وقوم لوط وشعيب ونحوهم ممن سبق قريشًا على ما فسر (١).
وقوله: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ الجمهور على رفع العين، على القطع مما قبله والاستئناف على وجه الإخبار عن المستقبل، على إضمار مبتدأ، أي: ثُم نحن نتبعهم الآخرين، تعضده قراءة من قرأ: (ثم سَنُتبعهم الآخرين) بزيادة التنفيس، وهو ابن مسعود ﵁ (٢). قيل: والمراد الذين قتلوا ببدر بعد نزول الآية (٣)، وبين الأولين والآخرين مسافة بعيدة، فلهذا أجمع الجمهور على الرفع ولم يعطفوا، لأن العطف يوجب أن يكون المعنى أهلكنا الأولين ثم أتبعناهم الآخرين في الهلاك، وليس المعنى على ذلك.
وقرئ: (ثم نتبعْهم) بإسكانها (٤)، وفيه وجهان، أحدهما: تخفيف لأجل توالي الحركات، فهو مستأنف كقراءة الجمهور. والثاني: جزم بالعطف على قوله: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾، كقولك: ألم تزرْني ثُمَّ أُكْرِمْك، كما تقول: فأُكْرِمْك، على معنى أنه أهلك قومًا بعد قومٍ على اختلاف أوقات المرسلين إليهم، فأهلك أولًا قَومَ نوح وعادًا، وثمودَ، ثم أتبعهم مَنْ بعدَهم كقوم شعيب ولوط ونحوهم، ثم وقع الاستئناف في قوله: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾، يعني مَن يهلك فيما بعد.
وقد جوز أن يُعنَى بالمجرمين مَن مضى منهم ومَن يأتي فيما بعد، فقوله: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ﴾ على قراءة الجمهور مستقبَل في اللفظ والمعنى، وعلى
стр. 3712
قراءة من أسكن وقلنا أنه معطوف على ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ﴾ مستقبل في اللفظ ماضٍ في المعنى كالمعطوف عليه فاعرفه. و ﴿الْآخِرِينَ﴾: مفعول ثان.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فِعْلًا مثل ذلك الفعل الشنيع. و ﴿إِلَى قَدَرٍ﴾: في موضع الحال من الضمير المنصوب في ﴿فَجَعَلْنَاهُ﴾ الراجع إلى الماء، أي: مؤخرًا إلى مقدارٍ قد علمه لكونه فيه من غير زيادة ولا نقصان.
وقوله: ﴿فَقَدَرْنَا﴾ قرئ: بتخفيف الدال وتشديدها (١). مَن خفف جعله من القدرة، ومَن شدد: من التقدير. وقيل: هما لغتان بمعنى التقدير (٢).
وقوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ المخصوص بالمدح محذوف، أي: فنعم القادرون - عليه إن جعلته من القدرة، أَوْ له إن جعلته من التقدير - نحن.
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾:
قوله : ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ ﴿كِفَاتًا﴾ مفعول ثان، لأن الجعل هنا بمعنى التصيير. والاستفهام بمعنى التقرير، أي: جعلناها كافتة.
واختلف في الكِفات، فقيل: هو جمع كافت، كقيام في جمع قائم،
стр. 3713
وهو من كَفَتَ الشَّيءَ يَكْفِتُهُ كَفْتًا، إذا ضَمَّه وجمعه، وفي الحديث: "اكلفِتُوا صِبيانكم بالليل، فإنّ للشيطان خَطْفة" (١). وقيل: هو مصدر كالكتابة والكراب. وقيل: الكِفات الأوعية واحدها كِفْت (٢).
فإذا فهم هذا فقوله : ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ إنْ شئت نصبتهما بنفس كفات على أنهما مفعولان، على معنى: كافتة أحياءً وأمواتًا. وإن شئت أبدلتهما منها، كأنه قيل: ألم نجعل الأرض أحياء وأمواتًا؟ وإن شئت جعلتهما حالين إما من معمول الكفات كأنه قيل: كافتة الخلق أو الناس أحياء أو أمواتًا، أو تكفتكم أحياء وأمواتًا، وإما من الأرض، أي: منها كذا، ومنها كذا، والمراد: وما ينبت من الأرض وما لا ينبت، لأن حياة الأرض بالنبات، وموتها بالخراب والجفاف. وإن شئت نصبتهما بنفس الجعل على أنه مفعول ثانٍ له، على معنى: جعلنا بعض الأرض أحياء بالنبات، وبعضها أمواتًا بالخراب والجفاف، و ﴿كِفَاتًا﴾ على هذا حال من الأرض، أي: في حال كونها ضامّة جامعة للخلق، وتكون الحال مقدرة، فاعرفه فإنه موضع (٣).
وقوله: ﴿شَامِخَاتٍ﴾ صفة لـ ﴿رَوَاسِيَ﴾. والتاء في فرات أصلٌ والفرات في اللغة: أعذب العذوبة، يقال: ماء فرات، ومياه فرات.
وقوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ﴾ الجمهور على كسر اللام على الأمر كالأول، وقرئ: (انطلَقوا) بفتحها على لفظ الماضي (٤)، على وجه الإخبار
стр. 3714
عنهم أنهم حين قيل لهم: انطلِقوا، انطلَقوا، لأنهم مضطرون إلى ذلك، لا يقدرون على الامتناع منه.
وقوله: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ صفة لـ (ظل)، أي: غير ظليل، أي: هذا الظل لا يُظل من الحر، ولا يدفع من لهب النار شيئًا. وقيل: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ أي: ليس ببارد، يقال: ظِلٌّ ظَلِيلٌ، إذا كان باردًا (١). وكذا ﴿وَلَا يُغْنِي﴾ في موضع جر على أنه نعت لظل، أي: وغير مغنٍ عنهم من حر اللهب شيئًا.
وقوله: ﴿كَالْقَصْرِ﴾ في موضع الصفة لـ (شرر)، أي: مِثْلُهُ في عِظَمِه، والشرر ما تطاير من النار في الجهات متفرقًا، قيل: وأصله الظهور، من قولهم: شررت الثوب، إذا أظهرته للشمس.
والجمهور على فتح القاف، وعن الشيخ أبي علي النحوي ﵀: أن القَصر هنا بمعنى القُصُور، وهي بيوت مِنْ آدم كانوا يضربونها إذا نزلوا على الماء (٢).
وقرئ: (كالقَصَر) بفتح القاف والصاد، وهي أعناق النخل، واحدها قَصَرَةٌ بالتحريك، والقَصَرة بفتحتين في اللغة أصل العنق. وقيل: أصول النخل المقطوعة.
وقرئ أيضًا: (كالقِصَرِ) بكسر القاف وفتح الصاد، وهي جمع قَصَرَة، كحاجة وحِوَج، عن أبي حاتم. أبو الفتح: وقالوا أيضًا: في حلْقة الحديد حلَقة بفتح اللام، وقالوا: حِلَق بكسر الحاء.
وقرئ: (كالقُصُرِ) بضم القاف والصاد، وهي جمع قَصْرٍ، كرُهُن في
стр. 3715
جمع رَهْن، بمعنى القصور المبنية (١).
وقوله: ﴿كَأَنَّهُ﴾ أي: كأن هذا الشرر في عِظمه جمالات صفر، أي: إبل سود.
وقرئ: (جِمالاتٌ) بكسر الجيم وألف بعد اللام (٢). و (جِمالة) بكسرها من غير ألف (٣)، فجمالات: يجوز أن يكون جمع جِمالٍ جُمع جمع السلامة، كما جمع جمع التكسير حين قالوا: جمائل. وأن يكون جَمْعَ جمالة، وجِمالة جمع جَمَلٍ كحَجَر وحِجَارة، وذَكَر وذِكارة، ودخول التاء في الجمع لتأنيث الجمع. وقرئ: (جُمالات) بضم الجيم (٤)، وهي حبال السفينة، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٥)، واحدها جُمَالَة، وتُسمى تلك الحبال القُلُوس (٦)، الواحد قَلْس، كفُلُوس في جمع فَلْسٍ، شبه الشرر في امتداده بالحبال. وقيل: الجُمالات بضم الجيم: قطع النحاس، رواه ابن عباس عن علي ﵃، كذا ذكر بعض المفسرين (٧).
стр. 3716
﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥﴾:
قوله : ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ الجمهور على رفع قوله: ﴿يَوْمُ﴾ على أنه خبر ﴿هَذَا﴾، والإشارة إلى اليوم، وقرئ: (يومَ) بالنصب (١)، ونصبه على الظرف عند أهل البصرة (٢)، والإشارة إلى غير اليوم، أي: هذا الذي قُصَّ عليكم واقع في يوم لا ينطقون، لأنه إنما يبنى عندهم إذا أضيف إلى مبني، نحو: يومئذ، و:
٦١٨ - ........ غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ ... .................... (٣)
و:
٦١٩ - علَى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ علَى الصِّبَا ... ................. (٤)
والفعل هنا معرب كما ترى، وأما عند أهل الكوفة (٥) فهو مبني لإضافته إلى الفعل، وهو مرفوع في المعنى.
وقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُم﴾ أجمع القراء على رفع قوله:
стр. 3717
﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ إذ ليس بجواب النفي، بل هو معطوف على قوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ﴾ داخل في سلك النفي، ولو كان جوابًا لكان منصوبًا لا محالة، والمعنى: لا يؤذن لهم في الاعتذار فكيف يعتذرون؟
وبعد: فإن أهل التأويل اختلفوا، فقال بعضهم: في القيامة مواطن في بعضها يتكلمون ويختصمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلمون، وقد ورد التنزيل بهما (١).
وقال بعضهم: جعل نطقهم كلا نطق، لأنه لا يَنفع ولا يُسمع، فكأنهم لم ينطقوا، وذلك معروف في كلام القوم، يقال لمن جاء بما لا ينتفع به، ما جئت بشيء، وكفاك دليلًا قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ (٢) أي: هم بمنزلة من هو كذلك حين لم ينفعهم ذلك (٣).
وقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ في موضع الحال من المنوي في الظرف الذي هو ﴿فِي ظِلَالٍ﴾، أي: هم مستقرون في ظلالٍ مقولًا لهم ذلك، وكذا ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾ في موضع الحال من المكذبين، أي: الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم كلوا وتمتعوا، كلاهما قاله الزمخشري، ثم قال: ويجوز أن يكون ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾ كلامًا مستأنفًا خطابًا للمكذبين في الدنيا (٤).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: جزاءً مثلَ ذلك الجزاء نجزي المحسنين.
﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا
стр. 3718
قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾:
قوله : ﴿قَلِيلًا﴾ يجوز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، وانتصابه على المصدر، أي: تمتعًا قليلًا، وأن يكون صفة لزمان محذوف، وانتصابه على الظرف، أي: زمانًا قليلًا.
وقوله: ﴿بَعْدَهُ﴾ أي: بعد القرآن. والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة المرسلات
والحمد لله وحده
стр. 3719
إعراب سورة النبأ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥﴾:
قوله : ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (عم) أصله: عن ما، على أنه حرف جر، دخل على (ما) الاستفهامية، وأدغمت النون في الميم لما بينهما من القرب والاشتراك في الغُنّة التي فيهما (١)، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب أن الألف من هذا النحو تحذف فرقًا بين الاستفهام والخبر في الأمر العام، والفتحة دالة عليها (٢).
وعلى الحذف الجمهور هنا لما ذكرت آنفًا، وقرئ: (عما) بإثبات الألف على الأصل (٣)، وهو عزيز، ومنه قول حسان ﵁، أنشده الشيخ أبو علي وغيره:
٦٢٠ - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُني لَئِيمٌ ... كَخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَادِ (٤)
стр. 3720
و (عن) الأولى متعلقة بـ ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾، والضمير في ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ لقريش (١)، والمعنى: عن أي شيء يتساءلون؟ وأما الثانية: فمتعلقة بمضمر يدل عليه هذا الظاهر، والتقدير: يتساءلون عن النبأ، ثم حذف الثاني لدلالة الأول عليه، ولا يحسن أن يكون بدلًا من الأول متعلقًا بهذا الظاهر كما زعم بعضهم (٢) لا بل لا يجوز، لأنه لو كان كما زعم لوجب دخول حرف الاستفهام عليه، فيكون: أعن النبأ العظيم؟ ألا ترى أنك إذا قلت: بكم ثوبُك، أبعشرينَ أم بثلاثينَ؟ لا بد لك من إعادة حرف الاستفهام، ولو قلت: بعشرين من غير الهمزة لم يجز، فاعرفه فإنه موضع.
وإذا كان كذلك وجب أن يكون من صلة فعل آخر دل عليه هذا الظاهر، لا من صلة هذا الظاهر على جهة البدل، فـ (عن) الأول متصل بالاستخبار، والثاني متصل بالإخبار، اللهم إلا أن يقول هذا الزاعم: إن الأصل أعن النبأ، إلا أنه استُغني عن تكرير الاستفهام بتقدم ما قبله، بشهادة قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٣)، والمعنى: أفهم الخلدون؟ فاكتُفي بالاستفهام الأول عن الثاني فيكون بدلًا من الأول، والأول هو الوجه وعليه الجل، إذ الحذف من غير اضطرار على خلاف الأصل.
وقوله: ﴿الَّذِي﴾ يجوز في إعرابه الأوجه الثلاثة: أما الرفع فعلى: هو، وأما النصب: أعني، وأما الجر: فعلى النعت.
وقوله: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ الجمهور على الياء فيهما النقط من تحته، وهو الوجه لجري ذكر الغيبة قبلُ، وقرئ: بالتاء فيهما النقط من
стр. 3721
فوقها (١)، على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب، كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. وعكسه: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ بعد، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ﴾ (٢).
وقرئ: الأول بالياء النقط من تحتها على معنى: سيعلم الكفار، والثاني: بالتاء النقط من فوقه (٣)، على معنى: ستعلمون أنتم أيها المؤمنون.
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾:
قوله : ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ الجعل هنا بمعنى التصيير، فلذلك تعدى إلى مفعولين وكذلك ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾.
و﴿مِهَادًا﴾ يجوز أن يكون مفردًا كالسراج والمثال، وأن يكون جمع مهد كَكِعابٍ في جمع كعبٍ، وإنما جمع لاختلاف أماكن الأرض من القرى والبلاد، وقيل: لاختلا التصرف فيها بالزرع والبناء والحَفْرِ وغير ذلك.
و﴿مَعَاشًا﴾ هنا ينبغي أن يكون اسم زمان، ليكون الثاني هو الأول،
стр. 3722
وقد جوز أن يكون مصدرًا بمعنى العَيْش، على تقدير حذف المضاف، أي: وقت معاش، يقال: عاش يعيش عيشًا ومعاشًا بمعنى، فأما الليل: فهو لباس بغشيانه، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (١) أي يغشى النهار، أي يستره بظلمته، أو الخلق، أي يعلوهم ويعمهم على ما فسر (٢).
وقوله: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ انتصاب قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ على الحال، لأن خَلَقَ يتعدى إلى مفعول واحد، وقد استوفاه، أي: متجانسين متشابهين، أو مختلفين على من قال: ذكورًا وإناثًا.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا﴾ الجعل هنا بمعنى الخلق، فلذلك تعدى إلى مفعول واحد، ولا يجوز أن يكون بمعنى التصيير، لأن جَعْلَ الشمسِ سراجًا ليس بانتقال من حال إلى حال، كجعل الثوب قميصًا.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ أي: وأشجار جناتٍ، فحذف المضاف. و ﴿أَلْفَافًا﴾ يجوز أن يكون جمع لِفٍّ، كأجذاعٍ في جمعِ جِذع، وأن يكون جمع لفيفٍ، كأشرافٍ في جمع شريفٍ، وأن يكون جمع لُفٍّ، ولُفٌّ جمع لَفَّاءَ، كحُمْرٍ في حمراء، فيكون جمع الجمع، فاعرفه (٣).
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠﴾:
стр. 3723
قوله : ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ أي.: كان في حكم الله، ويجوز أن يكون إنما أتى على لفظ الماضي، لأن أحوال القيامة لتحققها كأنها وقعت.
وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، أو عطف بيان. و ﴿أَفْوَاجًا﴾ حال من الضمير في ﴿فَتَأْتُونَ﴾. أو فوجًا بعد فوج، والفوج: الجماعة. و ﴿أَبْوَابًا﴾ خبر (كان)، ومثلها ﴿سَرَابًا﴾. وكذا ﴿مِرْصَادًا﴾، وهو مفعال من الرصد، وهو الموضع الذي يرصد فيه، وذُكِّر على النسب.
وقوله: ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿مِرْصَادًا﴾، وأن يكون من صلة محذوف على أنه صفة له، أو لقوله: ﴿مَآبًا﴾، فلما تقدم عليه نصب على الحال. و ﴿مَآبًا﴾ يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، والتقدير: إن جهنم كانت مِرْصَادًا ومآبًا للطاغين، أي: مرجعًا لهم. وأن يكون بدلًا من ﴿مِرْصَادًا﴾.
والجمهور على كسر الهمزة في قوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ﴾ على الاستئناف، وقرئ: (أن) بفتحها (١) على تعليل قيام الساعة بأنَّ جهنم كانت مرصادًا، كأنه قيل: كان ذلك لإقامة الجزاء، قاله الزمخشري (٢).
وقوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (لابثين) حال من المنوي في ﴿لِلطَّاغِينَ﴾، وهي حال مقدرة، كـ ﴿خَالِدِينَ﴾، و ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ (٣)، أي: مقدرين اللبث. و ﴿أَحْقَابًا﴾ ظرف لقوله: ﴿لَابِثِينَ﴾ ومعمول له، وهو ظرف زمان، أي: ماكثين في جهنم الأبدَ. وقرئ: (لابثين) و (لبثين) (٤)، وهما بمعنىً واحد، كطامعٍ
стр. 3724
وطَمِعٍ، وحاذِرٍ وحَذِرٍ.
وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾ في موضع نصب، إما على الحال من المنوي في ﴿لَابِثِينَ﴾، أو من المنوي في ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ على قول من جوز حالين من ذي حالٍ، أي: غير ذائقين بردًا ولا شرابًا، وإما على النعت لأحقاب، والضمير في قوله: ﴿فِيهَا﴾ للأحقاب إذا جَعلتَ ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾ صفة لها، أو لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ إذا جعلتها حالًا.
وقوله: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ يجوز أن يكون متصلًا، وأن يكون منقطعًا.
وقوله: ﴿جَزَاءً﴾ مصدر مؤكد لفعله، أي: جُوزوا بذلك جزاءً. و ﴿وِفَاقًا﴾ صفة له، أي: ذا وفاقٍ، ويجوز أن يكون ﴿وِفَاقًا﴾ منصوبًا على المصدر كـ ﴿جَزَاءً﴾، والتقدير: جُوزوا بذلك جزاءً فوافق أعمالها وِفَاقًا.
وقوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ (كذابًا) مصدر مؤكد، والجمهور على تشديده وهو الجيد لقوله: ﴿كَذَّبُوا﴾، يقال: كذَّبْتُهُ كِذَّابًا وتكذيبًا، وقرئ: (كِذَابًا) بالتخفيف (١)، وذلكْ يحتمل وجهين: أن يكون في معناه غير أن المبالغة في المشدد أكثر، وأن يكون جمع كاذبٍ كصحابٍ في صاحبٍ، فيكون نصبه على الحال، أي: كذبوا بآياتنا كاذبين، أي: في حال كذبهم.
وقرئ أيضًا: (كُذَّابًا) بضم الكاف مع تشديد الذال (٢)، وهو جمع كاذبٍ، كشُهَّادٍ في جمعٍ شَاهدٍ، وانتصابه على الحال أيضًا، وقد جُوِّزَ أن
стр. 3725
يكون الكُذَّابُ هنا واحدًا لا جمعًا، كرجل حُسَّانٍ، ووجهٍ وُضّاءٍ، وصفًا لمصدر محذوف، أي: كذَّبوا بآياتنا تكذيبًا كُذَّابًا، أي: متناهيًا في الكذب.
وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ الجمهور على نصب (كلَّ) ونصبه بإضمار فعل، وقرئ: (وكلُّ شيء) بالرفع (١)، ورفعه بالابتداء. و ﴿كِتَابًا﴾ مصدر مؤكد واقع موقع إحصاء حيث كان في معناه من جهة الضبط والتحصيل، أو ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ بمعنى كتبناه، كأنه قال: وكل شيء كتبناه كتابًا، وإما في موضع الحال من الضمير المنصوب في ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾، أي: في حال كونه مكتوبًا في اللوح أو في صحف الحفظة على ما فسر (٢)، تسمية للمفعول بالمصدر كخَلْقِ الله، وضَرْبِ الأميرِ
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ﴾ (مفازًا) مَفْعَل، يجوز أن يكون مصدرًا بمعنى الفوز، وأن يكون اسمًا لمكان الفوز، وهو هنا الجنة، أي: للمتقين نجاة في ذلك اليوم، وهو الجنة. و ﴿حَدَائِقَ﴾ بدل منه، بدل البعض من الكل، أي: إن لهم حدائق، وهي جمع حديقة، وهي البستان المحاط به، من أحدق بالشيء، إذا أحاط به، وهي فعيلة بمعنى مُفْعَلة، كشعيلة: بمعنى مُشْعَلَةٍ.
وقوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ دهاق: فِعال من أدهقت الإناء، إذا ملأته، قال خداش بن زهير (٣):
стр. 3726
٦٢١ - أَتَانَا عامِرٌ يَرْجُو قِرَانا ... فأتْرَعْنَا له كأْسًا دِهَاقا (١)
فدهاق مصدر وصف به بمعنى مُدْهَقَةٍ، أي: مملوءة.
وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون في موضع الحال من المتقين، والعامل فيها الاستقرار، أي: اسْتَقَرَّ لهم الفوزُ غيرَ سامعين فيها لَغْوًا. وقوله: ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف (٢)، فالتشديد مصدر كذَّبَ كِذابًا، كقَتل قِتَالًا، وكَلَّمَ كلَّامًا، وفِعَّال في باب فَعَّلَ كله فاشٍ من كلام القوم، لا يكادون يقولون غيره، والتخفيف يجوز أن يكون مصدر كاذَبَ كِذابًا، كَقَاتَل قِتالًا، وأن يكون مصدر كَذَبَ كِذابًا، كصامَ صِيامًا، وقامَ قيامًا، قال:
٦٢٢ - فَصَدَقْتُهَا وَكَذَبْتُهَا ... والْمَرءُ يَنْفَعُهُ كذَابُهُ (٣)
وقوله: ﴿جَزَاءً﴾: مصدر مؤكد لفعله يدل عليه قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ أي: وجازاهم بأعمالهم الحسنة جزاءً.
وأما قوله: ﴿عَطَاءً﴾ فنصبه يحتمل أوجهًا: أن يكون مصدرًا مؤكدًا أيضًا لفعله، أي: وأعطاهم عطاءً، أي: إعْطَاءً. وأن يكون بدلًا من ﴿جَزَاءً﴾، لأن معنى جازاهم وأعطاهم واحد، وأن يكون نصبًا بجزاء نصب المفعول به، أي: جزاهم عطاء، وعطاء على هذا عينٌ بمعنى مُعطىً.
стр. 3727
و ﴿حِسَابًا﴾: صفة لـ ﴿عَطَاءً﴾، أي: كافيًا، من أحسبت فلانًا، إذا أعطيته ما يكفيه حتى قال: حسبي. وقيل: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ أي: على حساب العمل، والتقدير على هذا: عطاء بحساب، فحذف الجار ونصب الاسم.
وقرئ: (حَسْبًا) (١) وهو بمعنى حسابًا.
وقرئ أيضًا: (حَسَّابًا) بتشديد السين (٢)، أي: عطاء مُحْسِبًا، من قولهم أيضًا: أعطاه ما أحسبه، أي: كفاه، غير أن قارئه جاء بالاسم من أَفْعَلَ على فَعَّال، كما جاء أَجْبَرَهُ فهو جبَّار، وَأَدْرَكَ فهو دَرَّاك بمعنى مُجبر ومُدرك، وأقْصرَ عن الشيء فهو قصَّار، ذكر هذه الأمثلة أبو الفتح، فاعرفه (٣).
﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠﴾:
وقوله: (ربُّ السَمَواتِ والأَرضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَحمانُ) قرئ: برفع الاسمين وهما (ربُّ) و (الرحمنُ) إما على الابتداء والخبر، وما بعدهما وهو (لا يملكون) مستأنف، أو خبر بعد خبر، أو (الرحمنُ) نعت لـ (ربُّ) والخبر ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ أو هو (رَبُّ السماواتِ) وما بعده مبتدأ وخبر، أو خبر بعد خبر أو (الرحمنُ) صفة، وما بعد الرحمن مستأنف، أو خبر بعد خبر.
стр. 3728
وبجرهما على الإتباع لما قبلها وهو ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هو إما على البدل أو على الصفة.
وبجر الأول على البدل ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ ورفع الثاني على أنه مبتدأ خبره ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾، أو على (هو الرحمن) وما بعده مستأنف، أو خبر آخر، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض (١).
وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾، وأن يكون ظرفًا لما بعده وهو ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾، و ﴿صَفًّا﴾ نصب على الحال، أي: مصطفين، وكذا ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ في موضع الحال، أي: ساكتين، أو غير ناطقين.
وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ ﴿مَنْ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع على البدل من المضمر في ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾، وأن يكون في موضع جر على تقدير: جارّ محذوف، أي: لمن أذن له، على قول من قال: لا يتكلمون بالشفاعة لأحد إلا لمن أذن الله أن يشفع له. ﴿وَقَالَ﴾ أي المشفوع له، ﴿صَوَابًا﴾، وهو الحسن (٢).
و﴿صَوَابًا﴾: صفة لمصدر محذوف، أي: قولًا صوابًا، وهو لا إله إلا الله (٣). و ﴿مَآبًا﴾ أي: مرجعًا، وهو مَفْعَل من آبَ يَؤوبُ أَوْبًا وإيابًا، إذا رجع.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ (يوم) ظرف لمحذوف، أي:
стр. 3729
يقع ذلك العذاب في ذلك اليوم، وقد جوز أن يكون مفعولًا به على أن يكون بدلًا من ﴿عَذَابًا﴾، و ﴿مَا﴾ هنا يجوز أن يكون موصولًا منصوبًا بـ ﴿يَنْظُرُ﴾، وراجعه محذوف من الصلة، وصلته ﴿قَدَّمَتْ﴾، أي: ينظر الذي قدمته يداه، بمعنى ينظر إليه، يقال: نظرْتُه، بمعنى: نظرْتُ إليه. وأن يكون استفهامًا منصوبًا بـ ﴿قَدَّمَتْ﴾، أي: ينظر أي شيء قدمت يداه، أَخَيْرًا أم شرًّا؟
وقوله: ﴿يَالَيْتَنِي﴾ المنادى محذوف، أي: يا قوم. و ﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ في محل الرفع بخبر ليت. والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة النبأ
والحمد لله وحده
стр. 3730
إعراب سورة النازعات
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾:
قوله سبحانه: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ في الواو الأولى للقسم، وما بعدها للعطف، واختلف في جواب القسم، فقيل: محذوف تقديره: لتبعثن، قاله الفراء، قال: ودل عليه ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ (١). وقيل الجواب: هو ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ (٢). وقيل الجواب: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ (٣) على إضمار اللام، أي: لَيوم ترجف الراجفة، والجواب على الحقيقة على هذا القول قوله: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾، كما تقول: والله لَيوم الجمعة زيد منطلِق، والتقدير: والله لَزيد منطلق يوم الجمعة، وكذا هذا التقدير: والنازعات لَقلوب واجفة يوم ترجف الراجفة، فاعرفه فإنه موضع (٤).
وقوله: ﴿غَرْقًا﴾ مصدر على حذف الزيادة، أي: إغراقًا في النزع، من أغرق النازع في القوس إغراقًا، إذا استوفى مَدَّهَا. فإن قلتَ: أين فِعْلُ هذا
стр. 3731
المصدر؟ قلتُ: (النازعات)، لأن النازع والمغرق سيان في المعنى، ألا ترى أنك تقول: نزع القوس، كما تقول: أغرق القوس. فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿غَرْقًا﴾ واقعًا موقع نَزْع؟ قلت: لا يبعد، كأنه قيل: والنازعات نزعًا، وله نظائر في التنزيل وفي كلام القوم، والألف والتاء في جمع الملائكة لتكرار الجمع، على تقدير: جماعة نازعة، وجماعات نازعات.
وقوله: ﴿نَشْطًا﴾ مصدر مؤكد، ومثله ﴿سَبْحًا﴾، وكذا ﴿سَبْقًا﴾.
وقوله: ﴿أَمْرًا﴾ منصوب بالمدبرات على أنه مفعول به، على معنى: يدبرنَ الأمر بأمر الله. وقيل: مصدر، قلت: يكون واقعًا موقع تدبير. وقيل: في موضع الحال، أي: يدبرنَ مَأمورات. وقيل: منصوب على تقدير حذف الجار، أي: فالمدبرات بأمرٍ، كقوله:
٦٢٣ - أمرتُكَ الخيرَ ..... ... ...................... (١)
أي: بالخير (٢).
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾:
قوله : ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ يجوز أن يكون مفعولًا به على: اذكر، وأن يكون ظرفًا لما أضمر من جواب القسم وهو لتبعثن، وقد ذكر قبيل (٣).
стр. 3732
قيل: وإنما جاز ذلك وإن كان البعث في النفخة الثانية ولا يبعثون عند النفخة الأولى وبينهما أربعون سنة على ما فسر (١)، لأن المعنى: لتبعثن في الوقت الواسع الذي تقع فيه النفختان، وهو تبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الأخرى، ودل على ذلك أن قوله: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ جُعل حالًا من ﴿الرَّاجِفَةُ﴾.
وأما من قال: إن جواب القسم ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ أو ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾، فإن قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ هو ظرف لقوله: ﴿وَاجِفَةٌ﴾، أي: يوم ترجف الراجفة وجفت قلوبهم، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ على سبيل التأكيد. يقال: وجَفَ القَلْبُ يَجِفُ، إذا خَفَقَ، وَجْفًا ووجِيفًا، وأصله: الانزعاج والاضطراب، ومنه الإيجاف في السير، للإسراع.
وقوله: ﴿قُلُوبٌ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿وَاجِفَةٌ﴾ خبرها، أو صفتها و ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ خبرها.
وقوله: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ الجمهور على إثبات الألف بعد الحاء، وقرئ: (في الحَفِرَةِ) بغير الألف (٢)، وفيه وجهان، أحدهما: مقصور من الحافرة. والثاني: هو من قولهم: حَفِرَتْ أسنانُه، إذا ركبها الوسخ في ظاهرها وباطنها، فالحَفِرَةُ على هذا: الأرض المنتنة، لفسادها بأخباثها وبأجسام الموتى فيها، كلاهما قاله أبو الفتح (٣).
وقوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ معمول لقوله: ﴿لَمَرْدُودُونَ﴾ على قراءة من قرأ: (إذا) على الخبر وأما من قرأ: (أإذا) على الاستفهام (٤)، فعامله محذوف يدل
стр. 3733
عليه ﴿لَمَرْدُودُونَ﴾، والتقدير: أَنُرَدُّ إذا كنا عظامًا نخرة؟
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦﴾:
قوله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ (هل) يجوز هنا أن يكون على بابه، وهو استفهام بمعنى التنبيه للمخاطب، على معنى: أن هذا مما يجب أن يعلم، ويُحَثُّ على استماعه، وأن يكون بمعنى قد (١).
﴿إِذْ نَادَاهُ﴾: (إذْ) ظرف، والعامل فيه معنى ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾، أي: هل أتاك ما كان منه؟ أي: من الحديث حين ناداه. وقيل: العامل فيه ﴿أَتَاكَ﴾، وليس بشيء، لأن الإتيان لم يقع في وقت الابتداء.
وقوله: ﴿طُوًى﴾ في موضع جر على البدل من الوادي، وقرئ: بالتنوين، على أنه اسم للوادي وهو مذكر، وبتركه (٢)، على أنه اسم للبقعة. وقيل: معدول عن طاوٍ، كعمر عن عامر (٣)، وقد مضى الكلام عليه في "طه" بأشبع من هذا (٤).
стр. 3734
وقوله: ﴿اذْهَبْ﴾ على إرادة القول، أي: ناداه فقال: اذهب، يجوز أن يكون من صلة ناداه لأن النداء نوع من القول، تعضده قراءة من قرأ: (أن اذهب) بزيادة (أن) وهو عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (١)، لأن (أن) إذا كانت بمعنى (أي) المفسرة لا تقع إلا بعد القول أو ما كان في معنى القول.
وقوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ أي: هل لك مَيْلٌ إلى أن تزكى؟ أي إلى التزكية، والأصل: تتزكى، فحذفت إحدى التاءين. ﴿وَأَهْدِيَكَ﴾ عطف على ﴿أَنْ تَزَكَّى﴾ أي: هل لك ميل إلى الإيمان؟ وقوله: ﴿يَسْعَى﴾ في موضع الحال.
وقوله: ﴿فَحَشَرَ﴾ أي: فحشر قومه.
وقوله: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ﴾ مصدر مؤكد لفعله، وفعله (أخذ) حملًا على المعنى، لأن الأخذ هنا عقوبة، فكأنه قيل: نكّل به نكّال الآخرة، أي: تنكيلها، والنكال بمعنى التنكيل، كالكلام بمعنى التكليم. وقيل: نعت لمصدر محذوف: أخذًا نكالًا. وقيل: مفعول له (٢).
فإن قلت: ﴿الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ صفة لماذا؟ قلت: للكلمة، والتقدير: نكال الكلمة الآخرةِ والكلمة الأولى، فالأولى قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٣) والآخرة قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، كذا روي عن ابن عباس ﵄ (٤). وقيل: التقدير نكال الدار الآخرة، وهي النار، ﴿وَالْأُولَى﴾ يعني الإغراق في الدنيا (٥).
стр. 3735
﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾:
قوله : ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾ رفع بالابتداء، وعطف على (أنتم)، وخبره محذوف دل عليه خبر (أنتم)، أي: أم السماء أشد. و ﴿خَلْقًا﴾ تمييز، و ﴿بَنَاهَا﴾ مستأنف وليس على تقدير (التي)، لأن حذف الموصول وإقامة الصلة مقامه غير جائز عند أصحابنا البصريين، ولا يحسن أن يكون حالًا أيضًا كما زعم بعضهم (١) لعدم الفائدة من جهة المعنى عند من تأمل، فهو مستأنف ليس إلا، كأنه قيل: كيف خلقها؛ فقيل: كيت وكيت.
فإن قلت: قد ذَكَرْتَ الحال وأشرتَ إليها ولم تبين لنا ذا الحال. قلت: ذو الحال المنوي في ﴿أَشَدُّ﴾ المحذوف المحكوم عليه بخبر السماء.
وقوله: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أي: أظلم ليلها، أي: جعل ليلها مظلمًا، يقال: أغطش الله الليل، أي: أظلمه، وأغطش الليل أيضًا بنفسه، يتعدى ولا يتعدى كأظلم، يقال: ظلِم الليل بكسر اللام، وأظلم، وأظلمه الله.
وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الجمهور على نصب (الأرضَ)، ونصبها بإضمار فعل، أي: ودحا الأرض بعد ذلك، أي بعد بناء السماء، وقيل: مع ذلك. وقيل: قبل ذلك، فحذف دحا وجعل ﴿دَحَاهَا﴾ تفسيرًا له، وهذا معنى قول النحاة: إضمار على شريطة التفسير (٢).
وقرئ: (والأَرْضُ) بالرفع (٣)، ورفعها بالابتداء، والخبر ﴿دَحَاهَا﴾.
стр. 3736
ومعنى ﴿دَحَاهَا﴾: بسطها، يقال: دحوت البساط، أي: بسطته، ومهدته.
وقوله: ﴿وَأَخْرَجَ﴾ فيه وجهان، أحدهما: تفسير لقوله: ﴿دَحَاهَا﴾، والثاني: حال و (قد) معه مرادة، فلذلك عَرِيَ عن العاطف، فاعرفه.
وقوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ قرئ: بالنصب، وعليه الجمهور، أي: وأرسى الجبال. والرفع (١) والقول فيه كالقول في (الأرضَ).
وقوله: ﴿مَتَاعًا﴾ يجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله، وفعله محذوف يدل عليه سياق الكلام، أي: متعناكم بها متاعًا، أي: تمتيعًا، والمتاع: بمعنى التمتيع، كالسلام بمعنى التسليم. وأن يكون في موضع الحال من المنوي في ﴿أَخْرَجَ﴾، أي: ممتِعًا لكم، وأن يكون مفعولًا له، أي: فعلنا ذلك تمتيعًا لكم ولأنعامكم.
فإن قلت: قوله: ﴿وَمَرْعَاهَا﴾، ما المرعى هنا؟ قلت: يجوز أن يكون هو الرِعْيَ، والرعيُ: الكلأُ، أي: ورعيها، وأن يكون مصدرًا سمي المفعول به كَخَلْقِ الله، وصَيْدِ الصائدِ. وأن يكون موضع الرعي، والتقدير على هذا: أخرج منها ماءها وخلق فيها مرعاها، فاعرفه فإنه موطن.
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾:
قوله : ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ (يوم) يجوز أن يكون بدلًا من (إذا)، وأن يكون ظرفًا لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ﴾، يعني أن مجيء الطامة إنما يكون في هذا اليوم، فأما جواب (إذا) فقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ وما بعده، والتقدير: فإذا جاءت الطامة الكبرى كانت أحوال الطغاة
стр. 3737
كذا، وكانت أحوال المطيعين كذا، أو فكان الأمر كما ذكر. وقيل: الجواب مضمر والتقدير: فإذا جاءت الطامة الكبرى عرفوا سوء عاقبتهم، أو عرف كل واحد من الفريقين ما يستحقه.
وقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ الجمهور على الياء النقط من تحته، والمنوي فيه ﴿لِمَنْ يَرَى﴾، أي: للرائين جميعًا، أي: لكل من له عين، أي: تُظْهَرُ إظهارًا بيّنًا حتى يراها أهل الموقف جميعًا. وقرئ: بالتاء النقط من فوقه (١)، وفي الذكر الذي فيه وجهان، أحدهما: للجحيم، أي لمن تراه الجحيم، كقوله: ﴿إذَا رَأَتهُم مِن مَكَانِ بَعِيدٍ﴾ (٢). والثاني: لرسول الله ﷺ ، أي: لمن ترى أنت يا محمد، والخطاب له ﵊، والمراد به الناس كقراءة الجمهور.
و(ما) في قوله: ﴿مَا سَعَى﴾ يجوز أن تكون مصدرية، أي: سعيه، وأن تكون موصولة، أي: الذي سعاه في الدنيا، أي: ما عمله في الدنيا من خير أو شر.
وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ (مَن) موصولة في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلتها ﴿الدُّنْيَا﴾، والخبر ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، والفاء جواب (أما) لما فيه من معنى الشرط، والتقدير: هي المأوى له، لا بد من هذا التقدير ليعود على المبتدأ - الذي هو ﴿مَنْ﴾ - مِن الخبر ذكر، وإنما حذف لطول الكلام. وقيل التقدير: فإن الجحيم هي مأواه، فسد الألف واللام مسد العائد، والأول مذهب أهل البصرة، والثاني: مذهب أهل الكوفة (٣). و ﴿هِيَ﴾ فصل أو مبتدأ.
стр. 3738
وكذا القول في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ﴾ إلى ﴿هِيَ الْمَأْوَى﴾ في جميع ما ذكرت.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦﴾:
قوله : ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (مرساها) مبتدأ خبره ﴿أَيَّانَ﴾، وهو ظرف بمعنى (متى)، وهو مبني لتضمنه معنى حرف الاستفهام، والاسم إذا تضمن معنى الحرف بني في الأمر العام، وفي الكلام حذف مضاف، أي: متى وقت إرسائها؟ فحذف المضاف لحصول العلم به، ويجوز أن يكون ﴿مُرْسَاهَا﴾ اسمًا لزمان الإرساء، لأن مُفْعَلًا قد يأتي للمصدر ولزمان الفعل من أفعل، فلا حذف على هذا في الكلام فاعرفه.
وقرئ: (إيّان) بكسر الهمزة، وهي لغية، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (١).
وقوله: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ (أنت) مبتدأ، وفي خبره وجهان:
أحدهما: ﴿فِيمَ﴾، والمعنى: في أي شيء أنت من ذكراها؟ أي: مِن أن تذكر وقتها لهم، أي: لست من ذكر الساعة في شيء، يعني أن ذكر وقت قيامها قد طواه الله عنك وعن سائر البشر، عن عائشة ﵂: "لم يزل رسول الله ﷺ يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت" (٢).
والثاني: ﴿مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ على أن الكلام تم عند قوله: ﴿فِيمَ﴾ على أن ﴿فِيمَ﴾ إنكار لسؤالهم، أي: فيم هذا السؤال؟ ثم ابتدأ جل ذكره فقال:
стр. 3739
﴿أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾، أي: أنت ذِكُرٌ من ذكراها، وعلامة من علاماتها، كما قال ﵊: "بعثت والساعة كهاتين" (١).
وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ (منتهاها) مبتدأ، و ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ خبره، أي: إلى ربك منتهى علم الساعة، فحذف المضاف لحصول العلم به، أي: ينتهي إليه علمها.
وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ الجمهور على ترك التنوين والإضافة، وقرئ: (منذرٌ من يخشاها) (٢)، وكفاك دليلًا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ (٣) والإضافة تخفيف، وقد جوز أن يكون كلاهما للحال أو الاستقبال، ويجوز أن يراد المضي على قراءة الجمهور، لأنه قد فَعَلَ الإنذارَ.
وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ (يوم) ظرف لما في (كأن) من معنى التشبيه. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ أي: عشية يوم أو ضحى تلك العشية، أي: آخر يوم أو أوله، فهو كقوله: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ (٤). والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة النازعات
والحمد لله وحده
стр. 3740
إعراب سورة عبس (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾:
قوله سبحانه: ﴿أَنْ جَاءَهُ﴾ الجمهور على ترك المسند على الخبر، ومحل (أن) النصب على أنه مفعول له، وعامله ﴿تَوَلَّى﴾ لقربه منه، أي: تولى لأن جاءه الأعمى، أي: لمجيء الأعمى، أو ﴿عَبَسَ﴾ على اختلاف المذهبين (٢)، أي: عبس لأن جاءه الأعمى وتولى لذلك، فحذف مفعول ﴿تَوَلَّى﴾ لحصول العلم به، كما تقول: شكرت فأعطيته زيدًا درهمًا، إذا أعملت الأول، وإن شئت حذفت معمول أعطيت، فقلت: شكرت فأعطيت زيدًا، وأن تريد أعطيته درهمًا، غير أنك حذفته تخفيفًا وللعلم به.
وقرئ: (أن جاءه) بالمد على الاستفهام (٣)، فأنْ على هذه القراءة من صلة محذوف يدل عليه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ والتقدير: أن جاءه الأعمى أعرض عنه وتولى بوجهه؟ أو ألأِن جاءه الأعمى فعل ذلك، والاستفهام معناه الإنكار، ويوقف على هذه القراءة ﴿تَوَلَّى﴾ ولا يوقف عليه على قراءة الجمهور.
стр. 3741
وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ أي؛ وأي شيء يجعلك داريًا بحال هذا الأعمى؟ والاستفهام بمعنى النفي، أي: لا يدريك شيء. وفي الضمير الذي في ﴿لَعَلَّهُ﴾ وجهان، أحدهما: لابن أم مكتوم ﵁ (١)، على معنى: لعله يتطهر بما يسمعه منك من الشرائع والأحكام، وأصله: يتزكى، فأدغمت التاء في الزاي بعد قلبها زايًا. والثاني: للكافر، على معنى: أنك طمعت في أن يتطهر بالإسلام. والوجه هو الأول وعليه الجل.
وقوله: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ عطف على ﴿يَزَّكَّى﴾، وأصله (يتذكر) أيضًا، فأدغمت التاء في الذال بعد قلبها ذالًا.
وقوله: (فتنفعُه) قرئ: بالرفع، عطفًا على ﴿يَذَّكَّرُ﴾، وبالنصب (٢) جوابًا لِلَعَلّ، لأنه غير موجب، فأشبه التمني والاستفهام، ونصبه بإضمار (أن) كما يكون بعد الأشياء التي هي غير موجبة، لتكون مع الفعل مصدرًا فتعطف مصدرًا على مَصْدَرِ الأول، لأن الصدر غير موجب، والمعنى: لعله يكون منه تذكر فانتفاع.
﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾:
قوله : ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قرئ: بتخفيف الصاد، وتشديدها (٣)، وأصله: تتصدى، فالتخفيف لأجل حذف التاء، والتشديد لأجل إدغامها في الصاد بعد قلبها صادًا.
стр. 3742
والجمهور على فتح التاء، على معنى: تتعرض له بالتوقير والإكرام. والتصدي: التعرض للشيء، يقال: تصديت له، إذا تعرضت له. وقد مضى الكلام على لام (تصدى) وأصله فيما سلف من الكتاب، فأغناني عن الإعادة هنا (١).
وقرئ: (تُصَدَّى) بضم التاء (٢)، على معنى: يدعوك داع من زينة الدنيا وشارتها إلى التصدي له، والإقبال عليه (٣).
وقوله: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ (ما) هنا يجوز أن تكون استفهامية، على معنى: أي شيء عليك في ألا يتزكى بالإسلام؟ يعني: لا شيء (٤) عليك فيه. وأن تكون نافية، على معنى: وليس عليك شيء في ألا يتزكى، فحذف (شيء).
وقوله: ﴿يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾ كلاهما في موضع الحال.
وقوله: ﴿تَلَهَّى﴾ الجمهور علىى فتح التاء، وأصله: (تتلهى)، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا، أي: تتشاغل عنه، وبالأصل قرأ بعض القراء (٥). وقرئ: (تُلَهَّى) بضم التاء (٦)، أي: تُصرَفُ عنه.
стр. 3743
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾:
قوله : ﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر، أي: لا تعد إلى مثله، وقد جوز أن يكون بمعنى حقًّا، فيكون متصلًا بما بعده. وقيل: بمعنى (ألَا) على افتتاح الكلام على معنى: أَلَا ...
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾: الضمير للسورة، أو للآيات، أو للأنبياء، أو للقصص، أو للمقالة، أو لمواعظ القرآن. ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أي: موعظة يجب الاتعاظ بها.
وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (مَنْ) مبتدأ، خبره ﴿شَاءَ﴾، على معنى: من شاء ذكر القرآن فاتعظ بما فيه، وإنما لم يقل: ذكرها، لأن المراد بالتذكرة: القرآن والوحي، أو لأن التذكرة في معنى الذكر، أو الوعظ، أو التذكير. أو ذكره على معنى: من شاء الله ألهمه وفهمه القرآن. و (مَنْ) يجوز أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة.
وقوله: ﴿فِي صُحُفٍ﴾ في موضع النعت لتذكرة، وما بينهما اعتراض، أي: مثبتة في صحف. ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ نعت لصحف، أي: مكرمة عند الله تعالى، وكذا ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ نعت بعد نعت، أي: مرفوعة في السماء السابعة، أو مرفوعة القدر، مصونة عن أن تنالها أيدي الشياطين. وكذا ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ في موضع الصفة لصحف. و ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ في (ما) هنا وجهان،
стр. 3744
أحدهما: تعجب مردود إلى المخلوقين، على معنى: تعجبوا من إفراطه في كفران نعمة الله. والثاني: استفهام بمعنى التقرير والتوبيخ، أي: أيّ شيء حمله على الكفر؟ .
وقوله: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (مِن) من صلة ﴿خَلَقَهُ﴾، وهو استفهام بمعنى التقرير والتقريع.
وقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ هذا جواب الاستفهام وتبيين له، أي: أليس خلقه من نطفة؟
وقوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ يجوز أن يكون الضمير المنصوب في ﴿يَسَّرَهُ﴾ للسبيل، فينتصب ﴿السَّبِيلَ﴾ بمضمر يدلى عليه هذا الظاهر، والتقدير: ثم يسر السبيلَ له، أي للإنسان، فحذف الجار والمجرور لحصول العلم به، يعني سهل سبيله، وهو مخرجه من بطن أمه، عن ابن عباس ﵄ (١).
وأن يكون للإنسان فينتصب السبيل بحذف الجار، والتقدير: ثم للسبيل يسره، أي: يسره للسبيل، فالضمير هو المفعول الأول، و ﴿السَّبِيلَ﴾ هو الثاني، يعني: يسره لطريق الخير والشر، كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٣] عن مجاهد (٢). ولك أن تقدر اللام مع الضمير لا مع ﴿السَّبِيلَ﴾، والتقدير: ثم السبيل يسر له، أي: ثم يسر له السبيل، أي: سهل له سبيل الدين، فحذف الجار وأوصل الفعل، فاعرفه فإنه موضع.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ الجمهور على الألف، أي: أحياه بعد الموت، وقرئ: (نَشَرَهُ) بغير ألف (٣)، وهي لغية في معناه، يقال: أنشر الله الموتى إنشارًا، ونشرهم نشرًا، غير أن الإنشار أشهر، وعليه الأكثر.
стр. 3745
وقوله: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ (ما) موصول، وعائده يجوز أن يكون محذوفًا، والتقدير: ما أمره به، فحذف الجار أولًا فبقي ما أمرهوه، ثم حذف الهاء العائد ثانيًا. وأن يكون نافيًا على أن المحذوف من الهائين هو العائد إلى الإنسان، والباقي هو العائد إلى الموصول، فاعرفه فإنه موطن.
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾:
قوله : (إنّا صببنا) قرئ: بكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحها (١): إما على تقدير اللام، أي: لأِنَّا، وإما على البدل من الطعام، لأن انصباب الماء وَانشقاق الأرض سبب لحدوث الطعام، وهو من بدل الاشتمال، هكذا قاله الشيخ أبو علي ﵀، قال: لأن هذه الأشياء تشتمل على كون الطعام وحدوثه وهو موضع الاعتبار (٢). وأما النظر إلى نفس الطعام فليس باعتبار، فالثاني - على قوله - مشتمل على الأول ويجوز أن يشتمل الأول على الثاني، فيكون حدوث الطعام مشتملًا على ما ذُكِرَ بعده من الأشياء فاعرفه (٣).
وقرئ: (أَنّى) بالإمالة (٤)، على معنى: كيف صببنا؟
وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ القول فيه كالقول في الذي في "النازعات" (٥).
стр. 3746
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾:
قوله : ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ﴾ مِثل: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ ... يَوْمَ﴾ [النازعات: ٣٤ - ١٣٥] أي: ثبت كل امرئ منهم إذا جاءت. والصاخة: الصيحة تُصِمّ لشدتها، والصاخة، اسم للقيامة، سميت الصاخة لأن فيها الصيحة التي تَصُخّ الأسماع بشدة صوتها، أي: تُصِمّها، يقال: صَخَّ الصوتُ الأذنَ يَصُخُّهَا صَخًّا فهو صَاخٌّ، وأصاخَها يُصيخُها إصَاخَةً فهو مُصِيخ، بمعنى.
وقوله: ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ الجمهور على ضم الياء وغين معجمة، أي: يشغله عن قرابته، ويكفيه عن زيادة عليه، من أغنيت عنك، أي: أجزأت عنك، وقرئ: (يَعْنِيه) بفتح الياء وبعين غير معجمة (١)، أي: يهمه، وفي الحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يَعنيه" (٢)، أي: لا يهمه.
قال أبو الفتح: ما عليه الجماعة أقوى معنىً، لأن الإنسان قد يَعنيه الشيء ولا يُغنيه عن غيره، مثال ذلك: أن يكون للشخص مائة درهم، فتؤخذ
стр. 3747
منها عشرة دراهم، فيعنيه أمرُها ولا يُغنيه عن بقية ما له أن يهتم به ويراعيَه، انتهى كلامه (١).
وقوله: ﴿غَبَرَةٌ﴾ ﴿قَتَرَةٌ﴾ الغبرة: الغبار، وكذلك القترة هي الغبار، ومنه قول الفرزدق:
٦٢٤ - مُتَوَّجٌ بِرداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرّايَاتِ والقَتَرَا (٢)
القتر: جمع القترة، وهي الغبار، وفي التفسير: القترة: سواد كالدخان (٣).
و﴿هُمُ﴾: فَصْلٌ، أو مبتدأ، والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة عبس
والحمد لله وحده
стр. 3748
إعراب سورة التكوير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾:
قوله : ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ناصبُ ﴿إِذَا﴾ وعامله وما عطف عليه من الظروف، وهي اثنا عشر ظرفًا أولها ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وآخرها ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾، أي: إذا وقعت هذه الأشياء التي هي من أوصاف القيامة، علمت كل نفس ما أحضرته هناك من الأعمال النافعة والضارة.
وارتفاع هذه الأسماء الواقعة بعد ﴿إِذَا﴾ على الفاعلية عند أهل البصرة، ورافعها فعل يفسره ما بعده، وقد مضى الكلام على هذا عند قوله : ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾ في "والمرسلات" بأشبع من هذا (١). ومعنى كورت: جُمع ضوؤها وَلُفَّتْ كما تلف العمامة، يقال: كار العمامة وكورها، إذا
стр. 3749
لففها، والتكوير: تلفيفٌ على جهة الاستدارة، ومنه الكارة. قال الزمخشري: وهي عبارة عن إزالتها والذهاب بها، لأنها ما دامت باقية كان نورها منبسطًا، فإذا لفت ذهب ضوؤها (١).
وقوله: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ الجمهور على تشديد الطاء وهو الوجه، وقرئ: بتخفيفها (٢) كراهة التضعيف.
وقرئ: (سُجِرَت) بالتخفيف والتشديد (٣)، وكذا (نُشِرَت) و (سُعِرَت) (٤) فالتشديد في نحو هذا للتكثير وتكرير الفعل، والتخفيف يحتمل القليل والكثير.
وقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ الجمهور على ضم السين وكسر الهمزة، و (قتلتْ) بإسكان التاء، وفيها وجهان:
أحدهما: هي المسؤولة، فقيل لها: لم قُتلت بغير ذنب؟ توبيخًا لقاتلها.
والثاني: هي السائلة لقاتلها، لِمَ قتلتني؟ وفي الكلام على هذا حذف مضاف، والتقدير: سئل قاتلها، فحذف المضاف الذي هو قاتل، وأقيم المضاف إليه الذي هو هاء الضمير مقام المضاف، فارتفع مستكنًا في الفعل لقيامه مقام الفاعل، وجيء بالتاء ساكنة لأجل تأنيث الفاعل، كما تقول:
стр. 3750
جُمْلٌ قُتلتْ، وهِنْدٌ ضربتْ، فبقي ﴿سُئِلَتْ﴾ كما ترى.
وقيل: المنوي في ﴿سُئِلَتْ﴾ للقتلة، وإن لم يجر لها ذكر، لأن المعنى يدل عليها، والتقدير: وإذا الموءودة سُئِلَتِ القتلةُ لم قتلوها؟
وقيل: المعنى وإذا الموءودة سئلتْ أن تَدَّعِي على الوائد، أي: طُلب منها أن تدعي عليه تبكيتًا له، من قولهم: سَأَلْتُهُ حقي، أي: طلبته منه.
وقرئ: (سَأَلَتْ) بفتح السين والهمزة على البناء للفاعل، (بأي ذنب قُتِلْتُ)؟ بضم التاء (١)، على معنى: خاصمتْ عن نفسها، وسألت ربها أو قاتلها.
وبعد، فإن الموءودة هي المدفونة حية، وفعلها: وَأَدَ، يقال: وَأَدَ بنتهُ يئدُها وَادًا، فهو وائد، وهي موءودة، إذا دفنها وهي حية. قال الفرزدق:
٦٢٥ - وَمِنَّا الذي مَنَعَ الوائِداتِ ... فَأَحْيَا الوَئِيدَ فَلَمْ يُوأَدِ (٢)
يعني جده صعصعة بن ناجية. وسميت موءودة لأنها مثقلة بالتراب الذي يُجعل عليها بالدفن، يقال: آده يؤوده، إذا أثقله. وفي التنزيل: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (٣) أي: لا يثقله، فاعرفه.
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾: