكفر أو يجحد لأنَّ كان ذا مال يدلُّ عليه قوله : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، لأنَّ ذلك كفر وجحود. ولا يجوز أن يتعلق بقوله: ﴿تُتْلَى﴾، لأنَّ ما بعد لا ﴿إِذَا﴾ لا يعمل فيما قبلها، لأنَّ ﴿إِذَا﴾ تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف، ولا بقوله: ﴿قَالَ﴾ لأنَّ ﴿قَالَ﴾ جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء إذ حُكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط فيصير مقدمًا مؤخرًا في حال، فاعرفه فإنه من نحو الفارسي ومعنى قوله وإن لَمْ يكن لفظه بعينه (٢). وقرئ: (آنْ كان) على الاستفهام (٣)، على معنى: ولا تطع صاحب هذه الصفة أَلأَنْ كان ذا مال كَذَّبَ أو كفر؟ يدلُّ عليه ما تقدم من الكلام، فصار كالمذكور بعد الاستفهام. وقرئ أيضًا: (إِنْ) بالكسر (٤)، على أنَّها شرطية وجوابها محذوف

стр. 3596

تقديره: إن كان ذا مال يكفر أو يجحد، ودل على هذا المحذوف قوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، لأنَّ ذلك كُفْرٌ وجُحْدٌ، وقد ذكر آنفًا. ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾: قوله : ﴿مُصْبِحِينَ﴾ نصب على الحال من الضمير المرفوع المقدر في قوله: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ أي: داخلين في وقت الصباح، يقال: أصبح فلان، إذا في خل في الصباح، والصِّرام: قطع ثمار النخل، من صَرَمَهُ إذا قطعه. ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ حال أيضًا بعد حال، أو من المنوي في ﴿مُصْبِحِينَ﴾. وقوله: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا﴾: (مصبحين) حال أيضًا. و ﴿أَنِ﴾ يجوز أن تكون في موضع نصب لعدم الجار وهو الباء، أو جر على إرادته، وأن تكون مفسرة بمعنى (أي) فتكون عارية عن المحل. وقوله: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا﴾ الواو واو الحال، و ﴿أَنْ﴾: مفسرة بمعنى (أي)، تعضده قراءة من قرأ: (لا يدخلنها) بطرح (أن) وهو ابن مسعود ﵁ (١)، والقول مراد، أي: ، هم يتخافتون يقولون: لا يدخلنها. ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ

стр. 3597

(٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾: قوله : ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ الحرد: القصد، وفعله حرَد يحرِد بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر حَرْدًا، إذا قصد، تقول: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أي: قصدت قصدك، قال الراجز: ٦٠٢ - أَقْبَلَ سَيْلٌ جاء مِنْ أَمْرِ اللهْ ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغِلَّةْ (١) والحرد المنع أيضًا، من قولهم: حارَدَتِ السَّنةُ، إذا منعت قطرَها. وحاردتِ الشاةُ، إذا منعت لبنَها (٢)، وفعله: حَرِدَ تحْزدُ، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر. والحَرْدُ أيضًا: الغضب، وفعله أيضًا: حرِد يحرَد بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر حَرَدًا وحرْدًا بفتح الراء وإسكانها، وأُنشد على الإسكان [في معناه]: ٦٠٣ - إذا جِيادُ الخيلِ جاءتْ تَرْدِي ... مملوءةً مِنْ غَضَبٍ وحَرْدِ (٣) وقول الآخر: ٦٠٤ - * يَلُوكُ مِنْ حَرْدٍ عَلَيَّ الأُرَّمَا (٤) * الأُرَّمُ: الأضراس، كأنه جمع آرِمٍ (٥)

стр. 3598

فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: ﴿عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ يجوز أن يكون في موضع الحال، و ﴿عَلَى﴾ بمعنى (إلى)، أي: غدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط، قادرين على زعمهم وعند أنفسهم، أي: كانوا يحسبون أنهم قادرون على صِرام نخلها، واجتناء ثمارها، ولم يعلموا أنه قد حيل بينهم وبين ما يشتهون، أو غدوا حاصلين على الحرمان والمنع عند أنفسهم، أو غدوا ممتلئين غيظًا. وأن يكون من صلة (غَدَوْا). وأن يكون من صلة ﴿قَادِرِينَ﴾ على معنى: قادرين عند أنفسهم على قصد جنتهم، لا يحول بينها وبينهم آفة، وهذا تقدير: أبي إسحاق (١). وقد منع الزمخشري أن يكون من صلة ﴿قَادِرِينَ﴾، ولا أعرف سبب ذلك (٢). وأما ﴿قَادِرِينَ﴾ فيجوز أن يكون حالًا وهو الجيد: إما من الضمير في (غَدَوْا)، وإما من المستكن في ﴿حَرْدٍ﴾ إن جعلته في موضع الحال. وأن يكون خبر (غَدَوْا) على تضمين (غَدَوْا) معنى أصبحوا. وجاء في التفسير أن حَرْدًا اسمٌ لجنتهم (٣)، فعلى هذا من صلة (غَدَوا) ليس إلَّا، أي: غدوا على تلك الجَنَّة قادرين على صرامها على زعمهم، وأنّ ﴿قَادِرِينَ﴾ بمعنى مقتدرين، أي: مقتدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان. وقوله: ﴿خَيْرًا مِنْهَا﴾ مفعول ثان، لأنَّ بَدَّلَ (٤) يتعدى إلى مفعولين.

стр. 3599

﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾: قوله : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (عند) يجوز أن يكون من صلة الاستقرار ومعمولًا له، وأن يكون في موضع الحال من المنوي في الظرف وهو ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ لا من ﴿جَنَّاتِ﴾ كما زعم بعضهم (١) لعدم العامل (٢). وقوله: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (ما) استفهامية في موضع رفع بالابتداء، والاستفهام بمعنى الإنكار، والخبر ﴿لَكُمْ﴾، و ﴿كَيْفَ﴾ معمول ﴿تَحْكُمُونَ﴾، و ﴿تَحْكُمُونَ﴾ في موضع الحال من المنوي في ﴿لَكُمْ﴾ الراجع إلى ﴿مَا﴾. وقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ (أم) هي المنقطعة. وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ حق الهمزة هنا أن تكون مفتوحة؛ لأنَّها مفعول به لـ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ أي: تدرسون في الكتاب أن لكم ما تختارونه لأنفسكم، لكن لما جاءت اللام كسرت، كما تقول: علمت إنَّ زيدًا لقائم. وقيل: قوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ استئناف كلام على معنى الإنكار (٣). وقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿بَالِغَةٌ﴾ على أنَّها نعت لـ ﴿أَيْمَانٌ﴾، وكذا ﴿عَلَيْنَا﴾ صفة لـ ﴿أَيْمَانٌ﴾، ولك أن تجعل

стр. 3600

﴿عَلَيْنَا﴾ من صلة ﴿أَيْمَانٌ﴾، وقرئ: (بالغةً) بالنصب (١)، ونصبها على الحال إما من المنوي في ﴿لَكُمْ﴾ على مذهب صاحب الكتاب ﵀؛ لأنه خبر عن ﴿أَيْمَانٌ﴾، وإما من ﴿أَيْمَانٌ﴾ على رأي أبي الحسن ﵀، وجاز أن يكون حالًا منها وإن كانت نكرة؛ لأنَّها قد خصصت بقوله: ﴿عَلَيْنَا﴾، وإما من المستكن في ﴿عَلَيْنَا﴾ إن جعلته وصفًا للأيمان، وإن جعلته من صلة ﴿أَيْمَانٌ﴾ فلا، والعامل فيها الظرف نفسه: إما الأول، وإما الثاني. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قد جوز أن يكون من صلة المقدر في الظرف، أي: هي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة، وأن يكون من صلة ﴿بَالِغَةٌ﴾ على أنَّها تَبْلُغُ ذلك اليوم وتنتهي إليه. وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ كسرت إنَّ؛ لأنَّها جواب قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا﴾ حملًا على المعنى، لأنَّ معنى ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا﴾ أم أقسمنا لكم، وهي تُكْسَرُ في جواب القسم على أنَّها معمولة ﴿تَدْرُسُونَ﴾. وقيل: بل كسرت لأجل اللام في ﴿لَمَا﴾ (٢). وإن شئت قلت: على الاستئناف. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾: قوله : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ (٣) في ذلك اليوم، وأن يكون مفعولًا به، على: اذكر ذلك اليوم،

стр. 3601

فيوقف على هذا على ما قبله. والكشف عن الساق عبارة عن شدة الأمر، يقال: كشفت الحرب عن ساقها، إذا اشتدت. والجمهور على الياء مبنيًّا للمفعول، وقرئ: (تَكْشِفُ) بالتاء النقط من فوقه مفتوحة وكسر الشين على البناء للفاعل (١)، وفاعل الفعل: الشدة أو الحال، أي: تكشف الشدة أو الحال الحاضرة عن ساق، على معنى تشتد. وقرئ أيضًا: بضم التاء وفتح الشين على البناء للمفعول (٢)، وهي ترجع إلى ذلك المعنى. وقرئ أيضًا: (تُكْشِفُ) بضم التاء وكسر الشين على البناء للفاعل (٣)، من أكشف، إذا دخل في الكشف، والفعل للشدة أو للحال الحاضرة. قيل: ومنه أَكْشَفَ الرجل فهو مكشف، إذا انقلبت شفته العليا. وقوله: ﴿خَاشِعَةً﴾ حال، ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ رفع بأنه فاعل ﴿خَاشِعَةً﴾، وذو الحال ضمير الجمع في قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. ويجوز في الكلام رفعهما على الابتداء والخبر. وقوله: ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ يجوز أن تكون في موضع نصب على الحال، ويجوز أن تكون مستأنفة. ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ الواو واو الحال. وقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ﴾ (مَن) عطف على ضمير المتكلم، وقد جوز أن يكون مفعولًا معه (٤)، والأول أمتن، لما ذكرت فيما سلف من الكتاب أن

стр. 3602

النحاة شرطوا أن يكون الفعل في باب المفعول معه غير متعد، والعرب تقول: دعني وفلانًا، أي: كِلْ أمره [كله] (١) إليَّ فإني أنتقم لك منه. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾: قوله : ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ محل الجملة النصب على الحال من المنوي في ﴿نَادَى﴾، و ﴿مَكْظُومٌ﴾ من كظم غيظه، إذا حبسه، والمعنى: مكظومٌ غَيْظُهُ. وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ﴾ (تدارك) فعل ماض بشهادة قراءة من قرأ: (تداركته) بزيادة تاء التأنيث في آخره وهما ابن عباس وابن مسعود ﵃ (٢)، وإنما ذُكِّر على قراءة الجمهور حملًا على المعنى، لأن النعمة والإنعام بمعنى، أو لأجل الفصل بالضمير، وأما من أنث: فعلى لفظ النعمة. وقرئ أيضًا: (لولا أن تَدَّاركه) بتشديد الدال (٣)، قال أبو الفتح: هذه القراءة على تقدير حكاية الحال الماضية، كأنه قيل: لولا أن كان يقال فيه: تتداركه نعمة من ربه، كما تقول: كان زيد سيقوم، أي: كان متوقَّعًا منه

стр. 3603

القيام، انتهى كلامه (١). فهو مضارع أدغمت التاء منه في الدال بعد قلبها دالًا. وقوله: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿لَنُبِذَ﴾. ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾: قوله : ﴿وَإِنْ يَكَادُ﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة على تقدير الأمر أو الشأن، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية عند أهل البصرة، وعند أهل الكوفة (إنْ) بمعنى (ما)، واللام بمعنى (إلَّا) (٢). وقوله: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ قرئ: بضم الياء من أَزْلَقَهُ، وفتحها (٣) من زَلَقَهُ بمعنىً، كحَزَنَهُ وأَحْزَنَهُ، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة نون والحمد لله وحده

стр. 3604

إعراب سورة الحاقة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾: قوله : ﴿الْحَاقَّةُ﴾ ارتفاعها على الابتداء. ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ ابتداء وخبر، والجملة خبر المبتدأ الأول، وجاز ذلك ولا ذكر في الجملة حملًا على المعنى، ونظرًا إلى الأصل، لأن معنى ذلك: الحاقة ما هي؟ والاستفهام معناه التفخيم والتعظيم، أي: أي شيء هي؟ وإنما أعيد ذكرها على جهة التفخيم لشأنها، والتعظيم لهولها، كما تقول: زيد ما زيد؟ أي: ما هو؟ على التعظيم لشأنه، والتفخيم لأمره، فَوَضْعُ الظاهر موضع المضمر في كلام القوم نظمهم ونثرهم لهذا السبب، فاعرفه. و(ما) في قوله: ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ وخبره الحاقة، وبالعكس وهو أن يكون ﴿الْحَاقَّةُ﴾ مبتدأ، و ﴿مَا﴾ خبره تقدم عليه لما فيه من معنى الاستفهام، كأنه قيل: الحاقة هي عظيم، فاعرفه فإنه موضع. والحاقة اسم للقيامة سميت بذلك لأن فيها حَوَاقَّ الأمور، أي:

стр. 3605

صحائح الأمور (١). وقيل: سميت حاقة لأنها واقعة لا محالة (٢). واختلف فيها: فقيل: هي من حَقَّ الشيءُ يَحِقُّ، إذا وجب وصح مجيئه. وقيل: من حَقَّ الشيءَ يَحُقُّهُ، إذا أَوْجَبَهُ، يقال حَقَّقْتُ الشَّيءَ وأحْقَقْتُهُ، أي: أوجبته، والمعنى: أنها توجب لكل أحد ما استحقه. وقيل: من حَقَّ الشيءَ يَحُقُّهُ، إذا جعله جديرًا حقيقًا مثل حَقَّقَهُ، على معنى: أنها تحق الأشياء من الجزاء والثواب والعقاب. وقيل: من حَاقَّهُ فَحَقَّهُ، إذا غَلَبَهُ في الحق، والمراد أنها تَحُقُّ كل مجادل في دين الله بالباطل. والماضي في جميع هذه الأقوال على فَعَل بفتح العين، والمستقبل في القول الأول على (يَفْعِل) بكسر العين، وفي البواقي كلها على (يَفْعُل) بضم العين. و (الحاقة) اسم الفاعل من حق على هذه الأقوال التي ذكرت، وقد ذكرت آنفًا أنها اسم للقيامة، وهو قول الجمهور. وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (ما) الأولى مبتدأ، وهي استفهام معناه التفخيم والتعظيم، وخبره ﴿أَدْرَاكَ﴾. و (ما) الثانية مبتدأ ثان، و ﴿الْحَاقَّةُ﴾ خبره، وأدرى فعل يتعدى إلى مفعولين: فالكاف مفعول أول، والجملة مفعول ثان، والمعنى: أيّ شيء أعلمكَ أيّ شيء هي؟ وإنما عُلِّق عنه ﴿أَدْرَاكَ﴾ لتضمنه معنى الاستفهام (٣).

стр. 3606

وقوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ اختلف في الطاغية، فقيل: مصدر كالعاقبة والعافية والخائنة، أي: فأهلكوا بالطغيان. وقيل: اسم فاعل كالطاغي والتاء للمبالغة، والمراد به قدار بن سالف على ما فسر (١). أي: فأهلكوا بسبب الطاغي منهم، وقيل: هي الفرقة الطاغية، أي: فأهلكوا بسبب الفرقة التي طغت منهم. وقيل: بالصيحة الطاغية، أو بالريح الطاغية، أو بذنب النفس الطاغية، فحذف الفوصوف وأقيمت الصفة مقامه. وقيل: الطاغية اسم البقعة التي أهلكوا فيها (٢). وقوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ انتصاب قوله: ﴿سَبْعَ﴾ ﴿وَثَمَانِيَةَ﴾ على الظرف، وحذفت التاء من ﴿سَبْعَ﴾ وأثبتت في ﴿ثَمَانِيَةَ﴾ للفرق بين المذكر والمؤنث. وأما ﴿حُسُومًا﴾ فيجوز أن يكون جمع حاسم، كشهودٍ وقعودٍ في جمع شاهدٍ وقاعدٍ، وأن يكون مصدرًا كالشُّكور والكُنود، فإن كان جمعًا فنصبه على الصفة لقوله: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾، أي: متتابعات، وإن كان مصدرًا فنصبه يحتمل أوجهًا: أن يكون صفة أيضًا للمذكور، أي: ذات حسوم، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله وفعله محذوف، والتقدير: تحسمهم حسومًا، أي: حسمًا، بمعنى تستأصلهم استئصالًا، وأن يكون مفعولًا له، أي: سخرها عليهم لأجل الحسم، أي: للاستئصال، وأصله القطع، ومنه الحسام، أي: قطعت دابرهم، فاعرفه فإنه موضع. وعن بعضِ القراء: (حَسومًا) بفتح الحاء (٣)، وهو حال من الضمير المنصوب في ﴿سَخَّرَهَا﴾ العائد إلى الريح، أي: سخرها عليهم مستأصلة.

стр. 3607

وقوله: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يجوز أن يكون للأيام والليالي، وأن يكون للريح، أي: في مهابّها، وأن يكون لبيوتهم وإن لم يجر لها ذكر لحصول العلم بها، وأن يكون للطاغية على قول من جعلها اسمًا لبقعتهم. و﴿صَرْعَى﴾: حال من القوم، لأن الرؤية من رؤية العين، والمعنى: لو كنت حاضرًا في ذلك الوقت لرأيت القوم فيها مصروعين، وهو جمع صريع، كقتلى وجرحى في جمع قتيل وجريح، وكذلك الكاف في ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في موضع الحال إما من القوم أيضًا على قول من جوز حالين من ذي حال، وإما من المنوي في ﴿صَرْعَى﴾ على قول من لم يجوِّز ذلك، أي: مصروعين مشبهين أعجاز نخل. وقوله: ﴿مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ أي: من نفس باقية، وقيل هي مصدر كالعاقبة والعافية، أي: فهل ترى لهم من بقاء. ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾: قوله : ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قرئ: بفتح القاف وإسكان الباء، أي: ومَن قَبْلَهُ من الكفار. وبكسر القاف وفتح الباء (١)، أي: ومَن حوله وعنده، فقيل: نقيضه بَعْد. وقيل: لِما ولي الشيء، تقول: لِي قِبَلَ فلان كذا وكذا، أي: عنده وفي جهته. وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ أي: وأهل المؤتفكات، فحذف المضاف، وهي قرى قوم لوط ﵇. و (الخاطئة): مصدر بمعنى الخطأ،

стр. 3608

أي: جاؤوا بالخطأ، أو بالفعلة الخاطئة، أو بالأفعال ذات الخطأ العظيم، كذا قدره الزمخشري (١). وقوله: ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾ أي: في السفينة، سميت السفينة جارية، لأنها تجري على وجه الأرض (٢)، وجمعها الجواري. وقوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾ من صلة (حملنا). و ﴿وَتَعِيَهَا﴾: عطف على قوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾ أي: ولتعيها، والجمهور على كسر العين وهو الأصل، وقرئ: (وتَعْيها) بإسكانها تخفيفًا (٣)، لأن تَعِي كَكَبِدٍ وفَخِذٍ، والعرب تخفف هذا النحو. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾: قوله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ الجمهور على رفع ﴿نَفْخَةٌ﴾ لقيامها مقام الفاعل. وقرئ: (نفخةً واحدةً) بالنصب (٤) على المصدر، وإسناد الفعل إلى الظرف، وهي مصدر مؤكد لفعله. و ﴿وَاحِدَةٌ﴾: توكيد، لأن النفخة لا تكون إلا للمرة الواحدة. قيل: وإنما أكدت بها تعظيمًا للنفخة، وإعلامًا بأنها متحدة في العظمة لا نظير لها.

стр. 3609

وقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ﴾ الجمهور على تخفيف الميم وإسناد الفعل إلى الأرض، وقرئ: (وحُمِّلَت) بتشديدها (١)، على حذف المحمَّل، وهو إما مَلَكٌ من ملائكة الله ، أو قُدرته، والأصل والتقدير: وحَمَّلنا ملكًا من ملائكتنا أو قدرتَنا الأرضَ، ثم حُمِّلتْ قدرتُنا الأرضَ، ثم حُمِّلت الأرضُ، لَمَّا حذف المفعول الأول بني الفعل للثاني، وقد جوز بناؤه للثاني مع وجود الأول على وجه القلب للاتساع، فيقال: حُملت الأرضُ الملكَ، كما تقول: أُلبس زيدٌ الجبةَ، وأُلْبِستِ الجبةُ [زيدًا] (٢)، فإذا جاز بناؤه للثاني مع وجود الأول فأن يجوز مع حذفه أحرى وأولى. وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ جواب لقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾. و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من (إذا) وتكرار لمعناه، كرر لما طال الكلام. وقوله: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ (يومئذٍ) ظرف لـ ﴿وَاهِيَةٌ﴾. وقوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ (الملك) هنا بمعنى الجمع، والمراد به الجنس، والأرجاء الجوانب، الواحد رجا مقصور، أي: على أرجاء السماء، عن ابن عباس ﵄ (٣). وقيل: على أرجاء الأرض (٤). وقيل: على أرجاء الدنيا (٥). وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ يجوز أن يكون الظرفان من صلة (يحملُ)، وأن يكون ﴿فَوْقَهُمْ﴾ حالًا من العرش.

стр. 3610

واختلف في الضمير المجرور في قوله: ﴿فَوْقَهُمْ﴾، فقيل: للثمانية، وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ويحمل ثمانية فوقهم عرش ربك يومئذٍ. وقيل: للخلق، أي: فوق الخلق. وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف لـ ﴿تُعْرَضُونَ﴾، أي: تعرضون في ذلك اليوم للحساب. وقوله: ﴿خَافِيَةٌ﴾ قيل التقدير: فعلة خافية. وقيل: نفس خافية. ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾: قوله : ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ هاءَ صوت يُصَوَّتُ به فيفهم منه معنى خذ، و ﴿هَاؤُمُ﴾ أمر للجماعة، كما تقول: هاكم (١)، وحُكي عن بعض النحاة أن أصلها هاكُم فأبدلت الكاف همزة (٢). و﴿كِتَابِيَهْ﴾ منصوب بقوله: ﴿اقْرَءُوا﴾ عند أصحابنا البصريين، لأنه أقرب العاملين، وبقوله: ﴿هَاؤُمُ﴾ عند الكوفيين، لأنه أسبق العاملين، وأصله على أصل البصريين هاؤم كتابي اقرؤوا كتابي، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه،
следующие страницы →