وقوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ اختلف في الطاغية، فقيل: مصدر كالعاقبة والعافية والخائنة، أي: فأهلكوا بالطغيان. وقيل: اسم فاعل كالطاغي والتاء للمبالغة، والمراد به قدار بن سالف على ما فسر (١). أي: فأهلكوا بسبب الطاغي منهم، وقيل: هي الفرقة الطاغية، أي: فأهلكوا بسبب الفرقة التي طغت منهم. وقيل: بالصيحة الطاغية، أو بالريح الطاغية، أو بذنب النفس الطاغية، فحذف الفوصوف وأقيمت الصفة مقامه. وقيل: الطاغية اسم البقعة التي أهلكوا فيها (٢).
وقوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ انتصاب قوله: ﴿سَبْعَ﴾ ﴿وَثَمَانِيَةَ﴾ على الظرف، وحذفت التاء من ﴿سَبْعَ﴾ وأثبتت في ﴿ثَمَانِيَةَ﴾ للفرق بين المذكر والمؤنث.
وأما ﴿حُسُومًا﴾ فيجوز أن يكون جمع حاسم، كشهودٍ وقعودٍ في جمع شاهدٍ وقاعدٍ، وأن يكون مصدرًا كالشُّكور والكُنود، فإن كان جمعًا فنصبه على الصفة لقوله: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾، أي: متتابعات، وإن كان مصدرًا فنصبه يحتمل أوجهًا: أن يكون صفة أيضًا للمذكور، أي: ذات حسوم، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله وفعله محذوف، والتقدير: تحسمهم حسومًا، أي: حسمًا، بمعنى تستأصلهم استئصالًا، وأن يكون مفعولًا له، أي: سخرها عليهم لأجل الحسم، أي: للاستئصال، وأصله القطع، ومنه الحسام، أي: قطعت دابرهم، فاعرفه فإنه موضع.
وعن بعضِ القراء: (حَسومًا) بفتح الحاء (٣)، وهو حال من الضمير المنصوب في ﴿سَخَّرَهَا﴾ العائد إلى الريح، أي: سخرها عليهم مستأصلة.
стр. 3607
وقوله: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يجوز أن يكون للأيام والليالي، وأن يكون للريح، أي: في مهابّها، وأن يكون لبيوتهم وإن لم يجر لها ذكر لحصول العلم بها، وأن يكون للطاغية على قول من جعلها اسمًا لبقعتهم.
و﴿صَرْعَى﴾: حال من القوم، لأن الرؤية من رؤية العين، والمعنى: لو كنت حاضرًا في ذلك الوقت لرأيت القوم فيها مصروعين، وهو جمع صريع، كقتلى وجرحى في جمع قتيل وجريح، وكذلك الكاف في ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في موضع الحال إما من القوم أيضًا على قول من جوز حالين من ذي حال، وإما من المنوي في ﴿صَرْعَى﴾ على قول من لم يجوِّز ذلك، أي: مصروعين مشبهين أعجاز نخل.
وقوله: ﴿مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ أي: من نفس باقية، وقيل هي مصدر كالعاقبة والعافية، أي: فهل ترى لهم من بقاء.
﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾:
قوله : ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قرئ: بفتح القاف وإسكان الباء، أي: ومَن قَبْلَهُ من الكفار. وبكسر القاف وفتح الباء (١)، أي: ومَن حوله وعنده، فقيل: نقيضه بَعْد. وقيل: لِما ولي الشيء، تقول: لِي قِبَلَ فلان كذا وكذا، أي: عنده وفي جهته.
وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ أي: وأهل المؤتفكات، فحذف المضاف، وهي قرى قوم لوط ﵇. و (الخاطئة): مصدر بمعنى الخطأ،
стр. 3608
أي: جاؤوا بالخطأ، أو بالفعلة الخاطئة، أو بالأفعال ذات الخطأ العظيم، كذا قدره الزمخشري (١).
وقوله: ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾ أي: في السفينة، سميت السفينة جارية، لأنها تجري على وجه الأرض (٢)، وجمعها الجواري.
وقوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾ من صلة (حملنا). و ﴿وَتَعِيَهَا﴾: عطف على قوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾ أي: ولتعيها، والجمهور على كسر العين وهو الأصل، وقرئ: (وتَعْيها) بإسكانها تخفيفًا (٣)، لأن تَعِي كَكَبِدٍ وفَخِذٍ، والعرب تخفف هذا النحو.
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾:
قوله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ الجمهور على رفع ﴿نَفْخَةٌ﴾ لقيامها مقام الفاعل. وقرئ: (نفخةً واحدةً) بالنصب (٤) على المصدر، وإسناد الفعل إلى الظرف، وهي مصدر مؤكد لفعله. و ﴿وَاحِدَةٌ﴾: توكيد، لأن النفخة لا تكون إلا للمرة الواحدة. قيل: وإنما أكدت بها تعظيمًا للنفخة، وإعلامًا بأنها متحدة في العظمة لا نظير لها.
стр. 3609
وقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ﴾ الجمهور على تخفيف الميم وإسناد الفعل إلى الأرض، وقرئ: (وحُمِّلَت) بتشديدها (١)، على حذف المحمَّل، وهو إما مَلَكٌ من ملائكة الله ، أو قُدرته، والأصل والتقدير: وحَمَّلنا ملكًا من ملائكتنا أو قدرتَنا الأرضَ، ثم حُمِّلتْ قدرتُنا الأرضَ، ثم حُمِّلت الأرضُ، لَمَّا حذف المفعول الأول بني الفعل للثاني، وقد جوز بناؤه للثاني مع وجود الأول على وجه القلب للاتساع، فيقال: حُملت الأرضُ الملكَ، كما تقول: أُلبس زيدٌ الجبةَ، وأُلْبِستِ الجبةُ [زيدًا] (٢)، فإذا جاز بناؤه للثاني مع وجود الأول فأن يجوز مع حذفه أحرى وأولى.
وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ جواب لقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾. و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من (إذا) وتكرار لمعناه، كرر لما طال الكلام.
وقوله: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ (يومئذٍ) ظرف لـ ﴿وَاهِيَةٌ﴾.
وقوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ (الملك) هنا بمعنى الجمع، والمراد به الجنس، والأرجاء الجوانب، الواحد رجا مقصور، أي: على أرجاء السماء، عن ابن عباس ﵄ (٣). وقيل: على أرجاء الأرض (٤). وقيل: على أرجاء الدنيا (٥).
وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ يجوز أن يكون الظرفان من صلة (يحملُ)، وأن يكون ﴿فَوْقَهُمْ﴾ حالًا من العرش.
стр. 3610
واختلف في الضمير المجرور في قوله: ﴿فَوْقَهُمْ﴾، فقيل: للثمانية، وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ويحمل ثمانية فوقهم عرش ربك يومئذٍ. وقيل: للخلق، أي: فوق الخلق.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف لـ ﴿تُعْرَضُونَ﴾، أي: تعرضون في ذلك اليوم للحساب.
وقوله: ﴿خَافِيَةٌ﴾ قيل التقدير: فعلة خافية. وقيل: نفس خافية.
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾:
قوله : ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ هاءَ صوت يُصَوَّتُ به فيفهم منه معنى خذ، و ﴿هَاؤُمُ﴾ أمر للجماعة، كما تقول: هاكم (١)، وحُكي عن بعض النحاة أن أصلها هاكُم فأبدلت الكاف همزة (٢).
و﴿كِتَابِيَهْ﴾ منصوب بقوله: ﴿اقْرَءُوا﴾ عند أصحابنا البصريين، لأنه أقرب العاملين، وبقوله: ﴿هَاؤُمُ﴾ عند الكوفيين، لأنه أسبق العاملين، وأصله على أصل البصريين هاؤم كتابي اقرؤوا كتابي، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه،
стр. 3611
قالوا: ولو كان العامل الأول لقيل: اقرؤوه (١).
والهاء في ﴿كِتَابِيَهْ﴾ هاء السكت، وكذا في ﴿حِسَابِيَهْ﴾، و ﴿مَالِيَهْ﴾ و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾، وحق هذه الهاءات أن تكون في الوقف دون الدرج، لأنها إنما جيء بها لبيان الحركة، وإذا كان كذلك فحكمها أن تكون في الوقف دون الوصل. وأما في ﴿الْقَاضِيَةَ﴾ وفي ﴿وَاهِيَةٌ﴾ و ﴿خَاوِيَةٍ﴾ و ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾ و ﴿عَالِيَةٍ﴾ و ﴿دَانِيَةٌ﴾ و ﴿الْخَالِيَةِ﴾ فإنها فيهن للتأنيث يوقف عليهن بالهاء، ويوصلن بالتاء، هذا هو المختار.
وقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ اختلف فيها فقيل: بمعنى مَرْضِيَّة، وقيل: على النسب، أي: ذات رضى، كما قالوا: لابِن وتَامرٍ، أي: ذو لبن وذُو تَمرٍ، وقيل: فيها الرضا، كما يقال: ليل نائم، أي: يُنام فيه، فجعل الفعل لها مجازًا وهو لصاحبها (٢).
وقوله: ﴿فِي جَنَّةٍ﴾ بدل بإعادة الجار. ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ الجملة في موضع الصفة للجنة.
وقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ جوز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: أكلا هنيئًا، وشربًا هنيئًا. وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله وفعله محذوف، أي: هنئتم هنيئًا.
وقوله: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾ الباء للسبب، أي: بسبب ما قدمتم من الأعمال الصالحة في الدنيا. وقيل: للبدل، أي: بدل ما أسلفتم.
وقوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي﴾ (ما) يجوز أن تكون نافية والمفعُول محذوف، أي: لم يدفع عني مالي شيئًا من عذاب الآخرة. وقيل: لم يغن عني مالي الذي كان لي في الدنيا شيئًا في الآخرة، بل ألهاني عن أمر الآخرة فضرني
стр. 3612
ولم ينفعني. وأن تكون استفهامية في محل النصب بـ ﴿أَغْنَى﴾ والمعنى: أي شيء أغنى عني مالي؟ والاستفهام بمعنى النفي، أي: لم يغن شيئًا.
وقوله: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ (الجحيم) مفعول ثان للتصلية، قدم للاهتمام به، وذلك أن صَلِي فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا ضعفت عينه أو أدخلت عليه الهمزة تعدّى إلى مفعولين، يقال: صَلِيَ فلان النارَ، وأصليته أنا، وصلّيته، إذا جعلته يصلاها، وكفاك دليلًا: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ (١).
وقوله: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ الجملة في محل الجر على النعت لـ ﴿سِلْسِلَةٍ﴾، و ﴿ذِرَاعًا﴾ تمييز. و ﴿فِي سِلْسِلَةٍ﴾ من صلة قوله: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾، أي: ثم اسلكوه في سلسلة من صفتها كيت وكيت، أي: أدخلوه فيها.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ﴾ قيل: ﴿إِنَّهُ﴾ تعليل على طريق الاستئناف وهو أبلغ، كأنه قيل: ما له يعذب هذا العذاب الشديد؟ فأجيب بذلك (٢).
وقوله: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: في الكلام حذف مضاف، والتقدير: ولا يحض على إطعام طعام المسكين، فطعام أصله أن يكون منصوبًا بالمصدر المقدر، والطعام عبارة عن العين.
والثاني: وهو على قول من أعمل طعامًا كما يعمل إطعامًا أن يكون ﴿الْمِسْكِينِ﴾ مجرورًا في اللفظ ومحله النصْب، والتقدير: ولا يحض على طعامِ المُطْعِمِ المسكينَ، فحذف الفاعل وأضيف المصدر إلى المفعول، كقولك: عجبت من إطعام زيد، إذا أردتَ من إطعام عمرٍو زيدًا.
وقوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ (له) خبر (ليس). ﴿وَلَا طَعَامٌ﴾ عطف
стр. 3613
على ﴿حَمِيمٌ﴾ أي: ولا له طعام. و ﴿هَاهُنَا﴾ معمول الخبر، وكذا ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف للخبر ومعمول له، ولا يجوز أن يكون، ﴿هَاهُنَا﴾ هو الخبر، لأنه يصير التقدير: ولا طعام ها هنا إلا من غسلين، وذلك لا يصح في المعنى، لأن ثَمَّ طعامًا من غير الغسلين، فخبر (ليس): ﴿لَهُ﴾ ليس إلا، والظرفان كلاهما معمول الخبر، ولا ذكر في واحد منهما إلا أن تجعل ﴿هَاهُنَا﴾ حالًا من المنوي في ﴿لَهُ﴾ فحينئذٍ يكون فيه ذكر.
وقوله: ﴿إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ من تتمة ﴿حَمِيمٌ﴾، أي: ليس له حميم إلا من غسلين، على أنَّ الحميمَ الماءُ الحار، ثم قال: ﴿وَلَا طَعَامٌ﴾، أي: وليس له طعام ينتفع به. وأما من قال: إن الحميم هو الصديق (١)، فيكون الاستثناء منقطعًا. و ﴿غِسْلِينٍ﴾ فِعْلِين من الغِسْل (٢).
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾:
قوله : ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ صفة لمصدر محذوف أو لظرف محذوف، و (ما) صلة، أي: تؤمنون إيمانًا قليلًا، أو وقتًا قليلًا، والقلة في معنى العدم، أي: لا تؤمنون شيئًا. وقيل: (ما) ليست بصلة، وإنما هي نافية، أي: ما تؤمنون إيمانًا قليلًا ولا كثيرًا (٣)،
стр. 3614
وهذا ليس بشيء، لأن ما كان في صلة النفي لا يتقدم عليه. وكذا الكلام في قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أي: هو تنزيل.
وقوله: ﴿بِالْيَمِينِ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿أَخَذْنَا﴾ وأن يكون في موضع الحال إما من الفاعل أو من المفعول، أي: قاهرًا أو مقهورًا.
وقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (ما) هنا يجوز أن تكون حجازية، واسمها ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ وخبرها ﴿حَاجِزِينَ﴾ وإنما قيل: حاجزين على الجمع، لأن أحدًا للعموم يستوى فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث بشهاة قوله جل ذكره: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (١) وقوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢). و ﴿مِنْكُمْ﴾ صفة لـ ﴿أَحَدٍ﴾ في الأصل، لكنه لما تقدم عليه حُكِمَ على موضعه بالنصب على الحال، وقد صرح به الشاعر في قوله:
٦٠٥ - لِعِزَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ قَديمُ ... ................... (٣)
و﴿عَنْهُ﴾ من صلة ﴿حَاجِزِينَ﴾، والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ للرسول ﵊، وأن تكون تميمية، و ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ في موضع رفع بالابتداء، و ﴿مِنْ﴾ صلة لتأكيد النفي، و ﴿مِنْكُمْ﴾ خبره، و ﴿حَاجِزِينَ﴾ صفة لـ ﴿أَحَدٍ﴾ على اللفظ.
ويجوز في الكلام (حاجزون) بالرفع على المحل، ولا يجوز أن تكون (ما) حجازية، ويكون ﴿مِنْكُمْ﴾ هو الخبر، لأن خبر المبتدأ إذا تقدم بطل عمل (ما) واستوت فيه اللغتان، فاعرفه فإنه موضع.
﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾:
стр. 3615
قوله : ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ للقرآن أو للرسول ﵊ (١).
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ﴾ اختلف في الضمير، فقيل: للقرآن. وقيل: للتكذيب. وقيل: ليوم القيامة. وقيل: للإهمال، أي: وإن إهمالهم إياه ندامة لهم يوم القيامة. قلت: ويجوز أن يكون للرسول ﷺ (٢).
﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي: وإنَّ القرآن. والله أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة الحاقة
والحمد لله وحده
стр. 3616
إعراب سورة المعارج
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾:
قوله : ﴿سَأَلَ﴾ قرئ: بالهمز وهو الأصل، لأنه من السؤال، وهو الطلب، وقرئ: (سال) بغير همز بوزن قال (١)، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه:
أن يكون من السؤال أيضًا، لكنه سهلت الهمزة بقلبها ألفًا على غير قياس، وقياسه أن يكون بين بين، بين الهمزة والألف، ولكنه جائز حكاه صاحب الكتاب ﵀ وغيره (٢) وأنشد:
٦٠٦ - سَالَتْ هُذَيلٌ رسُولَ الله فاحِشَةً ... ضَلَّتْ هذيل بما سالت ولم تُصِبِ (٣)
ومضارعه: يَسَالُ، والأمر منه: سَلْ، فالهمزة (٤) على هذا في ﴿سَائِلٌ﴾ أصلية.
стр. 3617
وأن تكون الألف منقلبة عن واو، حكاه أيضًا صاحب الكتاب ﵀، قيل: وهي لغة قريش يقولون: سِلْتُ تَسال، كخِفْتُ تَخافُ، وقالوا على هذه اللغة: هما يتساولان (١). والهمزة في ﴿سَائِلٌ﴾ على هذا بدل من واو، كالهمزة في خائف.
وأن يكون من السيلان، فتكون الألف منقلبة عن ياء، تعضده قراءة من قرأ: (سَال سَيْلٌ) وهو ابن عباس ﵄ (٢)، قال أبو الفتح: السيل هنا: الماء السائل، وأصله المصدر، من قولك: سال الماء سيلًا، إلا أنه أُوقع على الفاعل، كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ (٣) أي: غائرًا، انتهى كلامه (٤). والمعنى: سال سيل من العذاب على الكفار، والهمزة في ﴿سَائِلٌ﴾ على هذا بدل من ياء كما في بائع.
وبعد فإن السؤال هنا يجوز أن يكون على بابه، فتكون الباء بمعنى عن، يقال: سألت فلانًا عن كذا، وأن يكون بمعنى الدعاء، فيكون الباء على بابه، كأنه قيل: دعا داع رسول الله بعذاب واقع، كما تقول: دعوت الله بكذا.
وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ يحتمل أوجهًا: أن يكون من صلة ﴿سَأَلَ﴾، أي: دعا داع للكافرين بعذاب واقع. وأن يكون من صلة ﴿وَاقِعٍ﴾ واللام بمعنى الباء، أو بمعنى (على)، أو على بابه، أي: بعذاب نازل بهم، أو عليهم، أو لأجلهم. وأن يكون من صلة محذوف على أنه صفة بعد صفة للعذاب، أي: بعذاب واقع كائن لهم. وأن يكون خبرَ مبتدأ محذوف مبنيًّا
стр. 3618
على تقدير جواب قائل: لمن المذكور؟ فقيل: هو للكافرين، فعلى هذا الوجه وعلى الوجه الذي قبله فيه ذكر مرتفع باللام، وأما على الوجه الأول والثاني فلا، فاعرفه.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿وَاقِعٍ﴾، أي: يقع من عنده، وأن يكون من صلة ﴿دَافِعٌ﴾ أي: ليس دافع من جهته إذا جاء وقته وأَوجبتِ الحكمةُ وقوعَهُ، قاله الزمخشري (١). وأن يكون من صلة محذوف على أنه صفة لعذاب بعد صفة، أي: بعذاب واقع كائن من الله.
﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾: صفة لله، والمعارج: الدرجات، واحدها مِعْرَجٌ بكسر الميم، وهو آلة العروج، ويجوز أن يكون مَعرجًا بفتح الميم على أنه موضع العروج.
وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ من صلة ﴿تَعْرُجُ﴾.
وقوله: ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (خمسينَ) نصب لكونها خبر ﴿كَانَ﴾، و ﴿أَلْفَ﴾ لكونه تمييزًا، والجملة في موضع جر على الصفة ليوم.
﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾:
قوله : ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (بعيدًا): مفعول ثان، ومثله ﴿قَرِيبًا﴾، والرؤية الأولى بمعنى الظن والاعتقاد، والثانية بمعنى العلم واليقين، والضمير في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ المنصوب للعذاب، وقيل: لهذا اليوم.
وقوله: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ﴾ يجوز أن يكون معمول (نراهُ)، وأن يكون
стр. 3619
بدلًا من قوله: ﴿قَرِيبًا﴾، وأن يكون معمول محذوف، أي: يقع، يدل عليه ﴿وَاقِعٍ﴾، وأن يكون في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: وقوعه يوم تكون.
وقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ الجمهور على البناء للفاعل، أي: ولا يسأل حميم حميمه لما هو فيه من الشغل بنفسه، كقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (١)، أو: ولا يسأل حميم أحدًا عن حميمه لشغله أيضًا بنفسه. وقرئ: (ولا يُسأل) بضم الياء على البناء للمفعول (٢)، أي: لا يقال لحميم أين حميمك؟ ولا يطلب منه ليعرف خبره من جهته، لأنهم ليسوا بمحجوبين عن أحد فيسألوا عنهم، بشهادة قوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾.
و﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون صفة لحميم. واختلف في معناه:
فقيل: يَعرف بعضُهم بعضًا فيتعارفون، ثم يفر بعضهم من بعض، فالضمير المرفوع القائم مقام الفاعل للكفار، والهاء والميم لأقربائهم، أي: يُبَصِّرُ اللَّهُ الكفارَ أقرباءَهم في الآخرة، والضميران للحميمين، وإنما جُمعا، لأن المراد بهما العموم والجنس، والتقدير: يُبَصَّرون بهم، فحذف الجار، يقال: بَصَّرْتُهُ به وَبَصَّرْتُهُ إيَّاه.
وقيل: المرفوع للمؤمنين والمنصُوب للكافرين، أي: يُبصّر الله المؤمنين الكافرين يوم القيامة.
وقيل: المعنى يُبَصِّر اللَّهُ الكفارَ الذين أضلوهم في الدنيا في النار، فالضمير في (يبصرون) على هذا للتابعين من الكفار، والهاء والميم للمتبوعين
стр. 3620
منهم، فاعرفه (١).
وقوله: ﴿حَمِيمًا﴾ حال من المنوي في الظرف، والعامل الظرف نفسه.
و﴿يُنْجِيهِ﴾: عطف على ﴿يَفْتَدِي﴾.
﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾:
قوله : ﴿إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ في الضمير في ﴿إِنَّهَا﴾ وجهان: أحدهما للنار، دل عليها ذكر العذاب، والثاني للقصة. وفي ﴿لَظَى﴾ أيضًا وجهان:
أحدهما: النار المتلظية، وتلظيها تلهبها، هذا أصلها في اللغة، لكنها نقلت إلى العلمية فهو اسم لجهنم، وهو لا ينصرف للتعريف والتأنيث كجهنم و ﴿لَظَى﴾ على وزن فَعَلَ مما لامه ياء.
والثاني: هو من اللزوم، وأصله لَظَظَ، من الإلظاظ وهو اللزوم، يقال: أَلَظَّ فلانٌ بفلانٍ، إذا لزمه، عن أبي عمرو (٢). ومنه قول ابن مسعود ﵁: "أَلِظُّوا في الدعاء بياذا الجلال والإكرام" (٣). أي: الزموا ذلك، فقلبت الظاء الأخيرة ياء كما قلبت في نحو تَقَضَّى كراهة اجتماع ثلاث ضادات، قال العجاج (٤):
٦٠٧ - تَقَضِّيَ البَازِي إِذَا البازي كَسَرْ (٥)
стр. 3621
فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: (نَزَّاعةٌ) قرئ: بالرفع (١)، وذلك يحتمل أوجهًا: أن يكون خبرًا بعد خبر لإنَّ. وأن يكون هو الخبر و ﴿لَظَى﴾ بدل من اسم إنّ، وأن تكون ﴿لَظَى﴾ هي الخبر، و (نَزَّاعةٌ) بدل منها، وأن ترتفع على إضمار هي. وأن تكون ﴿لَظَى﴾ مبتدأ، و (نَزَّاعةٌ) خبره، والجملة خبر إنَّ.
وقرئ: (نزاعةً) بالنصب (٢)، وفيه وجهان:
أحدهما: على الحال إما من المنوي في ﴿لَظَى﴾ على قول من جعلها صفة غالبة كالحارث والعباس، ولذلك جاز دخول حرف التعريف عليهما لما بقي فيهما بعد التسمية من رائحة الصفة، وإما من ﴿لَظَى﴾ والعامل فيها ما دل عليه الكلام من معنى التلظي، كأنه قيل: تتلظى في حال نزعها للشوى، وهي حال مؤكدة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (٣)، لأنَّ لظى لا تكون إلا نزاعة للشوى، فلا معنى للحال إلا على وجه التأكيد، وإما من المستكن في ﴿تَدْعُو﴾ فتكون حال مقدرة، لأنها حين تدعوهم لا تكون ﴿نَزَّاعَةً﴾.
والثاني: بإضمار فعل، أي: أعني نزاعةً. والشَّوَى جمع شَواةٍ، وهي جلدة الرأس.
وقوله: ﴿تَدْعُو﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون صفة لقوله: ﴿نَزَّاعَةً﴾، وأن يكون حالًا من المنوي فيها، وأن يكون خبرًا بعد خبر لإنَّ.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ
стр. 3622
حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (هلوعًا) منصُوب على الحال من المنوي، في ﴿خُلِقَ﴾، وهي حال مقدرة لأن الهلع إنما يكون فيما بعدُ، وفعله هَلِعَ يَهْلَعُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر هَلَعًا، فهو هَلِعٌ وهَلُوعٌ، أي: جزوع، والجزوع نقيض الصبور. وقال الجوهري: الهلع أفحش الجزع (١).
والعامل في ﴿إِذَا﴾ الأولى معنى هلوع، وفي الثانية معنى منوع، أي: جزوعًا ومنوعًا إذا مسه الخير.
وفي نصْب جزوع ومنوع أوجه: أن يكون كلاهما حالًا بعد حال، وأن يكون صفة لهلوع على أن يُنوَى به التقديم قبل ﴿إِذَا﴾، وأن يكون خبر كان مضمرة، أي: يكون جزوعًا ويكون منوعًا. والمختار الوجه الأول لسلامته من التقديم والإضمار.
وقوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ في الاستثناء وجهان:
أحدهما: متصل، وهو الوجه وعليه الجل، والمستثنى منه الإنسان، وهو جنس ولذلك استثني منه ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾، والمعنى: إن الإنسان خلق هلوعًا إلا المصلين الدائمين على الصلاة فإنهم لم يخلقوا على الهلع.
والثاني: منقطع، والمستثنى منه (مَنْ) في قوله: ﴿مَنْ أَدْبَرَ﴾ (٢) أي:
стр. 3623
تدعو لظى من أدبر عن الإيمان وتولى عن الطاعة إلا المصلين الذين من صفتهم كيت وكيت.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ﴾ عطف على ﴿الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ﴾ عطف الصفة على الصفة، كما تقول: أتاني فلان الجواد والعالم، أي: اجتمع فيه الجود والعلم، ولو حذف العاطف فقيل: أتاني فلان الجواد العالم لأفاد هذا المعنى، وكذا هنا لو قيل: الذين هم على صلاتهم دائمون الذين في أموالهم، بغير عاطف لأفاد هذا المعنى أيضًا، لأن الوصف له من التبعة للموصوف والاختلاط به ما للعاطف مع المعطوف، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا، وكذا ما بعده من الموصول عَطْفٌ على الموصول الأول إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ أي الموصوفون بهذه الصفات.
وقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿مُكْرَمُونَ﴾، وأن يكون من صلة محذوف على أن يكون خبرًا بعد خبر لـ ﴿أُولَئِكَ﴾.
﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾:
قوله : ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، و (للذين) الخبر، والاستفهام بمعنى الإنكار، و ﴿قِبَلَكَ﴾ ظرف مكان، وهو يجوز أن يكون ظرفًا للظرف، وأن يكون ظرفًا لـ ﴿مُهْطِعِينَ﴾، وأن يكون في موضع الحال من المنوي في (للذين)، أي: فما لهم ثابتين قبلك. و ﴿مُهْطِعِينَ﴾: إما حال بعد حال، أي: أي شيء في حال إسراعهم؟ والإهطاع: الإسراع، وإما حال من المستكن في ﴿قِبَلَكَ﴾ إن جعلته حالًا وإلا فلا.
و﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿مُهْطِعِينَ﴾، وأن
стр. 3624
يكون صِفةً لـ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ على قول مَنْ جوز وصف الحال لكونها نكرة، وأن يكون حالًا من المستكن في ﴿مُهْطِعِينَ﴾، وأن يكون من صلة ﴿عِزِينَ﴾، أي: متفرقين عنهما.
و﴿عِزِينَ﴾: حال بعد حال، أو حال من المنوي في ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أو من الذكر في ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ إن جعلته صفة أو حالًا وإلا فلا، وقيل: بدل من ﴿مُهْطِعِينَ﴾. وقيل: صفة لمهطعين.
وواحد ﴿عِزِينَ﴾ عِزَةٌ، وأصلها: عِزوة أو عِزيةٌ، من عَزوته إلى أبيه وعَزيته، إذا نسبتَه إليه فاعتزى هو وتَعَزَّى، أي انتمى إليه وانتسب، فلما حذف لامه جمع بالواو والنون ليكون ذلك عوضًا مما حذف منه.
الزمخشري: (عزين) فِرَقًا شتى، جمع عِزَة، وأصلها عِزْوَةٌ، كأنَّ كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى، فهم متفرقون، انتهى كلامه (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ دخل على أصحابه وهم متفرقون فقال: "ما لي أراكم عزين" (٢).
وقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ فيه وجهان، أحدهما: من أجل ما يعلمون وهو الطاعة أو الجزاء، فحذف المضاف. والثاني: من الماء المهين، وهو النطقة.
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾:
стр. 3625
قوله : ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ أي: نبدلهم خيرًا منهُم فحذف المفعُول الأول.
وقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ (لا) صلة، أو رَدٌّ لمنكِر البعث، وقيل: أصله فَلأُقسم، فأشبعت الفتحة فحصل ألف (١).
وقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ﴾ يجوز أن يكون بدلًا من ﴿يَوْمَهُمُ﴾، وأن يكون منصوبًا بإضمار فعل. ﴿سِرَاعًا﴾: حال من الضمير في ﴿يَخْرُجُونَ﴾، أي: متبادرين غير متباطئين إلى موقف الحساب. وكذا ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ حال.
وقوله: ﴿إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ في الكلام حذف، والتقدير: يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا يستبقون إلى نصبهم، والإفاضة: الإسراع، والنُّصُبُ كل ما نُصب وعُبِد من دون الله.
وقرئ: (إلى نَصْب) بفتح النون وإسكان الصاد على الإفراد (٢)، قيل: وهو العَلَمُ والغاية، أي: إلى عَلَمٍ منصوبٍ لهم. وبضم النون والصاد (٣) وهو جمع نَصْب، كسُقُفٍ في [جمع] سَقْفٍ.
وبضم النون وإسكان الصاد (٤)، وهو مخفف من النُصُبِ. وقيل:
стр. 3626
النَّصْبُ والنُّصْبُ كالضَّعْفِ والضُّعْفِ (١).
وقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ (خاشعةً) نصب على الحال من الضمير في ﴿يُوفِضُونَ﴾، وساغ ذلك لأجل الضمير في ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾. وكذا ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ في موضع الحال.
وقوله: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ أي: يوعدونه، فحُذف العائدُ من الصلة إلى الموصول لطوله بالصلة، والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة المعارج
والحمد لله وحده
стр. 3627
إعراب سورة نوح ﵇
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾:
قوله : ﴿أَنْ أَنْذِرْ﴾ (أن) هنا يجوز أن تكون الناصبة للفعل (١)، ومحلها النصْب لعدم الجار وهو الباء، أي: أرسلناه بأن أنذر، فحذف الجار وأوصل الفعل، أو الجر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (٢). وأن تكون المفسرة، لأن الإرسال فيه معنى القول، أي: أرسلناه إلى قومه أي أنذر قومك، ولا موضع لها من الإعراب على هذا.
وعن المبرد: أن ﴿أَنْ﴾ هنا هي المخففة من الثقيلة، كأنه قيل: أرسلناه إليهم أنّ الأمر أو الشأن أنذر قومك (٣).
وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مثل ﴿أَنْ أَنْذِرْ﴾ في الأوجه.
стр. 3628
وقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب شرط محذوف يدل عليه ﴿اعْبُدُوا﴾.
وقوله: ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (من) هنا يجوز أن تكون للتبعيض، وأن تكون للبيان، وأن تكون صلة على رأي أبي الحسن (١).
وقوله: ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي: لو كنتم تعلمون ما أقول لكم لأسرعتم إلى طاعتي، وشبه هذا.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾:
قوله : ﴿لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ كلاهما ظرف لـ ﴿دَعَوْتُ﴾. و ﴿فِرَارًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿يَزِدْهُمْ﴾.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ قال الزمخشري: ﴿جِهَارًا﴾ منصُوب بـ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ نصب المصدر، لأن الدعاء أحد نوعيه الجهار، فنُصب به نصب القرفصاء بِقَعَدَ لكونها أحد أنواع القعود، أو لأنه أراد بـ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾: جاهرتهم، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: دعاءً جهارًا، أي: مجاهرًا به، أو مصدرًا في موضع الحال، أي: مجاهرًا، انتهى كلامه (٢).
وقوله: ﴿يُرْسِلِ﴾ جواب شرط محذوف. وقول النحاة: جواب الأمر، تسامح في العبارة، واعتماد على المعرفة.
стр. 3629
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ اعتراض بين الجازم والمجزوم، و ﴿مِدْرَارًا﴾ نصب على الحال من السماء، وإنما لم يؤنث لأن مِفعالًا للمؤنث يكون بغير هاء، لأنه غير جار على الفعل، يقال: امرأة مِذكارٌ، ومِئناثٌ، بغيرها (١).
﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾:
قوله : ﴿مَا لَكُمْ﴾ ابتداء وخبر. و ﴿لَا تَرْجُونَ﴾ في محل النصب على الحال، كما تقول: مالك واقفًا.
وقوله: ﴿وَقَارًا﴾ مفعول به لقوله: ﴿تَرْجُونَ﴾ و ﴿لِلَّهِ﴾ في الأصل صفة لقوله: ﴿وَقَارًا﴾، فلما تقدم عليه حكم على موضعه بالنصب على الحال، ولك أن تجعل اللام في ﴿لِلَّهِ﴾ صلة، و ﴿وَقَارًا﴾ مفعُولًا له، أي: للوقار.
وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ محل الجملة النصب على الحال، أي: ما لكم غير مؤمنين والحال هذه. وأما ﴿أَطْوَارًا﴾ فيجوز أن يكون حالًا، وأن يكون مفعولًا به ثانيًا على تضمين الخلق معنى الجعل الذي معناه التصيير.
وقوله: ﴿طِبَاقًا﴾ يجوز أن يكون صفة لقوله: ﴿سَبْعَ﴾، وأن يكون مصدرًا وليس بجمع، على: طابقها الله طباقًا، وقد مضى الكلام عليه في سورة المُلْكِ بأشبع من هذا (٢).
وقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (نورًا وسراجًا) كلاهما مفعول ثان للجعل، لأنه بمعنى التصيير، وكذا ﴿بِسَاطًا﴾، وإنما
стр. 3630
قال: ﴿فِيهِنَّ﴾ وهو في سماء واحدة، لما بينهن من الملابسة.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ أي: فيهن، أي: في السموات، وإنما حذف لدلالة الأول عليه.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (نباتًا) يجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله، وفعله محذوف يدل عليه (أنبت)، والتقدير: أنبتكم فنبتم نباتًا، وأن يكون مؤكدًا لعين أنبت على حذف الهمزة من أوله، وله نظائر في كلام القوم نظمهم ونثرهم.
وقوله: ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ مصدر مؤكد لفعله، قيل: كأنه قال: يخرجكم حقًّا لا محالة.
وقوله: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ (سبلًا) مفعول به ﴿لِتَسْلُكُوا﴾، وهو جمع سبيل، و ﴿فِجَاجًا﴾ نعته، وهو جمع فج، والفج: الطريق الواسع، و ﴿مِنْهَا﴾ يجوز أن يكون من صلة قوله: ﴿لِتَسْلُكُوا﴾، وأن يكون صفة للسبل في الأصل، فلما تقدم عليه حكم عليه بالحال.
﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥)﴾:
قوله : ﴿خَسَارًا﴾ مفعول ثان لقوله: ﴿لَمْ يَزِدْهُ﴾، وهو نهاية صلة الموصول. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ يجوز أن يكون عطفًا على ﴿لَمْ يَزِدْهُ﴾ لأنه ماض في المعنى، بدليل قولك: لم يقم زيدٌ أمس، كأنه قال: واتبعوا من لا زاده ماله وولده إلا خسارًا ومكروا مكرًا كبارًا.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون عطفًا على ﴿وَاتَّبَعُوا﴾؟ قلت: لا، لأن الماكرين هم السادة والرؤساء، والتابعين هم الأتباع والسفلة، والمكر واقع
стр. 3631
من السادة بالسفلة، فلذلك كان عطفًا على ﴿لَمْ يَزِدْهُ﴾ دون ﴿وَاتَّبَعُوا﴾، فاعرفه فإنه موضع.
فإن قلت: لم جمع الضمير في قوله: ﴿وَمَكَرُوا﴾ بعد أن أفرد المنصوب والمجرور في قوله: ﴿لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾؟ قلت: أُفرد أولًا حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾، ثم جمع على معناه، ومعناه الجمع لما فيه من الشمول.
وأن يكون في موضع الحال مِن ﴿مَنْ﴾ وقد معه مرادة. و ﴿مَكْرًا﴾ مصدر مؤكد لفعله، و ﴿كُبَّارًا﴾ نعته.
والجمهور على ضم الكاف وتشديد الباء، وقرئ: بضم الكاف وكسرها مع تخفيف الباء (١)، وهن بمعنى الكبير، غير أن التشديد فيه معنى المبالغة، يقال: كَبُرَ فلان يَكْبُرُ بالضم فيهما، إذا عَظُمَ، فهو كبير وكُبَّارٌ وكُبَارٌ بالتخفيف، فإذا أفرط (٢) قيل: كُبَّارٌ بالتشديد.
وقيل: الكُبَارُ أكبرُ من الكبير، والكُبَّارُ أكبر من الكُبار، ونحوه: عُجَابٌ وعُجَّابٌ، وحُسَانٌ وحُسَّانٌ، وطُوَال وطُوَّالٌ بالتخفيف والتشديد (٣).
وقوله: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ الجمهور على ترك صرف ﴿يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ لوجود سَبَبَيْ منع الصرف فيهما، وهما التعريف ووزن الفعل، وقرئ: (ولا يغوثًا ويعوقًا) بالصرف فيهما (٤)، قال الزمخشري: بعد أن ذكر هذه القراءة، وعزاها إلى الأعمش، هذه قراءة
стр. 3632
مشكلة، لأنهما وإن كانا عربيين أو أعجميين ففيهما سببا منع الصرف إما التعريف ووزن الفعل، وإما التعريف والعجمة، ولعله قصد الازدواج فصرفهما لمصادفته أخوتهما منصرفات: ودًّا، وسواعًا، ونسرًا، كما قرئ: (وضحاها) بالإمالة (١) لوقوعه مع الممالات للازدواج، انتهى كلامه (٢).
وما ذكر حسن جيد مع ما روي عن الأخفش أنه قال: سمعنا من العرب من يصرف هذا، يعني (سلاسلًا) وجميع ما لا ينصرف (٣). وليس قول من قال: صرفهما لكونهما نكرتين بمستقيم، لأنهما اسمان لصنمين معلومين مخصوصين لا ثالث لهما يشاركهما في اسمهما، فاعرفه.
وقرئ: (ودًّا) بفتح الواو وضمها (٤)، وهما لغتان بمعنىً. قيل: هو مشتق من الوِداد، وهو السهولة واللين، يقال: وددت الرجلَ، إذا أحببته.
وقوله: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا﴾ هذا من قول نوح ﵇، واختلف في الضمير، فقيل: للرؤساء. وقيل: للأصنام (٥)، كقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (٦). ولما وصفها بصفة العقلاء وهي الإضلال جمعها جمعهم.
وقوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ هذا من قول نوح ﵇ أيضًا قيل: عطف على قوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾، وقال: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾، أي: قال هذين القولين وهما في محل النصب، لأنهما مفعولا قال، و ﴿ضَلَالًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿تَزِدِ﴾.
стр. 3633
وقوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿أُغْرِقُوا﴾ و (ما) صلة جيء بها للتعظيم، أي: من جهة أو من أجل خطاياهم العظيمة أغرقوا، تعضده قراءة من قرأ: (مِنْ خَطِيَئَاتِهِمِ ما أُغرقوا) بتأخير الصلة، وهو ابن مسعود ﵁ (١)، وأن يكون من صلة قوله: ﴿وَلَا تَزِدِ﴾، أي: ولا تزدهم إلا ضلالًا من أجل خطاياهم، والأول أمتن. وقرئ: (خطاياهم) و (خطيئاتهم) (٢). و (خطيئتهم) بالتوحيد (٣) على إرادة الجنس، وقد أوضحت جميع ذلك فيما سلف من الكتاب (٤).
وقوله: ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ مجيء الفاء هنا يدل على أن دخولهم النار عقيب الغرق، ويدل عليه عذاب القبر، لأن الفاء للتعقيب (٥). و ﴿نَارًا﴾: مفعول ثان.
﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾:
قوله : ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ أي: أحدًا، وهو من الأسماء المستعملة في النفي العام، يقال: ما بها دُورِيٌّ وما بها
стр. 3634
دَيَّارٌ، أي أحد. وفيه وجهان:
أحدهما: لا تترك على الأرض منهم ساكنَ دارٍ، فَدَيَّار على هذا: فَيْعَالٌ من الدَّار، وأصل دَارٍ: دَوَرَ، فقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وأصل دَيَّارٍ: دَيْوار، لأنه فَيْعَال من الدار، والواو إذا وقعت بعد ياء ساكنة قبلها فتحة، قلبت ياء وأدغمت كما فعل بأَيّام وقَيّام ونحوهما (١).
والثاني: هو فيعال [من الدوران، أي أحدًا يدور في الأرض]. وأنكر بعضهم ذلك وقال: لو كان من الدوران لم يبق على الأرض جني ولا شيطان، وليس المعنى على ذلك، وإنما المعنى: أَهْلِكْ كُلَّ ساكنِ دارٍ من الكفار، أي: كل إنسي منهم، ولا يجوز أن يكون فعّالًا، لأنه لو كان كذلك لكان دَوَّارًا (٢).
وقوله: ﴿يُضِلُّوا﴾ مجزوم لكونه جواب الشرط وهو ﴿إِنْ تَذَرْهُمْ﴾. ﴿وَلَا يَلِدُوا﴾: عطف على و ﴿يُضِلُّوا﴾. ﴿مُؤْمِنًا﴾ حال من المنوي في ﴿دَخَلَ﴾. و ﴿تَبَارًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿تَزِدِ﴾، والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة نوح ﵊
والحمد لله وحده
стр. 3635
إعراب سورة الجن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾:
قوله : ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الجمهور على ضم الهمزة وواو ساكنة بعدها بوزن (أُفْعِلَ) من أوحى إليه، وقرئ: (أُحِيَ) بهمزة مضمومة من غير واو بوزن فُعِلَ (١) من وَحَيْتُ إليه، بمعنى أَوْحَيْتُ إليه، وهو أن تكلمه بكلام تخفيه، قال العجاج:
٦٠٨ - * وَحَى لها القَرَارَ فاستَقَرَّتِ (٢) *
وأصله: (وُحِيَ) فقلبت الواو همزة لما انضمت ضمة لازمة، وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة إذا كانت ضمتها لازمة، نحو:
стр. 3636
أُجوه ووجوه، وأُقّتت ووُقّتت. وقرئ أيضًا: (وُحِيَ) بواو مضمومة (١)، من وحيت من غير قلب على الأصل.
وقوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل، ولذلك فتح، والضمير في ﴿أَنَّهُ﴾ ضمير الشأن والأمر، أي: أوحيَ إليَّ أن الشأن أو الأمر استمع نفر من الجن، أي: استمع القرآنَ نفرٌ منهم، فحذف المفعول به، لأن ما بعده يدل عليه، وهو قوله: ﴿سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾. وقوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ كَسْرٌ، وأجمعوا عليه لكونه مبتدأ محكيًا بعد القول.
وبعدُ: فإن القُرّاء أجمعوا على فتح الهمزة في أربعة مواضع: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، و ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾، و ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، و ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾ (٢).
واتفقوا أيضًا على كسر الهمزة إذا أتت بعد القول، أو بعد فاء الجزاء، وجملة ذلك ستة مواضع وهن قوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا﴾، و ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو﴾، و ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾، و ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾، و ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾، و ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ﴾ (٣).
واختلفوا فيما عداهما في فتح (إن) وكسرها من لدن قوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾، وجملة ذلك ثلاثة عشر موضعًا وهي قوله: و ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾، و ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾، و ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾، و ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ و ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾، و ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾، و ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ﴾، و ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي﴾، و ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾، و ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾، و ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا﴾، و ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾، و ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ (٤).
стр. 3637
فقرئ: بفتح الهمزة في الجميع وبكسرها (١). وَجْهُ إجماعهم على فتحِ الهمزة في الأربعة المواضع المذكورة آنفًا: أنَّ (أنَّ) في قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾ قد عمل فيها ﴿أُوحِيَ﴾، فهي معمول له، ففتحت لذلك. و (أَنْ) في قوله: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ فتحت لأنها مخففة من الثقيلة معطوفة على معمول ﴿أُوحِيَ﴾، كأنه قيل: أوحي إلي أنه استمع وأنه لو استقاموا، والضمير ضمير الشأن والحديث كما في قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ (٢) وفَصلُ (لو) بينها وبين الفعل كفصل لا والسين في قوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ﴾ (٣)، و ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٤)، ويجوز أن تكون مزيدة كما في قوله: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ (٥)، وإذا كانت مزيدة فحقها الفتح لأن المكسورة لا تكون مزيدة. وأنَّ في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ فتحت لأنها معطوفة على معمول ﴿أُوحِيَ﴾، كأنه قيل: وأوحي إلي أن المساجد لله. هذا مذهب المفسرين، ومذهب الخليل ﵀ أنه على تقدير اللام، أي: ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا. كما أن في قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٦) على قوله كذلك. وأن في قوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾ فتحت لأنها معمول الفعل الواقع قبلها وهو ﴿يَعْلَمَ﴾ وهي مخففة من الثقيلة، فاعرفه.
ووجه اتفاقهم على كسر الهمزة إذا أتت بعد القول، أو بعد فاء الجزاء أنَّ (إِنَّ) بعد القول محكي مبتدأ به فكسرت لذلك، كقوله : ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ (٧). وكذلك ما بعد الجزاء لأنه موضع ابتداء، وكسرت لذلك.
стр. 3638
وعلى الإضمار جعل صاحب الكتاب ﵀ قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (١) أي: فهو ينتقم منه، فكذلك ما أشبهه (٢).
ووجه من فتح الجميع، أنه عطف على محل الجار والمجرور في ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ كأنه قيل: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جَدُّ ربنا، وكذلك البواقي.
فإن قلت: لم عدلت عن اللفظ إلى المعنى؟ قلت: لقبح العطف على المضمر المخفوض بغير إعادة الخافض. فإن قلت: ما منعك أن تعطفه على معمول ﴿أُوحِيَ﴾ كما زعم بعضهم، وهو (أنه) في قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾؟ قلت: منعني فساد المعنى، لأن ما كان من قول الجن لم يوح إليه، والجميع من قولهم إلا قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ .. وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾، وإنما هو أمر أخبروا به عن أنفسهم.
ووجه من كسر (إنه) قطعه مما قبله فابتدأ بقوله: وإنه ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾، وعطف عليه ما بعده إلى قوله: وإنه ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾.
واختار جماعة الكسر في الجميع، وذلك أن العطف على محل الجار والمجرور يضعف في بعضها، نحو: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾، لأنهم لم يخبروا بأنهم لما سمعوا الهدى آمنوا به.
وقوله: ﴿عَجَبًا﴾ مصدر وصف به القرآن، أي: ذا عجب، أي: عجيبًا. ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بالقرآن، وقيل: بالله (٣).
﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)﴾:
قوله : ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ الضمير في (أنه) ضمير الشأن
стр. 3639
والحديث، والجمهور على رفع قوله: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾، وهو مرفع بـ ﴿تَعَالَى﴾، وقرئ: (جَدًّا رَبُّنَا) بنصب جَدّ على التمييز ورفع ربّنا بـ ﴿تَعَالَى﴾ (١)، أي: تعالى ربُّنا جدًّا، ثم قدم المميز، كما تقول: حسن زيدٌ وجهًا، ثم: حسن وجَهًا زيدٌ. وقرئ: أيضًا: (جَدُّ رَبُّنَا) برفعهما (٢)، على تقدير: وأنه تعالى جَدُّ [جَدُّ] رَبَّنَا، فجد الثاني بدل من الأول، فحذف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والجد في اللغة: العظمة، يقال: جَدَّ فلانٌ، إذا عَظُم، منه قول أنس ﵁: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ فينا" (٣). أي: عظم.
وقوله: ﴿وَأَنَّهُ﴾ الضمير ضمير الشأن والحديث أيضًا. ﴿كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾: اسم كان مضمر فيها، وهو ضمير الشأن والأمر الذي يسميه الكوفيون ضمير المجهول، والجملة التي بعد ﴿كَانَ﴾ تفسر ذلك المضمر، لأنه مضمر لم يتقدمه ظاهر يعود عليه، وإنما يضمر على شريطة التفسير. و ﴿يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ في موضع خبر ﴿كَانَ﴾. ولك أن تجعل ﴿كَانَ﴾ صلة لا اسم لها ولا خبر.
وقيل: ﴿سَفِيهُنَا﴾ اسم كان، و ﴿يَقُولُ﴾ الخبر، وفيه بعد، لأن الفعل إذا تقدم عمل في الاسم بعده، لأنه أقوى.
و﴿شَطَطًا﴾ نعت لمصدر محذوف، أي: قولًا شططًا، أي ذا شطط،
стр. 3640
أي: بعيدًا عن الصواب، وأصل الشطط: البعد، ومنه: أَشَطَّ في السَّوْم، إذا أبعد فيه (١).
وقوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الجمهور على ضم القاف وإسكان الواو بوزن تقوم، و ﴿كَذِبًا﴾ على هذه القراءة نعت لمصدر محذوف، أي: قولًا كذبًا، أي: مكذوبًا فيه، ولك أن تجعله مصدرًا وتنصبه نصب المفعول به، أي: لن تقول كذبًا، كما تقول: قلت حقًّا، وقلت باطلًا، وقلت شعرًا، أو نصب المصدر لأن الكذب نوع من القول.
وقرئ: (أَنْ لَنْ تَقَوَّلَ) بفتح القاف والواو مشددة (٢)، وأصله: تتقول.
و﴿كَذِبًا﴾ مصدر مؤكد لفعله واقع موقع (تَقَوُّلٍ)، كأنه قيل: أن لن تقول تقولًا، ولا يجوز أن تجعله على هذه القراءة نعتًا لمصدر محذوف، أي: تقولًا كذبًا، لأن التقول لا يكون إلا كذبًا، فلا فائدة فيه. و (أن) مخففة من الثقيلة، أي: ظننا أنه، والضمير ضمير الشأن والحديث.
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾:
قوله : ﴿وَأَنَّهُ﴾ أي: وأن الشأن أو الحديث. ﴿كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾: (رجالٌ) اسم كان، و ﴿مِنَ
стр. 3641
الْإِنْسِ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿رِجَالٌ﴾، وكذا ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾. و ﴿يَعُوذُونَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، و ﴿رَهَقًا﴾ مفعول ثان لزاد، واختلف في فاعل الفعل، فقيل: الإنس، أي: فزاد الإنسُ الجنَّ رهقًا، أي: كبرًا وتعززًا في أنفسهم بذلك. وقيل: الجن، أي: فزاد الجنُّ الإنسَ رهقًا، أي: طغيانًا في الكفر بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم (١).
وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ أي: وأن الجن ظنوا ظنًّا مثل ظنكم أيها الكفرة، أن الأمر أو الشأن لن يبعث الله أحدًا بالرسالة بعد موسى ﵇، والعامل في ﴿أَنْ﴾ الفعل الثاني أو الأول على الخلاف المشهور بين الفريقين.
وقوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ أي: عالجنا وقصدنا خبر السماء، فحذف المضاف. ﴿فَوَجَدْنَاهَا﴾: يجوز أن يكون بمعنى صادفناها، من وجدان الضالة فيتعدى إلى مفعول واحد. و ﴿مُلِئَتْ﴾ في موضع الحال، و (قد) مرادة معه، وأن يكون بمعنى وَجَدْتُ زيدًا ذا الحفاظ، فيتعدى إلى مفعولين، فيكون ﴿مُلِئَتْ﴾ في موضع المفعول الثاني، أي: علمناها مملوءةً. و ﴿حَرَسًا﴾: تمييز لا مفعُول ثان لقوله: ﴿مُلِئَتْ﴾ باق على أصله كما زعم بعضهم، لأن (مَلَأَ) لا يتعدى إلى مفعولين. وحرس اسم مفرد، ومعناه الجمع، ولذلك وصفه بشديد، هذا مذهب الحذاق من النحاة، ومثله رَكْبٌ ورَجْلٌ، ويدل على أنه اسم مفرد في معنى الجمع وليس بتكسير راكب وراجل قولهم في تصغيره (٢): ركيب ورجيل، ولم يقولوا: رويكبون، ولو قيل في الكلام: (شدادًا) حملًا على معناه، لكان جائزًا، مع أن ما كان على فعيل قد يأتي للجمع.
وقيل: إن ﴿شَدِيدًا﴾ صفة لمصدر ﴿مُلِئَتْ﴾ وقد حذف وأقيمت الصفة
стр. 3642
مقامه، أي: ملئت حرسًا مَلْئًا شديدًا، فحذف المصدر. و ﴿وَشُهُبًا﴾ عطف على ﴿حَرَسًا﴾ وحكمه في الإعراب حكمه، وهو جمع شهاب، وهي النجوم التي كانت ترجم بها.
وقوله: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (رصدًا) صفة لشهاب، وهو مصدر إما بمعنى فاعل، أي: شهابًا راصدًا له ولأجله، أو بمعنى مفعول، أي: مرصود قد أرصد له. وقيل: هو اسم جمع للراصد، على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من الاستماع.
وقوله: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (أشر) يجوز أن يكون مبتدأ والخبر ﴿أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وأن يكون فاعلَ فعلٍ محذوف يدل عليه ما بعده، أي: أريد شرٌّ.
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾:
قوله : ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: قوم دون ذلك, فحذف الموصوف. ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (قدادًا) صفة لـ ﴿طَرَائِقَ﴾، وواحد طرائق: طريقة، وواحد قِدَدٍ: قِدَّةٌ، كعِدَدٍ في عِدَّةٍ، والقِدَّةُ، من قَدَّ، كالقطعة من قَطَع، وأصله في الأديم، يقال لكل ما قطع منه: قدَّةٌ، وجمعها قِدَد. قيل: ووصفت الطرائق بالقدد، لدلالتها على معنى التقطع والتفرق (١).
وقوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ الظن هنا بمعنى اليقين، وأن مخففة من الثقيلة، وقد سدت مسد المفعولين، و ﴿هَرَبًا﴾ مصدر في موضع الحال من المنوي في ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ﴾ أي: ولن
стр. 3643
نعجزه هاربين. وكذا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في موضع الحال أيضًا: أي: كائنين فيها، وقد جوز أن يكون ﴿هَرَبًا﴾ تمييزًا.
وقوله: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ الفاء جواب الشرط، أي: فهو لا يخاف، أي: فهو غير خائف، ولذلك دخلت الفاء لأن الكلام في تقدير مبتدأ وخبر، ولولا ذلك لقيل: لا يخف. قيل: وإنما عدل عن الجزم وجيء بالفاء مع تقدير مبتدأ قبل الفصل حتى يقع خبرًا له، ليدل على أن المؤمن ناج لا محالة (١).
وقرئ: (فلا يخفْ) بالجزم (٢). و ﴿بَخْسًا﴾ نقصًا، و ﴿رَهَقًا﴾: ما يرهقه من المكروه، أي: ما يغشاه.
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾:
قوله : ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ التحري طلب الأَحرى، إما من القول أو من الفعل.
وقوله: ﴿مَاءً غَدَقًا﴾ الجمهور على فتح الدال، وهو مصدر غَدِقَ الماء يَغْدَقُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر غَدَقًا، إذا غَزُرَ، وصف به الماء، وقرئ: (غَدِقًا) بكسرها (٣)، وهو اسم الفاعل من غَدِقَ، كغَرِقٍ من غَرِقَ (٤).
стр. 3644
وقوله: (نَسْلُكْه عذابًا صَعَدًا) الجمهور على فتح نون نَسلكه، سلكت الخيط في الإبرة، إذا أدخلته فيها، وكذا هنا التقدير: نسلكه في عذاب، وكفاك دليلًا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (١) فحذف الجار وأوصل الفعل.
وقرئ: (نُسلكه) بضم النون (٢)، من أسلكت، يقال: سلكته وأسلكته، لغتان بمعنىً. و ﴿صَعَدًا﴾ صفة لعذاب، أي: شاقًا، والمعنى: ذا صَعَدٍ، أي: ذا مشقةٍ، قيل: وهو مصدر صَعِد، يقال: صَعِدَ يَصعَدُ صَعَدًا وصُعُودًا، فوصف به العذاب لأنه يَتَصَعَّدُ المُعَذَّبَ، أي: يعلوه ويغلبه فلا يطيقه.
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾:
قوله : ﴿وَأَنَّهُ﴾ أي: وأن الشأن أو الحديث. ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ أي: يدعو الله، وهو في موضع الحال، أي: دَاعِيًا مُصَلِّيًا.
﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾: الجمهور على كسر اللام وفتح الباء مخففة، وهو جمع لِبْدَةٍ، وهي ما تَلَبَّدَ بَعْضهُ على بعض، ومن هذا اشتقاق هذه اللُبود
стр. 3645
التي تُفرش، ومعناه جماعات، أي: كادوا يركبونه حرصًا على القرآن ورغبة في استماعه، وقرئ: (لُبُدًا) بضم اللام والباء خفيفة (١)، وهو جمع لَبُودٍ كصُبُرٍ في صبُورٍ. و (لُبَّدًا) بضم اللام وفتح الباء مشددة (٢)، وهو جمع لابدٍ، كسُجَّدٍ في ساجدٍ، قال أبو الفتح: اللُّبَّدُ الكثير يركب بعضه بعضًا حتى يتلبد من كثرته، انتهى كلامه (٣). ومنه قوله جل ذكره: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ (٤)، أي: كثيرًا. وقيل له: لُبَّدٌ، لركوب بعضه على بعض، ولصوق بعضه ببعض.
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو﴾ أمر من الله تعالى لرسوله ﷺ بذلك، وقرئ: (قال) على الخبر (٥)، لتقدم ذكر الغيبة في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾، أي: قال الرسول.
وقوله: ﴿إِلَّا بَلَاغًا﴾ فيه أوجه:
أن يكون استثناء منقطعًا، أي: لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا لكن بلاغًا، وما بينهما اعتراض، قيل: وإنما جيء به لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه، ويجوز أن يكون مردودًا على قوله: ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ على معنى: ولكن بلاغًا من الله يجيرني.
وأن يكون بدلًا من قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾، وهو قول أبي إسحاق (٦)،