وقد قرئ بهما (١). والجمع: الكُسَى، فاعرفه (٢).
قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (نفس): رفع على الفاعلية، و ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ مفعول ثان، كالدرهم في قولك: لم يُعط زيدٌ إلا درهمًا؛ لأن كَلَّفَ يتعدى إلى مفعولين كأعطى، وهذا خبر بمعنى النهي. والتكليف: الإلزام بما يشق.
والجمهور على ضم التاء في قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ﴾ على البناء للمفعول، وقد ذكرت معناها ووجهها. وقرئ: (لا تَكَلَّفُ نَفْسٌ) بفتح التاء على البناء للفاعل ورفع النفس به على الفاعلية (٣)، و ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾: مفعول به.
والتكلف: التجشم، يقال: تَكَلَّفْتُ الشيءَ، إذا تَجشمتَه.
وقرئ أيضًا: (لا نكلف) بالنون (نفسًا) بالنصب على البناء للفاعل (٤)، وهو الله تعالى، ووجهها ظاهر.
وقوله: (لا تضار) قرى بالرفع (٥)، على الخبر ومعناه النهي، وهو يحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل وأصله: (تضارِر) بكسر الراء الأولى، والمفعول محذوف، أي: لا تضارُّ والدةٌ بَعْلَها بسبب ولدها، وهو أن تُعَنِّفَ به، وتطلب منه ما ليس بِعَدْلٍ من الرزق والكسوة، وأن تَشْغَلَ قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعدما ألفها الصبي: اطلب له ظئرًا، وما أشبه ذلك.
стр. 527
وأن يكون مبنيًّا للمفعول وأصله (تُضارَرْ) بفتح الراء الأولى. والمعنى: لا يضارُّ بعلٌ زوجَه بسبب ولده، بأن يمنعَها شيئًا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، وما أشبه ذلك.
وقرئ: (لا تضارَّ) بالفتح (١) على النهي، فلما أدغم كراهة اجتماع المثلين، فتحت الراء لالتقاء الساكنين، واختير الفتح لخفته، وليشاكل ما قبلها وهو الألف والفتحة قبلها، وهذه القراءة تحتمل البناءين أيضًا، تعضدهما قراءة من قرأ: (لا تضارَرْ) و (لا تضارِرْ) بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها (٢).
وقرئ في غير المشهور: (لا تضارّْ) بالإسكان مع التشديد، على نية الوقف وإجراء الوصل مُجْرَى الوقف (٣). وقرئ أيضًا في غير المشهور: (لا تضارْ) بالإسكان والتخفيف (٤)، وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من ضاره يضيره، ثم نوى الوقف، وأُجْرِيَ الوصل مُجرى الوقف.
والثاني، أن يكون الأصل (لا تضارّ) براءين، فاستثقل التضعيف، فحذِفت الراء الأخيرة إذ بها وقع الاستثقال، وبقيمت الراء الأولى ساكنة كما كانت في الإدغام، ليكون ذلك دلالة على الأصل، وساغ الجمع بين الساكنين إما لإجراء الوصل مجرى الوقف، أو لكون ما في الألف من فرط المد يفصل بينهما.
стр. 528
﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ﴾: عطف على ﴿وَالِدَةٌ﴾. و ﴿لَهُ﴾ متعلق بمولود.
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: عطف على قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾. وما بينهما قفسير للمعروف مُعْتَرِضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه.
[واختلف في الوارث: فقيل: هو الولد نفسه، إن كان له مال فنفقته من ماله، فإن لم يكن له مال أجبرت أمه على رضاعه، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو مذهب الإمام الشافعي ﵁، وفيه أقوال أخر لا يليق ذكرها في هذا الكتاب] (١).
وقوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾. في محل النصب على أنه نعت لِفصالٍ، أي: فإن أرادا فصالًا صادرًا عن تراضٍ. يقال: فَصَلَ يَفْصِلُ فَصْلًا وفِصالًا. والفَصْل والفِصال: الفِطَام، وأصله هنا التفريق بين الولد والثدي؛ لأن أصل الفَصْل: القطع.
﴿مِنْهُمَا﴾: متعلق بقوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾. ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾: عطف على ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾. قيل: وإنما اعتبر تراضيهما في الفصال وتشاورهما، أَمَّا الأبُ: فلا كلام فيه، وأَمّا الأم: فلأنها أحق بالتربية، وهي أعلم بحال الصبي (٢).
والتشاور: إخراج كل واحد من المشاورين الرأي من الآخر، يقال: شاوره مشاورة، واستشاره استشارة وأشار عليه إشارة، وأصله من الشَّوْر، وهو اجتناء العسل، فالرأيُ يُجْتَنَى من المستشار (٣).
وقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ أحد مفعولي الاسترضاع
стр. 529
محذوف للاستغناء عنه، كما تقول: استنجحتُ الحاجةَ، ولا تذكر من استنجحتَه، وأعطيت زيدًا، ولا تذكر ما أعطيته، وكسوت جبة، ولا تذكر من كسوته. وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن الثاني هو الأول أو مُنَزّلًا منزلته لأجل الرابط (١).
وأما السكوت على الفاعل وترك ذكر المفعولين، فلا مقال في جوازه، والتقدير: وإن أردتم أن تسترضعوا المراضع لأولادكم، ثم حُذف أحد المفعولين - لما ذكرت قبيل - والجارُّ، فتعدى الفعل إليه، كقوله:
١٠٠ - أمرتك الخير ........... ... ......................... (٢)
والأصل: بالخير.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: الفاء وما بعدها جواب الشرط. و ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ شرط أيضًا، وجوابه ما يدل عليه الشرط الأول وجوابه، وذلك المعنى هو العامل في ﴿إِذَا﴾.
﴿مَا آتَيْتُمْ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة، وما بعدها صلتها والعائد محذوف، أي: آتيتموه. وهي مع صلتها في موضع نصب بـ ﴿سَلَّمْتُمْ﴾. ومفعولا الإيتاء محذوفان، أحدهما: العائد، والثاني: المراضع، أي: آتيتموهن إياه، أو آتيتموه إياهن، ومعنى ما آتيتم: ما أردتم إيتاءه، كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٣).
وقرئ: (ما أتيتم) بالقصر (٤)، من أَتَيْتَ إليه جميلًا، إذا فعلتَه، أي: ما أتيتموه، ثم حُذف العائد.
стр. 530
وقد جُوِّزَ أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية، أي: إذا سلَّمتم الإتيان، ويكون الإتيان بمعنى المأتي، تسميةً (١) للمفعول بالمصدر، كقولك: هذا درهمٌ ضَرْبُ الأمير، أي: مضروبه (٢).
وقرئ أيضًا في غير المشهور: (ما أوتيتُم) على البناء للمفعول (٣)، على: ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأُجْرَة، كقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٤)، فاعرفه.
وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ في موضع نصب على الحال من العائد المحذوف، أو من ﴿مَا﴾ إن جعلته مصدرًا بمعنى المفعول. وقيل: متعلق بـ ﴿سَلَّمْتُمْ﴾ (٥).
قيل: أمروا أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مُطَيِّبِينَ لأَنْفُسِ المراضِعِ بما أمكن، حتى يُؤْمَنَ تفريطُهنَّ بقطع معاذيريهن (٦).
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ قياس قول صاحب الكتاب حملًا
стр. 531
على نظائره نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ (١) و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (٢) أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، ويكون الخبر محذوفًا، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: وفيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم (٣).
وقوله: ﴿يَتَرَبَّصُونَ﴾ بيان الحكم المتلو (٤).
ولك أن تجعل ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلته، قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾، وفي الكلام حذف المضاف، تقديره: أزواجُ الذين يُتوفون منكم، دل عليه قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾، و ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ الخبر، ليكون المُخْبَرُ عنه هو الخبر (٥).
وقيل: التقدير: يتربصن بأنفسهن بعدهم، أي: بعد موتهم، وحُذِفَ العائدُ، إذ قد عُلِمَ أن التربص إنما يكون بعد موت البعولة، كقولهم: السمنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أي منه، ثم حُذف للعلم به، عن أبي الحسن (٦).
وقيل: ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: أزواجهم يتربصن، فأزواجهم مبتدأ، و ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ الخبر، والجملة خبر عن الأول، عن المُبَرَّدِ (٧).
وفيه أقوال أخر أضربتُ عنها إذ لا طائل تحتها (٨).
стр. 532
وقرئ في غير المشهور: (يَتوفون) بفتح الياء على البناء للفاعل (١)، أي: يستوفون آجالهم. وقرأ الجمهور: بضم الياء على البناء للمفعول على أنَّ المتوفِّيَ هو الله تعالى.
وحُكي أن أبا الأسود الدُّؤَلي (٢) كان يمشي خلف جنازة، فقال له رجل: من المتوفِي؟ بكسر الفاء، فقال: الله (٣). وتوفاه الله: أي قبض روحه، والتوفي هو الاستيفاء في اللغة، لأن الإماتة استيفاءُ نفسِ الحي.
﴿مِنْكُمْ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾، أي: ثابتين أو كائنين منكم، أي: من رجالكم.
﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أي: يَعْتَدِدْنَ هذه المدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، أي ينتظرون. والتربص في اللغة هو الانتظار.
وإنما قيل: عشرًا - بطرح التاء من عشر - ذهابًا إلى الليالي، والأيام داخلة معها، لأن التاريخ يكون بالليلة إذ كانت هي أول الشهر، واليوم تابع لها، تعضده قراءة من قرأ: (أربعةَ أشهر وعشرَ ليال) وهو ابن عباس ﵄ (٤) قال أهل التأويل: ولا تراهم يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام، تَقُول: صمت عشرًا، ولو ذكَّرتَ خرجت من كلامهم (٥).
وقوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ (في): متعلق بالاستقرار الذي تعلق به
стр. 533
﴿عَلَيْكُمْ﴾، و (ما) موصولة، وما بعدها صلتها، وعائدها محذوف، أي: فعلنه، أو مصدرية.
و﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير المؤنث المتصل بالفعل، أي: ملتبسات بالمعروف. والمعنى: فإذا انقضت عدتهن فلا جناح عليكم أيها الحكام والولاة ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ من التعرض للخطاب بالوجه الذي لا ينكره الشرع على ما فسر (١).
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾:
قوله : ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ التعريض: خلاف التصريح، وهو أن تُضَمِّنَ كلامكَ دَلالةً على شيء ليس فيه ذِكرٌ له.
﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾: الخِطْبة: مصدر قولك: خَطَبَ فلانٌ فلانةً يَخطُبها خِطبة بالكسر، إذا خاطبها في عَقدِ النكاح. والخِطْبُ: الذي يَخْطُبها (٢). وخَطَبَ في القول المؤلف يَخْطُبُ خُطبة بالضم؛ لأنه خطاب بالزجر والوعظ، والمصدر مضاف إلى المفعول من غير أن يذكر معه الفاعل، أي: من خطبتكم النساء، ونظيره: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (٣)، أي: من دعائِهِ الخيرَ.
﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ﴾: عطف على ﴿عَرَّضْتُمْ﴾. و ﴿أَوْ﴾ هنا للإباحة، كالتي في قولك: جالسِ الحسنَ أو ابنَ سِيرينَ.
стр. 534
والإكنان: الإخفاء. يقال: أكننتُ الشيءَ في نفسي، إذا أخفيتَه وكتمتَه، وكَنَنْتُهُ، أي: سترته بثوب وشبهه، عن الرماني وغيره، أي: أخفيتم وأضمرتم في قلوبكم، فلم تذكروا بألسنتكم لا معرِّضين ولا مصرّحين، ومفعوله محذوف، أي: أكننتموه.
﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾: المستدرك محذوف، دل عليه قوله: ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ وهذا الاستدراك منه، أي: علم الله أنكم ستذكرونهن فاذكروهن ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
و﴿سِرًّا﴾: مفعول ثان، تقول: واعدت فلانًا كذا. وقيل: التقدير على سر (١)، ثم حذف الجارّ ووصل إليه الفعل فنصبه، هذا إذا جعلته كناية عن النكاح الذي هو الوَطْءُ، لأنه مما يُسَرُّ، فإن جعلته من السِّرِّ الذي هو الإخفاء، كان منصوبًا على الحال من الواو في ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾، والمفعول الثاني على هذا محذوف تقديره: ولكن لا تواعدوهن النكاح مسرِّين به ولا مظهرين (٢).
وقيل: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: في السر، على أن المواعدة في السر عبارة عن المواعدة بما يُسْتَهْجَنُ؛ لأن مسارتهنّ في الغالب بما يُستحيا من المجاهرة به (٣)، فيكون على هذا ظرفًا، ويحتمل أن يكون وصفًا لمحذوف، أي: نكاحًا سرًّا، أو مواعدة سرًّا (٤).
﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا﴾: موضع (أن) نصب على الاستثناء من قوله: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾، أي: لا تواعدوهن مواعدةً قَطُّ إلا مواعدةً معروفةً غير منكَرة، أو: لا تواعدوهن إلا بأن تقولوا، أي: لا تواعدوهن بالتعريض.
стр. 535
وقيل: الاستثناء من السر، فيكون منقطعًا (١).
وقوله: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ أي: على عقدة النكاح، مِنْ عَزَمَ على الأمر. وقيل: تعزموا بمعنى تعقِدوا (٢)، ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ مصدرًا. والعُقْدَةُ بمعنى العَقْد، فيكون المصدر مضافًا إلى المفعول.
وقيل: معناه ولا تقطعوا عقدة النكاح، وحقيقة العزم: القطع، بدليل قوله ﵊: "لا صيام لمن لم يعزِم الصيام من الليل" (٣) وهذا متعدٍ بنفسه.
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾:
قوله : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، قيل: معناه لا تبعة عليكم من إيجاب مَهْرٍ إن طلقتم النساء (٤).
﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾: قيل: ﴿مَا﴾ ظرف زمان بمعنى إذ. وقيل: مصدرية، والزمان معها محذوف تقديره: في زمن ترك مسِّهنّ. وقيل: شرطية، أي: إن لم تمسوهن، أي: إن لم تجامعوهن (٥).
стр. 536
وقرئ: (ما لم تَمسوهن) على إسناد الفعل إلى البعولة. و (تُماسوهن) (١) على إسناد الفعل إلى البعولة وإلى الأزواج؛ لأن كل واحد منهما يمس صاحبه، أو إلى البعولة فتكون القراءتان بمعنىً، ويكون من باب عافاه الله، وعاقبَ اللصَّ (٢).
﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: عطف على ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ داخل في ضمن النفي، أي: إلا أن تفرضوا، أو حتى تفرضوا. ﴿فَرِيضَةً﴾: نصب بتفرضوا، وهو مفعول به. وفَرْضُ الفريضةِ: تسمية المهر.
وعقد النكاح جائز بغير مهر بشهادة هذه الآية، فالمطلقة غير المدخول بها إن سمّى لها مهرًا فلها نصف المسمَّى، وإن لم يُسَمّ لها فليس لها نصف مهر المثل، ولكن المتعة [مستحبة] (٣). وقيل: معناه لا حرج عليكم في تطليق نسائكم ما لم تجامعوهن، يعني: يجوز لكم تطليق غير المدخول بها في أي وقت شئتم حائضًا كانت أو طاهرًا، إلا أنه لا سنة في طلاقها ولا بدعة. والمسيس: الجماع ههنا.
﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: أي: ولم توجبوا لهن صداقًا، و ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو عند بعضهم، وقيل: تقديره: فرضتم لهن أو لم تفرضوا.
﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: عطف على محذوف، كأنه قيل: فطلقوهن ومتعوهن.
﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾: (قدره): رفع بالابتداء، أو بالظرف، ومثله ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
стр. 537
وقد جوز نصب ﴿قَدَرُهُ﴾ على أنه مفعول به على المعنى (١)؛ لأن معنى ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: ولْيؤدِّ كلٌّ منكم قَدْرَ وسعه، أو: فأوجبوا على الموسعِ قدرَهُ، وعلى المقتر قدره. والموسع الذي له سَعَةٌ. والمقتر: الضيقُ الحالِ.
والقدْر والقدَر بإسكان الدال وفتحها لغتان فاشيتان، وقرئ بهما (٢). وفي التنزيل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٣)، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤).
وقوله: ﴿مَتَاعًا﴾ اسم واقع موقع المصدر، كالسلام والكلام، والمصدر الحقيقي: التمتيع، وهو تأكيد لقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، كأنه قيل: ومتعوهن تمتيعًا، ثم أُوقِعَ اسْمُ المصدر موقعَهُ، لجريه مجراه. ويحتمل أن يكون في موضع نصب على الحال من الفاعل في ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، أي: ومتعوهن ذَوِي مَتاعٍ.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: يحتمل أن يكون صفة لمتاع، وأن يكون حالًا من الفاعل في ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، أي ملتبسين به. ومعنى بالمعروف: بالوجه الذي يَحْسُنُ في الشرع والمروءة.
﴿حَقًّا﴾: يحتمل أن يكون نعتًا لقوله: ﴿مَتَاعًا﴾، أي: متاعًا واجبًا عليهم، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا، أي: حقَّ ذلك حَقًّا، كما تقول: هو فلانٌ حقًّا.
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ
стр. 538
لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾:
قوله : ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ في محل النصب على الحال، أي: طلقتموهن فارضين لهن فريضة، أي: وقد أوجبتم لهن صداقًا. والمراد سميتم لهن مهرًا. والفريضة: المفروضة، وقيل: هي مصدر في الأصل وعليه نصبه (١).
﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾: الفاء وما بعدها جواب الشرط، وما بعد الفاء مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: فعليكم نصف، أو: فالواجب نصف. وقد أُجيز النصب في قوله: ﴿فَنِصْفُ﴾ على تقدير: فأدوا نصفَ (٢). ولا يجوز لأحد أن يقرأ به؛ لأن القراءة سنةٌ متبعة.
وضم النون في النصف لُغَيَّة، يقال: نِصْفٌ ونُصْفٌ، عن الجوهري (٣) وغيره (٤). وعن زيد بن ثابت ﵁: (فلها النُّصْف) بضم النون (٥).
﴿أَنْ يَعْفُونَ﴾: في محل النصب بأن، وإنما لم يؤثّر العامل فيه؛ لأنه مبني كيخرجن، و ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾ معطوف على محله. وقرئ في غير المشهور: (أو يعفوْ الذي) بإسكان الواو (٦) على التشبيه بالألف، نحو: لن يخشى؛ لأنها أختها وعليه أُنشد:
стр. 539
١٠١ - ................... ... أبى الله أن أسمو ....... (١)
فإن قلت: القومُ يَعفونَ، والنسوةُ يعفونَ؟ فالواو في الأول ضمير القوم ولام الفعل محذوف، وأصله: يعفُوُون كيَقتُلُون، والنون عَلَم الرفع. والواو في الثاني لام الفعل، والنون ضمير النسوة. ووزن الأول: (يَفْعُون) ووزن الثاني: (يَفْعُلْنَ)، فاعرفه.
﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: مبتدأ، و ﴿بِيَدِهِ﴾ الخبر.
﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾: في موضع رفع بالابتداء ﴿أَقْرَبُ﴾ خبره.
والجمهور على التاء النقط من فوقها في ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾، والخطاب للرجال والنساء، وغُلّب التذكير على دَأْب القومِ إذا اجتمعا، وقيل: الخطاب للأزواج، والأول هو الوجه وعليه الجل (٢).
وقرئ: (وأن يعفوا) بالياء النقط من تحته (٣)، على أن تكون خبرًا عن ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. وكان القياس على هذه وعلى هذه (٤) لا بَلِ الوجهُ فتحُ لامِ الفعل، والكلام فيها كالكلام في قراءة من قرأ: (أو يعفوْ الذي) بإسكان الواو، وقد ذُكر آنفًا، فاعرفه.
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾: الجمهور على ضم الواو، وقرئ: (ولا
стр. 540
تنسوِا الفضل) بكسرها (١)، وقد ذكر وجهها عند قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ (٢). وعن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره: (ولا تَنَاسَوُا الفضلَ بينكم) (٣) من المفاعلة بين اثنين، كقوله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (٤).
ومعنى الفضل هنا على ما فسر: إتمامُ البَعْلِ الصَّدَاقَ، أو تَرْكُ الزوجةِ النِصفُ (٥). والفضل: فعل الجميل الذي [ليس] (٦) بواجب.
﴿بَيْنَكُمْ﴾ يحتمل أن يكون في موضع نصب على الحال من ﴿الْفَضْلَ﴾، وأن يكون ظرفًا لقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا﴾.
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾:
قوله : ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ عطف على ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ وعليه الجمهور، وقرئ: (والصلاةَ) بالنصب (٧) على: وخُصُّوا الصلاةَ الوسطى بالمحافظة.
﴿لِلَّهِ﴾: متعلق بقوموا، أي: قوموا لله في الصلاة، ولك أن تعلقه بقانتين. و ﴿قَانِتِينَ﴾: حال من الضمير في ﴿وَقُومُوا﴾.
стр. 541
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾:
قوله : ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ نصب على الحال، وذو الحال محذوف، أي: فإن خفتم فصلوا راجلين أو راكبين، وهو جمع راجل، كصاحب وصحاب، وقائم وقيام.
والجمهور على كسر الراء، وقرئ: (فرُجَالًا) بضمها مع التخفيف على أنه اسم للجمع. و (رُجَّالًا) أيضًا بالضم مع التشديد على أنه جمع راجل أيضًا. كشاهد وشُهّاد، وكاتب وكتاب. و (رَجْلًا) أيضًا (١)، وهو جمع راجل أيضًا، كتاجرٍ وتَجْرٍ.
﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾: الكاف في محل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: ذكرًا كما علمكم.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الذين: في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلته ﴿أَزْوَاجًا﴾، والخبر محذوف، أي: يوصون وصية، كما تقول: إنما أنت سَيْرَ البريد، بإضمار تسير.
هذا على قول من نصب ﴿وَصِيَّةً﴾، وأما من رفعها (٢): فعلى تقدير:
стр. 542
والذين يُتَوفَون أهلُ وصيةٍ، أو فعليهمِ وصية. فوصية مبتدأ، وعليهم خبره. والجملة في موضع رفع بحق خبر ﴿الَّذِينَ﴾. وقيل: التقدير: كُتب عليهم وصية (١).
﴿لِأَزْوَاجِهِمْ﴾: في موضع الصفة لـ ﴿وَصِيَّةً﴾ على القراءتين.
﴿مَتَاعًا﴾: اسم واقع موقع المصدر وهو التمتيع، وعليه نصبه كالسلام والكلام، أي: متعوهن متاعًا (٢). وقيل: في موضع نصب على الحال، أي: ممتعين، أو ذوي متاع (٣). ولك أن تنصبه على إضمار فعل، أي: جعل الله ذلك لهن متاعًا. وقيل: نصبٌ بالوصية (٤)، كقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ (٥).
قيل: والمتاع: نفقة سنة لطعامها وكسوتها وسكناها، وما تحتاج إليه (٦).
﴿إِلَى الْحَوْلِ﴾: في موضع النصب على أنه صفة لمتاع. وقيل: متعلق بمتاع (٧).
﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾: في نصبٍ (غير) أقوال:
стр. 543
أحدهما: أنه منصوب على المصدر، أي: لا إخراجًا، فلما جعل ﴿غَيْرَ﴾، موضع (لا) أعرب بإعراب ما أضيف إليه وهو الإخراج (١).
والثاني: أنه حال إمَّا من الأزواج، وإما من الذين يوصون، أي: غيرَ مُخْرَجاتٍ، غير مُخْرِجين لهن (٢).
والثالث: أنه على إسقاط الجار، أي: من غير إخراج (٣).
والرابع: أنه صفة لقوله: ﴿مَتَاعًا﴾ (٤).
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾:
قوله : ﴿حَقًّا﴾ منصوب على المصدر، أي: أحق ذلك حقًّا.
﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾: لك أن تعلق ﴿عَلَى﴾ بالفعل الناصب للمصدر، وأن تعلقه بالمصدر.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾:
قوله : ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف في محل النصب على أنه صفة لقوله: ﴿حَقًّا﴾ (٥).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾:
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الهمزة للاستفهام دخلت للتقرير والتنبيه.
стр. 544
و ﴿تَرَ﴾ مجزوم بلم، وأصله: (تَرْأَيُ)، ثم تَرْأَى، كَتَرْضى، ثم حُذفت الهمزةُ استخفافًا بعد أن أُلقيت حركتها على الفاء، وحذفت الألف المنقلبة عن الياء للجزم، فبقي ﴿تَرَ﴾ بوزن (تَفَ) كما ترى وعليه الجمهور.
وقرئ: (ألم ترْ) بإسكان الراء (١). وذلك يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون حَذَفَ الهمزةَ حذفًا من غير إلقاء حركةٍ، كما حُذِفَ في قوله:
١٠٢ - * إِنْ لم أُقاتِلْ فَلْبِسُوني بُرْقُعا * (٢)
وقوله: (إنها لَحْدَى الْكُبَرِ) (٣)
والثاني: أن يكون أسكنها للجزم مقدرًا، كأنها لام الفعل نظرًا إلى اللفظ دون الأصل. والرؤية هنا من رؤية القلب، والمعنى: ألم ينته علمك إلى قصتهم؟ ولهذا عُدِّي بإلى (٤).
﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾: في موضع نصب على الحال، و ﴿أُلُوفٌ﴾ جمع الكثرة كفلوس، وأما جمع قلته: فآلُفٌ، كأفلُسٍ. وقيل: معنى قوله: ﴿أُلُوفٌ﴾، أي مؤتلف القلوب (٥)، فيكون جمع إلفٍ، كقدور في جمع قِدر. والإِلف: مصدر أَلِف فلان فلانًا يَأْلَفُهُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر إلفًا. وجُمع كما جمع الحلُومُ والظُّنون، وفي الكلام على هذه حَذْفٌ، أي: وهم ذوو ألوف، أو جُعلوا نفس الألوف للمبالغة، كرجُلٍ صَوْمٍ وزَوْرٍ، فاعرفه فإنه موضع.
стр. 545
﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: مفعول له.
﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ أي: فماتوا ثم أحياهم، أي بعد موتهم، بدعاء بعض الأنبياء على ما فسر (١).
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾.
قوله : ﴿وَقَاتِلُوا﴾ عطف على محذوف دل عليه المعنى، كأنه قيل: فلا تخالفوا وقاتلوا.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾.
قوله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ من: استفهامُ تَلَطُّفٍ، ومعناه الدعاء إلى الشيء هنا، وهي اسم تام في موضع رفع بالابتداء. و ﴿ذَا﴾ خبره. و ﴿الَّذِي﴾ نعت لذا، أو بدل منه.
ولا يحسن أن يكون (مَن) و (ذا) اسمًا واحدًا، كما يكون مع (ما) في قولهم: ماذا فعلت، على أحد الوجهين، لأن (ما) أشدُّ إِبهامًا من (مَن)، لكون (مَن) تختص بأولي العلم، ونظيره: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ (٢).
﴿قَرْضًا﴾: اسم واقع موقع المصدر وهو الإِقراض.
(فيضاعفه): عطف على ﴿يُقْرِضُ﴾، ويحتمل أن يكون مستأنفًا، أي: فهو يضاعفه، هذا هو قول من رفع، وأما من نصب (٣) فعلى جواب الاستفهام
стр. 546
حملًا على المعنى دون اللفظ؛ لأن الاستفهام في اللفظ عن فاعل القرض، لا عن القرض، فلما كان معنى (من يقرض الله) كمعنى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ حُمل على المعنى، كأنه قيل: أيقرضُ اللَّهَ أحدٌ فيضاعفَه؟ ألا ترى أنك لو قلت: أيقرضني زيد فأشكره، بالنصب جاز، ولو قلت: أزيد يقرضني فأشكره، بالنصب لم يجز؛ لأن المستفهم عنه المقرض لا القرض، إلّا أن تحمله على المعنى كما ذكر، وقد مضى الكلام على هذا في الدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع من هذا، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا (١).
وأصل القرض في اللغة: القطع، تقول: قَرَضْتُ الشيءَ أَقْرضهُ قَرْضًا، إذا قطعتَه، ومنه قَرْض الفأرِ الثوبَ، وسمي الشِّعرُ قريضًا؛ لأنه يقطَعه من كلامه. وهو هنا قَطْعُ جُزْءٍ من المال بالإعطاء على أن يُرَدَّ بدلُه. والقرض في حق الله تعالى مجاز؛ لأن القرض يكون في موضع الحاجة، والله تعالى منزه عنها، وقيل: في الكلام حذف مضاف، أي: من ذا الذي يقرض عباد الله والمحتاجين من خلقه (٢)، ثم حُذف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامه، كنحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٣).
﴿أَضْعَافًا﴾: جمع ضِعْفٍ، وهو العَيْنُ لا المعنى. والمعنى: الإضعاف. و ﴿أَضْعَافًا﴾ يحتمل أن يكون مفعولًا ثانيًا على تضمين المضاعفة معنى التصيير، أي: فصيره أضعافًا، وأن يكون حالًا من الهاء في ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾. وقد جُوّزَ أن يكون جمع ضِعفٍ، والضعف: اسم واقع موقع المصدر كالعطاء موضع الإِعطاء في قوله:
стр. 547
١٠٣ - ...................... ... بَعْدَ عَطَائِكَ المِائَةَ ..... (١)
فيكون نصبًا على المصدر، [وجُمع كما جمعِ الحلوم ونحوها] (٢). يقال: ضاعفت الشيء مضاعفة، وضعّفته تضعيفًا، وأضعفته إضعافًا. وضعفُ الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، وهذا تفسير لغوي، وأما في الآية فقد قيل: الواحد بسبعمائة، وقيل: كثرة لا يعلم كُنهها إلا الله (٣).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾.
قوله : ﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (من بني) في موضع نصب على الحال من ﴿الْمَلَإِ﴾ متعلق بمحذوف، وكذا ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ متعلق بما تعلق به ﴿مِنْ بَنِي﴾، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ أي: من بعد موت موسى.
و﴿إِذْ﴾: بدل من ﴿بَعْدِ﴾ وهو هو لكونهما لزمانين. ومن ﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ للتبعيض، أي: من أولاد يعقوب، و ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ لابتداء الغاية.
стр. 548
﴿نُقَاتِلْ﴾: بالنون والجزم على جواب الطلب، وعليه الجمهور، وقرئ: بالنون والرفع (١) على أنه استئناف، كأنه قال لهم: ما حاجتكم إلى المَلِكِ؟ فقالوا: نقاتلُ، أي: نحن نقاتلُ. أو حالٌ على حد: معه صقر صائدًا به غدًا، أي: ابعثْه لنا مقدرين القتال.
و(يقاتل) بالياء والجزم (٢) على الجواب، والفعل لِلمَلِكِ.
و(يقاتل) بالرفع (٣) على الصفة لملك.
﴿عَسَيْتُمْ﴾ و (عسِيتم) بفتع السين وكسرها لغتان فاشيتان وقد قرئ بهما (٤). وأن في قوله: ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ في موضع نصب بخبر عسيتم، والشرط فاصل بينهما، والتقدير: هل عسيتم مقاتلةً، غير أن المصدر لا يُؤتَى به مع عسى؛ لأنه لا يدل على زمان معين، وعسى تحتاج إلى أن يكون خبرها بلفظ المستقبل (٥).
[(أن لا تقاتلوا) بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل ﴿هَلْ﴾ مستفهمًا عما هو متوقع عنده ومظنون، فأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٦).
ومعناه التقرير. وقيل: (لا) صلة، والتقدير: هل عسيتم إن كتب عليكم
стр. 549
القتال أن تقاتلوا. والمعنى أنا بين الخوف والرجاء من نياتكم، فأخبروني عن نياتكم. وقيل: الاستفهام بمعنى النفي، أي قال: ما قاربتم أن تقاتلوا، أي من المقاتلة.
﴿إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾: إن فرض] (١).
وقوله: ﴿وَمَا لَنَا﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، و ﴿لَنَا﴾ الخبر.
﴿أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أن: في موضع نصب لعدم الجار، أي: في ألا نقاتل، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور. وقيل: (أن) مزيدة، والجملة في موضع نصب على الحال، أي: وما لنا غير مقاتلين (٢).
﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا﴾: في موضع نصب على الحال، والعامل ﴿نُقَاتِلَ﴾.
﴿وَأَبْنَائِنَا﴾: عطف على ﴿دِيَارِنَا﴾، أي: ومن بين أبنائنا. [والجمهور على البناء للمفعول في قوله: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا﴾، وقرئ: (وقد أَخرَجَنا) بفتح الهمزة والراء والجيم على البناء للفاعل (٣)، وهو العدُو، على: وقد أَخْرَجَ مَنْ غَلَبَ علينا من ديارنا وأبنائنا] (٤).
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾.
стр. 550
قوله : ﴿طَالُوتَ مَلِكًا﴾ طالوت: اسم أعجمي عَلَمٌ، فلذلك لم ينصرف، ونظيره: جالوت، وداود (١)، وقيل: إنه عربي مشتق من الطول لِما وصف به من البسطة في الجسم، ووزنه إن كان من الطول فَعْلُوتٌ مِنْهُ، وأصله: طَوَلُوت، ويُنادَى على ضَعف هذا القول تَرْكُ صَرفِه (٢).
و﴿مَلِكًا﴾: حال منه، أي: ابْعَثْهُ مُمَلَّكًا.
﴿أَنَّى﴾: كيف، ومن أين، وهو إنكار لتملكه عليهم، واستبعاد له، وهو في موضع نصب على الحال ﴿الْمُلْكُ﴾، والعامل فيها ﴿يَكُونُ﴾.
و﴿يَكُونُ﴾: يحتمل أن يكون التامة، فيكون ﴿لَهُ﴾ متعلقًا به، و ﴿عَلَيْنَا﴾ حال مِن الملك؛ وأن يكون الناقصة، و ﴿لَهُ﴾ الخبر، و ﴿عَلَيْنَا﴾ حال من المستكن في الظرف، أو من ﴿الْمُلْكُ﴾ والعامل فيها ﴿يَكُونُ﴾ على قول من جوز ذلك، ولك أن تجعل ﴿عَلَيْنَا﴾ الخبر، و ﴿لَهُ﴾ الحال، ويجوز أن يكون ﴿أَنَّى﴾ في موضع نصب بخبر يكون.
﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ﴾: مبتدأ وخبر، والجارَّان متعلقان بالخبر، والجملة في موضع نصب على الحال، أي: كيف أو: من أي جهة يتملك علينا، والحال أنه لا يستحق الملك لوجود من هو أحق بالملك منه، لكونه فقيرًا، والمَلِكُ لا بد له من مال يتقوى به؟
وقوله: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ عطف على قوله: ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ عطف جملة, وحكمها في الإعراب حكمها.
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾.
стр. 551
قوله : ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ في موضع رفع بحق خبر إنَّ، أي: إن آية ملكه إتيانكم التابوت.
واختلف في وزن التابوت على وجهين:
أحدهما: أنه على وزن فَعْلوت من التَّوْبِ وهو الرجوع؛ لأنه ظرف توضع فيه الأشياء، فلا يزال يُرجع إليه بسبب ما يوضع فيه ويُخرج منه، ومُنع أن يكون فاعولًا، لقلة باب سَلِس وقَلِق، ولأنه تركيب غير معروف، فلا يجوز ترك المعروف إليه (١).
ولغة الأنصار: التابوه، بالهاء، وبه قرأ بعض القراء (٢)، فيكون على هذا فاعولًا، إلا أن تجعل الهاء بدلًا من التاء؛ لاجتماعهما في الهَمْس، ولكونهما من حروف الزيادة، وباقي العرب بالتاء، وعليه الجمهور من القراء.
فإن قلتَ: كيف تُجمع على اللغتين؟ قلت: أما على لغة الأنصار فعلى توابيه، وأما على الأخرى فعلى توابيت.
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾: في موضع نصب على الحال من ﴿التَّابُوتُ﴾. وكذلك ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ في موضع نصب على الحال منه. والسكينة: السُكون والطُمأنينة، وهي مصدر كالقَضِيَّةِ.
و﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: في موضع لرفع على الصفة لـ ﴿سَكِينَةٌ﴾، وكذلك ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ لكونه صفة لبقية. والبقية: ما يبقى من الشيء، والتاء للمبالغة، وأصلها: (بقِييَةٌ)، فأُدغمت بعد النقل.
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ
стр. 552
فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾
قوله : ﴿بِالْجُنُودِ﴾ في موضع نصب على الحال، أي: فَصَلَ ومعه الجنود.
﴿بِنَهَرٍ﴾ الجمهور على فتح الهاء، وقرئ بإسكانها (١)، وهما لغتان فاشيتان.
وقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾ (مَن) موصولة في موضع نصب على الاستثناء من قوله: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾: فاصِلَةٌ بينهما. قيل: وهي في حكم المتأخر وإنما قدمت للعناية، كما قدم ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ (٢)، أي: ومن لم يذقه، يقال: طَعِمَ الشيءَ يطعَم بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر طُعْمًا فهو طاعم، إذا ذاقه. والهاء في ﴿لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ يعود إلى النهر، وفي الكلام حذف مضاف، أي: ماء النهر. و (مَن) في الموضعين موصولة، وقد جوز أن تكون شرطية.
والغَرفة بالفتح بمعنى المصدر، والمفعول محذوف، أي: إلا من اغترف ماءً غَرفةً. والغُرفة بالضم بمعنى المغروف وهو المفعول، وقد قرئ بهما (٣).
стр. 553
﴿بِيَدِهِ﴾: الباء متعلقة بالفعل، ولك أن تعلقه بمحذوف على أن تجعله صفة للغرفة.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منصوب على الاستثناء من الموجب وعليه الجمهور، وقرئ (إلا قليلٌ) بالرفع (١) حملًا على المعنى، لأن معنى قوله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ لم يطيعوه، فحُمل عليه وأبدل منه، كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم.
و﴿مِنْهُمْ﴾: في موضع النصب على الصفة، أو الرفع على قدر القراءتين.
﴿لَا طَاقَةَ﴾: لا واسمها. ﴿لَنَا﴾ خبر لا.
﴿الْيَوْمَ﴾ والباء مِن ﴿بِجَالُوتَ﴾: متعلقان بما تعلق به الخبر، ولا يجوز أن يتعلقا بطاقة لكونها غير منونة، وألفها منقلبة عن واو لأنها من الطوق، وهو القدرة. قال أبو جعفر: طاقة وطوق: اسمان بمعنى الإِطاقة (٢).
وقوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ﴾ (كم): خبرية في موضع رفع بالابتداء، وخبرها ﴿غَلَبَتْ﴾، و ﴿مِنْ﴾ مزيدة، ولو حُذفت ﴿مِنْ﴾ لكان ما بعدها مجرورة.
والفئة: الطائفة، وعينها محذوف وهي الياء، والتاء عوض منها، وأصلها: فِيْءٌ، بوزن فِيعٌ؛ لأنه من فاء يفيء، إذا رجع، ويجمع على فِئون وفِئات، وقيل: أصلها: فِئْوَةٌ، من فَأَوْتُ رأسَهُ بالسيف، إذا قطعتَه، فالفئة: قطعة من الناس.
стр. 554
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾.
قوله : ﴿لِجَالُوتَ﴾ اللام يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿بَرَزُوا﴾، وأن يتعلق بمحذوف على أن تجعله في موضع نصب على الحال، أي: برزوا قاصدين له.
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾.
قوله : ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ المنوي في ﴿يَشَاءُ﴾ يجوز أن يكون لداود ﵇، وأن يكون لله تعالى.
قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: (دفع الله) في موضع رفع بالابتداء، وخبره محذوف، أي: هناك، والمصدر مضاف إلى الفاعل. و ﴿النَّاسَ﴾ نصب بالدفع. ﴿بَعْضَهُمْ﴾: بدل من ﴿النَّاسَ﴾، وهو بدل بعض من كل، ﴿بِبَعْضٍ﴾: في موضع المفعول الثاني للدفع.
وقرئ: (دَفْعُ الله) بفتح الدال من غير ألف، وهو مصدر دَفَعَ، و (دِفاع الله) بكسر الدال مع الألف (١). وهو يحتمل أن يكون مصدر دافع، كقاتل قتالًا في معنى دفع، كعاقبت اللص، وفي التنزيل: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ (٢)، وأن يكون مصدر دفع، ككتب كتابًا، وحسب حسابًا.
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾.
стр. 555
قوله : ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ (تلك): في موضع رفع بالابتداء، والإشارة إلى ما ذُكر من حديث الألوف، وما وُصف بهم من الإماتة والإِحياء، وتمليك طالوت وما تعلق به، وغلبة الجبابرة وما ذكر فيهم، و ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ الخبر. و ﴿نَتْلُوهَا﴾: في موضع نصب على الحال منها، والعامل ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة.
ولك أن تجعل ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ بدلًا من ﴿تِلْكَ﴾، و ﴿نَتْلُوهَا﴾ الخبر، وإن شئت جعلت ﴿نَتْلُوهَا﴾ خبرًا بعد خبر.
﴿بِالْحَقِّ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بنتلو، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله حالًا إما من الفاعل وهو المستكن في نتلو، وإما من المفعول وهو ضمير الآيات.
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾.
قوله : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا﴾ (تلك): في موضع رفع بالابتداء، والإِشارة إلى جماعة الرسل التي ذُكرت أخبارهم وقصصهم في السورة، و ﴿الرُّسُلُ﴾ نعت لتلك، والخبر ﴿فَضَّلْنَا﴾ مع ما اتصل به، وإنما قال: ﴿تِلْكَ﴾، لأن الرسل مؤنثة لكونها جماعة، والجمع المكسر كالواحد المؤنث.
﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾: (من) موصول مبتدأ، وما بعده صلته، وعائده محذوف أي: كَلَّمَهُ اللَّهُ، و ﴿مِنْهُمْ﴾ الخبر.
والجمهور على رفع اسم الله، وقرئ: (كَلَّمَ اللَّهَ) بالنصب (١) وهو ظاهر.
стр. 556
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: أي: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء وهو محمد ﷺ على ما فسر (١).
و﴿دَرَجَاتٍ﴾: قيل: حال من ﴿بَعْضَهُمْ﴾، أي: ورفع بعضهم ذا درجات. وقيل: على إسقاط الجار، أي: إلى درجات (٢)، فلما حذف الجارُّ نُصِبَ. وقيل: نَصْبٌ على المصدر، لأن الدرجة في معنى الرَّفْعَة، كأنه. قيل: ورفعنا بعضهم رَفَعات (٣).
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: من: متعلقة بمحذوف. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ﴾: بدل من ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، والهاء والميم في ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ تعود على الرسل، وقيل: على موسى وعيسى ﵇ عن قتادة (٤). وجاءت بلفظ الجمع؛ لأن الاثنين جماعة، أو لكون الأتباع معهما، والضمير في ﴿جَاءَتْهُمُ﴾ يعود على ﴿الَّذِينَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾.
قوله : ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يحتمل أن يكون (مِن) للتبعيض، فيكون متعلقًا بقوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾، وأن يكون للتبيين، فيكون متعلقًا بمحذوف لكونه وصفًا لشيء محذوف، وهو مفعول ﴿أَنْفِقُوا﴾.
و(ما): موصول وما بعده صلته، والعائد محذوف، أي: رزقناكموه. ولك أن تجعلها مصدرية على تسمية المفعول بالمصدر، كَضَرْبِ الأميرِ.
стр. 557
(لا بَيْعَ فيهِ): فيه موضع الرفع على الصفة ليوم، وكذا ما بعده، والخبر محذوف أي: ولا خُلةَ فيه ولا شفاعةَ فيه.
وقرئ بالفتح من غير تنوين على العموم لنفي جميع ضروب الأشياء المذكورة، وبالرفع والتنوين (١) على جعل ﴿لَا﴾ بمعنى ليس، وهو في اللفظ كأنه للواحد، والمراد به الجمع والعموم، وقرائن الأحوال تدل عليه، وقد مضى الكلام على هذا عند قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ هو بأشبع من هذا، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا (٢).
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾.
قوله : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ اسم الله سبحانه مبتدأ، ﴿لَا إِلَهَ﴾ مبتدأ ثان، وخبره محذوف، أي: لا إله لنا، أو في الوجود، أو معبود إلا هو. والجملة في موضع رفع بحق الخبر عن اسم الله. ﴿إِلَّا هُوَ﴾ هو في موضع رفع لكونه بدلًا من موضع ﴿لَا إِلَهَ﴾.
وعن الفراء: أنه أجاز (إلا إياه) بالنصب على الاستثناء (٣)، وهذا نفي كل إله سوى الله، وإثبات إله واحد هو الله تعالى، كأنه قال: الله هو الإِله لا غيره.
﴿الْحَيُّ﴾: يحتمل أن يكون نعتًا لله، وأن يكون خبرًا بعد خبر، وأن
стр. 558
يكون بدلًا من ﴿هُوَ﴾، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو، وأن يكون مبتدأ والخبر ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾، وكذلك ﴿الْقَيُّومُ﴾. والحي: الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء. والقيوم: فَيْعُولٌ من قام، وأصله: قَيْوُوْمٌ، قلبت الواو ياءً وأدغمت الياء فيها، وهو الدائم القائم بتدبير الخلق وحفظه، عن قتادة وغيره (١).
فإن قلت: هل يجوز أن يكون فَعُّولًا من هذا؟ قلت: قيل: لا؛ لأنه ليس في الكلام فَعُّول من ذوات الواو فيقاس هذا عليه، ولو كان كذلك لقيل: قَوُّوْمٌ؛ لأن العين المضاعفة تكون أبدًا من جنس الأصلية، كسبوح وقدوس، وضراب وقتال، فالزائد من جنس العين كما ترى، فلما أتت بالياء دل على أنه فيعول لا فَعُّول.
وقرئ في غير المشهور: (القَيِّم) على فَيْعِل (٢)، كسيّد وميّت. و (القَيَّام) على فيعال (٣)، كبيطار، وأصله: قَيْوام، وهذا كله من قام بالأمر يقوم به، إذا كان مضطلعًا بحفظه وبجميع ما يحتاج إليه في وجوده، من قولهم: فلان مضطلع بهذا الأمر، أي: قوي عليه، وهو مفتعل من الضَّلاعَة (٤).
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: يحتمل أن يكون في موضع رفع على أن يكون خبرًا بعد خبر لاسم الله تعالى، وأن يكون خبرًا للحي، وأن يكون في موضع
стр. 559
نصب على الحال من المستكن في ﴿الْقَيُّومُ﴾، أي: يقوم بتدبير الخلق وحفظه غير ساهٍ ولا غافلٍ. وأن يكون مستأنفًا.
وأصل سِنة: وِسْنَةٌ، والفعل منه وَسَنَ يَسِنُ، كوَزَن يَزِن، فلما أُعِلّ الفعل بالحذف حمل عليه المصدر بعد أن ألقيت حركة الواو على السين؛ لأن المصدرَ يُعَلُّ بإعلال الفعل، والسِّنة: ما يتقدم النوم من الفتور الذي يُسَمَّى النُعاسُ، قال الشاعر:
١٠٤ - وَسْنانُ أَقْصَدَهُ النُّعاسُ فرنَّقَتْ ... في عَيْنِهِ سِنَةٌ وليسَ بِنائِمِ (١)
أي: لا يأخذه نعاس ولا نوم، والوسن مثلها، وإنما بدأ تعالى بالسِّنة من جهة الارتقاء من القليل إلى الكثير، ونفاهما عن نفسه؛ لأنهما من الأحوال المذهلة عن حفظ المخلوقات.
و(لا) في ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾: مزيدة للتأكيد. قيل: وفائدتها أنها لو حذفت لاحتمل الكلام أن يكون: لا تأخذه سنة ونوم في حال واحدة، فلما قيل: ولا نوم، عُلم نفيهما على كل حال (٢).
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾: يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون خبرًا بعد خبر، إما لاسم الله، وإما للحي.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ الكلام فيه كالكلام في ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ﴾ وقد ذكر (٣)
стр. 560
والاستفهام بمعنى النفي، أي: لا يشفع أحد عنده إلا بأمره.
﴿يَعْلَمُ﴾: يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون خبرًا بعد خبر.
﴿مِنْ عِلْمِهِ﴾ أي من معلوماته؛ لأنه قال: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، أي: إلا بما عَلَّمَ، وقيل: إلا بما شاء أن يطلعهم عليه (١)، وعِلْمُهُ الذي هو صفة له لا يحاط به ولا بشيء منه.
﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ بدل ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾، كما تقول: ما مررت بأحد إلا بزيد. و (ما) موصول، وما بعده صلته، والضمير في ﴿عِلْمِهِ﴾ يعود إلى الله جل ذكره، وقيل: يعود إلى ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، فيكون العلم على هذا هو المصدر، وعلى الوجه الأول هو المعلوم.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾: (كرسيه) رفع بوسع، وعليه الجمهور، وقرئ (وَسْعُ كرسيِّهِ السماواتُ والأرضُ) بفتح الواو وإسكان السين ورفع العين، وجر كرسيه بالإضافة، ورفع السماوات والأرض على الابتداء والخبر (٢).
والكرسي: ما يُجلَس عليه، ولا يَفْضُلُ عن مقعد القاعد (٣)، وحَكَى فيه الجوهري كَسْرَ الكافِ (٤)، والكرسي في اللغة: الشيء الذي يُعتمَد عليه، قيل: وأصله من تَراكُبِ الشيءِ بعضِهِ على بعضٍ ولزومِهِ وثبوتِهِ.
﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾: أي: ولا يُثقله ولا يشق عليه حفظهما، يقال: آدَنِي الحِمْلُ يَؤودُني أوْدًا وإيادًا، أي: أثقلني وَجَهَدَني، والألف في آدَ منقلبة عن الواو، والهاء في ﴿يَئُودُهُ﴾ تعود على اسم الله تعالى، وقيل: على الكرسي عند من جعله العِلْمَ والقدرةَ، أو السلطان.
стр. 561
و ﴿الْعَلِيُّ﴾: فعيل، وأصله (عَلِيْوٌ)؛ لأنه من عَلا يَعْلُو.
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾.
قوله : ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (من الغي): في موضع نصب على أنه مفعولٌ، وأصل الغي: غَوْيٌ؛ لأنه من غَوَى يَغْوِي، وهو ضد الرشد.
الطاغوت: يكون للواحد والجمع، ويذكر ويؤنث بشهادة قوله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ (٢)، فذكّر وأنّث كما ترى، وهو مصدرٌ بمنزلة الرغَبوت والرهَبوت. قيل: واشتقاقه من طَغَيت أو من طَغَوت، وعليه أتى الطُّغْيان والطُّغْوان، وأصله: طَغَيُوت، أو طَغَوُوت (فَعَلُوتٌ) من الطُّغيان، أو من الطُّغوان، ثم قُدِّمتِ اللامُ وأخرت العين، وجعلت كل واحدة منهما مكان الأخرى، فصار طَيَغُوتًا أو طَوَغُوتًا بوزن (فَلَعُوت)، ثم قلبت الياء أو الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فقيل: طاغوت (٣).
فإن قلت: ما حملهم على التقديم والتأخير؟ قلت: الحذف، وذلك أن الياء التي قبل الواو، أو الواو قد انفتح ما قبلها مع تحركها، وذلك يوجب قلبها ألفًا، وقلبها ألفًا يؤدي إلى حذفها لالتقائها مع الواو الساكنة، فلما كان كذلك قلبوا، بأن قدموا اللام وأخروا العين، ليمكن قلبها ألفًا وتسلم من الحذف، فاعرفه فإنه موضع.
﴿الْوُثْقَى﴾: تأنيث الأوثق، كالطُّولَى والأطول، وهو الأشدُّ الأحكم،
стр. 562
وجمع الوُثقى: الوُثَق، كالصغرى والصُّغَر.
﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾: في موضع الحال من المستكن في ﴿الْوُثْقَى﴾، وإن شئت من (العروة)، كما تقول: مررت بزيد الكريم ضاربًا، تجعل ضاربًا حالًا من أيهما شئت. والانفصام: الانقطاع.
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾.
قوله : ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿وَلِيُّ﴾، وإن شئت جعلته خبرًا بعد خبر. ومثله ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾. والعامل في الحال - إن جعلته حالًا - ما في ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ﴾، أو ﴿الطَّاغُوتُ﴾ من معنى الفعل.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾.
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾ أي: ألم ينته علمك إليه؟ ولهذا عُدِّيَ بإلى، والرؤية بمعنى العلم، وقيل: إنما عدي بإلى؛ لأن المعنى: ألم تنظر (١)؟ والاستفهام هنا يتضمن التعجب من حال الكافر المحاجّ لإبراهيم ﵇.
﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾: أن في موضع نصب على أنه مفعول من أجله لعدم الجار، أو جر على إرادته، والعامل فيه ﴿حَاجَّ﴾، أي: حاجه لِأَنْ آتاهُ المُلْكَ، على معنى أن إيتاء الملك أَبْطَرَهُ وأورثه الكِبْرَ والعُتُوَّ، فحاج لذلك،
стр. 563
أو على أنه وضع المحاجة في ربه في موضع ما وجب عليه من الشكر على أن آتاه الملك، فكأن المحاجة كانت لذلك، هذا قول الزمخشري (١).
وقد جوز أن تكون الهاء في ﴿رَبِّهِ﴾ للذي حاج، وأن تكون لإبراهيم صلوات الله عليه، وكذلك الهاء في ﴿آتَاهُ﴾ (٢).
والمُلك: النبوة، أي: لأجل أن أعطَى اللَّهُ إبراهيمَ النبوةَ حاجَّه الكافر، وأما إذا جعلته للذي حاج فمعناه ظاهر.
﴿إِذْ قَالَ﴾: العامل في ﴿إِذْ﴾: ﴿حَاجَّ﴾، وقيل: ﴿آتَاهُ﴾، وليس بشيء، إذ لم يكن إيتاء الملك في ذلك الوقت، وقيل: ﴿تَرَ﴾ وهو سَهْوٌ، إذ لم تقع الرؤية في ذلك الزمان (٣).
﴿أَنَا أُحْيِي﴾: الاسم هو الهيزة والنون، والألف زيدت لبيان حركة النون في الوقف، ولا حَظّ لها في الوصل في حال السعة والاختيار إلا على إجراء الوصل مجرى الوقف، وله نظائر في التنزيل وفي كلام القوم.
قوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ بهت: فعل مبني للمفعول، و ﴿الَّذِي﴾ رفع به، وعليه الجمهور، وقرئ: (فَبَهُتَ الذي) بوزن: شَرُف وقَرُب (٤)، على معنى: تناهَى في الحَيْرَةِ والدهشة، لأن فَعُل من أبنية المبالغة، يقال: شَعُر فلان، إذا جاد شِعْر، وفَقُه، إذا اتسع علمه.
وقرئ أيضًا: (فبَهِت الذي كفر) بفتح الباء وكسر الهاء (٥)، والفعل فيهما لازم مسند إلى الذي.
стр. 564
وقرئ أيضًا: (فبَهَتَ الذي كفر) بفتح الباء والهاء (١)، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يكون الفعل لازمًا، ويكون ﴿الَّذِي﴾ فاعلًا.
والثاني: أن يكون متعديًا يعضده: ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ (٢) فعدّاه كما ترى، أي: تُدهشهم، و ﴿الَّذِي﴾ مفعولًا، ويكون فاعل الفعل إبراهيم ﵇، أي: فغلب إبراهيمُ الضالَّ.
والثالث: أن يكون فاعلُ الفعل: الكافرَ، أي: فبهت الذي كفر إبراهيمَ، أي أراد أن يبهته، كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٣)، أي: إذا أردتم القيام. وأفصح اللغات ما عليه الجمهور وهو (بُهِت) بضم الباء وكسر الهاء، لأنه يقال: رجل مبهوت، ولا يقال: باهت، ولا بَهِيت، عن الكسائي.
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾.
قوله : ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾ مهو الكاف في موضع نصب على العطف على معنى الكلام دون اللفظ، كأنه قيل: أرأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مر على قرية؟ أو أرأيت مثل الذي مر على قرية؟ ودل على هذا المحذوف
стр. 565
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾؛ لأن كلتيهما كلمة تعجب.
وقيل: الكاف مزيدة، كالتي في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١) كأنه قيل: ألم تر إلى الذي حاج أو الذي مر على قرية (٢). ﴿أَوْ﴾ للتخيير.
وسميت القريةُ قريةً لاجتماع الناس فيها، من قولهم: قريت الماء، إذا جمعته (٣).
﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾: في موضع جر لكونها صفة لقرية.
﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾: متعلقة بخاوية، أي: ساقطة على سقوفها، وقيل: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ بدل من ﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾، كأنه قال: مر على عروشها. ﴿أَنَّى﴾: منصوب بِيُحيي.
﴿مِائَةَ عَامٍ﴾: ظرف لقوله: ﴿فَأَمَاتَهُ﴾، والعام: السنة، قيل: مأخوذ من العَوْمِ وهو السباحة؛ لدور القمر في فلكه اثني عشر دورًا هو سنة.
﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾: كم: سُؤال عن عددٍ في موضع نصب على أنه ظرف لِـ ﴿لَبِثْتَ﴾، كأت قيل: أمائةَ سنةٍ لبثتَ، أو أقل، أو أكثر؟ وقيل: ﴿أَوْ﴾ بمعنى بل، أي: بل لبثت بعض يوم (٤).
﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: مجزوم بلم وعلامة الجزم حَذْفُ الضمة من الهاء. والهاء أصلية، وهي لام الفعل، وأصلها سَنْهَةٌ بوزن جَبْهَة فَعْلَة، من سَنَهَتِ النخلةُ وَتَسَنَّهَتْ، إذا أتت عليها السنون، أو حَذْفُ الألف المنقلبة عن الواو، وأصلها سَنَوةٌ، بدليل قولهم: سنوات، واشتقاقه من السنة على الوجهين،