ظرفًا بنفسه، ألا ترى أنك إذا قلتَ: سِرتُ يومَ الجمعة، وأنتَ تُقَدِّرُ فيه الثباتَ على الظرفية، وكنيتَ عنه، قلتَ: الذي سرتُ فيه يومُ الجمعة، فتأتي بفي، ولم تقل: سِرْتُهُ، فاعرفه.
و﴿الشَّهْرَ﴾: منصوب على الظرف، ولا يجوز أن يكون مفعولًا به، كما تقول: شهدت الجمعة؛ لأن المقيم والمسافر يشهدان الشهر، والذي يلزمه الصوم المقيم دون المسافر.
والجمهور على إسكان اللام في ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، وقري بالكسر (١)، فالإسكان تخفيف، والكسر أصلها؛ لأنها لام الأمر، بشهادة قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٢).
وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ أي: أن ييسر عليكم ولا يعسِّر، والباء للإلصاق، أي: يريد اللهُ إلصاقَ ذلك بكم.
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾: فيه أقوال:
أحدها: أنه عطف على قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾، كأنه قيل: يريد الله بكم اليسر، ويريد لتكملوا، كقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ (٣)، عن أبي الحسن (٤).
والثاني: أنه عطفٌ على علة مُقَدَّرة، كأنه قيل: فعل الله ذلك لتعلموا ما تعملون ولتكملوا العدة (٥).
стр. 457
والثالث: أن التقدير: ولتكملوا العدة شُرع ذلك، أو أُريدَ ذلك، فحُذفَ الفعلُ المعلِّل لدلالة ما تقدم عليه، ونظيره: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (١)، أي: وليكون من الموقنين أريناه، عن الفراء (٢).
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾:
قوله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ العامل في (إذا) معنى قوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾، أي: عَرِّفْهم قربي وإجابتي إذا سألك. أي: فقل لهم ذلك.
و﴿أُجِيبُ﴾: خبرٌ بعد خبر.
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾: أي: فَلْيجِيبوا. وأجاب واستجاب بمعنىً، كما أن قر واستقر كذلك، والمعنى: فليجيبوا لي إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم.
وقوله: ﴿يَرْشُدُونَ﴾ الجمهور على فتح الياء وضم الشين، وماضيه رشَد بفتح الشين، ومصدره رُشْدًا بضم الراء وإسكان الشين، وقرئ: (يَرْشَدون) بفتح الياء والشين، وماضيه رشِد بكسر الشين، ومصدره رَشَدًا بفتح الراء والشين ورشادًا أيضًا، وهما لغتان بمعنىً، أعني: يَرشُدون، ويرشَدُون.
وقرئ أيضًا: (يُرشِدون) بضم الياء وكسر الشين، وماضيه أَرْشَدَ، أي: يرشدون غيرهم. يقال: رَشِدَ فلانٌ وأرشده الله (٣).
стр. 458
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾
قوله : ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ (اليلةَ): ظرف لـ ﴿أُحِلَّ﴾ (١) و ﴿الرَّفَثُ﴾: فاعل ﴿أُحِلَّ﴾. ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: متعلق بالرفث. وإنما عُدِّي الرَّفَثُ بإلى، وأصله أن يُعَدَّى بالباء، لتضمنه معنى الإفضاء إليهن، وهو الجماع. يقال: رَفَثَ فلانٌ يَرْفُثُ رَفَثًا، وأَرْفَثَ إرفاثًا مثله.
فإن قلت: هل يجوز أن تكون الليلة ظرفًا للرفث؟ قلت: لا؛ لأنه مصدر، وما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه.
والجمهور على ضم الهمزة وكسر الحاء في ﴿أُحِلَّ﴾ على البناء للمفعول ورفع ﴿الرَّفَثُ﴾ به، وقرئ: (وأَحَل) بفتحهما على البناء للفاعل، وهو الله تعالى، ونصب (الرفث) به (٢).
والهمزة في (نساء) بدل من واو، بدليل قولهم: نسوة، لأنه في معناه. ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾: تفتعلون من الخيانة، يقال: خانه واختانه، إذا لم يفِ له. وألفه منقلبة عن واو بدليل قولهم: يخون خونًا (٣)، والْخَوَنَةُ.
﴿فَالْآنَ﴾: ظرف لـ ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾.
стр. 459
﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: متعلق بقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ تعلق الجار بالفعل، وكذلك ﴿مِنَ الْفَجْر﴾. وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ بيانٌ أَنَّ الخيطين من الفجر لا من غيره، لما روي: "أن الله تعالى لما أنزل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا. . .﴾ الآية، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود، والخيط الأبيض، ولا يزال يأكل وبشرب حتى يتبين له، فأنزل الله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنما يعني بذلك الليل والنهار" (١).
(مِن): الأولى للبيان، والثانية تحتمل أن تكون بيانًا للخيط الأبيض، كأنه قيل: الخيط الأبيض الذي هو الفجر، وأن تكون للتبعيض؛ لأنه بعض الفجر وأوله.
والفَجْر في الأصل: مصدر قولك: فَجَر الشيءُ يَفْجُر فَجْرًا، إذا شقّ.
والخيط الأبيض: قيل: أَوَّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، كالخيط الممدود.
والخيط الأسود: ما يمتد معه من غبش الليل، والغَبَشُ بالتحريك: البقية من الليل، ويقال لظلمة آخر الليل، شُبِّها بخيطين: أبيض وأسود.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ ابتداء وخبر في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾، أي: ولا تباشروهن وقد نويتم الاعتكاف في المسجد.
قيل: وليس المراد النهي عن مباشرتهن في المسجد؛ لأن ذلك ممنوع منه في غير الاعتكاف (٢).
стр. 460
وعن قتادة: كان الرجل إذا اعتكف خرج فباشر امرأته، ثم رجع إلى المسجد، فنهاهم الله عن ذلك (١).
والاعتكاف في اللغة: الإقامة، وفي الشرع: حبس النفس في المسجد لأجل العبادة.
﴿كَذَلِكَ﴾: الكاف في موضع نصب نعت لمصدر فحذوف، أي: بيانًا مثل هذا البيان يُبَيِّن. وقيل: في موضع رفع، أي: مثل هذا يُبَيِّن لكم (٢).
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾:
قول : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (بينكم): يحتمل أن يكون ظرفًا لـ ﴿تَأْكُلُوا﴾، وأن يكون حالًا من الأموال، أي: دائرةً بينكم. ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾، أي: لا تأكلوها ملتبسين بالباطل.
وقوله: ﴿وَتُدْلُوا﴾ يجوز أن يكون مجزومًا داخلًا في حكم النهي، [أي: ولا تدلوا بها، وكذا هي في مصحف أُبي ﵁ (ولا تدلوا) بتكرار حرف النهي (٣). وأن يكون منصوبًا] (٤) على الجواب للنهي بإضمار ﴿أَنْ﴾، كأنه قيل: لا يجتمع أَكْلٌ وإِدْلاءٌ، كقوله - أعني الشاعر -:
٩٢ - لا تَنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَهُ ... عارٌ عليكَ إذا فَعلْتَ عظيمُ (٥)
стр. 461
﴿بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾: الباء وإلى كلاهما من صلة ﴿وَتُدْلُوا﴾، والضمير في ﴿بِهَا﴾ للأموال، واختُلف في معناه:
فقيل: ولا تلقوا أمرها والحكومةَ فيها، لتأكلوا بالتحاكم طائفة من أموال الناس، وهو من أدليتُ الدلو في البئر، إذا أرسلتَها.
وقيل: ولا تُرْشُوا الحاكم فيحكمَ لكم، فكأنكم قد أدليتم بها.
وقد جوز أن تكون للحُجة وإن لم يجر لها ذكر حملًا على المعنى (١).
﴿لِتَأْكُلُوا﴾: اللام متعلق بتدلوا، أي: ولا تدلوا لتأكلوا بالتحاكم ﴿فَرِيقًا﴾ طائفة من أموال الناس.
﴿بِالْإِثْمِ﴾: في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿لِتَأْكُلُوا﴾.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: ابتداء وخبر في موضع الحال أيضًا من الضمير المذكور، أي: وأنتم تعلمون أنكم على الباطل.
قيل: وارتكاب المعصية مع العلم قبيحٌ شنيعٌ، وصاحبه باللوم والتوبيخ جدير (٢).
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾
قوله : ﴿عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ أهلة: جمع هلال، واقتُصِر فيه على
стр. 462
أدنى العدد، ولم يقولوا: هُلُلٌ، استثقالًا له كما استثقلوا ذلك في نحو: كساء ورداء.
و﴿مَوَاقِيتُ﴾: جمع ميقات، وأصله مِوقَاتٌ؛ لأنه من الوقت، فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. وهو لا ينصرف لكونه جمعًا لا نظير له في الآحاد، فهو جمع ونهاية جمع في كونه لا يجمع.
﴿وَالْحَجِّ﴾: عطف على الناس، ويقال: حَجٌّ وحِجٌّ بالفتح والكسر. وقيل: المفتوح لغة أهل الحجاز، والمكسور لغة أهل نجد، وقيل: الفتح مصدر، والكسر اسم. وقيل: الفتح المرة الواحدة، والكسر عمل سَنَةٍ، ومنه ذو الحجة (١).
و﴿الْبِرُّ﴾ اسم ليس، والخبر ﴿بِأَنْ تَأْتُوا﴾، ولا يجوز في ﴿الْبِرُّ﴾ هنا غير الرفع، لدخول الباء في الخبر (٢).
وقرئ: (البُيوت) بضم الباء على الأصل، لأنه جمع على فُعُول، وبالكسر (٣)، لأن ما بعده ياء، والكَسْرُ من جنسها، وإنما كُرِهَ الخروج من ضم إلى ياء، ولم يُكره الخروج من كسر إلى ضم؛ لأن الكسر عارض، وكذلك القول في (العيوب) و (الغيوب)، و (الجيوب) و (الشيوخ)، فاعرفه (٤).
стр. 463
﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾:
قوله : ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: حيث وجدتموهم في حِلٍّ أو حَرَمٍ، يقال: ثَقِفته أثقَفُه بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر ثَقْفًا، إذا وجدتَه وظفرتَ به، والثَّقْفُ: وجودٌ على وَجْهِ الأخْذِ والغَلَبة، ومنه رجل ثَقِف، إذا كان سريع الأخذ لأقرانه (١). قال الشاعر:
٩٣ - فإمّا تَثْقَفُونِي فاقتُلُوني ... فَإِنْ أَثْقَفْ فسوفَ تَرَوْنَ بالِي (٢)
﴿كَذَلِكَ﴾: الكاف في موضع رفع بالابتداء، والخبر: ﴿جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. والجزاء: مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول القائم مقام الفاعل، أي: كذلك نجزي الكافرين (٣).
﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾:
قوله : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ أي: غفور لهم.
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾
قوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (حتى): يحتمل أن تكون
стр. 464
بمعنى كي، وأن تكون بمعنى إلى أن، و (كان) في قوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ تامة، وفي قوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ يحتمل أن تكون تامة، وأن تكون ناقصة. و ﴿لِلَّهِ﴾ الخبر.
والفتنة هنا الشرك، ومعنى ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: أي خالصًا له، ليس للشيطان فيه نصيب.
﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾: الفاء وما بعدها جواب الشرط. و ﴿عُدْوَانَ﴾ مبني مع (لا) في موضع رفع بالابتداء، و ﴿إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الخبر. والعدوان: الظلم الصُرَاحُ. والمعنى: لا جَزاءَ ظُلْمٍ إلا لمن ظَلَمَ.
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾:
قوله : ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَام﴾ ابتداء وخبر، وفي الكلام حذف مضاف، تقديره: قتال الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام.
وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (مَن) شرطية، وقد جُوِّزَ أن تكون موصولة.
وقوله: ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الباء صلة، و (مثل) صفة لمصدر محذوف، أي: اعتداء مثل اعتدائهم.
أبو إسحاق: وسُمِّيَ الثاني اعتداء؛ لأنه مجازاة اعتداء، فَسُمِّي بمثل اسمه؛ لأن صورة الفعلين واحدةٌ وإن كان أحدهما طاعةً والآخر معصيةً، والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته، أي: جازبته بظلمه، وجَهِلَ عليَّ فجهلت عليه، أي: جازيته بجهله، انتهى كلامه (١).
стр. 465
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾
قوله : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الباء في ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾ يحتمل أن تكون مزيدة، يقال: ألقى بيده، وألقى يده، وأن تكون للتعدية. والمعنى: لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم. يقال: أهلك فلان نفسه بيده، إذا تسبب لهلاكها. والتهلكة (تَفْعُلةٌ) من الهلاك. وذُكر أن أبا علي حكى في الحلبيات عن أبي عبيدة التهلُكة والهَلاك والهُلْكُ واحد. قال: . فدلَّ هذا من قول أبي عبيدة على. أن التهلكة مصدر (١).
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾:
قوله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الجمهور على نصب العمرة، وقرئ: بالرفع (٢)، فمن نصب عطفها على ﴿الْحَجَّ﴾، وجعلها قرينة له في الوجوب، ومن رفع فعلى الابتداء و ﴿لِلَّهِ﴾ الخبر، كأنه قصد بالرفع إخراجها عن حكم الحج وهو الوجوب.
واللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ على قراءة الجمهور متعلقة بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا﴾، أي: أتموهما تامين كاملين بمناسكهما وشرائطهما لوجه الله من غير توانٍ ولا
стр. 466
نُقصانٍ، على ما فسر (١)، ولك أن تجعله في موضع نصب على الحال من الحج والعمرة، أي: ثابتين، أو كائنين لله.
وقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: أي: فإن مُنعتم من جهة عدوٍّ، يقال: أُحصر فلان، إذا منعه عدوٌّ، وحُصِرُ: إذا منعه مرض، كذا ذكره ابن فارس في المجمل، قال: حصر بالمرض وأحصر بالعدو (٢). وعن الفراء وغيره: بمعنى واحد في المرض والعدو (٣).
وقوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الفاء وما بعدها جواب الشرط. و (ما) في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: فعليكم ما استيسر، أو: فالواجب ما استيسر، كقوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ (٤)، أي: تقلبهم متاع قليل. فالمحذوف على هذا الوجه المبتدأ. ولك أن تجعل (ما) في موضع نصب بفعل مضمر دل عليه المعنى، أي: فاهدوا ما استيسر، أي: ما تَيَسَّرَ منه.
يقال: يَسُرَ الأمرُ واستيسرَ، كما يقال: صَعُب واستصعَبَ. والهديُ ما يُهدى إلى الحرم من النَّعَم، وهو جمع هَدْيَةٍ، كجَدْيةٍ وجَدْيٍ. والجدية: شيء محشو تحت دَفْتَيِ السرج.
وقريء في غير المشهور: (مِن الهديِّ) بتشديد الياء (٥)، وهو جمع هَدِيَّةٍ، كمَطِيَّة ومَطِيّ.
стр. 467
﴿مَحِلَّهُ﴾: أي مكانه الذي يجب نَحرُهُ فيه، والمحِلّ: يجوز أن يكون مكانًا، وأن يكون زمانًا، ومنه محلُّ الدَّين: وهو وقتُ وجوب قضائه.
﴿فَفِدْيَةٌ﴾: أي: فعليه فدية، أي: فمن كان به مرض يحوجه إلى الحلق. ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾: وهو القمل والجراحة على ما فسر (١)، فعليه إذا حَلَقَ فديةٌ. ﴿مِنْ صِيَامٍ﴾: في موضع رفع على أنه نعت للفدية. ﴿أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: عطف على صيام، وحكمهما في الإعراب حكمه، و ﴿أَوْ﴾ هنا للتخيير. والنسك: مصدر، وقيل: جمع نَسِيكة، وقرئ في غير المشهور: (أو نُسْكٍ) بالتسكين (٢) كراهية اجتماع الضمتين.
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: يعني الإحصار.
﴿فَمَنْ﴾: مَن شرطية في موضع رفع بالابتداء. ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾: الفاء جواب (مَن)، و (مَن) وجوابها جواب إذا، و (ما) في موضع رفع بالابتداء، أي: فعليه ما استيسر، والعامل في (إذَا) ما تعلق به الخبر، أي: فيستقر عليه الهَدْيُ في ذلك الوقت. أو في موضع نصب، أي: فَلْيُهْدِ ما استيسر من الهَدْي، والعامل في (إذَا) - على هذا - الفعلُ (٣).
стр. 468
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ يعني الهدي. ﴿فَصِيَامُ﴾: أي فعليه صيام. ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أي: في وقته، عن الشافعي ﵁: هي من لدن أن يُحْرِم إلى يوم النحر (١).
ويجوز نصب (صيام) على تقدير: فليصم هذا الصيام (٢).
و(سَبْعَةٍ): عطف على ثلاثة. وقرئ في غير المشهور: (وسبعةً) بالنصب (٣) عطفًا على محل ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، كأنه قيل: فصيام ثلاثة أيام، كقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ (٤).
﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾: ابتداء وخبر، والإشارة إلى العدد. و ﴿كَامِلَةٌ﴾ نعت لعشرة. فإن قلتَ: ما وجه إعادة قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ بعد أن ذُكِرت مفترقةً؟ قلت: قيل: لئلا يَتوهم السامع أن العشرة لا تجب بكاملها، وإنما يجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج، أو سبعة في الرجوع (٥)، كما تقول: أبيعك هذا الثوب بعشرة دنانير نقدًا وعشرين إلى أجل، فهذا يحتمل أن يكون معناه: إن اشتريته بنقد فبعشرة، وإن اشتريته إلى أجل فبعشرين. ويحتمل أن يكون المعنى: إنك تبيعه إياه بثلاثين: منها عشرةٌ نقدًا وعشرون إلى أجل، فإن قلت: فذلك ثلاثون، زال اللَّبس وارتفع الإشكال.
فإن قلت: ما ذكرتَ إنما يكون مع ﴿أَوْ﴾ لأنها تكون لأحد الشيئين أو الأشياء في الإباحة وغيرها دون الواو. قلت: قد تأتي الواو للإباحة في نحو قولك: جالس الفقهاء والنحويين، ألا ترى أنه لو جالسهما جميعًا، أو واحدًا منهما كان مطيعًا، فلما كان كذلك أعيد قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ نفيًا
стр. 469
لتوهم الإباحة، وذهاب السامع إلى ذلك (١).
فإن قلتَ: ما وجه قوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾، وهلا اقتصر على العشرة؟ قلت: قيل: وجهُهُ الدلالةُ على انقطاع العدد، لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقي بعد ذكر السبع من العدد شيء، عن المبرد (٢).
وقيل: لفظه خبر ومعناه الأمر، أي: فأكملوها ولا تنقصوها (٣).
﴿ذَلِكَ لِمَنْ﴾: ابتداء وخبر، والإشارة إلى الحُكْمِ الذي هو وجوب الهدْي أو الصيام. واللام في ﴿لِمَنْ﴾ على أصله، أي: ذلك ثابت أو مستقر له. وقيل: هو بمعنى على، و (مَن) موصولة، ونهاية صلتها ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: في المحافظة على حدوده، وما أمركم به ونهاكم عنه.
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾
قوله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ ابتداء وخبر، وفي الكلام حذف مضاف، أي: وقتُ الحجِّ أشهرٌ، [أو أشهر الحج أشهر] (٤)، أو الحجُّ حَجُّ أشهرٍ. وإنما قُدِّرَ هذا ليكون الثاني هو الأول في المعنى، ولولا هذا التقدير لكان القياس نصب ﴿أَشْهُرٌ﴾ على الظرف، كما تقول: القتال اليومَ، والخروجُ الساعة.
قال أبو علي: والأشهُرُ على هذا مُتَّسَعٌ فيها مُخْرَجَةٌ عن الظروف، والمعنى على ذلك، ألا ترى أن الحج في الأشهر، كما أن الموعد في
стр. 470
قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ (١) في اليوم، إلا أنه اتّسِعَ [فيه] فجُعل الأول لما كان فيه، كما فُعل ذلك في قوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، وإن قلت: موعدُكم موعدُ يومِ الزينة، فقد أخرجته أيضًا على هذا التقدير عن أن يكون ظرفًا [لأنك قد أضفت إليه، والإضافة إليه تخرجه عن أن يكون ظرفًا] (٢). كما أنَّ رفعه كذلك، ويدلك على تأكيد خروجه عن الظرف عطفك عليه ما لا يكون ظرفًا، وهو قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ (٣). وقد يجوز أن تجعل الحجَّ الأشْهُرَ على الاتساع، لكونه فيها وكثرته من الفاعلين له. انتهى كلامه (٤).
فإن قلتَ: هل يجوز نصب ﴿أَشْهُرٌ﴾ في العربية على الظرف على ما ذكرت: القتالُ اليومَ؟ قلتُ: أجاز بعضهم ذلك، وأباه الأكثرون (٥) فارِقِين بين المعرفة والنكرة، مستشهدين عليهما بقول العرب: المسلمون جانبٌ، والكفارُ جانبٌ، بالرفع، فإذا أضافوا نصبوا، فقالوا: المسلمون جانبَ أرضهم، والكفارُ جانبَ بلادهم، وذلك أن النكرة لما جاءت على شرط الخبر في كونه نكرة من حيث فيه الفائدة، رفعوا بأنها خبر الابتداء، فلما صارت معرفة والخبر يطلب النكرة نصبوا، ليصح تقدير الاستقرار الذي هو نكرة، كأنه قيل: المسلمون مستقرون جانب أرضهم، ففائدة الرفع في (جانب)، وفائدة النصب في (مستقر)، فاعرف الفُرقان بينهما.
﴿مَعْلُومَاتٌ﴾: نعت لأشهر، والأشهر المعلومات: شوَّال، وذُو القعدة، وعشرُ ذي الحجة. فإن قلت: فكيف جاز لشهرين وعَشْرٍ من الثالث أن يجمع على أشهر؟ قلت: قيل: فيه وجهان:
стр. 471
أحدهما أن اسم الجمع يَشْتَرِكُ ما وراءَ الواحد، بشهادة قوله تعالى: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١).
والثاني: أنه نزل بعض الشهور منزلةَ كلِّه؛ لأنه قد يضاف الفعل إلى الوقت، وإنما العمل في بعضه. يقال: رأيت فلانًا سنة كذا، وإنما رآه في ساعة منها (٢).
وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ﴾ مَن: شرطٌ مبتدأ. (فلا رَفَثٌ): الفاء وما بعدها جواب الشرط، أي: فمن ألزم فيهن الحجَّ نفسَه بالنية (فلا رَفَثٌ): فلا جِماع؛ لأنه يفسده، أو: فلا فُحْشٌ من الكلام على ما فسر (٣).
﴿وَلَا فُسُوقَ﴾: ولا خروج عن حدود الشريعة.
وقريء المنفيات الثلاث: بالفتح على التَبْرِيَة، والمراد به نفي جميع الرفث والفسوق والجدال، والخبر: ﴿فِي الْحَجِّ﴾، و (لا) معهن مكررة للتأكيد، وبالرفع (٤): على جعل (لا) بمعنى ليس، والخبر ﴿فِي الْحَجِّ﴾، و ﴿فِي الْحَجِّ﴾ على الأول: في محل الرفع، وعلى الثاني: في محل النصب.
وقريء: برفع الأولين وفتح الأخير (٥)، ووجه من فعل ذلك: أنه حمل الأولين على معنى النهي، مستدلًا بقوله ﵊: "من حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ خرج كهيئةِ يوم وَلَدَتْهُ أمُّه" (٦). ولم يذكر الجدال، كأنه
стр. 472
قيل: لا ترفُثوا ولا تفسُقوا.
والثالث: على معنى الإخبار بانتفاء الجدال، كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج. وذلك أن قريشًا - على ما ذُكر - كانت تخالف سائر العرب، فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدمون الحج سنةً ويؤخرونه سنةً، وهو النسيء، فَرُدَّ إلى وقت واحد، وَرُدَّ الوقوف إلى عرفة.، فأخبره الله جل ذكره أنه قد ارتفع الخلاف في الحج (١).
و﴿فِي الْحَجِّ﴾ على هذا الوجه خبر ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ فحسْب، وخبر الأولين محذوف، كأنه قيل: ليس فيه رفث، ولا فيه فسوق. ولا يجوز أن يكون ﴿فِي الْحَجِّ﴾ خبرًا عنهن؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون ﴿فِي الْحَجِّ﴾ مرفوعًا منصوبًا، لاختلاف العاملَين، وذلك مَحال لا يقوله ذو لُب.
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾: شرط منصوب بتفعلوا، و ﴿تَفْعَلُوا﴾ مجزوم به، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ (٢)، فقوله: ﴿أَيًّا﴾ منصوب بـ ﴿تَدْعُوا﴾ و ﴿تَدْعُوا﴾ مجزوم به، وعلامة الجزم في الموضعين حذف النون.
﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: في موضع نصب على التمييز، والمميَّز (ما)، والمميِّز ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ وقد مضى الكلام على هذا عند قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ بأشبع من هذا (٣).
﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾: مجزوم بجواب الشرط، والهاء في ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ للخير.
﴿وَتَزَوَّدُوا﴾: أي الخير، دل عليه قوله ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
стр. 473
التَّقْوَى﴾، أي: اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح.
﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ﴾: اتقاؤها، ودخلت الفاء لما فيه من معنى الشرط، أي: إن تزودوا فإنَّ خيره التقوى.
واتقوني: أي: وخافوا عقابي يا ذوي العقول، لأن قَضيَة اللبّ تقوى الله، ومن لم يتقه من الأَلِبّاء، فكأنه لا لُبَّ له.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾:
قوله : ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ في موضع نصب لعدم الجار وهو (في)، أو جر لإرادته، ولو ظهر لكان متعلقًا بـ ﴿جُنَاحٌ﴾ لما فيه من معنى الفعل، وهو الجنوح والميل، أو لكونه في معنى الإثم.
﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي عطاء منه وتفضلًا، وهو النفع والربح بالتجارة على ما فسر (١). فإن قلت: بماذا يتعلق ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ قلت: بقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾، أو بمحذوف إن جعلته نعتًا لفضل، ومحله نصب على كلا الوجهين.
وقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾: (إذا) ظرف، وناصبه ﴿فَاذْكُرُوا﴾. ومعنى ﴿أَفَضْتُمْ﴾: دَفَعْتُمْ بكثرةٍ، من إفاضة الماء، وهو ضبه بكثرة. يقال: فأض الماء يفيض فَيْضًا وفيضوضة، أي: كثر حتى سال على ضفة الوادي، وأفاض فلان إناءه، أي: ملأه حتى فاض.
فإن قلت: فإن كان الأمرُ على ما زعمتَ، فأين مفعولُ ﴿أَفَضْتُمْ﴾؟
стр. 474
قلت: محذوف تقديره: فإذا أفضتم أنفسكم، ثم تُرك ذكر المفعول للعلم به، كما تُرك في دفعوا من موضع كذا، وصبوا لذلك (١). وأصل أفضتم (أَفْيَضْتُمْ)، فَحُذِفَتِ العينُ بعد نقل حركتها إلى الفاء لالتقاء الساكنين هي واللام؛ لاتصالها بالضمير، فاعرفه.
القول في عرفات:
اعلم - وفقك الله - أن ﴿عَرَفَاتٍ﴾ اسم معرفة لمواطنَ جَرَتْ مَجرى مَوطنٍ واحد، لاتصال بعضها ببعض. وهي عَلَمٌ للموقف، سُمِّي بجَمْعٍ، كأذرعات، وإنما لم يدخل عليه لام التعريف كما يدخل المعارف إذا جُمعت نحو: الطلحات؛ لأنهم لم يريدوا أن يقولوا: هذه عرفة، وتلك عرفة، مثل: هذه هند وتلك هند، فيحتاجوا إلى أن يقولوا: العرفاتُ، كما قالوا: الهنداتُ، وإنما جعل عرفات علمًا لتلك المواضع التي هي في حكم موضع - واحد، فصارت كأنها مفردة، فعرفات بمنزلة طلحة في أنه اسم يتضمن التعريف والتأنيث.
فإن قلت: فإن كان الأمر على ما زعمت من أن فيها التعريفَ والتأنيثَ، فَلِمَ صُرفتْ، وعليه جُلّ العرب؟ قلت: لأن التنوين الذي فيها ليس للفرق بين ما ينصرف وما لا ينصرف فيُحذف، وإنما هو بمنزلة النون في (مسلمون). ولهذا لو سَمَّيتَ امرأة بمسلمات، لقلتَ: أقبلت مسلماتٌ، فتركت التنوين على حاله، ولم تحذفه.
ولكونها معرفة نصبوا عنها الحال، فقالوا: هذه عَرَفَاتٌ مباركًا فيها، حكاه صاحب الكتاب عنهم (٢)، ولو كانت نكرة لما انتصب عنها الحال؛ لأن النكرة لا تكون لها حال إلا في لغة قليلة، وهذا كلام جميع العرب.
стр. 475
وحكى صاحب الكتاب أيضًا: أن بعض العرب يحذف التنوين من ﴿عَرَفَاتٍ﴾، ويترك التاء مكسورة في الجر والنصب لَمَّا جعلها اسمًا معرفة (١)، وهذا البعض لم يجعل التنوين في مسلمات بمنزلة النون في مسلمون، كيف والحركة موجودة في حرف الإعراب من مسلمات فلا يمكن أن يقال إنه عِوَضٌ من الحركة، وإنما هو تنوين في الأصل.
وحَكَى الأخفش والكوفيون فتح التاء فيها من غير تنوين في النصب والجر، على إجرائها مجرى تاء التأنيث في نحو طلحة وعائشة ونحوهما من المفرد (٢)، وأنشدوا بيت امرئ القيس (٣):
٩٤ - تَنَوَّرْتُها من أَذْرِعات ... ......................... (٤)
بالكسر والتنوين، وهو الأشهر، وبالكسر من غير تنوين؛ لأنه اسم مؤنث معرفة، غير أنه كَسَرَهُ من أجل الشبه بالجمع، ومنعه التنوين، وبالفتح من غير تنوين تشبيهًا بتاء طلحة، من أجل أنه قد صار اسمًا لشيء واحد، فهو بالواحد أشبه منه بالجمع، فاعرفه.
فإن قلت: لم سُميتْ بعرفات؟ قلت:
стр. 476
قيل: لأنها وصفت لإبراهيم، فلما أبصرها عرفها (١).
وقيل: إن جبريل ﵇ حين كان يدور به في المشاعر أراه إياها، فقال: قد عَرَفْتُ (٢).
وقيل: التقى فيها آدم ﵇ وحواء فتعارفا (٣).
وقيل: لأن الناس يتعارفون فيها (٤).
وقيل: لأن جبريل كان يقول لآدم ﵇: هذا موضع كذا، وهذا موضع كذا، فيقول: قد عَرفتُ، قد عَرفتُ.
روي هذا الوجه عن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره (٥)، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك، وبحقيقة ما في كتابه.
فإن قلت: عرفة اسم منقول أو مرتجل؟ قلت: قيل: الظاهر أنه مرتجل، كسائر أسماء البقاع؛ لأن العَرَفَة لا تُعرف في أسماء الأجناس، إلا أن تكون جمع عارف، والله تعالى أعلم (٦).
قوله : ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (عند) ظرف لقوله: ﴿فَاذْكُرُوا﴾، ولك أن تجعله حالًا من الضمير في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا﴾، أي: فاذكروه مستقرين أو كائنين عنده. و ﴿الْمَشْعَرِ﴾: المَعْلَمُ، وهو مَفْعَلٌ من شَعرتُ به، أي: علمت به؛ لأنه مَعْلم لِعبادةٍ، ووصف بالحرام لحرمته، وكَسْرُ الميم فيه لُغَيَّة.
стр. 477
﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾: الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: واذكروه ذكرًا يماثل هدايته إياكم، أي: يكون جزاء لهدايته إياكم. و (ما) يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون كافة.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾. (إن) هي المخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، واللام هي الفارقة. والهاء في ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ تعود إلى الهُدَى، أي: وإنه كنتم من قبل الهدى لمن الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الجلُّ على رفع الناس، والمراد به العرب، وقرئ: (من حيث أفاض الناسِ) بكسر السين (١)، أي: الناسي، وحذفت منه الياء اجتزاء بالكسرة عنها، كالقاضِ والرامِ. والمراد به آدم ﵇ من قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ (٢) فصارت صفة غالبة، كالنابغة والحارث والعباس والحسن، وهذه الأسماء وإن كانت أعلامًا، فإنها جارية مجرى الصفات، ولذلك دخل عليها حرف التعريف.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾:
قوله : ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: ذكرًا مثل ذكركم، أي: فأكثروا ذكر الله وبالغوا فيه مثل ما
стр. 478
تفعلون في ذكر آبائكم. ولك أن تجعله في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿فَاذْكُرُوا﴾، أي: فاذكروه مشبهين ذكركم آباءكم.
وقوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ يحتمل أن يكون في موضع جر عطفًا على ما أضيف إليه الذكر في قوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾، أي: أو كأشدَّ، أي: كذكرٍ أشد، كما تقول: كَذِكْرِ بني تميم آباءهم، أو قوم أشدَّ منهم ذكرًا. إلا أنه لا ينصرف للوصف والوزن، وأن يكون في موضع نصب عطفًا على ﴿آبَاءَكُمْ﴾ بمعنى: أو أشد ذكرًا من آبائكم، على أن ﴿ذِكْرًا﴾ من فعل المذكور، قاله الزمخشري (١).
أو على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: أو اذكروه ذكرًا أشد من ذكركم آباءكم (٢).
و﴿ذِكْرًا﴾: منصوب على التمييز. وقال بعض النحويين: هذا موضع مشكل، وذلك أن (أَفْعَل) يضاف إلى ما بعدها إذا كان من جنس ما قبلها، كقولك: ذِكْرُكَ أشدُّ ذِكْرٍ، ووجهُكَ أحسنُ وجهٍ، أي: أشد الأذكار، وأحسن الوجوه.
وإذا نَصَبْتَ ما بعدها كان غير الذي قبلها، كقولك: زيد أَفْرَهُ عبدًا، فالفراهة للعبد لا لزيد (٣)، والمذكور قبل و ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ ها هنا هو الذكر، والذكر لا يذكر حتى يقال: الذكر أشدُّ ذكرًا، وإنما يقال: الذكر أشدُّ ذكر بالإضافة، لأن الثاني هو الأول.
والذي قاله أبو علي، وابن جني وغيرهما: أنه جعل الذِّكر ذاكرًا على المجاز، كما تقول: زيد أشدُّ ذكرًا من عمرٍو. وعندي أن الكلام محمول
стр. 479
على المعنى، والتقدير: أو كونوا أشد ذكرًا لله منكم لآبائكم، ودلّ على هذا المعنى قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، أي: كونوا ذاكريه، وهذا أسهل من حمله على المجاز، انتهى كلامه (١).
و﴿أَوْ﴾ هنا يحتمل أن يكون للتخيير، وأن يكون للإباحة، وقيل: بمعنى بل، وقيل؛ بمعنى الواو.
وقوله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ مَن: موصولة في موضع رفع بالابتداء، و ﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾ الخبر، ومثله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ (٢)، ولك أن ترفعهما بالظرف على رأي أبي الحسن، وقد ذكرت في غير موضع (٣).
وقوله: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ من: مزيدة للتأكيد، وهي مع ما بعدها في موضع رفع بالابتداء، و ﴿لَهُ﴾ الخبر. و ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾، أي: من طلب خلاق، وهو النصيب، أي: وما لهذا الداعي نصيب في الآخرة؛ لأن همه مقصور على الدنيا.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾:
قوله : ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ يحتمل أن يتعلق بـ ﴿آتِنَا﴾، وأن يتعلق بمحذوف، ويكون في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿حَسَنَةً﴾.
و﴿وَقِنَا﴾: أصله أَوْقِنَا؛ لأنه من وَقَى يَقِي، والأصل: يَوْقِي،
стр. 480
حذفت الفاء منه، كما حذفت في المضارع؛ لوقوعها بين ياء وكسرة، وحذفت لامه للأمر، واستُغْنِيَ عن همزة الوصل لتحرك الحرف المبدوء به وهو العين.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾:
قوله : ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ و ﴿نَصِيبٌ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿لَهُمْ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبرٌ عن الأول، والإشارة إلى الداعين بالحسنتين.
﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾: في موضع رفعٍ نعتٌ لنصيب، و (ما) موصولة أو مصدرية، أي: لهم نصيب ثابت من جنس ما صدر منهم من الأعمال والأفعال المرضية. ويحتمل أن تكون الإشارة إلى الفريقين جميعًا؛ لأن لكل فريق نصيبًا من جنس ما كسبوا.
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾
قوله : ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ معدودات: صفة لأيام على لفظها، لكونها جمعًا، فقوبل الجمع بالجمع، ولا نظر إلى واحد الأيام ولا المعدودات.
والأيام المعدودات: هي أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، عن ابن عباس ﵄ وغيره (١).
وذِكْرُ الله قيها: التكبيرُ في أدبار الصلوات وعند الجمار على ما فسِّرَ (٢).
стр. 481
﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾: مَن شرطية في موضع رفع بالابتداء، وما بعده خبره.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: الفاء وما بعده جواب الشرط. و ﴿تَعَجَّلَ﴾ هنا بمعنى عَجِلَ أو استعجل، وتعجل واستعجل يأتيان مطاوعَين، بمعنى عَجِل، يقال: تعجل في الأمر واستعجل. ومتعديين، يقال: تعجل الذهاب واستعجله، واختير المطاوع هنا لقوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾.
وقرئ في غير المشهور: (فَلَثْم عليه) بطرح الهمزة تخفيفًا (١)، كما حُذف من نحو:
٩٥ - * إن لم أُقاتل فَلْبِسُوني بُرْقُعا* (٢)
ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين هي والثاء.
﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾: خبر مبتدأ محذوف، دل عليه ما تقدم من الكلام، أي: ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر، لأجل الحاج المتقي، أو: ذلك الذي مر ذكره من أحكام الحج وغيره ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾، لأنه هو المنتفع به دون مَن سواه، كقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (٣). وقيل: اللام متعلق بمعنى قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، لأنه تضمن معنى: جعلنا ذلك لمن اتقى. وقيل التقدير: المغفرةُ لمن اتقى. وقيل، السلامة لمن اتقى (٤).
стр. 482
وإنما قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ عند التعجيل والتأخير تنبيهًا على أن كليهما مخير فيهما، كأنه قيل: فتعجلوا أو تأخروا (١).
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾:
قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾: مَن: موصولةٌ وما بعدها صلتها، أو موصوفة وما بعدها صفتها، وهي في كلا التقديرين في موضع رفع بالابتداء، و (من الناس) الخبر. ومعنى ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾، أي: يروقك قوله.
وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قد جوز أن يتعلق بالقول، أي: يعجبك ما يقوله في معنى الدنيا، لأن ادعاءه المحبة لرسول الله ﷺ على ما فسر (٢) - بالباطل يتطلب حظًّا من حظوظ الدنيا.
وأن يتعلق بالإعجاب، أي: قوله حلو فصيح في الدنيا، فهو يعجبك في الدنيا، ولا يعجبك في الآخرة، لما يَرْهَقُهُ في الموقف من الحُبْسَةِ واللُّكْنَةِ (٣).
وقوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ﴾ عطف على ﴿يُعْجِبُكَ﴾، أي: يحلف ويقول: الله شاهد على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام. ويحتمل أن تكون الجملة في موضع نصب على الحال من الهاء في ﴿قَوْلُهُ﴾، والعامل فيها القول، أي: يروقك أن يقول في معنى الدنيا حالفًا على ذلك.
стр. 483
وقرئ في غير المشهور: (ويَشهَد اللهُ) بفتح الياء والهاء من (يَشْهَد) ورفع اسم الله تعالى به (١)، على معنى: أنه يُظهر أمرًا، ويقول قولًا، ويعلم الله خلاف ذلك منه. وإسناد الفعل إلى المُخْبَرِ عنه وإلى الله تعالى متقاربان في المعنى.
وفي مصحف أُبي ﵁: (ويستشهد اللهَ) (٢) أي: يسأله أن يشهد، وهذه تعضد قراءة الجمهور.
وقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ ابتداء وخبر، عطف جملة على جملة، وإن شئت جعلتها في موضع الحال وعطفتها على ﴿وَيُشْهِدُ﴾، وعلى الأول عطف على ﴿يُعْجِبُكَ﴾، ولك أن تجعلها حالًا من المستكن في (يُشْهِدُ)، فاعرفه، فإن فيه أدنى غموض.
واختلف في الخصام هنا، فقيل: جمع خَصْمٍ؛ لأن فَعْلًا إذا كان صفة يُجمع على (فِعال) كصعب وصعاب، عن الزجاج، بمعنى: وهو أشد الخصوم خصومة (٣).
وقيل: هو مصدر، يقال: خاصم يخاصم مخاصمة وخصامًا، عن الخليل (٤). وفي الكلام على هذا حذف مضاف، أي أشد ذوي الخصام.
ولك أن تجعل الخصامَ أَلَدَّ على المبالغة، كما تقول: رَجُلٌ زَورٌ وصَومٌ. ولك أن تجعل (أفعل) هنا بمعنى (فعيل) لا للمفاضلة، كما تقول:
стр. 484
هو أفضل القوم، أي: فاضلهم، أي: وهو شديد الخصومة. وقيل: شديدُ الجدال والعداوة للمسلمين (١).
يقال: لذَهُ يلُدُّهُ لَدًّا؛ إذا غلبه في الخصومة والجدال.
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾:
قوله : ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ قيل: تولى عنك وعما جئت به. وقيل: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾: وإذا كان واليًا فَعَلَ ما يَفعلُه ولاةُ السوء.
﴿لِيُفْسِدَ﴾ أي: لأن يفسد ﴿وَيُهْلِكَ﴾: عطف عليه، واللام من ﴿لِيُفْسِدَ﴾ متعلق بـ ﴿سَعَى﴾.
وقرئ في غير المشهور: (ويُهْلِكُ) برفع الكاف (٢) على الاستئناف والقطع، أو على إضمار مبتدأ، أي: وهو يهلك. وقيل: هو عطف على ﴿سَعَى﴾ حملًا على معناه؛ لأن معناه يسعى. وقيل: هو معطوف على ﴿يُعْجِبُكَ﴾ (٣).
ومعنى سعى في الأرض: عمل فيها، يقال: فلان يسعى لعياله، أي: يعمل فيما يعود عليهم نفعه. وقيل: سار ومشى.
وقريء: (ويَهْلِكُ الحرثُ والنَّسلُ) (٤)، على أن الفعل للحرث والنسل، أي: ويهلك الحرث والنسل بسعيه.
стр. 485
والحرث في الأصل مصدرُ حَرَثَ يَحرُثُ حَرْثًا، إذا شقّ الأرض للزراعة، وهو هنا بمعنى المحروث، كضَرْبِ الأمير، وخلْقِ اللَّهِ.
وكذا النسل بمعنى المنسول، وأصله من الخروج، يقال: نَسَلَ الوَبَرُ، وسُمِّيَ الولدُ نَسْلًا، لخروجه من ظهر أبيه.
وقرئ أيضًا: (ويَهْلَك) بفتح الياء واللام (١)، وهي لغيّة، كأَبَى يأْبَى، ورَكَنَ يركَنُ، ونحوه يُسْمَعُ ولا يُقاس عليه.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾:
قوله : ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ بالإثم: في موضع نصب على الحال، إما من الهاء في ﴿أَخَذَتْهُ﴾، أي: أخذته ملتبسًا بالإثم، أو من العزة، أي ملتبسة. وقيل: الباء متعلقة بالعزة، أي: أَنِفَ وتَعَزَّزَ بالإثم، فهو بيان لما تعزز به، لأنه قد يتعزز بما يوجب الثواب. وقيل: للتعدية بمعنى على، مِن قولك: أخذته بكذا، إذا حملتَه عليه وألزمتَه إياه، أي: حَمَلَتْهُ العزةُ التي فيه وحَمِيَّةُ الجاهلية على الإثم الذي يُنهى عنه، وألزمته ارتكابه. قيل: أصل العزة: الشدة، مأخوذة من العَزاز، وهو الأرض الصُّلْبَةِ.
وقوله: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ ابتداء وخبر. و ﴿جَهَنَّمُ﴾: لا تنصرف للتعريف والتأنيث.
﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: المهاد: رَفْعٌ ببئس، والمخصوص بالذم محذوف، أي: ولبئس المهاد جهنم.
стр. 486
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾
قوله : ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ﴾، أي: يبيعُها، قال أبو إسحاق: يبذلها في الجهاد (١). وقيل: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل (٢).
﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: مفعول له، أي: فعل ذلك لابتغاء مرضات الله، ثم نُزع الجارّ منه، فتعدى الفعل إليه فنصبه، والابتغاء: الطلب.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾:
قرئ: (السِلْم) بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام (٣). وبفتح السين واللام (٤) قيل: هن لغات بمعنىً (٥)، وهو الاستسلام والطاعة، أي: استسلِموا لله وأطيعوه، وقيل: هو الإسلام. وهما متقاربان في المعنى؛ لأن من دخل في الإسلام فقد دخل في الاستسلام والطاعة.
والسلم: مؤنثة، بشهادة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (٦)، وقول الشاعر:
стр. 487
٩٦ - السّلْمُ تأخذُ منها ما رَضِيتَ به (١) ... ..........................
وقد يذكَّر (٢).
﴿كَافَّةً﴾: يحتمل أن يكون حالًا من الضمير في ﴿ادْخُلُوا﴾، وكافة من الكف، وهو الجمع والإحاطة، ومنه كفة الميزان؛ لأنها تجمع الدراهم وتحيط بها. وقيل: من كَفَفْتُ فلانًا عن كذا، إذا منعتَه، ومنه المكفوف؛ لأنه مُنع الضوء، وقد كُفَّ بصرُهُ، وكَفَّ بصرُهُ أيضًا، عن ابن الأعرابي (٣)، فكفّ يتعدّى ولا يتعدّى، فكأن الجمع ممنوع من التفرق، كأنه قيل: ادخلوا فيها جميعًا لا يمتنع أحد منكم. وقيل: المراد بالكافة: الجماعة التي تكف مخالفيها.
وأن يكون حالًا من ﴿السِّلْمِ﴾ لأنها مؤنثة، كأنهم أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلِّها، وألا يدخلوا في طاعة دون طاعة، أو في شُعَب الإسلام وشرائعه كلها، وألا يُخِلُّوا بشيء منها، على التأويلين في ﴿السِّلْمِ﴾، فاعرفه.
﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾:
قوله : ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ أي: فإن زللتم عن الدخول في السلم. والزَّلل، والخطأ، والغلط، نظائر في المعنى.
стр. 488
وقريء في غير المشهور: (زَلِلتم) بكسر اللام (١)، وهما لغتان. يقال: زَلَلت وزلِلت. كما يقال: ضَلَلت وضلِلت، غير أن الفتح فيهما أَعْلَى اللغتين. قاله أبو الفتح (٢).
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (ما): مصدرية، أي: من بعد مجيء البينات، وهي الحجج والشواهد.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾
قول : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ الاستفهام هنا في معنى النفي، ولذا أتى بعده إلّا، و ﴿يَنْظُرُونَ﴾: بمعنى ينتظرون، يقال: نظرته، بمعنى: انتظرته.
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾: قيل: إتيان الله: إتيانُ أمره وبأسه (٣)، وحَذْفُ المضاف وإقامةُ المضاف إليه مُقامَه كثير شائع في كلام القوم إذا أُمِنَ اللَّبْسُ.
وقيل: التقدير: أن يأتيهم الله بالعذاب في ظلل من الغمام (٤).
وقوله: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا للإتيان، وأن يكون حالًا من المضاف المقدر، أي: كائنًا في ظلل، وهو جمع ظُلَّة، كظلمة وظُلَم، وهي ما أظلك.
وقرى في غير المشهور: (في ظِلالٍ) (٥) وذلك يحتمل أن يكون جمع
стр. 489
ظُلَّة أيضًا، كقُلَّة وقِلال، وأن يكون جَمعَ ظِل (١).
﴿مِنَ الْغَمَامِ﴾: صفة لقوله: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾، والغمام: السحاب، الواحدة غَمامة.
و﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: الجمهور على رفع الملائكة عطفًا على اسم الله تعالى، كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٢).
وقرئ: بالجر (٣) عطفًا على (ظلل)، أو على الغمام.
وقوله: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فرغ منه، وهو تدميرهم. وقرئ في غير المشهور: (وَقَضَاءُ الأمر) (٤)، على أنه مصدر مرفوع معطوف على (الملائكة).
وقرئ: (تَرجِعُ الأمورُ) و (تُرْجَعُ) على البناء للفاعل والمفعول (٥)، وهما متقاربتان في المعنى.
ويعضد الأولى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٦)، وينصر الثانية: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (٧).
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)﴾:
стр. 490
قوله : ﴿سَلْ﴾ يحتمل أن يكون أمرًا للرسول ﷺ ، وهو الوجه، وعليه الجُلُّ، وأن يكون لكل أحد (١).
والجمهور على فتح السين مع حذف همزة الوصل، وذلك يحتمل وجهين:
أحدهما: أن الهمزة خففت بأن ألقيت حركتها على السين على التخفيف القياسي، فلما تحركت السين استُغْنِيَ عن همزة الوصل اعتدادًا بالحركة العارضة، كما اعْتَدَّ بها مَن قال: لَحْمَرُ (٢).
والثاني: أنه مِن سَالَ يَسَالُ، كخافَ يخافُ، لغةٌ محكيةٌ (٣).
وأجاز بعض النحويين (اسَلْ) قياسًا على قول من قال: الَحْمَرُ (٤).
وقرئ: (اسْأَلْ) على الأصل (٥)؛ لأن ماضيه سَأَلَ، فاحتيج إلى همزة الوصل لسكون السين حيث لم تُخَفَّفِ الهمزةُ.
وقوله: ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ﴾ ﴿كَمْ﴾ هنا يحتمل أن تكون استفهامية للتقرير، وأن تكون خبرية، وهي في كلا الوجهين في موضع نصب على أنها مفعولٌ ثانٍ لآتينا. ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ هي المميِّز. وإنما جيء بمن في المميِّز - وهو الاختيار - لكونه فصل بين المميَّز والمميِّز، ولو حذفت ﴿مِنْ﴾ لوجب نصب ﴿آيَةٍ﴾ استفهامية كانت أو خبرية.
стр. 491
وقد أجيز الجر مع الفصل في الخبرية، والوجه: النصب، للفصل بين الجار والمجرور. وقد أتت ﴿مَنْ﴾ مع المميّز من غير فصل، كقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (١)، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ (٢) والاختيار أن تكون مع الفصل.
ولك أن تجعل ﴿كَمْ﴾ في موضع رفع بالابتداء، و ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ الخبر، على أن تقدر إضمار العائد، أي: كم آتيناهموها، أو آتيناهم إياها، ولا يجيز صاحبُ الكتاب الرفعَ مع الحذف في الاختيار وحال السعة (٣).
وبنيت (كم) لتضمنها معنى همزة الاستفهام إن كانت استفهامية، وإن كانت خبرية فبنيت لكونها محمولة على (رُبَّ)، لأنها نقيضتُها (٤)، وذلك أن (رب) للتقليل، و (كم) للتكثير، والشيء قد يُحمل تارةً على نقيضه، كما يحمل على نظيره.
فإن قلت: ما محل ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ﴾؟ قلت: محلها النصب على أنها مفعول ثان لقوله: ﴿سَلْ﴾.
فإن قلت: هل يجوز أن تنصب ﴿كَمْ﴾ بقوله ﴿سَلْ﴾؟ قلت: لا؛ لأن لها صدر الكلام، استفهامية كانت أو خبرية.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ﴾ مَن: شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿يُبَدِّلْ﴾، والعائد: المستكن في ﴿يُبَدِّلْ﴾. وقيل: العائد محذوف، والتقدير: شديد العقاب له، فيختصُ العقابُ بالمُبَدِّلِ.
وعلى الوجه الأول: يحتمل أن يكون له، وأن يكون عامًا في كل
стр. 492
مستحق للعقاب، فاعرفه، فإن فيه أدنى غموض.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾: (ما) مصدرية.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء وما تعلق بها جواب الشرط.
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾:
الجمهور على البناء للمفعول في (زُيِّنَ)، ورَفْع ﴿الْحَيَاةُ﴾ به على الفاعلية.
وقرئ: (زَيَّنَ) على البناء للفاعل، ونصب الحياة به (١).
فإن قلتَ: مَن المزيِّنُ؟ قلت: يَحتمل أن يكون هو الله تعالى زينها لهم، بأن خلق فيها الأشياء العجيبة حتى اغتر بها المغرورون، واطمأن إليها الجاهلون ابتلاء وامتحانًا، بشهادة قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٢). وأن يكون هو الشيطان، زينها لهم وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم، فلا يريدون غيرها، يعضده: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ (٣)، ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ (٤).
فإن قلت: فلم قال: (زُينَ)، ولم يقل: زُينتْ؟ قلت: لأجل الفصل
стр. 493
بين الفعل وفاعله، أو لأن التأنيث غير حقيقي، أو لأن الحياة والعيش والبقاء بمعنىً، كما أن الموعظة والوعظ كذلك. وعن ابن أبي عبلة (١): (زُيّنت) بإظهار العلامة (٢).
﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: مبتدأ، و ﴿فَوْقَهُمْ﴾: الخبر، و ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف للخبر، أي: حالُهم عاليةٌ لحالهم؛ لأنهم في كرامة، وهم في هوان.
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾:
قوله : ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ حالان من ﴿النَّبِيِّينَ﴾. ﴿وَأَنْزَلَ﴾: عطف على (بعث).
﴿مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ﴾: يريد بالكتاب الجنس، أو مع كل واحد منهم كتابه. و ﴿مَعَهُمُ﴾ ظرف لأنزل. ويحتمل أن يكون حالًا من الكتاب، أي: وأنزل الكتاب معينًا لهم. ﴿بِالْحَقِّ﴾: في موضع نصب على الحال من ﴿الْكِتَابَ﴾ أي: ملتبسًا بالحق.
﴿لِيَحْكُمَ﴾ أي: لأن يحكم، واللام من صلة (أنزل). والحاكم: هو الله تعالى، أو الكتاب، أو النبي المُنْزَلُ عليه، كقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٣).
стр. 494
وقرئ في غير المشهور: (ليُحْكَمَ) على البناء للمفعول (١)، وهو ظاهر (٢).
وقوله: ﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، وهو الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾: في الحق. وقيل: في الكتاب. وقيل: في أمر الدين. وقيل: في محمد ﷺ ، وجاز عود الضمير إليه وإن لم يجر له ذكر لحصول العلم به (٣).
﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾: الهاء في ﴿أُوتُوهُ﴾ تعود إلى الكتاب، أي: إلا الذين أوتوا الكتابَ المُنْزَلَ.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ﴾: (من) متعلق باختلف، كما تقول: ما ضربَهُ إلا زيدٌ عند بَكرٍ، فعند بكرٍ متعلق بالفعل الواقع قبل إلا.
﴿بَغْيًا﴾: مفعول من أجله، والعامل فيه ﴿اخْتَلَفَ﴾؛ لأنه غَرَضٌ لفعلهم، أي: اختلفوا للبغي.
و﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف للبغي. والبغي: الحسد (٤)، والطلب للاستعلاء بغير حقٍّ.
وقوله: ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿فَهَدَى﴾، كقوله: ﴿هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٥). و (ما) موصولةٌ ونهاية صلتها ﴿بِإِذْنِهِ﴾.
стр. 495
﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: بيان لما اختلفوا فيه، أي: فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختَلَفَ فيه من اختلف.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾:
قول : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ (أم): منقطعة بمنزلة بل والهمزة، ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده. وقيل: الميم من (أم) صلة، والتقدير: أحسبتم. والمعنى: أظننتم (١).
﴿أَنْ تَدْخُلُوا﴾: أن وما عملت فيه سدت مسد مفعولي الحسبان عند صاحب الكتاب ﵀ (٢). وعند أبي الحسن: المفعول الثاني محذوف، أي: أم حسبتم دخول الجنة واقعًا أو حقًّا (٣).
﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾: لما: هنا هي (لم) دخلت عليها (ما)، وبقي عملها كما ترى، وفيها معنى التوقع، وهي في النفي نظيرة (قد) في الإثبات، يقال: قد فعل فلان، تقول: لمَّا يفعل. والمعنى: أَنَّ إِتيان ذلك متوقع منتظر.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا﴾: قيل: حالهم التي هي مثلٌ في الشدة. و ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ بيان للمثل المذكور، وهي جملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، وهي موضحة لأحوالهم، كأن قائلًا قال: كيف كان ذلك المثل؟ فقيل: مستهم