وقد أجيز الجر مع الفصل في الخبرية، والوجه: النصب، للفصل بين الجار والمجرور. وقد أتت ﴿مَنْ﴾ مع المميّز من غير فصل، كقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (١)، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ (٢) والاختيار أن تكون مع الفصل.
ولك أن تجعل ﴿كَمْ﴾ في موضع رفع بالابتداء، و ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ الخبر، على أن تقدر إضمار العائد، أي: كم آتيناهموها، أو آتيناهم إياها، ولا يجيز صاحبُ الكتاب الرفعَ مع الحذف في الاختيار وحال السعة (٣).
وبنيت (كم) لتضمنها معنى همزة الاستفهام إن كانت استفهامية، وإن كانت خبرية فبنيت لكونها محمولة على (رُبَّ)، لأنها نقيضتُها (٤)، وذلك أن (رب) للتقليل، و (كم) للتكثير، والشيء قد يُحمل تارةً على نقيضه، كما يحمل على نظيره.
فإن قلت: ما محل ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ﴾؟ قلت: محلها النصب على أنها مفعول ثان لقوله: ﴿سَلْ﴾.
فإن قلت: هل يجوز أن تنصب ﴿كَمْ﴾ بقوله ﴿سَلْ﴾؟ قلت: لا؛ لأن لها صدر الكلام، استفهامية كانت أو خبرية.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ﴾ مَن: شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿يُبَدِّلْ﴾، والعائد: المستكن في ﴿يُبَدِّلْ﴾. وقيل: العائد محذوف، والتقدير: شديد العقاب له، فيختصُ العقابُ بالمُبَدِّلِ.
وعلى الوجه الأول: يحتمل أن يكون له، وأن يكون عامًا في كل
стр. 492
مستحق للعقاب، فاعرفه، فإن فيه أدنى غموض.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾: (ما) مصدرية.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء وما تعلق بها جواب الشرط.
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾:
الجمهور على البناء للمفعول في (زُيِّنَ)، ورَفْع ﴿الْحَيَاةُ﴾ به على الفاعلية.
وقرئ: (زَيَّنَ) على البناء للفاعل، ونصب الحياة به (١).
فإن قلتَ: مَن المزيِّنُ؟ قلت: يَحتمل أن يكون هو الله تعالى زينها لهم، بأن خلق فيها الأشياء العجيبة حتى اغتر بها المغرورون، واطمأن إليها الجاهلون ابتلاء وامتحانًا، بشهادة قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٢). وأن يكون هو الشيطان، زينها لهم وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم، فلا يريدون غيرها، يعضده: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ (٣)، ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ (٤).
فإن قلت: فلم قال: (زُينَ)، ولم يقل: زُينتْ؟ قلت: لأجل الفصل
стр. 493
بين الفعل وفاعله، أو لأن التأنيث غير حقيقي، أو لأن الحياة والعيش والبقاء بمعنىً، كما أن الموعظة والوعظ كذلك. وعن ابن أبي عبلة (١): (زُيّنت) بإظهار العلامة (٢).
﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: مبتدأ، و ﴿فَوْقَهُمْ﴾: الخبر، و ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف للخبر، أي: حالُهم عاليةٌ لحالهم؛ لأنهم في كرامة، وهم في هوان.
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾:
قوله : ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ حالان من ﴿النَّبِيِّينَ﴾. ﴿وَأَنْزَلَ﴾: عطف على (بعث).
﴿مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ﴾: يريد بالكتاب الجنس، أو مع كل واحد منهم كتابه. و ﴿مَعَهُمُ﴾ ظرف لأنزل. ويحتمل أن يكون حالًا من الكتاب، أي: وأنزل الكتاب معينًا لهم. ﴿بِالْحَقِّ﴾: في موضع نصب على الحال من ﴿الْكِتَابَ﴾ أي: ملتبسًا بالحق.
﴿لِيَحْكُمَ﴾ أي: لأن يحكم، واللام من صلة (أنزل). والحاكم: هو الله تعالى، أو الكتاب، أو النبي المُنْزَلُ عليه، كقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٣).
стр. 494
وقرئ في غير المشهور: (ليُحْكَمَ) على البناء للمفعول (١)، وهو ظاهر (٢).
وقوله: ﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، وهو الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾: في الحق. وقيل: في الكتاب. وقيل: في أمر الدين. وقيل: في محمد ﷺ ، وجاز عود الضمير إليه وإن لم يجر له ذكر لحصول العلم به (٣).
﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾: الهاء في ﴿أُوتُوهُ﴾ تعود إلى الكتاب، أي: إلا الذين أوتوا الكتابَ المُنْزَلَ.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ﴾: (من) متعلق باختلف، كما تقول: ما ضربَهُ إلا زيدٌ عند بَكرٍ، فعند بكرٍ متعلق بالفعل الواقع قبل إلا.
﴿بَغْيًا﴾: مفعول من أجله، والعامل فيه ﴿اخْتَلَفَ﴾؛ لأنه غَرَضٌ لفعلهم، أي: اختلفوا للبغي.
و﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف للبغي. والبغي: الحسد (٤)، والطلب للاستعلاء بغير حقٍّ.
وقوله: ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿فَهَدَى﴾، كقوله: ﴿هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٥). و (ما) موصولةٌ ونهاية صلتها ﴿بِإِذْنِهِ﴾.
стр. 495
﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: بيان لما اختلفوا فيه، أي: فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختَلَفَ فيه من اختلف.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾:
قول : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ (أم): منقطعة بمنزلة بل والهمزة، ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده. وقيل: الميم من (أم) صلة، والتقدير: أحسبتم. والمعنى: أظننتم (١).
﴿أَنْ تَدْخُلُوا﴾: أن وما عملت فيه سدت مسد مفعولي الحسبان عند صاحب الكتاب ﵀ (٢). وعند أبي الحسن: المفعول الثاني محذوف، أي: أم حسبتم دخول الجنة واقعًا أو حقًّا (٣).
﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾: لما: هنا هي (لم) دخلت عليها (ما)، وبقي عملها كما ترى، وفيها معنى التوقع، وهي في النفي نظيرة (قد) في الإثبات، يقال: قد فعل فلان، تقول: لمَّا يفعل. والمعنى: أَنَّ إِتيان ذلك متوقع منتظر.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا﴾: قيل: حالهم التي هي مثلٌ في الشدة. و ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ بيان للمثل المذكور، وهي جملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، وهي موضحة لأحوالهم، كأن قائلًا قال: كيف كان ذلك المثل؟ فقيل: مستهم
стр. 496
﴿الْبَأْسَاءُ﴾: وهو الفقر الشديد، ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾: المرض والجوع على ما فسر (١).
﴿وَزُلْزِلُوا﴾: أزعجوا إزعاجًا شديدًا شبيهًا بالزلزلة، بما أصابهم من الأهوال والأفزاع، وأصل الزلزلة: شدة الحركة.
﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ ﴿حَتَّى﴾: من صلة ﴿وَزُلْزِلُوا﴾، وقريء: (حتى يقولَ) بالنصب (٢) على إضمار أن ومعنى الاستقبال، لأن ﴿أَنْ﴾ عَلَمٌ له. و ﴿حَتَّى﴾ غاية، أي: وزلزلوا إلى أن قال الرسول، فقول الرسول غايةٌ لخوف أصحابه، والفعلان قد مضيا.
وقرئ: (حتى يقولُ) بالرفع (٣) على أنه في معنى الحال، كقولك: شربَتِ الإبلُ حتى يجيءَ البعيرُ يَجُرُّ بطنه، أي: وزلزلوا فيما مضى حتى إن الرسول يقول الآن ومن معه: متى نصر الله؟ فَحُكِيَتِ الحالُ التي كانوا عليها. ويحتمل أن يكون الزلزال والقول قد مضيا جميعًا، كما تقول: سرت حتى أدخلها، أخبرتَ أن السير قد كان، وأن الدخول كذلك، فالدخول متصل بالسير.
وفعلُ الحال على ضربين: إما حال قد مَضَتْ فتُحكى، وإما حال أنت فيها، والحال الماضية المحكية هي تُقَدَّرُ بالماضي، أي: فقال الرسول. والحال التي أنت فيها هي التي تقدر بالآن، أي: حتى يقول الرسول الآن. وفعل الحال لا يدخل عليه عامل يغيره عن الرفع، فاعرفه.
وقوله: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (نصرُ اللهِ) مبتدأ، ﴿مَتَى﴾ خبره في موضع
стр. 497
الرفع، وعلى قول أبي الحسن: (نصرُ اللهِ) مرفوع بمتى، و ﴿مَتَى﴾ منصوب على الظرف (١). والجملة في موضع نصب بالقول على المذهبين.
﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾: على إرادة القول، أي: فقيل لهم ذلك.
و﴿قَرِيبٌ﴾: خبر إنّ، ويجوز نصبه في الكلام على الظرف. قيل: و ﴿قَرِيبٌ﴾ إذا كان في معنى المسافة لا تُثَنِّيه العرب، ولا تجمعه، ولا تؤنثه، وفي التنزيل ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٢). وإذا كان في معنى النسب ثُنِّي وجمع وأنث، فقيل: قريبون وأقرباء، وفلانة قريبتي، أي: ذات قرابتي (٣).
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾:
قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، لك في ﴿مَاذَا﴾ وجهان: أحدهما: أن تجعل (ما) و (ذا) اسمًا واحدًا في موضع نصب بينفقون، أَيْ: أيَّ شيء ينفقون؟
والثاني: أن تجعل (ما) استفهامًا في موضع رفع بالابتداء، و (ذا) بمعنى الذي في موضع رفع بحق الخبر. و ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلته، ولذلك لم يعمل في (ما)؛ لأن ما كان في الصلة لا يعمل فيما قبل الموصول، والعائد محذوف. والتقدير: يسألونك ما الذي ينفقونه، ثم حُذف العائد لطول الاسم بالصلة. وموضع الجملة في كلا التقديرين نصب بيسألون.
وقوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ (ما): شرط في موضع نصب بأنفقتم.
﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: في موضع نصب على التمييز، وقد مضى الكلام على هذا
стр. 498
عند قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ بأشبع من هذا، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا (١).
وقد جُوِّزَ أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة في موضع رفع بالابتداء، و ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ الخبر، والعائد محذوف، أي: الذي أنفقتموه. وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ على هذا الوجه في موضع نصب على الحال من العائد المحذوف، أي: كائنًا من خير (٢).
﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾ ما: شرط ليس إلا في موضع نصب بتفعلوا، و ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ مُفَسِّرٌ له.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾:
قوله : ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ابتداء وخبر. قال أبو إسحاق: يقال: كرهتُ الشيءَ كَرْهًا وكُرْهًا وكَراهَةً وكَراهِيَةً، وكل ما في كتاب الله تعالى من الكَره، فالضم جائز فيه (٣).
وعن الكسائي وغيره: الكُرْهُ ما كان من نفسك، والكَرْهُ ما أُكرهتَ عليه (٤).
وفي الكلام حَذْفُ مضافٍ، أي: وهو ذو كُره لكم. والمعنى: فَرْضُ
стр. 499
القتالِ إكراهٌ لكم، فيكون هو كناية عن الفَرْضِ والكَتْبِ. وقيل: هو بمعنى مفعولٍ، أي: وهو مكروه لكم تكرهُهُ النفوسُ، وتأباه الطّباعُ، لكونه مشقة (١)، والكناية على هذا عن القتال، فأُوقِعَ المصدرُ مَوقعَ المفعول، كما أُوقِعَ في نحو: رَجُلٌ رِضى، أي: مَرْضيٌّ.
والجمهور على ضم الكاف، وقرئ: بفتحها (٢).
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ عسى فعل ماض، وهو من الله تعالى واجب، ومن غيره طمع وإشفاق، ولا يتصرف لتضمنه معنى الطمع والإشفاق، ويكثر لزوم (أن) إِيَّاهُ، للدلالة على الاستقبال، لما فيه من الإبهام. و ﴿أَنْ﴾ وما اتصل بها في موضع رفع بعسى، و ﴿وَعَسَى﴾ حال من الضمير، وكذا ما بعده.
﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: ابتداء وخبر. و ﴿لَكُمْ﴾ تعلق بخير، لأنه في معنى أفعل، والجملة في موضع نصب نعت لقوله: ﴿شَيْئًا﴾، والواو مقحمة. وقيل: حال منه وإن كان نكرة، لأن المعنى يقتضيه (٣).
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾:
قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ قتال: بدل من
стр. 500
﴿الشَّهْرِ﴾، وهو بدل الاشتمال؛ لأن القتال يقع في الشهر، تعضده قراءة من قرأ: (عن قتال فيه) على تكرير العامل، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (١)، وهو عبد اللَّه ﵁ (٢).
و﴿فِيهِ﴾ متعلق بقتال، كما يتعلق بقاتل، لأن المصدر يعمل عمل الفعل، ولك أن تجعله وصفًا لقتال، فيكون متعلقًا بمحذوف، أي: واقع أو كائن فيه.
وقرئ في غير المشهور: (قتالٌ فيه) بالرفع (٣)، على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: أجائز قتال فيه؟ دل عليه ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾.
﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: قتال مبتدأ، و ﴿فِيهِ﴾ نعت له، ولذلك جاز الابتداء به، كقوله. ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ (٤)، و ﴿كَبِيرٌ﴾ خبره. والهاء في ﴿فِيهِ﴾ في الموضعين تعود على ﴿الشَّهْرِ﴾.
فإن قلت: قتالٌ الثاني هو قتال الأول أم غيره؟ قلت: هو غيره، ولو كان هو هو، لكانت معه آلة التعريف، كما في قول القائل: كسبت درهمًا، وأنفقت الدرهم، وقوله: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ بعد قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ (٥) وإنما هو إخبار بتعظيمِ أيّ قتال يقع في الشهر الحرام، وليس هو ذلك المذكور بعينه.
وقوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (وصد): مبتدأ، و ﴿عَنْ﴾ متعلقة به، والصد: المنع.
стр. 501
﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾: عطف على (صدٌّ)، و ﴿بِهِ﴾ متعلق بكفر. والهاء في ﴿بِهِ﴾ تعود على اسم الله.
﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾: عطف على (صدٌّ)، والهاء في ﴿أَهْلِهِ﴾ تعود إلى المسجد الحرام، ي: وإخراج أهل المسجد الحرام، وهم رسول الله ﷺ والمؤمنون. و ﴿مِنْهُ﴾: متعلق بإخراج.
و﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: خبر عن هذه الأشياء المذكورة. و ﴿عِنْدَ﴾ متعلق بأكبر، أي: فعلُ هذه الأشياء المذكورة أكبر عند الله مما فعلته سريةُ رسول الله ﷺ من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ.
فإن قلتَ: بأي شيء يتعلق قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؟ قلت: بمحذوف دل عليه قوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: وكفر به وصد عن المسجد الحرام، بشهادة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١)، فكما أن المسجد الحرام في هذه الآية محمول على ﴿عَن﴾ المتصلة بالصد، كذلك هو في هذه الآية، وقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢).
فإن قلت: أجل، الأمرُ - كما زعمتَ - لا ينازعك فيه ذو لُبٍّ، ولكنْ لِمَ قَدَّرْتَ صدًا آخرَ وعلقته به ولولا عطفته على مفعول هذا الصد الظاهر وهو ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ كما زعم الجمهور، وما حملك على مخالفتهم؟ قلتُ: حملني على ذلك الفَصْلُ بين الصلة والموصول، وذلك أن قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ عطف على قوله: ﴿وَصَدٌّ﴾. ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إن عطفته على معمول هذا الصد وعلقته به، كان داخلًا في صلة المصدر الذي هو الصد ومعمولًا له، كنتُ فاصلًا بين المصدر ومعموله بقوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾، وذلك لا يجوز.
وقيل: هو عطف على الهاء في ﴿بِهِ﴾ من قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾،
стр. 502
وهو ضعيف؛ لأن صاحب الكتاب: لا يجيز عطف الظاهر على المضمر المخفوض إلَّا بإعادة الخافض (١)، وأيضًا فإن المعنى ليس على الكفر به، وإنما المعنى على الصد عنه.
وعن الفراء: أن قوله: ﴿وَصَدٌّ﴾ ﴿وَكُفْرٌ﴾ معطوفان على ﴿كَبِيرٌ﴾ الذي هو خبرٌ عن ﴿قِتَالٌ﴾ ورُدَّ عليه: بأن هذا يوجب أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرًا، ويوجب ما بعده من قوله: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أن يكون إخراج أهل المسجد الحرام أكبر عند الله من الكفر، وإخراجهم منه إنما هو بعض خلال الكفر.
وعنه أيضًا: أن الصدَّ مرفوع بالابتداء، ﴿وَكُفْرٌ﴾ عطف عليه، والخبر محذوف، التقدير: وصد عن سبيل الله وكفر به كبيران عند الله، لدلالة الخبر الأول عليه. وهذا أيضًا يوجب أن يكون إخراج أهل المسجد الحرام عند الله أكبر من الكفر.
وعن الفراء أيضًا: أن ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف على ﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، وليس بشيء؛ لأنهم لم يسألوا عن المسجد الحرام، وإنما سألوا عن الشهر الحرام: هل يجوز فيه القتال؟ ، فقيل لهم: القتال فيه كبير (٢).
﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ابتداء وخبر. و ﴿مِنَ﴾ متعلق بالخبر، أي: الفتنة في الدين - وهو الكفر - أعظم إثمًا من القتل في الشهر الحرام الذي سألتم عنه وأنكرتموه.
وقوله: ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ (حتى): للتعليل، كقولك: صليت حتى أدخل الجنة، أي: كي أدخلها، وهي متعلقة بـ ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، أي: يقاتلونكم كي يردوكم.
стр. 503
﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾: (إن) حرف شرط، وجوابه محذوف دل عليه قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾. قيل: و ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ استبعاد لاستطاعتهم، كقول القائل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تُبق عليّ؛ وهو واثق بأنه لا يظفر به (١).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ﴾ مَن: شرط في موضع رفع بالابتداء، و ﴿يَرْتَدِدْ﴾ مجزوم به.
﴿مِنْكُمْ﴾: في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿يَرْتَدِدْ﴾.
﴿فَيَمُتْ﴾: عطف على ﴿يَرْتَدِدْ﴾، وأصله: (فيموت)، فحذفت الواو بعد أن ألقيت حركتها على الميم لالتقاء الساكنين هي والتاء.
﴿وَهُوَ كَافِرٌ﴾: في موضع الحال من المستكن في ﴿فَيَمُتْ﴾.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء وما بعدها جواب الشرط. وقوله: ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ متعلقة بـ ﴿حَبِطَتْ﴾.
والردة لا تُحْبِطُ الأعمال حتى يموتَ عليها، بشهادة قوله تعالى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ (٢).
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ إن واسمها، ونهاية صلة الذين: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
стр. 504
﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾: ابتداء وخبر في محل الرفع بحق خبر ﴿إِنَّ﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾:
قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ قيل: سميت الخمر خمرًا لتغطيتها العقلَ والتمييزَ، وكأنها سميت بالمصدر من خَمَرَهُ خَمْرًا، إذا ستره للمبالغة (١).
والميسِرُ: القمار، مصدر من يَسَرَ، كالموعِد والمرجِع من وعد ورجع. يقال: يَسَرْتُهُ، إذا قَمَرْتُهُ (٢).
قيل: واشتقاقه إما من اليُسْر، لأنه أَخْذُ مالِ الرجل بيُسرٍ وسهولةٍ من غير كد ولا تعب (٣)، أو من اليسار؛ لأنه سَلْبُ يسارِهِ (٤).
وقيل: بل اشتقاقه من التجزئة، وكل شيء جَزأته فقد يسَّرته، ومنه: الياسِرُ الجَازِرُ (٥)، والميسر: الجَزُورُ، وهو أصل القمار (٦).
﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾: مبتدأ، و (منافعُ) عطف عليه، و ﴿فِيهِمَا﴾ خبر
стр. 505
عنهما. و ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بقوله: (منافعُ). ﴿مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ متعلق بقوله: ﴿أَكْبَرُ﴾.
والإثم والنفع مصدران مضافان إلى الخمر والميسر، لكونهما سبب الإثم. ولك أن تجعله من إضافة المصدر إلى الفاعل مجازًا واتساعًا، لكونهما يوقعان صاحبهما في الإثم (١).
وقرئ: (إثم كبير) بالباء لقوله: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ (٢). وقوله: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ﴾ لم يُختلَف فيهما، وقول الناس: الصغائر والكبائر. وبالثاء (٣)؛ لأن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة (٤)، ولأن وصف الإثم بالكثرة أبلغ من وصفه بالكِبَرِ.
وقوله: (قُلِ العَفْوُ) قرئ: بالرفع (٥) على أن (ما) وحدها اسم، و (ذا) بمعنى الذي وهو الخبر، ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلته، وعائده محذوف، أي: ما الذي ينفقونه؟ ثم حذف العائد لطول الاسم بالصلة على ما ذكرت قبيل، فأتى الجواب مرفوعًا على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: الذي ينفقونه العفوُ.
وبالنصب (٦) على أن (ما) و (ذا) اسم واحد في موضع نصب بينفقون، فأتى الجواب منصوبًا تقديره: ينفقون العفوَ؛ لأن العفو جواب، وإعرابُ الجواب كإعراب السؤال، فاعرفه وقس عليه.
стр. 506
قال أبو جعفر ﵀ (١): إن جعلت (ذا) بمعنى الذي كان الاختيارُ الرفعَ، وجاز النصبُ، وإن جعلت (ما) و (ذا) اسمًا واحدًا، كان الاختيار النصبَ وجاز الرفع، وحكى النحويون: ماذا تعلمتَ نحوًا أم شعرًا؟ بالنصب والرفع، انتهى كلامه (٢).
﴿كَذَلِكَ﴾: الكاف الأولى في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: تَبْيِينًا مِثلَ ذلك التبيين المذكور؛ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ﴾.
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾:
قوله : ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (في) يحتمل أن تكون من صلة قوله: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: تتفكرون في أمور الدارَين، وأن تكون من صلة قوله: ﴿يُبَيِّنُ﴾، أي: يبين الله لكم الآيات في أمر الدارين.
وقوله: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ إصلاح: رفع بالابتداء، و ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، تعضده قراءة من قرأ: (قل أصلح لهم) وهو طاووس (٣).
و﴿خَيْرٌ﴾: الخبر، أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم (٤).
стр. 507
وجاز الابتداء بالنكرة، لأن إصلاحًا والإصلاحَ بمعنى واحد، إذ ليس يدل واحد منهما على إصلاح بعينه، لأن المراد به الجنس، فالنكرة والمعرفة هنا سيّان، فاعرفه.
فإن قلتَ: هل يجوز أن يتعلق ﴿لَهُمْ﴾ بـ ﴿خَيْرٌ﴾ كما زعم بعضهم؟ قلت: لا؛ لأن معمول أَفْعَلَ وما كان في معناه لا يتقدم عليه (١).
فإن قلتَ: هل يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال، لتقدمه على الموصوف وهو ﴿خَيْرٌ﴾، كما زعم بعضهم (٢)؟ قلت: لا؛ لأن خيرًا هنا بمعنى أخير، وليس بمنزلة قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (٣) على أحد التأولين، فيكون كما زعم.
فإن قلت: على ماذا يرتفع ﴿خَيْرٌ﴾ على قراءة من قرأ: (قل أَصْلِحْ لهم) على الأمر؟ قلت: على خبر مبتدأ محذوف، أي: فذلك خير، أي: فالإصلاح خير، دل عليه هذا الفعل.
وقوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: وإن تخالطوهم، وتعاشروهم، ولم تجانبوهم فهم إخوانكم. والجملة في موضع الجزم بجواب الشرط. وأجيز نصب (إِخْوَانُكُمْ) بفعل دل عليه هذا الظاهر، أي: فخالطتم إخوانكم (٤).
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾: أي: لا يخفى عليه مَن داخَلَهُمْ بإفساد وإصلاح، فيجازيه على حسب مداخلته. والألف واللام في المفسد والمصلح للجنس لا للتعريف؛ لأنهما شائعان، كالتي في قولك: أهلك
стр. 508
الناسَ الدرهمُ والدينارُ (١).
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾: مفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوف دل عليه قوله: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾، أي: ولو شاء الله إعناتكم لأعنتكم، أي: لحملكم على العَنَت، وهو المشقة، وهو ألّا يبيح لكم مخالطتهم (٢).
قال أبو إسحاق: وأصل العَنَتِ في اللغة من قولهم: عَنِتَ البعيرُ عَنَتًا، إذا حَدَثَ في رجله كسر بعد جبر لا يمكنه معه تصريفها. ويقال: أكمةٌ عنوت، إذا كانت طويلة شاقة (٣).
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾:
قوله : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ يقال: نَكَحَ المرأةَ ينكِحها نَكْحًا ونكاحًا، إذا تزوجها، وأَنكَحَ الرجلَ إنكاحًا، إذ زَوَّجَهُ، فاعرف الفرقان بين فتح التاء في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ وبين ضمها في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، أي: ولا تزوجوهم المسلمات.
ووزن أَمَةٍ: فَعَةٌ. ولام الكلمة محذوفة، وأصلها: أَمَوَةٌ بالتحريك؛ لأنهم جمعوها على آمٍ وهو أفعُل، وعلى إماء، وهو فِعال، كما قالوا: أَكَمَة وآكُم وإكام، ولم يجمعوا فَعْلة بالتسكين على ذلك.
فإن قلت: هلَّا جُمعتْ بالواو والنون فقيل: إمُون، كما جُمعت ثُبَةُ
стр. 509
وسَنَةُ، فقيل: ثُبُونَ وسِنُون، قلت: لأنها قد جمعت على أفْعُلٍ، فعادت لام الكلمة، وأفعل بمنزلة المفرد من حيث إنه علم القلة. ويجمع فيقال: أكْلُب وأكالب، فلما كان كذلك صارت أَمة، كأن اللام قد ثبتت فيها لمجيء مثال هو بمنزلة المفرد، واللام موجود فيه، فاعرفه فإنه معنى كلام الشيخ أبي علي (١).
فإن قلتَ: ما الفرق بين ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ وبين (وإن أعجبتكم)؟ قلت: قيل: لو للماضي، و (إنْ) للمستقبل، وكلاهما يصلح في معنى الآية (٢).
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾: ابتداء وخبر. والجمهور على جر قوله: (والمغفرةِ) عطفًا على الجنة، وقرئ: (والمغفرةُ) بالرفع (٣) على الابتداء، والخبرُ ﴿بِإِذْنِهِ﴾، أي: والمغفرة حاصلة بعون الله وتيسيره.
فإن قلت: قوله : ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾، ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ , ولا خير في المشرك ولا في المشركة. قلت: قيل: العرب تأتي بأفعل على وجهين:
أحدهما: لتفضيل أحدهما على الآخر، وفي المفضول فضل.
والثاني: أن تأتي به على الإيجاب للأول والنفي عن الثاني، كقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (٤). وعن الفراء وغيره من أهل الكوفة: تصح لفظة أفعل حيث لا اشتراك، وحيث الاشتراك (٥).
стр. 510
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾:
قول : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ المحيض مصدر، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا. والمصدر قد يأتي على (مَفْعِل) نحو: جاء مجيئًا، وبات مبيتًا، وقال مقيلًا، وعلى (مَفعَلٍ) أيضًا نحو: عاش معيشًا ومعاشًا، وكال كيلًا ومكيلًا ومكالًا. وكذا اسم المكان يأتي على (مفعِلٍ) (١).
وقد جوز أن يكون المحيض هنا موضع الحيض، على تقدير: ويسألونك عن الوطء في مكان الحيض مع وجود الحيض، وأن يكون اسمًا للزمان، على: ويسألونك عن شأن المرأة وقت حيضها (٢).
﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾: أي الحيض شيء يستقذر، ويؤذي من يقربه نَفْرَةً منه وكَراهَةً له. و ﴿أَذًى﴾ من ذوات الياء، يقال: أَذَيْتُ به أَذًى.
﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: أي: فاجتنبوهن، يعني: فاجتنبوا مُجامعتَهن.
﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: حتى ينقطع الدم عنهن. قال أبو علي: ويحتمل أن يكون ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: حتى يفعلن الطهارة التي هي الغسل؛ لأنها ما لم تفعل ذلك كانت في حكم الحيض، لكونها ممنوعة من الصلاة والتلاوة، وأن لزوجها أن يراجعها إذا كانت مطلقة فانقطع الدم ولم تغتسل، كما كان له أن يراجعها قبل انقطاع الدم، وهذا قولُ عمرَ، وعبدِ اللَّه، وعبادةَ بنِ الصامت، وأبي الدرداء ﵃.
стр. 511
ورُوي لنا عن الشَّعْبِيّ (١) أنه رَوَى عن ثلاثة عشر من الصحابة، منهم أبو بكر، وعمرُ، وابن مسعود، وابن عباس ﵃ ذلك، انتهى كلامه (٢).
وقريء: (يَطَّهَّرْنَ) بالتشديد (٣)، والأصل: يتطهرن، بشهادة قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فأدغصت التاء في الطاء بعد قلبها طاء. والتطهر: الاغتسال.
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: فيه دليل على منع وطئها قبل أن تغتسل، وحجة على من جوز ذلك (٤).
﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: من المأتى الذي أمركم به وحلله لكم، وهو القُبُلُ، و ﴿منِ﴾ هنا لابتداء الغاية، وقد جوز أن تكون بمعنى (في) ليكون ملائمًا لقوله: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ (٥).
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾:
قوله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ابتداء وخبر، وفي الكلام حذف مضاف، أي: مواضع حرث لكم.
﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ قيل: هذا تمثيل، أي: فأتوهن، كما تأتون أراضيكم
стр. 512
التي تريدون أن تحرثوها (١).
﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: قيل: كيف شئتم (٢).
وقيل: متى شئتم (٣).
وقيل: من أي جهة شئتم، لا يَحظُرُ عليكم جهة دون جهة، والمعنى: جامعوهن من أي شِقِّ أردتم بعد أن يكون المأتى واحدًا، وهو موضع الحرث (٤).
وقوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، أي: وقدموا الخير لأنفسكم. قيل: فإن قيل: ما بال ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ جاء بغير واو ثلاث مرات وهنّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ثم مع الواو ثلاثًا وهن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾؟ قيل: كأنَّ سؤالهم عن تلك الحوادث الأُوَلِ وَقَعَ في أحوال متفرقة، فلم يؤت بحرف العطف؛ لأن كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الحوادث الأُخَرِ في وقت واحد، فجيء بحرف الجمع لذلك، كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر، والسؤال عن الإنفاق، والسؤال عن كذا وكذا (٥).
﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾:
стр. 513
قوله : ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً﴾ أي: علة مانعة من البِرِّ (١)، يقال: جَعلتُ فلانًا عُرْضَةً لكذا، أي: نَصبْتُه له (٢).
﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾: يحتمل أن يكون في موضع نصب، إما لكونه مفعولًا له، أي: مخافة أن تبروا، وإما لعدم الجار وهو (في) أو (اللام)، أي: في أن تبروا، أو لأن تبروا، فلما حذف الجار وصل الفعل إليه وهو ﴿وَلَا تَجْعَلُوا﴾ فنصبه، أو في موضع جر على إرادة الجار على الخلاف المشهور.
وأن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا خير لكم، أو: أَولى لكم، ثم حُذف الخبر للعلم به (٣).
وقيل: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا﴾ عطف بيان ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾، أي: للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس (٤).
و﴿بَيْنَ﴾: ظرف للإصلاح.
وقد جُوِّزَ أن تكون اللام في ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾ متعلقة بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا﴾ أي: ولا تجعلوا الله لأيمانكم عرضة، وأن تكون متعلقة بـ ﴿عُرْضَةً﴾ لما فيها من معنى الفعل، وهو الاعتراض، أي: لا تجعلوه شيئًا يعترض البر، من اعترض كذا. وأن تكون للتعليل، ويتعلق ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ بالفعل، أو بالعُرْضَة، أي: ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا، ومعناها على الأخرى. ولا تجعلوا الله مُعَرَّضًا لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به، فاعرفه فإنه من كلام الزمخشري (٥).
стр. 514
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾:
قوله : ﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ متعلق بالمصدر الذي هو اللغو، كما يتعلق بنفس الفعل إذا قلت: لَغَوْتُ في كذا.
وقد جُوز أن يكون في موضع نصب على الحال من اللغو، بدليل أنك لو أتيت بالذي وقلت: باللغو الذي في أيمانكم، لكان أسدَّ كلام، وكان صفةً له (١). واللغو: الساقط الذي لا يُعْتَدُّ به من كلام وغيره.
﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: يحتمل أن تكون (ما) موصولة وما بعدها صلتها، والعائد محذوف، أي: بما كسبته قلوبكم. وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها، وعائدها أيضًا محذوف. وأن تكون مصدرية، أي: بكسب قلوبكم. والمعنى: بما نوت قلوبكم وقصدت؛ لأنّ كَسْبَ القلوب هو النية والقصد.
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾: قوله : ﴿تَرَبُّصُ﴾: رفع بالابتداء، و ﴿لِلَّذِينَ﴾ الخبر. ونهاية صلته ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. و ﴿مّنِ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْلُونَ﴾.
يقال: آلَى من امرأته وعلى امرأته، يُؤْلي إيلاء، إذا حلف، والإيلاء: الحَلِفُ، قال الأعشى:
٩٧ - إني آليتُ على حَلْفَةٍ ... ولم أُقِلْها سَخرَ الساخِرِ (٢)
والتربص: الانتظار، وهو مصدر قولك: تَرَبَّصَ يَتَرَبَّصُ تَرَبُّصًا، إذا انتظر. والمصدر مضاف إلى المفعول به على السَّعَة، ولو نَوَّنْتَ لَنَصَبْتَ، فقلت: تربصٌ أربعةَ أشهرٍ.
стр. 515
ولو قلت: تربُّصٌ أربعةُ أشهرٍ بالرفع على الابتداء والخبر،
كقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ (١) على قراءة من رفع ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ لجاز (٢).
﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾: أي فإن رجعوا، ومنه: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣)، أي: حتى ترجع من الخطأ إلى الصواب.
﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾:
قوله : ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أي: على الطلاق، فلما حُذف الجارُّ وَصَلَ الفعل إليه فنصبه. والطلاق: اسم واقع موقع المصدر، كالسلام والكلام. والمصدر الحقيقي: التطليق والتسليم والتكليم. وأصل الطلاق: من أطلقتُ الشيءَ، يقال: طَلَقَتِ المرأةُ تَطْلُقُ طَلاقًا، وطَلَّقها تطليقًا.
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾:
قوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ابتداء وخبر، واختلف فيه:
فقال بعضهم: هو خبر في معنى الأمر، أي: ليتربص المطلقاتُ، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يُتَلَقَّىَ بالمسارعة إلى امتثاله (٤).
стр. 516
وقال بعضهم: هو على بابه، والمعنى: حُكْمُ المطلقات أن يتربصن ثلاثة قروء (١).
و﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾: نَصْبٌ بيتربصن، وقد جوز أن يكون مفعولًا به، كقولك: المحتكر يتربص الغلاء، أي: يتربصن مُضيَّ ثلاثةِ قُروءٍ. وأن يكون ظرفًا، أي: يتربصن مدة ثلاثة قروء (٢).
وقروء: جمع كثرةٍ، والموضع موضع قلة؛ لأنه مميِّز، ومميِّز الثلاثة إلى العشرة بابه جمع القلة التي هي أفعل، وأفعال، وأفعِلَة، وفِعْلةٌ دون جمع الكثرة.
واختلف في سببه، فقال بعضهم: وُضع جمعُ الكثرة في موضع القلة، لأنهم يتسعون في ذلك، فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر، لاشتراكهما في الجمعية، ألا ترى إلى قوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ م وما هي إلا نفوس كثيرة (٣).
وقال بعضهم: لما قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾، فجمع، أتى بلفظ جمع الكثرة؛ لأن كل واحدة من المطلقات تتربص ثلاثة أقراء (٤).
وقيل: التقدير ثلاثة أقراء من قُروء (٥).
وقيل: لعلَّ القُروء كانت أكثر استعمالًا في جمع قَرْءٍ من الأقراء، فأُوثر عليه تنزيلًا للقليلِ الاستعمالِ منزلةَ المُهْمَل، فيكون مثل قولهم: ثلاثة شُسُوع (٦).
стр. 517
وواحد القروء: قَرء وقُرء بالفتح والضم (١)، وهو من الأضداد، يكون طهرًا، ويكون حيضًا، ويعضد الأول قول الأعشى:
٩٨ - ............... ... لِما ضاعَ فيها مِنْ قُرُوءِ نِسائِكَا (٢)
وينصر الثاني قوله ﵊: "دَعِي الصلاة أيام أقرائِك" (٣).
يقال: أقرأتِ المرأةُ، إذا طَهُرت، وأقرأت، إذا حاضت، فهي مُقْرِئٌ (٤).
وقوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾: يحتمل أن تكون (ما) موصولة وما بعدها
стр. 518
صلتها. وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها. والعائد محذوف في كلا التقديرين، أي: خلقه.
﴿فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ لك أن تعلقه بخلق، وأن تعلقه بمحذوف على أن تجعله حالًا من العائد المحذوف على حد: معه صقر صائدًا به غدًا؛ لأن وقت خلقه ليس بشيء يكتم.
وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ابتداء وخبر، والبعولة: جمع بَعْلٍ. والهاء لاحقةٌ لتأنيث الجمع، كالتي في نحو: الذكورة والعمومة، وليس بمتلئب (١)، لا يقال في كعب: كُعُوبَةٌ، ولا في كَلْبٍ: كِلابةٌ، وإنما هو مسموع من القوم في مواضع مخصوصة، نقلها عنهم أهَل هذه الصناعة، عن الزجاج وغيره (٢).
والبعل: الزوج. وقد جوز: أن يراد بالبعولة المصدر (٣). يقال: بَعَلَ يَبْعَلُ بَعْلًا وبُعُولَةً، فهو بَعْلٌ. وفي الكلام على هذا الوجه حذف مضاف تقديره: وأهل بعولتهن. والباء، ﴿فِي﴾ كلاهما متعلق بقوله: ﴿أَحَقُّ﴾.
وقوله: ﴿فِي ذَلِكَ﴾ الإشارة إلى الأجل الذي أُمِرْنَ بالتربص فيه، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ يدل عليه. قيل: والمعنى أن الرجل إذا أراد الرَّجْعَةَ وأَبتها المرأة، وجب إيثار قوله على قولها، وكان هو أَحَقَّ منها، إلا أن لها حقًّا في الرَّجْعَةِ (٤)، والتقدير: بردهن إليهم، فحُذف للعلم به.
والجمهور على ضم تاء (بعولتُهن)، وهو الوجه لأنه الأصل، وقرئ: (بعولتْهن) بإسكانها استثقالًا للضمة مع كثرة الحركات (٥).
стр. 519
وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي﴾ ابتداء وخبر، ونهاية صلة الذي ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾. و ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ و ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ كلاهما يتعلق بالاستقرار، أي: ويجب لهن من الحق عليهم مثل الذي يجب لهم عليهن بالمعروف بالوجه الذي لا ينكر في الشرع.
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾: (درجة) رفع بالابتداء، ﴿وَلِلرِّجَالِ﴾ الخبر.
و﴿عَلَيْهِنَّ﴾: في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف، وهو ﴿دَرَجَةٌ﴾، ولك أن تعلقه بالاستقرار الذي تعلق به الخبر.
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾:
قوله : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ابتداء وخبر. والتقدير: عدد الطلاق الذي يَمْلِكُ فيه الزوجُ الرَّجْعَةَ مرتان.
قيل: ولم يُرَدْ بالمرتين التثنية، ولكن التكرير، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ (١)، أي: كرة بعد كرة، ونحو ذلك من التثاني التي يراد بها التكرير قولهم: لبيك وسعديك وحنانيك (٢).
وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ مبتدأ، والخبر محذوف، أي: فعليكم إمساكٌ، و ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: متعلق بإمساك. ولك أن تعلقه بمحذوف على أن يكون في موضع الصفة لإمساك. ومثله ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
وقوله: ﴿أَنْ تَأْخُذُوا﴾ في موضع رفع بـ ﴿لَا يَحِلُّ﴾. ﴿مِمَّا﴾: في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿شَيْئًا﴾. و (من)
стр. 520
للتبعيض، و (ما) موصول. و ﴿شَيْئًا﴾: نَصْبٌ بأن تأخذوا. وآتيتم يتعدى إلى مفعولين: أحدهما الهاء والنون، والثاني محذوف، وهو عائد الموصول، أي: آتيتموهن إياه.
﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾: في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. ﴿أَلَّا يُقِيمَا﴾: في موضع نصب بأن يخافا، أي: إلّا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما مما أَمَرَ الله تعالى به كلَّ واحد منهما.
وقرئ: (إلا أن يُخافا) على البناء للمفعول (١)، على أن يكون الخُلْعُ إلى الحاكم، أي: إلا أن يخاف الحاكمُ الزوجَين، ثم حذف الفاعل وأقيم ضمير الزوجين مقامهما، تعضده قراءة من قرأ: (إلا أن تخافوا) وهو عبد اللَّه ﵁ (٢).
و﴿أَلَّا يُقِيمَا﴾: بدل من ألف الضمير، وهو بدل الاشتمال، كما تقول: خِيفَ زيدٌ تركُه إقامة حدود الله، قاله الزمخشري (٣).
والخوف هنا بمعنى الظن، تعضده قراءة من قرأ: (إلا أن يظنا) (٤) ومن زعم أنه بمعنى اليقين فقد أخطأ، لوقوع أن الناصبة بعده (٥).
стр. 521
﴿فَلَا جُنَاحَ﴾: الفاء وما بعدها جواب الشرط، و ﴿جُنَاحَ﴾ مبني مع (لا) في موضع رفع بالابتداء، و ﴿عَلَيْهِمَا﴾ الخبر. و ﴿فِيمَا﴾ متعلق بالاستقرار.
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾:
قوله : ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ أي: في أن يتراجعا. ﴿إِنْ ظَنَّا﴾ أي: إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية، ولم يقل: إن علما أنهما يقيمان؛ لأن اليقين مُغيَّب عنهما لا يعلمه إلّا الله.
و﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: ابتداء وخبر. ﴿يُبَيِّنُهَا﴾: خبر بعد خبر، ولك أن تجعلها في موضع نصب على الحال من ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾، والعامل فيها معنى الإشارة.
[والجمهور على الياء في قوله: ﴿يُبَيِّنُهَا﴾، وقرئ: (نبينها) بالنون (١)، ووجه كليهما ظاهر] (٢).
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾:
قوله : ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن انقضاء عدتهن. والبلوغ هنا بلوغ مقاربة، بخلاف ما بعده، وهو قوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (٣)، لأن البلوغ هنا بلوغ انقضاء العدة وانتهائها. والبلوغ يتناول
стр. 522
المعنيين، يقال: بلغتُ البلدَ، إذا صرتَ إلى حده ودانيتَه، وإذا دخلته. واختلاف الكلامين يدل على افتراق البلوغين، فاعرفه.
وقوله: ﴿ضِرَارًا﴾: يجوز أن يكون مفعولًا له، أي للضرار، وأن يكون في موضع الحال، أي: ولا تمسكوهن مضارين لهن، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا على: ولا تضاروهن ضرارًا.
وقوله: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ من صلة ﴿ضِرَارًا﴾. ومعنى لتعتدوا: لتظلموهن.
وقيل: لتلجئوهن إلى الافتداء (١).
وقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يجوز أن يكون من صلة النعمة؛ لأنها بمعنى الإنعام، وأن يكون من صلة محذوف على أن يكون حالًا من النعمة.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ﴾ (ما) موصول، ومحلُّه إما النصب عطفًا على النعمة، وما بعده صلته، وعائده محذوف، أي: أنزله. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: في موضع نصب على الحال من العائد المحذوف، أي: كائنًا منه.
و﴿يَعِظُكُمْ﴾: في موضع نصب على الحال من المنوي في ﴿أَنْزَلَ﴾.
وإما الرفع على الابتداء والخبر ﴿يَعِظُكُمْ﴾، والعائد منه إليه ﴿بِهِ﴾ والمنوي في يعظكم: لله جل ذكره، ليس إلا.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾:
قوله : ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ أي: من أن، أو عن أن، فلما حذف
стр. 523
الجار وصل الفعل إليه، وهو ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فنصبه. ولك أن تجعله في موضع جر على إرادة الجار على الخلاف المشهور (١).
والعَضْلُ: المنع والتضييق، من قولهم: عَضَل الفضاءُ بالجيش، إذا ضاق بهم، وعَضلَتِ المرأةُ، إذا نشب ولدها في بطنها فلم يخرج، وعضَّلَت الدجاجة: إذا نشب البيض بها. يقال: عَضَلَ المرأةَ يَعْضلها عَضلًا، إذا منعها من التزوج ظُلمًا.
﴿إِذَا﴾: ظرف لـ ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾. ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف لـ ﴿تَرَاضَوْا﴾، وكذا ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، ولك أن تجعله في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿تَرَاضَوْا﴾، أي: تراضوا ملتبسين به.
﴿ذَلِكَ﴾: يحتمل أن يكون الخطاب لرسول الله ﷺ ، وأن يكون لكل أحد، ثم رجع إلى خطاب الجمع، فقال: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾، أي: أفضل وأطيب. و ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَزْكَى﴾.
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾:
قول : ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾ مبتدأ، و ﴿يُرْضِعْنَ﴾ الخبر. و ﴿يُرْضِعْنَ﴾ مثل ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ في أنه خبر في معنى الأمر.
﴿حَوْلَيْنِ﴾: ظرف ليرضعن، ﴿كَامِلَيْنِ﴾: توكيد (٢)، كقوله: ﴿تِلْكَ
стр. 524
عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١)، وفائدة هذا التوكيد قطع المجاز؛ لأنه يقال: أقمنا عند فلان حولين، إذا كانت الإقامة في حول وبعض حول آخر، فلما كان كذلك أكد تعالى بقوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾، ليرتفع هذا التوهم، فاعرفه.
وقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك لمن أراد، أو هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع.
وقيل: اللام متعلقة بـ ﴿يُرْضِعْنَ﴾ كما تقول: أرضعتْ فلانةٌ لفلان ولده، أي: يرضعن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة من الآباء؛ لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم، وعليه أن يتخذ له ظِئْرًا (٢) إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه (٣).
ويجوز فتحُ الراءِ وكسرُها في ﴿الرَّضَاعَةَ﴾ وقد قرئ بهما (٤).
وقرئ: في غير المشهور: (أن تَتِمَّ الرضاعةُ) بالتاء مفتوحة، ورفع الرضاعة على إسناد الفعل إليها (٥).
والرضاع والرضاعة والرّضع معروف. يقال منه: رَضِعَ يَرْضَعُ، ورَضَعَ يَرْضِعُ رَضْعًا وَرِضَاعةً، وأرضعتْهُ أمه إرضاعًا.
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ (رزقهن): رفع بالابتداء، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ الخبر. والألف واللام في ﴿الْمَوْلُودِ﴾ بمعنى الذي، والعائد عليها الهاء في
стр. 525
﴿لَهُ﴾، أي: وعلى الذي يُولَدُ له وهو الأبُ. و ﴿لَهُ﴾ في محل الرفع لقيامه مقام الفاعل (١).
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: في محل النصب على الحال من الضمير الذي في الظرف على رأي صاحب الكتاب، أو من الرزق والكسوة على رأي أبي الحسن.
الزمخشري: فإن قلت: لِمَ قيل: المولود له دون الوالد؟ قلت: لِيُعْلَمَ أن الوالدات إنما ولدن لهم، لأن الأولاد للآباء، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات، وأُنشِد للمأمون بن الرشيد:
٩٩ - فإنما أمهاتُ الناسِ أوعيةٌ ... مستودعاتٌ وللأبناء آباءُ (٢) فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظآر، ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى، وهو قوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ (٣) انتهى كلامه (٤)، قلت: وإنما قال جل ذكره ذلك لما في ضِمْنِهِ من حكمةٍ لطيفةٍ.
فائدةٌ شرعيةٌ: وذلك أن كل مولود له تلزمُه النفقةُ، وليس كلُّ والدٍ تلزمُهُ، كحُرّ تحته أَمَةٌ تأتي بولد، فإنّ نفقة الولد على مالك الأم؛ لأن الولد وُلِدَ له، لا للوالد، هذا هو الوجه هنا عند من تأمل وأنصف، لا ما ذكره، وما ذكره شيء يقال، والله تعالى أعلم بكتابه.
والكِسوة، والكُسوة بكسر الكاف وضمها لغتان (٥)، كالرِّشوة والرُّشوة،
стр. 526
وقد قرئ بهما (١). والجمع: الكُسَى، فاعرفه (٢).
قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (نفس): رفع على الفاعلية، و ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ مفعول ثان، كالدرهم في قولك: لم يُعط زيدٌ إلا درهمًا؛ لأن كَلَّفَ يتعدى إلى مفعولين كأعطى، وهذا خبر بمعنى النهي. والتكليف: الإلزام بما يشق.
والجمهور على ضم التاء في قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ﴾ على البناء للمفعول، وقد ذكرت معناها ووجهها. وقرئ: (لا تَكَلَّفُ نَفْسٌ) بفتح التاء على البناء للفاعل ورفع النفس به على الفاعلية (٣)، و ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾: مفعول به.
والتكلف: التجشم، يقال: تَكَلَّفْتُ الشيءَ، إذا تَجشمتَه.
وقرئ أيضًا: (لا نكلف) بالنون (نفسًا) بالنصب على البناء للفاعل (٤)، وهو الله تعالى، ووجهها ظاهر.
وقوله: (لا تضار) قرى بالرفع (٥)، على الخبر ومعناه النهي، وهو يحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل وأصله: (تضارِر) بكسر الراء الأولى، والمفعول محذوف، أي: لا تضارُّ والدةٌ بَعْلَها بسبب ولدها، وهو أن تُعَنِّفَ به، وتطلب منه ما ليس بِعَدْلٍ من الرزق والكسوة، وأن تَشْغَلَ قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعدما ألفها الصبي: اطلب له ظئرًا، وما أشبه ذلك.
стр. 527
وأن يكون مبنيًّا للمفعول وأصله (تُضارَرْ) بفتح الراء الأولى. والمعنى: لا يضارُّ بعلٌ زوجَه بسبب ولده، بأن يمنعَها شيئًا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، وما أشبه ذلك.
وقرئ: (لا تضارَّ) بالفتح (١) على النهي، فلما أدغم كراهة اجتماع المثلين، فتحت الراء لالتقاء الساكنين، واختير الفتح لخفته، وليشاكل ما قبلها وهو الألف والفتحة قبلها، وهذه القراءة تحتمل البناءين أيضًا، تعضدهما قراءة من قرأ: (لا تضارَرْ) و (لا تضارِرْ) بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها (٢).
وقرئ في غير المشهور: (لا تضارّْ) بالإسكان مع التشديد، على نية الوقف وإجراء الوصل مُجْرَى الوقف (٣). وقرئ أيضًا في غير المشهور: (لا تضارْ) بالإسكان والتخفيف (٤)، وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من ضاره يضيره، ثم نوى الوقف، وأُجْرِيَ الوصل مُجرى الوقف.
والثاني، أن يكون الأصل (لا تضارّ) براءين، فاستثقل التضعيف، فحذِفت الراء الأخيرة إذ بها وقع الاستثقال، وبقيمت الراء الأولى ساكنة كما كانت في الإدغام، ليكون ذلك دلالة على الأصل، وساغ الجمع بين الساكنين إما لإجراء الوصل مجرى الوقف، أو لكون ما في الألف من فرط المد يفصل بينهما.
стр. 528
﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ﴾: عطف على ﴿وَالِدَةٌ﴾. و ﴿لَهُ﴾ متعلق بمولود.
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: عطف على قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾. وما بينهما قفسير للمعروف مُعْتَرِضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه.
[واختلف في الوارث: فقيل: هو الولد نفسه، إن كان له مال فنفقته من ماله، فإن لم يكن له مال أجبرت أمه على رضاعه، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو مذهب الإمام الشافعي ﵁، وفيه أقوال أخر لا يليق ذكرها في هذا الكتاب] (١).
وقوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾. في محل النصب على أنه نعت لِفصالٍ، أي: فإن أرادا فصالًا صادرًا عن تراضٍ. يقال: فَصَلَ يَفْصِلُ فَصْلًا وفِصالًا. والفَصْل والفِصال: الفِطَام، وأصله هنا التفريق بين الولد والثدي؛ لأن أصل الفَصْل: القطع.
﴿مِنْهُمَا﴾: متعلق بقوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾. ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾: عطف على ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾. قيل: وإنما اعتبر تراضيهما في الفصال وتشاورهما، أَمَّا الأبُ: فلا كلام فيه، وأَمّا الأم: فلأنها أحق بالتربية، وهي أعلم بحال الصبي (٢).
والتشاور: إخراج كل واحد من المشاورين الرأي من الآخر، يقال: شاوره مشاورة، واستشاره استشارة وأشار عليه إشارة، وأصله من الشَّوْر، وهو اجتناء العسل، فالرأيُ يُجْتَنَى من المستشار (٣).
وقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ أحد مفعولي الاسترضاع
стр. 529
محذوف للاستغناء عنه، كما تقول: استنجحتُ الحاجةَ، ولا تذكر من استنجحتَه، وأعطيت زيدًا، ولا تذكر ما أعطيته، وكسوت جبة، ولا تذكر من كسوته. وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن الثاني هو الأول أو مُنَزّلًا منزلته لأجل الرابط (١).
وأما السكوت على الفاعل وترك ذكر المفعولين، فلا مقال في جوازه، والتقدير: وإن أردتم أن تسترضعوا المراضع لأولادكم، ثم حُذف أحد المفعولين - لما ذكرت قبيل - والجارُّ، فتعدى الفعل إليه، كقوله:
١٠٠ - أمرتك الخير ........... ... ......................... (٢)
والأصل: بالخير.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: الفاء وما بعدها جواب الشرط. و ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ شرط أيضًا، وجوابه ما يدل عليه الشرط الأول وجوابه، وذلك المعنى هو العامل في ﴿إِذَا﴾.
﴿مَا آتَيْتُمْ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة، وما بعدها صلتها والعائد محذوف، أي: آتيتموه. وهي مع صلتها في موضع نصب بـ ﴿سَلَّمْتُمْ﴾. ومفعولا الإيتاء محذوفان، أحدهما: العائد، والثاني: المراضع، أي: آتيتموهن إياه، أو آتيتموه إياهن، ومعنى ما آتيتم: ما أردتم إيتاءه، كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٣).
وقرئ: (ما أتيتم) بالقصر (٤)، من أَتَيْتَ إليه جميلًا، إذا فعلتَه، أي: ما أتيتموه، ثم حُذف العائد.
стр. 530
وقد جُوِّزَ أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية، أي: إذا سلَّمتم الإتيان، ويكون الإتيان بمعنى المأتي، تسميةً (١) للمفعول بالمصدر، كقولك: هذا درهمٌ ضَرْبُ الأمير، أي: مضروبه (٢).
وقرئ أيضًا في غير المشهور: (ما أوتيتُم) على البناء للمفعول (٣)، على: ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأُجْرَة، كقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٤)، فاعرفه.
وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ في موضع نصب على الحال من العائد المحذوف، أو من ﴿مَا﴾ إن جعلته مصدرًا بمعنى المفعول. وقيل: متعلق بـ ﴿سَلَّمْتُمْ﴾ (٥).
قيل: أمروا أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مُطَيِّبِينَ لأَنْفُسِ المراضِعِ بما أمكن، حتى يُؤْمَنَ تفريطُهنَّ بقطع معاذيريهن (٦).
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ قياس قول صاحب الكتاب حملًا