← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

الْإِنْسِ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿رِجَالٌ﴾، وكذا ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾. و ﴿يَعُوذُونَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، و ﴿رَهَقًا﴾ مفعول ثان لزاد، واختلف في فاعل الفعل، فقيل: الإنس، أي: فزاد الإنسُ الجنَّ رهقًا، أي: كبرًا وتعززًا في أنفسهم بذلك. وقيل: الجن، أي: فزاد الجنُّ الإنسَ رهقًا، أي: طغيانًا في الكفر بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم (١). وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ أي: وأن الجن ظنوا ظنًّا مثل ظنكم أيها الكفرة، أن الأمر أو الشأن لن يبعث الله أحدًا بالرسالة بعد موسى ﵇، والعامل في ﴿أَنْ﴾ الفعل الثاني أو الأول على الخلاف المشهور بين الفريقين. وقوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ أي: عالجنا وقصدنا خبر السماء، فحذف المضاف. ﴿فَوَجَدْنَاهَا﴾: يجوز أن يكون بمعنى صادفناها، من وجدان الضالة فيتعدى إلى مفعول واحد. و ﴿مُلِئَتْ﴾ في موضع الحال، و (قد) مرادة معه، وأن يكون بمعنى وَجَدْتُ زيدًا ذا الحفاظ، فيتعدى إلى مفعولين، فيكون ﴿مُلِئَتْ﴾ في موضع المفعول الثاني، أي: علمناها مملوءةً. و ﴿حَرَسًا﴾: تمييز لا مفعُول ثان لقوله: ﴿مُلِئَتْ﴾ باق على أصله كما زعم بعضهم، لأن (مَلَأَ) لا يتعدى إلى مفعولين. وحرس اسم مفرد، ومعناه الجمع، ولذلك وصفه بشديد، هذا مذهب الحذاق من النحاة، ومثله رَكْبٌ ورَجْلٌ، ويدل على أنه اسم مفرد في معنى الجمع وليس بتكسير راكب وراجل قولهم في تصغيره (٢): ركيب ورجيل، ولم يقولوا: رويكبون، ولو قيل في الكلام: (شدادًا) حملًا على معناه، لكان جائزًا، مع أن ما كان على فعيل قد يأتي للجمع. وقيل: إن ﴿شَدِيدًا﴾ صفة لمصدر ﴿مُلِئَتْ﴾ وقد حذف وأقيمت الصفة

стр. 3642

مقامه، أي: ملئت حرسًا مَلْئًا شديدًا، فحذف المصدر. و ﴿وَشُهُبًا﴾ عطف على ﴿حَرَسًا﴾ وحكمه في الإعراب حكمه، وهو جمع شهاب، وهي النجوم التي كانت ترجم بها. وقوله: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (رصدًا) صفة لشهاب، وهو مصدر إما بمعنى فاعل، أي: شهابًا راصدًا له ولأجله، أو بمعنى مفعول، أي: مرصود قد أرصد له. وقيل: هو اسم جمع للراصد، على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب ويمنعونهم من الاستماع. وقوله: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (أشر) يجوز أن يكون مبتدأ والخبر ﴿أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وأن يكون فاعلَ فعلٍ محذوف يدل عليه ما بعده، أي: أريد شرٌّ. ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾: قوله : ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: قوم دون ذلك, فحذف الموصوف. ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (قدادًا) صفة لـ ﴿طَرَائِقَ﴾، وواحد طرائق: طريقة، وواحد قِدَدٍ: قِدَّةٌ، كعِدَدٍ في عِدَّةٍ، والقِدَّةُ، من قَدَّ، كالقطعة من قَطَع، وأصله في الأديم، يقال لكل ما قطع منه: قدَّةٌ، وجمعها قِدَد. قيل: ووصفت الطرائق بالقدد، لدلالتها على معنى التقطع والتفرق (١). وقوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ الظن هنا بمعنى اليقين، وأن مخففة من الثقيلة، وقد سدت مسد المفعولين، و ﴿هَرَبًا﴾ مصدر في موضع الحال من المنوي في ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ﴾ أي: ولن

стр. 3643

نعجزه هاربين. وكذا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في موضع الحال أيضًا: أي: كائنين فيها، وقد جوز أن يكون ﴿هَرَبًا﴾ تمييزًا. وقوله: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ الفاء جواب الشرط، أي: فهو لا يخاف، أي: فهو غير خائف، ولذلك دخلت الفاء لأن الكلام في تقدير مبتدأ وخبر، ولولا ذلك لقيل: لا يخف. قيل: وإنما عدل عن الجزم وجيء بالفاء مع تقدير مبتدأ قبل الفصل حتى يقع خبرًا له، ليدل على أن المؤمن ناج لا محالة (١). وقرئ: (فلا يخفْ) بالجزم (٢). و ﴿بَخْسًا﴾ نقصًا، و ﴿رَهَقًا﴾: ما يرهقه من المكروه، أي: ما يغشاه. ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾: قوله : ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ التحري طلب الأَحرى، إما من القول أو من الفعل. وقوله: ﴿مَاءً غَدَقًا﴾ الجمهور على فتح الدال، وهو مصدر غَدِقَ الماء يَغْدَقُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر غَدَقًا، إذا غَزُرَ، وصف به الماء، وقرئ: (غَدِقًا) بكسرها (٣)، وهو اسم الفاعل من غَدِقَ، كغَرِقٍ من غَرِقَ (٤).

стр. 3644

وقوله: (نَسْلُكْه عذابًا صَعَدًا) الجمهور على فتح نون نَسلكه، سلكت الخيط في الإبرة، إذا أدخلته فيها، وكذا هنا التقدير: نسلكه في عذاب، وكفاك دليلًا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (١) فحذف الجار وأوصل الفعل. وقرئ: (نُسلكه) بضم النون (٢)، من أسلكت، يقال: سلكته وأسلكته، لغتان بمعنىً. و ﴿صَعَدًا﴾ صفة لعذاب، أي: شاقًا، والمعنى: ذا صَعَدٍ، أي: ذا مشقةٍ، قيل: وهو مصدر صَعِد، يقال: صَعِدَ يَصعَدُ صَعَدًا وصُعُودًا، فوصف به العذاب لأنه يَتَصَعَّدُ المُعَذَّبَ، أي: يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾: قوله : ﴿وَأَنَّهُ﴾ أي: وأن الشأن أو الحديث. ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ أي: يدعو الله، وهو في موضع الحال، أي: دَاعِيًا مُصَلِّيًا. ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾: الجمهور على كسر اللام وفتح الباء مخففة، وهو جمع لِبْدَةٍ، وهي ما تَلَبَّدَ بَعْضهُ على بعض، ومن هذا اشتقاق هذه اللُبود

стр. 3645

التي تُفرش، ومعناه جماعات، أي: كادوا يركبونه حرصًا على القرآن ورغبة في استماعه، وقرئ: (لُبُدًا) بضم اللام والباء خفيفة (١)، وهو جمع لَبُودٍ كصُبُرٍ في صبُورٍ. و (لُبَّدًا) بضم اللام وفتح الباء مشددة (٢)، وهو جمع لابدٍ، كسُجَّدٍ في ساجدٍ، قال أبو الفتح: اللُّبَّدُ الكثير يركب بعضه بعضًا حتى يتلبد من كثرته، انتهى كلامه (٣). ومنه قوله جل ذكره: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ (٤)، أي: كثيرًا. وقيل له: لُبَّدٌ، لركوب بعضه على بعض، ولصوق بعضه ببعض. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو﴾ أمر من الله تعالى لرسوله ﷺ بذلك، وقرئ: (قال) على الخبر (٥)، لتقدم ذكر الغيبة في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾، أي: قال الرسول. وقوله: ﴿إِلَّا بَلَاغًا﴾ فيه أوجه: أن يكون استثناء منقطعًا، أي: لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا لكن بلاغًا، وما بينهما اعتراض، قيل: وإنما جيء به لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه، ويجوز أن يكون مردودًا على قوله: ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ على معنى: ولكن بلاغًا من الله يجيرني. وأن يكون بدلًا من قوله: ﴿مُلْتَحَدًا﴾، وهو قول أبي إسحاق (٦)،

стр. 3646

والمعنى: ولن أجد من دونه منجىً إلا بلاغًا، أي: لا ينجيني إلا أن أُبلّغ عن الله ما أرسلني به. وأن يكون منصوبًا على المصدر على إضمار فعل، ويكون ﴿إِلَّا﴾ على هذا الوجه منفصلًا من إن (١)، و (إن) للشرط، و (لا) بمعنى (لم)، والتقدير: إني لن يجيرني من الله أحد، ولن أجد من دونه منجىً إنْ لم أبلغ رسالات ربي بلاغًا. ﴿وَرِسَالَاتِهِ﴾: عطف على ﴿بَلَاغًا﴾. وقوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾ الجمهور على كسر الهمزة، وقد ذكر وجهه (٢)، وقرئ: (فأن) بفتحها (٣)، على تقدير: فجزاؤه أنَّ له، كقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٤) على معنى: فحكمه أن لله خمسه، قاله الزمخشري (٥). وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿لَهُ﴾، وهو في معنى الجمع، والعامل فيها الاستقرار. ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾: قوله : ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ قيل: ﴿حَتَّى﴾ من صلة

стр. 3647

محذوفٍ دلت عليه الحال من استضعاف الكفار له ﵇ واستقلالهم لعدده، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا ما يوعدون (١). وقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ (مَن) هنا يجوز أن تكون موصولة في موضع نصب بقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾، فيكون ﴿أَضْعَفُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: مَن هو أضعف، وأن تكون استفهامية في موضع رفع بالابتداء و ﴿أَضْعَفُ﴾ خبره. و ﴿نَاصِرًا﴾ و ﴿عَدَدًا﴾ منصوبان على التمييز، والفاء جواب ﴿إِذَا﴾. وقوله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ (إِنْ) بمعنى (ما) و ﴿أَقَرِيبٌ﴾ مبتدأ، و (ما) يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية ومحلها الرفع على الفاعلية بقوله: ﴿أَقَرِيبٌ﴾ لكونه اعتمد على الهمزة. والجمهور على إسكان ياء ﴿أَدْرِي﴾ وهو الوجه، وقرئ: بفتحها، وقد مضى الكلام عليها في "الأنبياء" بأشبع ما يكون (٢). وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ يجوز أن يكون صفة لـ ﴿رَبِّي﴾، وأن يكون بدلًا منه، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عالم الغيب. وقوله: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى﴾ (مَن) في موضع نصب إما على البدل من قوله: ﴿أَحَدًا﴾، وإما على الاستثناء منه، وهو متصل. وقوله: ﴿فَإِنَّهُ﴾ الضمير لله جل ذكره. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: الضمير فيهما للرسول. و ﴿رَصَدًا﴾ مفعول ﴿يَسْلُكُ﴾. وقوله: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ من صلة ﴿يَسْلُكُ﴾، والجمهور على فتح الياء على البناء للفاعل، واختلف في فاعله، فقيل: هو الله جل ذكره، أي: ليعلم

стр. 3648

عِلْمَ مشاهدة أن رسله قد بلغوا رسالاته. وقيل هو رسول الله ﷺ ، أي: ليعلم محمد ﷺ أنَّ جبريل ومن معه من الملائكة أو الرسل صلوات الله وسلامه عليهم قبله قد أبلغوا رسالات ربهم. وقيل: مُكَذِّبُ الرسل. وقيل: سيد الجن (١). وقرئ: (ليُعْلَمَ) بضم الياء على البناء للمفعول (٢)، وهو راجعٌ إلى معنى قراءة الجمهور. و ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة. و ﴿وَأَحَاطَ﴾: المنوي فيه لله جل ذكره. وقوله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ انتصاب قوله: ﴿عَدَدًا﴾ على التمييز، تقول: عددت الشيء عَدًا، إذا أحصيته، والاسم العدد والعديد أيضًا. وقد جوز أبو إسحاق أن ينتصب على الحال، أي: وضَبَطَ كل شيء معدودًا محصورًا. وعلى المصدر في معنى الإحصاء، أو لأنَّ أحصى في معنى عدَّ، فـ ﴿عَدَدًا﴾ اسم واقع موقع المصدر فأُعطي حكمه، كما تقول: أعطيته عطاء، فعطاء اسم واقع موقع المصدر وهو إعطاء، وكذا ﴿عَدَدًا﴾ اسم واقع موقع المصدر وهو عَدٌّ، فاعرفه فإنه موضع (٣)، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الجن والحمد لله وحده

стр. 3649

إعراب سورة المزمل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ الجمهور على تشديد الزاي والميم مع كسرها، وأصله: المتزمل، فأدغمت التاء في الزاي بعد قلبها زايًا، إذ الزاي أقوى للجهر الذي فيها، أي: الملتف بثيابه. وقرئ: (المزَمِّلُ) بتخفيف الزاي وكسر الميم (١)، على أنه اسم فاعل، وفعله زمَّل مضعف العين، والمفعُول محذوف، أي: المُزَمِّل نفسه، وحذف المفعول كثير في كلام القوم نظمهم ونثرهم. وفتحها (٢)، على أنه اسم مفعول، وهو الذي زمله غيره. وقرئ أيضًا: (المُتَزَمّل) بإظهار التاء على الأصل (٣)، ولا تحل القراءة به، لأجل مخالفة "الإمام" مصحف عثمان ﵁.

стр. 3650

وقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ الجمهور على كسر الميم على أصل التقاء الساكنين، وقرئ: بضمها (١) إتباعًا لضمة القاف، وفتحها (٢) لخفة الفتحة، قال أبو الفتح: الغرض بهذه الحركة التبلُّغ بها هربًا من اجتماع الساكنين، فبأي الحركات تحرك فقد وقع الغرض، ثم قال: ولعمري إنَّ الكسر أكثر، فأما ألّا يجوزَ غيرُه فلا. حكى قطرب عنهم: قُمَ اللَّيْلَ، وقُلَ الحَقَّ، وبِعَ الثوبَ، فمن كسر فعلى أصل الباب، ومن ضم أتْبعَ، ومن فتح فجنوحًا إلى خفة الفتحة، انتهى كلامه (٣). وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ﴿نِصْفَهُ﴾ بدل من ﴿اللَّيْلَ﴾ قبل الاستثناء بدل بعض من كل، و ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناء من النصف، أي: قم الليل نصفه، والمعنى: قم نصف الليل، كأنه قال: قم أقل من نصف الليل، فقدم المستثنى على المستثنى منه، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ و ﴿عَلَيْهِ﴾ للنصف. والثاني: هو بدل من ﴿قَلِيلًا﴾، و ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناء من ﴿اللَّيْلَ﴾، وأنكر بعضهم هذا، وقال: هذا غير مستقيم، لأن أحد النصفين مساوٍ للنصف الآخر، فلا يكون أحدهما قليلًا والآخر كثيرًا، فأجيب عنه فقيل: وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل. قيل: وإذا جعلت ﴿نِصْفَهُ﴾ بدلًا من ﴿اللَّيْلَ﴾، كان تخييرًا بين أمرين: بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد

стр. 3651

الأمرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه، وإذا جعلته بدلًا من ﴿قَلِيلًا﴾ كان تخييرًا بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص عنه، وبين قيام الزائد عليه. وقيل: إن ﴿نِصْفَهُ﴾ بدل من الليل بعد الاستثناء، وهذا فيه ما فيه، لأن أحد النصفين لا يكون إلا مساويًا للآخر. وقيل: إن التقدير: قم الليل إلا قليلًا أَو نصفه أو انقص منه قليلًا أو زد عليه، فَحُذِفَ (أو) لأنَّ ما بعده يدل عليه، والمعنى: أنَّ الله تعالى أمر بقيام أكثر الليل حتى لا ينام منه إلا القليل، ثم رخص له في قيام أقل من ذلك وهو النصف، فقال: (أو نصفه). ثم رخص له في النقصان عن النصف فقال: ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾. أي: من النصف، ثم رخص له في الزيادة على النصف ما بينه وبين الثلثين فقال: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾، أي: على النصف إلى أن يبلغ الثلثين أو أكثر. وقيل: إن المراد بالليل: الليالي، على إرادة الجنس، أي: قم الليالي جميعًا إلا قليلًا من الأعداد يقع لك فيها أعذارٌ. ثم بَيَّنَ ما يقوم من الليل فقال: نصفه أو انقص منه قليلًا أو زد عليه، أي: قم نصف الليل أو انقص من النصف أو زد على النصف. وقيل: هذا على حسب طول الليالي وقصرها، فالنصف: إذا استوى الليل والنهار، والنقص منه: إذا قصر الليل، والزيادة عليه: إذا طال الليل. وقيل: هذا يقتضي أن يكون قيام النصف من الليل مفروضًا عليه، ثم هو مرخص في النقص منه ومخير في الزيادة عليه، وكأنه قيل: قم نصف الليل أو انقص منه قليلًا، أي من النصف أو زد عليه، أي على النصف، فاعرفه فإنه موضع. وانتصاب الليل والنصف على الظرف. وقوله: ﴿تَرْتِيلًا﴾ مصدر مؤكد لفعله.

стр. 3652

﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾: قوله : ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (وطئًا) و (قِيلًا) منصُوبان على التمييز. ووَطْءٌ فَعْلٌ، وأصل الوَطْء: الثقل، ومنه قوله ﵊: "اللهمَّ اشْدُدْ وطأتَكَ على مُضَر" (١). وهو مصدر وَطِئَ يَطَأُ وَطْئًا بفتح الواو وإسكان الطاء. و (وِطاء) بكسر الواو والمد فِعال (٢)، وهو مصدر وَاطَأتُه على كذا، إذا وافقته عليه، مواطأةٌ ووطاءً، والمعنى: أشد مهادًا للتصرف في التفكر والتدبر. وقوله: ﴿سَبْحًا﴾ الجمهور على الحاء المهملة، وهو الذهاب والمجيء، أي: متقلبًا، أي: متصرفًا فيما تريد، وقرئ: (سبخا) بالخاء معجمة (٣)، وهو التخفيف، يقال: سَبَّخَ عنه، إذا خَفَّفَ، ومنه قوله ﵊ حين سمع عائشة ﵂ وعن أبيها وهي تدعو على سارق سرقها: "لا تسبخي عنه بدعائك عليه" (٤)، أي: لا تخففي عنه إثمه. أي: إن لكَ في النهارِ سَعَةٌ.

стр. 3653

وقوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أي: تَبتُّلًا، وإنما وضع التبتيل موضع التبتل مع أن معناهما واحد، لأجل مشاكلة رؤوس الآي. وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ قرئ: برفع الباء (١)، إما على الابتداء، والخبر ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، أو على إضمار مبتدأ، أي: هو رب المشرق. وبجرها (٢)، إما على البدل من (رَبِّكَ)، كأنه قيل: واذكر اسم ربِّ المشرق، وإما على النعت له، وإما على القسم بإضمار حرفه، كما تقول: اللهِ لأفعلنَّ، وجوابه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، كقولك: والله لا أحد فيها إلا زيدٌ. ويجوز في الكلام نصبه (٣)، إما على البدل من ﴿اسْمَ﴾، أو على إضمار أعني، أو اتخذْ ربَّ المشرق، يدل عليه: ﴿فَاتَّخِذْهُ﴾، أو على المدح. وقوله: ﴿وَكِيلًا﴾ مفعول ثان. ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾: قوله : ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ (والمكذبينَ) يجوز أن يكون عطفًا على ياء النفْس، وأن يكون مفعولًا معه، والأول أحسن لأن شرط باب المفعول معه، أن يكون فعله لازمًا. و﴿النَّعْمَةِ﴾ بفتح النون: التَّنعُّم، وبكسرها: الثروة، وبضمها: السرور. والجمهور على فتحها.

стр. 3654

وقوله: ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ أي: وقتًا أو زمانًا قليلًا. وقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾ (يوم) يجوز أن يكون ظرفًا للاستقرار الدال عليه ﴿لَدَيْنَا﴾، وأن يكون ظرفًا لأليم، وأن يكون صفة بعد صفة لعذاب. وقوله: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ مهيل: مفعول من هال، كمبيع من باع، وأصله: مهيول، استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الهاء فاجتمع ساكنان الياء والواو، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين عند صاحب الكتاب (١)، وكسرت الهاء لتصح الياء عند أبي الحسن (٢)، وقلبت الواو ياء فبقي (مهيل) كما ترى، ووزنه على الوجه الأول مفعل وعلى الثاني: مفيل. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾: قوله : ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾ الكاف في موضع نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، و (ما) مصدرية، أي: إرسالًا مثل إرسالنا. أو لرسول، و (ما) موصولة، أي: رسولًا مثل الذي أرسلناه إلى فرعون. وقوله: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ إنما دخل حرف التعريف على ﴿الرَّسُولَ﴾، ليعلم أنه المذكور آنفًا. ﴿وَبِيلًا﴾ أي: شديدًا ثقيلًا. وقوله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ (يومًا) مفعول به، إما لقوله: ﴿تَتَّقُونَ﴾ وفي الكلام حذف مضاف، أي: فكيف تتقون عقاب يوم من صفته كيت وكيت إن دمتم على الكفر ولم تؤمنوا؟ فحذف

стр. 3655

المضاف. وإما لقوله: ﴿كَفَرْتُمْ﴾، إما على إسقاط الجار وهو الباء، أي: فكيف تتقون الله وتخشونه إن كفرتم بيوم من صفته كيت وكيت؟ وإما على تضمين الكفر معنى الجحد، أي: فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة وما يقع فيه؟ ولا يجوز أن يكون ظرفًا لكفرتم، لأنهم لا يكفرون في ذلك اليوم إنما كفرهم في الدنيا، وقد جوز أن يكون ظرفًا لتتقون، أي: فكيف يكون اتقاؤكم في يوم القيامة وكنتم في الدنيا كفارًا؟ أي: لا ينفعكم الاتقاء في القيامة مع الكفر في الدنيا. و﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ﴾ في موضع الصفة ليوم إن جعلت المنوي فيه ليوم، وإن جعلته لله فلا، إلا على إضمار وحذف، أي: فيه. والشِّيبُ: جمع أشيب، وهو الأشمط الذي اختلط سواد شعره بالبياض. وقوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ في الباء وجهان: أحدهما بمعنى في، أي: منشق فيه، أي في ذلك اليوم. والثاني بمعنى السبب، أي: منفطر بسبب ذلك اليوم. وقيل: الضمير في ﴿بِهِ﴾ لله جل وعز (١) أي: منفطر بالله، أي: بأمره، فحذف المضاف. وفي تذكير السماء هنا أوجه: أن يكون على النسب، أي: ذات انفطار. وأن يكون على معنى السقف. وأن يكون من الأشياء التي تذكر وتؤنث. وأن يكون تأنيثه سماعيًّا فيجوز تذكيره (٢). ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ

стр. 3656

اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾: قوله : (إنَّ رَبَّكَ يعلَمُ أنَّكَ تقُومُ أدنى مِن ثُلُثَي اللَّيلِ ونِصفِهِ وثُلثِهِ) قرئ: بجر (نصفِهِ وثلثِهِ) (١) عطفًا على المجرور قبلهما، وهو ﴿ثُلُثَيِ﴾ على معنى: أنك تقوم في الليل للصلاة أقل من الثلثين وأقل من النصف والثلث. وقرئا بالنصب (٢) عطفًا على المنصوب قبلهما، وهو ﴿أَدْنَى﴾، على معنى: أنك تقوم أقل من الثلثين وتقوم النصف والثلث، وقيل: أدنى بمعنى أقرب (٣). وقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ عطف على المنوي في ﴿تَقُومُ﴾، وجاز هذا من غير توكيد، لأجل الفصل بينهما، فجرى ذلك مجرى التوكيد، والمعنى: تقوم أنت، وتقوم معك طائفة من أصحابك. وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ (أن) مخففة من الثقيلة، أي أنه، وكذا ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ (أن) مخففة من الثقيلة، أي: علم أن الأمر أو الشأن سيكون منكم مرضى، والسين عوض من تخفيفها وحذف اسمها، وقد مضى الكلام على هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع ما يكون. وقوله: ﴿وَآخَرُونَ﴾ عطف على ﴿مَرْضَى﴾. و ﴿يَبْتَغُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿يَضْرِبُونَ﴾. وقوله: ﴿تَجِدُوهُ﴾ مجزوم على جواب الشرط. ﴿هُوَ خَيْرًا﴾ خيرًا: مفعول ثان لـ ﴿تَجِدُوهُ﴾. و ﴿هُوَ﴾ فصل وعماد، ويجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾

стр. 3657

توكيدًا للضمير المنصوب أو بدلًا منه، و ﴿أَجْرًا﴾ منصوب على التمييز. وقرئ: (هو خير وأعظم) بالرفع (١) على الابتداء والخبر، والجملة في موضع المفعول الثاني، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة المزمل والحمد لله وحده

стр. 3658

إعراب سُورَة المُدَّثِّرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ الجمهور على تشديد الدال والثاء، وأصله المتدثر، فأدغمت التاء في الدال فبقي المدَّثِّر، وقرئ: (المتدثر) على الأصل (١). و (المدَثّر) بتخفيف الدال (٢)، على تقدير حذف المفعول، أي: المدثر نفسه. وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فيه وجهان، أحدهما: في الكلام حذف مضافٍ، أي: ذا ثيابك، أي نفسك، فحذف المضاف. والثاني: لا حذف، والمعنى: وقلبك فطهر، فكنى بالثياب عن القلب كما قال امرؤ القيس: ٦٠٩ - ..................... ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ (٣)

стр. 3659

أي: قلبي من قلبك، وفيه أقوال لا يليق ذكرها هنا. وقوله: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ قرئ: بكسر الراء وضمها (١)، قيل: وهما لغتان كالذِّكر والذُّكر. وقيل: بالضم اسم صنم، وبالكسر العذاب، أي: فاهجر ما يؤدي إلى العذاب، فحذف المضاف (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ الجمهور على رفع الراء، وفيه وجهان: أحدهما: حال من المنوي في ﴿وَلَا تَمْنُنْ﴾، بمعنى: ولا تعط مستكثرًا طالبًا للكثير، يقال مَنَّ عليه مَنَّا، إذا أنعم، أي: لا تعط شيئًا من مالك لتأخذ أكثر منه، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون نهيًا خاصًّا بالنبي ﷺ تفضيلًا له على غيره، وأن يكون نهي تنزيه لا تحريم له ولأمته، فهو مرفوع اللفظ منصوب المحل على الحال كقوله: ﴿ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٣) أي: لاعبين. والثاني: رفع لكونه حذفت منه (أن) وأُبطل عملُها، لأن عامله لا يضمر عند جمهور النحاة، تعضده رواية من روى. ٦١٠ - ................ أحضرُ الوغى ... ......................... (٤) بالرفع، وقراءة من قرأ: (ولا تمنن أن تستكثرَ) وهو ابن مسعود ﵁ (٥)، والمعنى على هذا: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه، ومَنَّ

стр. 3660

عن الشيء، إذا ضعف عنه، ورجل منين، أي ضعيف، كأن الدهر مَنَّهُ، أي: ذهب بِمُنَّتِه، أي بقوته. وقرئ: (تَسْتَكْثرْ) بإسكان الراء (١)، وذلك يحتمل أوجهًا: أن يكون بدلًا من قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ﴾ كأنه قيل: لا تستكثر، لأن البدل قد يكون على تقدير حذف الأول، نحو: ضربت أخاك زيدًا، وقد لا يكون، نحو: الذي مررت به أبي محمد قائم. وأنكر أبو حاتم الجزم على البدل، وقال: لأن المن ليس بالاستكثار فيبدل منه (٢)، فأجيب عنه بما ذكرت آنفًا من أن البدل قد يكون على تقدير حذف الأول، وأنه من المن في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ (٣) لأن من شأن المنان بما يعطي أن يستكثره، أي: يراه كثيرًا. وأن يكون أُسْكِنَ تخفيفًا لثقل الضمة مع كثرة الحركات، لا أن يُشَبَّهَ (ثِرْوَ) بـ (عَضُد) فيسكن تخفيفًا كما زعم الزمخشري (٤) لعدم مثال (فِعْل) في الكلام، وأن يجري الوصل مجرى الوقف، وله نظائر في التنزيل. وأن يكون مجزومًا على الجواب على أنه من المَنّ في قوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٥)، على معنى: إلّا تمن بعطيتك تزددْ من الثواب الجزيل، لسلامة ذلك من الإبطال بالمن، مِنْ مَنَّ عليه مِنَّةً، إذا امتن

стр. 3661

عليه، و "المِنَّةُ تَهْدِمُ الصنيعةَ" (١) لا مِنْ مَنَّ عليه إذا أنعم، لأن حق المضمر أن يكون من جنس المظهر دليلًا عليه، ولذلك لا يجوز أن تقول: لا تَدْنُ من الأسد يأكلْكَ، بالجزم، لأن النفي لا يدل على الإثبات. وقرئ أيضًا: (تستكثِرَ) بالنصب (٢) بإضمار (أنَّ) كقوله: ٦١١ - ............. احْضُرَ الوغَى ... ............. (٣) على رواية النصب، وتعضده قراءة ابن مسعود ﵁: (أن تستكثر)، وقد ذكر آنفًا (٤). قال أبو الفتح: مَن نصبه فهو بدل من قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ﴾ في المعنى، ألا ترى أن معناه: لا يكن منك مَنّ فاستكثار، فكأنه قال: لا يكن منك مَنّ أن تستكثر، فتضمر (أنْ) لتكون مع الفعل المنصوب بها بدلًا من المنّ في المعنى الذي دل عليه الفعل، فهو كقولك: لا تشتمْه فيشتمَك، أي: لا يكن منك شتم له ولا منّة أن يشتمك، انتهى كلامه (٥). ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾: قوله : ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ القائم مقام الفاعل: ﴿فِي النَّاقُورِ﴾. وقيل: القائم مقامه المصدر، دل عليه (نُقِرَ)،

стр. 3662

أي: فإذا نُقِرَ النقْرُ في الناقور (١). والناقور فاعول من النقر، وهو التصويت، لما يخرج منه من الصوت. و(ذلك): مبتدأ، والإشارة إلى اليوم، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل منه، و ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبره، أي: فذلك اليوم يوم صعب في نفسه لما فيه من الشدائد والأهوال. أو ﴿فَذَلِكَ﴾: مبتدأ، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: خبره، أي: واقع. أو ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، والجملة خبر (ذلك). وقيل: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ منصوب الموضع بمضمر وهو أعني، أي: فذلك أعني يومئذٍ يوم عسير (٢). وقيل: الإشارة إلى النّقر، والتقدير: فذلك النقر يومئذٍ نقر يوم عسير، فحذف المضاف (٣). والعامل في (إذا) محذوف يدل عليه الجزاء، وهو الفاء في ﴿فَذَلِكَ﴾، لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عَسُرَ الأمرُ على الكافرين، أو جُوزي الكافرون بكفرهم (٤). و﴿عَلَى﴾ من صلة ﴿عَسِيرٌ﴾ لا من صلة ﴿يَسِيرٍ﴾ كما زعم بعضهم (٥)، لأن ما يعمل فيه المضاف إليه لا يتقدم على المضاف، اللهم إلا على مذهب من قال: إن غيرًا في حكم حرف النفي، فيجوز أن يعمل ما بعده فيما قبله، وقد مضى الكلام عليه في الفاتحة عند قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)

стр. 3663

وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)﴾: قوله : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (مَنْ) يجوز أن تكون عطفًا على ياء النفس، وأن تكون مفعولًا معه. وانتصاب قوله: ﴿وَحِيدًا﴾ على الحال إما من ياء النفس على معنى: دعني منفردًا معه فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم، وإما من التاء في ﴿خَلَقْتُ﴾ على معنى: خلقتُ وحدي لا معين لي، وإمّا من العائد إلى (مَنْ) المحذوف، أي: خلقته وحيدًا لا مال له ولا ولد (١). ورجل وحيدٌ ووَحَدٌ ووَحِدٌ بمعنًى، أي: منفردٌ (٢). وقوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا﴾ الجعل هنا بمعنى التصيير، ومفعولاه ﴿لَهُ مَالًا﴾. و ﴿بَنِينَ﴾: عطف على ﴿مَالًا﴾. و ﴿شُهُودًا﴾: صفة لهم، أي: حضورًا معه لا يفارقونه لأجل طلب المعاش لِغناهم. وواحد بنين: ابن، وحذفت ألف الوصل في الجمع لرد لام الكلمة، وإذا ردت اللام تحركت الفاء استغني عن ألف الوصل، وحذفت اللام لسكونها وسكون ياء الجمع بعدها، وكسر ما قبل الياء على أصل الباب، وكان حقها أن يبقى ما قبلها مفتوحًا ليدل على الألف الذاهبة كالمُصطفَينَ، ولكن ابن جَرَى على علته في الواحد على غير قياس، وكان حقه أن يكون بمنزلة عصًا ورحًا؟ . وألا يدخله ألف وصل ولا يسكن أوله، فلما خرج عن أصله في الواحد خرج في الجمع أيضًا عن أصول العلل، لأن الجمع فرع على الواحد، وقد قالوا في النسب إليه: بنوي، فردُّوه إلى أصله، وأصل هذه الواو ألف منقلبة عن ياء وهي لام الكلمة. وقد أجاز صاحب الكتاب ﵀ النسب إليه على لفظه، فأجاز: ابنيٌّ، ومنعه بعض الكوفيين (٣). وقوله: ﴿تَمْهِيدًا﴾ مصدر مؤكد لفعله.

стр. 3664

﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾: قوله : ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ (صعودًا) مفعول به ثان، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: سأرهقه ارتقاءَ صعودٍ، فحذف المضاف، والصعود: العقبة الشاقة. قيل: والإرهاق تكليف الشيء بمشقة (١). وقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ قيل: بدل من قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. و ﴿سَقَرَ﴾ مفعول به ثان، ولم تنصرف للتعريف والتأنيث، و ﴿سَقَرَ﴾ من سَقَرَتْهُ الشمسُ، إذا أذابته. وقيل: سقرته: آلمته. وسميت سقر لإيلامها. وقوله: ﴿لَوَّاحَةٌ﴾ الجمهور على رفعها، أي: هي لواحة، وقرئ: (لواحة) بالنصب (٢)، إما على الحال من المنوي في ﴿لَا تُبْقِي﴾، أو من المنوي في ﴿وَلَا تَذَرُ﴾، وإما على الاختصاص، وحذفت الواو من (تذر) لوقوعها بين ياء وكسرة، وأصله يفعِل، وإنما فتح حملًا على نظيره وهو يدع. وقوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ابتداء وخبر، وإنما لم يظهر الإعراب في المبتدأ الذي هو ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، لأن أصله: تسعةٌ وعشرةٌ، إلا أنهم حذفوا الواو، وجعلوا الاسمين اسمًا واحدًا، وبنوا الأول على الفتح لأن المُصَدَّرَ من كل اسمين جُعِلا اسمًا واحدًا مقصورٌ على الفتح، نحو: حضرَموت، من حيث إن الثاني زيادة ضمت إلى الأول، فهو كتاء التأنيث في قولك: ضارب وضاربة، فهو كما يفتح المُصَدَّرُ (٣) من الاسمين المجعول أحدهما مع صاحبه شيئًا واحدًا.

стр. 3665

وأما الاسم الثاني الذي هو عشرة، بني على الفتح لتضمنه معنى حرف العطف الذي هو الواو، وحركة الواو الفتح، وحذف التاء، ولم يقل: تسعة عشرة، إذ كان لا يُحتاج إليه من حيث إن التاء في تسعة تدل على التذكير، ولا يطلب من اسم واحد أكثر من علامة واحدة، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا. والجمهور على ما ذكرت من التركيب والفتح، وقرئ: (تسعةَ عْشَرَ) بإسكان العين (١)، لأجل كثرة الحركات، إذ هو في حكم اسم واحد، قال أبو الحسن: ولا يجوز ذلك مع (اثنا عشر) ولا (اثني عشر) لسكون الأول من الحرفين، فيلتقي ساكنان في الوصل ليس أولهما حرف لين والثاني مدغمًا، مع أن بعضهم روى عن ابن القعقاع (اثنا عْشر) بسكون العين (٢)، وهو عند النحاة رديء لما ذكر آنفًا (٣). وقرئ أيضًا: (تسعةُ وَعَشَرْ) برفع تاء التأنيث وبعدها واو مفتوحة مع إسكان الراء (٤)، جيء به على أصله قبل التركيب، وعطف (عشر) على (تسعة) وحذف التنوين لكثرة الاستعمال، كما حكى أبو الحسن عنهم: (سلامُ عليكم) بحذف التنوين من (سلام)، قال: وذلك لكثرة استعمالهم إياه (٥). وأسكن الراء على نية الوقف. وقرئ أيضًا: (تسعةُ وَعْشَرَ) برفع التاء وبعدها واو مفتوحة، وإسكان

стр. 3666

العين (١)، ووجهه عندي: أن يكون الواو معتدًا به من وجهٍ، لأنه إذا لم يكن مركبًا فإن العطف فيه واجب لتكميل العدة. وغير معتد به من وجهٍ لأجل سكون العين، لأن سكونه إنما يسوغ مع التركيب، فلما سمع فيه سكونه في قراءة من قرأ: (تِسْعَةَ عْشَرَ) (٢) لتوالي الحركات، لاحظ سكونه ثَمَّ، فأقره عليه، فكأنه من التداخل. وقرئ: أيضًا (تسعةُ أَعْشُرٍ) برفع التاء وبعدها همزة مفتوحة وإسكان العين وضم الشين، وجر الراء منونًا (٣)، على أنه جمع عشير، كأيمن في جمع يمين. وفيه قراءات أخر لا تخرج عما ذكرت، فلذلك أضربت عنها (٤). ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾: قوله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً﴾ في الكلام حذف مضاف تقديره: وما جعلنا خزنة أصحاب النار وما جعلنا ذكر عدتهم أو بيان عدتهم، فحذف المضاف، والعِدّة العدد. و ﴿مَلَائِكَةً﴾ مفعول ثان، وكذا ﴿فِتْنَةً﴾، و ﴿أَصْحَابَ﴾: جمع صحب، لأن أفعالًا ليس بجمع فاعل من غير حذف.

стр. 3667

وقوله: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من صلة ﴿فِتْنَةً﴾. وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ من صلة ﴿جَعَلْنَا﴾. وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ﴾ ﴿وَلَا يَرْتَابَ﴾ كلاهما عطف على قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ وكذا ﴿وَلِيَقُولَ﴾ عطف عليه. وقوله: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ (مثلًا) تمييز لـ (هذا) أي: مِن مَثَلٍ، أو حالٌ منه، أي: ممتثلًا به (١). وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إضلالًا مثل ذلك الإضلال. وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (جنودَ ربِّكَ) مفعول مقدم، وقُدِّم ولزم تقديمه هنا ليعود الضمير المرفوع بيعلم إلى مذكور، ولا يجوز نصبه على الاستثناء لبقاء الفعل بلا فاعل. وقوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى﴾ ابتداء وخبر، واختلف في ﴿هِيَ﴾، فقيل: تعود إلى ﴿سَقَرَ﴾. وقيل: إلى النار من قوله: ﴿أَصْحَابَ النَّارِ﴾ وقيل: إلى السورة، أي: وما هذه السورة إلا تذكير للناس. وقيل: إلى الجنود على معنى: ليس ما جعله الله من الجنود من الملائكة وغيرهم لحاجته إلى مُعين وناصر، فيكون كلما كثر كان هو أقوى لله، تعالى الله عن ذلك، بل إنما جعلها تذكيرًا للخلق، ووعظًا للعباد، وتنبيهًا لهم على لزوم طاعته، واجتناب معاصيه، لعلمهم بأن الله سبحانه قادر على ما يريد (٢). ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾:

стр. 3668

قوله : ﴿وَالْقَمَرِ﴾ جَرٌّ بواو القسم، وجوابه: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾، أي: إن سقر أو النار - وقد جرى ذكرهما - لَإحدى العظائم التي خلقها الله جل ذكره للتعذيب. و﴿الْكُبَرِ﴾ جمع الكبرى. قيل: جعلت ألف التأنيث كتائها، فكما جمعت فُعْلة على فُعَل، جمعت فُعْلى عليها، ونظير ذلك: القواصع في جمع القاصعاء، كأنها جمع فاعلة (١). وقرئ: (دَبَرَ وأَدْبَرَ) (٢)، لغتان بمعنى، أي: ولَّى وذهب. و (إذ) و (إذا) (٣) والعامل فيهما معنى القسم، أعني في إذ وإذا على القراءتين. وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ الجمهور على نصبه وهو الوجه لأجل الرسم، وفيه أربعة أوجه: أحدها: حال، وفي ذي الحال أوجه، أحدها: المنوي في ﴿قُمْ﴾، والثاني: المستكن في ﴿فَأَنْذِرْ﴾، وكلاهما فيه بعد للبعد. والثالث: هو في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، وفيه ما فيه عند من تأمل. والرابع: اسم (إن) في قوله: ﴿إِنَّهَا﴾، وليس بشيء لعدم العامل. والخامس: المستتر في (إحدى). والسادس: الذكر في ﴿الْكُبَرِ﴾. والسابع: محذوف يدل عليه معنى قوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾، أي: عظمت منذرًا، هذا على قول من

стр. 3669

قال: إنَّ النار هي المنذرة، وحذفت التاء منها على معنى النسب، وكذا التقدير على قول من جعل ذا الحال المنوي في ﴿لَإِحْدَى﴾ أو في ﴿الْكُبَرِ﴾. والثاني: مفعول به، على معنى: صيرها الله نذيرًا، أو أعني نذيرًا. والثالث: تمييز من (إحدى) على معنى: إنها لإحدى الدواهي إنذارًا، كما تقول: هي إحدى النساء عفافًا. والرابع: في موضع المصدر، كقوله: ﴿فكيف كان نكيري﴾ (١) أي: إنكاري، أي: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة إنذارًا. وقرئ: (نذيرٌ) بالرفع (٢)، على أنه خبر بعد خبر لإنَّ، أو خبر مبتدأ محذوف. وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بدل من قوله: ﴿لِلْبَشَرِ﴾ بإعادة الجار، على أنها منذرة للمكلفين الممكنين الذين إن شاؤوا تقدموا إلى الجنة بالطاعة ففازوا، وإن شاؤوا تأخروا عنها بالمعصية فهلكوا، أو بالعكس بأن يتقدموا إلى النار بالمعصية أو يتأخروا عنها بالطاعة. و ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ مفعول ﴿شَاءَ﴾، ﴿أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ عطف عليه. والثاني: أن قوله: ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿لِمَنْ شَاءَ﴾، أي: التقدم أو التأخر لمن شاء، والمراد بهما السبق إلى الخير أو التخلف عنه، كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٣).

стр. 3670

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾: قوله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ابتداء وخبر، قيل: وقوله: ﴿رَهِينَةٌ﴾ ليست بتأنيث رهين في قوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (١) لتأنيث النفس، لأنه لو قُصدت الصفة لقيل: رهينٌ، لأن فعيلًا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم الرهن، كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رَهْنٌ (٢). وقوله: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ نصب على الاستثناء. ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾: يجوز أن يكون في موضع رفع على: هم في جنات، وأن يكون في موضع نصب على الحال، إما من أصحاب اليمين، أي: مستقرين في جنات، وإما من الضمير في قوله: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾، و ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ في موضع الحال من الذكر ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾. وقوله: ﴿لَمْ نَكُ﴾ ﴿وَلَمْ نَكُ﴾ حذفت النون فيهما تخفيفًا مع كثرة الاستعمال. ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾:

стр. 3671

قوله : ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ انتصاب ﴿مُعْرِضِينَ﴾ على الحال من الضمير المجرور في ﴿لَهُمْ﴾، كما تقول: مالك واقفًا؟ ﴿عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾: من صلة ﴿مُعْرِضِينَ﴾، والعامل فيهما اللام لنيابته عن الفعل. وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ محل الكاف النصب على الحال، إما من المنوي في ﴿مُعْرِضِينَ﴾ على قول من جوز حالين من ذي حال واحدة، أي: مشبهين حمرًا. و﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ بكسر الفاء بمعنى نافرة، فهي فاعلة، ونَفَرَ واستنفر بمعنى، كعجب واستعجب. وقرئ أيضًا: (مُسْتَنْفَرَةٌ) بفتحها (١)، على أنها مفعولة، أي مذعورة، يقال: استنفرتُ الوحشَ، أي ذَعَرْتَهُ، كأنك طلبت منه النفار. وقوله: ﴿صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ الجمهور على ضم الحاء وفتح النون وتشديد الشين، وقرئ: (صُحْفًا) بإسكان الحاء تخفيفًا، (مُنْشَرَةً) بإسكان النون وتخفيف الشين (٢)، على أنَّ أَنْشَرَ الصحفَ ونَشَّرَهَا بمعنًى، كما أنَّ أنزله ونَزَّله كذلك، وإن كان المشهور في الاستعمال عند القوم نَشَرْتُ الثوبَ ونحوه، وأَنْشَرَ الله جل ذكره الموتى فنشروا، ويمكن أن يقال: إنه شبه الصحيفة بالميت، كأنها بطيّها ميتة، فإذا أنشرت حييت، فهي مُنْشَرة، كما شبه إحياء الميت بنَشْرِ الثوبِ وشبهه، فقيل فيه: نَشَرَ اللهُ الميتَ، وهي لغة مشهورة ذكرها أهل اللغة، وبها قرأ بعض القراء: (كيف نَنشُرها) بفتح النون الأولى وضم الشين (٣).

стр. 3672

وقوله: ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ﴾ الجمهور على الياء النقط من تحته، وهو الوجه لتقدم ذكر الغيبة في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ﴾، وقرئ: (بل لا تخافون) بالتاء (١) على الانصراف مِنَ الغيبة إلى الخطاب، وكذلك القول في الياء والتاء في قوله: (وما يذكرون وما تذكرون) وقد قرئ بهما (٢)، والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ و ﴿ذَكَرَهُ﴾ للقرآن، أو للتذكرة في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾، وإنما ذكّر لأن التذكرة والذكر بمعنى، كما أن الموعظة والوعظ، والصيحة والصوت كذلك. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: إلا وقت مشيئة الله، وحذف مفعول ﴿يَذْكُرُونَ﴾، و ﴿أَنْ يَشَاءَ﴾ للعلم به، أي: وما يذكرون شيئًا إلا أن يشاءه الله، والله أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة المدثر والحمد لله وحده

стр. 3673

إعراب سُورَة القِيَامَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾: قوله : ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ قرئ: بإثبات ألف بعد اللام (١)، وفيها أوجه: أحدها: صلة كالتي في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (٢)، وجاز وقوعها في أول السورة، وهي لا تزاد في أول الكلام لأن القرآن متصل بعضه ببعض، فهو في حكم كلام واحد. والثاني: نفي لكلامٍ ورد له قبل القسم، وهو إنكارهم البعث، والمعنى: لا كما يزعمون أنه لا بعث، ثم قال جل ذكره: أقسم بيوم القيامة. والدليل عليه قوله: ﴿بَلَى قَادِرِينَ﴾. والثالث: نفي للقسم بها كما نُفِيَ القسمُ بالنفس، وهذا ليس بشيء، بشهادة قراءة من قرأ: (لأقسم) بلا ألف (٣)، على أن اللام لام القسم،

стр. 3674

والأصل أن يكون بالنون، وإنما لم تصحبه النون لوجهين، أحدهما: أن الفعل فعل الحال، وإذا كان حالًا لم تتبعه النون، لأن هذه النون التي تلحق الفعل في الأمر العام، إنما هي للفصل بين فعل الحال وفعل الآتي. والثاني: أن الفعل مستقبل، وإنما لم تتبعه النون اعتمادًا على المعنى، مع أن صاحب الكتاب ﵀ أجاز حذف النون التي تصحب اللام في القسم (١)، وقد أجاز النحاة حذف النون وإبقاء اللام، وحذف اللام وإبقاء النون، أو على أن اللام لام الابتداء، و (أقسم) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: لأنا أقسم، وهو ابن كثير (٢). وقول من قال: أَقسم بالأولى ولم يقسم بالثانية، وهم: الحسن، وابن أبي إسحاق، وأبو عمرو، وعيسى بن عمر (٣). والرابع: نفي للقسم على سبيل التأكيد، فقد يؤكد الكلام بنفي القسم كما يؤكد بإثبات القسم. والخامس: الأصل (لأقسم) بلا ألف، فأشبعت الفتحة فحصل منها ألف، فاعرفه فإنه موضع (٤). وقوله: ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ﴾ (أن) مخففة من الثقيلة، ولذلك دخلت على (لن). وقوله: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ قيل: ﴿بَلَى﴾ أوجبت ما بعد النفي، وهو الجمع، أي: نجمعها. و ﴿قَادِرِينَ﴾: حال من المستكن في ﴿نَجْمَعَ﴾، و ﴿عَلَى﴾ من صلة ﴿قَادِرِينَ﴾، أي: نجمع العظام قادرين على تأليف جمعها وإعادتها إلى التركيب، هذا مذهب صاحب الكتاب ﵀

стр. 3675

ومعنى قوله، أعني تقديره: نجمعها قادرين (١). وعن الفراء: تقديره: فليحسبنا قادرين (٢). وأُنكر عليه وخُطِّئ، وقيل: لأنه لا يؤمر بالحسبان في قدرة الله جلت قدرته، وإنما المأمور به في هذا الباب اليقين والعلم على الثبات في قدرة الله تعالى، والتقدير والصحيح ما ذكره صاحب الكتاب لدلالة ما تقدم عليه، كقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣) أي: فصلوا رجالًا أو ركبانًا. وقيل التقدير: بلى نَقْدِرُ، فلما حول نقدر إلى قادرين نصب (٤)، كقول الفرزدق: ٦١٢ - عَلَى حَلْفَةٍ لا أَشْتُمُ الدهْرَ مُسْلِمًا ... ولا خارِجًا مِنْ فيّ زورُ كَلامِ (٥) بمعنى: ولا يخرج، فلما حَوَّلَ يخرج إلى خارجٍ نصبه، وأُنكر هذا، وقيل: لو جاز هذا لجاز نصب (قائم) في قولك: مررت برجل قائم، لأنه في موضع يقوم، وأما قوله: (ولا خارجًا) فلا دليل فيه، لأنه عطف على محل (لا أشتم)، والوجه هو الأول وعليه الجمهور. و ﴿بَنَانَهُ﴾ جمع بنانة، وهي أطراف أصابع اليد. ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾: قوله : ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ (أمامه) ظرف ﴿لِيَفْجُرَ﴾، والفجور:

стр. 3676

التكذيب، والمعنى: ليكذب بما أمامه وهو القيامة، و ﴿يَسْأَلُ﴾ مُوَضِّحٌ لـ (يفجر) وتفسير له. ﴿يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾: مبتدأ، وخبره ﴿أَيَّانَ﴾ أي: يسأل متى يوم القيامة استهزاءً واستبعادًا له. وقوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ (إذا) ظرف لقوله: ﴿يَقُولُ﴾ ومعمول له، وقرئ: (برِق) بكسر الراء، ومعناه: فزع وتحير، و (بَرَقَ) بفتحها (١) من البريق، أي: لمع وشخص من شدة خروجه عند الموت، أو عند البعث على ما فسر (٢)، وهما لغتان عند قوم، إذا حار وشخص (٣). وقوله: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ الجمهور على البناء للفاعل، ومعناه: ذهب ضوؤه كما يذهب في الدنيا إذا كسف، وخسوف القمر: كسوفه (٤)، وقرئ: (وَخُسِفَ القمر) على البناء للمفعول (٥)، أي خُسِفَ بِه، فحذف الجار وأوصل الفعل. وقوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ قيل: وإنما حذف عَلَمُ التأنيث حملًا على المعنى، لأن المعنى جُمع النوران، أو الضياءان، أو لتغليب المذكر على المؤنث، أو على إرادة البين، تعضده قراءة من قرأ: (وجمع بين الشمس والقمر)، وهو ابن مسعود ﵁ (٦)، ولأن التأنيث غير حقيقي (٧).

стр. 3677

وقوله: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ الجمهور على فتح الميم والفاء، وهو مصدر قولك: فَرَّ يَفِرُّ فِرَارًا ومَفَرًّا، وقرئ: بفتح الميم وكسر الفاء (١)، وذلك يحتمل أن يكون مكانًا وهو الموضع الذي يُفَرُّ إليه، وأن يكون مصدرًا كالمَرْجِع. وقرئ أيضًا: بكسر الميم وفتح الفاء (٢)، وهو الشخص الجيد الفرار، يقال: رجل مِطعن ومِضْرَب، إذا كان كثير الطعن والضرب، وكفاك دليلًا قول امرئ القيس: ٦١٣ - مِكَرٍّ مِفَرٍّ. . . . . ... . . . . . . . . . . (٣) ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥) لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾: قوله : ﴿لَا وَزَرَ﴾ خبر ﴿لَا﴾ محذوف، أي: لا ملجأ ثَمَّ، أو في الوجود. وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (المستقر) مرفوع إما بالابتداء وخبره الظرف وهو ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾، أو بالظرف على رأي أبي الحسن. و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾:

стр. 3678

معمول الظرف على المذهبين، ولا يجوز أن يكون معمول ﴿الْمُسْتَقَرُّ﴾ لأنه مصدر بمعنى الاستقرار، ومعمول المصدر لا يتقدم عليه، وكذلك القول في قوله جل ذكره: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ (١). وقوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ إن قَدَّرْتَ أَنَّ الإنسان هو البصيرة، كان ارتفاع ﴿بَصِيرَةٌ﴾ بأنه خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، و ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ من صلة ﴿بَصِيرَةٌ﴾. ودخول التاء على ﴿بَصِيرَةٌ﴾ على هذا يحتمل أوجهًا: أن يكون للمبالغة كالتي في عَلَّامَةٍ وراوِيَةٍ، أي: الإنسان بصير على نفسه، أي: شاهد عليها. وأن يكون للحمل على المعنى، لأن معنى ﴿بَصِيرَةٌ﴾: حجة، أي: الإنسان حجة على نفسه. أو لحمل الإنسان على النفس، كما حملت النفس على الشخص، فقيل: ثلاثة أنفس، والشخص على النفس في قوله: ٦١٤ - . . . . . . ثَلَاثُ شُخُوصٍ ... كاعِبان ومُعْصِرُ (٢) وأن يكون على حذف الموصوف، أي: عين بصيرة. وأن تكون البصيرة العِلْم فتكون مصدرًا، والتقدير: ذو بصيرة، أي: ذو علم، فحذف المضاف، وهذا يمنع أن يكون ﴿عَلَى﴾ من صلة ﴿بَصِيرَةٌ﴾. وإن قدرت أن البصيرة هي جوارحه، سمعه وبصره ويداه ورجلاه كما قال جل ذكره: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) كان ارتفاعها بالابتداء والظرف خبره، أو بالظرف على رأي أبي الحسن،

стр. 3679

والجملة خبر المبتدأ الأول الذي هو ﴿الْإِنْسَانُ﴾، كما تقول: زيد على رأسه عمامة، والعائد إلى المبتدأ الأول الهاء في ﴿نَفْسِهِ﴾، ودخول التاء على هذا لتأنيث الجوارح، فاعرفه فإنه موضع (١). وقوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي: لم تُقْبَلْ منه. والمعاذير جمع معذرة على غير قياس (٢)، وكان القياس معاذر. وقيل: المعاذير ليس بجمع معذرة، وإنما هو اسم جمع لها، ونحوه: المناكير في المنكر (٣)، يقال: ألقى عُذْرَهُ، إذا اعْتذَرَ. وقيل: المعاذير: السُّتُور، واحدها معذار، والمعنى على هذا: أن الكاتبين يكتبان عليه عمله ولو أرخى ستوره في الدنيا في حال معصيته (٤). وقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: جمع القرآن في قلبك لتحفظه وتحوزه. و ﴿قُرْآنَهُ﴾: مصدر بمعنى القراءة، أي: إن علينا جمعه وإثبات قراءته في لسانك، فحذف المضاف، أو جمعه وضم بعضه إلى بعض، ففي قرآنه من المعنى ما ليس في جمعه، لأن الجمع قد لا يلزم أن يكون بعضه مضمومًا إلى بعض. ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾: قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (وجوه) مبتدأ، وخبره إما ﴿نَاضِرَةٌ﴾، و ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ خبر بعد خبر، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف

стр. 3680

للخبر، وإما ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ هو الخبر، و ﴿نَاضِرَةٌ﴾: صفة للوجوه. والناضرة الأولى: مِن نَضْرَةِ النعيم، وهو الإشراق، يقال: نَضَرَ وَجْهُهُ يَنْضُرُ نَضْرَةً ونَضَارَةً، إذا أشرق وأضاء، فهو ناضِرٌ. وأما الثانية: فمِن نَظَرِ العين، و ﴿إِلَى﴾ من صلتها، أي: تنظر إلى ربها خاصة نظر رؤية وعيان لا تنظر إلى غيره. ولهذا المعنى وهو الاختصاص قدم معمولها وهو ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ كما قدم الخبر لذلك في نحو قوله جل ذكره: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾، و ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ (١). وليس قول من قال: إن ﴿نَاظِرَةٌ﴾: بمعنى منتظرة بمستقيم، لأن نَظَرْتُ إذا كان بمعنى الانتظار لا يدخل عليه حرف الغاية، يقال: نَظَرْتُ فلانًا، أي انتظرته، ولا يقال: نَظَرْتُ إليه (٢). وقول من قال - وهو بعض غلاة المعتزلة -: إنَّ ﴿إِلَى﴾ هنا اسم بمعنى النعمة، وهو واحد آلاءٍ، أي منتظرة نعمة ربها (٣)، ليس بمستقيم أيضًا، لأن الله تعالى أخبر عن الوجوه أنها ناعمة، قد حَلَّ النعيم بها وظهرت أماراته عليها، فكيف تنتظر ما أخبرنا الله جل ذكره أنه حَالٌّ فيها؟ إنما يُنتظَرُ الشيء الذي هو غير موجود. والوجه هو الأول وعليه الجمهور، وهو أن المراد رؤية الله جل ذكره، ومن اعتقد غير هذا فهو مبتدع زنديق (٤).
следующие страницы →