← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾: قوله : ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ﴾ مِثل: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ ... يَوْمَ﴾ [النازعات: ٣٤ - ١٣٥] أي: ثبت كل امرئ منهم إذا جاءت. والصاخة: الصيحة تُصِمّ لشدتها، والصاخة، اسم للقيامة، سميت الصاخة لأن فيها الصيحة التي تَصُخّ الأسماع بشدة صوتها، أي: تُصِمّها، يقال: صَخَّ الصوتُ الأذنَ يَصُخُّهَا صَخًّا فهو صَاخٌّ، وأصاخَها يُصيخُها إصَاخَةً فهو مُصِيخ، بمعنى. وقوله: ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ الجمهور على ضم الياء وغين معجمة، أي: يشغله عن قرابته، ويكفيه عن زيادة عليه، من أغنيت عنك، أي: أجزأت عنك، وقرئ: (يَعْنِيه) بفتح الياء وبعين غير معجمة (١)، أي: يهمه، وفي الحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يَعنيه" (٢)، أي: لا يهمه. قال أبو الفتح: ما عليه الجماعة أقوى معنىً، لأن الإنسان قد يَعنيه الشيء ولا يُغنيه عن غيره، مثال ذلك: أن يكون للشخص مائة درهم، فتؤخذ

стр. 3747

منها عشرة دراهم، فيعنيه أمرُها ولا يُغنيه عن بقية ما له أن يهتم به ويراعيَه، انتهى كلامه (١). وقوله: ﴿غَبَرَةٌ﴾ ﴿قَتَرَةٌ﴾ الغبرة: الغبار، وكذلك القترة هي الغبار، ومنه قول الفرزدق: ٦٢٤ - مُتَوَّجٌ بِرداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ ... مَوْجٌ تَرَى فَوْقَهُ الرّايَاتِ والقَتَرَا (٢) القتر: جمع القترة، وهي الغبار، وفي التفسير: القترة: سواد كالدخان (٣). و﴿هُمُ﴾: فَصْلٌ، أو مبتدأ، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة عبس والحمد لله وحده

стр. 3748

إعراب سورة التكوير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾: قوله : ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ناصبُ ﴿إِذَا﴾ وعامله وما عطف عليه من الظروف، وهي اثنا عشر ظرفًا أولها ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وآخرها ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾، أي: إذا وقعت هذه الأشياء التي هي من أوصاف القيامة، علمت كل نفس ما أحضرته هناك من الأعمال النافعة والضارة. وارتفاع هذه الأسماء الواقعة بعد ﴿إِذَا﴾ على الفاعلية عند أهل البصرة، ورافعها فعل يفسره ما بعده، وقد مضى الكلام على هذا عند قوله : ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾ في "والمرسلات" بأشبع من هذا (١). ومعنى كورت: جُمع ضوؤها وَلُفَّتْ كما تلف العمامة، يقال: كار العمامة وكورها، إذا

стр. 3749

لففها، والتكوير: تلفيفٌ على جهة الاستدارة، ومنه الكارة. قال الزمخشري: وهي عبارة عن إزالتها والذهاب بها، لأنها ما دامت باقية كان نورها منبسطًا، فإذا لفت ذهب ضوؤها (١). وقوله: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ الجمهور على تشديد الطاء وهو الوجه، وقرئ: بتخفيفها (٢) كراهة التضعيف. وقرئ: (سُجِرَت) بالتخفيف والتشديد (٣)، وكذا (نُشِرَت) و (سُعِرَت) (٤) فالتشديد في نحو هذا للتكثير وتكرير الفعل، والتخفيف يحتمل القليل والكثير. وقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ الجمهور على ضم السين وكسر الهمزة، و (قتلتْ) بإسكان التاء، وفيها وجهان: أحدهما: هي المسؤولة، فقيل لها: لم قُتلت بغير ذنب؟ توبيخًا لقاتلها. والثاني: هي السائلة لقاتلها، لِمَ قتلتني؟ وفي الكلام على هذا حذف مضاف، والتقدير: سئل قاتلها، فحذف المضاف الذي هو قاتل، وأقيم المضاف إليه الذي هو هاء الضمير مقام المضاف، فارتفع مستكنًا في الفعل لقيامه مقام الفاعل، وجيء بالتاء ساكنة لأجل تأنيث الفاعل، كما تقول:

стр. 3750

جُمْلٌ قُتلتْ، وهِنْدٌ ضربتْ، فبقي ﴿سُئِلَتْ﴾ كما ترى. وقيل: المنوي في ﴿سُئِلَتْ﴾ للقتلة، وإن لم يجر لها ذكر، لأن المعنى يدل عليها، والتقدير: وإذا الموءودة سُئِلَتِ القتلةُ لم قتلوها؟ وقيل: المعنى وإذا الموءودة سئلتْ أن تَدَّعِي على الوائد، أي: طُلب منها أن تدعي عليه تبكيتًا له، من قولهم: سَأَلْتُهُ حقي، أي: طلبته منه. وقرئ: (سَأَلَتْ) بفتح السين والهمزة على البناء للفاعل، (بأي ذنب قُتِلْتُ)؟ بضم التاء (١)، على معنى: خاصمتْ عن نفسها، وسألت ربها أو قاتلها. وبعد، فإن الموءودة هي المدفونة حية، وفعلها: وَأَدَ، يقال: وَأَدَ بنتهُ يئدُها وَادًا، فهو وائد، وهي موءودة، إذا دفنها وهي حية. قال الفرزدق: ٦٢٥ - وَمِنَّا الذي مَنَعَ الوائِداتِ ... فَأَحْيَا الوَئِيدَ فَلَمْ يُوأَدِ (٢) يعني جده صعصعة بن ناجية. وسميت موءودة لأنها مثقلة بالتراب الذي يُجعل عليها بالدفن، يقال: آده يؤوده، إذا أثقله. وفي التنزيل: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (٣) أي: لا يثقله، فاعرفه. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾:

стр. 3751

قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ يجوز أن تكون (لا) صلة، وأن تكون ردًّا لكلام سابق، أي: ليس الأمر كما تزعمون أيها الكفرة، ثم ابتدأ جل ذكره فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. ﴿وَاللَّيْلِ﴾: عطف على (الخنس)، وكذا (الصبح) عطف أيضًا، والعامل في (إذا) معنى القسم. و ﴿إِذَا﴾ وما بعدها في موضع الحال، أي: أقسم بالليل مدبرًا أو مقبلًا، وبالصبح مضيئًا. وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ للقرآن وإن لم يجر له ذكر لحصول العلم به، وقد وصف هذا الرسول بأوصاف شتى إلى قوله: ﴿أَمِينٍ﴾. ﴿ثَمَّ﴾ ظرف مكان، وهو معمول ﴿مُطَاعٍ﴾ أي: هناك، وقرئ: (ثُمَّ) بضم الثاء (١) تعظيمًا للأمانة وبيانًا، لأنها أفضل صفاته المعدودة، قاله الزمخشري ﵀ (٢). (والخنس): جمع خانس، وهو المتأخر بالخفاء وعدم الظهور. ﴿الْكُنَّسِ﴾: جمع كانس، وهو الداخل في الكِناس المستتر به، (والجواري): جمع جارية التي تجري في أفلاكها، والمراد بالكل النجوم كلها من الخنس وغيره. وقيل: هي من جملة النجوم: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، وهذا عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه (٣). وقيل غير هذا، ولا يليق ذكره هنا. ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا

стр. 3752

ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾: قوله : ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ عطف على جواب القسم، وكذا ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ عن أبي إسحاق وغيره (١). وأقسم جل ذكره أن هذا القرآن نزل به جبريل ﵇ وأن محمدًا ﷺ ليس بمجنون، وأنه قد رأى جبريل بالأفق المبين. ثم قال جل ذكره: (وما هو على الغيب بظنين) (٢) بظنين، أي: بمتهم، وهو فعيل بمعنى مفعول، أي: مظنون، وقرئ: (بِضَنِينٍ) بالضاد (٣)، أي: ببخيل، أي: لا يبخل بما عنده من الغيب، ولا يكتمه كما يفعله الكهان، وذلك أن الكهان لا يظهرون ما عندهم حتى يأخذوا عليه حُلوانًا، وحُلوانهم رُشاهم. و ﴿عَلَى﴾ من صلته على كلتا القراءتين. وقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ (أين) ظرف مكان، وهو معمول ﴿تَذْهَبُونَ﴾، أي: فإلى أين تذهبون وقد ظهر الحق ووضح الطريق؟ فحذف الجار كما حذف في قولهم: ذهبت الشام، أي: إلى الشام، ونحو هذا يقال لمن ترك التدبير، وأعرض عن النظر، وعدل عن جادة الصواب. وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (إنْ) بمعنى (ما). وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾ (مَنْ) بدل مِن ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ بإعادة الجار، بدل بعض من كل، وإنما خص هؤلاء. بالإبدال منهم وإن كان الذكر شاملًا

стр. 3753

للجميع، لأنهم المنتفعون بالذكر دون غيرهم، فكأنه لهم، ولم يوعظ به غيرهم. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: إلا وقتَ مشيئةِ الله، أو بمشيئة الله، فحذف الجار وأوصل الفعل، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة التكوير والحمد لله وحده (١)

стр. 3754

إعراب سُورَة الانفِطَارِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾: قوله : ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ عامل (إذا) وما عطف عليه من الظروف إلى قوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ قوله: ﴿عَلِمَتْ﴾، والمعنى: إذا وقعت هذه الأشياء علمت كل نفس ما قدمت من خير أو شر، وارتفاع هذه الأسماء على الفاعلية، وقد ذكر قبيل (١). ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾: قوله : ﴿مَا غَرَّكَ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، وخبره (غرك) أي: أي شيء غرك؟ والاستفهام بمعنى الاستجهال والتوبيخ، ومعنى غرك: خدعك، يقال: غَرَّهُ يَغُرُّهُ غُرورًا، إذا خدعه، وما غرك بفلان؟ أي: كيف أجترأت عليه؟ وقرئ: (ما أغرك) بزيادة الهمزة قبل الغين (٢)، و (ما) على هذه القراءة يجوز أن تكون استفهامًا، وأن تكون

стр. 3755

تعجبًا، كقوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ (١) وغَرَّ لازم من الغِرَّةَ، وهي الغفلة، والغار: الغافل، من قولهم: بَيَّتَهُمُ العدو وهم غارون، وأغره غيره، أي: جعله غارًا، والمعنى: ما الذي دعاك إلى الاغترار به؟ وقوله: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ قرئ: بتشديد الدال (٢)، ومعناه: قَوَّمَ خَلْقَكَ فصيّرك معتدلًا متناسب الخلق من غير تفاوت فيه. وقرئ بتخفيفها (٣)، وفيه وجهان: أحدهما: بمعنى المشدد، أي: عَدّل بعضك ببعض فكنت معتدل الخِلقة متناسبها لا تفاوت فيها. والثاني: بمعنى صرفك عن الخلقة المكروهة، يقال: عَدَله عن الطريق. وقوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ جُوِّزَ أن تكون (ما) هنا صلة، فـ ﴿شَاءَ﴾ على هذا في موضع جرٍ على أنه نعت لـ ﴿صُورَةٍ﴾، و ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾ من صلة ﴿رَكَّبَكَ﴾ على معنى: وضعك في بعض الصور ومكنك فيه، وقد جوز أن يكون من صلة محذوف، أي: ركبك حاصلًا في بعض الصور، فيكون في موضع الحال، وأن تكون شرطية فـ ﴿شَاءَ﴾ على هذا في موضع جزم لكونه فعل الشرط، وكذا ﴿رَكَّبَكَ﴾ في موضع جزم أيضًا لكونه جزاء الشرط، والتقدير والمعنى: ما يشاء من الصور يركبك، ومحل الجملة الجر على النعت. فإن قلت: أين العائد من الصفة إلى الموصوف على التقديرين: جَعَلْتَ ﴿مَا﴾ صلةً أو شرطيةً؟ قلت: محذوف تقديره إن جعلت ﴿مَا﴾ صلة: ركبك في أي صورة شاءها، وإن جعلتها شرطية تقديره: ركبك عليها.

стр. 3756

فإن قلتَ: قد ذكرتَ أن قوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾ من صلة ﴿رَكَّبَكَ﴾ على قول من جعل ﴿مَا﴾ صلة، وسكتَّ على قول من جعلها شرطية، لا بل من صلة محذوف يدل عليه ﴿رَكَّبَكَ﴾، فَبَيِّنْ بعدُ هل هو من صلة ﴿رَكَّبَكَ﴾ أم لا؟ قلتْ تَحَصَّلَ عندنا شبهةٌ فبين لنا، ولا يجوز أن يكون من صلة ﴿رَكَّبَكَ﴾ لأن ما كان من صلة الشرط لا يتقدم عليه، ألا ترى أنك إذا قلت: إن تضرب زيدًا أضرب عمرًا، لا يجوز تقديم عمروٍ على إنْ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون من صلة محذوف. ولا يجوز أن يكون من صلة (عدلك) لأنه استفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، اللهم إلا أن يجعل ﴿فِي أَيِّ﴾ بمعنى التعجب، على معنى: فعدلك في صورة عجيبة، ثم ابتدأ جل ذكره فقال: ﴿مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. وقوله: ﴿كِرَامًا﴾ نعت. وكذا ﴿كَاتِبِينَ﴾. وكذا ﴿يَعْلَمُونَ﴾ صفة أو حال، والموصوف محذوف وهم الملائكة، وصفهم جل ذكره بكونهم حافظين، لحفظهم الأعمال، ولكونهم كرامًا، لكرامتهم على الله لجدهم في طاعته، وبكونهم كاتبين، لأنهم يكتبون أعمال بني آدم ويثبتونها على علم منهم. ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾: قوله : ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ صفة لـ ﴿جَحِيمٍ﴾، أو حال من المنوي في الخبر، و ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ ظرف له. وقوله: (يومُ لا تملكُ) قرئ: بالرفع (١)، ورفعه من وجهين: إما على البدل من ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف، وذلك أنه لما قال: ﴿وَمَا

стр. 3757

أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، قال: (يومُ لا تملك)، أي: هو يومُ لا تملك. وبالنصب (١)، ونَصْبُهُ يَحْتَمِلُ أوجهًا: أن يكون بدلًا من ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ الأول، وهو قوله: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾. وأن يكون ظرفًا لمحذوف، أي: يدانون في ذلك اليوم، يدل عليه ﴿الدِّينِ﴾. وأن يكون منصوبًا بإضمار اذكر، أو أعني، فيكون مفعولًا به. وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: الجزاء يوم لا تملك، يدل عليه ﴿الدِّينِ﴾، أو هذا ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ﴾، أي: واقعٌ يومَ لا تملك، وأن يكون مفتوحًا في موضع الرفع إذ جرى في الكلام ظرفًا في الأمر العام، كقوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ (٢). وهذه الأوجه نافذة على مذهب أهل البصرة جارية على أصولهم، وفتحته فتحة إعراب عندهم لكونه مضافًا إلى معرب، وأما عند أهل الكوفة ففتحته فتحة بناء، وهو مبني عندهم لإضافته إلى الفعل (٣). وقوله: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (يومئذٍ) يجوز أن يكون ظرفًا للمبتدأ، وأن يكون ظرفًا للخبر، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الانفطار والحمد لله وحده

стр. 3758

إعراب سُورَة المُطفِفِينَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ قوله : ﴿وَيْلٌ﴾ قد مضى الكلام على إعراب (ويل) في "والمرسلات" (١). وقوله: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ الاكتيال: الأخذ بالكيل، ونظيره: الاتِّزان، وهو الأخذ بالوزن. و ﴿عَلَى﴾ هنا بمعنى (مِنْ)، وقيل: بمعنى (عند) (٢). وقيل: على ومِنْ ها هنا يتعاقبان (٣)، وربما يخال من لا علم له بالعربية أن معنى اكتلت عليه، واكتلت منه واحد، وليس كما يزعم، وإنما المعنى إذا قال: اكتلت عليه، أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه، استوفيت منه. و ﴿عَلَى﴾ من صلة ﴿اكْتَالُوا﴾، وقد جوز أن تكون من صلة ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾. وقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ (هم) فيهما يجوز أن يكون منصوب

стр. 3759

المحل متصلًا في التقدير عائدًا إلى الناس، والتقدير: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، فحذف الجار وأوصل الفعل فصار بمنزلة ضربوهم، والأصل كالوا لهم المبيع، فحذف المفعول به لحصول العلم به. وأن يكون ضميرًا مرفوعًا منفصلًا مؤكدًا لضمير الفاعل عائدًا إلى المطففين، أي: كالوا هم أو وزنوا هم، كما تقول: قاموا هم، أو قعدوا هم. والوجه هو الأول، وعليه الحُذَّاق من النحاة محتجين بأن قبله ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾، فيجب أن يكون بعده: وإذا كالوا لهم، والمعنى: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر، لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشِر، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. وأيضًا فإن الضمير لو كان مرفوعًا مؤكدًا لوجب أن يكون في الإمام مصحف عثمان ﵁ بعد الواو ألف مشيًا على أصلهم (١)، ولا ألف فيه. وقوله: ﴿يُخْسِرُونَ﴾ يتعدى إلى مفعولين، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ (٢) فعداه إلى مفعول كما ترى، والفعل إذا كان يتعدى إلى مفعول واحد ونقل بالهمزة تعدى إلى مفعولين، وكلاهما هنا محذوف، أي: يخسرونهم ذاك. وقوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ﴾ الهمزة للاستفهام دخلت على (لا) النافية، وليست (أَلَا) هنا للتنبيه كالتي في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ (٣) لأن ما بعد تلك ثَمَّ مثبت، وهنا منفي، أي: لا يظنون أنهم مبعوثون، والظن هنا بمعنى العلم.

стр. 3760

وقوله: ﴿يَقُومُ﴾ يجوز أن يكون بدلًا من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ على المحل، وأن يكون ظرفًا لمضمر دل عليه ﴿مَبْعُوثُونَ﴾، أي: يبعثون يوم يقوم، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا واقع يوم يقوم، وأن يكون مبنيًّا على الفتح لإضافته إلى الفعل على مذهب أهل الكوفة، ويجوز في الكلام جره على البدل من ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١). ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾: قوله : ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ (كلا) هنا يجوز أن يكون ردعًا وزجرًا متضمنًا نفيًا فيوقف عليه، وأن يكون بمعنى حقًّا متصلًا بما بعده، واختُلف في أصله، فقال قوم: إنها كلمة واحدة من غير تركيب وضعت للردع والزجر وَجَرَتْ مجرى الأصوات، نحو: صه، ومه. وقال آخرون: الكاف للتشبيه دخلت على (لا)، وشُدِّدت للمبالغة، والوجه هو الأول. و﴿سِجِّينٍ﴾ فِعِّيل من السجن وهو الحبس، ونونه أصلية، وقيل: بدل من اللام. الزمخشري: هو اسمُ عَلَمٍ منقول من وصف كحاتم، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف، انتهى كلامه (٢). وجاء في التفسير: أنه موضع في أسفل الأرض السابعة فيه كتاب الفاجر (٣).

стр. 3761

وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ تعظيم لشأنه، وفي الكلام حذف مضاف، إما من سجين، وإما من قوله: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ والتقدير: وما أدراك ما كتابُ سجين، ثم قال جل ذكره: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾، أي: هو كتاب مرقوم، أي: كتابُ سجينٍ كتابٌ مرقومٌ، أو وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم، أي: هو موضع كتاب، فحذف المضاف وهو كتاب، أو موضعٌ، لا بد من حذف المضاف إما من الأول وإما من الثاني ليكون هو هو. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: إن كتاب الفجار لكتاب مرقوم في سجين، فلما تأخر الخبر وهو قوله: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ وتقدم عليه صلته وهي قوله: (في سجين) دخل اللام على الصلة، ومن حقه أن يدخل على الخبر وذلك لتقدم صلته عليه، كما تقول: [إن] (١) زيدًا لطعامك آكل، ولو تقدم الخبر على الصلة لدخل اللام على الخبر ولم يدخل على الصلة، فلا تقول: إنَّ زيدًا آكل لطعامك، فكذلك لو قال: إن كتاب الفجار كتاب مرقوم في سجين، لم يقل لفي سجين، ويجوز أن يكون ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ هو الخبر، وكذا ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ خبر بعد خبر، وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ اعتراض بين الاسم والخبر، ولا حذف على هذا ولا تقديم ولا تأخير، فاعرفه فإنه موضع. وكذا القول في قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ في جميع ما ذكرت، والمرقوم: المكتوب، وقيل: المختوم (٢). وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (ما) هنا يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون موصولة وراجعها محذوف، ومحلها الرفع على الفاعلية على كلا التقديرين، أي: غلب على قلوبهم كسبهم، أو الذي كانوا يكسبونه.

стр. 3762

وقوله: ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ القائم مقام الفاعل مصدر، وهو القول، دل عليه فعله، أي: يقال قولٌ هو هذا الذي كنتم به تكذبون. وقيل: هو الجملة عينُها، عن صاحب الكتاب ﵀ (١)، وهذا فيه نظر، لأن الجملة لا تكون فاعلة، فكيف تقام مقام الفاعل. ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾: قوله : ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ اختلف في ﴿عِلِّيِّينَ﴾، فقيل: اسم مكان، يعضده قوله ﷺ : "إنكم ترون أهل عليين كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم" (٢). سمي بذلك لارتفاعه. قال أبو إسحاق: هو أعلى الأمكنة (٣). وقال الفراء: هو ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له (٤). وقيل: إن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ صفة للملائكة (٥). فإذا فهم هذا فاختلفت النحاة فيه، فقال قوم: جُمع جمع السلامة لتكرره، تقول العرب إذا أصابها المطرُ بعدَ المطرِ: أصابنا الوابلون، وهو على هذا جَمْعُ عِلْيٍ، فِعِّيل من العُلْو، كَسِجِّين من السِجْنِ. وقال آخرون:

стр. 3763

هو اسم مفرد على لفظ الجمع كيبرين، وقنسرين، ومن هذا القبيل لفظ عشرين وثلاثين ونحوهما من أسماء العدد مما صيغته صيغة الجمع وليس له واحد، هذا على قول من جعله اسمًا للمكان، وأما من قال: إنه صفة للملائكة فهو جمع: عِلِّيٍّ، وهو المبالغ في العُلُوّ، لأن فِعِّيلًا بناء للمبالغة، والمعنى على هذا: إن كتاب الأبرار لفي ملائكة متناهين في العُلُوِّ والرِّفعة، يعني: عندهم وبين أيديهم، وإن جعلته اسم مكان فالحكم في إعرابه والتقدير كالحكم في قوله جل ذكره: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ الآية. ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾: قوله : ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون حالًا من المنوي في الخبر، أو من الفاعل في ﴿يَنْظُرُونَ﴾. وأما ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فيجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا من المنوي في الخبر، أو في الظرف إن جعلته حالًا، أي: ناظرين إلى ما أُعطوا، أو إلى أعدائهم من الكفار حين يُعَذَّبون على ما فسر (١). وقوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ الجمهور على البناء للفاعل في ﴿تَعْرِفُ﴾ ونَصْبِ ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾، أي: تعرف في وجوه أهل الجنة برقان النعيم وأثر اللذة، والمصدر الذي هو النضرة مضاف إلى الفاعل، ونَضَر فِعْلٌ يتعدى ولا يتعدى، تقول: نَضَرَ اللَّهُ وجهَهُ، ونَضَرَ وجهُهُ، نضرةً فيهما. وهنا لازم.

стр. 3764

وقرئ: (تُعْرَفُ) على البناء للمفعول (نَضْرَةُ النَّعِيمِ) بالرفع (١)، ووجهه ظاهر. ويجوز في الكلام (يُعْرَفُ) بالياء النقط من تحته مكان التاء (٢)، إما لأجل الفصل، وإما لكون التأنيث غير حقيقي، أو لأجل أن النضرة والتنعم بمعنىً. وقوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ في موضع نصب على أنه مفعول ثان لـ ﴿يُسْقَوْنَ﴾. وقوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ ابتداء وخبر، وقرئ: (خِتَامه) بكسر الخاء وفتح التاء وألف بعدها، و (خَاتَمه) بفتح الخاء والتاء بينهما ألف (٣)، فالختام: المصدر، والخاتَم: الاسم، كالطابَع، والخاتِم بكَسر التاء: اسم الفاعل، وبه قرأ بعض القراء (٤)، ومعانيها متقاربة. وقوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ ابتداء وخبر، أي: ومزاج هذا الرحيق المختوم من عين في الجنة اسمها (تسنيم)، قيل: وهو عَلَمٌ لعين بعينها سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سَنَّمَهُ، إذا رفعه، إما لأنها أرفع شراب في الجنة كما روي عن ابن عباس ﵄ (٥)، أو لأنها تأتيهم من فوق، على ما روي أنها تجري في الهواء متسنمة فَتَنْصبُّ في أوانيهم (٦)، ومنه: تسنمت الجبلَ، إذا علوته، ومنه سنام البعير، لعلوه من بدنه.

стр. 3765

وقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾ انتصاب قوله: ﴿عَيْنًا﴾ عند الزمخشري: على المدح (١)، وعند أبي إسحاق: على الحال من ﴿تَسْنِيمٍ﴾ لكونه اسمًا علمًا، فهو معرفة (٢)، أي: ومزاج ذلك الشراب من الماء العالي جاريًا. وعند المبرد: بإضمار أعني (٣)، وعند الفراء: بـ ﴿تَسْنِيمٍ﴾، لأن تسنيمًا مصدر، والمصدر يعمل عمل الفعل لقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ (٤)، وتقديره عنده: من تسنيمِ عينٍ، فلما نونه نصبها به (٥). وعند الأخفش: بـ ﴿يُسْقَوْنَ﴾ (٦)، أي: ماء عين، فحذف المضاف. وعندي على التمييز (٧). والباء في ﴿بِهَا﴾ يحتمل أن تكون صلة، أي يشربها، أي ماءها، لأن العين لا تُشرب، إنما يُشرب ماؤها، وأن تكون بمعنى: مِنْ، أي: منها، وأن تكون بمعنى: في، أي: وهم فيها، وقد ذكر في سورة الإنسان (٨)، والجملة في موضع الصفة لقوله: ﴿عَيْنًا﴾ أعني: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾:

стр. 3766

قوله : ﴿فَكِهِينَ﴾: حال من الفاعل في ﴿انْقَلَبُوا﴾. وكذا ﴿حَافِظِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿أُرْسِلُوا﴾، أي: وما أُرسِل الكفار على المؤمنين حافظين يحفظون أعمالهم عليهم. وقوله: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ قد جُوِّزَ أن تكون الجملة مفعولة ﴿يَنْظُرُونَ﴾، أي: ينظر المؤمنون هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلونه؟ أو بفعلهم. وأن تكون مستأنفة، فيكون من قول الله تعالى، أو من قول الملائكة تنبيهًا لهم على أنهم جوزوا ليزدادوا بذلك سرورًا إلى سرورهم. والاستفهام بمعنى التقرير. وقيل: هو على إضمار القول، أي: يقول بعض المؤمنين لبعض: هل جوزي الكفار بفعلهم مسرورين بما ينزل بهم استهزاء بهم (١)؟ . ثَوَّبَهُ وَأَثَابَهُ بمعنىً، إذا جازاه. والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة المطففين والحمد لله وحده

стр. 3767

إعراب سُورَة الانشقَاقِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾: قوله : ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ اختلف في جواب ﴿إِذَا﴾، فقيل: محذوف، وإنما حذف ليذهبَ المقدِّرُ كلَّ مذهبٍ (١)، والتقدير: إذا انشقت السماء ووقعت هذه الأشياء المذكورة بعدها المعطوفة عليها رأى الإنسانُ ما قدم من خير وشر، أو لاقَى كَدْحَهُ، دل عليه ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ (٢). وقيل: ﴿وَأَذِنَتْ﴾ والواو صلة (٣)، وكذلك ﴿وَأَلْقَتْ﴾ جواب إذا الثانية. وقيل: جوابها قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ (٤) والعامل فيها ﴿أُوتِيَ﴾. وقيل التقدير: اذكر إذا انشقت السماء، ولا جواب لـ ﴿إِذَا﴾ على هذا، لأن (إذا) إنما تحتاج إلى جواب إذا كانت للشرط، فإن عمل فيها ما قبلها لم تحتج إلى جواب (٥).

стр. 3768

وعن الأخفش: أن ﴿إِذَا﴾ مبتدأ، خبره ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ والواو مقحمة (١). ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾: قوله : ﴿كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ الكدح في اللغة: السعي الشديد في العمل، ولذلك جيء بـ ﴿إِلَى﴾. و ﴿كَدْحًا﴾ مصدر مؤكد. وقوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ أي: فأنت ملاقيه، والضمير لجزاء الكدح، أي: فملاقٍ جزاءَ كَدْحِك، فحذف المضاف، كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٢). أي: يرى جزاءه. وقيل: الضمير للرب جل ذكره (٣)، أي: فملاقٍ له لا محالة، لا مفر لك منه. و﴿حِسَابًا﴾: مصدر مؤكد لفعله وهو يحاسب، و ﴿يَسِيرًا﴾ نعته. و ﴿مَسْرُورًا﴾: حال من المنوي في ﴿وَيَنْقَلِبُ﴾. و ﴿ثُبُورًا﴾: مفعول به، وقد ذكر في "الفرقان" بأشبع من هذا (٤). ووجه التخفيف والتشديد في (يَصلَى) و (يُصلَّى) ظاهر (٥).

стр. 3769

و ﴿مَسْرُورًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، وقد جوز أن يكون حالًا، كقولك: زيد في أهله ضاحكًا، والوجه ما ذكرت. وقوله: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ (أن) مخففة من الثقيلة، وسدت مسد مفعولي الظن، والشأنُ مضمرٌ، أي: إن هذا الكافر ظن أن الأمر والشأن لن يرجع، والحَوْرُ: الرجوع. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾: قوله : ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ (ما) يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة، أي: وشيءٍ وَسَقَ، وأن تكون مصدرية، أي: وَوَسْقِهِ. والوَسْقُ: الضم والجمع. وقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قرئ: (لَتَرْكَبَنَّ) بفتح الباء (١) على خطاب الواحد وهو النبي ﷺ ، وقيل: الإنسان، وبضمها (٢) على خطاب الجمع، لأن النداء للجنس (٣)، والجنس جمع في المعنى. وقرئ أيضًا: بكسرها (٤) على خطاب النفس. وقرئ أيضًا: بالياء النقط من تحته مع فتح الباء (٥)، أي: ليَرْكَبَنَّ النبي ﷺ أو الإنسان.

стр. 3770

و ﴿طَبَقًا﴾ مفعول به. وفي ﴿عَنْ﴾ وجهان: أحدهما بمعنى بعد. والثاني على بابها، ومحلها النصب إما على أنها صفة لقوله: ﴿طَبَقًا﴾ أي: طبقًا حاصلًا عن طبق، أي: حالا عن حال، أو على أنها حال من المنوي في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾، أي: لتركبن طبقًا مجاوزًا لطبق، أو مجاوزين، أو مجاوزةً، على حسب القراءات، فاعرفه فإنه من كلام الزمخشري (١). ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾: قوله : ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الاستفهام بمعنى الإنكار والتوبيخ. و ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ حال من الضمير المجرور في ﴿لَهُمْ﴾. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل: الاستثناء متصل، وهو من الضمير المنصوب في ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾، وقيل: منقطع، أي: لكن الذين آمنوا. والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الانشقاق والحمد لله وحده (٢)

стр. 3771

إعراب سُورَة البُروجِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾: قوله : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ الواو الأولى للقسم، وما بعدها للعطف. واختلف في جواب القسم، فقيل: محذوف، يدل عليه قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، كأنه قيل: أُقْسِمُ بهذه الأشياء إنهم ملعونون - يعني كفار مكة - كما لُعن أصحاب الأخدود، وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على مَن تقدمهم مِن التعذيب على الإيمان، هذا قول الزمخشري (١). وقال الأخفش: جوابه ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، والتقدير: لقد قتل، فحُذف اللام وأُبقيَ قد قتل، ثم حُذِفَ (قد) كما قال جل ذكره: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٢) فحذف اللام وأبقى (قد)، [هذا على قول من جعل جواب

стр. 3772

القسم] (١). وقال بعضهم: جوابه ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (٢) وبه قال أبو إسحاق (٣)، وفيه ما فيه لأجل الطول. وقيل: جوابه ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾، وبه أقول (٤) وقيل: محذوف، تقديره: لتبعثن، ونحوه (٥). وقوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ أي: الموعود به، ولولا هذا الضمير لم تصح الصفة، إذ لا ذكر يعود إلى الموصوف من صفته. وقوله: ﴿النَّارِ﴾ جَرٌّ على البدل من ﴿الْأُخْدُودِ﴾، وهو بدل الاشتمال، كأنه قيل: قُتل أصحابُ الأخدودِ أصحابُ النار، وفيه تقديران، أحدهما: نارها، والألف واللام عوض من الضمير، وهذا مذهب الكوفيين، والبصريون لا يجيزون ذلك. والآخر: النار التي فيها، هذا تقدير البصريين (٦). وقد جوز أن يكون عطف بيان للأخدود، جُعل الأخدود لحرارته كأنه هو النار بعينها، تشبيهًا ومبالغةً في وصفه بالحرارة. وقوله: ﴿ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ وصف لها بأنها نار عظيمة، إذ قد علم أن النار لا تخلو من حطب، ولكن المراد بذات الوقود: تعظيم أمر ما كان في ذلك الأخدود من الحطب.

стр. 3773

وقرئ: (الوُقُودِ) بضم الواو (١)، وهو الفعل. ويجوز في الكلام (النارُ) بالرفع (٢)، على: هو النار. وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ (إذ) ظرف لـ ﴿قُتِلَ﴾، أي: لُعِنوا حين أَحْدَقُوا بالنار. و ﴿قُعُودٌ﴾: جمع قاعد. وكذا ﴿شُهُودٌ﴾ جمع شاهد. والضمير في ﴿عَلَيْهَا﴾ لحافات الأخدُود. فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿قُعُودٌ﴾ مصدرًا؟ قلت: لا، لأن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه، و (على) هنا من صلة ﴿قُعُودٌ﴾. وقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ الجمهور على فتح القاف، وقرئ: بكسرها (٣)، وهما لغتان، غير أن الفتح أشيع وعليه الأكثر، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٤). وقوله: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ في موضع نصب بقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ أي: وما أنكروا عليهم شيئًا إلا إيمانهم، يقال: نقمت عليه فعله، إذا أنكرته. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ

стр. 3774

مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾: والجمهور على ضم ياء ﴿يُبْدِئُ﴾، وقرئ: بفتحها (١)، وهما لغتان بمعنىً، يعني أَبْدَأَ وبَدَأَ. وقوله: ﴿الْمَجِيدُ﴾ قرئ: بالرفع والجر (٢)، أما الرفع: فعلى أنه صفة لقوله: ﴿ذُو﴾ أو خبر بعد خبر، وأما الجر: فعلى أنه صفة للعرش، أي العظيم. وقيل: الحسن، أو للرب في قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾، ذكره أبو علي (٣)، ولم يمنع الفصل لأنه جارٍ مجرى الصفة. ﴿فَعَّالٌ﴾: خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو فعال. وقوله: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ في موضع جر على البدل من ﴿الْجُنُودِ﴾، وهما لا ينصرفان، وقد جوز أن يكونا في موضع نصب بإضمار فعل. والجمهور على تنوين ﴿قُرْآنٌ﴾، و ﴿مَجِيدٌ﴾ صفته، وقرئ: (قرآنُ مجيدٍ) بترك التنوين على الإضافة (٤)، على معنى: قرآنُ رَبِّ مَجِيدٍ، فحذف الموصوف. وعلى فتح لام ﴿لَوْحٍ﴾، (والْلَوحُ) بالفتح هو الذي يكتب فيه، وقرئ: (في لُوحٍ) بضمها (٥). واللُّوح بالضم: الهواء بين السماء والأرض، قيل:

стр. 3775

يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح (١). وقوله: ﴿مَحْفُوظٍ﴾ قرئ: بالجر على أنه صفة للوح، وبالرفع (٢)، على أنه صفة للقرآن، والتقدير: بل هو قرآنٌ مجيدٌ محفوظٌ في لوحٍ، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة البروج والحمد لله وحده

стр. 3776

إعراب سُورَة الطَّارِقِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾: قوله : ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ هذا جواب القسم، وقرئ: (لما) بالتشديد والتخفيف (١)، فالتشديد: على أن (إنْ) بمعنى (ما)، و (لَمَّا) بمعنى (إلَّا). والتخفيف: على أنَّ (إنْ) مخففة من الثقيلة، و (ما) صلة، واللام هي الفارقة بين (إن) المؤكدة المخففة من الثقيلة، وبين (إن) النافية، واسمها مضمر، وهو الشأن والأمر، ولا خلاف (٢) في أن كل واحدة منهما مما يُتَلَقَّى به القسم، فاعرفه. و ﴿حَافِظٌ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿عَلَيْهَا﴾ خبره، أو بعليها على رأي أبي الحسن، والجملة خبر ﴿كُلُّ﴾. ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾: قوله : ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ استفهام، جوابه ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾،

стр. 3777

وأصله: مِمَّا، فحذف الألف من آخرها مع الجار، وهو (مِن) ليقع الفرق بين (ما) الاستفهامية والخبرية، والمعنى: من أي شيء خلقه الله؟ . وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ على النسب عند أصحابنا، أي: من ماء ذي دَفْقٍ، والدَّفْقُ: صَبٌّ فيه دفع، تقول: دَفَقْتُ الماء أَدْفُقُه دَفْقًا، إذا صببتَهُ، وهو عند الكوفيين بمعنى مدفوق (١). وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، المنوي في يخرج للماء، يعني: من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي جمع تَرِيبَة، وهي عظام الصدر، حيث تكون القلادة، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٢)، وفيه أقوال هذا أصحها، وكفاك دليلًا قول امرئ القيس: ٦٢٦ - ..................... ... تَرْائِبُهَا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَلِ (٣) والسجنجل: المِرآة، وهو روميّ مُعَرَّبٌ (٤). والصلب معروف، والجمهور على ضم الصاد وإسكان اللام، وقرئ: (من بين الصُّلُب) بضمهما (٥)، و (مِن بين الصَّلَب) بفتحهما (٦). قيل: وفيه

стр. 3778

أربع لغات: صلْب، وصُلُب، وصَلَب، وصَالب (١). وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ للخالق جل ذكره لدلالة ﴿خُلِقَ﴾ عليه. وأما في ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾ ففيه وجهان: أن يكون للإنسان، على معنى: أن الله تعالى على رد الإنسان بالإحياء بعد الموت، أو على رده من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا ومن الصبا إلى النطفة لقادر. وأن يكون للماء، على معنى: أنه تعالى على رد الماء في الصلب أو في الإحليل لقادر. والمصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، أي: على رجع الله الإنسان أو الماء. ويجوز أن يكون الضمير لله جل ذكره، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، والمفعول محذوف. فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ (يوم) ظرف لقوله: ﴿لَقَادِر﴾ على قول من جعل الضمير في ﴿رَجْعِهِ﴾ للإنسان، على معنى أنه على بعثه لقادر، ولا يعمل فيه ﴿رَجْعِهِ﴾ كما زعم الزمخشري (٢)، لأجل الفصل بين الصلة والموصول بخبر (إن) وهو ﴿لَقَادِرٌ﴾. فإن قلت: كيف جوزت هذا وقلت: إن العامل في الظرف ﴿لَقَادِرٌ﴾ والله تعالى قادر في جميع الأوقات لا تختص قدرته بوقت دون وقت؟ قلت: أجل الأمر كما زعمتَ وذكرتَ غير أن هذا محمول على القول الأول ردًّا على من أنكر القيامة، ونفى قدرته على البعث فيها، فهذا الذي جوز أن يكون ظرفًا له فاعرفه.

стр. 3779

وأما من فسره برده إلى الحالة الأولى، أو جعل الضمير في رجعه للماء، وفسره برده إلى مخرجه من الصلب والترائب، أو إلى الإحليل، فجعل الظرف ظرفًا لمضمر دل عليه ﴿رَجْعِهِ﴾، أي: يبعثه يوم تبلى السرائر، أو واذكر يوم، فيكون مفعولًا به، ولا يعمل فيه ﴿لَقَادِرٌ﴾، لأن ذلك في الدنيا لا في يوم القيامة. وقوله: ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾ عطف على لفظ ﴿قُوَّةٍ﴾ ويجوز في الكلام (ولا ناصرٌ) بالرفع عطفًا على محلها. ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾: قوله : ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ الرجع: المطر، وجمعه: رُجْعان، مسموع من القوم، كبُطنان في جمع بَطن، والقياس: أَرْجُعٌ ورجُوعٌ (١). وقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ الجمهور على (أمهلهم) بألف قبل الميم، وقرئ: (مَهِّلْهُمْ) بغير ألف (٢)، مَهِّلْ وأَمْهِلْ بمعنًى، وكذلك ﴿رُوَيْدًا﴾، وإنما جاءت على اختلاف ألفاظها مع اتفاق معانيها تأكيدًا، وذلك أن الجمهور آثروا التوكيد وكرهوا التكرير، فلما تكلفوا إعادة اللفظ مع إنكارهم إياه، انحرفوا عن الأول بعض الانحراف بتغييرهم المثال بانتقالهم عن فَعِّلْ إلى أَفْعِلٍ، فلما تكلفوا التثليث أتوا بالمعنى وتركوا اللفظ فقالوا: (رويدًا). وأما من قرأ: (مهلهم) فكرر اللفظ والمثال جميعًا نظرًا إلى أصل

стр. 3780

التوكيد، وأصله ألا يغير لفظه إذا أريد تكرير اللفظ دون المعنى، والمعنيان سواء فاعرفه (١). و﴿رُوَيْدًا﴾: صفة لمصدر محذوف، أي: إمهالًا رويدًا، والتقدير: أمهلهم إمهالًا ذا إرواد، والإرواد مصدر أرودهم إروادًا، و ﴿رُوَيْدًا﴾ تصغير إرواد تصغير الترخيم، وليس فيه معنى الفعل، إذ ليس باسم سمي به الفعل، وقد جوز هنا أن يكون اسمًا سمي به الفعل ويتضمن معناه، كأنه قال جل ذكره: فمهل الكافرين أمهلهم أرودهم، و ﴿رُوَيْدًا﴾ على هذا مبني على الفتح، لكنه أدخل فيه التنوين للتنكير، كما أدخل نحو صَهٍ، ومَهٍ، أي: أرودهم إروادًا، كما تقول: صَهٍ بالتنوين، أي: اسكت سكوتًا ما، فاعرفه فإنه موضع، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الطارق والحمد لله وحده

стр. 3781

إعراب سُورَة الأَعْلَى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥)﴾: قوله سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: نزه ربك عن السوء وعما لا يليق به، واسم الرب: هو الرب، وقد ذَكَرْتُ فيما سلف من الكتاب أن الاسم هو المسمى (١)، إذ لو كان غير المسمى لم يجز أن يقع التسبيح عليه. وقيل: لفظ ﴿اسْمَ﴾ صلة قصد بها تعظيم المسمى (٢). و ﴿الْأَعْلَى﴾: صفة للرب أو للاسم (٣). وقوله: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ قد جوز في ﴿أَحْوَى﴾ أن يكون حالًا من ﴿الْمَرْعَى﴾، أي: أَخْرَجَهُ أخضرَ يضرب إلى السواد من شدة الري، فجعله بعد ذلك غثاءً، أي: يابسًا يحمله السيل وتطير به الريح. وأن يكون صفة للغثاء على أن يراد به السواد لا الخضرة، أي: أسود، ليبسه واحتراقه. ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)

стр. 3782

وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾: قوله : ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ في (لا) وجهان: أحدهما: نفي، وهو الوجه وعليه الجل، محتجين بأن الإنسان لا يُؤمَرُ بترك النسيان، لأنه ليس باختياره. والثاني: نهي، والألف صلة للفاصلة، كالتي في ﴿الظُّنُونَا﴾ (١)، و ﴿السَّبِيلَا﴾ (٢). وقيل: ناشئة عن إشباع الفتحة. وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (ما) في موضع نصب على الاستثناء، أي: لستَ تنسى إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة. وقيل: الغرض بالاستثناء نفي النسيان رأسًا، كما يقول الرجل لصاحبه: أنت شريكي فيما أملك إلا فيما شاء الله، ولا يقصد استثناء شيء به (٣). قال الفراء: قال لم يشأ الله أن ينسى شيئًا (٤). ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾: قوله : ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ قرئ: بالتاء النقط من فوقه على الخطاب، أي: قل لهم ذلك، تعضده قراءة من قرأ: (بل أنتم تؤثرون)، وهما ابن مسعود وأُبي ﵄ (٥)، وبالياء النقط من

стр. 3783

تحته (١) ردًّا على ﴿الْأَشْقَى﴾ إذ المراد به الجنس. وكلُّ مكتوب عند القوم صحيفةٌ، فلهذا قال: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، فأبدلها من ﴿الصُّحُفِ الْأُولَى﴾، فاعرفه، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الأعلى والحمد لله وحده

стр. 3784

إعراب سُورَة الغَاشِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾: قوله : ﴿وُجُوهٌ﴾ مبتدأ، و ﴿خَاشِعَةٌ﴾ خبره، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف للخبر، أي: ذليلة يومئذٍ. وقوله: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ الجمهور على رفعهما، وفيه وجهان: أحدهما: خبر مبتدأ محذوف، أي: هي عاملة ناصبة، وذلك في الدنيا، فيوقف على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ على هذا التأويل. والثاني: خبر بعد خبر عن ﴿وُجُوهٌ﴾، فيكون كلاهما في الآخرة، أعني العملَ والنَّصَبَ، جاء في التفسير: أنها تعمل في النار عملًا تتعب فيه (١)، وهو جرها السلاسلَ والأغلالَ، وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل، وارتقاؤها في صعود من نار وهبوطها في حدُور منها (٢). ولك أن تجعل ﴿خَاشِعَةٌ﴾ صفة لـ ﴿وُجُوهٌ﴾، وكذا ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾،

стр. 3785

و ﴿تَصْلَى﴾ هو الخبر، والناصبة: التعبة، يقال: نَصِب الرجل يَنصب، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر نَصَبًا، إذا تعب في العمل. وقرئ: (عاملةً ناصبةً) بالنصب (١) على الذم. وقوله: ﴿تَصْلَى﴾ قرئ: بفتح التاء وضمها (٢)، وقد ذكر نظيرهما فيما سلف من الكتاب (٣). وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ﴾ (طعامٌ) اسم (ليس)، و (لهم) خبرها. ﴿إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ يجوز أن يكون مرفوع المحل على البدل من ﴿طَعَامٌ﴾، أو منصوبَهُ على أصل الباب. فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿مِنْ ضَرِيعٍ﴾ من صلة ﴿طَعَامٌ﴾؟ قلت: نعم، إن جعلت الطعام بمعنى المعنى، وهو التَّطَعُّم، كما تقول: ليس له أكل إلا من اللحم، وإلا فلا. والضريع: نبت تأكله الإبل، يضر ولا ينفع، يقال له إذا كان رطبًا: الشِّبْرِقُ، وإذا كان يابسًا: الضَّريع (٤)، قيل: إنه مشتق من المضارعة، وهي المشابهة، فكأنه يشتبه على الإبل بما ينفع من النبت (٥). وقوله: ﴿لَا يُسْمِنُ﴾ ويجوز أن يكون في موضع رفع على النعت، ولـ ﴿ضَرِيعٍ﴾ على المحل إذا جعلته بدلًا، وأن يكون في موضع جر على اللفظ،
следующие страницы →