← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

و ﴿الْعَلِيُّ﴾: فعيل، وأصله (عَلِيْوٌ)؛ لأنه من عَلا يَعْلُو. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾. قوله : ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (من الغي): في موضع نصب على أنه مفعولٌ، وأصل الغي: غَوْيٌ؛ لأنه من غَوَى يَغْوِي، وهو ضد الرشد. الطاغوت: يكون للواحد والجمع، ويذكر ويؤنث بشهادة قوله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ (٢)، فذكّر وأنّث كما ترى، وهو مصدرٌ بمنزلة الرغَبوت والرهَبوت. قيل: واشتقاقه من طَغَيت أو من طَغَوت، وعليه أتى الطُّغْيان والطُّغْوان، وأصله: طَغَيُوت، أو طَغَوُوت (فَعَلُوتٌ) من الطُّغيان، أو من الطُّغوان، ثم قُدِّمتِ اللامُ وأخرت العين، وجعلت كل واحدة منهما مكان الأخرى، فصار طَيَغُوتًا أو طَوَغُوتًا بوزن (فَلَعُوت)، ثم قلبت الياء أو الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فقيل: طاغوت (٣). فإن قلت: ما حملهم على التقديم والتأخير؟ قلت: الحذف، وذلك أن الياء التي قبل الواو، أو الواو قد انفتح ما قبلها مع تحركها، وذلك يوجب قلبها ألفًا، وقلبها ألفًا يؤدي إلى حذفها لالتقائها مع الواو الساكنة، فلما كان كذلك قلبوا، بأن قدموا اللام وأخروا العين، ليمكن قلبها ألفًا وتسلم من الحذف، فاعرفه فإنه موضع. ﴿الْوُثْقَى﴾: تأنيث الأوثق، كالطُّولَى والأطول، وهو الأشدُّ الأحكم،

стр. 562

وجمع الوُثقى: الوُثَق، كالصغرى والصُّغَر. ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾: في موضع الحال من المستكن في ﴿الْوُثْقَى﴾، وإن شئت من (العروة)، كما تقول: مررت بزيد الكريم ضاربًا، تجعل ضاربًا حالًا من أيهما شئت. والانفصام: الانقطاع. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾. قوله : ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿وَلِيُّ﴾، وإن شئت جعلته خبرًا بعد خبر. ومثله ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾. والعامل في الحال - إن جعلته حالًا - ما في ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ﴾، أو ﴿الطَّاغُوتُ﴾ من معنى الفعل. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾. قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾ أي: ألم ينته علمك إليه؟ ولهذا عُدِّيَ بإلى، والرؤية بمعنى العلم، وقيل: إنما عدي بإلى؛ لأن المعنى: ألم تنظر (١)؟ والاستفهام هنا يتضمن التعجب من حال الكافر المحاجّ لإبراهيم ﵇. ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾: أن في موضع نصب على أنه مفعول من أجله لعدم الجار، أو جر على إرادته، والعامل فيه ﴿حَاجَّ﴾، أي: حاجه لِأَنْ آتاهُ المُلْكَ، على معنى أن إيتاء الملك أَبْطَرَهُ وأورثه الكِبْرَ والعُتُوَّ، فحاج لذلك،

стр. 563

أو على أنه وضع المحاجة في ربه في موضع ما وجب عليه من الشكر على أن آتاه الملك، فكأن المحاجة كانت لذلك، هذا قول الزمخشري (١). وقد جوز أن تكون الهاء في ﴿رَبِّهِ﴾ للذي حاج، وأن تكون لإبراهيم صلوات الله عليه، وكذلك الهاء في ﴿آتَاهُ﴾ (٢). والمُلك: النبوة، أي: لأجل أن أعطَى اللَّهُ إبراهيمَ النبوةَ حاجَّه الكافر، وأما إذا جعلته للذي حاج فمعناه ظاهر. ﴿إِذْ قَالَ﴾: العامل في ﴿إِذْ﴾: ﴿حَاجَّ﴾، وقيل: ﴿آتَاهُ﴾، وليس بشيء، إذ لم يكن إيتاء الملك في ذلك الوقت، وقيل: ﴿تَرَ﴾ وهو سَهْوٌ، إذ لم تقع الرؤية في ذلك الزمان (٣). ﴿أَنَا أُحْيِي﴾: الاسم هو الهيزة والنون، والألف زيدت لبيان حركة النون في الوقف، ولا حَظّ لها في الوصل في حال السعة والاختيار إلا على إجراء الوصل مجرى الوقف، وله نظائر في التنزيل وفي كلام القوم. قوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ بهت: فعل مبني للمفعول، و ﴿الَّذِي﴾ رفع به، وعليه الجمهور، وقرئ: (فَبَهُتَ الذي) بوزن: شَرُف وقَرُب (٤)، على معنى: تناهَى في الحَيْرَةِ والدهشة، لأن فَعُل من أبنية المبالغة، يقال: شَعُر فلان، إذا جاد شِعْر، وفَقُه، إذا اتسع علمه. وقرئ أيضًا: (فبَهِت الذي كفر) بفتح الباء وكسر الهاء (٥)، والفعل فيهما لازم مسند إلى الذي.

стр. 564

وقرئ أيضًا: (فبَهَتَ الذي كفر) بفتح الباء والهاء (١)، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون الفعل لازمًا، ويكون ﴿الَّذِي﴾ فاعلًا. والثاني: أن يكون متعديًا يعضده: ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ (٢) فعدّاه كما ترى، أي: تُدهشهم، و ﴿الَّذِي﴾ مفعولًا، ويكون فاعل الفعل إبراهيم ﵇، أي: فغلب إبراهيمُ الضالَّ. والثالث: أن يكون فاعلُ الفعل: الكافرَ، أي: فبهت الذي كفر إبراهيمَ، أي أراد أن يبهته، كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٣)، أي: إذا أردتم القيام. وأفصح اللغات ما عليه الجمهور وهو (بُهِت) بضم الباء وكسر الهاء، لأنه يقال: رجل مبهوت، ولا يقال: باهت، ولا بَهِيت، عن الكسائي. ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾. قوله : ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾ مهو الكاف في موضع نصب على العطف على معنى الكلام دون اللفظ، كأنه قيل: أرأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مر على قرية؟ أو أرأيت مثل الذي مر على قرية؟ ودل على هذا المحذوف

стр. 565

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾؛ لأن كلتيهما كلمة تعجب. وقيل: الكاف مزيدة، كالتي في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١) كأنه قيل: ألم تر إلى الذي حاج أو الذي مر على قرية (٢). ﴿أَوْ﴾ للتخيير. وسميت القريةُ قريةً لاجتماع الناس فيها، من قولهم: قريت الماء، إذا جمعته (٣). ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾: في موضع جر لكونها صفة لقرية. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾: متعلقة بخاوية، أي: ساقطة على سقوفها، وقيل: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ بدل من ﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾، كأنه قال: مر على عروشها. ﴿أَنَّى﴾: منصوب بِيُحيي. ﴿مِائَةَ عَامٍ﴾: ظرف لقوله: ﴿فَأَمَاتَهُ﴾، والعام: السنة، قيل: مأخوذ من العَوْمِ وهو السباحة؛ لدور القمر في فلكه اثني عشر دورًا هو سنة. ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾: كم: سُؤال عن عددٍ في موضع نصب على أنه ظرف لِـ ﴿لَبِثْتَ﴾، كأت قيل: أمائةَ سنةٍ لبثتَ، أو أقل، أو أكثر؟ وقيل: ﴿أَوْ﴾ بمعنى بل، أي: بل لبثت بعض يوم (٤). ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: مجزوم بلم وعلامة الجزم حَذْفُ الضمة من الهاء. والهاء أصلية، وهي لام الفعل، وأصلها سَنْهَةٌ بوزن جَبْهَة فَعْلَة، من سَنَهَتِ النخلةُ وَتَسَنَّهَتْ، إذا أتت عليها السنون، أو حَذْفُ الألف المنقلبة عن الواو، وأصلها سَنَوةٌ، بدليل قولهم: سنوات، واشتقاقه من السنة على الوجهين،

стр. 566

ومعناه: لم تغيره السنون (١)؛ لأن الشيء يتغير بمرور الزمان. وقيل: أصله يَتَسَنَّنُ، من المَسْنُونِ الذي يُراد به التغير (٢)، كأنه قيل: لم يتسنن، فأبدلت النون الأخيرة ياء، كما أبدلت في: تظنيت، و: ١٠٥ - * تَقَضِّيَ البَازِي .................. (٣) * كراهة الأمثال، ثم أبدلت الياء ألفًا فصار يَتَسَنّا، ثم حذفت للجزم، والهاء على هذين الوجهين هاء السكت، جيء بها لبيان الحركة في الوقف، ومَن أثبتها في الوصل فلإجراء الوصل مجرى الوقف. والجمهور على إظهار التاء في ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. وقرئ (لم يسَّنَّهْ) بإدغامها في السين بعد قلبها سينًا (٤). فإن قلتَ: المستكن في ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لماذا؟ قلتُ: يحتمل أن يكون للشراب للقرب منه، تعضده قراءة من قرأ: (فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يَتَسَنَّ) وهو عبد الله ﵁ (٥). وأن يكون للطعام والشراب على تأويل ﴿ذَلِكَ﴾. وذلك يُكَنَّى به عن الواحد والاثنين والجمع، أو على تأويل المذكور. ﴿وَلِنَجْعَلَكَ﴾: عطف على محذوف تقديره: أحييناك لترى كيفية الإحياء

стр. 567

ولنجعلك .. وقيل: الواو صلة، والتقدير: فعلنا هذا بك لنجعلك آية للناس، أي: عبرة ودلالة على البعث بعد الموت (١). وقيل: إنما كان آية لأنه عاد إلى قريته وهو شاب، وبنو بنيه شيوخ (٢). (كيف نُنْشِرُها) (٣): ﴿كَيْفَ﴾ منصوب بقوله: (نُنْشِرُها)، ولا يجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿وَانْظُرْ﴾؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. و (نُنْشِرُها): في موضع نصب على الحال من العظام، والعامل فيها قوله: (نُنْشِرُها)، أي: وانظر إلى العظام مُحْيَاةً. وقرئ: (نُنْشِرها) بالراء من الإِنشار، وهو الإِحياء، أي نحييها، و ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي من النَشْزِ، وهو المكان المرتفع من الأرض، أي نرفع بعضها إلى بعض للتركيب، وعليهما الجمهور (٤). وقرئ: (نَنْشُرها) بفتح النون وضم الشين (٥). وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من نشر الله الموتى، بمعنى أنشرهم. يقال: نَشَرَ الميتُ ونشرته، يتعدى ولا يتعدى، كغاضَ الماءُ وغِضته. والثاني: أن يكون من النَشْر الذي هو ضد الطي على معنى: نُصفِّفُها لأجل الإِحياء.

стр. 568

﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ لحمًا: مفعول ثانٍ لنكسو. ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾: فاعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ محذوف، أي: فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فحُذف الأول لدلالة الثاني عليه، كما في قولهم: ضربني وضربت زيدًا. أو: فلما تبين له ما أشكل عليه، يعني أمر إحياء الموتى، وكلاهما قول الزمخشري (١). أو: فلما تبين له ذلك عيانًا، وهو إحياء الله الموتى، فاعرفه (٢). وقرئ: (قال أَعلمُ) بفتح الهمزة ورفع الميم على الخبر، وبوصل الهمزة وإسكان الميم على الأمر (٣)، وَجْهُ من قرأ على الخبر أنه لما شاهد ما شاهد أخبر عن نفسه بذلك، ومن قرأ على الأمر يحتمل أن يكون الآمر هو الله تعالى، وأن يكون عُزيرًا على إنزال نفسه منزلة الأجنبي، فأَمَرَها كما يَأْمُرُ الأجنبيَّ، لتنتبه على ما تبيّن له (٤)، وعليهما الجمهور. وقرئ: (قيل اعلم) على البناء للمفعول (٥). وقرئ أيضًا: (أَعلِم) بفتح الهمزة وكسر اللام (٦) من الإِعلام، أي: أَعْلِمْ أتباعَكَ بذلك، أو الخلق، والله تعالى أعلم. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾.

стр. 569

قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿إِذْ﴾ منصوب بفعل محذوف، أي: واذكر إذ قال. ﴿كَيْفَ﴾: سؤال عن حال في موضع نصب بـ ﴿تُحْيِ﴾. و ﴿كَيْفَ تُحْيِ﴾ الجملة في موضع نصب بقوله: ﴿أَرِنِي﴾. وقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ الاستفهام بمعنى التقرير والإِيجاب، أي: أو لست قد آمنت؟ ﴿قَالَ بَلَى﴾: بلى إيجاب لما بعد النفي، وقد ذكرتُ فيما سلف من الكتاب أن الاستفهام مع النفي إذا أريد به التقرير والإِيجاب يكون جوابه ببلى، أي: بلى آمنت (١). ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: اللام من ﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾ متعلقة بمحذوف تقديره: ولكن سألتك ذلك إرادة طمأنينة القلب. والهمزة في ﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾ أَصْلٌ، تقول: اطمأن يطمئن اطمئنانًا، فظاهره يدل علىْ أن وزن اطمأن: افْعَلَلَّ، ووزن يطمئن: يفعَلِلُّ، وأن التركيب طمأن وليس كذلك؛ لأن الأصل: طَأْمَنَ، كذا ذكره صاحب الكتاب ﵀ (٢)، فاطمأن مقلوب منه، والأصل اطْأَمَنَّ بوزن: افْلَعَلَّ؛ لأن الطاء فاء في طَأْمَنَ والهمزة عين، والميم هو اللام الأولى في قولك: فَعْلَلَ إذا مثَّلتَ. وإنما حُكِمَ بالقلب على اطمأن دون طَأْمَنَ لأجل أن ذاك عارٍ من الزيادة، واطمأن متضمن لها، والزيادة فرع، وكون الفعل عاريًا منها أصل، فالأصل بالأصل أولى، ألا تراك تحكم بأن: انكسر فرع على كسر (٣)، كذلك تجعل اطْمَأَنَّ فرعًا على طَأْمَنَ، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا. وقوله: ﴿مِنَ الطَّيْرِ﴾ متعلق بمحذوف إن جعلته صفة لقوله: ﴿أَرْبَعَةً﴾،

стр. 570

ولك أن تعلقه بقوله: ﴿فَخُذْ﴾ على التقديم والتأخير، كأنه قيل: فخذ من الطير أربعة. وقوله: ﴿مِنَ الطَّيْرِ﴾ يحتمل أن يكون جَمْعَ طائر، كتاجر وتَجْر، وأن يكون في الأصل مصدرُ طار يطير طيرًا، ككال يكيل كيلًا، ثم سُمِّيَ هذا الجنس من الحيوان به. ﴿فَصُرْهُنَّ﴾: عطف على قوله: ﴿فَخُذْ﴾. وقرئ: (فَصُرْهُنَّ) بضم الصاد وبكسرها مع تخفيف الراء وعليهما الجمهور (١). والمعنى فيهما: فأمِلْهُنَّ واضمُمْهُنَّ إليك، يقال: صاره يَصُوره ويَصِيره، إذا أماله، عن أبي عبيدة، قال الشاعر: ١٠٦ - ..................... ... ولكنَّ أطرافَ الرماحِ تَصُورُها (٢) ومنه الأصور: المائل العنق. فـ ﴿إِلَى﴾ على هذا متعلق بقوله: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾، وفي الكلام حذف تقديره: فخذ أربعة من الطير فَأَمِلْهُنَّ إليك، ثم قطعهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا. وعن أهل البصرة: أنهما لغتان (٣) بمعنَى الإِمالةِ والتقطيعِ. فإن كان بمعنى التقطيع: ففي الكلام تقديم وتأخير ولا حذفَ فيه، والتقدير: فخذ أربعة من الطير إليك فقطعهن. ومنهم من قال: صَاره يَصوره صوْرًا، إذا

стр. 571

أماله، وصَاره يَصيره صَيْرًا، إذا قطعه. وأنشد: ١٠٧ - وغلامٍ رأيتُه صارَ كَلْبًا ... ثُمَّ في ساعتَينِ صار غَزالا (١) أي قَطَّعَ كَلْبًا، ثم قطع غزالًا. وتعلق (إلى) بقوله: ﴿فَخُذْ﴾، أو بقوله: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾، والتقديم والتأخير على ما ذكرت قبيل على قدر المعنيين، فاعرفه. وقد جُوّز أن تكون ﴿إِلَيْكَ﴾ في موضع نصب على الحال من المفعول وهو الهاء والنون في ﴿فَصُرْهُنَّ﴾، أي: فصرهن مُقَرَّبَةً، أو مُمالةً وما أشبه هذا (٢). وقرئ: (فصُرّهن) بضم الصاد مع تشديد الراء (٣)، ثم منهم من يضم الراء، ومنهم من يفتحها، ومنهم من يكسرها، فالضم على الإتباع، والفتح لالتقاء الساكنين لخفة الفتح، والكسر على أصل التقاء الساكنين، مثل: مدُّهُنَّ ومُدَّهن ومدِّهنّ بضم الدال وفتحها وكسرها، كما ترى (٤). وقريء أيضًا: (فصرَّهن) بكسر الصاد وفتح الراء (٥)، وكلتاهما من صَرَّهُ يَصُرُّهُ ويَصرُّهُ، إذا جمعه، غير أن فَعِلَ يفعِلُ في المضاعف المتعدي قليل، وقد أتى منه: نَمَّ الحديثَ ينُمُّه وينِمُّهُ، وفَعَلَ يَفْعُلُ فيه كثير، كصَبَّ الماء يصُبُّه، وشد الحبل يشدُّه، فاعرفه (٦).

стр. 572

و ﴿مِنْهُنَّ﴾: في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿جُزْءًا﴾، وقد ذكر نظائره في غير موضع (١). ﴿يَأْتِينَكَ﴾: جواب الأمر، وهو مبني لا يتبين فيه إعراب، والنون ضمير الطير. ﴿سَعْيًا﴾: مصدر في موضع نصب على الحال، أي: ساعيات مسرعات في طيرانهن، أو في مشيهن على أرجلهن على ما فسر (٢). وقد جُوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا؛ لأن السعي والإِتيان متقاربان، فكأنه قيل: يأتينك إتيانًا (٣). وجزْءًا وجزُءًا بإسكان الزاي وضمها لغتان فاشيتان، وعليهما الجمهور (٤). وقرئ أيضًا: (جُزًّا) بتشديد الزاي من غير همز (٥)، والوجه فيه أنه خُفِّفَ بطرح همزته، ثم شُدِّد كما يشدد في الوقف، نحو: هذا خَالِد، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾. قوله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ (مَثَلُ): رفع بالابتداء. ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

стр. 573

﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾: في موضع رفع بحق خبر الابتداء، ولا بد من حذف مضاف، أي: مَثَلُ إنفاقهم، أو مثل نفقتهم كمثل حبة، لأن الذين ينفقون لا يشبَّهُون بالحبة، أو مثلهم كمثل باذرِ حبةٍ. ﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾: في موضع النعت لحبة، والمُنْبِتُ في الحقيقة هو الله تعالى، وإنما أسند الإِنبات إلى الحبة إذ كانت سببًا، كما يسند إلى الأرض وإلى الماء، لما ذَكَرْتُ آنفًا. ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: ابتداء وخبر في موضع الصفة لسنابل، ولك أن تجعل الجملة في موضع النصب على أنها صفة لقوله: ﴿سَبْعَ﴾. فإن قلتَ: لمَ أتى المميِّز على جمع الكثرة دون القلة التي هي السنبلات، كما جاء في قوله: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ (١)؟ قلت: يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر، لاشتراكهما في الجَمْعِيَّة، وقد ذُكر فيما سلف (٢). وقرئ في غير المشهور: (مائةَ حبة) بنصب المائة (٣) على تأويل: أنبتت، أو أخرجت مائة حبة، وسنبلة: فُنْعُلَةٌ، لقولهم: أسبل الزرع، بمعنى سَنْبَلَ، إذا صار فيه السُّنْبُلُ، يقال: أَسْبَلَ الزرعُ وسَنْبَلَ، إذا خَرَجَ سُنْبُلُهُ. وأصل مائة: مِئْيَةٌ (٤)، والأصل: مِئًى كمِعًى، وإنما حُذفت تخفيفًا، وعوضت منها التاء، وتجمع بالواو والنون، أو الياء والنون، وكَسْرُ الميم، وبعضهم يضمها، وعن الأخفش: مِئاتٌ كمِعاتٍ (٥).

стр. 574

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾. قوله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: رفع بالابتداء، وتمام صلته ﴿وَلَا أَذًى﴾. ﴿مَا أَنْفَقُوا﴾: ﴿مَا﴾ موصولة، وما بعدها صلتها، والعائد محذوف. ويحتمل أن تكون مصدرية فلا تحتاج إلى العائد، وهي مفعولٌ أولُ لقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ﴾ و ﴿مَنًّا﴾ ثان. وألف ﴿أَذًى﴾ منقلبة عن ياء، ولذلك تمال في الوقف. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾: ابتداء وخبر، والجملة في موضع رفع بحق خبر ﴿الَّذِينَ﴾. والعامل في ﴿عِنْدَ﴾ ما تعلق به خبر قوله: ﴿أَجْرُهُمْ﴾. فإن قلت: هنا ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾، وفيما بعد ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ (١) هل بينهما فرق من جهة الإِعراب والمعنى أم لا؟ قلت: نعم: بينهما فرق من جهة الإِعراب والمعنى. وذلك أنك إذا قلت: الذي يأتيني له درهم، لم تُضَمِّنِ الموصولَ معنى الشرط، فلذلك لم تأت بالفاء في خبره. وإذا قلت: الذي يأتيني فله درهم، ضمنتَهُ معناه، فاحتيج إلى الفاء لذلك. والفرق بينهما من جهة المعنى: أن الفاء فيها دلالة على أن الدرهم استحق بالإِتيان، كما يكون في قولك: إن يأتني شخص فله درهم، وسقوطها عارٍ عن تلك الدلالة، وكذا في الآية: دلت الفاء على أن الأجر استحق بالإِنفاق، وحذفها عارٍ عن ذلك، فاعرف الفرقان بينهما، وقس عليه نظائرهما.

стр. 575

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾. قوله : ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾: ابتداء موصوف، و (مغفرةٌ) عطف عليه، والخبر ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ﴾ على معنى: رَدٌّ جميلٌ وعفوٌ عن السائل إذا وُجد منه ما يَثْقُلُ على المسؤول ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾. وقيل: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ مبتدأ، والخبر محذوف: أولى بكم، ثم ابتُدِئ فقيل: (مغفرةٌ) أي: ونيلُ مغفرةٍ من الله بسبب الرد الجميل ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ﴾ لأن المغفرة من الله، فلا يُفاضَل بينها وبين فعل العبد، فلذلك استؤنف (١). و﴿يَتْبَعُهَا﴾: نعت لصدقة. و ﴿أَذًى﴾: رفع بفعله، والأذى: مَنٌّ أو قولٌ يؤذي السائلَ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾. قوله : ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾ الكاف: في موضع نصب على الصفة لمصدر محذوف، ولا بد من حذف مضاف، أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى إبطالًا مثل إبطال المنافق ماله رئاء الناس. ولك أن تجعله حالًا من الضمير في ﴿لَا تُبْطِلُوا﴾ أي: لا تبطلوا تِلكَ مماثلينَ هذا المنافقَ الذي يُبْطِلُ فعلَه بالرياء. و﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: مصدر في موضع الحال من المستكن في ﴿يُنْفِقُ﴾،

стр. 576

أي: مرائيًا، ويجوز أن يكون مفعولًا له، والمصدر مضاف إلى المفعول. والهمزة الأولى عين الفعل لأنه من رأى، والأخيرة بدل من الياء التي هي لام الفعل، لوقوعها طرفًا بعد ألف مزيدة، كالتي في نحو الرداء والقضاء، يقال: راءى فلان الناس يرائيهم رئاء ومُراءاة فهو مُراءٍ، وقوم مراؤون، ويجوز تسهيل الأولى بالقلب ياء، وبه قرأ بعض رواة عاصم (١). ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: ابتداء وخبر، ودخلت الفاء لتربط الجملة بما قبلها. والصفوان: الحجر الأملس وهو جمع صفوانة، كمرجان ومرجانة (٢). وقيل: الأَولى أن يقال: هو جِنْس لا جَمعٌ، لقوله: ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ بلفظ الإِفراد، وليس بالمتين لجواز تذكير الجمع (٣). وقيل: هو مفرد، وعن الكسائي: صفوانٌ واحدٌ، وجمعه صُفِيٌّ، كعُصِيّ، وأُنكر عليه (٤). وقيل: إنما صُفِيٌّ كعُصِيٍّ جَمْعُ صَفا (٥). وقرئ في غير المشهور: (كمثل صَفَوان) بفتح الفاء (٦) بوزن وَرَشَانٍ وكَرَوانٍ، صنفان من الطير. وفَعَلان في الأسماء قليل، وأكثر ما يأتي ذلك في الصفات، كيومٍ صَخَدَانٍ، إذا كان شديد الحر، والمصادر: كالنَّزَوان والغَلَيان (٧).

стр. 577

﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾: في موضع الجر على الصفة لصفوان، والهاء في ﴿عَلَيْهِ﴾ لصفوان، وفي ﴿مَا لَهُ﴾، و (مَثَلُهُ) للمنافق المرائي. ﴿فَأَصَابَهُ﴾: معطوف على ﴿عَلَيْهِ﴾ على تقدير: استقر عليه تراب فأصابه، وهذا يعضد قول من يقدر الظرف بالفعل دون اسم الفاعل. ﴿وَابِلٌ﴾ مطر عظيمُ القَطْرِ (١)، وجمعه: وُبَّلٌ، كشاهدٍ وشُهَّدٍ. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: عطف على قوله: ﴿فَأَصَابَهُ﴾، و ﴿صَلْدًا﴾ مفعول ثان على تضمين ترك معنى صيّر، أي: فصيره صَلْدًا، أي أَجْرَدَ نقيًّا من التراب الذي كان عليه، ومنه صلَدَ جبينُ الأصلع، إذا بَرَقَ. والصلْد: الأملس الصلب من الحجارة، والصلْد: الذي لا ينبت شيئًا من الأرض؛ لأنه كالحجر لصلابته، وقيل: هو حال. ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾: مستأنف لا موضع له من الإعراب. فإن قلت: لم جمع ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ بعد قوله: ، ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾ و ﴿مَالَهُ﴾ و (مَثَلُهُ)؟ قلت: لأن المراد بالذي الجنس، والجنس جمع في المعنى، بشهادة قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ بعد قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ و (٢)، فأبدل ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ من الجنة لما ذكرت آنفًا، فاعرفه. ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾: يحتمل أن تكون (ما) موصولة، وأن تكون مصدرية بمعنى مكسوبهم. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾.

стр. 578

قوله : ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (ابتغاء): مفعول له. و ﴿تَثْبِيتًا﴾ عطف عليه، والعامل ﴿يُنْفِقُونَ﴾. ويجوز أن يكونا حالين، أي: مبتغين ومثبتين وهو الوجه، وذلك أن قوله: ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ عطف على ﴿ابْتِغَاءَ﴾. ويبعد أن يكون ﴿تَثْبِيتًا﴾ مفعولًا له؛ لأن الإِنفاق ليس من أجل التثبيت (١). وقوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، في موضع النعت لقوله: ﴿تَثْبِيتًا﴾، أي: يتثبتون أين يضعون أموالهم التي يتصدقون بها، عن الحسن ومجاهد (٢) رحمهما الله، والمصادر قد تختلف ويقع بعضها موقع بعض بشهادة قوله جل ذكره: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٣). وذكرت هذا لأن ﴿تَثْبِيتًا﴾ هه مصدر ثَبَّتَ، وهو متعدٍ، والمذكوران جعلاه بمعنى التثبيت وهو لازم، فاعرفه. و﴿مِنْ﴾ وفي قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ لابتداء الغاية. وقوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ الكاف في موضع رفع بحق خبر الابتداء، وهو قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ﴾. وفي (ربوة) لغات: ضم الراء وفتحها وكسرها، وقد قرئ بهن (٤). وفيها لغات أخر: بِرَباوةٍ، ورِباوة، ورُباوة ورَبَاء (٥)، وكل ذلك من الرابية، وفِعْلُهُ رَبَا يَرْبُو.

стр. 579

وقوله: ﴿بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا﴾ كلاهما في موضع الجر على الصفة للجنة، والجنة: البستان فيه الأشجار. والجمهور على الجيم والنون، وقرئ: (كمثل حبة) بالحاء والباء (١)، ووجهها ظاهر. ﴿فَآتَتْ﴾: عطف على ﴿أَصَابَهَا﴾. ﴿أُكُلَهَا﴾: أحد المفعولين للإيتاء، والآخر محذوف، أي: أعطت مالكها ثمرتها. والأُكل: ثَمَرُ النخل والشجر، وكل ما يؤكل فهو أُكل بضم الهمزة، والأَكْل بالفتح المصدر. ويجوز ضم الكافِ وإسكانها، فالضم هو الأصل، والإِسكان تخفيف منه (٢). ﴿ضِعْفَيْنِ﴾: حال، أي: مِثْلَيْ ما كانت تثمر في غيرها من الأرضين بسبب الوابل. ﴿فَطَلٌّ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي: فالذي يصيبها طَلٌّ، ولك أن ترفعه بفعل مضمر دل عليه ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا﴾، أي: فيصيبها طل، أي: مطر صغير القطر. وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا﴾ مجزوم بلم دون إن للقرب، ولكونه يختص بالمستقبل، و (إن) قد تدخل على الماضي، وقد يحذف الفعل معها، فجاز أن يبطل عملها، وقد ذكرت عند قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ (٣). والوابل: المطر الشديد.

стр. 580

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: يحتمل أن تكون (ما) موصولة، وأن تكون مصدرية، أي بعملكم. ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾. قوله : ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾: الهمزة للاستفهام الذي معناه الإِنكار، وأصل يود يَوْدَدُ، فأدغمت العين في اللام بعد أن ألقيت حركتها على الفاء، وماضيه على فَعِل بكسر العين، ومستقبله على يفعَلُ بفتح العين. ﴿أَنْ تَكُونَ﴾: أن وما اتصل بها في موضع نصب بيودّ. ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾ في موضع رفع على النعت لجنة، والنخيل: جمع نخلة، وقيل: هو جنس. و ﴿أَعْنَابٍ﴾ عطف على ﴿نَخِيلٍ﴾. ﴿تَجْرِي﴾: في موضع الصفة أيضًا لجنة، ولك أن تجعله حالًا منها لاختصاصها بالصفة. ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: في موضع رفع بالابتداء، و ﴿لَهُ فِيهَا﴾ الخبر، والمراد بالكل هنا الكثرة لا الاستيعاب. و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ مزيدة على قول من جوز ذلك (١). ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾: الواو للحال، وقد مراده، وذو الحال: أحد، أي: أيود أحدكم أن تكون له جنة وقد أصابه الكبر. وقيل: وُضع الماضي موضع المضارع (٢).

стр. 581

وقيل: يقال: وددت لو كان كذا، كما يقال: وددت أن كان كذا، فَيُلْتَقَى مرة بلو ومرة بأن، فجاز أن يقدر إحداهما مكان الأخرى، فحُمل العطف على المعنى، كأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر (١)؟ ويحتمل عندي وجهًا آخر والله أعلم: أن يكون عطفًا على الجار في قوله: ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾، على تقدير: استقرت من نخيل وأصابه. ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ﴾: ابتداء وخبر، والجملة في موضع نصب على الحال من الهاء في ﴿وَأَصَابَهُ﴾. و﴿ضُعَفَاءُ﴾: جمع ضعيف، وفعيل يجمع على بناءين: على فُعلاء وفِعال. يقال: كريم وكُرماء وكِرام، وفي التنزيل: ﴿ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾، وفيه: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ و (٢)، كما ترى. واختلف في أصل ذرية على أقوال: أحدها: أن أصلها: ذُرُّوءةٌ، (فُعُّولةٌ) من ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءًا، أي: خلقهم، ثم أبدلت الهمزة ياء، فاجتمعت ياء وواو، والأُولى منهما ساكنة، فأبدلت الواو ياء وأدغمت في الياء فرارًا من ثقل الهمزة والواو والضمة، وكُسِرَتِ الراءُ لتصحَّ الياءُ المدغمة المبدلة من الواو المزيدة. أو ذُرِّيئَةٌ، (فُعِّيلةٌ) منه أيضًا، فألزمت التخفيف، فقلبت الهمزة ياء، وأدغمت الياء التي قبلها فيها فصارت ذُرِّيَّةً كما ترى. والثاني: أن أصلها ذُرُّورة (فُعْلولة) من ذَرَّ الحَبَّ يَذُرُّهُ ذَرًّا، إذا فرَّقه، فلما كَثُر التضعيف أُبدلت الراء الأخيرة ياء فصارت ذُرُّوْيَةً، ثم أدغمت الواو في الياء بعد أن قلبت ياء، وكسرت الراء لتصح الياء.

стр. 582

والثالث: أن أصلها ذُرِّيَّةٌ، (فُعْلِيَّةٌ) من الذر أيضًا، فالياءان فيها مزيدتان. والرابع: أن أصلها ذُرِّيْرَةٌ، (فُعِّيْلَةٌ)، فأبدلت الراء الأخيرة ياء كراهية اجتماع الأمثال، وأدغمت الأولى فيها. والخامس: أن أصلها ذُرُّوْوَةٌ، أو ذُرُّوْيَةٌ، (فُعُّولَة) من ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذروًا وذرْيًا، إذا سَفَتْهُ، ثم فُعل بها مثل ما قد سلف من القلب والإِدغام وكسر الراء، فاعرفه (١). والجمهور على ضم الذال، وقرئ بكسرها إتباعًا لكسرة الراء (٢). فإن قلت: لم ضمت الذال من ذرية؟ قلت: يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون منسوبة إلى هذه المذكورات، فتكون من تغيرات النسب، كما قالوا في النسب إلى الدَّهْر: دُهْرِيٌّ. والثاني: أن تكون غير منسوبة، فتكون كقُمْرِيَّة وبُخْتِيَّةٍ. ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾: عطف على ﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ على التأويل المذكور، أو على ما تعلق به قوله: ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾، وقد ذَكَرْتُ قبيل. والإِعصار: ريح تثير الغبار ويرتفع إلى السماء، كأنَّه عمود نار (٣). وقيل لها: إعصار؛ لأنها تلتف كالتفاف الثوب في العصر (٤). وقيل: هي ريح تثير سحابًا ذات رعد وبرق (٥).

стр. 583

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾: الكاف في موضع نصب لمصدر محذوف، أي: تبيينًا مثل هذا التبيين الذي بين لكم من الأقاصيص المذكورة وغيرها من الأحكام، والله أعلم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾. قوله : ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ المفعول محذوف، و ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ في موضع النعت له، أي: أنفقوا شيئًا من خيار مكسوباتكم. وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (١). ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ﴾: عَطْفٌ على ﴿مِن﴾ الأولى، وفي الكلام حذف مضاف، أي: ومن طيبات ما أخرجنا لكم، دل عليه قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: ولا تقصدوا المال الرديء، يقال: تيممتُ الشيءَ تيممًا، إذا تَقَصَّدْتَهُ، وأصله: التعمد والتوخي، وتأممته مثله، وبه قرأ عبد الله ﵁: (ولا تَأَمَّموا) بالهمز مكان الياء (٢). وأصله تتيموا، فحذفت إحدى التاءين: قيل: الأولى، وقيل: الثانية وهو الصحيح كراهة اجتماع المِثْلَينِ في صدر الكلمة. وقرئ: بتشديد التاء على إدغام الأولى في الثانية (٣). وقرئ أيضًا في غير المشهور: (ولا تُيَمِّمُوا) بضم التاء وكسر الميم

стр. 584

الأولى (١)، من تيممت الشيء، يقال: يممه، وتيممه، وتأممه بمعنًى، وقد قرئ بهن. ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾: (من) متعلقة بقوله: ﴿تُنْفِقُونَ﴾، أي: تَخصونه بالإِنفاق، والجملة في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾، أعني ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي: ولا تيمموا منفقين، أو من الخبيث، لأجل العائد منها إليه، أي: منفقًا منه، وهي في كلا التقديرين على حد: معه صقر صائدًا به غدًا؛ لأن الإِنفاق منه يكون بعد القصد إليه. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾: مستأنف. ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾: في موضع نصب على الحال، أي: إلا في حال الإِغماض. والمعنى: أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بأن تتسامحوا في أخذه، وتترخصوا فيه، من قولهم: أغمض فلان عن بعض حقه، إذا غض بصره. ويقال للبائع: أَغْمِضْ وغمّض، أي: لا تستقص، وكن كأنك لا تبصر (٢). والإِغماض: يحتمل أن يكون متعديًا، ويكون مفعوله محذوفًا، أي: تغمضوا أبصاركم. وأن يكون لازمًا، كَأَغْفَى عن كذا (٣). وقرئ: (تُغَمِّضُوا) بضم التاء وفتح الغين وتشديد الميم (٤)، من غَمَّضَ، وهي كقراءة الجماعة في المعنى، يقال: أَغْمَضَ وغَمَّضَ بمعنًى. وقرئ أيضًا: (تُغْمَضُوا) بضم التاء وإسكان الغين وفتح الميم على البناء للمفعول (٥)، بمعنى: إلا أن تُدْخَلُوا فيه وتُجذَبوا إليه، وذلك الشيء الذي

стр. 585

يدعوهم إليه ويحملهم عليه هو رغبتهم في أخذه ومحبتهم لتناوله. وقيل: إِلا أن تُوجَدُوا مُغْمِضِينَ، من باب أفعلتُ الشيء، إذا وجدتَه كذلك، كقولك: أحمدتُ الرجل، إذا وجدتَه محمودًا. وقرئ أيضًا: (تَغْمِضُوا) بفتح التاء وإسكان الغين وضم الميم وكسرها (١)، من غَمَضَ يغمُض ويغمِضُ لغة في أغمض. ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾. قوله : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ أصله: يَوْعِدُكُم، فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، وهو يتعدى إلى مفعولين، يقال: وعدت فلانًا كذا وبكذا أيضًا. والوعد يستعمل في الخير والشر، يقال: وعدته خيرًا، ووعدته شرًّا. وفي التنزيل ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً﴾، وفيه: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢). فإذا لم تَذْكُرِ الخيرَ والشرَ، قلت في الخير: الوَعْدُ والعِدَةُ، وفي الشر: الإِيعاد والوعيد، قال الشاعر: ١٠٨ - إذا وَعَدُوا أَنْجَزُوا وَعْدَهُم ... وإِن أَوْعَدُوا خابَ مَن أوعَدُوا (٣) مدحَهُم بالعفو، لأنَّ من الكرمِ والفضلِ تَناسِيَ الوعيدِ. وعن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه احتج على عمرو بنِ عبيد بقول الشاعر: ١٠٩ - واني وإنْ أوعدتُهُ أو وعدتُه ... لَأُخْلِفُ إيعادي وأُنْجزُ مَوْعِدِي (٤) والمعنى: يخوفكم بالفقر على إنفاق المال، والتقدير: يعدكم الفَقر

стр. 586

على إنفاق المال. والفَقْرُ: ضد الغِنَى. والفُقْرُ لغة في الفَقْر، كالضَّعف والضُّعف، وبالضم قرأ بعض القراء: (الفُقْرُ) (١). ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾: يجوز في الكلام حذف الباء. يقال: أمرته كذا، وأمرته بكذا، وأنشد: ١١٠ - أمرتك الخير فافعل ما أُمرتَ به ... ....................... (٢) أي: بالخير. ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾: (منه) في موضع نصب على أنه صفة لقوله: ﴿مَغْفِرَةً﴾. ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾. قوله : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ من: موصول في موضع نصب مفعول لقوله: ﴿يُؤْتِي﴾. ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾: (من) شرطية في موضع رفع بالابتداء، وما بعدها الخبر. وقرأ يعقوب (٣): (من يُؤْتِ الحكمة) بكسر التاء (٤) على البناء للفاعل وهو الله سبحانه لجري ذكره قبيلَ، فـ (مَن) على هذه القراءة في موضع نصب

стр. 587

بقوله: ﴿يُؤْتَ﴾ مفعول أول، و ﴿الْحِكْمَةَ﴾ ثانٍ. والمستكن في الفعل ضميرُ اسمِ الله تعالى، أي: ومن يُؤْتِ اللَّهُ الحكمةَ، ولك أن تجعل (مَن) أيضًا على هذه القراءة في موضع رفع بالابتداء وما بعده الخبر. وأحد مفعولي (يؤتِ) محذوف تقديره: ومن يؤته اللَّهُ الحكمة، تعضده قراءة من قرأ كذلك وهو الأعمش، كذا ذكره الزمخشري عنه وغيره (١). ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ الفاء وما بعدها جواب الشرط، و ﴿خَيْرًا﴾: مفعول ثان لأوتي، وفي ﴿أُوتِيَ﴾ ضمير يعود إلى (من) وهو المفعول الأول. ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾. قوله : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ (ما): شرطية في موضع نصب بقوله: ﴿أَنْفَقْتُمْ﴾ و ﴿مِنْ نَفَقَةٍ﴾: في موضع نصب على التمييز. وقد مضى الكلام على نحو هذا عند قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ بأشبع من هذا (٢). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾: الفاء وما بعدها جواب الشرط، والضمير المنصوب في ﴿يَعْلَمُهُ﴾ للآخِر من المذكورين، كقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ (٣)، أو لـ (ما)، والمعنى: يجازيكم عليه؛ لأن الجزاء يكون بعد العلم، فأقَام السببَ مُقامَ المُسَبَّبِ. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ قوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ في موضع رفع بالابتداء. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ الخبر، أي: مِمَّنْ ينصرهم من الله ويمنعهم من عذابه.

стр. 588

﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾. قوله : ﴿فَنِعِمَّا﴾ نِعْمَ: فعل غير متصرف، وفيه أربع لغات (١): نَعِمَ كعَلِمَ وهو الأصل، ثم تقول: نِعِمَ فتتبع الكسرة الكسرة، ثم نِعْم، فَتُسْكِنُ العين، ثم نَعْمَ تفتح النون وتُسْكِنُ العينَ، كما يُفعل في كَتِف. وقد مضى الكلام على نعم وبئس فيما سلف من الكتاب بأشبع ما يكون (٢). وفاعل نعم مستكن وهو ضمير الصدقات، و (ما) في موضع نصب على التمييز، وهي نكرة غير موصولة ولا موصوفة. و﴿هِيَ﴾: هو المخصوص بالمدح، أي: فنعم شيئًا هي، والأصل فنعم شيئًا إبداء الصدقات؛ لأن المقصود بالمدح هو الإِبداء، ثم حذف وأقيمت الصدقات مُقامه، ثم كُني عن الصدقات؛ بشهادة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. ﴿فَهُوَ﴾: كناية عن الإِخفاء، أي: فالإخفاء خير لكم، كما كني عن الإبداء. وقوله: ﴿هِيَ﴾: يحتمل أن تكون في موضع رفع بالابتداء، وما قبلها الخبر. واستُغني عن الراجع من الجملة إلى المبتدأ، لاشتمال الجنس على فاعل نعم. وأن تكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قيل: ﴿فَنِعِمَّا﴾، قيل: ما الشيء الذي مدح؟ فقيل: هي، أي: الممدوح هي. (وَنُكَفِّرُ عنكم من سيئاتكم) قرئ: بالنون مرفوعًا على أنه خبر مبتدأ

стр. 589

محذوف، أي: ونحن نُكَفِّرُ، ومجزومًا (١) على أنه عطف على محل الفاء وما بعدها؛ لأنها جواب الشرط. وقرئ: بالياء مرفوعًا (٢)، والمستكن فيه لله جل ذكره أو للإخفاء وعليهما الجمهور. وقرئ أيضًا: (وَتُكَفِّر) بالتاء مرفوعًا ومجزومًا (٣) والمستتر فيه للصدقات. وقرئ أيضًا: (ويُكَفِّرَ) بالياء منصوبًا (٤) بإضمار أن؛ لأن الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره، فأشبه الاستفهام، فنُصب كما يُنصب جوابُ الاستفهام، والتقدير: وإن تخفوها يكن خيرًا لكم وأن يكفرَ عنكم. وقوله: ﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ في موضع نصب على أنه نعت لشيء محذوف، وهو مفعول قوله: (وَنُكَفِّرُ)، أي: ونكفر شيئًا من سيئاتكم، هذا على رأي صاحب الكتاب ﵀، وأما على رأي أبي الحسن: فالمفعول هو ﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ عنده مزيدة (٥). وسيئات جمع سيئة، وأصلها سَيْوِئَةٌ (فَيْعِلَةٌ) وعينها واو؛ لأنها من ساء

стр. 590

يسوء، فأدغمت الياء في الواو بعد أن قلبت ياء، كما فعل بميّتٍ وصيّبٍ ونحوهما، وقد ذكر فيما سلف (١). ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾. قوله : ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ (ما): شرط منصوب بتنفقوا، و ﴿تُنْفِقُوا﴾: مجزوم به، و ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: في موضع نصب على التمييز، وقد ذكر له نظائر فيما سلف (٢). ومثله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي: يُوَفّر جزاؤه عليكم. وإنما عُدِّي بإلى حملًا على المعنى؛ لأن المعنى: يُرَدّ إليكم، فـ (ما) في الأولى والثالثة: شرط، وفي الوسطى: نفي، ولذلك حذفت النون منهما، وأثبتت فيها. ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾: مفعول له. وقيل: هو في موضع نصب على الحال، أي: وما تنفقون إلا في حال ابتغاء وجه الله. و﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾: في موضع نصب على الحال من الكاف والميم في ﴿إِلَيْكُمْ﴾. ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾. قوله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ يحتمل أن يكون في موضع نصب، أي: اجعلوا ما تنفقون للفقراء. وأن يكون في موضع رفع على أن يكون خبر مبتدأ

стр. 591

محذوف، أي: صدقاتكم المذكورة لهم. ويجوز أن يكون جواب سائلٍ، كأنه قيل: لمن هذه الصدقات الموصوفة؟ فقال: للفقراء. وقيل: بل تقديره: للفقراء حق واجب في أموالكم، فحذف للعلم به، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ لأجل الفاصل بين العامل ومعموله وهو ﴿يُوَفَّ﴾ جواب الشرط. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: يحتمل أن يكون ظرفًا لأحصروا، وأن يكون حالًا من الضمير في ﴿أُحْصِرُوا﴾، أي: أُحصِروا مجاهدين في سبيل الله، أي: منعوا من التصرف. قيل: مَنعوا أنفسهم عن التصرف في المعاش، وحبسوها في طاعة الله تعالى لأجل الجهاد (١). ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: يحتمل أن تكون مستأنفة، وأن تكون في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿أُحْصِرُوا﴾، أي: أحصروا عاجزين، وكذا ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾ يحتمل الوجهين، وفَتْحُ السين في مستقبل حسب وكَسْرُها لغتان فاشيتان (٢). ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾: متعلق بقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾. ﴿تَعْرِفُهُمْ﴾: يحتمل أيضًا الوجهين: الحال والاستئناف. وكذا ﴿لَا يَسْأَلُونَ﴾ أي: تعرفهم غير سائلين. ﴿إِلْحَافًا﴾: مصدر في موضع الحال، أي: لا يسألون الناس مُلْحفين، وقيل: هو مصدر لفعل محذوف دل عليه ﴿لَا يَسْأَلُونَ﴾، كأنه قيل: لا يسألون الناس ولا يلحفون إلحافًا، فالمعنى على الوجه الأول:

стр. 592

إثبات للسؤال، ونفيٌ للإِلحاف، أي: إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا. وعلى الثاني: نفي للسؤالِ والإِلحافِ جميعًا، فاعرفه فإنه موضع (١). والإِلحاف: الإِلحاح، قيل: وهو اللزوم، وألا يفارق إلا بشيء يُعطاه، من قولهم: لَحَفَنِي من فضل لحَافِهِ: أي: أعطاني من فضل ما عنده. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾. قوله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾: (الذين): في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلة الموصول: ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾، وهما مصدران في موضع الحال من الضمير في ﴿يُنْفِقُونَ﴾ أي: يعمُّون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير. ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾: الجملة في موضع بحق الخبر. ودخلت الفاء في ﴿فَلَهُمْ﴾ لشبه الذي بالشرط في إبهامه، إذ ليس المراد بـ ﴿الَّذِينَ﴾ قومًا بأعيانهم، وَوَصْلِهِ بالفعل، ففيه معنى الجزاء؛ لأن المعنى على أن الأجر إنما هو لأجل الإِنفاق، كأنه قيل: إن ينفقوا يكن لهم الأجر، وإنما شُرط أن تكون الصلة فعلًا؛ لأن المجازاة المحضة لا تكون إلا بالفعل، فاعرفه. ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا

стр. 593

الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾. قوله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ الموصول مع صلته مبتدأ، والخبر ﴿لَا يَقُومُونَ﴾. ﴿كَمَا﴾: الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: لا يقومون إلا قيامًا مثل قيام المصروع. ولام الربا واوٌ، لأنه من رَبَا يَرْبُو، وكُتب في "الإِمام" بالواو على لغة من يفخم، كما كتبت الصلاة والزكاة لذلك. وزيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع، كما ضمت واو ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ (١) لذلك. وتثنيتُهُ رِبَوانِ عند أهل البصرة (٢)، ويكتب بالألف، ورِبَيَانِ عند أهل الكوفة بالياء، وبها يكتب عندهم محتجين بالكسرة التي في أوله (٣). ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾: متعلق بقوله: ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ من جهة الجنون. وقيل: هو متعلق بـ ﴿لَا يَقُومُونَ﴾، أي: لا يقومون من المس الذي بهم إلّا كما يقوم المصروع، أو بـ ﴿يَقُومُ﴾، أي: كما يقوم المصروع من جنونه (٤). والتخبط: (تفعل) من الخَبْط، وهو ضرب الأرض على غير استواء من الحَيْرَةِ. والمسُّ: الجنونُ، يقال: رجل ممسوس، أي: مجنون، وأصله من مَسِّ الشيطانِ إياه، فاعرفه. قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾: (ذلك): مبتدأ، والإشارة إلى العذاب، و ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ الخبر، أي: ذلك العذاب وجب بسبب قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾.

стр. 594

﴿فَمَنْ جَاءَهُ﴾: (مَن): شرط في موضع رفع بالابتداء، و ﴿جَاءَهُ﴾ الخبر. وإنما ذُكِّر فعلُ الموعظة؛ لأن تأنيثَها غيرُ حقيقي، أو لأن الموعظة والوعظ بمعنًى، أو للفصل. ﴿فَانْتَهَى﴾: عطف على جاء. ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾: الفاء وما بعدها جواب الشرط. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾. قوله : ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾: الجماعة على فتح الياء، وقرئ: (ما بَقِيْ) بياء ساكنة (١) استثقالًا للحركة على حرف العلة، وقرئ أيضًا: (ما بَقَا) بقلب الياء ألفًا على لغة طيِّئ (٢). وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن: شرطية، وقيل: بمعنى إذ (٣). ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾. قوله : ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ أي: فاعلموا بها، من أَذِن بالشيء يأذَن بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر إذنًا، إذا علم به، تعضده قراءة من قرأ: (فأيقنوا) وهو الحسن ﵀ (٤). ومن قرأ: (فآذِنوا) بقطع الهمزة والمد وكسر الذال (٥)، فالمعنى:

стр. 595

أَعْلِموا بها غيركم. قيل: وهو من الأَذَنِ أيضًا، وهو الاستماع؛ لأنه من طُرق العلم (١)، يقال: أَذِنَ بالشيء، إذا علم به، وأَذِنَ له، إذا استمع، أَذَنًا فيهما، وإذا أَعلموا ذلك غيرَهم فقد عَلِموا هم، والمعنى: فاعلموا بمحاربة الله ورسوله إياكم. ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾: الجمهور على تسمية الفاعل في الفعل الأول، وترك تسميته في الثاني. وروى المُفَضَّلُ عن عاصمٍ (٢): (لا تُظْلَمونَ ولا تَظْلِمونَ) بالعكس (٣)، وتَقْدِمَةُ الفاعل على المفعول، كتَقدِمة المفعول على الفاعل؛ لأن الواو لا ترتيب فيها. والمعنى: لا تظلِمُون أحدًا بطلب الزيادة على رأس المال، ولا تظلمون بالنقصان عن رأس المال. ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾. قوله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (كان) هنا تامة، والموصوف محذوف، أي: وإن وقع غريم من غرمائِكُم ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾، أي: ذو إعسار، وعليه الجمهور. وقد جُوِّزَ أن تكون ناقصة على حذف الخبر، أي: إن كان ذو عسرة غريمًا لكم، والوجه هو الأول (٤). وقرئ: (وإن كان ذا عسرة) (٥) على أنها ناقصة أي: وإن كان الغريم ذا

стр. 596

عسرة، والرفع أجود لما فيه من التعميم. ﴿فَنَظِرَةٌ﴾: الفاء جواب الشرط، وهي خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: فالحكم أو فالأمر نظِرة. والنظِرةُ بكسر الظاء: التأخير. وأَنظرتُه إنظارًا، أخرته، وقرئ: (فَنَظْرَةٌ) بإسكان الظاء (١) استخفافًا. وقرئ أيضًا: (فَنَاظِرْهُ) على الأمر (٢)، على معنى: فسامحه بالنَّظِرَةِ. ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ إلى يسار. وقرئ أيضًا: (فناظِرَةٌ) بألف بعد النون (٣)، قيل: وهي مصدر كالعاقبة والعافية. وقرئ أيضًا: (فناظِرُهُ) بكسر الظاء ورفع الراء والهاء (٤)، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: فصاحبُ الحقِّ ناظِرُهُ، أي منتظره. وأما (ميسَرة) و (ميسُرة) بفتح السين وضمها فلغتان، كمَقْبَرَة ومَقْبُرَة، ومشرَفة ومشرُفة، وقد قرئ بهما (٥). وقرئ أيضًا: (إلى مَيْسُرِهِ) بضم السين مضافًا بحذف التاء عند الإضافة (٦)، إذ ليس في الكلام (مَفعُلٌ) بغير هاء، أو أراد إلى ميسوره،

стр. 597

فَحَذَفَ الواوَ اجتزاء بضمة ما قبلها عنها. و (إلى) متعلقة (بنظرة). ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: مبتدأ وخبر. وقرئ: (وأن تَصدقوا) بتخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين وبتشديدها على إدغامها فيها بعد قلبها صادًا (١). ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾. قوله : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ أي: عقابَ يومٍ، أو جزاءَ يوم، فحُذف المضاف. ﴿تُرْجَعُونَ﴾: قرئ: (تَرجِعون) بفتح التاء وكسر الجيم على البناء للفاعل، وبضمها وفتح الجيم على البناء للمفعول (٢)، يعضد الأولى: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٣) وينصر الثانية: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ (٤). ورَجَعَ يتعدى ولا يتعدى. وقرئ: (يُرجعون) بالياء النقط من تحته (٥) على طريقة الالتفات. والجملة في موضع النصب على النعت لقوله: ﴿يَوْمًا﴾. ﴿ثُمَّ تُوَفَّى﴾: عطف على ﴿تُرْجَعُونَ﴾ في موضع النصب أيضًا صفة ليوم، وحُذف منها (فيه) لدلالة الأول عليه. وقوله: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ أي: جزاءَ ما كسبتْ. و ﴿مَا﴾: يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية.

стр. 598

﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: في محل النصب على الحال من ﴿كُلُّ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾. قوله : ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن يكون نعتًا لِدَين. ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾: الفاء جواب ﴿إِذَا﴾، والهاء للدَّين. ﴿بِالْعَدْلِ﴾: يحتمل أن يكون في موضع رفع على أن يكون صفة لقوله: ﴿كَاتِبٌ﴾، أي: كاتب مأمون على ما يكتب، وأن يكون في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿كَاتِبٌ﴾. ﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾: في موضع نصب بقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ﴾. ﴿كَمَا عَلَّمَهُ﴾: الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: ولا يمتنع أحدٌ من الكَتبَةِ أن يكتب كتابةً مِثْلَ ما علمه الله، وقيل: هو متعلق بقوله: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ وقد تم الكلام عند قوله: ﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾، أي فليكتب

стр. 599

مثلَ ما علمه الله (١). و (ما) موصول وعائده محذوف، أي: كما علمهوهُ اللَّهُ إنْ قَدَّرْتَه متصلًا، أو: كما علمه الله إياه إن قدرته منفصلًا. والهاء في ﴿عَلَّمَهُ﴾ تعود على الكاتب. ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾: الإملال والإِملاء لغتان فاشيتان، يقال: أمللت عليه الكتاب، وأمليتُه عليه (٢). وقد ورد بهما الكتاب العزيز، قال الله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ (٣)، وقال: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ (٤). ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾: (منه) يحتمل أن يكون متعلقا بقوله ﴿وَلَا يَبْخَسْ﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن يكون في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿شَيْئًا﴾، أي: ولا يبخس شيئًا كائنًا منه، أي من الحق، والبخس: النقص. ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ﴾: في موضع نصب لكونه عطفًا على خبر كان، أي: فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا محجورًا عليه لتبذيره وجهله بالتصرف، أو ضعيفًا صبيًّا، أو شيخًا مُخْتَلًا، أو غير مستطيع للإِملال بنفسه لِعِيٍّ به، أو خَرَسٍ على ما فسر (٥). وقوله: ﴿أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ ﴿هُوَ﴾: ها هنا توكيد للمستكن في ﴿يُمِلَّ﴾. ﴿فَلْيُمْلِلْ﴾: الفاء وما بعدها جواب الشرط. ﴿وَلِيُّهُ﴾: الذي يلي أمره من وصي أو وكيل. ﴿بِالْعَدْلِ﴾: أي ملتبسًا به، فيكون في موضع نصب على الحال،

стр. 600

ويحتمل أن يكون مفعولًا به وتكون الباء مزيدة، كأنه قيل: فليمللِ العَدْلَ. ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن يكون صفة لشهيدين. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾: الألف للشهيدين، أي: فإن لم يكن الشهيدان رجلين، ولم يُردْ عدم الرجال، إذ لو كان كذلك لقال: فإن لم يكن رجلان. وإنما المعنى: إنِ اتفق أَلّا يكونَ المُستشهَدانِ رجلين. ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ فليشهد رجل وامرأتان، أو فالمُستشهَد رجل وامرأتان، أو فرجل وامرأتان يشهدون. وقرائن الأحوال تدل على هذه الأوجه، وجاز أن يكون المبتدأ هنا نكرة؛ لأن المعنى معنى الأمر، أعني على الوجه الثالث. ويجوز في الكلام نصب رجل وامرأتين على تقدير: فاستشهدوا رجلًا وامرأتين. والجمهور على تحريك الهمزة من (امرأَتان). وقرئ: (وامرأْتان) بإسكان الهمزة (١). وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون خفف الهمزة على غير قياس، كما قال: ١١١ - سَاْلَتْ هُذَيْلٌ .............. ... .......................... (٢) ثم أبدل من الألف همزة، كما قالوا: خَأْتَمٌ، وعألمٌ (٣). والثاني: أن يكون أسكن الهمزة تخفيفًا كراهة اجتماع الحركات، والذي جَسَّرَهُ على ذلك - وإن كان المفتوح لا يُسكن، لخفة الفتحة في حال السعة والاختيار - كون الحركة على الهمز، والهمز حرف ثقيل، وقد جُوّز فيه ما لا يجوز في غيره من سائر الحروف، فاعرفه.
следующие страницы →