التكذيب، والمعنى: ليكذب بما أمامه وهو القيامة، و ﴿يَسْأَلُ﴾ مُوَضِّحٌ لـ (يفجر) وتفسير له. ﴿يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾: مبتدأ، وخبره ﴿أَيَّانَ﴾ أي: يسأل متى يوم القيامة استهزاءً واستبعادًا له.
وقوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ (إذا) ظرف لقوله: ﴿يَقُولُ﴾ ومعمول له، وقرئ: (برِق) بكسر الراء، ومعناه: فزع وتحير، و (بَرَقَ) بفتحها (١) من البريق، أي: لمع وشخص من شدة خروجه عند الموت، أو عند البعث على ما فسر (٢)، وهما لغتان عند قوم، إذا حار وشخص (٣).
وقوله: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ الجمهور على البناء للفاعل، ومعناه: ذهب ضوؤه كما يذهب في الدنيا إذا كسف، وخسوف القمر: كسوفه (٤)، وقرئ: (وَخُسِفَ القمر) على البناء للمفعول (٥)، أي خُسِفَ بِه، فحذف الجار وأوصل الفعل.
وقوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ قيل: وإنما حذف عَلَمُ التأنيث حملًا على المعنى، لأن المعنى جُمع النوران، أو الضياءان، أو لتغليب المذكر على المؤنث، أو على إرادة البين، تعضده قراءة من قرأ: (وجمع بين الشمس والقمر)، وهو ابن مسعود ﵁ (٦)، ولأن التأنيث غير حقيقي (٧).
стр. 3677
وقوله: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ الجمهور على فتح الميم والفاء، وهو مصدر قولك: فَرَّ يَفِرُّ فِرَارًا ومَفَرًّا، وقرئ: بفتح الميم وكسر الفاء (١)، وذلك يحتمل أن يكون مكانًا وهو الموضع الذي يُفَرُّ إليه، وأن يكون مصدرًا كالمَرْجِع. وقرئ أيضًا: بكسر الميم وفتح الفاء (٢)، وهو الشخص الجيد الفرار، يقال: رجل مِطعن ومِضْرَب، إذا كان كثير الطعن والضرب، وكفاك دليلًا قول امرئ القيس:
٦١٣ - مِكَرٍّ مِفَرٍّ. . . . . ... . . . . . . . . . . (٣)
﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥) لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾:
قوله : ﴿لَا وَزَرَ﴾ خبر ﴿لَا﴾ محذوف، أي: لا ملجأ ثَمَّ، أو في الوجود.
وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (المستقر) مرفوع إما بالابتداء وخبره الظرف وهو ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾، أو بالظرف على رأي أبي الحسن. و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾:
стр. 3678
معمول الظرف على المذهبين، ولا يجوز أن يكون معمول ﴿الْمُسْتَقَرُّ﴾ لأنه مصدر بمعنى الاستقرار، ومعمول المصدر لا يتقدم عليه، وكذلك القول في قوله جل ذكره: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ (١).
وقوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ إن قَدَّرْتَ أَنَّ الإنسان هو البصيرة، كان ارتفاع ﴿بَصِيرَةٌ﴾ بأنه خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، و ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ من صلة ﴿بَصِيرَةٌ﴾. ودخول التاء على ﴿بَصِيرَةٌ﴾ على هذا يحتمل أوجهًا:
أن يكون للمبالغة كالتي في عَلَّامَةٍ وراوِيَةٍ، أي: الإنسان بصير على نفسه، أي: شاهد عليها.
وأن يكون للحمل على المعنى، لأن معنى ﴿بَصِيرَةٌ﴾: حجة، أي: الإنسان حجة على نفسه.
أو لحمل الإنسان على النفس، كما حملت النفس على الشخص، فقيل: ثلاثة أنفس، والشخص على النفس في قوله:
٦١٤ - . . . . . . ثَلَاثُ شُخُوصٍ ... كاعِبان ومُعْصِرُ (٢)
وأن يكون على حذف الموصوف، أي: عين بصيرة.
وأن تكون البصيرة العِلْم فتكون مصدرًا، والتقدير: ذو بصيرة، أي: ذو علم، فحذف المضاف، وهذا يمنع أن يكون ﴿عَلَى﴾ من صلة ﴿بَصِيرَةٌ﴾.
وإن قدرت أن البصيرة هي جوارحه، سمعه وبصره ويداه ورجلاه كما قال جل ذكره: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) كان ارتفاعها بالابتداء والظرف خبره، أو بالظرف على رأي أبي الحسن،
стр. 3679
والجملة خبر المبتدأ الأول الذي هو ﴿الْإِنْسَانُ﴾، كما تقول: زيد على رأسه عمامة، والعائد إلى المبتدأ الأول الهاء في ﴿نَفْسِهِ﴾، ودخول التاء على هذا لتأنيث الجوارح، فاعرفه فإنه موضع (١).
وقوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي: لم تُقْبَلْ منه. والمعاذير جمع معذرة على غير قياس (٢)، وكان القياس معاذر. وقيل: المعاذير ليس بجمع معذرة، وإنما هو اسم جمع لها، ونحوه: المناكير في المنكر (٣)، يقال: ألقى عُذْرَهُ، إذا اعْتذَرَ. وقيل: المعاذير: السُّتُور، واحدها معذار، والمعنى على هذا: أن الكاتبين يكتبان عليه عمله ولو أرخى ستوره في الدنيا في حال معصيته (٤).
وقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: جمع القرآن في قلبك لتحفظه وتحوزه. و ﴿قُرْآنَهُ﴾: مصدر بمعنى القراءة، أي: إن علينا جمعه وإثبات قراءته في لسانك، فحذف المضاف، أو جمعه وضم بعضه إلى بعض، ففي قرآنه من المعنى ما ليس في جمعه، لأن الجمع قد لا يلزم أن يكون بعضه مضمومًا إلى بعض.
﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾:
قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (وجوه) مبتدأ، وخبره إما ﴿نَاضِرَةٌ﴾، و ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ خبر بعد خبر، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف
стр. 3680
للخبر، وإما ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ هو الخبر، و ﴿نَاضِرَةٌ﴾: صفة للوجوه. والناضرة الأولى: مِن نَضْرَةِ النعيم، وهو الإشراق، يقال: نَضَرَ وَجْهُهُ يَنْضُرُ نَضْرَةً ونَضَارَةً، إذا أشرق وأضاء، فهو ناضِرٌ. وأما الثانية: فمِن نَظَرِ العين، و ﴿إِلَى﴾ من صلتها، أي: تنظر إلى ربها خاصة نظر رؤية وعيان لا تنظر إلى غيره. ولهذا المعنى وهو الاختصاص قدم معمولها وهو ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ كما قدم الخبر لذلك في نحو قوله جل ذكره: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾، و ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ (١).
وليس قول من قال: إن ﴿نَاظِرَةٌ﴾: بمعنى منتظرة بمستقيم، لأن نَظَرْتُ إذا كان بمعنى الانتظار لا يدخل عليه حرف الغاية، يقال: نَظَرْتُ فلانًا، أي انتظرته، ولا يقال: نَظَرْتُ إليه (٢). وقول من قال - وهو بعض غلاة المعتزلة -: إنَّ ﴿إِلَى﴾ هنا اسم بمعنى النعمة، وهو واحد آلاءٍ، أي منتظرة نعمة ربها (٣)، ليس بمستقيم أيضًا، لأن الله تعالى أخبر عن الوجوه أنها ناعمة، قد حَلَّ النعيم بها وظهرت أماراته عليها، فكيف تنتظر ما أخبرنا الله جل ذكره أنه حَالٌّ فيها؟ إنما يُنتظَرُ الشيء الذي هو غير موجود. والوجه هو الأول وعليه الجمهور، وهو أن المراد رؤية الله جل ذكره، ومن اعتقد غير هذا فهو مبتدع زنديق (٤).
стр. 3681
وقوله: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ (تظن) في محل الرفع على أنه خبر ﴿وُجُوهٌ﴾، أو خبر بعد خبر، أي باسرةٌ (١) ظانةٌ، والظن هنا على بابه، أي: تخال وتتوقع أن يفعل بها فِعْلٌ في شدته وفظاعته داهية، والفاقرة: اسم للداهية، سميت بذلك لأنها تقصم فقار الظهر، أي تكسره، لا بمعنى العلم واليقين كما زعم الجمهور، لوقوع (أنْ) الناصبة بعده، وأنْ الناصبة لا تقع بعد العلم وإنما تقع بعده أنَّ المشددة، وذلك أنَّ العلم من مواضع التقرير والتحقيق، والظن ونحوه من الرجاء والطمع من مواضع الشك وغير الثبات، وأنَّ المشددة تفيد التوكيد، والمخففة الناصبة لا تفيده، وإذا كان كذلك وجب أن تقرن المشددة بما كان تقريرًا، والمخففة الناصبة بما كان شكًّا، فيقال: علمت أَنَّكَ تقوم، وأظن أَنْ يخرج زيد، وأطمع أنْ تعطيني، ولو قلت: علمت أن يخرج زيد، وأظن أنّ زيدًا يخرج، كان قلبًا للعادة من حيث يُقْرَنُ ما هو عَلَمُ التوكيد بما لا تقرير فيه، وما هو عارٍ من التوكيد بما هو تقرير. فإن قيل: أرجو أنك تعطيني، فلأجل الدلالة على قوة الرجاء، وعلى هذا يقال: أخشى أنه يفعل، إذا حققت الخشية، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا، وكفاك دليلًا: قوله جل ذكره: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (٢) و ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (٣) ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٤). فاعرفه فإنه موضع، وما علمت أن أحدًا ذكره وأوضحه فيما اطلعت عليه.
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ
стр. 3682
كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾:
قوله : ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ قيل: ﴿كَلَّا﴾ ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة، كأنه قيل: ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا على ما بين أيديكم (١). ويجوز أن يكون معناه: (حقًّا) (٢).
والعامل في ﴿إِذَا﴾ محذوف يدل عليه قوله جل ذكره: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ أي: رُفعَتْ إلى الله، والمنوي في ﴿بَلَغَتِ﴾ للنفس وإن لم يجر لها ذكر، لأن وصف الحال يدل عليها.
و﴿التَّرَاقِيَ﴾: جمع تَرْقُوَة، وهي العظم المشرف على الصدر، ووزنها فَعْلُوَةٌ، والواو مزيدة، ولا يجوز أن يكون وزنها تَفْعُلة، لعدم مثال تَرْقٍ في الكلام. وحَكَى بعضُ أهل اللغة: تَرْقَيْتُ الرجلَ تَرْقاةً، إذا أصبتَ تَرْقُوَتَهُ (٣).
وقوله: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ ابتداء وخبره، و ﴿رَاقٍ﴾ إما من الرقي، أي: مَنْ يرقَى بروحه إلى السماء؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وإما من الرُقْيَة، وفعله: رَقَاهُ يَرْقِيه، بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر، أي: أيُّكم يَرقِيه مما به من العلة فيشفيه؟
و﴿وَظَنَّ أَنَّهُ﴾ الظن هنا بمعنى اليقين، أي: وأيقن هذا المريض المشرف على الموت أنَّ هذا الذي نزل به هو فراق الدنيا المحبوبة.
وقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ أي لم يتصدق ولم يصل، و (لا) هنا بمعنى (لم)، والدليل على أن لا نافية بمعنى (لم) إتيان (لكن) بعدها، لأن
стр. 3683
الاستدراك لا يكون إلا بعد النفي، وإنما حسن دخولها على الماضي لأجل التكرار، كما تقول: لا قام ولا قعد، أي: لم يقم ولم يقعد (١).
وقوله: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ محل ﴿يَتَمَطَّى﴾ النصب على الحال من المنوي في ﴿ذَهَبَ﴾، أي: متمطيًا، وفي ألفه وجهان، أحدهما: مبدلة من ياء، وتلك الياء مبدلة من طاء، والأصل: يتمطّط، أي: يمتد في مشيه كثيرًا، لأن المتبختر يمد خطاه. وقيل: مأخوذ من المَطِيطَة، وهو الماء الخاثر في أسفل الحوض، وإنما أبدل من الطاء ياء كراهة التضعيف. والثاني: مبدلة من واو، وهو من المطا، والمطا: الظَّهر، والمعنى: يلوي ظهره متبخترًا (٢).
وقوله: ﴿أَوْلَى لَكَ﴾ اختلفت النحاة فيه على وجهين:
أحدهما: هو فِعْلٌ على أفعل، من قولهم: أولاه، إذا أعطاه، واللام صلة، والكاف مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: أولاك فعلك المكروهَ.
والثاني: هو اسم، وفي وزنه وجهان، أحدهما: أفعل، ولم ينصرف لأنه صار علمًا للوعيد، فصار بمنزلة رجل اسمه أحمد، والمعنى: الشر المكروه لك، فـ ﴿أَوْلَى﴾ مبتدأ، و ﴿لَكَ﴾ خبره. والثاني: هو فَعْلَى من آل يئول، ومعناه: المصير والمرجع، واللام صلة، والتقدير: أولاك، أي: مرجعُك الشرُّ أو المكروهُ.
وقيل: أولى بمعنى أحق وأحرى، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي:
стр. 3684
المكروه أولى لك من غيره، وهذا ليس بشيء، لأن أبا زيد (١) حكى عن القوم أنهم يقولون: أَوْلاةُ الآن، إذا أوعدوا، فدخول علامة التأنيث، يدل على أنه ليس بأفعل من كذا، وأَنَّ من قال: إن وزنه فعلى، فألفه للإلحاق لا للتأنيث.
وقيل: أولى أفعل من الويل بعد القلب، وأصله أويل، فقلب فقدم اللام على الياء، كشائك وشاكي، وهاير وهاري، والمعنى: ويل لك، وهو دعاء عليه بأن يليه ما يكره.
وأحسن ما قيل فيه: إنه اسم للفعل مبني، أي: وليك شَرٌّ فاحذره. وإنما كرر (أولى) للتأكيد. وحذف (لك) من الثاني لدلالة الأول عليه.
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾:
قوله : ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ الاستفهام بمعنى التوبيخ، و ﴿أَنْ﴾ سدت مسد مفعولي الحسبان، ومحل ﴿سُدًى﴾ النصب على الحال من المنوي في ﴿أَنْ يُتْرَكَ﴾، وألفه منقلبه عن ياء، ولذلك أماله أصحاب الإمالة في الوقف لا عن واو كما زعم بعضهم (٢)، وكفاك دليلًا، إمالة القراء لها في حال الوقف (٣)، والرسم لأن فيه بالياء. ومعناه: مُهْمَلًا لا يُؤْمَر ولا يُنْهَى عن ابن عباس ﵄ وغيره (٤)، يقال: أسْدَيْتُ الشيء، إذا تركته سُدًى، أي: مهملًا.
стр. 3685
وقوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ قرئ: (تمنى) بالتاء النقط من فوقه (١)، على أن المنوي فيه للنطفة، ومحله النصب على أنه نعت للنطفة أي: نطفة ممناة. وقرئ: (يُمْنَى) بالياء النقط من تحته (٢)، على أن الذكر الذي فيه للمني وهو الظاهر، ومحله الجر، أي: من مني يمنَى، أو: للنطفة حملًا على المعنى، فحمل عليه فَذُكّرَ.
وقوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للمني، وقيل: للإنسان (٣). و (جعل) بمعنى خَلَقَ، فلذلك تعدى إلى مفعول واحد، أي: خلق منه أولادًا ذكورًا وإناثًا.
وقوله: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ بدل من ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾.
وقوله: ﴿أَنْ يُحْيِيَ﴾ الجمهور على فتح الياء الأخيرة، وهو الوجه لوجود فاتحها، وقرئ: بإسكانها (٤) استثقالًا للحركة عليها، وقد أجازت النحاة إسكان هذه الياء في موضع النصب في النظم والنثر. وإن كان بابه النظم نحو:
٦١٥ - يا دَارَ هِنْدٍ عَفَتْ إلَّا أَثَافِيها ... . . . . . . . . . . . (٥)
стр. 3686
فأسكن الياء في موضع النصب كما ترى.
وأجاز الفراء: (على أن يُحِيَّ الموتى)، نَقَلَ حركة الياء الأولى إلى الحاء، وأدغم الياء في الياء (١). وهو رديء عند أصحابنا، لأجل اجتماع الساكنين، إن لم يكن لفظًا فتقديرًا (٢)، والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة القيامة
والحمد لله وحده
стр. 3687
إعراب سُورَة الإنْسَانِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾:
قوله : ﴿هَلْ أَتَى﴾ في ﴿هَلْ﴾ هنا وجهان:
أحدهما: بمعنى (قد)، كما تقول لصاحبك: هل أعطيتك، تقرر معه بأنك قد أعطيته، وحكى صاحب الكتاب ﵀: ﴿هَلْ﴾ بمعنى (قد) (١).
والثاني: على بابها، جيء بها على جهة التقرير، قلت: التقرير إنما يكون بما قد كان، فيعود إلى معنى (قد) (٢).
وقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ يجوز أن تكون في موضع نصب على الحال من ﴿الْإِنْسَانِ﴾، أي: أتى عليه زمان من الأزمنة غير مذكور من البشر، إنما كان طينًا مصورًا، وأن تكون في موضع رفع على أنها صفة أخرى لـ ﴿حِينٌ﴾، أي: لم يكن شيئًا مذكورًا فيه، كقوله: ﴿يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (٣).
وقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ (أمشاج) صفة لـ ﴿نُطْفَةٍ﴾، وهو جَمْعٌ
стр. 3688
واحده مِشْج بكسر الميم، ومَشْج بفتحها، ومَشَج بفتح الميم والشين. ومشيج على فعيل، والأمشاج: الأخلاط، من مشجت الشيء، إذا خَلَطْتَه، والتقدير: من نطفة ذات أمشاج. وقيل: نطفةٌ أمشاجٌ، كقولهم: بُرْمَةٌ أعشارٌ، وثوبٌ أسمالٌ (١)، وهي ألفاظ مفردة غير جموع، ولذلك وقعت صفات للأفراد (٢)، والوجه هو الأول وعليه الجمهور.
وقوله: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ في موضع الحال، إما من الفاعل وهو الله جل ذكره، أي: خلقناه مبتلين له، بمعنى: مريدين ابتلاءه، وإما من المفعول وهو الإنسان، أي: مُبْتَلَيًا. وهي حال مقدرة في كلا الوجهين، كقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ (٣). وقوله: ﴿آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٤) وقد جوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: ونحن نبتليه، وأن يكون على تقدير اللام، أي: لنبتليه، فلما حذف اللام رفع بتسكين الياء.
وعن الفراء: هو على التقديم والتأخير، والتقدير عنده: فجعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه (٥)، وهو من التعسف لأجل الفاء، لأنها تدل على الترتيب.
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾:
قوله : ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ الجمهور على كسر الهمزة في ﴿إِمَّا﴾ في الحرفين وهو الوجه، و ﴿شَاكِرًا﴾ ﴿كَفُورًا﴾ حالان من الضمير المنصوب في ﴿هَدَيْنَاهُ﴾، أي: بَيَّنَّا له سبيل الهدى شاكرًا أو كفورًا، أي: في حاليه جميعًا، و ﴿إِمَّا﴾ يفيد معنى الجزاء وإن لم يكن
стр. 3689
موضوعًا له، والمعنى: إن شكر وإن كفر فقد هديناه السبيل.
قال قتادة: إما شاكرًا للنعمة، وإما كافرًا لها (١).
وقال غيره: إما موحدًا وإما مشركًا (٢).
الزمخشري: ويجوز أن يكونا حالين من ﴿السَّبِيلَ﴾، أي: عَرَّفْناه السبيل إمَّا سبيلًا شاكرًا وإما سبيلًا كفورًا، كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٣) ثم قال: وَوَصْفُ السبيلِ بالشكر والكفر مجازٌ، انتهى كلامه (٤). وهو من التعسف.
وقيل: حالان من الهاء في ﴿فَجَعَلْنَاهُ﴾، وجعلناه بمعنى خلقناه، والتقدير: إما نجعله شاكرًا وإما كفورًا (٥).
وقيل: من الإنسان، والتقدير: إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه، إما شاكرًا وإما كفورًا (٦).
وعن بعض أهل الكوفة: أنَّ (إنْ) في (إما) هنا للجزاء، و (ما) صلة، وأباه أصحابُنا، إذ لا تدخل (إنْ) التي للجزاء على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ (٧) ولو أضمر هنا للزم رفع شاكر وكفور بذلك الفعل، وأيضًا فإنه ليس في الكلام دليل على الفعل المضمر (٨).
стр. 3690
وعن بعض أهل العلم: وإنما جاز ﴿كَفُورًا﴾ بلفظ المبالغة دون ﴿شَاكِرًا﴾، لأن شُكْرَ اللهِ لا يُؤَدَّى، فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر (١).
وقرئ: (أَمّا) بفتح الهمزة (٢). وجواب ﴿إِمَّا﴾ محذوف، والتقدير: إما شاكرًا فبتوفيقنا، وإما كفورًا فبإضلالنا.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾:
قوله : ﴿سَلَاسِلَا﴾ قرئ: بترك الصرف، و (سلاسلًا): بالصرف (٣)، فمن ترك صرفه أتى به على الأصل المستعمل عند القوم في نحو هذا الجمع، لأنه نهاية الجمعِ المكسَّرِ لا نظير له في الآحاد، ومَن صرفه فلأن هذا الجمعَ أشبهَ الآحادَ، لأنهم قالوا: صواحبات يوسف، في جمع صواحب، فلما جمعوه جمع الآحاد المنصرفة جَعَلَهُ في حكمها وصرفه. وقيل: لما عطف عليه جمع مصروف صرف للمشاكلة، مع أن أبا الحسن حكى عن بعض القوم: صرف جميع ما لا ينصرف، لأن الأصل في الأسماء أن تكون منصرفة، ولهذا يصرفها الشعراء في الشعر في حال الضرورة (٤).
وقد مضى الكلام على هذا في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع من هذا، فأغناني عن الإعادة هنا.
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ
стр. 3691
بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ (الأبرار) يجوز أن يكون جمع بارٍّ، كأصحاب في جمع صاحب، وأن يكون جمع بَرٍّ، كأرباب في جمع رَبٍّ. وفي مفعول ﴿يَشْرَبُونَ﴾ وجهان:
أحدهما: محذوف وهو الوجه لأجل مذهب صاحب الكتاب ﵀، لأن (مِنْ) لا تزاد عنده في الواجب، و ﴿مِنْ كَأْسٍ﴾ في موضع نصب، إما على الحال إن قدرتَ يشربون الخمر، أو على الصفة إن قدرتَ يشربون خمرًا.
والثاني: هو (من كأس)، يعضده قول قتادة: الكأس ها هنا المراد بها الخمر (١)، وقول الضحاك: كل كأس في القرآن فإنما عُنِي بها الخمر (٢). و (مِنْ) على هذا الوجه صلة.
وقوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ (كانَ) وما اتصل بها في موضع الصفة لـ ﴿كَأْسٍ﴾.
وقوله: ﴿عَيْنًا﴾ نصبها يحتمل أوجهًا:
أن يكون بدلًا من ﴿كَأْسٍ﴾ على المحل، على قول من قال: الكافور هنا هو الذي من الطيب (٣)، وإنما مزج بها الكافور لطيب ريحه وبرده، وفي الكلام حذف مضاف والتقدير: يشربون خمرًا خمر عين.
وأن يكون بدلًا من ﴿كَافُورًا﴾ على قول من قال: الكافور عين في الجنة اسمها كافور (٤)، والمعنى: كان مزاج هذه الخمر من كافور، أي: من
стр. 3692
هذه العين، فحذف الجار ونصب الاسم.
وأن يكون حالًا من قوله: ﴿كَافُورًا﴾ على قول من جعله اسمًا علمًا لعين في الجنة، كأَنَّه قيل: كان مزاجها جارية أو نابعة.
وأن يكون تمييزًا على هذا القول، وهو الجيد لما فيه من إيضاح (كافور) وتفسيره له، لأن في (كافور) إبهامًا كما في عشرين ونحوه.
وأن يكون مفعولًا به بإضمار فعل يدل عليه ﴿يَشْرَبُونَ﴾، أو بإضمار أعني.
وأن يكون نصبًا على المدح، أي: أمدح أو أخص، فهذه ستة أوجه فيها فاعرفها.
وقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ في الباء أوجه، أحدها: صلة، وفي الكلام حذف مضاف، أي: يشربها، أي: ماءها، لأن العين لا تشرب، وإنما يشرب ماؤها. والثاني: بمعنى (مِن). والثالث: حال، أي: يشربون شرابهم ممزوجًا بها، كقولك: شربت الماء بالعسل، أي: ممزوجًا به. و ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ في موضع الصفة لقوله: ﴿عَيْنًا﴾ ويفجِّرون: صفة أيضًا لها بعد صفة، أو حال من ﴿عِبَادُ اللَّهِ﴾، أي: مفجرين، والمعنى: يسوقونها ويجرونها حين شاؤوا من منازلهم وأماكنهم، و ﴿تَفْجِيرًا﴾ مصدر مؤكد لفعله.
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾:
قوله : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ الضمير في قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ يجوز أن يكون للطعام، وأن يكون للإطعام، يدل عليه و ﴿يُطْعِمُونَ﴾. وأن يكون لله جل ذكره، فيكون المصدر مضافًا إلى المفعول به
стр. 3693
من غير أن يذكر معه الفاعل، والتقدير: على حبهم للطعام، على معنى: وهم محبون له، أو على حبهم لله. وأن يكون لله تعالى، أي: على حب الله الإطعام، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل من غير أن يذكر معه المفعول، فاعرفه فإنه موضع. و ﴿يَتِيمًا﴾ وما عطف عليه مفعول به ثان لقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ﴾.
وقوله: ﴿لَا نُرِيدُ﴾ في موضع الحال، أي: غيرَ مريدٍ منكم.
وقوله: ﴿شَرَّ ذَلِكَ﴾ مفعول به ثانٍ لأن وَقَى يتعدى إلى مفعولين، وكفاك دليلًا: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ (١). وكذا ﴿نَضْرَةً﴾ مفعول به ثانٍ.
﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾:
قوله : ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (جنة) مفعول به ثان وفي الكلام حذف مضاف، والتقدير: إسكان جنة، ولبس حرير، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير المنصُوب في (جزاهم)، والعامل فيها جزى لا صبر، لأن الصبر إنما يكون في الدنيا، والاتكاء والجزاء في الآخرة، ولا يجوز أن يكون صفة لـ ﴿جَنَّةً﴾ كما زعم الزمخشري وغيره (٢)، لأنه يلزم فيه إبراز الضمير في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وهو (هم) (٣).
وقوله: ﴿لَا يَرَوْنَ﴾ حال أيضًا إما من الضمير المنصُوب في (جزاهم)، وإما من المنوي في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، والتقدير: غير رائين. ويجوز أن تكون صفة
стр. 3694
لـ ﴿جَنَّةً﴾، لأجل عود الضمير وهو ﴿فِيهَا﴾. فإن قلت: فما الفرق بين هذا وبين ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حيث جوزت فيه أن يكون صفة لجنة ومنعت في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾؟ قلت: الفرق بينهما ظاهر، وذلك أن ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ اسم فاعل و ﴿لَا يَرَوْنَ﴾ فعل، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب أن اسم الفاعل إذا جرى صفة أو خبرًا أو حالًا أو صلة على غير من هو له لم يستتر فيه ضمير الفاعل، وذلك في الفعل جائز، وأوضحت ثَمَّ فأغناني عن الإعادة فاعرف الفُرْقَانَ بينهما (١).
واختلف في (الزمهرير) هنا، فقيل: هو القمر (٢)، فعلى هذا منصوب بقوله: ﴿لَا يَرَوْنَ﴾ معطوف على قوله: ﴿شَمْسًا﴾. وقيل: هو البرد الشديد (٣)، فعلى هذا منصُوب بإضمار فعل، أي: لا يرون فيها شمسًا ولا ينالون زمهريرًا، لأن البرد لا يرى، فيكون كقوله:
٦١٦ - عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا ... . . . . . . . . . . . . (٤)
أي: وسقيتها ماء باردًا، فاعرفه فإنه موضع.
وقوله: ﴿وَدَانِيَةً﴾ فيها أوجه: أن تكون مفعولة للجزاء معطوفة على قوله: ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ على تقدير حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، أي: وجزاهم جنة أخرى دانية عليهم ظلالها، على أن لهم جنتين، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (٥). وأن تكون معطوفة على الجملة التي قبلها، لأنها في موضع الحال، وهذه حال مثلها عنهم لرجوع الضمير منها إليهم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ إلا أنها اسم مفرد، وتلك جملة في حكم مفرد وهي ﴿لَا يَرَوْنَ﴾ أي: غير رائين فيها شمسًا ولا زمهريرًا ودانية عليهم ظلالها،
стр. 3695
ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين مجتمعان لهم، كأنه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحرّ والقرّ، وَدُنُوِّ الظلال عليهم، فاعرفه فإنه من كلام الزمخشري (١)، وأن تكون معطوفة على ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. وأن تكون منصوبة على المدح كقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ (٢)، وإن كان نكرة فهو يشبه المعرفة، لأن فيها تخصيصًا ما، وقد جاء نكرة في قول الهذلي:
٦١٧ - . . . . . . . . . . . ... وشُعْثًا مَرَاضِيعَ. . . . . . . . (٣)
والجمهور على نصبها، وقرئ: (ودانيةٌ) بالرفع (٤)، على أن ﴿ظِلَالُهَا﴾ مبتدأ، و (دانيةٌ) خبره، تعضده قراءة من قرأ (ودانٍ) وهو أبيّ بن كعب ﵁ (٥)، ودانٍ كقاضٍ، والجملة في موضع الحال. والظلال رفع بـ ﴿وَدَانِيَةً﴾ على قراءة الجمهور على الفاعلية، أي: وتدنو عليهم ظلالها.
وقرئ أيضًا: (ودانيًا عليهم) بالتذكير (٦)، إما للفصل، أو على إرادة الجمع.
وقوله: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ يجوز أن يكون عطفًا على قوله: (ودانيةٌ عليهم ظلالها) على قراءة من رفع، عطف جملة فعلية على جملة إسمية، وأن تكون في موضع الحال، و (قد) معها مرادة. أي: وتدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها لهم، وأن تكون في موضع الصفة لـ ﴿جَنَّةً﴾، أي: وجنة
стр. 3696
مذللة قطوفها. و ﴿تَذْلِيلًا﴾ مصدر مؤكد لفعله.
﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾:
قوله : ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾ قُرئا: بغير تنوين، وبتنوين الأول دون الثاني، وبتنوينهما (١)، والكلام في صرفهما وترك صرفهما كالكلام في ﴿سَلَاسِلَا﴾ (٢).
وكل القراء وَقَفَ على الأول بالألف: مَن نونه ومَن لم ينونه إلا حمزة (٣)، فإنه وقف فيه بغير ألف، إذ لا تنوين فيه في الوصل على مذهبه، وقد مضى الكلام عليهما في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع ما يكون.
فأما نصب الأول: فعلى خبر (كان) على قول من جعل (كان) ناقصة، أو على الحال على قول من جعلها تامة، أي: كونت فكانت، والجملة في موضع الصفة لأكواب، وأما نصب الثاني وعليه الجمهور: فعلى البدل من الأول على سبيل الإيضاح والتبيين، لأنه بَيَّن أنه من الفضة، أي: مخلوقة من فضة. وقرئ: (قواريرُ) بالرفع، على: هي قواريرُ، أعني الثاني (٤).
وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا﴾ في موضع الصفة لقوارير. والجمهور على فتح القاف
стр. 3697
والدال على البناء للفاعل، وفيه وجهان:
أحدهما: الطائفون بها، دل عليهم، ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: قدر الطائفون تلك الأكواب على قَدْرِ رِيِّهم وكفايتهم من غير زيادة ولا نقصان.
والثاني: أهل الجنة، أي: قدروها في أنفسهم فجاءت على ما قدروها.
وقرئ: (قُدِّروها) بضم القاف وكسر الدال على البناء للمفعول (١)، قيل: ووجهه أن يكون من قَدَّرَ منقولًا من قَدَرَ بالتخفيف، تقول: قَدَرْتُ الشيءَ وقَدَرَنِيهِ فلان، إذا جعلك قادِرًا له، أي: جُعلوا قادرين لها كما شاؤوا، وأطلق لهم أن يَقْدِروا على حسب ما اشتهوا.
وقوله: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ القول في نصْب عين كالقول في قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ﴾ (٢). و ﴿سَلْسَبِيلًا﴾: مفعُول ثان لقوله: ﴿تُسَمَّى﴾ أي: تسمّى تلك العين سلسبيلًا. والجمهور على صرفه وهو اسم واحد، ووزنه فَعْلَلِيل كدَرْدَبِيس (٣) من السلاسة، يقال: ماء سلسل، وسلسال، وسلسبيل إذا كان سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه.
قيل: وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية، ودلت على غاية السلاسة (٤).
стр. 3698
وعن ابن الأعرابي: لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن (١).
وقيل: سلسبيل اسم أعجمي، ومن حقه أن يكون غير منصرف لاجتماع العجمة والتعريف، إلا أنه صرف ههنا لكونه رأس آية (٢).
وقيل: هو اسم نكرة، وليس فيه إلا سبب واحد وهو العجمة، فلذلك انصرف (٣).
والوجه ما ذكرت، وهو أن كل من شرب منها سماها سلسبيلًا لسلاسته.
وقرئ: (سلسبيلَ) غير منصرف (٤)، والمانع له من الصرف العلمية والتأنيث.
وقيل: إنه صفة لقوله: ﴿عَيْنًا﴾، و ﴿تُسَمَّى﴾ على هذا بمعنى توصف وتذكر، فيتعدى إلى مفعول واحد، والتقدير: عينًا سلسبيلًا فيها تسمى، أي: توصف وتذكر، يعني أنها مشهورة متصفة بالحسن والطيب (٥).
وقيل: معنى قوله: ﴿سَلْسَبِيلًا﴾ أي: سل ربك سبيلًا إليها، والمعنى: عينًا تذكر وتوصف بالطيب والحسن، ثم ابتدأ فقال: سل ربك سبيلًا إليها يا محمد ﷺ ، وقد جوز أيضًا (٦) أن يكون اسمًا علمًا للعين أيضًا فسمى بالجملة، كتأبط شرًّا ونحوه، لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلًا بالعمل الصالح، والله تعالى أعلم بكتابه (٧).
стр. 3699
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾:
قوله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ (رأيت) هنا يتعدى إلى مفعول واحد، لأنه من رؤية العين، وفي مفعُوله وجهان:
أحدهما: ﴿ثَمَّ﴾ وهو اسم لا ظرف، والمعنى: وإذا رأيت ذلك الموضع.
والثاني: محذوف، و ﴿ثَمَّ﴾ ظرف مكان، والتقدير: وإذا رأيت الأشياء ثَمَّ، و ﴿ثَمَّ﴾ على هذا في موضع النصب على الظرف.
وعن الفراء: التقدير: وإذا رأيت ما ثَمَّ (١)، فما موصول في موضع نصب لكونه مفعول ﴿رَأَيْتَ﴾ و ﴿ثَمَّ﴾ صلته، ثُم حذفت (ما) وأقيم ﴿ثَمَّ﴾ مقامه، وهذا عند أصحابنا خطأ، لأنه لا يجوز عندهم حذف الموصول وإقامة الصلة مقامه (٢).
وقيل: لا مفعولَ له ظاهرًا ولا مقدرًا ليشيع ويعم، كما تقول: ظننت في الدار وحسبت (٣).
وقوله: ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ هذا هو جواب ﴿إِذَا﴾ وعامله، ولهذا لم يجز الوقوف على ﴿ثَمَّ﴾، وقد أجاز بعضهم: الوقف عليه على أن جواب ﴿إِذَا﴾ محذوف، والتقدير: وإذا رأيت الجنة، أو في الجنة - على ما ذكر وأوضح آنفًا - رأيت ما لا تدركه عيون بشر، ولا تبلغه علوم أحد. والوجه هو الأول، وعليه الجل.
стр. 3700
وقوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ قرئ: بفتح الياء (١)، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه حال إما من الضمير المنصُوب في ﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ (٢) أو في ﴿وَجَزَاهُمْ﴾ (٣)، وإما من المجرور في قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾، أي: يعلوهم في هذه الحالة ثياب سندس، فيرتفع ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ باسم الفاعل المنصوب على الحال. و ﴿عَالِيَهُمْ﴾ نكرة يراد به الانفصال لكونه في معنى الاستقبال، فلذلك جاز نصبه على الحال لكونه نكرة، أي: عاليًا إياهم ثياب سندس. وقد جوز الزمخشري أن يكون حالًا من الضمير المنصُوب في ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ (٤)، وليس بالمتين لاشتمال الحسبان على الحال كاشتماله على مفعوليه، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض، وأيضًا فإن وصف الولدان بالثياب الموصوفة دون الأبرار، فيه ما فيه.
والثاني: ظرف مكان بمعنى فوقهم، فهو منصوب بكونه ظرفًا، كأنه قيل: فوقهم ثياب سندس، فـ ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ على هذا مبتدأ، وخبره ﴿عَالِيَهُمْ﴾، ولك أن ترفع ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ بالظرف على قول من يرى ذلك، فلا ذكر على هذا في الظرف، وقد جوز أن يكون ﴿عَالِيَهُمْ﴾ وإن كان ظرفًا عاملًا الرفعَ في ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ إذا جعلته في موضع الحال، وإن كان في اللفظ ظرفًا.
وقرئ: (عالِيْهم) بإسكانها (٥)، وذلك يحتمل وجهين: أن يكون مبتدأ - وهو الجيد - وخبره ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ واسم الفاعل يراد به الجمع، كالذي في
стр. 3701
قوله : ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (١).
فإن قلت: ما حملك على أن تجعله في معنى الجمع؟ قلت: لأن خبره جمع، وإذا كان الخبر جمعًا، يجب أن يكون المخبر عنه أيضًا جمعًا أو في معنى الجمع.
فإن قلت: قد ذكرت قبيل أن الإضافة في ﴿عَالِيَهُمْ﴾ في تقدير الانفصال، لأنه لم يمض، فلذلك جاز نصبه على الحال لكونه نكرة، فكيف جاز الابتداء بالنكرة؟ قلت: لأن فيه تخصيصًا ما بالإضافة، إذ صار في ظاهر اللفظ، كلفظ المعرفة، فلذلك جاز الابتداء به. ويجوز على قياس قول الأخفش في قائم أخواك، وإعمال اسم الفاعل عمل الفعل وإن لم يعتمد على الشيء أن يكون أفرد، لأنه فعل متقدم، و ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ مرتفعة به على الفاعلية، أي: تعلوهم ثياب سندس، تعضده قراءة من قرأ: (عاليَتُهم) بفتح الياء وتاء بعدها مضمومة على تأنيث الجماعة كقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ (٢) وهم ابن مسعود ﵁، وابن وثاب، والأعمش (٣)، وأن يكون الياء أسكن تخفيفًا فيكون القول فيه كالقول فيمن فتحه، فاعرفه.
وقوله: ﴿خُضْرٌ﴾ قرئ: بالرفع، على أنه صفة ل ﴿ثِيَابُ﴾، كقوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ (٤)، وبالجر (٥)، على أنه صفة لـ ﴿سُنْدُسٍ﴾.
стр. 3702
﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ قرئ: بالرفع (١) عطفًا على ﴿ثِيَابُ﴾، أي: وثيابُ إستبرق، فحذف المضاف كما تقول: عليه خَزٌّ، أي: ثوب خَزّ. وبالجر (٢) عطفًا على ﴿سُنْدُسٍ﴾.
وقرئ أيضًا: (واسْتَبْرقَ) بوصل الألف وفتح القاف (٣)، بمنزلة: استخرج، على أنه مُسَمًّى بالفعل من البريق، وفيه ضمير الفاعل محكي جملة، ونحو هذا بابه الأعلام كتأبط شرًّا، وليس هذا بِعَلَمٍ، وأيضًا فإن هذا مُعَرَّب مشهور بتعريبه، وأصله: استبره (٤).
وقرئ: (وإستبرقَ) بقطع الألف وفتح القاف (٥)، على أنه في موضع الجر، غير أنه لا ينصرف للعجمة والعلمية، وليس بشيء لأنه نكرة يدخله حرف التعريف، يقال: الإستبرق، اللهم إلا أن يُجعل علمًا على هذا الضرب من الثياب، قاله الزمخشري (٦).
وقوله: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِر﴾ عطف على ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ عطف جملة على جملة. و ﴿أَسَاوِرَ﴾ مفعول به ثان.
﴿(٢٢) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾:
стр. 3703
قوله : ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (أو) هنا على بابها، وهي كما علمت للتخيير أو للإباحة، وتفيد في الأمر معنىً خلاف ما تفيد في النهي، فإذا قلت: أعط زيدًا أو عمرًا، فمعناه: أعط أحدهما. وإذا قلت: لا تعط زيدًا أو عمرًا فمعناه لا تعط أحدهما، فيحرم عليه إعطاؤهما، لأن أحدهما يتعمم في النهي، ألا ترى أنك إذا قلت: لا تضرب زيدًا أو عمرًا، فالتقدير: لا تضرب أحدهما: فأيهما ضربه كان أحدهما، فكذا هنا لو قيل: لا تطع أحدهما، فأيهما أطاعه كان أحدهما، لما ذكرت آنفًا من أن أحدهما يتعمم في النهي كما يتعمم في النفي، لا بمعنى الواو كما زعم بعضهم (١)، لأن الواو يفيد الجمع، ألا ترى أنك إذا قلت: لا تعط زيدًا وعمرًا، فأعطى أحدهما لم يكن عاصيًا، لأنك أمرته أن لا يجمع بينهما في الفعل بخلاف أو، لأنك لو قلت: لا تعط زيدًا أو عمرًا، ف (أو) قد دلت على أن كل واحد منهما أهل أن يُعطَى ولا يُعطَى، فكذا في الآية لو قيل: ولا تطعهما، لجاز أن يطيع أحدهما، وكان النهي واقعًا على أحدهما لا عليهما، وإذا قيل: ولا تطع أحدهما كان مشتملًا عليهما، فاعرف الفرقان بينهما.
وعن الفراء: (أو) هنا بمنزلة (لا)، أي: ولا تطع من أثِمَ ولا من كَفَرَ (٢).
وعن ابن كيسان: حَمْلُ النهي على الأمر، يعني إذا قال: لا تضرب أحدهما لم. يحرم عليه ضربهما، قال: وإنما حَرُمَ في الآية طاعتهما لأن أحدهما بمنزلة الآخر في امتناع الطاعة، ألا ترى أن الآثم مثل الكفور في هذا المعنى.
قال صاحب الكتاب ﵀: ولو قال: ولا تطع آثمًا ولا تطع كفورًا
стр. 3704
لا نقلب المعنى إذ ذاك، لأنه حينئذٍ لا تحرم طاعتهما كليهما (١).
وقوله: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ انتصابهما على الظرف، وكذا ﴿لَيْلًا طَوِيلًا﴾.
وقوله: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ في الكلام حذف مفعول، والتقدير: بدلناهم بأمثالهم، يعني غيرهم ممن يطيع، فحذف المفعول والجار، وأوصل الفعل إلى المفعول.
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١﴾
قوله : ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: إلى طاعة ربه، فحذف المضاف.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (أن) مع الفعل في تأويل المصدر في موضع نصب على الظرف، أي: إلا وقت مشيئته، وفي حرف ابن مسعود ﵁: (إلا ما يشاء الله) بـ (ما) مكان (أن) (٢)، والقول في تأويله ومحله كالقول في قراءة الجمهور. وقرئ: (وما يشاؤون) بالياء النقط من تحته لقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ﴾، (وبالتاء) (٣) على معنى: قل لهم.
وقوله: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾ الجمهور على نصب ﴿الظَّالِمِينَ﴾ وهو الوجه
стр. 3705
لوجهين، أحدهما: التشاكل بين المعطوف والمعطوف عليه. والثاني: الإمام مصحف عثمان ﵁. وانتصابه بمضمر، أي: ويعذب الظالمين، أو نحوه مما يدل عليه سياق الكلام، نحو: أوعد، وكافى.
فإن قلت: المفسِّر هنا ﴿أَعَدَّ لَهُمْ﴾، فَلِمَ عدلت عنه إلى نحو ما ذكرت؟ قلت: أجل، الأمر كما زعمت وذكرت، غير أني عدلت عنه لسبب وهو تعديته بنفسه، يعضدني حرف ابن مسعود ﵁: (وللظالمين) بزيادة اللام (١)، على: وأعد للظالمين.
وقرئ: (والظالمون) بالرفع (٢) على الابتداء، وخبره الجملة التي بعده، والجملة معطوفة على ما قبلها، والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة الإنسان
والحمد لله وحده
стр. 3706
إعراب سورة المرسلات
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾
قوله : ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ جَرّ بواو القسم، وما بعدها من الحروف للعطف، وكفاك دليلًا اختلافُ العاطف، حُذِفَ الموصوفُ وأقيمت الصفة مقامه.
واختلف في الموصوف، فقيل: الرياح، وقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء (١).
فإذا فهم هذا فقوله: ﴿عُرْفًا﴾ انتصابه على الحال من المرسلات، أي: أرسلت متتابعة، يقال: جاؤوا عُرْفًا واحدًا، إذا توجهوا إليه وأكثروا وتتابعوا، أي: يتلو بعضها بعضًا، ومنه عُرفُ الفرسِ. وإما على المفعول له، أي: أرسلن للعرف، أي: للإحسان والمعروف، والعرف ضد النُّكْر، يقال: أَولاه عُرْفًا، أي: معروفًا. وإما على إسقاط الجار، أي: بعرف، فحُذف الجار وأُوصل الفعل إلى المجرور، أي: أرسلوا بالمعروف، فاعرفه مرتبًا موفقًا.
والجمهور على إسكان الراء، وقرئ: (عُرُفًا) بضمها (٢)، وهو مثل
стр. 3707
عُسْرٍ وعُسُرٍ، وَنُكْرٍ وَنُكُرٍ.
وقوله: ﴿عَصْفًا﴾ مصدر مؤكد، ومثله ﴿نَشْرًا﴾، وكذا ﴿فَرْقًا﴾. و ﴿ذِكْرًا﴾: مفعول به.
وقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ قرئ: بضم الذال وإسكانها فيهما (١)، وفيهما وجهان:
أحدهما: مصدران لِعَذَرَهُ فيما صَنَعَ يَعْذِرُهُ عُذْرًا وعُذُرًا، وهو محو الإساءة. وأنذره، إذا خَوَّفَهُ، مخفَّفين كانا أو مثقَّلين، ويجوز أن يكونا جَمْعَين لعَذِير ونَذِير بمعنى الإعذار والإنذار، جُمعا لاختلاف أجناسهما، ولا خلاف في جمع المصدر إذا اختلف، وكفاك دليلًا: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (٢). وانتصابهما على هذا إما على المفعول له، أي: للإعذار والإنذار، وإما على البدل من ﴿ذِكْرًا﴾، أي: فالملقيات عذرًا أو نذرًا، وإما بنفس ﴿ذِكْرًا﴾، أي: فالملقيات أن ذَكَرَتْ عذرًا أو نذرًا، أو أن تذكر.
والثاني: كلاهما جَمْعٌ، إما جمع عاذر وناذر، كَبُزُلٍ في جمع بازلٍ بمعنى منذر، وإما جمع عَذُور ونَذُور، كصُبُر في جمع صبورٍ، بمعنى عاذر ومنذرٍ، وإما جمع عَذير ونَذير. وانتصابهما على هذا على الحال من المنوي في (الملقياتِ)، أي: عاذرين أو منذرين. والإسكان فيهما تخفيف إذا كانا جمعين.
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)﴾:
стр. 3708
قوله : ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ هذا جواب القسم، و (ما) موصولة وعائدها محذوف، أي: إنما توعدون به أو توعدونه لواقع، وفي خلت اللام على خبر إنَّ للتأكيد، لأن الموضع موضع تأكيد، لأن القسم يؤكَّد به الكلام.
وقوله: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ ارتفاع ﴿النُّجُومُ﴾ عند أهل البصرة على الفاعلية، ورافعها فعل مضمر يفسره ﴿طُمِسَتْ﴾. وعند أهل الكوفة: على الابتداء، والخبر ﴿طُمِسَتْ﴾ (١). والوجه هو الأول، لأن (إذا) فيها معنى الشرط، والشرط بالفعل أولى، ومحل الجملة على المذهبين الجر بإذا.
ومثله: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾، ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾، ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾، و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ (٢)، وهو كثير في الكتاب العزيز. وجواب (إذا) محذوف، أي: وقع ما توعدون، أو بُعثتم أو جوزيتم على ما صدر منكم. وقيل التقدير: فاذكر إذا النجوم طمست. وقيل: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، والوجه ما ذكرت بشهادة قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾، لأن ما توعدونه من البعث والجزاء إنما يكون إذا طمست النجوم. ومعنى طمست: مُحيت ومُحقت، والطمس محو الأثر الدال على الشيء.
و﴿فُرِجَتْ﴾: أي شُقَّت وفُتِحَتْ فكانت أبوابًا، وكفاك دليلًا: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] (٣). ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾ [النبأ: ١٩] (٤).
﴿نُسِفَتْ﴾ أي: قلعت من أصولها، وقيل: أُخذت بسرعة من أماكنها، من قولهم: انتسفتُ الشيءَ، إذا اختطفته (٥).
стр. 3709
و ﴿أُقِّتَتْ﴾ أي: جمعت لوقتها. قيل: ومعنى توقيت الرسل: تبيين وقتها الذي يَحضرون فيه للشهادة على أممهم (١). وقرئ: (وُقِّتَتْ) بالواو على الأصل لأنه من الوقت، وبالهمز (٢) على قلب الواو همزة لانضمامها.
والجمهور على تشديد القاف مع الواو والهمزة، وقرئ: (وُقِتَتتْ) بواو واحدة خفيفة القاف (٣) وهي فُعلت من الوقت. و (وُوْقتت) بواوين: الأولى مضمومة، والثانية ساكنة (٤)، وهو فوعلت من الوقت أيضًا، وقَلْبُ الواو همزة في هاتين القراءتين جائز أيضًا، والتخفيف أصل الفعل، ومنه قوله : ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٥)، وهذا من وُقِتَتْ مخففًا، والتشديد للمبالغة والتكثير. وقوله: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ استفهام معناه التفخيم والتعظيم لذلك اليوم، أي: يقال لأي يوم أُخِّرَت الرسل؟ والتأجيل: التأخير إلى أجل، وهو متعلق بقوله: ﴿أُجِّلَتْ﴾ وقيل تقديره: وإذا الرسل أُعملت وقتَ تأجيلِها، فيكون قوله: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ الجملة في موضع المفعول الثاني لـ (أقتت)، لأنه بمعنى أُعلمت.
وقوله: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ تبيين لذلك اليوم، أي: أجلت ليوم الفصل، وهو معنى قول بعض النحاة: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ بدل من (أي) بإعادة الجار.
стр. 3710
وقيل: اللام بمعنى إلى (١)، وهو من التعسف عند من تأمل.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)﴾:
قوله : ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (ويل) مبتدأ، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يجوز أن يكون من صلته على أنه ظرف له، وأن يكون من صلة محذوف على أنه نعت له. ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: الخبر. قيل: وإنما جاز أن يكون مبتدأ وهو نكرة، لأنه في أصله مصدر منصوب سادّ مَسَدَّ فعله، ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه، ومثله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٢).
ويجوز في الكلام نصبه فيقال: ويلًا له، وأما في القرآن فلا، لأن القراءة سنة متبعة يأخذها الخلف عن السلف من غير اعتراض. وحكم ما بعده إلى آخر القرآن حكمه في الإعراب، فاعرفه (٣).
وقوله: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ الجمهور على ضم النون من أهلكه، وهو الوجه بشهادة قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ (٤)، ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ (٥)، وقرئ: (ألم نَهلك) بفتح النون (٦)، من هَلَكَه بمعنى أَهْلَكَهُ، لغية لبعض العرب، يقال: هلكني زيد، من باب سكب الماء وسكبته، ورجع فلان ورجعته.
والمراد بالأولين: الأمم الماضون من الكفرة، كقوم نوح وعاد وثمود،
стр. 3711
وقوم لوط وشعيب ونحوهم ممن سبق قريشًا على ما فسر (١).
وقوله: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ الجمهور على رفع العين، على القطع مما قبله والاستئناف على وجه الإخبار عن المستقبل، على إضمار مبتدأ، أي: ثُم نحن نتبعهم الآخرين، تعضده قراءة من قرأ: (ثم سَنُتبعهم الآخرين) بزيادة التنفيس، وهو ابن مسعود ﵁ (٢). قيل: والمراد الذين قتلوا ببدر بعد نزول الآية (٣)، وبين الأولين والآخرين مسافة بعيدة، فلهذا أجمع الجمهور على الرفع ولم يعطفوا، لأن العطف يوجب أن يكون المعنى أهلكنا الأولين ثم أتبعناهم الآخرين في الهلاك، وليس المعنى على ذلك.
وقرئ: (ثم نتبعْهم) بإسكانها (٤)، وفيه وجهان، أحدهما: تخفيف لأجل توالي الحركات، فهو مستأنف كقراءة الجمهور. والثاني: جزم بالعطف على قوله: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾، كقولك: ألم تزرْني ثُمَّ أُكْرِمْك، كما تقول: فأُكْرِمْك، على معنى أنه أهلك قومًا بعد قومٍ على اختلاف أوقات المرسلين إليهم، فأهلك أولًا قَومَ نوح وعادًا، وثمودَ، ثم أتبعهم مَنْ بعدَهم كقوم شعيب ولوط ونحوهم، ثم وقع الاستئناف في قوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾، يعني مَن يهلك فيما بعد.
وقد جوز أن يُعنَى بالمجرمين مَن مضى منهم ومَن يأتي فيما بعد، فقوله: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ﴾ على قراءة الجمهور مستقبَل في اللفظ والمعنى، وعلى
стр. 3712
قراءة من أسكن وقلنا أنه معطوف على ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾ مستقبل في اللفظ ماضٍ في المعنى كالمعطوف عليه فاعرفه. و ﴿الْآخِرِينَ﴾: مفعول ثان.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فِعْلًا مثل ذلك الفعل الشنيع. و ﴿إِلَى قَدَرٍ﴾: في موضع الحال من الضمير المنصوب في ﴿فَجَعَلْنَاهُ﴾ الراجع إلى الماء، أي: مؤخرًا إلى مقدارٍ قد علمه لكونه فيه من غير زيادة ولا نقصان.
وقوله: ﴿فَقَدَرْنَا﴾ قرئ: بتخفيف الدال وتشديدها (١). مَن خفف جعله من القدرة، ومَن شدد: من التقدير. وقيل: هما لغتان بمعنى التقدير (٢).
وقوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ المخصوص بالمدح محذوف، أي: فنعم القادرون - عليه إن جعلته من القدرة، أَوْ له إن جعلته من التقدير - نحن.
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾:
قوله : ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ ﴿كِفَاتًا﴾ مفعول ثان، لأن الجعل هنا بمعنى التصيير. والاستفهام بمعنى التقرير، أي: جعلناها كافتة.
واختلف في الكِفات، فقيل: هو جمع كافت، كقيام في جمع قائم،
стр. 3713
وهو من كَفَتَ الشَّيءَ يَكْفِتُهُ كَفْتًا، إذا ضَمَّه وجمعه، وفي الحديث: "اكلفِتُوا صِبيانكم بالليل، فإنّ للشيطان خَطْفة" (١). وقيل: هو مصدر كالكتابة والكراب. وقيل: الكِفات الأوعية واحدها كِفْت (٢).
فإذا فهم هذا فقوله : ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ إنْ شئت نصبتهما بنفس كفات على أنهما مفعولان، على معنى: كافتة أحياءً وأمواتًا. وإن شئت أبدلتهما منها، كأنه قيل: ألم نجعل الأرض أحياء وأمواتًا؟ وإن شئت جعلتهما حالين إما من معمول الكفات كأنه قيل: كافتة الخلق أو الناس أحياء أو أمواتًا، أو تكفتكم أحياء وأمواتًا، وإما من الأرض، أي: منها كذا، ومنها كذا، والمراد: وما ينبت من الأرض وما لا ينبت، لأن حياة الأرض بالنبات، وموتها بالخراب والجفاف. وإن شئت نصبتهما بنفس الجعل على أنه مفعول ثانٍ له، على معنى: جعلنا بعض الأرض أحياء بالنبات، وبعضها أمواتًا بالخراب والجفاف، و ﴿كِفَاتًا﴾ على هذا حال من الأرض، أي: في حال كونها ضامّة جامعة للخلق، وتكون الحال مقدرة، فاعرفه فإنه موضع (٣).
وقوله: ﴿شَامِخَاتٍ﴾ صفة لـ ﴿رَوَاسِيَ﴾. والتاء في فرات أصلٌ والفرات في اللغة: أعذب العذوبة، يقال: ماء فرات، ومياه فرات.
وقوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ﴾ الجمهور على كسر اللام على الأمر كالأول، وقرئ: (انطلَقوا) بفتحها على لفظ الماضي (٤)، على وجه الإخبار
стр. 3714
عنهم أنهم حين قيل لهم: انطلِقوا، انطلَقوا، لأنهم مضطرون إلى ذلك، لا يقدرون على الامتناع منه.
وقوله: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ صفة لـ (ظل)، أي: غير ظليل، أي: هذا الظل لا يُظل من الحر، ولا يدفع من لهب النار شيئًا. وقيل: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ أي: ليس ببارد، يقال: ظِلٌّ ظَلِيلٌ، إذا كان باردًا (١). وكذا ﴿وَلَا يُغْنِي﴾ في موضع جر على أنه نعت لظل، أي: وغير مغنٍ عنهم من حر اللهب شيئًا.
وقوله: ﴿كَالْقَصْرِ﴾ في موضع الصفة لـ (شرر)، أي: مِثْلُهُ في عِظَمِه، والشرر ما تطاير من النار في الجهات متفرقًا، قيل: وأصله الظهور، من قولهم: شررت الثوب، إذا أظهرته للشمس.
والجمهور على فتح القاف، وعن الشيخ أبي علي النحوي ﵀: أن القَصر هنا بمعنى القُصُور، وهي بيوت مِنْ آدم كانوا يضربونها إذا نزلوا على الماء (٢).
وقرئ: (كالقَصَر) بفتح القاف والصاد، وهي أعناق النخل، واحدها قَصَرَةٌ بالتحريك، والقَصَرة بفتحتين في اللغة أصل العنق. وقيل: أصول النخل المقطوعة.
وقرئ أيضًا: (كالقِصَرِ) بكسر القاف وفتح الصاد، وهي جمع قَصَرَة، كحاجة وحِوَج، عن أبي حاتم. أبو الفتح: وقالوا أيضًا: في حلْقة الحديد حلَقة بفتح اللام، وقالوا: حِلَق بكسر الحاء.
وقرئ: (كالقُصُرِ) بضم القاف والصاد، وهي جمع قَصْرٍ، كرُهُن في
стр. 3715
جمع رَهْن، بمعنى القصور المبنية (١).
وقوله: ﴿كَأَنَّهُ﴾ أي: كأن هذا الشرر في عِظمه جمالات صفر، أي: إبل سود.
وقرئ: (جِمالاتٌ) بكسر الجيم وألف بعد اللام (٢). و (جِمالة) بكسرها من غير ألف (٣)، فجمالات: يجوز أن يكون جمع جِمالٍ جُمع جمع السلامة، كما جمع جمع التكسير حين قالوا: جمائل. وأن يكون جَمْعَ جمالة، وجِمالة جمع جَمَلٍ كحَجَر وحِجَارة، وذَكَر وذِكارة، ودخول التاء في الجمع لتأنيث الجمع. وقرئ: (جُمالات) بضم الجيم (٤)، وهي حبال السفينة، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٥)، واحدها جُمَالَة، وتُسمى تلك الحبال القُلُوس (٦)، الواحد قَلْس، كفُلُوس في جمع فَلْسٍ، شبه الشرر في امتداده بالحبال. وقيل: الجُمالات بضم الجيم: قطع النحاس، رواه ابن عباس عن علي ﵃، كذا ذكر بعض المفسرين (٧).