يُعَدّى في حال السعة والاختيار بإلى، فاعرفه (١).
ولك أن تجعل ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ وما بعده مستأنفًا عاريًا عن المحلّ، والله أعلم (٢).
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾:
قوله : ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ مبتدأ. ﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة له، أي: فردٌ في الإلهيَّة لا شريك له فيها. والفائدة هنا في الصفة، بدليل أنه لو قيل: وإلهكم واحد، لكان أَسَدَّ كلام، ونظيرهْ: زيد شخصٌ واحد.
وقيل: ﴿إِلَهٌ﴾ بدل من ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ و ﴿وَاحِدٌ﴾ الخبر، وليس بشيء.
﴿لَا إِلَهَ﴾: مبني مع لا، في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: لكم. ﴿إِلَّا هُوَ﴾: في موضع رفع على البدل من موضع ﴿لَا إِلَهَ﴾. و ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقرير للوحدانية بنفي غيره.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿إِلَّا هُوَ﴾ منصوبًا، كما تقول: ما جاءني أحدٌ إلَّا زيدًا؟ قلت: لا؛ لأنه لو كان كما زعمتَ لكان (إلَّا إياه).
﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: بدل من ﴿هُوَ﴾، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الرَّحمن الرحيم، وأن يكون خبرًا بعد خبر لقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾:
стр. 422
قول : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ قوله ﴿لَآيَاتٍ﴾، والخبر فيما قبلها.
والخلق: مصدر. وقيل: بمعنى المخلوق، والأولُ أمتن.
﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي﴾: الفُلْكُ: يكون واحدًا وجمعًا بلفظٍ واحدٍ؛ لأنَّ فُعْلًا وفَعَلًا قد اشتركا كثيرًا في الإفراد، كالعُجْم والعَجَم، والبُخْل والبَخَل والسُقْم والسَقَم، فكذلك اشتركا في الجمع، فكُسِّرَ كلُّ واحد منهما على فُعْل، فمن الجمع قوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (١) ومن المفرد قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٢).
فالضمة التي في الجمع مخالفةٌ للضمة التي في المفرد، كما أن الضمةَ في أُسْدٍ مخالفةٌ للفتحة في أَسَدٍ، غير أن ذلك الاختلاف تقديري، وهذا لفظيٌّ، ونظير هذا قولهم: نافةٌ هِجان، ونوق هِجانٌ، فالكسرة التي في قولك: ناقة هِجان غير التي في قولك: نوق هِجان، وكذلك الضمة التي في قولك في الترخيم: يا مَنْصُ على لغة من قال: يا حارُ غير الضمة في قولك: يا منصُ على لغة من قال يا حارُ، هذا مذهب الأكابر من أهل هذه الصناعة (٣).
ومَن زعم أن الضمة التي في ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾، كالتي في ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ وشبههما من الاختلاف التقديري، فذاك من سلامة صدره، وجوابُهُ السكوتُ. والفُلْك يذكّر على إرادة الواحد، ويؤنث على معنى الجمع.
стр. 423
﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾: (ما) موصولة، أي: بالذي ينفعهم مما يُحْمَل فيها. أو مصدرية، أي: بِنَفْعِ الناس (١).
﴿مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾: الأولى لابتداء الغاية، والثانية تحتمل أن تكون للتبعيض، وأن تكون للتبيين، لاختلاف المُنْزَلِ منها.
﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾: عطفٌ على ﴿أَنْزَلَ﴾ داخل تحت حكم الصلة؛ لأنَّ قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ عطف على ﴿أَنْزَلَ﴾ فاتصل به، وصارا جميعًا كالشيء الواحد، كأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء، وبثَّ فيها دوابَّ من كلّ دابة.
ولك أن تجعل من ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ مزيدة على رأي أبي الحسن؛ لأنه يجيز زيادة (من) في الواجب (٢)، فلا حَذْفَ مفعولٍ في الكلام على هذا.
ولك أن تعطف، ﴿وَبَثَّ﴾ على ﴿فَأَحْيَا﴾ على معنى: فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها دوابَّ من كُلِّ دابةٍ، أو كُلَّ دابةٍ على ما أوضحت؛ لأنهم ينمون بالخصب، ويعيشون بالغيث. والبث: النشر والتفريق.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: يحتمل أن يكون المصدر مضافًا إلى المفعول. وهو الوجه، يعضده قول قتادة: قادر والله ربُّنا إن شاء جعلها رحمةً لواقحَ للسحاب، ونشرًا بين يدي رحمته، وإن شاء جعلها عذابًا ريحًا عقيمًا لا تُلقح شيئًا، إنما هي عذاب على من أرسلت إليه (٣).
وأبين يكون مضافًا إلى الفاعل، والمفعول محذوف، أي: وتصريفُ
стр. 424
الرياح السحاب؛ لأنَّها تسوق السحاب وتصرفه يمينًا وشمالًا في الجو بمشيئة الله يمطر حيث شاء.
وقريء: (الريح) بالتوحيد على إرادة الجنس، وبالجمع (١)؛ لأنَّها مختلفة المجاري.
﴿بَيْنَ السَّمَاءِ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا للمُسَخَّر، وهو السحاب سُخِّر للرياح تقلبه، وأن يكون حالًا من المستكن في المسخر.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾:
قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ﴾ (مَن) يحتمل أن تكون موصولة وما بعدها صلتها، ونهاية صلتها ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها.
﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾: في محل النصب إما على الحال من المستكن في ﴿يَتَّخِذُ﴾، وإما على النعت للأنداد. ولك أن تجعله في محل الرفع على النعت لـ ﴿مَن﴾ إذا جعلتها موصوفة؛ لأنَّ في الجملة ضميرين: أحدهما لـ ﴿مَن﴾ وهو المنوي في الفعل، والآخر للأنداد وهو الهاء والميم، فلذلك جاز أن تكون صفة لأحد المذكورين.
وأفرد المستكن في ﴿يَتَّخِذُ﴾ حملًا على لفظ ﴿مَن﴾، وجمع في (يحبون) حملًا على معناه.
стр. 425
ومعنى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾: يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب.
﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾: الكاف في محل النصب على النعت لمصدر محذوف، أي: تعظيمًا مثل تعظيم الله والخضوع له. والمصدر يجوز أن يكون مبنيًّا للمفعول القائم مقام الفاعل، أي: كما يحب الله، ثم كحب اللهْ، وأن يكون مبنيًّا للفاعل مضافًا إلى المفعول في اللفظ وهو في التقدير مضاف إلى الفاعل تقديره: كحبهم اللهَ، أو كحبكم الله.
ومعنى ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾: أي يسوُّون بينه وبينهم في محبتهم؛ لأنهم كانوا يقرون بالله ويتقربون إليه.
و﴿مَن﴾ في كلا التقديرين في موضع رفع بالابتداء، و ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ الخبر.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: مبتدأ. ﴿أَشَدُّ حُبًّا﴾: خبره. و ﴿حَبًّا﴾ نصب على التمييز، والتقدير: والذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله من حب متخذي الأنداد للأنداد؛ لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره بخلاف هؤلاء الظلمة، فإنهم يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد، فيفزعون إليه ويخضعون له، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه فيقولون: . هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: جواب (لو) محذوف، و ﴿يَرَى﴾ قيل: بمعنى (يعلم) الذي يفتقر إلى مفعولين، وسدت ﴿أَنَّ﴾ مُسَدَّهما (١)، و ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فاعل ﴿يَرَى﴾، أي: ولو يعلمُ هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم، أن القدرة كلها لله على كلّ شيء من العقاب والثواب دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة،
стр. 426
لرأَوا مضرة اتخاذهم الأندادَ، ولرأوا أمرًا عظيمًا لا تَحصره الأوهام، أو: لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة، وما أشبه هذا.
وحَذْفُ الجواب أبلغُ في الوعد والوعيد من الإتيان به. وفي التنزيل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ (١)، وقولهم: لو رأيت فلانًا والسياطُ تأخذُه. وقيل: المفعولان محذوفان، و ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ﴾ معمول جواب ﴿لَوْ﴾ (٢)، أي: ولو يعلم هؤلاء الظلمة أن الأنداد لا تنفعُهُم لأيقنوا أن القوة لله في جميع الأشياء.
وقيل: ﴿يَرَى﴾، من رؤية العين، على: ولو شاهدوا العذاب لعلموا أن القوة لله (٣).
وقرئ: (ولو ترى) بالتاء (٤) على الخطاب لرسول الله ﷺ ، أو لكل مُخاطَب. و (الذين ظلموا) مفعول ترى، وهو من رؤية البصر، وجواب ﴿لَوْ﴾ أيضًا محذوف، أي: ولو ترى ذلك لرأيت أمرًا عظيمًا.
و﴿أَنْ﴾ و: في قوله: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ﴾ مفعول من أجله، ولك أن تجعله في موضع نصب بإضمار فعل، وهو جواب ﴿لَوْ﴾، أي: لعلمت أن القوة لله، والخطاب على هذا الوجه لغير رسول الله ﷺ .
و﴿إِذْ﴾: ظرف لترى، وإذْ في المستقبل كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٥)؛ لأنَّ الماضي والغابر سيان في إخبار الله تعالى (٦).
стр. 427
وقرئ: (إنَّ القوة لله) بالكسر (١) على الاستئناف، وجواب (لو) على هذه محذوف، أو على الحكاية، أي: لقالوا: إن القوة لله جميعًا.
و﴿جَمِيعًا﴾: حال من المستكن في الظرف، والعامل فيها الظرف.
وقوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾ قرئ: (إذ يُرَون) على البناء للمفعول (٢)، لقوله: ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ (٣). ومن قرأ (إذ يَرَوْنَ) على البناء للفاعل، فلقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ (٤).
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾
قوله : ﴿إِذْ تَبَرَّأَ﴾ بدل من ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾، أو ظرف لقوله: ﴿شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ (٥)، أو مفعول لمضمر، أي: اذكر إذ تبرأ.
والجمهور على البناء للمفعول في الأول، وعلى البناء للفاعل في الثاني في قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أي: تبرأ المتبوعون - وهم الرؤساء والقادة في الشِّرْكِ والشَّرِّ - من أتباعهم في الكفر.
وقرئ: بالعكس (٦)، أي: تبرأ الأتباع من الرؤساء، والتبرؤ: إظهارُ البراءةِ.
﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾: الواو للحال وقد مرادة، وذو الحال ﴿الَّذِينَ﴾، أي: تبرؤوا في حال رؤيتهم العذاب.
стр. 428
﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾: عطف على ﴿تَبَرَّأَ﴾ والأسباب: الوُصلات (١) التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد من الأنساب والمحابّ وغير ذلك مما كانوا عليه. والباء للسببية، أي: وتقطعت بسبب ارتكابهم الظلمَ العظيمَ بشركهم الأسبابُ التي كانت بينهم [وقيل: بمعنى عن] (٢).
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾:
قول : ﴿لَوْ أَنَّ﴾: لو: في معنى التمني، ولذلك أجيب بالفاء الذي يجاب به التمني.
و﴿كَرَّةً﴾ مصدر كَرَّ يَكُرُّ كَرًّا وكَرَّةً، إذا رجع، كأنه قيل: ليت لنا رجعة فنتبرّأ منهم.
وقوله: ﴿فَنَتَبَرَّأَ﴾ منصوب على جواب التمني.
﴿كَمَا﴾: الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: تَبَرُّؤًا مثل ما تبرؤوا منا. و (ما) مصدرية، ولك أن تجعله حالًا من المستكن في ﴿فَنَتَبَرَّأَ﴾، أي: فنتبرأ منهم مشبهين تبرؤَهم منا (٣).
﴿كَذَلِكَ﴾: يحتمل أن تكون الكاف في موضع رفع على أنَّها خبر مبتدأ
стр. 429
محذوف، أي: الأمر كذلك، وأن تكون في موضع نصب على أنَّها نعت لمصدر محذوف، أي: يُرِيهم إراءً مِثل ذلك الإراءِ الفظيع، أي: كما أراهم العذاب يريهم أعمالهم [حسرات، أي ندامات] (١).
و﴿يُرِيهِمُ﴾: يحتمل أن يكون من رؤية البصر، وأن يكون من رؤية القلب.
و﴿حَسَرَاتٍ﴾ على الأول: حال من الهاء والميم في ﴿يُرِيهِمُ﴾، وعلى الثاني: ثالث مفاعيل يُرِي. و ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بحسرات.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾:
قوله : ﴿حَلَالًا﴾ مفعول ﴿كُلُوا﴾. و ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾: في موضع نصب على الحال، لتقدمه على الموصوف وهو ﴿حَلَالًا﴾. ولك أن تجعل ﴿حَلَالًا﴾ حالا من ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾، ومفعول ﴿كُلُوا﴾ على هذا الوجه يكون محذوفًا، أي: كلوا شيئًا مما في الأرض في حال كونه حلالًا طيبًا طاهرًا من كلّ شبهة من حيث يطيب أكله (٢). و ﴿مِمَّا﴾ في موضع نصب صفة لمفعول ﴿كُلُوا﴾ المقدر، أو صفة لمصدر محذوف، أي: أكلًا حلالًا. ولك أن تنصبه بفعل مضمر، أي: أعني حلالًا. و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ لأنَّ كلّ ما في الأرض ليس بمأكول.
وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قرئ: بضمتين على الأصل للفرق بين الاسم والصفة، وهو لغة أهل الحجاز، وكان الاسم بالتحريك
стр. 430
أَولى لخفته، والصفة بالإسكان لثقلها. و: (خُطْوات) بضمة وسكون (١) للتخفيف والضم منوي.
وقريء في غير المشهور: (خُطُؤَاتٍ) بضمتين وهمزة (٢) لمجاورتها الضمة، جُعلت الضمة التي على الطاء، كأنها على الواو.
و: (خَطَوات) بفتحتين (٣)، وهي جمع خَطْوة، والخَطوة: المرَّة من الخَطْوِ. والخُطْوة: الاسم، وهي ما بين القدمين، وهما كالغَرفة والغُرفة والحَسْوة والحُسْوة (٤).
و: خُطَوات بضمة وفتحة (٥) لثقل الضمة، وأنشد في ذلك:
٨٨ - ولمَّا رَأَوْنَا بادِيًا رُكَباتُنَا ... على مَوْطِنٍ لا نَخْلِطُ الجِدَّ بالهَزْلِ (٦)
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ﴾ إنما كُسِر الهمْزُ إعلامًا بأن قَفْوَهُ (٧) ممنُوع على كلّ
стр. 431
حال عدوًّا كان أو غيرْ عَدوٍ (١).
﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾:
قوله : ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ بيان لوجوب الانتهاء عن اتّباعِه، وظهور عداوته، أي: لا يأمركم بخير قط.
و﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾: في موضع جر عطفًا على ما عملت فيه الجار وهو ﴿بِالسُّوَءَ﴾، أي: وبأن تقولوا.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾:
قوله : ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾ بل: للإضراب عن الأول، أي: لا نتبع المُنْزَل بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فإنهم كانوا خيرًا منا وأعلمَ.
و﴿أَلْفَيْنَا﴾: بمعنى وجدنا، بشهادة قوله: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٢). ولامه واو؛ لأنَّ الأصل فيما جُهل من اللامات أن يكون واوًا إلَّا إذا سمع فيه الإضجاع (٣).
و﴿أَلْفَيْنَا﴾: فعل يتعدى إلى مفعول واحد، وقد يتعدى إلى اثنين، وكلاهما هنا محتمل.
﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾: الهمزة للاستفهام بمعنى الرد والتعجب، والواو للعطف، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف دل عليه ﴿نَتَّبِعُ﴾، والمعنى: أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا من الدين ولا يهتدون للصواب؟
стр. 432
واختلف في الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾:
فقيل: لـ (مَن)، في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ﴾ (١).
وقيل: للناس، في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا﴾ (٢)، وعُدِل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (٣). وقيل: للكفار وإن لَمْ يجر ذكرهم؛ لأنَّ الضمير يعود إلى المعلوم كما يعود إلى المذكور (٤).
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾:
قوله : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مثل: في موضع رفع بالابتداء. و ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ الخبر، يقال: نَعَقَ الراعي بالغنم يَنْعِقُ نَعِيقًا، إذا صاح بها زجرًا لها، أي: ومَثَلُ داعيهم إلى الإيمان في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلَّا جرس النغمة، ودَوِيّ الصوت من غير انتفاع به ولا استبصار، كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلَّا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها، ولا تفقه شيئًا آخر ولا تعي كما يفهم العقلاء ويعون (٥).
стр. 433
﴿إِلَّا دُعَاءً﴾: منصوب بيسمع. ﴿صُمٌّ﴾: أي هم صم. ﴿بُكْمٌ﴾، ﴿عُمْيٌ﴾: خبر بعد خبر، أي: جمعوا هذه الأوصاف الحميدة (١).
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾:
قوله : ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ﴾ الجمهور على البناء للفاعل، وهو الله تعالى. و (ما) كافة لـ (إن) عن العمل. و ﴿الْمَيْتَةَ﴾ وما عطف عليها نَصْبٌ بـ ﴿حَرَّمَ﴾.
وقريء: (حُرِّم) على البناء للمفعول (٢)، و (ما) على هذه القراءة موصولة وعائدها مستكن في (حُرِّمَ)، و (الميتةُ) وما بعدها خبر إن. ويحتمل أن تكون (ما) كافة أيضًا، و (الميتةُ). المفعول القائم مقام الفاعل، وهو اختيار أبي إسحاق، قال: والذي أختارُهُ أن تكون (ما) تمنع (إن) من العمل، فيكون المعنى: ما حُرِّمَ عليكم إلَّا الميتةُ والدم ولحم الخنزير؛ لأنَّ (إنما) تأتي إثباتًا لما يُذْكرُ بعدها، ونفيًا لما سواه، انتهى كلامه (٣).
وقرأ ابن القعقاع (٤): (المَيِّتَةَ) بالتشديد على الأصل (٥)، لأنَّ وزنها (فَيْعِلة)، والأصل (مَيْوِتَةَ)، فقلبت وأُدغمت. ووزنها على قراءة الجمهور (فَيْلَة)؛ لأنهم حذفوا عينها تخفيفًا. والميتة: ما فارق الروح من غير ذكاة.
стр. 434
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ من: شرطية في موضع رفع بالابتداء. و ﴿اضْطُرَّ﴾ في موضع جزم بها، وهو الخبر. ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: منصوب على الحال من المستكن في ﴿اضْطُرَّ﴾. ﴿وَلَا عَادٍ﴾: عطف على ﴿بَاغٍ﴾. وباغ وعاد، كقاض وداع. ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: جواب الشرط.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ إن واسمها، ونهاية اسمها (١) ﴿قَلِيلًا﴾. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: في موضع نصب على الحال من عائد الموصول، أي: أنزله كائنًا من الكتاب. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ وما بعده خبره، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾. و ﴿إِلَّا النَّارَ﴾: نصب بـ ﴿يَأْكُلُونَ﴾. ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾: ظرف ليأكلون. ويحتمل أن يكون في موضع نصب على الحال من ﴿النَّارَ﴾ على حد: معه صقر صائدًا به غدًا. أي: ما يأكلون إلَّا النار مستقرةً، أو كائنة في بطونهم.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾:
قوله : ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، ﴿الَّذِينَ﴾ خبره، ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿بِالْمَغْفِرَةِ﴾.
﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾: (ما) في موضع رفع بالابتداء، وأصبر: فعل ماض في موضع رفع بحق الخبر، وفيه مستكن يعود إلى (ما). والهمزة في ﴿أَصْبَرَهُمْ﴾ هي الهمزة التي جيء بها للتعدي؛ لأنَّ صبر غير نافذٍ إلى
стр. 435
مفعوله. و ﴿مَا﴾ يحتمل أن تكون تعجبًا عَجَّبَ اللَّهُ المؤمنين من حال هؤلاء الكفرة في إقدامهم على عمل يؤديهم إلى النار، وأن تكون استفهامًا بمعنى أيُّ شيء صبَّرهم على النار؟ أي: حبسهم عليها، يقال: أصبره على كذا وصبَّره، بمعنىً، وهذا أصل معنى فعل التعجب (١).
وعن الكسائي: (ما أصبرهم) استفهام على جهة التعجب. قال بعض أهل العلم: هذا حسن، كأنه توبيخ لهم، وتعجب لنا. وعن الكسائي أيضًا أنه قال: قال لي قاضي اليمن بمكة: اختصم إليَّ رجلان من العرب، فحلف أحدهما على حق صاحبه، فقال له: ما أَصْبَرَكَ على الله، يعني: ما أصبرك على عذاب الله (٢).
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾:
قوله : ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ و ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾: الخبر، أي: ذلك العذاب وجَبَ بسبب أن الله نَزَّل ما نزل (٣) من الكتب بالحق. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ في كتب الله، فقالوا في بعضها حَقٌّ، وفي بعضها باطل، وهم أهل الكتاب، ﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾ لفي خلاف ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الحق. و ﴿الْكِتَابِ﴾ للجنس.
أو خبر مبتدأ محذوف (٤)، أي: الأمر ذلك، أو كفرهم ذلك بسبب أن
стр. 436
الله نزّل القرآن بالحق كما يعلمون. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ فيه من المشركين، فقال بعضهم: سحر، وبعضهم: شعر، وبعضهم: أساطير.
وقيل: ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع نصب بفعل مضمر، أي: فعلنا ذلك، لأنَّ في الكلام دليلًا على ذلك، والأول أمتن وعليه الجمهور (١).
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾:
قوله : (ليس البِرُّ أن تولوا) (البِرُّ) اسم ليس، و ﴿تُوَلُّوا﴾ في موضع نصب بحق الخبر، أي: ليس البرُّ توليتَكم وجوهكم.
وقريء: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ بالنصب (٢) على أنَّه الخبر، و ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ الاسم.
وقرئ في غير المشهور: (بأن تولوا) على إدخال الباء على الخبر للتأكيد (٣). والبر: اسم للخير ولكل فعل مَرْضِيّ.
﴿قِبَلَ الْمَشْرِقِ﴾ ظرف مكان لـ ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾.
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ البر: اسم (لكنّ)، و ﴿مَنْ آمَنَ﴾ الخبر، على تأويل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي: ولكن البرَّ برُّ من آمن،
стр. 437
ويتأول البر بمعنى ذي البر، أي: ولكن ذا البر من آمن بالله.
وقيل: البر بمعنى البارّ على تسمية اسم الفاعل بالمصدر، وتعضده قراءة من قرأ: (ولكن البارَّ) (١). وإنما احتيج إلى هذه التقديرات؛ لأنَّ البر مصدر، و ﴿مَنْ آمَنَ﴾ جُثَّة، والجثة لا تكون خبرًا عن المصدر (٢).
وقرئ: (ولكنِ البرُّ) بتخفيف النون ورفع البر (٣) على الابتداء، و ﴿مَنْ آمَنَ﴾ الخبر، وكسرت النون لالتقاء الساكنين.
و﴿وَالْكِتَابِ﴾: يحتمل أن يراد به جنس كتب الله، لكونه في الأصل مصدرًا، وأن يراد به القرآن.
﴿عَلَى حُبِّهِ﴾: الحب مصدر قولك: حَبَّ الشيءَ يَحِبُّهُ بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر حبًّا ومحبةً، وأحبه إحبابًا، لغتان بمعنىً، وقد جمعهما الشاعر في قوله:
٨٩ - أُحبُّ أبا مَرْوانَ من أجل تَمْرِهِ ... وأعلمُ أنَّ الرفقَ بالمرءِ أوفقُ (٤)
وواللهِ لولا تَمْرُهُ ما حَبَبْتُهُ ... ولا كان أدنى من عُبَيدٍ ومُشْرِقِ (٥)
стр. 438
والمصدر مضاف إلى: المفعول وهو ضمير المال، أي: مع حب المال والشح به كما قال ابن مسعود ﵁: "أن تؤتيه وأنت صحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ العيش، وتَخشَى الفَقْرَ، ولا تُمْهل حتى إذا بلغت الحُلْقُومَ قلت: لِفُلانٍ كذا، ولِفُلانٍ كذا (١) ". أو ضمير اسم الله لتقدم ذكره في قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. أو ضمير الإيتاء، وهو أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه.
و﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾: نصب بـ (آتى) مفعولٌ ثانٍ له. ولا يجوز أن يكون نصبًا بالمصدر الذي هو الحب؛ لأنه يتعدى إلى مفعول واحد وقد استوفاه.
ويحتمل أن يكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وهو ضمير ﴿مَنْ﴾ في قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (٢)، والمفعول على هذا أحدُ الشيئين: إما محذوف وهو المال، على تقدير: وآتى المال على حبه المال، أو ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾، والمفعول الثاني لـ (آتى) على هذا: محذوف، أي: وآتى المال مستحقِيه، أو أربابَه.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: أي: وفي معاونة الرقاب، وهم المكاتَبون حتى يَفُكُّوا رقابهم. و (في) متعلقةٌ بـ (آتى) أي: وآتى في الرقاب.
﴿وَالْمُوفُونَ﴾: عطف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾، أي: الذين آمنوا والموفون. ويحتمل أن يكون خبر مبتذأ محذوف، أي: وهم الموفون،
стр. 439
وتنصب ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ لأبي على هذين الوجهين على الاختصاص والمدح، إظهارًا لفضل الصبر في الشدائد ومواضع القتال على سائر الأعمال، ولا يجوز أن يكون عطفًا على ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ أعني ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾، لئلا تفصل بين المعطوف والمعطوف عليه الذي هو في حكم الصلة بالأجنبي وهم ﴿وَالْمُوفُونَ﴾، وذلك أنه لا يجوز العطف على الموصول حتى ينقضي بصلته، لو قلت: جاءني الذي أبوه وعمرو منطلق، لَمْ يجز؛ لأنك قد عطفتَ على الاسم الموصول قبل تمامه، وَصِحَّةُ المسألة أن تقول: جاءني الذي أبوه منطلق وعمرو، فإذا عطفت ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ على ذوي القربى كان من تمام الموصول، ولا يجوز الفصل بينه وبين الموصول بالمعطوف على الموصول، وكذلك إن قَدَّرتَ ﴿وَالْمُوفُونَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ لأنك تفصل بين الصلة والموصول بالجملة، فكما لا يُفصَل بالمفرد المعطوف على الموصول كذلك لا يفصل بالجملة فاعرفه.
فإن عطفتَ ﴿وَالْمُوفُونَ﴾ على المستكن في ﴿آمَنَ﴾، وجعلت طول الكلام سادًّا مسدَّ التوكيد، جاز أن تنصب الصابرين على العطف على ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾؛ لأنَّ ﴿وَالْمُوفُونَ﴾ على هذا الوجه داخل في صلة (مَن) وعلى المدح، وهو أحسنُ؛ لأنَّ الشيخ أبا على أَبَى العطف على ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾، وقال: ليس المعنَى عليه، إذ ليس المراد أن البِرَّ بِرُّ من آمن بالله هو والموفون، أي: آمنا جميعًا، كما تقول: الشجاع من أقدم هو وعمرو، وإنما الواقع بعد قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم (١).
وقرئ في غير المشهور: (والصابرون) (٢)
стр. 440
وقرئ: (والموفين والصابرين) (١) وهما منصوبان على المدح.
﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾ و ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: ظرفان للصابرين. والبأساء: الفقر والشدة. والضراء: المرضُ والزَّمانَةُ.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾:
قوله : ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الحر: مبتدأ و ﴿بِالْحُرِّ﴾ خبره، أي: مأخوذ بالحر، وكذلك ما بعده.
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: (مَن) شرطية في موضع رفع بالابتداء، و ﴿لَهُ﴾ و ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ من صلة ﴿عُفِيَ﴾، و ﴿شَيْءٌ﴾ مرتفع بعفي، وهو في موضع عَفْوٍ، ولهذا نُكِّر، ونظيره: (لا يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) (٢)، أي: ضَيْرًا (٣)، وإنما وُضعْ ﴿شَيْءٌ﴾ موضع المصدر لما فيه من الإبهام والتعميم (٤).
﴿فَاتِّبَاعٌ﴾ أي: فعليه اتباع، أو فحكمُه اتباعٌ، والجملة في موضع رفع بحق الخبر، والفاء جواب الشرط ويحتمل أن تكون (مَن) موصولة، ودخلت الفاء لما فيها من معنى الإبهام، والمعنى: فمن عُفي له من جهة أخيه شيء،
стр. 441
أي: ترك له، من عَفَتِ الريحُ المنزلَ، إذا درسته، وعَفَى المَنْزِلُ، يتعدى ولا يتعدى (١).
والعفو عن المعصية: تَرْكُ العقوبةِ. وقيل: معنى العفو هنا: ترك القَوَدِ بقبول الدية (٢). وقيل: التقدير فمن عفي له من جهة أخيه شيءٌ من العفو، على أنَّه كقولك: سِير بزيد بعض السير، إشعارًا بأنه إذا عُفِيَ له طَرَفٌ (٣) من العفو وبَعْضٌ منه، بأن يُعفَى عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة، تَمَّ العفوُ وسقط القِصاصُ، ولم تَجِبْ إلَّا الدية (٤).
والهاء في قوله: [له] و ﴿أَخِيهِ﴾ تعود إلى (مَن) وهو القاتل. والأخ: المقتول، سماه أخًا للقاتل؛ لأنَّ أخوة الإسلام بينهما باقية. وقيل: (مَن) هو الولي، والأخ: هو القاتل (٥). أي: من جُعل له من دم أخيه بَدَلٌ، وهو القِصاص أو الدية. و ﴿شَيْءٌ﴾ كناية عن ذلك.
﴿وَأَدَاءٌ﴾: عطف على ﴿فَاتِّبَاعٌ﴾. و ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بأداء، والهاء في ﴿إِلَيْهِ﴾ للولي.
﴿بِإِحْسَانٍ﴾: في موضع نصب على الحال من الهاء في (فعليه). وكذا ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، أي: فعليه ذلك عادلًا ومحسنًا.
стр. 442
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، أي: ذلك الحكم المذكور من العفو والدية، ﴿تَخْفِيفٌ﴾: خبره.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: في موضع رفع على أنَّهْ خبر بعد خبر، أو صفة لقوله: ﴿تَخْفِيفٌ﴾.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾: عطف على ﴿تَخْفِيفٌ﴾، وذلك أن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة، وحُرِّم العفو وأخذ الدية. وعلى أهل الإنجيل: العفو وحرِّم القصاص والدِّية. وخيرت هذه الأمة بين الثلاث: القصاص والدية والعفو توسعة وتيسيرًا.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: من: شرطية في موضع رفع بالابتداء. ﴿فَلَهُ﴾: الجواب. ويحتمل أن تكون موصولة، ودخلت الفاء لما فيها من الإبهام. وقوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد ذلك التخفيف، فتجاوزَ ما شُرعَ له.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾:
قوله : ﴿حَيَاةٌ﴾ في موضع رفع بالابتداء، و (لَكُمْ) خبره، أو بـ ﴿لَكُمُ﴾ على رأي أبي الحسن.
﴿فِي الْقِصَاصِ﴾: في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿حَيَاةٌ﴾، ولك أن تجعله ظرفًا للاستقرار، فعلى الأول: يتعلق بمحذوف، وعلى الثاني: بما يتعلق به الخبر.
وقرئ في غير المشهور: (ولكم في القَصَصِ حياة) (١) أي: فيما قُصَّ عليكم من حكم القتل والقِصاص.
стр. 443
وقيل: القَصَصُ: القرآن، أي: لكم في القرآن حياة للقلوب (١).
﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ منادى منصوب، أي: يا ذوي العقول. يقال في الرفع: (أولو) بالواو، وفي الجر والنصب (أولي) بالياء. وأولو: جمعٌ واحده (ذو) من غير لفظه، وليس له واحد من لفظه. والالباب: جمع لبٍّ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: أوضحت لكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ الأنفس، لعلكم تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾:
قوله : ﴿كُتِبَ﴾ فعل مبني للمفعول، والمسند إليه محذوف تدل عليه الوصية، أي: كتب عليكم الإيصاء، فالإيصاء هو العامل في ﴿إِذَا﴾.
فإن قلتَ: هل يجوز أن يكون العامل في ﴿إِذَا﴾ ﴿كُتِبَ﴾، كما زعم بعضهم (٢)؟ قلت: لا؛ لأنَّ الكتاب لَمْ يُكتب على العبد وقت موته، وإنما هو شيء قد ذكر في اللوح المحفوظ، إلَّا على تَأويل ونَأْيٍ (٣).
ومعنى ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾: أي إذا دنا منه، وظهرت أماراتُه ومقدماته.
﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾: أي مالًا كثيرًا، واختلف في جواب الشرط، فزعم
стр. 444
أبو الحسن: أن الفاء محذوفة من الوصية، وهي جواب الشرط، والتقدير: فالوصية للوالدين، وأَنشد محتجًا به:
٩٠ - مَنْ يَفْعِلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ... والشَّرُّ بالشَّرِّ عِنْدَ اللهِ مِثْلانِ (١)
أي: فاللهَ يَشكرها، فالوصيةُ على هذا مبتدأ، و ﴿لِلْوَالِدَيْنِ﴾ الخبر. وقيل: الخبر محذوف، والتقدير: فعليه الوصية (٢).
وقال غيره: جواب الشرط ما تقدمه من معنى الكلام، كما تقول: أنت ظالم إن فعلت (٣).
فإن قلتَ: هل يجوز أن تَرْفَعَ الوصية المذكورة في الآية بـ ﴿كُتِبَ﴾ مع جعلك إياها مصدرًا، وتجعله عاملًا في ﴿إِذَا﴾؟ قلت: لا؛ لأنك إذا جعلتها مصدرًا وأعملتها في ﴿إِذَا﴾ تكون ﴿إِذَا﴾ في صلتها، وما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه.
وقال الزمخشري: الوصية فاعل ﴿كُتِبَ﴾، وذُكّر فعلُها للفاصل، ولأنها بمعنى أن يُوصِي، ولذلك ذُكِّر الراجع في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ (٤). وهو سهو لما ذكرت آنفًا من أن ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه، إلَّا أن
стр. 445
تجعل الوصية اسمًا غير مصدر، فحينئذٍ يجوز رفعها بكتب، ويكون ناصب ﴿إِذَا﴾ محذوفًا دل عليه هذا الفاعل، وقد ذكرتُ قبيلُ، فاعرفه (١).
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: في محل النصب على الحال إما من المنوي في قوله: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ﴾، وإما من المستكن في الخبر المحذوف، أو من الوصية على رأي أبي الحسن، أي: ملتبسة بالعدل، وهو إلا يوصِيَ للغني ويَدَعَ الفقيرَ، ولا يَتجاوزَ الثلثَ.
﴿حَقًّا﴾: مصدر مؤكد، أي: أُحقُّ ذلك حقًّا. ولك أن تجعله نعتًا لمصدر محذوف، أي: كتابًا حقًّا، أو إيصاء حقًّا، ويجوز رفعه في الكلام على تقدير: هو حق.
﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾: نعت لحق على تَقْدِيرَيِ النصبِ والرفعِ مُتعلقٌ بمحذوف. وقيل: هو متعلق بنفس المصدر، وليس بالمتين؛ لأنَّ المصدر إذا كان للتأكيد لَمْ يعمل، وإنما يعمل المصدر المنتصب بالفعل المحذوف إذا كان نائبًا عنه، نحو: ضربًا زيدًا، أي: اضربه (٢).
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾:
قوله : ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ من: شرط في موضع رفع بالابتداء، و ﴿بَدَّلَهُ﴾ الخبر.
والهاء في ﴿بَدَّلَهُ﴾ للإيصاء، أي: فمن غَيَّرَ الإيصاء عن وجهه إن كان موافقًا للشرع من الأوصياء والشهود بعد ما سمعه وتحققه.
و(ما) مصدرية، والضمير (٣) للإيصاء أيضًا. وقيل: موصولة. والضمير لها (٤).
стр. 446
﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾: الفاء وما اتصل بها جواب الشرط. و (ما) كافة لـ (إن) عن عملها، والهاء للإيصاء، أو للتبديل، أي: فما إثم الإيصاء المغيّر، أو التبديل إلَّا على مبدليه دون غيرهم من المُوصِي والمُوصَى له؛ لأنهما بريئان من الميل.
﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾:
قوله عز: وجلَّ: ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ قيل: المعنى: فمن توقع وعلم، والخوف يستعمل بمعنى العلم والظن الغالب الجاري مجرى العلم.
﴿جَنَفًا﴾: ميلا عن الحق بالخطأ في الوصية، يقال: جَنِفَ علينا يَجْنَفُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر جَنَفًا، إذا مال (١).
﴿أَوْ إِثْمًا﴾: أو تعمدًا لِلحَيفِ.
﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾: بين الموصَى لهم، دل عليه الموصِي والإصلاح.
و(من): شرطية، ويجوز أن تكون موصولة.
وعن علي ﵁: (حَيْفًا) بالحاء والياء مكان الجيم والنون (٢)، أي: جورًا وظلمًا، وقد حاف عليه يحيف حيفًا، إذا جار وظلم.
وقرئ: (مُوْصٍ) من أصى. و (مُوَصٍّ) من وصَّى (٣)، وكلتاهما بمعنىً.
стр. 447
ومِن ﴿مِنْ مُوصٍ﴾ يَحتمل وجهين:
أحدهما: أن يتعلق بخاف.
والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنَّ تجعله في محل النصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿جَنَفًا﴾، أي: فمن خاف جنفًا كائنًا من موصٍ.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾:
قوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الصيام: فاعل ﴿كُتِبَ﴾ (١).
﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: الكاف من ﴿كَمَا﴾ في محل النصب على الحال من ﴿الصِّيَامُ﴾، أي: مشبهًا لما كُتب على مَن كان قبلكم، أو لكونه نعتًا لمصدر محذوف، أي: كتابًا مثل كتابه على من كان قبلكم، فـ (ما) على الأول موصولة، وعلى الثاني مصدرية.
وقيل: هو نعت لمصدر الصيام حملًا على المعنى؛ لأنَّ معنى كتب عليكم الصيام: أن تصوموًا صومًا، فقوله: صومًا، مصدر مُؤكِّدٌ لقوله: ﴿الصِّيَامُ﴾؛ لأنه بمعنى: أن تصوموا، والتقدير: كتب عليكم الصيام صومًا مماثلًا للصوم المكتوب على من كان قبلكم (٢).
وقيل: في موضع رفع نعت للصيام، أي: كتب عليكم الصيام مثل الصيام الذي كان على مَن قبلكم (٣).
стр. 448
فإن قلت: الصيام معرفة و (مثل) نكرة، ولا يجوز وصف المعرفة بالنكرة. قلت: قيل: لما كان عامَّ اللفظ لَمْ يأت بيانه إلَّا فيما بعده، كان كالنكرة (١).
والصيام: مصدر قولك: صام الرجل يصوم صَوْمًا وصِيامًا بمعنىً، وأصلهما في اللغة: الإمساك عن الأكل والشرب وغيرهما، يقال: صامت الريح: إذا سكنت وأمسكت عن الهبوب. وصامت الخيل: إذا وقفت وأمسكت عن السير. وعن أبي عبيدة: كلّ ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم (٢).
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾:
قوله : ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (أيامًا): ظرف لـ ﴿كُتِبَ﴾، أي: كُتب عليكم الصيام في أيام معدودات. ولك أن تتسع فيه، فتنصبه على المفعول به. وإذا جعلت الكاف من ﴿كَمَا﴾ نعتًا لمصدر الصيام، جاز لك أن تجعل الأيام ظرفًا للصيام، أو مفعولًا به له على السعة؛ لأنَّ الجميع داخلٌ في صلة الصيام، ولا يستقيم أن تنصب ﴿أَيَّامًا﴾ بالصيام إذا جعلت الكاف من ﴿كَمَا﴾ وَصْفًا لمصدر ﴿كُتِبَ﴾ و؛ لأنك تفرق بين الصلة والموصول بأجنبي منهما، وذلك أن ﴿أَيَّامًا﴾ تصير من صلة الصيام، وقد فرقتَ بينهما بالأجنبي، وهو مصدر كتب، وذلك لا يجوز.
стр. 449
وكذلك إذا جعلته صفة للصيام، لا يجوز أن تنصبه بالصيام على أنَّه مفعول به على السعة؛ لأنَّ المصدر إذا وصف لا يعمل، كاسم الفاعل في حال السعة والاختيار، فإن جعلته ظرفًا جاز أن يعمل فيه؛ لأنَّ الظرف تكفيه رائحةُ الفعل.
ولك أن تجعله ظرفًا لقوله: ﴿تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون الأكل والشرب والوطء في أيام معدودات، أي: مُوَقتات بعدد معلوم [أو قلائل] (١) كقوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (٢) قاله الزمخشري (٣).
والمراد بها شهر رمضان، وعليه الجمهور، وقيل: إنها ثلاثة أيام من كلّ شهر فرضت قبل صيام رمضان، ثم نسخت به (٤).
﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾: في موضع نصب عطفًا على خبر كان. قيل: وإنما جيء بعلى هنا؛ لأنَّ المسافر عازم على إتمام سفره، فكأنه قيل: أو كان عازمًا على إتمام سفره.
﴿فَعِدَّةٌ﴾: رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: فعليه عدة، والفاء جواب الشرط، وفي الكلام حذفان، أي: فأفطر فعليه صوم عدةٍ. ويجوز نصب (عدة) على تقدير: فليصم عدةً، وبه قرأ بعض القراء (٥).
﴿مِنْ أَيَّامٍ﴾: في موضع رفع نعت لعدة، أو نصب على قدر القراءتين.
стр. 450
و ﴿أُخَرَ﴾: نعتٌ لأيام؛ لأنَّها مؤنثة، أعني تأنيث الجمع، فلذلك نُعِتَتْ بالمؤنث. و (أخر) لا تنصرف للوصف والعدل عن الألف واللام؛ لأنَّ الأصل في (فُعْلَى) تأنيث (الأَفعَل): أن يستعمل بالألف واللام، كالأفضل والفُضلَى والأكبر والكُبرى والْكُبَر، وفي التنزيل: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ (١). فأما قولهم: آخر وأخرى، لَمْ يرد على القياس من حيث استعمل عاريًا من أسباب التخصيص، قيل: هذا رجل، ومررت برجل آخر، وهذه امرأةٌ، ومررت بامرأة أخرى.
قيل: وكأنَّ الذي حَسَّن هذا أن (آخر) لا يجيء إلَّا بعد كلام، فذلك الذي يصاحبه يخصصه، كما يخصص (مِن) في قولك: مررت برجل أفضلَ من زيدٍ، وبيانه: أنك لا تقول مبتدئًا: جاءني رجل آخر، ولا جاءتني امرأة أخرى، من غير أن يتقدم ذكر شيء، فلما كان كذلك صار كأنه: مررت برجل آخر، من الذي ذكرتُ، فلما جرى هذا المعنى في المذكر استعمل المؤنث بغير الألف واللام فقيل: مررت بامرأة أخرى، وكذلك جاز هنا ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لتقدم ذكر الأيام، وكذلك قوله سبحانه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (٢). فهذه آيات أخر، فاعرفه، فإن فيه أدنى إشكال.
قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: وعلى الذين لهم بالصيام طاقةٌ إذا أفطروا فِدْيَةٌ. قيل: وهذا عام لجميع الناس، فإنه نَزَلَ أولًا بصفة الخيار، ووجوب الفداء لكل يوم يُفْطِرُ الصائمُ فيه مُدٌّ من طعام يطعمه مسكينًا، ثم نُسخ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣).
وقيل: معناه وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال شبابهم، ثم عَجَزوا
стр. 451
وهذا في الشيخ الهرم (١).
وقيل: معناه: وعلى الذين لا يطيقونه، فحُذف حرفُ النفي، أي: لا يطيقونه لكبرهم (٢).
وأصله: يُطْوِقُونَهُ، بدليل قولهم: لا طَوْقَ لي به (٣). وطاق يطوف طوقًا وطاقة وهي القوة، وأطاقه إطاقة، فنقلت حركة الواو إلى الطاء، فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
وقرئ في غير المشهور: (يُطَوَّقونه) بواو مشدَّدة مفتوحة (٤)، وهو تفعيل من الطوق، يقال: طَوَّقْتُه فتطوَّقَ، أي: ألبستَه الطوق فلبسه، وهو هنا إما بمعنى الطاقة، أو القلادة، أي: يكلفونه ويقلدونه، ويقال لهم: صوموا (٥).
﴿فِدْيَةٌ﴾: رفع بالابتداء ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ الخبر.
وقرئ: (فديةٌ) بالتنوين و (طعامُ) بالرفع مع التنوين (٦) على البدل منها، أو على إضمار مبتدأ، أي: هي طعام.
стр. 452
وقرئ: (فديةُ طعامِ) بترك التنوين. وجر الطعام على الإضافة (١)؛ لأن فدية مبهمة تقع على الطعام وغيره، كقولك: ثوب خز، وقد مضى الكلام على هذا في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع من هذا.
وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾: (خيرًا): مفعول به، أو بخير، فحذف الجار فتعدى الفعلى فنصب.
﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾: أي: فالتطوع خير له، دل عليه (تَطَوَّعَ). ولك أن تجعل الضمير للخير، أي: فالخير أخير له.
﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾: في موضع رفع بالابتداء، ﴿خَيْرٌ﴾ الخبر، و (أن) وما بعدها في تأويل المصدر، أي: والصيام خير لكم، وبه قرأ أُبيّ ﵁ (٢).
و﴿لَكُمْ﴾: متعلق بخير كتعلقه بأفعل في نحو: زيد أفضلُ منك، لأنه في معناه، كما تقول: زيد الذي في الدار. وقيل: هو صفةٌ لخير، وهو سهو لما ذكرت آنفًا، فاعرفه (٣).
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾
قوله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ الجمهور على رفع الشهر، وقرئ بالنصب (٤).
стр. 453
فالرفع: على أنه مبتدأ خبره ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [كما تقول: زيد الذي في الدار] (١). أو ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ صفته، وخبره ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾، وأعيد ذكر الشهر تعظيمًا له، كقوله: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ (٢). وجاز أن يدخل الشهر معنى الجزاء، بدلالة إتيان الفاء بعده؛ لأنه قد وصف بالذي، فدخله معنى الجزاء لذلك، كما يدخل الذي نفسه.
فإن قلت: فإن كان الأمر على ما زعمت، فأين العائد إلى المبتدأ من الجملة؟ قلت: قيل: وُضع الظاهر موضعه تفخيمًا وتعظيمًا، كأنه قيل: فمن شهده، ثم وضع الظاهر موضعه لما ذكرت آنفًا، فاعرفه، ونظيره: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٣).
أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي المفترض عليكم صيامه شهر رمضان، أو هي شهر رمضان، يعني الأيام المعدودات، أو ذلك، يعني الصيام. فـ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ على هذا نعت للشهر أيضًا.
وقد جوز أن يكون بدلًا من الصيام في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٤).
والنصب: على الإغراء، أي: صوموا شهر رمضان.
وقد جوز أن يكون بدلًا من قوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٥).
وأن يكون منصوبًا بقوله: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ (٦) على تقدير حذف مضاف، أي: تعلمون قدره أو شرفه.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾، كما
стр. 454
زعم بعضهم (١)؟ قلت: لا؛ لأنك تفصل بين الصلة والموصول بخبر ﴿وَأَنْ﴾، وذلك أن (أن) وما بعدها في تأويل المصدر، وكل ما عَمِلَ فيه المصدرُ فهو من صلته، ولا يجوز أن يُفْصلَ بينه وبين صلته بما ليس منها. وإذ نصبت ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ بقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ فصلت بينه وبين معموله الذي هو ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ بالخبر الذي هو ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾، والخبر أجنبي من الصلة، فلا يجوز أن تفصل به بين الصلة والموصول، فاعرفه وقس عليه نظائره (٢).
ومعنى ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾: ابتدئ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر على ما فسر (٣).
وقيل: أُنزل جملة إلى سماء الدنيا، ثم نُزّل إلى الأرض نُجومًا (٤).
وقيل: أُنزل في شأنه القرآن (٥)، وهو قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، كما تقول: أُنزل في عائشة كذا، وفي عمر كذا، [﵄] فيكون ﴿فِيهِ﴾ على الوجه الأول ظرفًا لنزول القرآن، ولا يكون على الوجه الثاني ظرفًا له، إنما يكون متعديًا إليه الفعل بحرف الجر، فاعرفه.
وسمي الشهر شهرًا، لشهرته. وجمعه في القلة أَشْهُرٌ، وفي الكثير شُهورٌ. ورمضان: مشتق من الرَّمَض، وهي شدة وقع الشمس على الرَمْل
стр. 455
وغيره. والأرض رمضاء، وقد رَمِضَ يومُنا يَرْمَض بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر رَمَضًا، إذا اشتد حره، ورمضان من هذا اشتقاقه، يقال: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي هي فيها، فوافق رمضان أيام رمض الحر، عن الرماني وغيره (١). وأضيف إليه الشهر وجُعل عَلَمًا، وجمعه رمضانات، وأنشد صاحب العين:
٩١ - إنَّ شَهْرًا مُبارَكًا قَدْ أَتَانَا ... قَبْلَ ما بعد قَبْلِهِ رَمَضانُ (٢)
والمانع له من الصرف: التعريف والألف والنون.
وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ﴾ منصوبان على الحال من ﴿الْقُرْآنُ﴾، أي: أُنزل هاديًا للناس ودلائلَ واضحاتٍ.
وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ (مَن): شرطية في موضع رفع بالابتداء، وما بعدها الخبر.
﴿مِنْكُمُ﴾: في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿شَهِدَ﴾، أي: كائنًا منكم.
﴿فَلْيَصُمْهُ﴾: الفاء جواب الشرط، ومفعول ﴿شَهِدَ﴾ محذوف، أي: شهد المِصرَ، أي: حضره مقيمًا غير مسافر في الشهر. ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، أي: فليصم فيه، ثم اتُّسعت فيه وجعلت مفعولًا على السعة.
وقال الزمخشري: الهاء في ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ منصوب على الظرف (٣)، وهو سهو؛ لأنها لو كانت ظرفًا لكانت معها (في)؛ لأن ضمير الظرف لا يكون
стр. 456
ظرفًا بنفسه، ألا ترى أنك إذا قلتَ: سِرتُ يومَ الجمعة، وأنتَ تُقَدِّرُ فيه الثباتَ على الظرفية، وكنيتَ عنه، قلتَ: الذي سرتُ فيه يومُ الجمعة، فتأتي بفي، ولم تقل: سِرْتُهُ، فاعرفه.
و﴿الشَّهْرَ﴾: منصوب على الظرف، ولا يجوز أن يكون مفعولًا به، كما تقول: شهدت الجمعة؛ لأن المقيم والمسافر يشهدان الشهر، والذي يلزمه الصوم المقيم دون المسافر.
والجمهور على إسكان اللام في ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، وقري بالكسر (١)، فالإسكان تخفيف، والكسر أصلها؛ لأنها لام الأمر، بشهادة قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٢).
وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ أي: أن ييسر عليكم ولا يعسِّر، والباء للإلصاق، أي: يريد اللهُ إلصاقَ ذلك بكم.
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾: فيه أقوال:
أحدها: أنه عطف على قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾، كأنه قيل: يريد الله بكم اليسر، ويريد لتكملوا، كقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ (٣)، عن أبي الحسن (٤).
والثاني: أنه عطفٌ على علة مُقَدَّرة، كأنه قيل: فعل الله ذلك لتعلموا ما تعملون ولتكملوا العدة (٥).
стр. 457
والثالث: أن التقدير: ولتكملوا العدة شُرع ذلك، أو أُريدَ ذلك، فحُذفَ الفعلُ المعلِّل لدلالة ما تقدم عليه، ونظيره: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (١)، أي: وليكون من الموقنين أريناه، عن الفراء (٢).
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾:
قوله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ العامل في (إذا) معنى قوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾، أي: عَرِّفْهم قربي وإجابتي إذا سألك. أي: فقل لهم ذلك.
و﴿أُجِيبُ﴾: خبرٌ بعد خبر.
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾: أي: فَلْيجِيبوا. وأجاب واستجاب بمعنىً، كما أن قر واستقر كذلك، والمعنى: فليجيبوا لي إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم.
وقوله: ﴿يَرْشُدُونَ﴾ الجمهور على فتح الياء وضم الشين، وماضيه رشَد بفتح الشين، ومصدره رُشْدًا بضم الراء وإسكان الشين، وقرئ: (يَرْشَدون) بفتح الياء والشين، وماضيه رشِد بكسر الشين، ومصدره رَشَدًا بفتح الراء والشين ورشادًا أيضًا، وهما لغتان بمعنىً، أعني: يَرشُدون، ويرشَدُون.
وقرئ أيضًا: (يُرشِدون) بضم الياء وكسر الشين، وماضيه أَرْشَدَ، أي: يرشدون غيرهم. يقال: رَشِدَ فلانٌ وأرشده الله (٣).
стр. 458
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾
قوله : ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ (اليلةَ): ظرف لـ ﴿أُحِلَّ﴾ (١) و ﴿الرَّفَثُ﴾: فاعل ﴿أُحِلَّ﴾. ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: متعلق بالرفث. وإنما عُدِّي الرَّفَثُ بإلى، وأصله أن يُعَدَّى بالباء، لتضمنه معنى الإفضاء إليهن، وهو الجماع. يقال: رَفَثَ فلانٌ يَرْفُثُ رَفَثًا، وأَرْفَثَ إرفاثًا مثله.
فإن قلت: هل يجوز أن تكون الليلة ظرفًا للرفث؟ قلت: لا؛ لأنه مصدر، وما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه.
والجمهور على ضم الهمزة وكسر الحاء في ﴿أُحِلَّ﴾ على البناء للمفعول ورفع ﴿الرَّفَثُ﴾ به، وقرئ: (وأَحَل) بفتحهما على البناء للفاعل، وهو الله تعالى، ونصب (الرفث) به (٢).
والهمزة في (نساء) بدل من واو، بدليل قولهم: نسوة، لأنه في معناه. ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾: تفتعلون من الخيانة، يقال: خانه واختانه، إذا لم يفِ له. وألفه منقلبة عن واو بدليل قولهم: يخون خونًا (٣)، والْخَوَنَةُ.
﴿فَالْآنَ﴾: ظرف لـ ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾.
стр. 459
﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: متعلق بقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ تعلق الجار بالفعل، وكذلك ﴿مِنَ الْفَجْر﴾. وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ بيانٌ أَنَّ الخيطين من الفجر لا من غيره، لما روي: "أن الله تعالى لما أنزل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا. . .﴾ الآية، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود، والخيط الأبيض، ولا يزال يأكل وبشرب حتى يتبين له، فأنزل الله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنما يعني بذلك الليل والنهار" (١).
(مِن): الأولى للبيان، والثانية تحتمل أن تكون بيانًا للخيط الأبيض، كأنه قيل: الخيط الأبيض الذي هو الفجر، وأن تكون للتبعيض؛ لأنه بعض الفجر وأوله.
والفَجْر في الأصل: مصدر قولك: فَجَر الشيءُ يَفْجُر فَجْرًا، إذا شقّ.
والخيط الأبيض: قيل: أَوَّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، كالخيط الممدود.
والخيط الأسود: ما يمتد معه من غبش الليل، والغَبَشُ بالتحريك: البقية من الليل، ويقال لظلمة آخر الليل، شُبِّها بخيطين: أبيض وأسود.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ ابتداء وخبر في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾، أي: ولا تباشروهن وقد نويتم الاعتكاف في المسجد.
قيل: وليس المراد النهي عن مباشرتهن في المسجد؛ لأن ذلك ممنوع منه في غير الاعتكاف (٢).
стр. 460
وعن قتادة: كان الرجل إذا اعتكف خرج فباشر امرأته، ثم رجع إلى المسجد، فنهاهم الله عن ذلك (١).
والاعتكاف في اللغة: الإقامة، وفي الشرع: حبس النفس في المسجد لأجل العبادة.
﴿كَذَلِكَ﴾: الكاف في موضع نصب نعت لمصدر فحذوف، أي: بيانًا مثل هذا البيان يُبَيِّن. وقيل: في موضع رفع، أي: مثل هذا يُبَيِّن لكم (٢).
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾:
قول : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (بينكم): يحتمل أن يكون ظرفًا لـ ﴿تَأْكُلُوا﴾، وأن يكون حالًا من الأموال، أي: دائرةً بينكم. ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾، أي: لا تأكلوها ملتبسين بالباطل.
وقوله: ﴿وَتُدْلُوا﴾ يجوز أن يكون مجزومًا داخلًا في حكم النهي، [أي: ولا تدلوا بها، وكذا هي في مصحف أُبي ﵁ (ولا تدلوا) بتكرار حرف النهي (٣). وأن يكون منصوبًا] (٤) على الجواب للنهي بإضمار ﴿أَنْ﴾، كأنه قيل: لا يجتمع أَكْلٌ وإِدْلاءٌ، كقوله - أعني الشاعر -:
٩٢ - لا تَنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَهُ ... عارٌ عليكَ إذا فَعلْتَ عظيمُ (٥)