← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

إعراب سُورَة الأَعْلَى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥)﴾: قوله سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: نزه ربك عن السوء وعما لا يليق به، واسم الرب: هو الرب، وقد ذَكَرْتُ فيما سلف من الكتاب أن الاسم هو المسمى (١)، إذ لو كان غير المسمى لم يجز أن يقع التسبيح عليه. وقيل: لفظ ﴿اسْمَ﴾ صلة قصد بها تعظيم المسمى (٢). و ﴿الْأَعْلَى﴾: صفة للرب أو للاسم (٣). وقوله: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ قد جوز في ﴿أَحْوَى﴾ أن يكون حالًا من ﴿الْمَرْعَى﴾، أي: أَخْرَجَهُ أخضرَ يضرب إلى السواد من شدة الري، فجعله بعد ذلك غثاءً، أي: يابسًا يحمله السيل وتطير به الريح. وأن يكون صفة للغثاء على أن يراد به السواد لا الخضرة، أي: أسود، ليبسه واحتراقه. ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)

стр. 3782

وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾: قوله : ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ في (لا) وجهان: أحدهما: نفي، وهو الوجه وعليه الجل، محتجين بأن الإنسان لا يُؤمَرُ بترك النسيان، لأنه ليس باختياره. والثاني: نهي، والألف صلة للفاصلة، كالتي في ﴿الظُّنُونَا﴾ (١)، و ﴿السَّبِيلَا﴾ (٢). وقيل: ناشئة عن إشباع الفتحة. وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (ما) في موضع نصب على الاستثناء، أي: لستَ تنسى إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة. وقيل: الغرض بالاستثناء نفي النسيان رأسًا، كما يقول الرجل لصاحبه: أنت شريكي فيما أملك إلا فيما شاء الله، ولا يقصد استثناء شيء به (٣). قال الفراء: قال لم يشأ الله أن ينسى شيئًا (٤). ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾: قوله : ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ قرئ: بالتاء النقط من فوقه على الخطاب، أي: قل لهم ذلك، تعضده قراءة من قرأ: (بل أنتم تؤثرون)، وهما ابن مسعود وأُبي ﵄ (٥)، وبالياء النقط من

стр. 3783

تحته (١) ردًّا على ﴿الْأَشْقَى﴾ إذ المراد به الجنس. وكلُّ مكتوب عند القوم صحيفةٌ، فلهذا قال: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، فأبدلها من ﴿الصُّحُفِ الْأُولَى﴾، فاعرفه، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الأعلى والحمد لله وحده

стр. 3784

إعراب سُورَة الغَاشِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾: قوله : ﴿وُجُوهٌ﴾ مبتدأ، و ﴿خَاشِعَةٌ﴾ خبره، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف للخبر، أي: ذليلة يومئذٍ. وقوله: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ الجمهور على رفعهما، وفيه وجهان: أحدهما: خبر مبتدأ محذوف، أي: هي عاملة ناصبة، وذلك في الدنيا، فيوقف على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ على هذا التأويل. والثاني: خبر بعد خبر عن ﴿وُجُوهٌ﴾، فيكون كلاهما في الآخرة، أعني العملَ والنَّصَبَ، جاء في التفسير: أنها تعمل في النار عملًا تتعب فيه (١)، وهو جرها السلاسلَ والأغلالَ، وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل، وارتقاؤها في صعود من نار وهبوطها في حدُور منها (٢). ولك أن تجعل ﴿خَاشِعَةٌ﴾ صفة لـ ﴿وُجُوهٌ﴾، وكذا ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾،

стр. 3785

و ﴿تَصْلَى﴾ هو الخبر، والناصبة: التعبة، يقال: نَصِب الرجل يَنصب، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر نَصَبًا، إذا تعب في العمل. وقرئ: (عاملةً ناصبةً) بالنصب (١) على الذم. وقوله: ﴿تَصْلَى﴾ قرئ: بفتح التاء وضمها (٢)، وقد ذكر نظيرهما فيما سلف من الكتاب (٣). وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ﴾ (طعامٌ) اسم (ليس)، و (لهم) خبرها. ﴿إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ يجوز أن يكون مرفوع المحل على البدل من ﴿طَعَامٌ﴾، أو منصوبَهُ على أصل الباب. فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿مِنْ ضَرِيعٍ﴾ من صلة ﴿طَعَامٌ﴾؟ قلت: نعم، إن جعلت الطعام بمعنى المعنى، وهو التَّطَعُّم، كما تقول: ليس له أكل إلا من اللحم، وإلا فلا. والضريع: نبت تأكله الإبل، يضر ولا ينفع، يقال له إذا كان رطبًا: الشِّبْرِقُ، وإذا كان يابسًا: الضَّريع (٤)، قيل: إنه مشتق من المضارعة، وهي المشابهة، فكأنه يشتبه على الإبل بما ينفع من النبت (٥). وقوله: ﴿لَا يُسْمِنُ﴾ ويجوز أن يكون في موضع رفع على النعت، ولـ ﴿ضَرِيعٍ﴾ على المحل إذا جعلته بدلًا، وأن يكون في موضع جر على اللفظ،

стр. 3786

أو نصب على المحل إذا حملته على أصل الباب، فاعرفه فإنه موضع. وكذا ﴿لَا يُغْنِي﴾ حكمه حكمه، أي: غير مسمن ولا مغن من جوع. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾: قوله : ﴿وُجُوهٌ﴾ أي: ووجوه، فحذف العاطف. وقوله: ﴿لِسَعْيِهَا﴾ يجوز أن تكون من صلة ﴿رَاضِيَةٌ﴾، أي: قد رضيت في الآخرة سعيها، وهو عملها في الدنيا لما رأت من العاقبة الحميدة، والتقدير: راضية سعيها، فلما تقدم المعمول ضعف العامل قليلًا جيء باللام، وهذه اللام مؤكدة لعمل الفعل وناصرة له على العمل، وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا. ويجوز أن تكون لام التعليل، أي: لأجل سعيها في طاعة الله راضية جزاءه وثوابه، وأن تكون من صلة ﴿نَاعِمَةٌ﴾، أي: ناعمة لسعيها، أي: من أجل سعيها. وتكون ﴿رَاضِيَةٌ﴾ بمعنى مرضية، أي: عملها مَرْضِيَّة. وقوله: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ قرئ: بفتح التاء على البناء للفاعل، ونصب ﴿لَاغِيَةً﴾ به (١)، والتاء يجوز أن تكون للخطاب خاصًّا كان أو عامًا، وأن تكون للوجوه. وقرئ: (لا تُسمَع) على البناء للمفعول، والتاء والياء، ورفع (لاغيةٌ) به (٢)، فالتاء: لتأنيث لفظ (لاغية)، والياء: لأن التأنيث غير حقيقي، أو

стр. 3787

لأن اللاغية واللغو بمعنى، أو للفصل. وقوله: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ النمارق: الوسائد، واحدتها: نُمْرُقة ونَمْرُقة بضم النون وفتحها مع ضم الراء. وعن الفراء: نِمْرِقَة ونِمْرَقَة بكسر النون وكسر الراء وفتحها (١). ﴿وَزَرَابِيُّ﴾ قيل طنافس مُخْمَلَةٌ. وقيل: بُسُطٌ فاخرة، واحدتها زِرْبيَّةٌ (٢). ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾: قوله : ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الجمهور على ضم الفاء وكسر العين وإسكان التاء، وكذا ما بعده من الأفعال وهي ﴿رُفِعَتْ﴾ و ﴿نُصِبَتْ﴾ و ﴿سُطِحَتْ﴾ على البناء للمفعول، والقائم مقام الفاعل المنوي في كل واحد منها العائد إلى ما قبله. وروي: (خَلَقْتُ) و (رَفَعْتُ) و (نَصَبْتُ) و (سَطَحْتُ) بفتح الفاء والعين على البناء للفاعل (٣). وهو تاء المتكلم، والتقدير: خَلَقْتُها، ورَفَعْتُها، ونَصَبْتُها، وسَطَحْتُها، فحذف المفعول للعلم به.

стр. 3788

وقرئ أيضًا: (سُطِّحَتْ) بالتشديد (١)، قال أبو الفتح: إنما جاز هنا التضعيف للتكرير مِنْ قِبَلِ أن الأرض بسيطة وفسيحة، فالعمل فيها متردد متكرر على قدر سعتها، فهو كقولك: قطّعتُ الشَّاةَ، لأنها أعضاء ويخص كل عضو منها عمل، انتهى كلامه (٢). وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ الجمهور على كسر الهمزة وتشديد اللام على أنها (إلا) التي للاستثناء، وفيه وجهان: أحدهما: منقطع، وعليه الأكثر، والمعنى: لست بمتولٍ عليهم، لكن من تولى منهم وكفر، فإن لله الولاية والقهر، فهو يفعل به ما يريد. والثاني: متصل، أي: لست عليهم بمتولٍ (٣) إلا من تولى منهم عن الإيمان وقام على الكفر، فإنك مُسَلَّطٌ عليه بما يؤذن لك من قتله وأسره. وقال الفراء: الاستثناء من قوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾، أي: فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه، فإنه لا ينفعه التذكير، فكأنك لم تذكره، وما بينهما اعتراض (٤). وقيل: إلا من تولى وكفر، فلست له بمذكِّر، لأنه لا يقبل منك، فكأنك لست تذكره (٥). و﴿مَنْ﴾ موصولة منصوبة المحل، منقطعًا كان الاستثناء أو متصلًا، لا بد من هذا التقدير.

стр. 3789

وقرئ: (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (١) على أنها التي للتنبيه، و ﴿مَنْ﴾ على هذه القراءة شرطية، والجواب: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ﴾، كما تقول: من قام فيكرمه زيد، والمبتدأ بعد الفاء مضمر، أي: فهو يكرمه، وكذا هنا، أي: فهو يعذبه الله، لا بد من هذا التقدير، لأنه لو أريد الجواب بالفعل الذي بعد الفاء لقيل: يكرمْه يعذبْه الله بالجزم، وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا. و﴿مَنْ﴾ في موضع رفع بالابتداء، وخبره الشرط أو الجواب، وقد ذكر أيضًا نظيره فيما سلف من الكتاب في غير موضع (٢). ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾: قوله : ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ الجمهور على تخفيف ياء ﴿إِيَابَهُمْ﴾، وهو فِعال من آبَ يؤوب أَوْبًا وأَوْبَةً وإيابًا، إذا رجع، كصام يصوم صَومًا وصِيامًا، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها واعتلالها في الفعل. وقرئ: (إيَّابَهُم) بتشديدها (٣)، وقد جوز أن يكون فِيعالًا مصدر أوَّبْتُ فَوْعَلْتُ من آب، بمنزلة حَوْقَلْتُ، وأتى المصدر على الفِيعال كالحِيقال، أنشد الأصمعي: ٦٢٧ - يا قَوْمِ قَدْ حَوْقَلْتُ أو دَنَوْتُ ... وبعض حِيقَالِ الرِّجَالِ المَوْتُ (٤)

стр. 3790

ويكون أصله على هذا إيْوَابًا كِحيقَال، ثم قلبت الواو ياء فصار إيَّابًا، وأن يكون فِعَّالًا من أَوَّبَ، ويكون الأصل: إِوَّابًا، فقلبت الواو ياء وإن كانت متحصنة بالإدغام استحسانًا للتخفيف لا وجوبًا، فقيل: إيوابًا، كديوان في دِوّان. فأبدلوا إحدى الواوين ياءً كما فعلوا بدينار وقيراط، والأصل: دِنَّار وقِرَّاط، ثم فُعل به ما فعل بسيد، أعني بإيواب، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الغاشية والحمد لله وحده

стр. 3791

إعراب سُورَة الفَجْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾: قوله : ﴿وَالْفَجْرِ﴾ الواو الأولى للقسم، وما بعدها للعطف، أَقْسَمَ جل ذكره بالفجر، كما أقسم بالصبح في قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ (١)، وبربهما. وقيل: بصلاة الفجر (٢). واختلف في جواب القسم، فقيل: محذوف، أي: لتبعثن ونحوه. وقيل: مذكور، وهو قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (٣). والجمهودر على تنوين ﴿لَيَالٍ﴾، و ﴿عَشْرٍ﴾ نعتها، وقرئ: (وليالِ عشرٍ) بترك التنوين على الإضافة (٤)، أي وليالِ أيامٍ عشر، قاله الزمخشري (٥).

стр. 3792

وقوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ الشفع في اللغة اثنان، والوتر: الفرد، وفيه لغتان: كسر الواو وفتحها، وقد قرئ بهما (١)، فالفتح: لغة أهل الحجاز، والكسر: لغة تميم، عن أبي علي وغيره (٢). وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ العامل في (إذا) معنى القسم، أي: أقسم به إذا يسري، أي: يمضي. وقيل: يُسْرَى فيه (٣). وقرئ: (يسري) بإثبات الياء في الحالين (٤)، وهو الأصل، وبحذفها فيهما اجتزاء عنها بالكسرة (٥)، وبإثباتها في الدرج، وبحذفها مع كسرتها في الوقف (٦)، للفرق بين الحالين، وخُصّ الوقف بذلك، لأن الوقف باب حَذْفٍ وتَغَيُّرٍ. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾: قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾

стр. 3793

الاستفهام بمعنى التقرير، والرؤية بمعنى العلم، لأنه رؤية القلب، ورؤية القلب عِلْمٌ. والجمهور على تنوين عاد وكسر همزة ﴿إِرَمَ﴾ وفتح رائها وميمها مخففتين، وهي بدل من عاد أو عطف بيان، ويبعد أن تكون صفة كما زعم بعضهم (١) لكونها غير مشتق، إلا على قول من قال: إن ﴿إِرَمَ﴾ بمعنى القديمة (٢). واختلف فيها: فقيل: قبيلة من عاد. وقيل: مدينة. وقيل: اسم أرض. وقيل: أم عاد (٣). ولم تنصرف قبيلة كانت أو مدينة أو أرضًا أو أُمًّا للتعريف والتأنيث. ومَن جعلها اسم أرض أو مدينة قَدَّرَ في الكلام حذف مضاف تقديره: بعاد أهلِ إرم. وقرئ: (بِعَادِ إِرَمَ) بترك تنوين (عاد) على الإضافة (٤)، أي: بعاد أهل إرم، أو صاحب إرم، فحذف المضاف، هذا على قول من جعلها اسم أرض أو مدينة. وقيل: الأحسن أن تكون (إرم) لقبًا، وهو بدل أو عطف بيان، فالإضافة على هذا بمنزلة: قَيْسُ قُفَّة، وزيدُ بَطَّة، لكونه لقبًا، فيضاف الاسم إلى لقبه. وقرئ أيضًا: (بِعادٍ أَرَمَّ) بفتحِ الهمزة والراء وتشديد الميم، (ذَاتَ العمادِ) بالنصب (٥)، على معنى: جعل الله ذات العماد رميمًا، رَمَّتْ وأَرَمَّها الله، وهو تفسير لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾، كأنه قيل: ما صنع

стр. 3794

بها؟ فقيل: أَرَمَّ ذَاتَ، ودل ذلك على إهلاكهم. وقرئ أيضًا: (بِعادِ إرَمِ ذاتِ العمادِ) بإضافة (عاد) إلى إرم)، و (إرم) إلى (ذات العماد) (١)، والإرَمُ على هذه القراءة العَلَمُ، وجمعه آرام، أي: بعاد أهل أو أصحاب أعلام هذه المدينة، و (ذات العماد) اسم المدينة، أضيف عاد إلى إرم المدينة التي يقال لها: ذات العماد. وقوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ صفة لـ ﴿إِرَمَ﴾، أي: ذات عَمَدٍ لا يقيمون، لأنهم على ما فسر كانوا من أهل البدو، أو ذوي القامات الطوال، على تشبيه قدودهم بالأعمدة، هذا على قول من جعل ﴿إِرَمَ﴾ قبيلة، ومن قال: إنها مدينة، فالمعنى: ذات أساطين، وفيها أقوال أخر لا يليق ذكرها هنا (٢). وقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ﴾ في موضع جر على النعت لإرم، أو لعاد، أو لعماد، وهي جمع عمد. ويجوز أن يكون في موضع نصب على قراءة من قرأ: (أرَمَّ ذَات العمادِ). وقوله: ﴿وَثَمُودَ﴾ عطف على (عاد)، أي: وفعل بثمود، و ﴿وَفِرْعَوْنَ﴾ أيضًا عطف، أي: وفعل بفرعون. وقوله: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا﴾ يجوز أن يكون في موضع جر على النعت للمذكورين، وهم عاد وثمود وفرعون، وأن يكون في موضع نصب على إضمار: أعني. ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا

стр. 3795

لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾: قوله : ﴿إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ (ما) صلة. وقوله: ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ عطف على ﴿مَا ابْتَلَاهُ﴾. وقوله: ﴿فَيَقُولُ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾، و ﴿إِذَا﴾ وجوابها خبر عن ﴿الْإِنْسَانُ﴾، والتقدير: فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن وقت الابتلاء، ﴿وَأَمَّا﴾ الثانية مع ما بعدها عطف على (أما) الأولى، والقول فيهما واحد، وحذف (الإنسان) من الجملة الثانية لدلالة الأول عليه. وقوله: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ قرئ: بالياء فيهن النقط من تحته (١)، لتقدم ذكر الإنسان، والمراد بالإنسان الجنس، فحمل على المعنى فجمع وإن كان قد حمل على اللفظ. وبالتاء النقط من فوقه على الخطاب (٢)، على معنى: قل لهم يا محمد كيت وكيت. وقرئ: (ولا يحضون) بغير ألف بعد الحاء (٣)، أي: لا يحضون أنفسهم أو أحدًا، وقرئ: (ولا تحاضّون) بالألف (٤)، وأصله: تتحاضون بتاءين، فحذفت إحداهما كراهة اجتماعهما، أو هو على الخطاب، أي: لا

стр. 3796

يحض بعضكم بعضًا على إطعامِ طعامِ المسكين، فحذف المضاف، وقد مضى الكلام على نظيره فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (١). وقرئ أيضًا: في غير المشهور: (ولا تُحاضُّون) بضم التاء (٢) من المُحاضَّة، والمحاضةُ أن يحث كل واحد منهما صاحبه، كذا ذكره الجوهري وغيره من أهل اللغة (٣). والتراث: الميراث، وأصله: وُراث، فقلبت الواو لانضمامها أولًا تاء كتخمة وتجاه. و﴿أَكْلًا﴾ مصدر مؤكد لفعله، و ﴿لَمًّا﴾ صفته، أي: شديدًا يأتي على جميعه، من قولهم: لممت الشيء، إذا جمعته، واللَّمُّ: الجمع، و ﴿جَمًّا﴾ من قولهم: جم الماء في الحوض، إذا اجتمع وكثر. و ﴿جَمًّا﴾: يجوز أن يكون صفة لقوله: ﴿حُبًّا﴾، وأن يكون حالًا من المال. ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾: قوله : ﴿كَلَّا﴾ يجوز أن يكون بمعنى الردع والزجر، وأن يكون بمعنى حقًّا. وقوله: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)

стр. 3797

وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ ... ﴾ (دَكًا دَكًا) مصدر مؤكد، وكرر للتوكيد، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، أي: أمر ربك، فحذف المضاف، ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ حال من الملك، أي: مصطفين، والقائم مقام الفاعل: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أو ﴿بِجَهَنَّمَ﴾. وقيل: المصدر مضمر وهو القائم مقام الفاعل (١). وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ﴾ (يومئذٍ) بدل من ﴿إِذَا﴾، والعامل فيهما ﴿يَتَذَكَّرُ﴾. وقوله: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ (الذكرى) مبتدأ، وهو مصدر على فِعْلَى بمعنى الذِّكْرُ، والخبر ﴿أَنَّى﴾ تقدم عليه لما فيه من معنى الاستفهام. قيل: والمراد بالذكرى: التوبة (٢)، أي: ليست له الذكرى، لأنها إن وجدت فوجودها كعدمها. وقيل التعدير: من أي جهة له منفعة الذكرى؟ فحذف المضاف (٣). وقوله: ﴿يَقُولُ﴾ يجوز أن يكون في موضع الحال، أي: قائلًا، وأن يكون تفسيرًا لقوله: ﴿يَتَذَكَّرُ﴾. وقد جوز أن يكون العامل في ﴿إِذَا﴾: ﴿يَقُولُ﴾، وفي ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ﴿يَتَذَكَّرُ﴾. وقوله: ﴿يَالَيْتَنِي﴾ أي: يا قوم. ﴿قَدَّمْتُ﴾: مفعوله محذوف وهو العمل الصالح. وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ قرئ: بكسر الذال والثاء على البناء للفاعل (٤)، وهو ﴿أَحَدٌ﴾، والضمير في ﴿عَذَابَهُ﴾ و ﴿وَثَاقَهُ﴾ لله جل ذكره، والعذاب والوثاق اسمان وضعًا موضع التعذيب

стр. 3798

والإيثاق، والمعنى: لا يعذب أحد أحدًا تعذيبًا مثل تعذيب الله للكافر، ولا يوثق أحد أحدًا إيثاقًا مثل إيتاق الله للكافر. وقيل: المعنى لا يملك أحد التعذيب في القيامة إلا الله، كأنه قيل: لا يملك عذابه أحد، لأن الأمر له وحده في ذلك اليوم. أبو علي: يجوز أن يكون المعنى: لا يعذب أحد أحدًا تعذيبًا مثل تعذيب هذا الكافر، فالضمير على هذا في ﴿عَذَابَهُ﴾ و ﴿وَثَاقَهُ﴾ للإنسان الكافر (١). وقرئ: بفتح الذال والثاء على البناء للمفعول (٢)، وهو ﴿أَحَدٌ﴾، والضمير في ﴿عَذَابَهُ﴾ و ﴿وَثَاقَهُ﴾ للإنسان السابق ذكره: أي: لا يُعَذَّبُ أحد تعذيبه، ولا يوثق أحد إيثاقه. و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف لـ ﴿يُعَذِّبُ﴾ ومحله النصب، وعن أبي علي: أنه في موضع رفع بالابتداء وخبره ما بعده والعائد محذوف، كأنه قيل: يوم القيامة لا يعذب فيه عذابه أحد. وقوله: ﴿رَاضِيَةً﴾ منصوب على الحال من ياء النفس، وكذا ﴿مَرْضِيَّةً﴾، أي: راضية بما أوتيت، مرضية عند الله قد رضي عملها، والمعنى: مرضي عملها، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الفجر والحمد لله وحده

стр. 3799

إعراب سُورَة الْبَلَدِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾: قوله : ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ القول في (لا) هنا كالقول في التي في أول "القيامة" (١)، وقيل: هي نافية، والمعنى لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه (٢). وقيل: لا أقسم به وأنت فيه، بل أقسم بك (٣). وقوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾ الواو للحال عند الأكثر، وقال بعضهم ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾ في معنى الاستقبال، محتجًا بأن السورة مكية، وأين الهجرة عند وقت نزولها؟ فما بال الفتح؟ (٤) و ﴿حِلٌّ﴾ مصدر بمعنى الفاعل إن جعلته بمعنى الحالّ، كالسقط بمعنى الساقط، وإن جعلته بمعنى الحلال كان على تقدير: ذو حل.

стр. 3800

وقوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ عطف على المقسم به. و (ما) يجوز أن تكون موصولة بمعنى (مَنْ) وعائدها محذوف، أي: أقسم بهذا البلد وبوالد ومَن ولدهم، أي: بآدم ﵇ وذريته على ما فسر (١). وأن تكون مصدرية، أي: بِآدمَ وَوِلَادٍ. وأن تكون نافية على معنى: ووالد، وهو الذي يلد، ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ يعني العاقر، وهو الذي لم يلد من الرجال والنساء، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٢)، وفي الكلام على هذا حذف، والتقدير، ووالد ومن ما ولد، وهذا على مذهب أهل الكوفة. وقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ في موضع الحال من الإنسان، أي: مكابدًا، أو منتصبًا معتدلًا على ما فسر (٣). وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ (أن) مخففة من الثقيلة، وهي تسد مسد مفعولي الحسبان، وكذلك قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. وأصل (يره): يَرْأَهُ، فخففت الهمزة على مذاق العربية، وحذفت لام الفعل للجزم (٤). وقوله: ﴿لُبَدًا﴾ الجمهور على ضم اللام وفتح الباء وتخفيفها وهو بناء مبالغة كَحُطَمٍ، وهو جمع لُبْدَة، كقُرَبٍ وحُفَرٍ في قُرْبة وحُفْرة، وقرئ: (لُبُدًا) بضم اللام والباء (٥)، وهو جمع لَبُود، كرُسُلٍ في جمع رسول. و (لُبَّدا) بضم اللام وفتح الباء وتشديدها (٦)، وهو جمع لابد، كشُهّد في شاهد، ويجوز أن

стр. 3801

يكون واحدًا كَزُمَّل (١). (ولِبَدًا) بكسر اللام وفتح الباء (٢)، وهو جمع لِبْدَةٍ، كِقَرَبٍ في قِرْبَةٍ، وأصله من تَلَبَّد الشيْءُ، إذا اجتمع. وقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: إليهما. ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾: قوله : ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أبو إسحاق: (لا) هنا بمعنى لم، ولذلك دخل الماضي من غير تكرار، لأن (لا) لا يدخل على الماضي إلا مكررًا، نحو قوله : ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ (٣). أبو علي: ما ذكره لا يلزم، بل يجوز التكرار وغير التكرار، كما يجوز ذلك مع (لم) (٤). غيرهما: هي متكررة في المعنى لدلالة آخر الكلام على معناه، لأن معنى ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾: فلا فَكَّ رقبةً ولا أَطعمَ مسكينًا، ألا ترى أنه فَسَّرَ اقتحامَ العقبةِ بذلك (٥)؟ وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ أي: ما اقتحام العقبة؟ فحذف المضاف، لأن ﴿اقْتَحَمَ﴾ يدل عليه، ثم بين جل ذكره اقتحام العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، أي: هي فك رقبة، أي: اقتحامها فك رقبة، وإنما قدر حذف المضاف ليكون المفسَّرُ كالمفسِّر، لأن العقبة عين، والفك حدث، (فاعرفه) (٦).

стр. 3802

وقرئ: (فَكَّ رَقَبَةً أو أَطْعَمَ)، على الفعل الماضي (١)، على تفسير اقتحام العقبة بالفعل، كما قال جل ذكره: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى ... ﴾ الآية، ثم فسرها بقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (٢). وقرئ: (فَكُّ) برفع الكاف، (رَقَبَةٍ) بالجر، (أو إِطْعامٌ) بكسر الهمزة وألف بعد العين ورفع الميم وتنوينها (٣)، على: هي فك رقبة، وقد ذكر آنفًا، والمصدر مضاف إلى المفعول، وقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾ عطف عليه، ولا ضمير فيهما عند جمهور النحاة، لأن المصدر لا يتحمل الضمير، وذهب جماعة منهم (٤) إلى أن المصدر إذا عمل في المفعول كان فيه ضمير كاسم الفاعل (٥). وقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ الجمهور على جَرِّ ﴿ذِي﴾ على أنه صفة ليوم، و ﴿يَتِيمًا﴾ مفعول ﴿إِطْعَامٌ﴾، وقرئ: (ذا) بالنصب (٦)، وفيه وجهان: أحدهما: منصوب بـ ﴿إِطْعَامٌ﴾، أي: وأن يطعم في يوم من الأيام ذا مسغبة، و ﴿يَتِيمًا﴾ بدل منه أو وصف له، وجاز وصف الصفة إذ لم تَجْرِ على موصوف، فأشبهت الاسم. والشماني: صفة لـ ﴿يَوْمٍ﴾ على المحل دون اللفظ، لأن قوله: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ منصوب المحل.

стр. 3803

وقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ﴾ عطف على (فَكَّ رقبةٍ) عند من فتح الكاف، ومن ضمها كان عطفًا على قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾. و ﴿ثُمَّ﴾ هنا بمعنى الواو عند قوم، لأن (ثم) يوجب أن الثاني بعد الأول، والإيمان هو السابق المقدم على غيره، ولا يثبت عمل صالح إلا به. وعلى بابه عند آخرين، وفيه وجهان: أحدهما: جيء به لتراخي الأخبار، والتقدير: ثم أخبركم أنه كان من الذين آمنوا، فيكون لترتيب الأخبار لا لترتيب المخبر عنه، كقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١)، فأخبر جل ذكره أولًا بخلقه من تراب، ثم أخبر ثانيًا بقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ فالترتيب في الخبر لا في الفعل، وله نظائر في التنزيل، وقد ذكر في مواطنه. والثاني: لتراخي الفعل. و ﴿آمَنُوا﴾ بمعنى: داوموا على الإيمان، فاعرفه فإنه موضع (٢). ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾: قوله : ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ قرئ: بالهمز وتركه (٣)، من آصدت الباب وأوصدته، إذا أطبقته، لغتان بمعنى، ويجوز أن يكون الهمزة من أوصد كما همز: ٦٢٨ - ............ مؤسى ... .................. (٤)

стр. 3804

ونحوه، وتركه من آصد على التخفيف، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. وذهب بعضهم إلى أن ﴿نَارٌ﴾ مبتدأ خبره ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ من صلة الخبر، والتقدير: نار مؤصدة عليهم، والوجه أن يكون (١) صفة لها، والخبر ﴿عَلَيْهِمْ﴾، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة البلد والحمد لله وحده

стр. 3805

إعراب سُورَة الشَّمْسِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾: قوله : ﴿وَالشَّمْسِ﴾ جَرٌّ بواو القسم، وما بعدها عطف عليهما وقد ذكرت في غير موضع أن الواو الأولى في نحو هذا هي التي للقسم وما عداها للعطف (١)، هذا مذهب الخليل وصاحبه صاحب الكتاب رحمهما الله تعالى (٢). وقوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ قيل: الضمير للشمس (٣)، لأن الشَّمس تتجلى تمام الانجلاء إذا انبسط النهار. وقيل: للظلمة (٤). وقيل: للدنيا (٥). وقيل: للأرض (٦)، وإن لم يجر لهن ذكر لأن المعنى يدل عليهن، والعلم

стр. 3806

يحيط بهن، كما قالوا: هبت شمالًا، وأرادوا الرِّيح، وأصبحت باردة، وأرادوا الغداة. والذي شقهن خمسًا من واحدة، وأرادوا الأصابع. وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ قيل: الضمير للشمس، أي: يغشى الشَّمس بظلمته عند غروبها. وقيل: للآفاق. وقيل: للأرض (١). يقال: غشي الشيءُ الشيءَ، إذا علاه فغطاه. وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ (ما) يجوز أن تكون مصدرية، أي: وبنائها، وأن تكون بمعنى (مَن)؛ أي: ومن بناها، وهو الله عز وعلا. قيل: وإنما جيء بـ (ما) دون (مَن) لإرادة معنى الوصفية، والتقدير: والسماء والقادر العظيم الذي بناها (٢). وقال بعضهم: (ما) بمعنى الذي، ومعنى هذا أن (ما) أشبهت الذي في الإبهام وفي كونها موصولة، (والذي) يصلح لذي العلم ولغيره فكذلك (ما)، وهذا المراد بقولهم: إن (ما) هنا بمعنى (الذي) فاعرفه (٣). وكذلك (ما) في قوله: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ يجوز فيهما ما جاز في الأولى من الأوجه، فاعرفه. واختلف في جواب القسم، فقيل: ﴿قَد أَفلَحَ﴾، على تقدير حذف اللام، والتقدير: لقد أفلح، وإنما حذفت لطول الكلام بين القسم وجوابه. قال أبو إسحاق: لما طال الكلام صار طوله عوضًا عن اللام (٤). وقال غيره: لما كان اللام للتأكيد و (قد) أيضًا يفيد التأكيد استغني بـ (قد) عن اللام (٥).

стр. 3807

وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف، التقدير: قد أفلح من زكاها والشمس وضحاها (١). وقيل: جوابه محذوف، وإنما حذف للعلم به، واختلف في تقديره، فقيل: تقديره: لَيُدَمْدِمَنّ الله على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ كما دمدم على ثمود، لأنهم كذبوا صالحًا ﵇ (٢). وقيل تقديره: لتبعثن، أو لتحاسبن (٣). وقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ عطف ﴿سَوَّاهَا﴾، وهذا يدل على أن (ما) بمعنى (مَنْ) لأجل تشاكل النظم؛ أي: ومن سَوَّى هذه النفس فألهمها فجورها وتقواها، أي: أعلمها الخير والشر. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾: قوله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ المنوي في ﴿زَكَّاهَا﴾ و ﴿دَسَّاهَا﴾ يجوز أن يكون لله ، وأن يكون للإنسان صاحب النفس، وقد فُسِّر بهما (٤). والعائد إلى ﴿مَنْ﴾ إن جعلت المنوي فيهما لله تعالى: الضمير المنصوب حملًا على المعنى، كأنه قيل: أفلحت نفس أو فرقة زكاها، وقد خابت من دساها الله، أي: أخملها وغمسها في المعاصي.

стр. 3808

و ﴿دَسَّاهَا﴾ أصله: دسسها، فقلبت السين الأخيرة ياء كما قلبوا في قصيت أظفاري، وتظنيت، والأصل: قَصصت، وتظننت، وقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فبقي دساها كما ترى، ودس الشيء: أخفاه. وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ أي: كذبت ثمود نبيها صالحًا ﵇ بسبب طغيانها ومجاوزتها الحد في الكفر. والطغوى مصدر من الطغيان، وإنما أبدلوا من الياء واوًا ليفصلوا بين الاسم والصفة، وذلك أن فَعْلى إذا كانت من ذوات الياء وهي اسم قلبت واوًا لما ذكرت آنفًا، نحو قولهم: تقوى، وهو من تقيت، والبقوى، وهو من بقيت، أي: انتظرت. وحكى أبو الحسن: طَغَى يَطْغُو، فهي على هذا يكون كالدعوى من دعوت، فلا قلب على هذا. والجمهور على فتح الطاء، وقرئ: (بِطُغْوَاهَا) بضمها (١)، وهو مصدر على فُعْلى، كالرُّجْعَى والحُسْنَى وشبههما من المصادر التي أتت على فُعْلَى نحو: البؤسى والنعمى. ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾: (إذ) معمول لـ ﴿كَذَّبَتْ﴾، أي: كذبوا نبيهم حين انبعث، أو لي (طغوى)، أي: طغت حين انبعث أشقاها للعقر، ومعنى ﴿انْبَعَثَ﴾: قام ونهض، يقال: بعثه لهذا الأمر فانبعث له، أي: قام وانتدب، و ﴿أَشْقَاهَا﴾ أي: أشقى ثمود، أي: أكثرهم شقاء، وهو قدار بن سالف، ومصاع بن دهر (٢)، وكانا عقرا الناقة.

стр. 3809

قال الزمخشري: ولم يقل أشقياها لرويّ الآية، ويجوز أن يكونوا جماعة، والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أَشْقَوها، كما تقول: أفاضلهم، والضمير في ﴿لَهُمْ﴾ يجوز أن يكون للأشقيين، والتفضيل في الشقاوة، لأن من تولى العقر وباشره كانت شقاوته أظهر وأبلغ، انتهى كلامه (١). وقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ نصب على معنى: احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء. ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ عطف عليها، أي: واحذروا سقياها، يعني: شربها، وهو نصيبها من الماء. وقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أي: بسبب ذنبهم، و (دمدم) بمعنى دَمَّرَ، أي: أهلك، والدمدمة: إهلاك باستئصال، عن بعض أهل اللغة (٢)، وهي من تكرير قولهم: ناقة مدمومة، إذا لبسها الشحم (٣). وقوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ الضمير للدمدمة (٤)، أي: سوى الدمدمة بينهم، بمعنى عمهم بها. وقيل: لثمود (٥)، على معنى: فسواها بالأرض. وقيل: للصيحة. وقيل: للعقوبة (٦). وقيل: لأبنيتهم،

стр. 3810

أي: سوّى أبنيتهم بهدمها وإخرابها (١). وقوله: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قرئ: بالواو (٢)، ومحل الجملة النصب على الحال من المنوي في ﴿فَسَوَّاهَا﴾ الراجع إلى الله جل ذكره، أي: فسواها غير خائف عقبى ما صنع بهم من الإهلاك، أي: عاقِبَتَها وتَبِعَتَها كما يخاف الملوك والولاة، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٣). وقيل: فاعل الفعل الذي هو ﴿يَخَافُ﴾ صالح ﵇، لأن الله تعالى نجاه حين أهلكهم، وكان قد وعده بالنجاة حين أوعدهم (٤). وقيل: العاقر، أي: انبعث أشقاها غير خائف عقبى فعلته (٥). وقرئ: (فلا يخاف) بالفاء (٦) عطفًا على ما قبله، والمنوي فيه لله ، أي: فلا يخاف الله تبعة ما أنزل بهم. والفرق بين الفاء والواو: أن الفاء إذا عطف بها كان الثاني من سبب الأول، لأن الفاء فيها معنى الجواب وهي للترتيب، وليست الواو كذلك. وقال الشيخ أبو علي: الفاء للعطف على قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ (فلا يخافُ)، كأنه تبع تكذيبهم وعقرهم أن لم يخافوا، انتهى كلامه (٧). فالمنوي في (فلا يخاف) على قوله للعاقر، وهو واحد على قول الجمهور، وإنما نسب العقر إلى جميعهم لرضاهم بفعله، فاعرفه.

стр. 3811

والضمير في ﴿عُقْبَاهَا﴾ للفعلة، أو للدمدمة، أو للعقوبة، أو للتسوية، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الشمس والحمد لله وحده

стр. 3812

إعراب سُورَة الليْلِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾: قوله : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ اختلف في المَغْشِيّ، فقيل: النهار، أي: يغشى بظلمته النهار، أي يستره فيُذهب ضوءه. وقيل: المغشيّ كل ما واراه بظلامه، والغاشي: الليل. وقيل: المغشي الليل، والغاشي الظلام، يعني: إذا غشيه الظلام فأظلم وادلهم. وقوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ أي: بان وانكشف، وظهر ضوؤه، وقيل: تجلى الليل، أي: أزال ظلامه، فتجلى على هذا بمعنى جَلَّى، كتبدل بمعنى بَدّلَ. وقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (ما) في موضع جر بالعطف على المجرور بحرف القسم، وهي موصولة بمعنى (مَن)، أي: وخالقِ الذكر والأنثى، وهو الله جل ذكره، أو مصدرية، أي: وخَلْقِ الذكر والأنثى. وقيل: (مَا) بمعنى (الذي) (١)، والمراد به المخلوق، والتقدير: والذي خلقه الله، فـ ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ على هذا بدل من الراجع إلى (مَا) المقدر.

стр. 3813

وعن الكسائي: (وما خَلَقَ الذكرِ والأنثى) بجر الذكر والأنثى (١)، على أنه بدل من محل (مَا)، وقد ذكرت آنفًا أن (مَا) في موضع جر بالعطف على المجرور بحرف القسم، و (مَا) مع الفعل بتأويل المصدر، والتقدير: وخَلْقِ اللهِ الذكرِ والأنثى، أي: ومخلوقه، تسمية للمفعول بالمصدر، كضرْبِ الأمير، وصَيْدِ الصائد، تعضده قراءة من قرأ: (والذكرِ والأنثى) بالجر بغير (ما) وهو النبي ﷺ ، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس ﵃ أجمعين (٢). قيل: وجاز إضمار اسم الله جل ذكره لأنه معلوم، لانفراده بالخلق إذ لا خالق سواه. وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ هذا جواب القسم، و (شتى) جمع شتيت، كمرضى وجرحى في جمع مريض وجريح، والشتيت: المتباعد والمتفرق، مأخوذ من الشتات وهو التفرق، يقال: شَتَّ الأمرُ شتًّا وشَتَاتًا، أي: تفرق، وعن بعض الإعراب: الحمد لله الذي جمعنا من شَتٍّ (٣). وإنما أخبر جل ذكره عن السعي - وهو واحد - بشتى - وهو جمع - لأن السعي مصدر، والمصدر جنس، والجنس يدل على الكثرة، ثم إنه مضاف إلى الجمع، فهو جمع في المعنى، فكأنه قيل: إن مساعيكم لشتى، والمعنى: إن عملكم اختلف في الجزاء، فلا يستوي عمل المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، فكأنه قيل: إن عملكم لمتباعدٌ بعضه من بعض، لكون بعضه ضلالًا وبعضه

стр. 3814

هدى، وبعضه بَرًّا وبعضه فجورًا، على ما فسر (١). ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾: قوله : ﴿مَنْ أَعْطَى﴾ (مَن) موصولة، وقيل: شرطية (٢)، والوجه هو الأول لكونه مختصًا، إذ المراد به أبو بكر الصديق ﵁ (٣). وقوله: ﴿بِالْحُسْنَى﴾ صفةٌ حُذِفَ موصوفها، أي: بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، أو الخصلة الحسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وفي لا إله إلا الله، أو بالملة الحسنى، وهي ملة الإسلام على ما فسر (٤). وكذا (اليسرى)، أي: للحالة، أو للطريقة اليسرى. واليسرى: تأنيث الأيسر، أي: السهلة. وكذا (العسرى) أي: للحالة أو للطريقة العسرى. وقوله: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ (ما) يجوز أن تكون استفهامية منصوبة المحل، بـ ﴿يُغْنِي﴾، أي: أي شيء يغني عنه ماله؟ بمعنى: لا يغني شيئًا. وأن تكون نافية، فيكون مفعول ﴿يُغْنِي﴾ محذوفًا، أي: ليس يغني عنه ماله إذا تردى شيئًا، و ﴿تَرَدَّى﴾ تفعّل من الردى، وهو الهلاك، و ﴿إِذَا﴾ معمول ﴿يُغْنِي﴾. ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى

стр. 3815

(١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾: قوله : ﴿يَتَزَكَّى﴾ في موضعِ نصب على الحال من المنوي في ﴿يُؤْتِي﴾ أي: يؤتيه متزكيًا، أي: مُخرِجًا للزكاة. وقيل: طالبًا لأن يكون زاكيًا عند الله، لا للرياء والسمعة. وقيل: متطهرًا من ذنوبه، أي: يقصد بهذا الإنفاق تكفير الذنوب. وقيل: هو بدل من ﴿يُؤْتِي﴾ فلا محل له على هذا، لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها من الإعراب (١). وقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾ الجمهور على نصبه، ونصبه على الاستثناء المنقطع؛ و (إلا) بمعنى لكن، أي: لكن فعل ذلك ابتغاء وجهه، أي: لابتغاء وجهه، فهو في الحقيقة مفعول له. وقيل: الاستثناء محمول على المعنى، والتقدير: لم يعط ماله لشيء إلا لابتغاء وجه ربه، والابتغاء: المطلب، أي: إلا لطلب التوجه إلى ربه الأعلى (٢). وقرئ: (إلا ابتغاءُ) بالرفع (٣) على البدل من ﴿نِّعْمَةٍ﴾ على المحل، على لغة من يقول: ما في الدار أحدٌ إلا حمارٌ، بالرفع، ومنه قوله: ٦٢٩ - وَبَلْدةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إِلَّا اليَعَافِيرُ وإلَّا العِيسُ (٤) اليعافير: بدل من أنيس، واليعافير جمع يَعْفُور، واليعفور الخِشْفُ،

стр. 3816

وولد البقرة. وقيل: اليعافير تيوس الظباء (١). والعيس: الإبل البيض يخالط بياضَها شيءٌ من الشقرة، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة والليل والحمد لله وحده

стр. 3817

إعراب سُورَة الضُّحى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾: قوله : ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ الجمهور على تشديد الدال، وهو من التوديع، وأصله عند الرحيل، والاسم: الوداع، أو ما ودعك توديع المسافر والمفارق، لأن مَنْ ودَّعكَ مفارقًا فقد بالغ في تركك، والتوديع للمبالغة. وقرئ: (ما ودَعك) بتخفيفها (١)، أي: ما تركك، وهو قليل في الاستعمال، وقد منع صاحب الكتاب ﵀ أن يقال: وَدَعَ، قال: استغنوا عنه بقولهم: تَرَكَ (٢). وذلك لثقل الواو في الكلمة، وقد جاء ذلك في الشعر، قال: ٦٣٠ - ليت شِعري عَنْ خَلِيلي ما الذي ... غَالَه في الحُبِّ حتى وَدَعَهْ (٣)

стр. 3818

أي: ترك الحب، وقَد استعملوا مضارعه فقالوا: يدع، لعدم الثقل. وقوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما قلاك، استغني بتعدية الفعل الأول عن تعدية الثاني، وكذا ﴿فَآوَى﴾، ﴿فَهَدَى﴾، ﴿فَأَغْنَى﴾ (١)، أي: فآواك، فهداك، فأغناك. وألف ﴿قَلَى﴾ منقلبة عن ياء، بشهادة قولهم: قليته، وإضجاع القراءة إياها (٢). وقَلَى الشيءَ يقلاه، بفتح العين في الماضي والغابر، قِلًى وقَلاءً، إذا أبغضه، وهو أحد ما جاء من فَعَل يَفْعَل بالفتح فيهما، وليس فيه حرف من حروف الحلق، وهو لغة طيء (٣)، وغيرُها يقول: قلاه يقليه، بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر. وقوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ اللام في قوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ﴾ لام الابتداء تفيد التأكيد، ويحسن حيث يكون الخبر كلمة التفضيل كما ها هنا وفي قولك: لزيد أفضل من عمرٍو. فازداد هنا حسنًا، لأن هذا الكلام عطف على جواب القسم، وهو ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. وأما اللام في قوله جل ذكره: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره: ولأنت سوف يعطيك، وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم أو لام ابتداء، فلا يجوز أن تكون لام قسم؛ لأن لام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التأكيد، فإذا لم تكن لام القسم فبقي أن تكون لام الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر، فإذًا لا بد من تقدير مبتدأ وخبر، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك. والثاني: لام القسم، وإنما لم يقل جل ذكره: يعطينّك، لأن النون إذا

стр. 3819

دخلت فإنما تدخل إعلامًا بأن اللام لام الابتداء، وقد عُلم هنا أنها لام القسم دون الابتداء لدخولها على سوف، ولام الابتداء لا تدخل على (سوف) فاعرفه واختر ما شئت منهما. والمفعول الثاني لقوله: ﴿يُعْطِيكَ﴾ محذوف، كما تقول: أعطيت زيدًا، ولا تذكر العطية، وهذا مُطَّرِدٌ في كلام القوم، إذا كان المفعول الثاني غير الأول، ذلك الاقتصار على أحدهما، ويجوز حذفهما معًا، فمتى حذفتهما جميعًا فهو غاية في الإبهام، ومتى ذكرتهما جميعًا فهو غاية في البيان، ومتى اقتصرت على أحدهما، فهو توسط في البيان، نحو: أعطيت، وأعطيت زيدًا درهمًا، وأعطيت زيدًا، وأعطيت درهمًا. أي: ولسوف يعطيك ربك ما تبتغي. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾: قوله : ﴿يَتِيمًا﴾ مفعول ثان، وكذا ﴿ضَالًّا﴾ و ﴿عَائِلًا﴾، لأن قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ﴾ من الوجود الذي هو بمعنى العلم. و ﴿فَآوَى﴾ عطف عليه، لأنه في معنى المضي. والجمهور على مَدِّه، وهو من أوى فلان إلى منزله يَأْوِي أُوِيًّا وإوَاءً، وَآوَيْتُهُ أَنَا إيواءً، وأوَيْتُهُ أيضًا، إذا أنزلته بك. أفعلتُ وفعلتُ بمعنى، عن أبي زيد (١). فإذا فهم هذا فقد قرئ أيضًا: (فأَوِي) مقصورًا (٢)، وذلك يحتمل

стр. 3820

وجهين: أن يكون بمعنى الممدود، وأن يكون من أَوى له، إذا رق له ورحمه. وقوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَر﴾ (اليتيم) منصوب بالفعل الواقع بعد الفاء، وحقه أن يكون بعد الفاء، والتقدير: مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم. وكذلك: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، ولو كان مع الفعلين ضمير لكان الرفع أجود في الاسمين، ويجوز النصب أيضًا فيهما مع الضمير فيهما. والباء في ﴿بِنِعْمَةِ﴾ من صلة قوله: ﴿فَحَدِّثْ﴾ على تقدير الكلام في سورة البقرة عند قوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ بأشبع ما يكون، فأغناني عن الإعادة هنا (١). وفي حرف ابن مسعود ﵁: (فلا تَكْهَرْ) بالكاف مكان القاف (٢)، وهو بمعنى تقهر، كذا رُوي عن الكسائي ﵀، قال: كَهَرَهُ وَقَهَرَهُ بمعنى (٣)، يعضده قول الأعرابي الذي بال في المسجد: "فما كهرني رسول الله ﷺ " (٤)، أي: فما زبرني. يقال: نهره وانتهره، إذا زبره، والله تعالى أعلم بكتابه. هذا آخر إعراب سورة الضحى والحمد لله وحده
следующие страницы →