فإن قلت: هل يجوز أن يكون في محل النصب على الاستثناء، كقولك: هل جاءك أحد إلا زيد، وإلا زيدًا؟ قلت: لا أمنع ذلك.
ومعنى يرغب عن ملته، أي: يترك دينه وشريعته، يقال: رغِبتُ في الشيء أرغَب بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر رَغْبَةً ورَغَبَةً بالتحريك، إذا أردته. ورَغِبتُ عنه: إذا لم تُرِدْهُ وزهدْتَ فيه.
وأصل الرغبة: رفع الهمة عن الشيء تنزهًا، وإليه سُمُوًّا. فمعنى قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾: أي يرفع نفسه عنها، فاعرفه.
فإن قلتَ: علام انتصب ﴿سَفِهَ﴾ من ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾؛ قلت: اختَلف أهلُ النحو فيه على أربعة أقوال (١):
أحدها: بـ ﴿سَفِهَ﴾، على تضمين ﴿سَفِهَ﴾ معنى جهل، أي: لم يفكر فيها وامتهنها واستخف بها (٢). وأصلُ السَّفَهِ: الخفةُ والحركةُ، يقال: تَسَفَّهَتِ الريحُ الشجرَ، أي: مالت به.
والثاني: على إسقاط الجار، أي: سَفِهَ في نفسه، فحُذف الجارُّ ونُصب المفعول، كقولهم: ضربَ الظهرَ والبطنَ، أي: على الظهر والبطن، وقولهم: زيد ظني مقيم، أي: في ظني (٣).
والثالث: على معنى سَفَّه نفسَه، ثم خُفِّفَ وهو مراد، يقال: سَفِهَ نفسَه، وبَطِرَ عيشَه، ورَشِدَ أمرَه، والأصل: سَفِهَمتْ نَفْسُهُ، وَرَشِدَ أَمْرُهُ، فلما حُوِّلَ الفعلُ إليه انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه على تقدير التشديد (٤).
стр. 387
وقيل: إنَّ (فَعِل) للمبالغة لغة، كما أن (فَعَّل) للمبالغة (١).
والرابع: على التمييز وهو مذهب الفراء: قال: لما حُوِّل الفعل من النفس إلى صاحبها خرج ما بعده مفسرًا، ليدل على أن السفه فيه، وكان حُكْمه أن يكون سَفِه زيدٌ نفسًا، لأن المفسِّر لا يكون إلا نكرة، ولكنه تُرك على إضافته، ونُصب كنَصْبِ النكرةِ تشبِيهًا بها، ومثله قولهم: ضِقْتُ به ذَرْعًا، وطِبْتُ به نفسًا. والمعنى ضاق ذرعي به، وطابت نفسي به (٢).
وقال أبو عبيدة: معناه: أَهْلَكَ نفسَه، وأوبَقَ نفسه (٣).
والمختار: الأول، يعضده قوله ﵊: "الكِبْرُ أنْ تَسْفَهَ الحقَّ وتَغْمَصَ الناسَ" (٤). يقال: غَمِصَهُ، إذا استصغره ولم يره شيئًا، وغَمص فلانٌ النعمةَ، إذا لم يشكرْها، وغَمْصُ الشخصِ أيضًا عَيْبُهُ.
﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾: أي: اخترناه فيها للرسالة، وهو (افتعلنا) من الصفوة، فقلبت التاء طاء؛ لأنها من مخرج التاء، والطاء أشبه بالصاد من جهة الاستعلاء والإطباق، فقلبت للمؤاخاة.
﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: تَحتمل أن تكون الألف واللام بمعنى الذي، وأن تكون للتعريف، فإن جعلتهما بمعنى الذي كان ﴿فِي﴾ في قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلقًا بمحذوف دلَّ عليه هذا الظاهر، أي: وأنه صالح في الآخرة لِمن الصالحين. ولا يجوز أن يكون متعلقًا بهذا الظاهر؛ لأن الصلة لا تتقدم
стр. 388
على الموصول، وإن جعلتَهُمَا للتعريف كان متعلقًا به (١).
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾:
قوله : ﴿إِذْ قَالَ لَهُ﴾ ﴿إِذْ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا لـ ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ (٢)، كأنه قيل: اخترناه في ذلك الوقت، وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل، أي: اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المختار الصالح الذي لا يُرْغَب عن ملة مثله.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾:
قول : ﴿وَوَصَّى﴾ قرئ: (وأوصى) (٣)، وكلاهما هنا معنىً.
﴿بِهَا﴾: الضمير في ﴿بِهَا﴾ لِلْمِلّة، وقد تقدم ذكرها في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٤)، أو لقوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) على تأويل الكلمة أو الجملة.
﴿وَيَعْقُوبُ﴾: عطف على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ داخل في حُكمه، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٦)، ومفعوله محذوف، أي: ووصى بها يعقوب بنيه؛ لأن يعقوب ﵇ وصى بنيهِ أيضًا، كما وصى إبراهيم ﵇. وكفى شاهدًا له قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ (٧).
стр. 389
وعن أبي الحسن: أن (يَعْقُوبُ) مرفوع بإضمار فعل تقديره: قال يعقوب يا بني (١).
وقرئ في غير المشهور: (ويعقوبَ) بالنصب (٢) عطفًا على (بنيه)، أي: ووصي بها إبراهيم بنيه ونافِلَتَهُ يعقوب (٣).
﴿يَابَنِيَّ﴾: الأصل: يا بنيني، فحذفت النون للإضافة، فاجتمعت ياءان، ياء الجمع وياء النفْس، فأُدغمت الأولى في الثانية. و ﴿يَابَنِيَّ﴾ على إضمار القول عند أهلِ البصرة، وعند أهل الكوفة يَتعلّق بـ (وصّى)؛ لأنه في معنى القول.
فإن قلتَ، الألف واللام في ﴿الدِّينَ﴾ للجنس أم للعهد؟ قلت: قيل: للعهد، لأن الله تعالى لم يختر جميع الجنس من الدين، وإنما اختار دين الإسلام على سائر الأديان (٤).
﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾: نَهْيٌ مُؤَكَّد بالنون الشديدة.
﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾، والمعنى: فلا يكن موتكم إلَّا على حال كونكم ثابتين على الإسلام، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا، كما تقول: لا تُصلِّ إلا وأنت خاشع، فلا تنهاه عن الصلاة، ولكن عن ترك الخشوع في حال صلاته، ونظيره من كلام القوم: لا أَرَيَنَّكَ ها هنا (٥)،
стр. 390
فالنهي في اللفظ للمتكلم، وهو في المعنى والحقيقة للمخاطب، كأنه قيل: لا تتعرض لأن أراك بكونك ها هنا.
قيل: فإن قيل: فأي نُكتةٍ في إدخال حَرْفِ النهي على الصلاة، وليس بمنهي عنها؟ قيل: النكتة فيه إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة، فكأنه قال: أنهاك عنها إذا لم تصلِّها على هذه الحالة، وكذلك المعنى في الآية: إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موتٌ لا خير فيه، وأنه ليس بموت السعداء، وأن من حق هذا الموت ألا يَحُلَّ فيهم (١).
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾:
قوله : ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة كالتي في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ (٢)، أي: بل أكنتم (٣) شهداء، ومعنى الهمزة فيها للإنكار والجَحْدِ. والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، وهو العام في ﴿إِذْ﴾، أي: ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوبَ الموتُ.
وقيل: ﴿أَمْ﴾ هنا متصلة، وفي الكلام حذف، أي: أتدَّعُون على الأنبياءِ اليهوديةَ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت (٤).
والجمهور على فتح الضاد من (حضَر)، وقرئ: بكسرها (٥) وهي لغيَّة
стр. 391
حكاها الفراء، قال: وكلهم يقول: يحضُر بالضم (١).
والجُلُّ على نصب ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ ورفع ﴿الْمَوْتُ﴾، وقرئ: بالعكس (٢)، وكلتاهما بمعنى.
﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾: بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى والعامل فيها ﴿شُهَدَاءَ﴾، وقيل: الثانية ليست ببدل من الأولى، وإنما هي ظرف لحضر (٣).
﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾: ﴿مَا﴾ استفهام في محل النصب بتعبدون، أَيْ: أَيَّ شيء تعبدون؟ و ﴿مَا﴾ عام في كل شيء، فإذا عُلِم فُرِقَ بـ (ما) و (مَن)، ولهذا قال أهل النحو: (مَن) لما يَعقِل، ولو قيل: من تعبدون، لم يعم إلَّا أولي العلم وحدهم. وقيل: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ سؤال عن صفة المعبود، كما تقول: ما زيد؟ تريد: أَفقيه أم طبيب، أم غير ذلك من الصفات؟ .
﴿مِنْ بَعْدِي﴾: أي من بعد موتي، تْم خذِفَ اْلمضافُ وأقيم المضاف إليه مقامه.
﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾: عطف بيان لـ ﴿آبَائِكَ﴾، أو بدل منهم.
قيل: وجُعل إسماعيل، وهو عم يعقوب من جملة آبائه؛ لأن العم أب، والخالة أم، لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوة، لا تفاوت بينهما، وكفاك دليلًا قول رسول الله ﷺ : "رُدُّوا عَلَيَّ أبي"، يعني عمه العباس ﵁ (٤).
وأعيد ذكر الإله في قوله: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ فرارًا من العطف على
стр. 392
الضمير المجرور من غير إعادة الجار.
وقرئ في غير المشهور: (وإله أبيك) بلفظ الوُحْدانِ (١)، وذلك يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون واحدًا، وإبراهيم وحده عطف بيان له، أو بدل منه، أفرد تفضيلًا له، وعُطف عليه أولاده.
والثاني: أن يكون جمع سلامة، تقول في الرفع: أبُونَ، وفي الجر والنصب: أَبِينَ، وحذفت منه النون للإضافة (٢).
وقيل: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ على هذه القراءة منصوب بإضمار أعني، وما بعده عطف عليه (٣).
﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾: بدل من ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ (٤)، كقوله: ﴿بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ (٥)، أو على الاختصاص، أي: نُريد بإله آبائك إلهًا واحدًا (٦). وقيل: حال منه (٧)، كأنه قيل: نعبده منفردًا، والفائدة فيه ذكر التوحيد،
стр. 393
كقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (١).
وإسماعيل قيل في جمعه: أسامع وأساميع. وقيل: سماعلةٌ، على أن الهاء بدل من الياء، كما قيل: زنادقة، في جمع زنديق (٢).
وإسحاق: أساحقةٌ وأَساحِق وأساحيق (٣).
ويعقوب: يعاقيب ويعاقبة (٤).
وإسرائيل: أساريل وأسارلةٌ (٥).
وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قد جوز أن تكون في محل النصب على الحال من فاعل ﴿نَعْبُدُ﴾ أو من مفعوله، لرجوع الضمير إليه في ﴿إِلَهَ﴾، أي: نعبده مخلصين التوحيد له، وأن تكون مستأنفة معطوفة على ﴿نَعْبُدُ﴾، أي: ونحن مسلمون له الآن، وفي كل زمان (٦).
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾:
قوله : ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ. و ﴿أُمَّةٌ﴾: الخبر. و ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما ﵇، والكاف
стр. 394
للخطاب التي لا موضع لها من الإعراب.
و﴿قَدْ خَلَتْ﴾: نعت لأمة، وكذلك ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ في موضع النعت أيضًا، ويجوز أن يكون حالًا من المستكن في ﴿خَلَتْ﴾، وأن يكون مستأنفًا.
و﴿مَا﴾ موصولة، أو مصدرية. قيل: والمعنى أن أحدًا لا ينفعه كَسْبُ غيره متقدمًا كان أو متأخرًا، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا كسبهم، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا كسبكم (١).
﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: مستأنفة، و (ما) أيضًا موصولة، أو مصدرية، والمعنى: أنكم لا تؤاخَذون بسيئاتهم، كما لا تنفعكم حسناتُهم.
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾:
قوله : ﴿تَهْتَدُوا﴾ مجزوم على جواب شرط محذوف، أي: إن تكونوا هودًا أو نصارى تهتدوا.
﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: انتصب ﴿مِلَّةَ﴾ بفعل مضمر دل عليه قوله: ﴿كُونُوا﴾، والتقدير: اتبعوا ملة إبراهيم، لأن قوله: ﴿كُونُوا﴾ معناه: اتبعوا اليهودية والنصرانية (٢).
وقيل: بل نتبع ملةَ إبراهيم. وقيل: بل نكون ملةَ إبراهيم، أي: أهل ملته، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٣).
стр. 395
والجمهور على نصب ﴿مِلَّةِ﴾، وقرئ: بالرفع (١) على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: مِلَّتُهُ مِلَّتُنَا أو بالعكس، أي: أمرنا ملته، أو نحن ملته، على تقدير أهل ملته، كما تقول: أنا من دين، أي: من أهل دين.
و﴿حَنِيفًا﴾: حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، كذلك قال أبو إسحاق وغيره من العلماء، كما تقول: رأيتُ وجهَ هندٍ قائمةً (٢).
وقيل: منصوب بإضمار فعل، إذ الحال لا تكون من المضاف إليه (٣)، لأن العامل في الحال هو العامل في صاحبها، ولا يجوز أن يعمل المضاف في مثل هذا الحال. فأجيب عنه بوجهين:
أحدهما: أن العامل معنى الإضافة وهو المصاحبة.
والثاني: أنه محمول على المعنى؛ لأن معنى اتبعوا ملة إبراهيم: اتبعوا إبراهيم، لأنه هو المُتَّبَعُ في الحقيقة.
والحَنِيفُ: المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق، وعن أبي حاتم: قلت للأصمعي: من أين عرف في الجاهلية الحنيف؟ فقال: لأنه من عَدَلَ عن دين اليهودية والنصرانية، فهو حنيف (٤).
والحَنَفُ: مَيلٌ في القدمين، وتَحَنَّفَ، إذا مال، وأنشد:
٨٦ - واللهِ لولا حَنَفٌ في رِجْلِهِ ... وَدِقَّةٌ في ساقِهِ من هَزْلِهِ
ما كان في فِتْيانِكُم مِن مِثْلِهِ (٥)
стр. 396
وقال آخر:
٨٧ - ولكِنَّا خُلِقْنا إذْ خُلِقْنَا ... حنيفًا دينُنَا عن كُلِّ دِينِ (١)
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾:
قوله : ﴿بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ (أحَدٍ): في معنى الجمع، ولذلك جاز دخول، ﴿بَيْنَ﴾ عليه (٢).
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾:
قوله : ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ الباء صلة، كالتي في ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ (٣). و (مثل): نعت لمصدر محذوف، أي: فإن آمنوا إيمانًا مثل إيمانكم، وقيل: (مثل) صلة (٤)، تعضده قراءة من قرأ: (بما آمنتم به) بطرح (مثل)، وهما ابن عباس وابن مسعود ﵃ (٥).
стр. 397
و ﴿مَا﴾: موصولة، تعضده قراءة من قرأ: (بالذي آمنتم به) وهو أُبي رضى الله عنه (١).
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾
قوله : ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ اختَلف أهلُ النحو في نصبه على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مصدر مؤكد منتصب عن قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (٢) - منقول عن صاحب الكتاب ﵀، والقول ما قالت حَذامِ (٣) - كما انتصب ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ (٤) عما تقدَّمه (٥)، وهي (فِعْلَة) من صَبَغَ كالجِلْسة من جلس، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ. والمعنى: تطهير الله؛ لأن الإيمان يُطَهِّرُ النفوس (٦).
والثاني: أنه بدل من ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٧)، الطبري: من قرأ برفع
стр. 398
(ملة) قرأ برفع (صبغة) (١).
والثالث: أنه منصوب على الإغراء، أي: اتبعوا أو الزموا صبغةَ الله، أي دين الله (٢).
قيل: والأصل فيه أن النصارى كانوا يَغمِسونَ أولادهم في ماءٍ أصفرَ، ويقولون: هو تطهير لهم، وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال: الآن صار نصرانيًّا حقًّا، فأُمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا بالله وصَبَغَنا اللهُ بالإيمان صبغة لا مِثْلَ صِبغتنا، وطَهَّرنا به تطهيرًا لا مِثْلَ تطهيرنا، أو يقولُ المسلمونَ: صَبَغَنا الله بالإيمان صِبغتَهُ، ولم نُصْبَغْ صِبغتكم (٣).
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾: (مَن) استفهام بمعنى النفي في موضع رفع بالابتداء، و ﴿أَحْسَنُ﴾ خبره، أي: لا صبغةَ أحسبنُ من صبغته. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: في موضع نصب متعلق بأحسن. ﴿صِبْغَةً﴾: نصب على التمييز، كقولك: فلان أحسن منك وجهًا.
﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾:
قوله : ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ قرئ: بالياء النقط من تحته ردًّا على
стр. 399
قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا ... ﴾ الآية (١). وبالتاء النقط من فوقه ردًّا على ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ (٢).
و﴿أَمْ﴾ فيمن قرأ بالتاء النقط من فوقه، قد جُوّز أن تكون معادِلة للهمزة في ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾، بمعنى: أي الأمرين تأتون المحاجّة في حِكْمَةِ اللهِ أم ادّعاء اليهودية. والنصرانية على الأنبياء؟ والمراد بالاستفهام عنهما: إنكارهما معًا. وأن تكودن منقطعة بمعنى: بل أتقولون؟ والهمزة للإنكار أيضًا.
وأما من قرأ بالياء النقط من تحته، فلا تكودن إلَّا منقطعة لعدم ما تعادله هنا، أي: بل أيقولون؟ والاستفهام بمعنى التوبيخ والتعجب.
﴿أَمِ اللَّهُ﴾: في موضع رفع بالابتداء، وخبره محذوف دل عليه خبر ﴿أَأَنْتُمْ﴾، أي: أم الله أعلم.
﴿عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: كلاهما في موضع نصب على أنه صفة لشهادة، أي: شهادة صادرة، أو جائية من الله، وهي الشهادة الواردة منه جل ذكره في حق إبراهيم وغيره من الأنبياء ﷺ أنهم كانوا حنفاء مسلمين، فكتموها وقالوا: إنهم كانوا هودًا أو نصارى على ما فُسِّرَ. والمعنى: لا أحدَ أظلمُ من اليهود والنصارى (٣)، لأنهم كتموا هذه الشهادة، وقد أحاط علمهم بها.
ولك أن تجعل ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في الظرف وهو ﴿عِنْدَهُ﴾.
فإن قلت: هل يجوز أن يتعلق ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بشهادة؟ قلتُ:
стр. 400
لا، لأنك تفصل بين الصلة والموصول بالصفة، وذلك غير جائز (١).
وقيل: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ من صلة (كَتَمَ)، وهذا فيه ما فيه؛ لأن الله تعالى عالم الخفيات لا يَخفَى عليه شيء، ونحو هذا إنما يُتصور في حق المخلوق، وأما في حق الخالق فلا، إلاّ أن يجعل كقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ (٢). والوجه عندي على هذا أن يكون على حذف المضاف، أي من عباد الله.
﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: يحتمل أن تكون [ما] مصدرية، وأن تكون موصولة.
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾:
قوله : ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ قيل: وإنما جعل المستقبل في موضع الماضي في قوله: ﴿سَيَقُولُ﴾ دلالة على استدامة ذلك، وأنهم يستمرون على ذلك القول. ونص ابن عباس ﵄ وغيره أن الآية نزلت بعد قولهم (٣).
والسفهاء: جمع سفيه، وهو الخفيف، من قولهم: ثوب سفيه، إذا كان خفيفًا.
﴿مِنَ النَّاسِ﴾ في محل النصب على الحال، و ﴿مِنَ﴾ للبيان، لأن السفه يكون في الجمادات والحيوانات.
﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، و ﴿وَلَّاهُمْ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بالقول، أي: ما صرفهم عنها.
стр. 401
والقِبْلةُ تجمع على: قِبَل، وقِبِلات، وقِبَلات (١).
﴿يَهْدِي﴾: في موضع نصب على الحال من اسم الله، والعامل فيها ﴿قُلْ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾:
قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ في محل النصب نعت لمصدر محذوف، أي: أنعمنا عليكم بالعدالة إنعامًا، كما أنعمنا عليكم بالهداية. و ﴿أُمَّةً﴾: مفعول ثان لجعلنا؛ لأنه بمعنى صيرنا. و ﴿وَسَطًا﴾: صفة لأمة.
والوسَط بالتحريك يستعمل اسمًا وصفة، فالاسم نحو: جلست وسَط الدار. والصفة نحو: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾. ويستعمل ظرفًا، فإذا استعمل ظرفًا سُكِّن السين منه، نحو: جلست وسْط القوم، فكل موطن يصلح فيه (بين) فهو وسْط بالتسكين، وإن لَمْ يصلح فيه (بين) فهو وسَطٌ بالتحريك، وربما سكن وليس بالمتين (٢).
وقوله: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ فيه قولان: قال بعضهم: خيارًا. تقول العرب: انزل وسط الوادي، أي: خير موضع منه (٣)، وإنما قيل للخيار: وسط؛ لأنَّ
стр. 402
الأطراف يتسارع إليها الخلل والإعوار، والأوساط محميَّةٌ من ذلك (١).
وقال آخرون: عَدْلًا؛ لأنَّ الوسط عدل بين الأطراف، لاعتدال المسافة إلى أطرافه ليس إلى بعضها أقرب من بعض، ومنه: فلان من أوسطهم نَسَبًا، أي: قد تكلله الشرف من نواحيه، تشبيهًا بالمكان الذي قد أحاطت به نواحيه على اعتدال (٢).
﴿لِتَكُونُوا﴾: اللام متعلقة بجعلنا، و ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ بشهداء، و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بـ ﴿شَهِيدًا﴾.
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾، ﴿الْقِبْلَةَ﴾: مفعول أول لجعلنا، وثاني مفعولي ﴿جَعَلْنَا﴾ محذوف، و ﴿الَّتِي﴾ صفة له، أي: وما جعلنا القبلةَ الجهةَ التي كنت عليها، وهي الكعبة؛ لأنَّ رسول الله ﷺ كان بمكة يصلي إلى الكعبة؛ ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفًا لليهود، ثم حُوِّلَ إلى الكعبة على ما فسر (٣).
وقيل: ﴿الَّتِي﴾ صفة للقبلة المذكورة، وثاني مفعولي ﴿جَعَلْنَا﴾ محذوف، أي: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلةً أو منسوخةً، يعني صخرة بيت المقدس.
﴿إِلَّا﴾: حرف إيجاب. ﴿لِنَعْلَمَ﴾ متعلقة بجعلنا، والفعل منصوب بعدها بإضمار أن.
стр. 403
﴿مَن يَتَّبِعُ﴾: ﴿مَن﴾ موصول منصوب بنعلم.
﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾ متعلق بنعلم، أي: وما رددناك إليها، أو حولناك عنها إلَّا امتحانًا للناس وابتلاء، لنعلم الثابت على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حَرْفٍ يَنْكِصُ على عقبيه لقلقه فيرتد.
وقد جوز الزمخشري ﵀ أن تكون ﴿مَن﴾ متضمنة لمعنى الاستفهام متعلقًا عنها العلم، كقولك: علمت أزيد في الدار أم عمرو (١)، وهو سهو لعدم ما يتعلق به قوله: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ﴾؛ لأنَّ ما بعد الاستفهام لا يتعلق بما قبله، فإن قلتَ: عَلِّقْه بقوله: ﴿يَتَّبِعُ﴾. قلتُ: لا يسعني ذلك لعدم المعنى، فاعرفه.
والجمهور على البناء للفاعل في قوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾، وقرئ: (إلَّا لِيُعْلَم) بالياء النقط من تحته مضمومًا على البناء للمفعول (٢).
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون العلم هنا بمعنى العرفان، كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ (٣)، أي: عرفتم، وتكون ﴿مَن﴾ بمعنى الذي، أي: ليعرف الذي يتبع الرسوله. ولا تكون ﴿مَن﴾ وها هنا استفهامًا، لئلا يكون الكلام جملة، والجمل لا تقوم مقام الفاعل، انتهى كلامه (٤).
قلت: قوله هذا يُجَوّزُ أن تكون ﴿مَن﴾ استفهامية في قراءة الجمهور، وفيه ما فيه لما ذكرت آنفًا، والله تعالى أعلم بكتابه، والعلمُ عندي على هذه القراءة على بابه، لا بمعنى العرفان.
стр. 404
وقوله: ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿يَنْقَلِبُ﴾، أي: راجعًا.
والجمهور على كسر القاف، وقرئ: (على عقْبيه) بسكونها (١)، وهما لغتان.
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾: هي إنْ المخففة التي تلزمها اللام الفارقة، واسمها محذوف، هذا مذهب أهل البصرة، وقال أهل الكوفة: (إن) بمعنى (ما)، واللام بمعنى إلّا (٢). ﴿لَكَبِيرَةً﴾: خبر كان، واسمها مضمر فيها دل عليه قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾، أي: وإن كانت التحويلة، أو الجعلة، أو الصلاة التي صليت إلى بيت المقدس، أو القبلة ﴿لَكَبِيرَةً﴾، أي: لثقيلة شاقة.
و﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ﴾: في محل النصب على الاستثناء، أي: وإن كانت لشاقة على جميع الناس إلَّا على الثابتين منهم على الإيمان.
وقوله: ﴿هَدَى اللَّهُ﴾ أي: هداهم الله، فحذف الضمير الراجع إلى الموصول.
وقرئ في غير المشهور: (وإن كانت لكبيرةٌ) بالرفع (٣)، على أنَّ (كان) مزيدة، والأصل: وإن هي لكبيرة، كقولك: إنْ زيدٌ لمنطلقٌ، ثم وإن كانت (٤).
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ خبر كان يحتمل أن يكون ﴿لِيُضِيعَ﴾، أي: وما كان الله ذا إضاعة إيمانكم، وأن يكون محذوفًا،
стр. 405
أي: وما كون الله مريدًا لأنَّ يضيع إيمانكم، فاعرفه، وقس عليه نظائره في التنزيل:
وعن ابن عباس ﵄ وغيره: أن الإيمان هنا: الصلاة، وسميت الصلاة إيمانًا؛ لأنَّها صادرة عنه، وهي التي كانت إلى بيت المقدس قبل التحويل على ما فسر (١).
وقرئ: (رَؤُف) بوزن يَقُظ، و (رَءُوف) بوزن صبور، وهما لغتان فاشيتان (٢).
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾:
قول : ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ متعلق بـ ﴿تَقَلُّبَ﴾، أي: قد نرى تَرَدُّدَ وجهِك وتصرّف نظرك في جهة السماء. ﴿وَجْهِكَ﴾: منصوب بـ (ولِّ).
﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾: نصب على الظرف، وهو ظرف مكان، تعضده قراءة من قرأ: (تلقاء المسجد) وهو أُبي ﵁ (٣)، أي: اجعل تَوْلِيَةَ وجهِكَ تلقاءَ المسجد، أي في جهته وسَمْتِهِ؛ لأنَّ استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على مَن بَعُد، وشَطْرُ كلّ شيء: نَحْوُهُ وقَصْدُه (٤).
стр. 406
و (حيث): ظرف مكان، ولا يجازَى بها إلَّا مع (ما)؛ لأنَّها تضاف إلى الجملة، والجملة موضحة لها كما توضح الصلة الموصول، والشرط بابه الإبهام، فإذا وُصِلَتْ حيث بـ (ما) زال معنى الإضافة، وجُوزِيَتْ بها وصارت آخذةً صدرَ الكلام؛ لأنَّ (ما) منعتها الإضافة. فإذا قلتَ: حيثما تكن أكن، كان (تكن) عاريًا من الإعراب، وكانت جملة غيرَ مضافٍ إليها، وكان الفعل الذي بعدها في موضع جزم، فإن كان مُستقبَلًا ظهر الجزم فيه، وإن كان ماضيًا حكم على موضعه بالجزم، وكان هو العامل فيها، وهي عاملة فيه، فيكون كلّ واحد منهما عاملًا في حالٍ، معمولًا في حالٍ أخرى، ونظيرهما: أيَّهُمْ تُكْرِمْ أُكرِمْ، فأيَّ منصوب بتكرم، وتكرم مجزوم بأيّ، فاعرفه.
﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: الضمير في ﴿أَنَّهُ﴾ للتحويل، أي: لَيعلمون أن التحويل إلى الكعبة هو الحق. قيل: لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله ﷺ أنه يصلي إلى القبلتين (١). وقيل؛ للمسجد. وقيل: للكتاب (٢).
﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾: في محل النصب على الحال، وقد ذَكرتُ نظيره فيما سلف من الكتاب (٣).
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾:
стр. 407
قوله : ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾ اللام توطئة للقسم داخلةٌ على حرف الشرط، ﴿مَا تَبِعُوا﴾ جواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط.
والجمهور على تنوين ﴿بِتَابِعٍ﴾ وَنَصْب ما بعده به، وقرئ: (بتابعِ قبلتهم) بترك التنوين. وجر ما بعذه بالإضافة (١)، وكلاهما ظاهر.
﴿إِذًا﴾ حرف، والنون فيه أصل، ولا تعمل إلّا بعد شرائط: أولها: أن تكون جوابًا.
والثانية: أن تكون مُبتَدَأَةً. والثالثة: أْن يكون الفعل بعدها غيرَ مُعتمِدٍ على ما قبلها. والرابعة: أن يكون الفعل مستقبلًا، ويجمعهن قولك لمن يقول: أنا آتيك: إذن أُكْرِمَكَ، ولا تعمل هنا شيئًا؛ لأنَّ عملها في الفعل، ولا فعل.
فإن قلت: هي يجوز أن تكون (إن) في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾ بمعنى (لو) كما زعم بعضهم (٢) محتجًا بأنها أُجيبتْ بجوابِ (لو) وهو (ما)؟ قلت: لا؛ لأنَّ (إنْ) في الأصل للمستقبل، و (لو) للماضي، وهو قول صاحب الكتاب، والقول ما قالت حَذَامِ (٣).
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾:
قول : ﴿الَّذِينَ﴾ رفع بالابتداء، ونهاية صلته ﴿الْكِتَابَ﴾، و ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ الخبر. والهاء في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ لرسول الله ﷺ . وجاز الإضمار وإن لَمْ يَسبق له ذكر، لأنَّ الكلام يدلُّ عليه، ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم
стр. 408
وإشعار بأنه لشهرته وكونه عَلَمًا، معلومٌ بغير ذكر. (١).
وقيل: الضمير للعِلْم، أو للقرآن، أو تحويل القبلة، أو للبيت (٢)، والوجه الأول (٣)، حضده ما رُوي عن عمرَ ﵁ أنه سأل عبد اللَّه بن سلام ﵁ عن رسول الله ﷺ ، فقال: أنا أعلم به مني بابني. قال: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد ﷺ أنه نبي، فأما ولدي، فلعلَّ والدتَه خانت. وفي أخرى: ولا أدري ما تصنع النساء. فقبَّل عمر ﵁ رأسه (٤).
وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار أعني، أو رفع على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين.
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ﴾: الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: عرفانًا مثل معرفة أبنائهم، و (ما) مصدرية، والهمزة الواقعة بعد الألف في ﴿أَبْنَاءَهُمْ﴾ بدل من ألف، وتلك الألف بدل من واو، أو ياء على الخلاف المشهور (٥).
﴿مِنْهُمْ﴾: في موضع نصب نعت لفريق.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿لَيَكْتُمُونَ﴾.
стр. 409
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾:
قوله : ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ مبتدأ وخبر، ولك أن تجعله خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق، كما تقول: مررتُ برجلٍ كريمٍ زيدٌ، على تقدير: هو زيد، و ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ على هذا الوجه يحتمل أن يكون في محل النصب على الحال، وأن يكون خبرًا بعد خبر.
وقد جُوِّزَ أن تكون اللام في ﴿الْحَقُّ﴾ للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله ﷺ ، أو إلى الحق الذي في قوله: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ (١)، أي: هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك. وأن تكون للجنس، على معنى: الحق من الله لا من غيره، يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله، كالذي أنت عليه، وما لَمْ يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل (٢).
والجمهور على رفع قوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ وقد ذَكرتُ وجهه، وقرئ: (الحقَّ) بالنصب (٣)، وذلك يحتمل وجهين:
أن يكون بدلًا من الأول، أي: يكتمون الحَقَّ الحَقَّ من ربك (٤).
وأن يكون منصوبًا بـ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ (٥).
ولك أن تنصبَ على الإغراء (٦).
стр. 410
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾:
قوله : ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ (وجهة) رفع بالابتداء ﴿وَلِكُلٍّ﴾ الخبر، أي: ولكل من أهل الأديان المختلفة وجهة أي قبلة.
والوجهة: المكان المتوجه إليه، وهي (فِعْلَةٌ) من المواجهة، وهي اسم وليست بمصدر، تعضده قراءة من قرأ: (ولِكُلٍّ قبلةٌ)، وهو أبي ﵁ (١) ومِثْلُ ﴿وِجْهَةٌ﴾ في التصحيح لكونها غيرَ مَصدرٍ قولهم في وليد: وِلْدَةٌ، كغِلْمةٍ.
﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾: مبتدأ وخبر في محل الرفع صفة لوجهة، والهاء والألف مفعول أول لموليها، والثاني محذوف، و ﴿هُوَ﴾ يجتمل أن يكون ضمير (كُلٍّ) حملًا على اللفظ، أي: هو موليها وجههُ أو نفسَهُ، وأن يكون ضمير اسم الله تعالى، أي: الله مُوَلٍّ تلك القبلة إياهم.
وقرأ ابن عامر: (هو مولَّاها) بفتح اللام (٢)، و (هو) على هذه القراءة ضمير (كل) ليس إلَّا، لاستحالة جعله لله سبحانه من جهة المعنى، أي: هو مُوَلَّى تلكِ الجهة، فالمفعول الأول هو الضمير المرفوع في مُوَلِّي، والثاني: الجهة، فلا حذف في الكلام على هذه القراءة.
وقرئ في غير المشهور: (ولكلِّ وجهةٍ) بالإضافة (٣)، فاللام على هذه
стр. 411
القراءة مزيدة، وإنما زيدت لتقدم المفعول، كما تقول: لزيد ضربت، والتقدير: وكلُّ وجهةٍ الله مولِّيها.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أي: إليها.
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾: (أينما) ظرف لتكونوا، و ﴿تَكُونُوا﴾ جزم به.
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾:
قوله : ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ﴾ الهاء ضمير المأمور به (١).
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾:
قوله : ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿فَوَلُّوا﴾، أو عَرَّفْتُكُمْ ذلك لِئَلَّا. و ﴿حُجَّةٌ﴾: اسم كان، و ﴿لِلنَّاسِ﴾ الخبر، و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ في موضع نصب على الحال، لتقدمه على الموصوف وهو ﴿حُجَّةٌ﴾.
فإن قلتَ: هل يجوز أن يتعلق ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بحجة، كما زعم بعضهم؟ قلت: إن جعلتَ الحجةَ مصدرًا - وهو الوجه لأنَّ المراد بالحجة هنا المحاجَّة والمجادلة - فلا، لأنَّ ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه، وإن جعلتَها اسمًا فلا بأس.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قيل: المراد بالناس هنا اليهود، و ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ استثناء من الناس، ومعناه: لئلا تكون حجة لأحد من اليهود إلَّا للمعاندين منهم القائلين: ما تَرَكَ قبلتنا إلى الكعبة إلَّا مَيلًا إلى دين قومه
стр. 412
وحبًا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء (١).
وقيل: المراد بالناس العرب، و ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ استثناء منهم.
والمعنى: لئلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض في استقبالكم القبلة التي هي قبلة إبراهيم وإسماعيل ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ وهم أهل مكة حين يقولون: بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم (٢).
فالاستثناء على هذين الوجهين متصل، وقيل: هو منقطع والمعنى: لكن الذين ظلموا فإنهم يحتجون بالباطل، فالمراد بالناس على هذا الوجه اليهود، وبـ ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ مشركو مكة (٣)، وذلك أن اليهود فيما فسر كانوا يحتجون على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين في صلاتهم إلى بيت المقدس ويقولون: ما دَرَى محمد وأتباعه أين قبلتهم؟ حتى هديناهم نحن، ويخالفنا في ديننا، ويتبع قبلتنا، فلما صُرِفت القبلة إلى الكعبة بطلت هذه الحجة، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المشركون، فإنهم قالوا: قد تحير محمد في دينه، فتوجه إلى قبلتنا، وعلم أنّا أهدى سبيلًا منه، ويوشك أن يرجع إلى ديننا.
والوجه: أن يكون متصلًا، يشهد له وينصره قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾.
والجمهور على كسر الهمزة وتشديد اللام في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهو حرفُ إيجاب، وقرئ: (أَلَا الذين) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (٤)، وهو حرف تنبيه، وتقف على هذه القراءة على ﴿حُجَّةٌ﴾ ثم تستأنف منبّهًا قائلًا: أَلَا
стр. 413
الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني، كما تقول مبتدئًا: أَلَا فلانًا فأعرض عنه وأقبل عليّ. فمحل (الذين) على هذه القراءة إما الرفع على الابتداء والخبر ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾، وإما النصب على إضمار فعل، فاعرفه (١).
وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ﴾ يَحتمل أن تكون عطفًا على اللام الأولى وهي ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، أو على علة مقدرة، كأنه قيل: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم، وأن تتعلق بمحذوف دلى عليه الكلام، كأنه قيل: ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك، أو عرفتكم قِبلتي، وما أشبه هذا.
و﴿عَلَيْكُمْ﴾: يحتمل أن يكون من صلة (أُتم)، وأن يكون من صلة محذوف على أنَّه في موضع نصب على الحال من ﴿نِعْمَتِي﴾.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾:
قوله : ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، و (ما) مصدرية، أي: لعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا، أو: ولأتم نعمتي عليكم إتمامًا مثل إرسالنا، أو: نعمة مثل إرسالنا.
وقيل: التقدير: كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب، روي هذا الوجه عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وهو اختيار أبي إسحاق وغيره من العلماء، فيكون أيضًا في موضع نصب على أنَّه نعت لمصدر (اذكروني)، أي: اذكروني ذكرًا مثل إرسالي، وتكون الفاء على
стр. 414
هذا الوجه مزيدة (١).
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾:
قول : ﴿أَمْوَاتٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، وكذلك ﴿أَحْيَاءٌ﴾ أي: هم أموات بل هم أحياء، ولا يجوز نصبهما إذ ليسا في موضع مصدر، كقولك: قلت حقًّا وباطلًا. وجُمِعَ أموات وأحياء حملًا على معنى (مَن). وأُفرد ﴿يُقْتَلُ﴾ على لفظ (مَن).
﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾: كيف حالهم في حياتهم.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾:
قوله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ جواب قَسَم محذوف، والفعل مؤكد بالنون الشديدة مَبني معها، وحُرّكت الواو بالفتح لخفته.
﴿مِنَ الْخَوْفِ﴾: في موضع الصفة لشيء.
﴿مِنَ الْأَمْوَالِ﴾: في موضع نصب على أنَّه نعت لمحذوف، أي: ونقصٍ شيئًا من الأموال، لأنَّ النقص مَصْدَرُ فِعْلٍ مُتعدٍّ، وذلك أنّ نَقَصَ فعل يتعدى ولا يتعدي، فإذا تعدى فمصدره النقص، وإذا لَمْ يتعد فمصدره النقصان، فاعرفه.
﴿وَنَقْصٍ﴾ عطف على شيء، أي: وبنقصٍ شيئًا من الأموال. وقيل: عطف على الخوف، بمعنى وشيء من نقص الأموال.
وعن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: الخوف: خوف الله، والجوع:
стр. 415
صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال: الزكوات والصدقات، ومن الأنفس: الأمراض، ومن الثمرات: موت الأولاد (١). يعضده ما روي عن رسول الله ﷺ : "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول الله تعالى: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم، فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابْنُوا لعبدي بيتًا في الجَنَّة وسموه بيت الحمد" (٢).
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع نصب على النعت لـ ﴿الصَّابِرِينَ﴾، أو بإضمار فعل، أو رفع على الابتداء، والخبر ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ (٣). و ﴿قَالُوا﴾: جواب إذا، وهو: العامل فيها. ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿رَاجِعُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾:
قوله : ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿صَلَوَاتٌ﴾: مبتدأ ثان، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول.
وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾: يجوز أن يكون ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وأن يكون توكيدًا لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ﴾، وأن يكون فصلًا، ويسميه أهل الكوفة عمادًا، فاعرفه وقس علية نظائره.
стр. 416
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾:
قول : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الصفا مقصور، وألفه منقلبة عن واو، لقولهم في تثنيته: صفوان، وهو الحجبم الصلب الأملس الصافي الذي لا يُنبت شيئًا. والمروة الحجر الرخو، وهما علمان للجبلين.
﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: في موضع رفع: خبر ﴿إِنَّ﴾، وفي الكلام حذف مضاف، أي: إنَّ المشي بينهما من شعائر الله.
والشعائر: جمع شَعيرة، وهي العلامة، أي: من أعلام مناسكه ومتعبداته، وهمزت لأنَّ الياء مزيدة لا أصبل لها في الحركة، كالتي في صحائف.
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾: (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء. و ﴿حَجَّ﴾ في موضع جزم بالشرط، والجواب ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾، و ﴿جُنَاحَ﴾ مبني مع (لا).
واختلف في خبر (لا)، فقيل: ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وعليه الجُلُّ. وقيل: الوقف على ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ والابتداء بقوله: ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، لأنَّ الطواف واجب. وخبر (لا) محذوف، أي: فلا جناح في الحج (١).
وقوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ تقديره: في أن يَطَّوَّفَ، ثم حذفت في، فـ ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب أو جر على الخلاف المشهور. وقيل: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ في محل النصب على الحال من الهاء في ﴿عَلَيْهِ﴾، أي: فلا جناح عليه في تلك الحال (٢).
стр. 417
فإن قلت: هل يجوز أن يكون قوله: ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ إغراء؟ قلت: لا، لأنَّ الإغراء إنما ورد في اللغة الفصيحة مع الخطاب، كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١)، وأما ما حكاه صاحب الكتاب ﵀ عن بعضهم: عليه رجلًا لَيْسَنِي، فشيء شاذ لا يُحْمل الكتاب العزيز عليه (٢).
والحج: القصد. والاعتمار: الزيارة، واعتمر: زار وتَكَرّر، مأخوذ من عَمَرْتُ الموضع، هذا أصلُهما ثم غَلبَا على قصد البيت وزيارته للنُسْكَينِ المعروفينِ.
وأصل ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ أن يتطوف، فأُدعْم بعد القلب.
وقرئ في غير المشهور: (أن يَطَّافَ) (٣)، وأصله: (يَطْتَوِف) يَفْتَعِل من الطواف، فأبدل من تاء الافتعال طاء، وأدغم الطاء فيها وقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقرئ أيضًا: (أن يَطُوفَ) من طاف (٤).
وقرئ: (أَلَّا يَطَّوفَ بهما) بزيادة لا (٥)، وفيه وجهان:
أحدهما: (لا) صلة كالتي في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (٦)، وقوله:
стр. 418
﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ (١).
والثاني: أنه مَفْسُوحٌ له في ترك ذلك، كما قد يُفسح للإنسان في بعض المنصوص عليه المأمور به تخفيفًا، كالقصر في السفر، وترك الصوم، ونحو ذلك من الرخص.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾: قرئ على لفظ الماضي (٢)، فمن على هذه تحتمل أن تكون شرطية، وموضع ﴿تَطَوَّعَ﴾ جزمًا، وأن تكون موصولة، ولا موضعَ للفعل من الإعراب، وهي في كلا الوجهين في موضع رفع بالابتداء.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ الفاء وما بعدها جواب الشرط على الوجه الأول، والخبر على الوجه الثاني. ودخلت الفاء لما في الذي من معنى الإبهام، والعائد محذوف، أي: فإن الله شاكر له.
وقرئ: على لفظ الغابر (٣)، فـ (من) على هذا شرطية ليس إلَّا، لكون الفعل مجزومًا بها، و (خيرًا) منصوب بأنه مفعول به، والتقدير: ومن يَطَّوّعْ بخير، فلما. حذف الجار وصل الفعل فنصب، تعضده قراءة من قرأ: (ومن يتطوعْ بخيرٍ) وهو عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (٤).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾ ﴿فِي الْكِتَابِ﴾.
стр. 419
﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: في محل النصب على الحال من (ما) أو من عائده المحذوف، أي: كائنًا أو ثابتًا من البينات.
﴿مِنْ بَعْدِ﴾: متعلق بـ ﴿يَكْتُمُونَ﴾، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾ لفساد المعنى، وذلك أن الإنزال لَمْ يكن بعد ما بُيِّنَ ولُخِّصَ للناس، وإنما عمدوا إلى ذلك المُبَيَّنِ المُلَخص، وكتموه بعد التبيين.
و﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بـ ﴿بَيَّنَّاهُ﴾، وكذلك ﴿فِي الْكِتَابِ﴾. ولك أن تجعل ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ متعلقًا بمحذوف على أنَّ تجعله حالًا من الهاء في. ﴿بَيَّنَّاهُ﴾، أي: كائنًا أو ثابتًا في الكتاب.
﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾: خبره، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾.
وقوله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ في موضع نصب على الاستثناء من الهاء والميم في ﴿يَلْعَنُهُمُ﴾ والاستثناء متصل، ونهاية صلة الذين: ﴿وَبَيَّنُوا﴾. وقيل: الاستثناء منقطع، لأنَّ الذين كتموا لُعِنوا قبل أن يتوبوا، وإنما أَتى الاستثناء لبيان قبول التوبة، لا لأنَّ قومًا من الكاتمين لَمْ يُلعنوا. ولَعْنُ اللهِ تعالى إياهم: إبعادهم عن رحمته. ولَعْنُ اللاعنين: مسالتُهُم إياه أن يلعنهم بقولهم: اللهم العنهم.
و﴿اللَّاعِنُونَ﴾: قيل: هم المؤمنون من الجنِّ والإنس والملائكة يلعنون كلّ من كفر (١).
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾:
قوله : ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾: مبتدأ ثان، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول. ولك أن ترفع
стр. 420
المبتدأ الثاني بـ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على المذهبين، لاعتماده على المبتدأ.
والجمهور على جر ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ﴾ عطفًا على لفظ اسم الله، وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للناس، وقرئ: (والملائكةُ والناسُ أجمعون) بالرفع (١) عطفًا على محله؛ لأنه فاعل في التقدير، كأنه قيل: أولئك عليهم أَنْ لَعَنَهم اللهُ والملائكةُ والناسُ أجمعون. كما تقول: كرهت قيامَ زيدٍ وجعفرٍ وخالدٍ بالجر عطفًا على لفظ زيد. وجعفرٌ وخالدٌ بالرفع عطفًا على محله؛ لأنه فاعل في التقدير كأنك قلت: كرهت أن قام زيدٌ وجعفرٌ وخالدٌ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾:
قوله : ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿عَنْهُمُ﴾ (٢) المجرور. والهاء في ﴿فِيهَا﴾ لِلَّعنة، وقيل: للنار وإن لَمْ يجر لها ذكر، إلَّا أنَّها أضمرت تفخيمًا لشأنها وتهويلًا (٣).
وقوله: ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ في محل النصب على الحال من المنوي في ﴿خَالِدِينَ﴾. وكذلك ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، أو من الضمير في ﴿عَنْهُمُ﴾. وهو من الإنظار، أي: لا يُمْهَلون ولا يؤجَّلون، أي: لا يؤخر عنهم العذاب إلى وقت آخر.
وقيل: لا يمهلون لأن يعتذروا (٤).
وقد جوز أن يكون من النظر، أي: لا ينظر إليهم بالرحمة، والأول أمتن لعدم الجار وهو (إلى)، وذلك أن النظر إذا كان من رؤية العين إنما
стр. 421
يُعَدّى في حال السعة والاختيار بإلى، فاعرفه (١).
ولك أن تجعل ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ وما بعده مستأنفًا عاريًا عن المحلّ، والله أعلم (٢).
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾:
قوله : ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ مبتدأ. ﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة له، أي: فردٌ في الإلهيَّة لا شريك له فيها. والفائدة هنا في الصفة، بدليل أنه لو قيل: وإلهكم واحد، لكان أَسَدَّ كلام، ونظيرهْ: زيد شخصٌ واحد.
وقيل: ﴿إِلَهٌ﴾ بدل من ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ و ﴿وَاحِدٌ﴾ الخبر، وليس بشيء.
﴿لَا إِلَهَ﴾: مبني مع لا، في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: لكم. ﴿إِلَّا هُوَ﴾: في موضع رفع على البدل من موضع ﴿لَا إِلَهَ﴾. و ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقرير للوحدانية بنفي غيره.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿إِلَّا هُوَ﴾ منصوبًا، كما تقول: ما جاءني أحدٌ إلَّا زيدًا؟ قلت: لا؛ لأنه لو كان كما زعمتَ لكان (إلَّا إياه).
﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: بدل من ﴿هُوَ﴾، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الرَّحمن الرحيم، وأن يكون خبرًا بعد خبر لقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾:
стр. 422
قول : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ قوله ﴿لَآيَاتٍ﴾، والخبر فيما قبلها.
والخلق: مصدر. وقيل: بمعنى المخلوق، والأولُ أمتن.
﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي﴾: الفُلْكُ: يكون واحدًا وجمعًا بلفظٍ واحدٍ؛ لأنَّ فُعْلًا وفَعَلًا قد اشتركا كثيرًا في الإفراد، كالعُجْم والعَجَم، والبُخْل والبَخَل والسُقْم والسَقَم، فكذلك اشتركا في الجمع، فكُسِّرَ كلُّ واحد منهما على فُعْل، فمن الجمع قوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (١) ومن المفرد قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٢).
فالضمة التي في الجمع مخالفةٌ للضمة التي في المفرد، كما أن الضمةَ في أُسْدٍ مخالفةٌ للفتحة في أَسَدٍ، غير أن ذلك الاختلاف تقديري، وهذا لفظيٌّ، ونظير هذا قولهم: نافةٌ هِجان، ونوق هِجانٌ، فالكسرة التي في قولك: ناقة هِجان غير التي في قولك: نوق هِجان، وكذلك الضمة التي في قولك في الترخيم: يا مَنْصُ على لغة من قال: يا حارُ غير الضمة في قولك: يا منصُ على لغة من قال يا حارُ، هذا مذهب الأكابر من أهل هذه الصناعة (٣).
ومَن زعم أن الضمة التي في ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾، كالتي في ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ وشبههما من الاختلاف التقديري، فذاك من سلامة صدره، وجوابُهُ السكوتُ. والفُلْك يذكّر على إرادة الواحد، ويؤنث على معنى الجمع.
стр. 423
﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾: (ما) موصولة، أي: بالذي ينفعهم مما يُحْمَل فيها. أو مصدرية، أي: بِنَفْعِ الناس (١).
﴿مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾: الأولى لابتداء الغاية، والثانية تحتمل أن تكون للتبعيض، وأن تكون للتبيين، لاختلاف المُنْزَلِ منها.
﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾: عطفٌ على ﴿أَنْزَلَ﴾ داخل تحت حكم الصلة؛ لأنَّ قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ عطف على ﴿أَنْزَلَ﴾ فاتصل به، وصارا جميعًا كالشيء الواحد، كأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء، وبثَّ فيها دوابَّ من كلّ دابة.
ولك أن تجعل من ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ مزيدة على رأي أبي الحسن؛ لأنه يجيز زيادة (من) في الواجب (٢)، فلا حَذْفَ مفعولٍ في الكلام على هذا.
ولك أن تعطف، ﴿وَبَثَّ﴾ على ﴿فَأَحْيَا﴾ على معنى: فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها دوابَّ من كُلِّ دابةٍ، أو كُلَّ دابةٍ على ما أوضحت؛ لأنهم ينمون بالخصب، ويعيشون بالغيث. والبث: النشر والتفريق.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: يحتمل أن يكون المصدر مضافًا إلى المفعول. وهو الوجه، يعضده قول قتادة: قادر والله ربُّنا إن شاء جعلها رحمةً لواقحَ للسحاب، ونشرًا بين يدي رحمته، وإن شاء جعلها عذابًا ريحًا عقيمًا لا تُلقح شيئًا، إنما هي عذاب على من أرسلت إليه (٣).
وأبين يكون مضافًا إلى الفاعل، والمفعول محذوف، أي: وتصريفُ
стр. 424
الرياح السحاب؛ لأنَّها تسوق السحاب وتصرفه يمينًا وشمالًا في الجو بمشيئة الله يمطر حيث شاء.
وقريء: (الريح) بالتوحيد على إرادة الجنس، وبالجمع (١)؛ لأنَّها مختلفة المجاري.
﴿بَيْنَ السَّمَاءِ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا للمُسَخَّر، وهو السحاب سُخِّر للرياح تقلبه، وأن يكون حالًا من المستكن في المسخر.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾:
قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ﴾ (مَن) يحتمل أن تكون موصولة وما بعدها صلتها، ونهاية صلتها ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها.
﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾: في محل النصب إما على الحال من المستكن في ﴿يَتَّخِذُ﴾، وإما على النعت للأنداد. ولك أن تجعله في محل الرفع على النعت لـ ﴿مَن﴾ إذا جعلتها موصوفة؛ لأنَّ في الجملة ضميرين: أحدهما لـ ﴿مَن﴾ وهو المنوي في الفعل، والآخر للأنداد وهو الهاء والميم، فلذلك جاز أن تكون صفة لأحد المذكورين.
وأفرد المستكن في ﴿يَتَّخِذُ﴾ حملًا على لفظ ﴿مَن﴾، وجمع في (يحبون) حملًا على معناه.
стр. 425
ومعنى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾: يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب.
﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾: الكاف في محل النصب على النعت لمصدر محذوف، أي: تعظيمًا مثل تعظيم الله والخضوع له. والمصدر يجوز أن يكون مبنيًّا للمفعول القائم مقام الفاعل، أي: كما يحب الله، ثم كحب اللهْ، وأن يكون مبنيًّا للفاعل مضافًا إلى المفعول في اللفظ وهو في التقدير مضاف إلى الفاعل تقديره: كحبهم اللهَ، أو كحبكم الله.
ومعنى ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾: أي يسوُّون بينه وبينهم في محبتهم؛ لأنهم كانوا يقرون بالله ويتقربون إليه.
و﴿مَن﴾ في كلا التقديرين في موضع رفع بالابتداء، و ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ الخبر.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: مبتدأ. ﴿أَشَدُّ حُبًّا﴾: خبره. و ﴿حَبًّا﴾ نصب على التمييز، والتقدير: والذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله من حب متخذي الأنداد للأنداد؛ لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره بخلاف هؤلاء الظلمة، فإنهم يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد، فيفزعون إليه ويخضعون له، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه فيقولون: . هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: جواب (لو) محذوف، و ﴿يَرَى﴾ قيل: بمعنى (يعلم) الذي يفتقر إلى مفعولين، وسدت ﴿أَنَّ﴾ مُسَدَّهما (١)، و ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فاعل ﴿يَرَى﴾، أي: ولو يعلمُ هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم، أن القدرة كلها لله على كلّ شيء من العقاب والثواب دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة،