و ﴿كَذَّبُوا﴾: في موضع نصب على الحال، وقد معها مرادة، ولك أن تجعل ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و ﴿كَذَّبُوا﴾ الخبر. وأَنْ تُجْعَلَ (١) خَبَرَ مبتدأٍ محذوف، أي: هم كذبوا. ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
وقوله: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾: الباء للسببية، أي: بسبب ذنوبهم.
﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: اسم الفاعل مضاف إلى الفاعل (٢)، أي: شديدٌ عقابُهُ. وقيل: ﴿شَدِيدُ﴾ هنا بمعنى مُشدَّدٍ. وفَعِيل قد يكونُ بمعنى مُفَعِّلٍ ومُفعَّلٍ، فيكون على هذا مضافًا إلى المفعول (٣).
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)﴾:
قوله : ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ قرئ بالتاء النقط من فوقه على الخطاب، أي: أخبِرْهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم، أي: واجِهْهم بذلك. وبالياء النقط من تحته على لفظ الغَيْبَةِ (٤)، لأنهم غَيَب، أي: بلغْهم وَأَدِّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك: (سيغلبون ويحشرون). ويعضده: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٥).
﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ المهاد: رفع بقوله: (بئس)، وهو فِعالٌ بمعنى مفعول، والمخصوص بالذم محذوف، أي: بئس الممهود جهنم (٦).
стр. 632
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾:
قوله : ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ آية: اسم كان، ولم تلحق علامة التأنيث في ﴿كَانَ﴾، لأن التأنيث غير حقيقي، أو للفصل، أو لأن الآية والبيان بمعنًى، كما أن الصيحة والصوت كذلك. و ﴿لَكُمْ﴾ الخبر. و ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ في موضع رفع صفة لآية.
ولك أن تجعل الخبر: ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾، و ﴿لَكُمْ﴾ في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿آيَةٌ﴾.
وقد جوز أن تكون ﴿كَانَ﴾ تامة (١).
﴿الْتَقَتَا﴾: فعل وفاعل في موضع الصفة لفئتين.
﴿فِئَةٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي: إحداهما فئة. ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ أي: وفئة أخرى كافرة.
قال أبو إسحاق: والفئة في اللغة الفِرقة، وهي مأخوذة من فَأَوْتُ رأسَهُ وفَأَيتُه، إذا فلقته (٢).
وقرئ في غير المشهور: (فئةٍ تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرةٍ) بالجر فيهما (٣) على البدل من ﴿فِئَتَيْنِ﴾، وأنشد صاحب الكتاب:
стр. 633
١١٨ - وكُنتُ كذِي رِجْلينِ رِجْلٍ صحيحةٍ ... ورجْلٍ رَمَى فيها الزَّمانُ فَشَلَّتِ (١)
بالجر فيهما على البدل من رِجْلين.
و: (فئةً تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرةً) بالنصب (٢) على الاختصاص، أو على الحال من الضمير في قوله: ﴿الْتَقَتَا﴾، أي: التقتا مختلفتين (٣).
وقوله: ﴿تُقَاتِلُ﴾ في موضع الصفة لفئة على الأوجه الثلاثة.
وقيل: ﴿فِئَةٌ﴾ وما عطف عليها على قول من رفع بدَلٌ من الضمير في قوله: ﴿الْتَقَتَا﴾ (٤).
﴿يَرَوْنَهُمْ﴾: في موضع الصفة لـ ﴿وَأُخْرَى﴾ على الأوجه المذكورة على قراءة من قرأ بالياء النقط من تحته، فأما من قرأ بالتاء النقط من فوقه (٥)، فإنه في موضع الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أنتم ترونهم. وقيل: في موضع نصب على الحال من الكاف والميم في ﴿لَكُمْ﴾ (٦).
﴿مِثْلَيْهِمْ﴾: نصب على الحال، لأن الرؤية هنا من رؤية العين، بشهادة قوله تعالى: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ يعني: رؤية ظاهرة مكشوفة لا لَبْسَ فيها مُعايَنَةً كسائر المعايَنات، وأيضًا فإن رؤية القلب عِلْمٌ، ومُحال أن يُعلَم الشيءُ شيئين، وإنما ذاك شيء يختص بالعَين (٧).
стр. 634
و ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾: نصب على المصدر، وهو مصدر مُؤَكِّدٌ على ما ذكرت الآن.
وقرئ في غير المشهور: (يُرونهم) بالياء والتاء مضمومَ الأول على البناء للمفعول (١) من أُرِيَ (٢)، إذا دلَّه عليه غيره، أي: يريهم الله ذلك بقدرته. والضمير المنصوب في (ترونهم) يعود على الفئة الأخرى الكافرة، والمرفوع يعود على الكاف والميم في ﴿لَكُمْ﴾، هذا على قراءة من قرأ بالتاء، فأما من قرأ بالياء، فإنه يعود على الفئة المقاتلة في سبيل الله، وفيه خلاف.
وفي هذه الآية وجوه من الإِعراب والمعاني على قدر الاختلاف في رجوع الضمائر في قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾، وقد أوضحت ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة، فأغنَى ذلك من الإِعادة هنا.
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾:
قوله : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ الجَمُّ الغَفير على ضم الزاي وكسر الياء ورَفْعِ ﴿حُبُّ﴾ به على البناء للمفعول.
وقريء: (زَيَّن) بفتح الزاي والياء ونصب (حُبَّ) على تسمية الفاعل (٣).
واختلف في المُزَيِّن. قيل: هو الله تعالى للابتلاء، كقوله: ﴿إنَّا
стр. 635
جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ (١). وعن الحسن: الشيطانُ واللَّهِ زينها لهم بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها، لأنَّا لا نعلَمُ أحدًا أَذَمَّ لها من خالقها (٢).
وحُركت الهاء من ﴿الشَّهَوَاتِ﴾ لكونها اسمًا غير صفة، وقد أجيز إسكانها لأن بعدها واوًا (٣). والشهوة: ما تدعو النفس إليه، وفعلها: شَهِيَ يَشْهَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر شَهْوةً. والشهوة هنا هي المُشْتَهَى، سمي بالمصدر.
﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾: في موضع نصب على الحال من ﴿الشَّهَوَاتِ﴾، و ﴿مِنَ﴾ لبيان الجنس، وقد جوز أن تكون لابتداء الغاية، وذلك إذا جعلت الشهوة مصدرًا، ولم تُجعل بمعنى المشتهَى، وأن تكون للتبعيض.
﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾: جمع قنطار. واختلف في نون قنطار، فقيل: أصلٌ ووزنه فِعلالٌ كحِملاقٍ (٤). وقيل: مزيدة، ووزنه فنعال (٥). واشتقاقه: من قَطَر يَقْطُرُ، إذا جَرَى، والذهب والفضة تُشَبَّهان بالماء في الكثرة وسرعة التقلب. والقنطار: المال الكثير (٦) قيل: ملء مَسْكِ ثورٍ (٧). وقيل: مائة
стр. 636
ألف دينار (١)، وقيل غير ذلك (٢).
﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾: مأخوذة من لفظ القنطار للتوكيد، كما تقول: بَدْرَةٌ مُبَدَّرةٌ، وأَلْفٌ مُؤَلَّفٌ، أي: تام.
﴿مِنَ الذَّهَبِ﴾: في موضع نصب على الحال من المقنطرة.
﴿وَالْفِضَّةِ﴾ عطف على ﴿الذَّهَبِ﴾.
﴿وَالْخَيْلِ﴾: عطف على ﴿النِّسَاءِ﴾، وقيل: عطف على الذهب والفضة، وهو سهو؛ لأن الخيل لا تسمى قنطارًا. والخيل: اسم الجنس لا واحد له من لفظه، وأما من غير لفظه فواحدُه فرس.
وعن ابن كيسان: أنه قال: حُدِّثْتُ عن أبي عبيدة أنه قال: واحد الخيل خائل، مثل طائر وطير، وقيل: له خائل، لأنه يختال في مِشيته (٣).
قيل: وسمي الذهب ذهبًا لِذَهابه، والفضة فضة لانفضاضه وهو التفرق (٤).
و﴿مِنَ﴾: للتبيين، وقيل: للتبعيض، أعني ﴿مِنَ الذَّهَبِ﴾.
﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾: نعت للخيل، والمسومة: المعلمة، من السُومةِ وهي العلامة، وقيل: المسومة: المُطَهَّمَة، والتطهيم: التحسين. وقيل: المسومةُ: المَرْعِيَّةُ، يقال: سامت الدابة، إذا رعت، فهي سائمة، وأَسَمْتُها أنا وسَوَّمتها.
﴿وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾: عطف على الخيل. والأنعام: الأزواج الثمانية
стр. 637
على ما فسر (١). والحرث: مصدر بمعنى المحروث، كضَرْبِ الأَميرِ.
﴿ذَلِكَ﴾: الإِشارة إلى المذكور، أي: ذلك المذكورُ متاعُ الحياةِ الدنيا.
و﴿الْمَآبِ﴾: مَفْعَلٌ من آبَ يَؤُوبُ أَوْبًا وأَوْبَةً وإيابًا، إذا رجع، والمآب: المرجع، وأصل آب: أَوَبَ، أُعِلَّتْ بالقلب، والأصل في المآب: المَأْوَبُ، نقلت حركة العين إلى الفاء، وقلبت الواو ألفًا نظرًا إلى أصلها، كما فعل بمقال ومعاش.
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾:
قوله : ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ أصل ﴿قُلْ﴾: اقوُل، نقلت حركة الواو إلى القاف لاستثقالها في الواو، فتحركت القاف (٢)، فسقطت ألف الوصل فصار قُوْل، فلما سكنت اللام للأمر، التقى ساكنان: الواو واللام، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين. وفي هذا وشبهه كلام لا يليق ذكره هنا.
﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾: متعلق بخير.
﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾: ﴿جَنَّاتٌ﴾ مبتدأ. و ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الخبر. ﴿تَجْرِي﴾: في موضع الصفة لجنات. و ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: ظرف للاستقرار الذي هو الخبر، ولك أن تجعله في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿جَنَّاتٌ﴾. ولك أن تعلق اللام من ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بخير، و ﴿جَنَّاتٌ﴾ على هذا خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أو ذلك جنات.
стр. 638
والجمهور على رفع جنات، وقرئ: (جناتٍ) بالجر (١) على البدل من قوله: ﴿بِخَيْرٍ﴾. وهذه القراءة تعضد الوجهَ الأخيرَ، وهو تعلق اللام ﴿بِخَيْرٍ﴾، وارتفاع ﴿جَنَّاتٌ﴾ على خبر مبتدأ محذوف. وقد أجاز ابن كيسان: أن يكون ﴿جَنَّاتٌ﴾ منصوبًا بإضمار أعني (٢).
قال الرماني: ولا يحسن أن يكون بدلًا من موضع ﴿بِخَيْرٍ﴾، لأن الباء ليست بمزيدة، كما لا يحسن مررت برجل زيدًا.
﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلق بتجري، ولك أن تجعلها حالًا من ﴿الْأَنْهَارُ﴾ لكون العامل فعلًا، أي: تجري الأنهار مستقرة تحتها.
﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الضمير في ﴿اتَّقَوْا﴾ على حَدِّ: معه صقر صائدًا به غدًا. فإن قلتَ: ما منعك أن تجعله حالًا من المستكن في الظرف، كما زعم بعضهم؟ (٣) قلت: منعني فساد المعنى، لأن المستكن في الظرف هو للجنات، والمقصود بالوصف بالخلود: أصحاب الجنة لا الجنات.
ولك أن تجعله حالًا من (الذين) المجرور باللام (٤)، والعامل فيها الاستقرار، وهو الجيد وعليه المعنى، فاعرفه.
﴿وَأَزْوَاجٌ﴾: عطف على ﴿جَنَّاتٌ﴾ على قول من رفع، ومَن جَرَّ فعلى تقدير: ولهم أزواج.
﴿وَرِضْوَانٌ﴾: عطف أيضًا، وهو مصدر رضِي يرضَى بكسر العين في
стр. 639
الماضي وفتحها في الغابر رِضًا ورُضوانًا بكسر الراء وضمها، وقد قرئ بهما (١).
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ يحتمل أن يكون في موضع نصب على المدح، وأن يكون في موضع رفع على إضمار: هم الذين. وأن يكون في موضع جر صفة ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أو للعباد على معنى: أنه عالم بهم وبأحوالهم، فلذلك أعدَّ لهم الجنات.
﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾:
قوله : ﴿الصَّابِرِينَ﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ (٢)، أو صفة لهم إذا جعلتَ في موضع نصب أو جر، وإن جعلتَ في موضع رفع نصبتَ ﴿الصَّابِرِينَ﴾ على المدح، وما بعده عطف عليه. فإن قلت: لم دخلت الواو بين هذه الصفات؟ قلت: قيل: للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها (٣).
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾:
قوله : ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ أي: علم الله، وبَيَّنَ اللَّهُ، لأن الشاهد هو العالم الذي يُبَيِّنُ علمَه، عن أبي إسحاق (٤).
والجمهور على قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ وهو فعل وفاعل، وقرئ: (شُهَداءَ للَّهِ) بضم الشين وفتح الهاء ممدودة على فُعَلاء، وفتح الهمزة وزيادة لام مع
стр. 640
الجلالة (١)، وهو جمع شهيد ككرماء في جمع كريم، وقد جُوز أن يكون جمع شاهد، كعلماء في جمع عالم، وانتصابه على الحال من المنوي في ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ (٢)، أي: يستغفرونه شهداء لله بأنه لا إله إلا هو.
وقرئ كذلك، غير أنه رُفِعَ على: هم شهداءُ له. وقرئ أيضًا كذلك، غير أنه أضيفَ، أي: هم شهداؤه (٣).
﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾: على هذه القراءاتِ الثلاثِ عطفٌ على المستكن في (شهداء). والذي سوغ ذلك الفاصل الذي بينهما.
وقوله: ﴿أَنَّهُ﴾ أي: بأنه، ثم نزع منه الجار فَنُصِبَ، فهو في موضع نَصْبٍ لعدم الجار، أو جر على إرادته نظرًا إلى اللفظ دون المعنى، وإن نظرتَ إلى المعنى وهو عَلِمَ لم تحتج إلى إضمار الجار وفتحتَ أَنَّ بـ ﴿شَهِدَ﴾ نفسه، ويأتي عليها الكلام بعدُ إن شاء الله.
﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾: واحده: ذو، وأولات واحدها: ذات.
﴿قَائِمًا﴾: منصوب على الحال إما من اسم الله تعالى، أي: عَلِمَ الله مقيمًا للعدل في جميع ما يفعل، وإما من المستكن في الخبر المحذوف والعامل فيها الاستقرار، وإمّا من (هو) الواقع بعد حرف الإِيجاب، والعامل فيها معنى الجملة، أي: تفرد قائمًا، وهي حال مؤكِّدة، كقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (٤) على الأوجه المذكورة، وقد جوز فيه وجهان آخران:
أحدهما: أن يكون منصوبًا على المدح وإن كان نكرة، كقوله - أنشده صاحب الكتاب -:
стр. 641
١١٩ - ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ ... وشُعْثًا مَراضِيعَ مِثْلَ السَّعالِي (١)
فنصب (شُعثًا) على المدح وهو نكرة كما ترى، وهو جمع شَعْثاء، وهي التي لا تُسَرِّحُ رأسها ولا تدهنه.
والثاني: أن يكون صفة للمنفي؛ لأنهم قد يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف، كأنه قيل: لا إله قائمًا بالقسط إلّا هو. وعن عبد الله ﵁ (القائمُ بالقسط) مرفوعًا معرفًا (٢) على أنه بدل من ﴿هُوَ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف.
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قرئ بكسر الهمزة على أنها جملة مستأنفة، وبفتحها (٣) على أنها بدل من الأولى، كأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، والبدل هو المبدل منه في المعنى، فكان بيانًا صريحًا، لأن دين الإسلام هو التوحيد والعدل.
стр. 642
والجمهور على فتح الهمزة من ﴿أَنَّهُ﴾ على أن الفعل وهو ﴿شَهِدَ﴾ (١) واقع عليها، وقرئ: (إنه)، و (أَن الدين) بكسر الأولى وفتح الثانية (٢) على إعمال شهد في (أن الدين) وما بينهما اعتراض مؤكد، فيجوز الفتح والكسر فيهما جميعًا. ويجوز فتح الأولى وكسر الثانية وعليه الجمهور (٣). وكسر الأولى على ما ذكرت آنفًا من الاعتراض، وفتح الثانية بوقوع الفعل عليها.
فإن قلت: ما محل (أن الدين) على قراءة من فتح الهمزة؟ قلت: يحتمل أن يكون نصبًا، وأن يكون جرًا إذا جعلته بدلًا من ﴿أَنَّهُ﴾ على ما ذكرت قبيل، وإن جعلته بدلًا من القسط كان جرًا لا غير.
﴿الْإِسْلَامُ﴾: خبر إن. و ﴿عِنْدَ﴾: ملغًى متعلق بمعنى الخبر (٤).
﴿بَغْيًا﴾: يحتمل أن يكون مفعولًا له، أي: اختلفوا بعد مجيئهم العلم للبغي. وأن يكون حالًا، أي: اختلفوا باغين. وقيل: مصدر مؤكِّد لفعله (٥)، وفعله محذوف، أي: بَغَوا بغيًا. والعلم هنا بمعنى المعلوم (٦).
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾: مَن شرطية في موضع رفع بالابتداء، واختلف في الخبر، فقيل: ﴿يَكْفُرْ﴾، وقيل: الجملة من الشرط والجزاء. وقيل: الجواب، وهو ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، أي: سريع الحساب له. وقد
стр. 643
جوز رفع ﴿يَكْفُرْ﴾ على أن تجعل (مَن) موصولة (١).
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾:
قوله : (ومَن اتَّبَعَنِي) (٢) (مَن): موصولة في موضع رفع إما على الفاعلية عطفًا على التاء في ﴿أَسْلَمْتُ﴾ وهو الوجه، [أي: وأسلم من اتبعني وجوههم له، والذي سوغ ذلك من غير توكيد: الفاصلُ] (٣)، وإما على الابتداء والخبر محذوف، أي: ومن اتبعني أسلموا وجوههم لله، أو: أسلم وجهه لله. ويحتمل أن تكون الواو بمعنى مع، فتكون مفعولًا (٤) معه.
ومن بِدع الأقاويل قول من قال: إنه في موضع خفض عطفًا على اسم الله (٥)، إلا أن يتعسف ويقول متأولًا: جعلتُ مقصدي لله بالإِيمان به والطاعة له، ولمن اتبعني بالحفظ له والنظر إليه بما يزينه ولا يشينه.
قوله تعالى: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الأمر، أي: أسلِموا. قيل: والمعنى: أنه قد أتاكم من البينات والحُجَج ما يوجب الإسلام، فهل أسلمتم أم أنتم بعدُ على كفركم؟ كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٦)
стр. 644
بعدما ذَكَرَ الصوارف عن الخمر والميسر، على معنى: انتهوا (١)، بشهادة قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بعدما طَرَقَ أذنيه: "انتهينا يا رب انتهينا" (٢).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾ ﴿مِنَ النَّاسِ﴾.
﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، ودخلت الفاء في خبرها لتضمن اسمها معنى الجزاء لكونه موصولًا بالفعل مع إنَّ، ولا تُغَيِّرُ معنى الابتداء، فوجودها وعدمها سيان، كأنه قيل: الذين يكفرون فبشرهم، بمعنى: من يكفر فبشرهم، ولو كان مكانها ليت أو لعلّ لم تدخل الفاء بالإجماع، لتغير معنى الابتداء، أي: فأخبرهم بعذاب مؤلمٍ يصل ألمه إلى قلوبهم (٣).
وقرئ: (ويَقْتُلُونَ الذين) و (يُقاتِلون الذين) (٤). وقد ذكرتُ وجهَ ذلك في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع ما يكون (٥).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ
стр. 645
بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾:
قوله : ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ (نصيبًا) مفعول ثان للإِيتاء. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: في موضع نصب على الصفة لقوله: ﴿نَصِيبًا﴾. و ﴿مِنَ﴾ يحتمل أن تكون للتبيين، وأن تكون للتبعيض.
﴿يُدْعَوْنَ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿أُوتُوا﴾، أي: أوتوا مَدْعُوِّين.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾: اللام متعلقة بقوله: ﴿يُدْعَوْنَ﴾.
﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: في موضع نصب على الحال من ﴿فَرِيقٌ﴾، لكونهم قد وصفوا بقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾، والمعنى: يتولى فريق منهم عن الداعي وهم معرضون عن المدعو إليه.
والجمهور على فتح ياء قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ مع ضم الكاف على البناء للفاعل وهو الكتاب، وقرئ: (لِيُحْكَم) بضمها مع فتح الكاف على البناء للمفعول (١).
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾:
قوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ (ذلك): مبتدأ، و ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: خبره، والإِشارة إلى التَوَلِّي والإِعراض، أي: ذلك التولي والإِعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب، وطمعهم في الخروج من النار بعد أيامٍ قلائلَ (٢).
و﴿أَيَّامًا﴾: ظرف لقوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾.
стр. 646
وقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿مَا﴾: مصدرية في محل الرفع لكونه فاعل غَرَّ، أي: وغرهم افتراؤهم. قيل: وافتراؤهم هو قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ (١) وقيل: بل قولهم: [إن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم (٢). وقيل: بل قولهم: ] (٣) ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٤).
والافتراء: اختلاق الكذب، وأصله: من فَرَى الأديمَ يفرِي فريًا، إذا قطعه وشقه.
﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾:
قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ (كيف): ظرف وعامله محذوف، أي: كيف يصنعون؟ أو كيف يكون حالهم (٥)؟ وهو استعظام لما أُعِدَّ لهم وتهويل لهم، وأنهم يقعون في خطب عظيم.
و﴿إِذَا﴾: ظرف أيضًا لهذا المحذوف المذكور آنفًا.
﴿لِيَوْمٍ﴾ أي: لجزاء يوم، أو لحساب يوم، فحذف المضاف.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: في موضع جرٍّ صفة ليوم، أي: في وقوعه، أو في جزائه، وقيل: في الجمع فيه.
﴿مَا كَسَبَتْ﴾ ﴿مَا﴾ في موضع نصب مفعول ثان لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ﴾، أي: جزاء ما عملت من خير أو شر.
стр. 647
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿كَسَبَتْ﴾ الراجع إلى ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾، لأنه في معنى كل الناس.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾:
قوله : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ الميم في ﴿اللَّهُمَّ﴾ عوض من (ياء) في أوله، والأصل: يا أللَّهُ، ولذلك لا يجتمعان في حال السعة. والضمة في الهاء ضمة الاسم المنادى المفرد، وفتحت الميم لسكونها وسكون الميم التي قبلها، هذا مذهب صاحب الكتاب والخليل (١). قيل: وهذا بعض خصائص هذا الاسم، كما اختُصَّ: بالتاء في القَّسَم، وبدخول حرف النداء عليه وفيه لام التعريف، وبقطع همزته في يا الله.
﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾: نداء ثان، أي: يا مالكَ الملك، ولا يجوز أن يكون صفة لقوله: ﴿اللَّهُمَّ﴾ عند صاحب الكتاب وموافقيه، لأنه قد لحقه شبه الصوت، والأصوات لا توصف كـ (غاقِ) (٢) وشبهه (٣).
وأجاز ابن السَّرَّاج، والزَّجَّاج وغيرهما من البصريين والكوفيين أن يكون ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ نعتًا لقوله: ﴿اللَّهُمَّ﴾، قائلين: إِن الاسم ومعه الميم بمنزلته ومعه (يا)، فكما يجوز أن يوسف ومعه (يا) كذلك يجوز أن يوصف ومعه الميم، ونظيره: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ (٤).
стр. 648
قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ اختلف فيه، وفيما عطف عليه، فقيل: في موضع نصب على الحال من المستكن في المنادى، وقيل: مستأنف، وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي: أنت تؤتي، والتقدير: تؤتي الملك من تشاء أن تؤتيه، وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه، فحُذف لحصول العلم به، كما تقول: خذ ما شئت واترك ما شئت.
﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾: حكمها حكم ما قبلها، وكذا ﴿تُولِجُ اللَّيْل﴾ وما عطف عليها حكمها حكم ما قبلها من الجمل.
قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿تَشَاءُ﴾، أي: تشاء غيرَ محاسبٍ له، أو غيرَ مُضَيقٍ عليه، أو مِن مفعوله المحذوف أي: تشاؤه غير محاسب.
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾:
قوله : ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع الصفة لأولياء.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع نصب على الحال لتقدمه على الموصوف وهو ﴿فِي شَيْءٍ﴾، والتقدير: فليس في شيء من دِين الله. ولك أن تجعل ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبر ليس، و ﴿فِي شَيْءٍ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في الخبر.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا﴾ (أن تتقوا): في موضع نصب لكونه مفعولًا له، أي: إلَّا للاتقاء، أو مخافة الاتقاء.
﴿تُقَاةً﴾: مصدر بمعنى المُتَّقَى، كضَرْبِ الأميرِ لمضروبه، ولك أن
стр. 649
تنصبها على المصدر، على تضمين ﴿تَتَّقُوا﴾ معنى تحذروا وتخافوا، فيتعدَّى بمن، والمعنى: إلَّا أن تخافوهم خوفًا.
ووزن ﴿تُقَاةً﴾ فُعَلَةٌ، وأصلها: وُقَيَةٌ، فأبدلت الواو تاءً لانضمامها ضمًا لازمًا، كما فعل بتُجاهٍ وتُكأَةٍ (١) لما ذكرت آنفًا، فصارت تُقَيَةٌ، فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فرجعت تُقاة كما ترى (٢). وقد جُوّز أن تكون جمع تقي، ككماة في جمع كمي، فيكون حالًا من الفاعل في ﴿أَنْ تَتَّقُوا﴾ والمعنى: إلا أن تحذروهم متقين، فاعرفه فإنه موضع مشكل (٣).
وقرئ: (تَقِيَّةً) (٤)، وهي فعيلة من وَقَى، والتاء بدل من الواو أيضًا، والتقية: الإظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على النفس (٥).
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: الجملة مستأنفة، والتقدير: عَذَابَ نفسِه، وبَطْشَ نفسِه، فحُذف المضافُ. والنفسُ: الذاتُ، والمعنى: فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه.
وكذا: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جملة مستأنفة أيضًا.
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾:
قوله : ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ (يوم): يحتمل أن يكون مفعولًا به، أي:
стр. 650
اذكر يا محمد يوم تجد. وأن يكون ظرفًا، واختلف في العامل، فقيل: ﴿قَدِيرٌ﴾ (١). وقيل: ﴿الْمَصِيرُ﴾ (٢). وقيل: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾ (٣) وليس بشيء، لأنَّ تحذيرَ اللَّهِ تعالى عبادَهُ إنما هو في الدنيا لا في الآخرة (٤)، ولكن يكون العامل فيه مفعول التحذير على قياس قول أبي إلسحاق، لأنه قال في قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ تقديره: عقاب نفسه (٥)، فيكون العامل فيه هذا المحذوف لا قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾ لما ذكرت آنفًا، فاعرفه (٦).
وأصل ﴿تَجِدُ﴾ تَوْجِد، ولكن لما حذفت الواو في يجد لوقوعها بين ياء وكسرة، أُتبع سائر حروف المضارعة الياء في الحذف، ليجري الباب على سَنن واحد (٧).
﴿مَا عَمِلَتْ﴾: (ما) يحتمل أن تكون موصولة وعائدها محذوف، أي: عملته. وأن تكون مصدرية أي: عملها، وهي في كلا التقديرين في موضع نصب بقوله: ﴿تَجِدُ﴾ المتعدي إلى مفعول واحد (٨).
و﴿مُحْضَرًا﴾: منصوب على الحال، إما من العائد المحذوف إن جعلت
стр. 651
(ما) موصولة، أو من (ما) إن جعلتها مصدرية، والعامل على الوجه الأول: ﴿عَمِلَتْ﴾. وعلى الثاني: ﴿تَجِدُ﴾.
والجمهور على فتح ضاد قوله: ﴿مُحْضَرًا﴾ لكونه مفعولًا، وقرئ: (محضِرًا) بكسر الضاد (١) على أنه اسم فاعل على معنى: أن عمله يُحْضره دارَ الخلد، أو يُسرع به. يقال: أَحْضرَ الفرسُ، إِذَا أسرع في العَدْو، وإما من الحضور وهو نقيض الغَيبة، وإما من الحُضْرِ وهو العَدْوُ، فاعرفه (٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ يجوز لك فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تجعلها موصولة في موضع نصب عطفًا على (ما) الأولى، فيكون ﴿تَوَدُّ﴾ حالًا إما من المستكن في ﴿تَجِدُ﴾ المحذوف، وإما من المستكن في ﴿عَمِلَتْ﴾، فتكون على هذا حالًا مُقَدَّرة، أي: وتجد الذي عملتْه أو عَمَلها محضرًا وَادَّةً تباعد ما بينها وبين ذلك اليوم، أو عمل السوء.
والثاني: أن تجعلها مستأنفة في موضع رفع بالابتداء، و ﴿تَوَدُّ﴾ خبره، أي: والذي عملته من سوء تود هي لو تباعد ما بينها وبينه.
والثالث: أن تجعلها شرطية في موضع رفع بالابتداء أيضًا والخبر ﴿عَمِلَتْ﴾ أو ﴿تَوَدُّ﴾، على الخلاف المذكور في غير موضع (٣).
فإن قلتَ: لو كانت شرطية كما زعمت لكان ﴿تَوَدُّ﴾ مفتوحًا أو مكسورًا على الجواب، وارتفاعه يدل على بطلان ما ذكرتَ. قلتُ: أجلْ، الأمرُ كما زعمتَ لو كان الشرط مضارِعًا، والشرط هنا ماض كما ترى، وإذا كان الشرط ماضيًا والجواب مضارعًا، كقولك: إن أتيتني أكرمك، جاز لك فيه الرفع والجزم، أما الرفع فلأجل أن الجزاء تابع للشرط، فلما لم يظهر الجزم
стр. 652
في الشرط حيث كان ماضيًا، حمل الجواب عليه فلم يجزم، وترك على أول أحواله وهو الرفع، فهو مرفوع في اللفظ مجزوم في المعنى، قال زهيرٌ (١):
١٢٠ - وإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَومَ مَسْأَلةٍ (٢) ... يَقُولُ لا غائبٌ مَالي ولا حَرِمُ (٣)
فرفع (يَقُولُ) كما ترى. وأما الجزم فعلى الظاهر، لأجل أن الأصل أن تجزم، وإنما لم تجزم الشرط لامتناع الجزم في الماضي.
وأنكر الزمخشري، والرماني، وأبو جعفر المهدوي (٤) أن تكون ﴿مَا﴾ هنا شرطية لارتفاع ﴿تَوَدُّ﴾، وأجازه أبو محمد (٥) بشرط جزم تود وهو سهو منهم لما ذكرت، وهو من باب اعكس تُصِبْ (٦).
و﴿أَمَدًا﴾: اسم ﴿أَنَّ﴾، والخبر الظرف. والأمد: المسافة.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾:
قوله : ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الجمهور على ضم الياء وكسر الباء،
стр. 653
وماضيه أَحَبَّ، وقرئ: (يَحبِبكم) بفتح الياء وكسر الباء (١) وماضيه حَبَّ. وعن أبي رجاء (٢): (يَحبُبكم) بفتح الياء وضم الباء (٣)، ولعله لُغيّة، أعني: حَب يَحُبُّ بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر.
وقرئ أيضًا: (تَحِبُّون) بفتح التاء (٤) من حب. و (تُحِبّون) بضم التاء وعليه الجمهور.
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾:
قوله : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يحتمل أن يكون مضارعًا داخلًا في جملة ما يقول الرسول ﷺ لهم، وأصله: فإن تتولوا، فحذف إحدى التاءين كراهة اجتماع المِثلين في صدر الكلمة، وأن يكون ماضيًا، فيكون للغيبة.
﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾:
قوله : ﴿ذُرِّيَّةً﴾ في نصبها وجهان:
أحدهما: أنها بدل من قوله: ﴿وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ (٥)، وإنما أخرج آدم منهم، لكونه ليس بذريَّةٍ.
والثاني: أنها حال منهم، أي: اصطفاهم في حال كون بعضهم من
стр. 654
بعض؛ لأن معنى ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ متشابهين (١) في الدِّين والحال، ويجوز رفعها على: تلك ذريةٌ.
والاصطفاء: افتعالٌ من الصفوة، وهو الخالص من الشوائب.
وقد مضى الكلام على أصل ذريَّة ووزنها في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾ (٢).
﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾: ابتداء وخبر، والجملة في موضع نصب على النعت لـ ﴿ذُرِّيَّةً﴾.
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)﴾:
قوله : ﴿إِذْ قَالَتِ﴾ (إذ): منصوب بإضمار: اذكر (٣). وقيل: ظرف لقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤). وقيل: لـ ﴿اصْطَفَى﴾، كأنه قيل: اصطفى آل عمران إذ قالت امرأة عمران (٥).
﴿مُحَرَّرًا﴾: منصوب على الحال من (ما) أي: مُعْتَقًا لخدمة بيت المَقْدِس، لا أستخدمه ولا أشغله بشيء، والعامل فيها ﴿نَذَرْتُ﴾، وقيل: حال من المستكن في الظرف (٦)، وضُغف هذا القول؛ لأنه لم يستقر في
стр. 655
البطن محررًا، وإنما وقع التحرير حين نَذْرِها إيَّاه كذلك، لا حين استقراره في البطن.
وإنما جيء بـ (ما) دون (مَن)، لأنه لم يكن من ذوي العقل ذلك الزمان (١).
وقيل: هو نعت لمحذوف، أي: غلامًا محررًا (٢).
وقيل: ﴿مُحَرَّرًا﴾ مُخْلَصًا للعبادة (٣)، وهو من تحرير الشيء، وهو إخلاصه من الفساد.
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾:
قوله : ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ الضمير في ﴿وَضَعْتُهَا﴾ لـ (ما) في ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾.
الزمخشري: وإنما أنث على المعنى، لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله، أو على تأويل: الحبلة، أو النفس، أو النسمة (٤).
ومعنى وَضَعَتْها: وَلَدَتْهَا، وأصل الوضع: الحَطّ.
﴿وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾: ﴿أُنْثَى﴾ حال من الضمير المنصوب في ﴿وَضَعْتُهَا﴾، والأصل: وضعته أنثى، وإنما أنث: لتأنيث الحال، لأن الحال وذا الحال لِشيءٍ واحد، كما أنث الاسم في ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ﴾ (٥) لتأنيث الخبر. وأما:
стр. 656
على تأويل الحبلة أو النسمة، فهو ظاهر، كأنه قيل: إنِّي وضعت الحبلة أو النسمة أنثى (١)، فاعرفه، ولك أن تجعلها بدلًا منه.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، قرئ: بفتح العين وإسكان التاء على أنه من قول الله تعالى تعظيمًا لموضوعها وتجهيلًا لها بقدر ما وهب لها منه (٢)، على معنى: أنّ تحت ذلك أمر (٣) هو بالغه، ولا يعلمه إلا الله، فهو معترض بين كلامَي امرأة عمران.
وقرئ: بإسكان العين وضم التاء (٤)، على أنه من كلام امرأة عمران، على معنى: ولعل لله فيه سرًّا وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر تَسليةً لنفسها، وعلى هاتين القراءتين الجمهور (٥).
وقرئ أيضًا: (والله أعلم بما وَضعْتِ) بإسكان العين وكسر التاء (٦)، على خطاب الله تعالى لها بذلك، على معنى: إنكِ لا تعلمين قدر هذا الموهوب، وما يكون منه في عظم شأنه وعلو قدره.
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ عطف على ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا﴾ وما بينهما فاصل، وسَمَّيتُ: فعل يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه وبالجار، تقول: سميت ولدي زيدًا وبزيد.
﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾: عطف على الضمير المنصوب في ﴿أُعِيذُهَا﴾.
стр. 657
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾:
قوله : ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أي: فقبلها، يقال: تَقَبَّلْتُ الشيء وقَبلْتُهُ قَبولًا بفتح القاف، ولذلك قال: ﴿بِقَبُولٍ﴾ دون التقبل تنبيهًا على ما ذكرتُ. والقَبُول بالفتح مصدر، ولم يَجِئ من المصادر على فَعول إلَّا خمسة: قَبول، ووَضوء، وطَهور، ووَلوع، ووَقود، عن صاحب الكتاب (١).
﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا﴾: يحتمل أن يكون على حذف الزيادة، كأنه قيل: أنبتها إنباتًا. وأن يكون مصدر فعل دل عليه أنبت، كأنه قيل: أنبتها فنبتت نباتًا، وهو مجاز عن التربية الحسنة.
وقرئ في غير المشهور: (فتقبلْها)، (وأنبتْها) (وكفِّلْها) على لفظ الدعاء في الأفعال الثلاثة، ونصب (رَبَّها) على النداء (٢)، تدعو بذلك، أي: فاقبلها يا ربَّها، واجعل زكرياء كافلًا لها.
(وكَفَلَها زكرياءُ) يقال: كفَل يكفُل بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر، وعليها الجمهور. وكفِل يكفَل بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، وبها قرأ بعض القراء: (وَكَفِلَها) (٣).
وقرئ: (وكفَّلها زكرياءَ) بتشديد الفاء ونصب زكرياء (٤) على أن الفعل
стр. 658
لله تعالى، بمعنى: وضمها إليه وجعله كافلًا لها وضامنًا لمصالحها، تعضده قراءة من قرأ: (وأَكْفَلَها)، وهو أُبَيٌّ ﵁ (١).
وهمزة زكرياء للتأنيث، وفيه أربع لغات: زكرياء بالمد. وزكريا بالقصر غير منون في المد والقصر، لأن ألفه ألف تأنيث. والثالثه: زَكَرِيٌّ بياء مشددة مع التنوين من غير ألف، لأنه خرج بياءَيِ النسب إلى شبه العربي، كما خرج مدائني بهما إلى شبه الواحد فانصرف لذلك. والرابعة: زَكَرٍ بمنزلة غَمٍ وشَجٍ، فتقول على هذا: رأيت زَكَرِيًّا، كما تقول: رأيت عَمِيًا وشجِيًا (٢).
وعن أبي حاتم: زَكَرِيُّ بلا صَرْفٍ، لأنه أعجمي. وخطِّيء، لأن ما فيه ياء مثل هذا منصرف بلا خلاف (٣).
وقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾، (كلما): ظرف زمان وفيه معنى الشرط، والعامل فيه ﴿وَجَدَ﴾. وقيل: (ما) مصدرية والوقت مضمر، والتقدير: كل وقت دخول.
﴿الْمِحْرَابَ﴾: مفعول ﴿دَخَلَ﴾، وأصله أن يأتي مع الجار وهو: في أو إلى، إلَّا أنه اتُّسِعَ فيه فحُذف الجار فتعدى بنفسه، فقيل: دخلت البيت، وفيه كلام لا يليق ذكره ها هنا (٤).
﴿عِنْدَهَا﴾، ظرف لـ ﴿وَجَدَ﴾، ولك أن تجعله حالًا لتقدمه على الموصوف وهو ﴿رِزْقًا﴾.
стр. 659
﴿قَالَ يَامَرْيَمُ﴾: مستأنف.
﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾: ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، و ﴿أَنَّى لَكِ﴾ الخبر، أي: من أين لك هذا؟
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾:
قوله : ﴿هُنَالِكَ﴾ أصل (هنا) أن يكون للمكان، وكذلك (٣) و (حيث)، وقد يُستَعَرْنَ للزمان، والكاف حرف للخطاب، وبها يصير (هنا) للمكان البعيد عنك، ودخلت اللام لزيادة البعد، وكسرت لالتقاء الساكنين هي والألف قبلها. وبنو تميم يقولون: هناك بغير اللام، والعامل فيه ﴿دَعَا﴾، أي: دعا في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب، أو في ذلك الوقت على ما ذكرت آنفًا في هنا.
﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: ظرف لقوله: ﴿هَبْ﴾، ويحتمل أن يكون حالًا من ﴿ذُرِّيَّةً﴾ لتقدمه عليه، وقد ذكر نظيره في غير موضع.
وقوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً﴾ أي: ولدًا. والذرية تقع على الواحد والجميع.
(سميع الدعاء): مجيبه.
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾:
قوله : ﴿فَنَادَتْهُ﴾ قرئ: بالخاء على تأويل الجماعة، أو على تأنيث لفظ الملائكة، وبغير التاء على تذكير الجمع (١).
стр. 660
وقيل: ناداه جبريل ﵇ (١)، وإنما قيل: الملائكةُ، على قولهم: فلان يركب الخيل (٢).
﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾: في موضع نصب على الحال من الهاء في ناداته. ﴿يُصَلِّي﴾: يحتمل أن يكون في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿قَائِمٌ﴾، وأن يكون في موضع رفع على أن يكون خبرًا بعد خبر، كأنه قيل: وهو قائم مصليًا أو مُصَلٍّ.
﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: قرئ بالفتح على: بأن الله، ثم حُذف الجار، فهي في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع. وبالكسر (٣) على إرادة القول، أو لأن النداء نوع من القول.
﴿يُبَشِّرُكَ﴾: قرئ بفتح الياء وضم الشين مخففًا من بشره، وبضم الياء وكسر الشين مُثَقَّلًا من بشَّر وعليهما الجمهور (٤).
وقرئ أيضًا: (يُبْشِرك) بضم الياء وكسر الشين مخففًا (٥) من أَبْشَرَ، يعضده ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ (٦) وهن لغات بمعنى واحد، قال الرماني: وكل ذلك لظهور السرور في بَشَرة الوجه.
стр. 661
﴿يَحْيَى﴾: فيه وجهان:
أحدهما: أنه أعجمي والمانع له من الصمرف العجمة والتعريف.
والثاني: أنه عربي، والمانع له من الصرف التعريف ووزن الفعل.
﴿مُصَدِّقًا﴾: حال منه، وكذا ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ على حد: معه صقر صائدًا به غدًا، وكذلك ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في موضع حال منه، أي: ناشئًا منهم، كائنًا من جملتهم.
والسيد: الذي يَسُود قومه، أي: يفوقهم في الشرف وغيره.
والحَصُور: الذي لا يأتي النساء حصرًا لنفسه، أي: منعًا لها من الشهوات. وقيل: هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر (١)، ويقال للذي يكتم سره: حَصُورٌ، لأنه يمنعه من الظهور (٢).
وأصل حصر: الحبس والمنع، ومنه الحصير، لأنه يَحْصُرُ من جلس عليه، ومنه سمي السجن حَصيرًا، وجهنم حصيرًا، ومنه حَصْرُ العدو، وإحصار المرض.
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾:
قوله : ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ (غلامٌ): اسم ﴿يَكُونُ﴾ و ﴿لِي﴾: الخبر، ولك أن تجعلها تامة، فيرتفع غلام بها على الفاعلية، و ﴿لِي﴾ على هذا متعلق بها أو بمحذوف، على أن تجعله في موضع نصب على الحال، على تقدير جَعْلِه وصفًا للغلام، فلما قُدِّم عليه نصب على الحال منه.
﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾: في موضع نصب على الحال، وعاملها ﴿بَلَغَنِيَ﴾.
стр. 662
والعاقر: التي لا تحبل، ويقال أيضًا: رجل عاقر، للذي لا يُولَد له، بيِّنُ العُقرِ بالضم.
وإنما قال: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ بلا هاء على النسب، أي: ذاتُ عُقْرٍ، وقد عَقُرتِ المرأةُ تعقُر بالضم فيهما عُقْرًا، صارت عاقرًا، وإذا لم ترد النسب قلت: عقيرة، بمعنى معقورة، كأن بها عَقْرًا يمنعها من الولد (١).
وقال هنا: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾. وقال في مريم: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (٢) والمعنى واحد، لأن ما بلغك فقد بلغته، وقوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ كقولهم: أدركتْهُ السنُّ العالية. والمعنى: أَثَّر فيَّ الكِبَرُ وأضعفني.
﴿كَذَلِكَ﴾: الكاف في موضع نصب، أي: يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مِثل ذلك الفعل، وهو خَلْقُ الولدِ من الشيخ الفاني والعجوز العاقر.
وقيل: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ مبتدأ وخبر، أي: على نحو هذه الصفةِ اللَّهُ (٣). و ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ بيان له، أي: يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات.
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾:
قوله : ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ (آيةً): مفعول أول، و ﴿لِي﴾ ثانٍ، لأن الجعل هنا بمعنى التصيير، أي: صَيِّرْ لي علامةً أعرف بها الحَبَلَ.
стр. 663
﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ﴾: (آيتك) مبتدأ، وأن وما اتصل بها الخبر.
﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾: ظرف للتكليم.
والجمهور على نصب قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ﴾ بأن الناصبة. وقرئ: (أَنْ لا تكلمُ) بالرفع (١)، فأنْ على هذه هي المخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، وهو ضمير الشأن والحديث، أي: آيتك أنه لا تكلم الناس.
﴿إِلَّا رَمْزًا﴾: نصب على الاستثناء، واختلف فيه، فقيل: هو منقطع، لأن الإِشارة ليست كلامًا. وقيل: هو متصل، لأنه يفهم منه ما يفهم من الكلام، فهو من جنس الكلام (٢). ويجوز أن يكون في موضع الحال من المنوي في ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ﴾، أي: إلّا ذا رمز، أو رامزًا.
والرمز: الإِشارة والإِيماء بالشفتين أو اليدين أو غيرهما، وأصله التحرك، يقال: ارْتَمَزَ، إذا تحرك، ومنه قيل للبحر: الراموز، وهو مصدر رمز يرمُزُ ويرمِزُ رَمْزًا، وعليه الجمهور.
وقرئ: (إِلّا رُمُزًا) بضم الراء والميم (٣)، جمع رَمُوزٍ، كرُسُلٍ في جمع رسول. وقرئ أيضًا: (إلا رَمَزًا) بفتحهما (٤)، جمع رامِز، كخادم وخدم. وهو حال منه ومن ﴿النَّاسَ﴾ دفعةً، بمعنى: إلا مُترامِزَين، كما يكلم الناسُ الأخرسَ ويكلمهم (٥).
стр. 664
وقوله: ﴿كَثِيرًا﴾ أي: ذكرًا كثيرًا، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه.
﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾: العَشي: من حين تَزول الشمسُ إلى أن تغيب، قيل: وهو مفرد، وقيل: جمع عَشِيَّة (١). والإِبكار: من طلوع الفجر إلى وقت الضحى، قال الرماني: وأصله التعجيل بالشيء.
والجمهور على كسر الهمزة، وهو مصدر أبكر يُبْكِر إِبكارًا، إذا شرع في الوقت المذكور، والتقدير: ووقت الإِبكار، وقرئ: بفتحها (٢)، وهو جمع بَكَرٍ، كَسَحَرٍ وأسحار. يقال: أتيته بَكَرًا، بفتحتين.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾:
قوله : ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: واذكر إذ قالت. والطاء في اصطفى مُبدَلةٌ من تاء، وأصله: اصتفى، افتعل من الصفوة، فأبدلت التاء طاء لتؤاخِي الصاد في الإطباق.
﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾:
قوله : ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ أي: افعلي كليهما، وقد ثبت في الصدور واستقر في النفوس تقديم الركوع، والقوم إذا أمنوا تلعبوا بألفاظهم، مع أن العاطف هنا عار عن الترتيب، وفيه أقوال أخر لا يليق ذكرها هنا (٣).
стр. 665
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾:
قوله : ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ (ذلك): رفع بالابتداء، و ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾: خبره، والإِشارة إلى ما ذكر من نبأ زكريا ويحيى ومريم وعيسى ﵇، أي: أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي.
ولك أن تجعل ﴿نُوحِيهِ﴾ خبر ﴿ذَلِكَ﴾، و ﴿مِنْ أَنْبَاءِ﴾ حالًا إما من (ذا) والعامل فيها معنى الإِشارة، وإما من الهاء في ﴿نُوحِيهِ﴾ الراجعة إلى (ذا)، لأن العامل متصرف.
وقال أبو جعفر: التقدير: الأمر ذلك، فيكون ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ حالًا من (ذا) (١).
وقوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ (إذ): ظرف للاستقرار الذي تعلق به ﴿لَدَيْهِمْ﴾، ومثله ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
والأقلام: الأزلام، وهي قِداحهم التي كانوا يُجِيلُونَها (٢) عند العزم على الأمر، وقيل: هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، اختاروها لِلقُرْعَةِ تبركًا بها (٣)، واحدها قَلَمٌ، وسمي قلمًا لتقليمه، وهو قطعه (٤).
قوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ﴾ مبتدأ وخبر، في موضع نصب بفعل دل عليه ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾، أي: يلقونها ينظرون أيهم يكفل، أو يقولون: أيهم يكفل.
стр. 666
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾:
قوله : ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ اختلف في عامل ﴿إِذْ﴾، فقيل: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾. وقيل: بدل من ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. وقيل: هو بدل من ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ (١).
﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾: (منه) في موضع جر صفة لقوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾، ومن: لابتداء الغاية.
وقوله: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ (اسمه): مبتدأ، و ﴿الْمَسِيحُ﴾: خبره، و ﴿عِيسَى﴾ بدل من المسيح، أو عطف بيان. ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾: صفة لعيسى.
والضمير في ﴿مِنْهُ﴾: لله تعالى، وفي ﴿اسْمُهُ﴾ للكلمة، وإنما ذكّر ضميرها حملًا على المعنى، لأن المسمى بها مذكر، فحمل على المعنى دون اللفظ.
وقوله: ﴿وَجِيهًا﴾ وما عطف عليه إلى قوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) أحوال من (كلمة)، على حد: معه صقر صائدًا به غدًا، أي: يبشرك به موصوفًا بهذه الصفات، وجاز انتصاب الحال عن النكرة لكونها موصوفة بقوله: ﴿مِنْهُ﴾.
فإن قلت: ما منعك أن تجعل المذكورات أحوالًا من ﴿عِيسَى﴾ كما زعم بعضهم (٣)؟ قلت: منعني عدم العامل، لأن الابتداء لا يعمل في الأحوال (٤).
стр. 667
﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾:
قوله : ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ في موضع نصب على الحال من المستكن في (يكلم). ﴿وَكَهْلًا﴾ عطف عليه، والتقدير: يبشرك به وجيهًا فيهما ومقربًا من المقربين، ومكلمًا الناس طفلًا وكهلًا، وصالحًا من الصالحين، وجاز عطف الفعل وهو (يكلم) على اسم الفاعل وهو ﴿وَجِيهًا﴾، لما بينهما من المضارعة، كما يُعطَف اسم الفاعل على الفعل لذلك.
ومعنى ويكلم الناس طفلًا، وكهلًا: أي يكلمهم في هاتين الحالَيْنِ كلامَ الأنبياءِ من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة.
ويحتمل أن يكون ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ ظرفًا للتكليم، فيكون ﴿وَكَهْلًا﴾ عطفًا على ﴿وَجِيهًا﴾ والمهد: ما يُمهَّد للصبي من مضجعه، سمي بالمصدر.
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾:
قوله : ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ﴾ الكلام في الكاف هنا كالكلام في الكاف في قوله في قصة زكريا ﵇: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ﴾ وقد ذكر (١).
وقد مضى الكلام على ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في سورة البقرة (٢).
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨﴾:
قوله : ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على ﴿وَجِيهًا﴾، فيكون حالًا، وأن يكون عطفًا على ﴿يُبَشِّرُكِ﴾، أو على ﴿يَخْلُقُ﴾، وأن يكون مستأنفًا.
стр. 668
وقرئ بالنون لقوله: ﴿نُوحِيهِ﴾، وبالياء لقوله ﴿يُبَشِّرُكِ﴾، و ﴿يَقُولُ﴾ (١).
﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾:
قوله : ﴿وَرَسُولًا﴾ يحتمل أن يكون مفعولًا به على تقدير: وتجعله رسولًا، وأن يكون حالًا على تقدير: ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول بُعِثْتُ رسولًا (٢).
وقيل: عطف على المنصوبات المتقدمة، أي: ومقرَّبًا ومكلِّمًا ورسولًا.
و﴿رَسُولًا﴾: هنا مختلَف فيه، فقيل: هو فَعُول بمعنى مُفْعَل، أي: مُرْسَلًا. وقيل: هو هنا مصدر كقوله:
١٢١ - أَبْلِغْ أبا سَلْمَى رَسولًا تَرُوعُهُ ... .......................... (٣)
أي: رسالة، فعلى هذا يحتمل أن يكون في موضع الحال، على تقدير: ويقول بُعثتُ ذا رسولٍ، أو مُقربًا ومكلمًا وذا رسول، أي: وذا رسالة. وأن يكون مفعولًا به عطفًا على ﴿الْكِتَابَ﴾، أي: ونعلمه الكتاب والحكمة ورسالة.
стр. 669
وقرئ: (ورسولٍ) بالجر (١) عطفًا على (كلمة) (٢).
﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: (إلى) يحتمل أن يكون متعلقًا برسول، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله صفة لرسول.
وقوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أي: بأني، فهي في موضع نصب أو جر على الخلاف المذكور في غير موضع (٣).
وقد جوز أن تكون في موضع رفع على تقدير: هو أني (٤)، ولو ظهرت الباء في بأني قد جئتكم لكانت من صلة رسول، ولك أن تعلقها بمحذوف على أن تجعلها صفة لرسول.
﴿بِآيَةٍ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بجئت، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله في موضع نصب على الحال من التاء في جئت، أي: جئت محتجًا بها.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: في موضع الصفة لآية.
قوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ قرئ: (إني) بكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحها (٥) على أنه بدل من ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾، فيكون في موضع نصب، أو من (آيةٍ) فيكون في موضع جر، أو على تقدير: هي أني، فيكون في موضع رفع.
وقوله: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الكاف في موضع نصب على أنه صفة لمفعولٍ
стр. 670
محذوف، أي: أُقَدِّرُ لكم شيئًا مِثلَ صورة الطير. والهيئة: الصورة المهيأة.
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾: الضمير في ﴿فِيهِ﴾ للمفعول المذكور آنفًا، وقيل: للهيئة؛ لأنها بمعنى المُهَيَّأ، كالخلق بمعنى المخلوق، فتكون الهيئة على هذا مصدرًا، وقيل: للكاف، أي: في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير (١).
وقوله: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ كان هنا يحتمل أن تكون تامة بمعنى: فيصير طيرًا، أي: فينقلب من جنس الطين إلى جنس الطير، فيصير طيرًا كسائر الطيور حيًّا طيّارًا بإذن الله، أي: بأمره وتكوينه، وأن تكون ناقصة، فـ ﴿طَيْرًا﴾: على الأول: حال من المنوي في قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾، وعلى الثاني: خبر كان، أي: فيكون هذا الشخص طيرًا أو طائرًا.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿طَيْرًا﴾، وأن يكون من صلة ﴿فَيَكُونُ﴾.
وقوله: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ عطف على ﴿أَخْلُقُ﴾. والأكمه: الذي ولد أعمى، وقيل: هو الممسوح العين (٢).
﴿بِمَا تَأْكُلُونَ﴾: يحتمل أن تكون (ما) موصولة وما بعدها صلتها. وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها. وأن تكون مصدرية، أي: بأكلكم.
﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾: عطف عليها، وحُكْمُها في الاحتمال حُكْمُها. وتدخرون: تفتعلون من الذُّخْر، وأصله تَذْتخرون، فأُبدل من التاء دال لتوافق الذال في الجهر، لأن الذال مجهورة، والتاء مهموسة فأُبدل من مخرجها