← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾: قوله : ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ اختلف في عامل ﴿إِذْ﴾، فقيل: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾. وقيل: بدل من ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. وقيل: هو بدل من ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ (١). ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾: (منه) في موضع جر صفة لقوله: ﴿بِكَلِمَةٍ﴾، ومن: لابتداء الغاية. وقوله: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ (اسمه): مبتدأ، و ﴿الْمَسِيحُ﴾: خبره، و ﴿عِيسَى﴾ بدل من المسيح، أو عطف بيان. ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾: صفة لعيسى. والضمير في ﴿مِنْهُ﴾: لله تعالى، وفي ﴿اسْمُهُ﴾ للكلمة، وإنما ذكّر ضميرها حملًا على المعنى، لأن المسمى بها مذكر، فحمل على المعنى دون اللفظ. وقوله: ﴿وَجِيهًا﴾ وما عطف عليه إلى قوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) أحوال من (كلمة)، على حد: معه صقر صائدًا به غدًا، أي: يبشرك به موصوفًا بهذه الصفات، وجاز انتصاب الحال عن النكرة لكونها موصوفة بقوله: ﴿مِنْهُ﴾. فإن قلت: ما منعك أن تجعل المذكورات أحوالًا من ﴿عِيسَى﴾ كما زعم بعضهم (٣)؟ قلت: منعني عدم العامل، لأن الابتداء لا يعمل في الأحوال (٤).

стр. 667

﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾: قوله : ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ في موضع نصب على الحال من المستكن في (يكلم). ﴿وَكَهْلًا﴾ عطف عليه، والتقدير: يبشرك به وجيهًا فيهما ومقربًا من المقربين، ومكلمًا الناس طفلًا وكهلًا، وصالحًا من الصالحين، وجاز عطف الفعل وهو (يكلم) على اسم الفاعل وهو ﴿وَجِيهًا﴾، لما بينهما من المضارعة، كما يُعطَف اسم الفاعل على الفعل لذلك. ومعنى ويكلم الناس طفلًا، وكهلًا: أي يكلمهم في هاتين الحالَيْنِ كلامَ الأنبياءِ من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة. ويحتمل أن يكون ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ ظرفًا للتكليم، فيكون ﴿وَكَهْلًا﴾ عطفًا على ﴿وَجِيهًا﴾ والمهد: ما يُمهَّد للصبي من مضجعه، سمي بالمصدر. ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾: قوله : ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ﴾ الكلام في الكاف هنا كالكلام في الكاف في قوله في قصة زكريا ﵇: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ﴾ وقد ذكر (١). وقد مضى الكلام على ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في سورة البقرة (٢). ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨﴾: قوله : ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على ﴿وَجِيهًا﴾، فيكون حالًا، وأن يكون عطفًا على ﴿يُبَشِّرُكِ﴾، أو على ﴿يَخْلُقُ﴾، وأن يكون مستأنفًا.

стр. 668

وقرئ بالنون لقوله: ﴿نُوحِيهِ﴾، وبالياء لقوله ﴿يُبَشِّرُكِ﴾، و ﴿يَقُولُ﴾ (١). ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾: قوله : ﴿وَرَسُولًا﴾ يحتمل أن يكون مفعولًا به على تقدير: وتجعله رسولًا، وأن يكون حالًا على تقدير: ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول بُعِثْتُ رسولًا (٢). وقيل: عطف على المنصوبات المتقدمة، أي: ومقرَّبًا ومكلِّمًا ورسولًا. و﴿رَسُولًا﴾: هنا مختلَف فيه، فقيل: هو فَعُول بمعنى مُفْعَل، أي: مُرْسَلًا. وقيل: هو هنا مصدر كقوله: ١٢١ - أَبْلِغْ أبا سَلْمَى رَسولًا تَرُوعُهُ ... .......................... (٣) أي: رسالة، فعلى هذا يحتمل أن يكون في موضع الحال، على تقدير: ويقول بُعثتُ ذا رسولٍ، أو مُقربًا ومكلمًا وذا رسول، أي: وذا رسالة. وأن يكون مفعولًا به عطفًا على ﴿الْكِتَابَ﴾، أي: ونعلمه الكتاب والحكمة ورسالة.

стр. 669

وقرئ: (ورسولٍ) بالجر (١) عطفًا على (كلمة) (٢). ﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: (إلى) يحتمل أن يكون متعلقًا برسول، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله صفة لرسول. وقوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أي: بأني، فهي في موضع نصب أو جر على الخلاف المذكور في غير موضع (٣). وقد جوز أن تكون في موضع رفع على تقدير: هو أني (٤)، ولو ظهرت الباء في بأني قد جئتكم لكانت من صلة رسول، ولك أن تعلقها بمحذوف على أن تجعلها صفة لرسول. ﴿بِآيَةٍ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بجئت، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله في موضع نصب على الحال من التاء في جئت، أي: جئت محتجًا بها. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: في موضع الصفة لآية. قوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ قرئ: (إني) بكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحها (٥) على أنه بدل من ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾، فيكون في موضع نصب، أو من (آيةٍ) فيكون في موضع جر، أو على تقدير: هي أني، فيكون في موضع رفع. وقوله: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الكاف في موضع نصب على أنه صفة لمفعولٍ

стр. 670

محذوف، أي: أُقَدِّرُ لكم شيئًا مِثلَ صورة الطير. والهيئة: الصورة المهيأة. ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾: الضمير في ﴿فِيهِ﴾ للمفعول المذكور آنفًا، وقيل: للهيئة؛ لأنها بمعنى المُهَيَّأ، كالخلق بمعنى المخلوق، فتكون الهيئة على هذا مصدرًا، وقيل: للكاف، أي: في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير (١). وقوله: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ كان هنا يحتمل أن تكون تامة بمعنى: فيصير طيرًا، أي: فينقلب من جنس الطين إلى جنس الطير، فيصير طيرًا كسائر الطيور حيًّا طيّارًا بإذن الله، أي: بأمره وتكوينه، وأن تكون ناقصة، فـ ﴿طَيْرًا﴾: على الأول: حال من المنوي في قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾، وعلى الثاني: خبر كان، أي: فيكون هذا الشخص طيرًا أو طائرًا. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون من صلة ﴿طَيْرًا﴾، وأن يكون من صلة ﴿فَيَكُونُ﴾. وقوله: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ عطف على ﴿أَخْلُقُ﴾. والأكمه: الذي ولد أعمى، وقيل: هو الممسوح العين (٢). ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ﴾: يحتمل أن تكون (ما) موصولة وما بعدها صلتها. وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها. وأن تكون مصدرية، أي: بأكلكم. ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾: عطف عليها، وحُكْمُها في الاحتمال حُكْمُها. وتدخرون: تفتعلون من الذُّخْر، وأصله تَذْتخرون، فأُبدل من التاء دال لتوافق الذال في الجهر، لأن الذال مجهورة، والتاء مهموسة فأُبدل من مخرجها

стр. 671

حرفٌ مجهورٌ يشبه الذال في جهرها، فصار تَذْدَخِرون، ثم أدغمتِ الذال في الدال بعد قلبها دالًا (١). وقرئ: (تَذْخَرُون) بالذال والتخفيف (٢). يقال: ذَخَرت الشيء أَذْخَرُهُ بالفتح فيهما ذُخْرًا، وكذلك ادَّخرته وعليه الجمهور، وقد مضى الكلام عليه آنفًا. ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾: قوله : ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ (ومصدقًا): منصوب على الحال، وذو الحال وعاملها محذوفان دل عليهما قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ﴾، أي: جئتكم بآية، وجئتكم مصدقًا. ولك أن تعطفه على قوله: (بآية) إن جعلتها حالًا، أي: جئتكم موضحًا ومصدقًا، فلا حذف على هذا. فإن قلت: هل يجوز أن يكون عطفًا على قوله: ﴿وَجِيهًا﴾؟ قلت: مُنع ذلك لأجل قوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾، ولو كان عطفًا عليه لكان (لما بين يديه) على لفظ الغَيبة. قوله: ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ في موضع نصب على الحال من المستكن في الظرف، والعامل فيها الظرف. وقوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ هو مردود على محذوف دل عليه معنى الكلام، كأنه قيل: وجئتكم مصدقًا لكذا لِأُسَهِّلَ عليكم، أو شبهه، ولأحل لكم. وقيل: هو مردود على قوله: ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: جئتكم بآية من ربكم ولأحل لكم.

стр. 672

وقيل: عطف على معنى قوله: ﴿وَمُصَدِّقًا﴾، لأن معناه: جئتكم لأصدق ما بين يدي من التوراة ولأحل لكم. كما تقول: جئتك معتذرًا إليك ولأجتلب عطفك (١). والجمهور على ترك تسمية الفاعل في قوله: ﴿حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، وقرئ: (حَرَّم عليكم) على تسمية الفاعل (٢). قيل: وهو ما بين يديَّ من التوراة، أو الله تعالى، أو موسى ﵇، لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلومًا عندهم (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾: قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ الجمهور على كسر الهمزة على الاستئناف، وقرئ بفتحها (٤) على تقدير الجار، أي: لأن الله ربي وربكم فاعبدوه، كقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ (٥) على مذهب الخليل. وقيل: التقدير: وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم، وما بينهما اعتراض (٦). ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾: قوله : ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ (منهم): في محل

стр. 673

النصب على الحال من الكفر، أي: كائنًا أو صادرًا منهم، ويحتمل أن يكون متعلقًا بأحسَّ. والإِحساس: الإِدراك بالحواس، أي: فلما علم منهم الكفر عِلمًا لا شبهة فيه، كعلم ما يُدْرَكُ بالحواس ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. وأنصار: جمع نصير، كأشراف وأشهاد في جمع شريف وشهيد. وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ قيل: فيه وجهان. أحدهما: أن يكون من صلة ﴿أَنْصَارِي﴾ متعلقًا به مضمنًا معنى الإِضافة، كأنه قيل: من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله ينصرونني كما ينصرني. والثاني: أن يكون متعلقًا بمحذوف مجعولًا حالًا من الياء، أي: مَن أنصاري ذاهبًا إلى الله ملتجئًا إليه؟ وقيل: ﴿إِلَى﴾ بمعنى (مع) لتقارب معناهما من معنى الإِضافة ومعنى المصاحبة، أي: مَن أعواني على هؤلاء الكفرة مع إعانة الله؟ وليس بالمتين لإِخراج الحرف عمّا وُضِع له مع وجود المندوحة عنه (١). ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: حواريُّ الشخصِ صفوتُه وخالصتُه، ومنه قيل لِلحَضَرِيّاتِ: الحوارياتُ، لخلوص ألوانهنَّ ونظافتهنَّ (٢)، والحَوَرُ أصله البياض، ومنه الحُوَّارَى من الطعام لشدة بياضه، فسموا بذلك لبياض ثيابهم (٣). وقيل: كانوا يُحَوِّرُونَ الثيابَ، أي: يغسلونها (٤). وقيل: اشتقاقه من حَار يَحُورُ، إذا رجع، فكأنهم الراجعون إلى الله (٥).

стр. 674

وقرئ في غير المشهور: (الحوارِيُون) بتخفيف الياء (١) كراهة التضعيف. ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾: قوله ﴿إِذْ قَالَ﴾ إذ: مفعول به، أي: اذكر إذ قال، وقيل: ظرف لـ ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ أو لـ ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٢). ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: اسم الفاعل هنا للاستقبال، وكذا ﴿وَرَافِعُكَ﴾ وما عطف عليه، والأصل: متوفِّيُك، فحذفت الضمهَ استثقالًا لها على حرف العلة. واختلف في معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هنا، فقيل: مستوفي أجلك، ومعناه: إني عاصمك من أن يقتلك الكفار، ومؤخرُك إلى أجلٍ كتبتُه لك، ومميتك حَتْفَ أنفِكَ لا قتلًا بأيديهم (٣). ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قيل: إلى سمائي ومحل كرامتي (٤). وقيل: إلى جنتي. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: من سوء جوارهم، وخبث صحبتهم. وقيل: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضك من الأرض إلى السماء من غير وفاة،

стр. 675

من توفيت مالي على فلان، إذا استوفيته (١). وقيل: مميتك في وقتك بعد النزول من السماء، ورافعك الآن (٢). وقيل: متوفي نفسك بالنوم، من قوله: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (٣) ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف، وتستيقظ وأنت في السماء آمِنٌ مُقَرَّبٌ (٤). ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ قيل: الخطاب لرسول الله ﷺ ، فيكون الوقف على قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥). وقيل: لعيسى ﵇، فيكون الوقف على قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٦). وجاعل: اسم فاعل بمعنى الآتي، وإنما حذف تنوينه تخفيفًا، وهو متعد إلى مفعولين لأنه بمعنى مُصيِّر، ومفعولاه: ﴿الَّذِينَ﴾، ﴿فَوْقَ الَّذِينَ﴾. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾:

стр. 676

قوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (الذين): هنا يحتمل أن يكون في موضع رفع، وأن يكون في موضع نصب؛ إن قَدَّرْتَهُ في موضع رفع: فهو رفع بالابتداء و ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ الخبر، وإن قدّرته في موضع نصب: فهو منصوب بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر وهو ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾، تقديره: فأما الذين كفروا فأعذب فأعذبهم، ثم حذف الأول لدلالة الثاني عليه، وفي التنزيل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (١) بالرفع على الابتداء، والخبر ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. وقرئ بالنصب (٢)، على إضمار فعل يفسره هذا الظاهر، أي: وأما ثمودَ فهدينا فهديناهم. فإن قلت: لِمَ قَدَّرْتَ الفعل بعد الصلة وبعد ثمود، وهلا قدرت قبلهما؟ قلت: لأن (أما) حرف فيه معنى الشرط مضمنًا معنى الفعل، والفعل لا يلي الفعل، فاعرفه وقس عليه ما ورد عليك من نظائره في التنزيل مما لم يظهر فيه الإِعراب، كنحو: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ (٣). ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ﴾ الإشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وزكريا ﵇ وغيرهما، وهو مبتدأ خبره ﴿نَتْلُوهُ﴾. و﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون حالًا من الهاء في ﴿نَتْلُوهُ﴾. أو خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، و ﴿نَتْلُوهُ﴾: حال من (ذا)

стр. 677

والعامل معنى الإِشارة. و ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: حال من الهاء في ﴿نَتْلُوهُ﴾، كأنه قيل: الأمر المشار إليه مَتْلُوًّا كائنًا من الآيات. وقد أجاز أبو إسحاق: أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى الذي، و ﴿نَتْلُوهُ﴾ صلته، والخبر ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: (١). ولك أن تجعل ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ و ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾ الخبر، و ﴿نَتْلُوهُ﴾ حالًا من (ذا). ويجوز أن ينتصب ﴿ذَلِكَ﴾ بمضمر يفسره، ﴿نَتْلُوهُ﴾، أي: نتلو ذلك نتلوه، و ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾ على هذا حال من الهاء أيضًا، فهذه خمسة أوجه، فاعرفهن (٢). ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾: قوله : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ (كمثل) في موضع رفع بحق خبر ﴿إِنَّ﴾. وقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها مُفَسِّرة لِلْمَثَل، فلا موضع لها من الإِعراب، أي: خلق آدم من تراب، ولم يكن ثَمَّ أبٌ ولا أمٌّ، كذلك شأن عيسى ﵇. والثاني: أنها في موضع نصب على الحال من ﴿آدَمَ﴾ وقد معه مرادة، والعامل فيها معنى التشبيه. ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي أنشأه بشرًا مُصوَّرًا، ثم قال له: كن حيًّا. كقوله: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (٣) فهو حكاية حال ماضية.

стр. 678

﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ [آل عمران: ٦٠]: قوله : ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق، يعني الذي أنبأه به في شأن عيسى ﵇ وحاله الغريبة. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: في محل النصب على الحال، أي: كائنًا منه. وقيل: هو متعلق بـ ﴿الْحَقُّ﴾ على المعنى، والتقدير: أتاك من عند ربك. وقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ، و ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبره (١)، وأكد الحق بقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، لأنه إذا كان من الرب فلا يكون إلا حقًّا. وقيل: هو فاعل فعل مضمر، أي: جاء الحق، فاعرفه (٢). ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾: قوله : ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ مَن: شرطية في موضع رفع بالابتداء. ﴿فِيهِ﴾ في عيسى ﵇، والضمير له، وقيل: للحق في قوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣). ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾: متعلق بـ ﴿حَاجَّكَ﴾. و (ما) موصول. و ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾: في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿جَاءَكَ﴾، أي: كائنًا منه. فإن قلت: هل يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية و ﴿مِنَ﴾ مزيدة، وجاء خاليًا من الضمير مسندًا إلى العلم؟ قلت: أما على رأي صاحب الكتاب

стр. 679

رحمه الله فلا، لأن (من) لا تزاد عنده في الواجب، وأما على رأي أبي الحسن فلا يبعد (١). ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾: الفاء جواب الشرط، وأصل تعالَوا: (تَعالَيُوا)؛ لأنه يقال للواحد منه: تعال يا هذا، وأصله تعالَيَ، بدليل قول المخبر عن نفسه بالمجيء: تعاليت أتعالى تعاليًا، والياء منقلبة عن واو؛ لأنه من العلو، وإنما قلبت ياء لوقوعها رابعة، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وللاثنين: تعاليا، وللجمع: تعالَوا بحذف الألف لالتقاء الساكنين هي وواو الجمع، وبقيت الفتحة تدل عليها. وللمرأة: تعالَي، ولجماعة المؤنث: تعالَينَ. فتعالَوا تفاعوا (٢) من العلو: أي: ارتفعوا، هذا أصله، ثم كثر حتى استعمل لطلب كل مجيء. ﴿نَدْعُ﴾: جواب لشرط مضمر، ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾: عطف عليه، وكذلك ﴿فَنَجْعَلْ﴾: عطف عليه. والابتهال: الالتعان، والبَهْلُ: اللعن. يقال: عليه بَهْلَةُ الله، وبُهلة الله، بفتح الباء وضمها، أي: لعنة الله، وبَهَلَهُ اللَّهُ: لَعَنَهُ وأبعده من رحمته. قيل: هو من قولهم: أبهله، إذا أهمله، وناقة باهل: لا صِرار عليها، وهو خيط يُشد فوق الخِلْفِ لئلا يرضعها ولدها (٣)، قالت امرأة من العرب لزوجها: أتيتُكَ باهِلًا غير ذات صِرار (٤). وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يُجتهَد فيه وإن لم يكن التعانًا.

стр. 680

وقرئ أيضًا: (خَطًا) بوزن عَمًى (١)، وذلك يحتمل وجهين: أن يكون حذف الهمزة حذفًا كقوله: ١٦٦ - * إن لم أقاتل فَلْبِسُوني بُرقعًا (٢) * وقراءة من قرأ: (إنها لَحْدَى الكُبَرِ) (٣)، وقولهم: جا، يَجِي، وسَا، يَسُو (٤). ونحو هذا لا يقدم عليه إلَّا بالسمع. وأن يكون أبدل من الهمزة ألفًا فجرى مجرى المقصور، نحو: عصا، ورحى، وهذا أيضًا مسموع لا مَقِيسٌ، فاعرفه. وقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ عطف على قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. والدية: واحدة الديات، والهاء عوض من المحذوف، تقول: وديت القتيل أديه، إذا أعطيت ديته، وأصلها: وِدْيَةٌ كعِدَة، وأصلها: وِعْدَةٌ، وزِنَةٍ وأصلها: وِزْنَةٌ، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا. والدية هنا بمعنى المؤدَّاة، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، وإنما تسلَّم العين لا المعنى، ونحو هذا كثير في كلام القوم. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه استثناء ليس من الأول. والثاني: أنه منه متعلق بقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾، ومحله النصب إمّا على الظرف بتقدير حذف الزمان، كقولك: اجلس ما دام زيد جالسًا، أي: وتجب عليه الدية إلّا حين يتصدقون عليه، أو على الحال من أهله،

стр. 681

أي: وتجب عليه دية مسلمة إلى أهله إلّا متصدقين، على معنى: وتجب عليه دية في كل حال إلّا في حال التصدق عليه بها. وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ﴾ ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾ في موضع نصب بخبر كان، واسمها مضمر فيها، أي: فإن كان المقتول. و ﴿عَدُوٍّ﴾ صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾. وفي ﴿لَكُمْ﴾ وجهان، أحدهما: صفة لعدو. والثاني: متعلق به؛ لأن عدوًا في معنى معادٍ، وفعول يعمل عمل فاعِلٍ. وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ أي: فعليه صيام شهرين. وقوله: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مفعول من أجله، أي: شرع الله ذلك لكم توبةً منه، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه، وقيل: هو مصدر منصوب بفعل محذوف، أي: تاب الله عليكم توبة (١). ولو قرئ (توبةٌ) بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: ذلك توبةٌ، لكان جائزًا (٢). و﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع النصب على النعت لتوبة. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (من) شرط في موضع رفع بالابتداء، والخبر الشرط والجزاء، أو الجزاء على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع. و ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ منصوب على الحال من المستكن في ﴿يَقْتُلْ﴾.

стр. 682

﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أو بالظرف على رأي أبي الحسن، كأنه قيل: بيننا وبينكم التوحيد، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن التوحيد، فقولوا: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، أي: فقولوا لهم. و ﴿تَوَلَّوْا﴾ ماض، أي: أَعْرَضُوا. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾: قوله : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ الأصل: لما، حذفت الألف من (ما) للفرق بين الاستفهام والخبر، وقد ذكر. واللام متعلقة بقوله: ﴿تُحَاجُّونَ﴾. ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾: قوله : ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ (ها): حرف تنبيه، و (أنتم) مبتدأ، و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ عطف بيان، والخبر ﴿حَاجَجْتُمْ﴾، وقيل: خبره ﴿هَؤُلَاءِ﴾ و ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى. وقيل: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى الذين وهو الخبر، و ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ صلته. وقيل: ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ هو آانتم بهمزتين بينها ألف على الاستفهام، فأبدل من الهمزة الأولى هاء، لأنها أختها (١)، وقد مضى الكلام على هذا في "البقرة" عند قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ﴾ بأشبع من هذا (٢). وقوله: ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ يحتمل أن تكون (ما) موصولة، وأن تكون موصوفة، و ﴿عِلْمٌ﴾: رفع بالابتداء، وخبره ﴿لَكُمْ﴾، و ﴿بِهِ﴾ في

стр. 683

موضع نصب على الحال على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿عِلْمٌ﴾، والجملة لا موضع لها من الإِعراب إن جَعَلْتَ (ما) موصولة، وإن جعلتَها موصوفة كانت في موضع جر. فإن قلت: هل يجوز أن تكون الباء من ﴿بِهِ﴾ متعلقة بـ ﴿عِلْمٌ﴾ كما زعم بعضهم؟ قلت: لا، لأن عِلْمًا مصدر، وما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه (١). ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾: قوله : ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ (أَولى): اسم إن، والباء متعلقة بأولى، أي: إنَّ أَخَصَّهم به وأقربهم منه، من الْوَلْي وهو القرب والدنو. يقال: تباعدنا بَعْدَ وَلْيٍ، وهو أَفعلُ من وَلِيَهُ يلِيه بالكسرَ فيهما ولْيًا، ولامه ياء، والألف منقلبة عنها، لأن فاءه واو، فلا يكون لامه واوًا، إذ ليس في كلام القوم ما فاؤه ولامه واوان إلَّا (واو). ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾: خبر إن، واللام لام الابتداء زحلقت (٢) إلى الخبر كراهة اجتماع حرفي تأكيد. و﴿هَذَا﴾: معطوف على خبر إن، و ﴿النَّبِيُّ﴾ نعت لهذا. والجمهور على رفع ﴿النَّبِيُّ﴾، وقرئ: (هذا النبيَّ) بالنصب عطفًا على الهاء في ﴿اتَّبَعُوهُ﴾ أي: اتبعوه واتبعوا هذا النبي. و (وهذا النبيِّ) بالجر (٣) عطفًا على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. و﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أيضًا عطف على خبر إن، والمعنى: أَخَصَّهُمْ به

стр. 684

﴿وَلَا تَقُولُوا﴾: عطف على ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. ﴿لِمَنْ﴾: مَن تحتمل أن تكون موصولة وما بعدها صلتها، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها، والراجع منها إليها المستكن في ﴿أَلْقَى﴾. وقرئ: (السَّلَم) بفتح السين واللام من غير ألف بعدها، (والسلام) بفتحها وألف بعدها (١)، فالحذف بمعنى الانقياد والاستسلام، والإِثبات بمعنى التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام، وقيل: هما بمعنى الانقياد والاستسلام (٢). والجمهور على كسر الميم الواقعة قبل النون وهو من الإِيمان الذي هو ضد الكفر، وقرئ: (مؤمَنًا) بفتحها (٣)، وهو من الأمان الذي هو ضد الخوف، أي: لا نُؤْمِنُكَ، فهو اسم المفعول من آمَنَهُ، تقول: أَمِنْتُ فأنا آمِنٌ، وآمنت غيري فأنا مُؤْمِنٌ وذاك مُؤْمَنٌ، من الأمن والأمان. و﴿تَبْتَغُونَ﴾: في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾، أي: ولا تقولوا مبتغين عرض الدنيا، أي: طالبين الغنيمة التي هي حُطام الدنيا على ما فسر (٤)، والابتغاء: الطلب. وقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ (كنتم) كان واسمها، وخبرها: ﴿كَذَلِكَ﴾، و ﴿مِنْ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار.

стр. 685

وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تكرير الأمر بالتبين على وجه التأكيد، وأنه مَعْنِيٌّ به جدًّا، فعليكم به. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: (كان) في حق الله تعالى يفيد الدوام، و (ما) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، وهذه جملة مستأنفة ولذلك كسرت إن. ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾: قوله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (من المؤمنين) في محل النصب على الحال إما من ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، أو من المستكن فيه، والعامل على الوجه الأول: ﴿يَسْتَوِي﴾، وعلى الثاني: ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، والألف واللام بمعنى الذي. وقرئ: (غير) بالحركات الثلاث (١)؛ فالرفع صفة لـ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾؛ لأنهم لم يقصد بهم قوم بأعيانهم، والنَصْبُ استثناءٌ منهم، أو حال عنهم؛ لأن لفظهم لفظ المعرفة، والجر صفة ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). والضرر: المرض أو العاهة من عَمًى أو عَرَجٍ أو زَمانة، أو نحوها على ما فسر (٣).

стр. 686

﴿أَحَدٌ﴾ لأن أول الكلام نفي، فدخل في صلة أن، لأنه مفعول الفعل المنفي، ثم حذف الجار من ﴿أَنْ﴾ فيكون في موضع نصب لعدم الجار على رأي صاحب الكتاب، أو في موضع جر على إرادة الجار على رأي الخليل (١). والثاني: أنها غير مزيدة، وإنما هي للتعدية على تضمين ﴿لَا تُؤْمِنُوا﴾ معنى لا تُقِرُّوا، أي: لا تقروا بأنْ يؤتَى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، وحرفا الجر متعلقان بتقروا، كما تقول: أقررت لزيد بمال، فالمفعول به ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾، والثاني بمنزلة الظرف، كما تقول: مررت بزيد في السوق. وقرأ ابن كثير (٢): (أأن يؤتى أحد) بزيادة همزة الاستفهام (٣) للتقرير والتوبيخ، وفي هذه القراءة أوجه من الإِعراب والتقدير، وكذا قراءة الجماعة بقي فيها أوجه وتقديرات أُخَرُ. وهذه الآية أشكل ما في السورة، بل ما في الكتاب العزيز، وقد ذكرت وجه القراءتين وما يتعلق بالآية من المعاني والإعراب والتقديرات في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع ما يكون، فأغناني ذلك عن الإِعادة ها هنا (٤). وقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ عطف على ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾، والضمير في ﴿يُحَاجُّوكُمْ﴾

стр. 687

لـ ﴿أَحَدٌ﴾، لأنه في معنى الجمع، على معنى: لا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم، لأنهم لا حجة لهم، أو لا تقروا لغير أهل دينكم بأن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق، ويغالبونكم عند الله بالحجة. وقرئ: (إن يُؤتَى) بكسر الهمزة (١)، على أنها بمعنى (ما) كالتي في قوله: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ (٢)، و ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ على هذه القراءة نصب بإضمار أن. وقرئ أيضًا: (أَنْ يُؤْتِيَ) بكسر التاء وفتح الياء (٣)، على تقدير: أن يُؤْتِيَ أحد أحدًا مثل ما أوتيتم، فحُذف المفعول لكونه معلومًا. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾: قوله : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (مَن): في موضع رفع بالابتداء وهي موصولة، ونهاية صلتها ﴿إِلَيْكَ﴾، والخبر ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. والجمهور على فتح التاء في قوله: ﴿تَأْمَنْهُ﴾، وقرئ: (تِئمنه) بكسرها (٤)، على لغة من قال تِعْلَمُ بكسر حرف المضارعة (٥)، . وقد ذكرت وجه ذلك فيما سلف (٦).

стр. 688

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾: قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (توفاهم) فعل مضارع، وأصله: تتوفاهم بتاءين حذفت إحداهما كراهية اجتماع المِثْلين في صدر الكلمة، ويحتمل أن يكون ماضيًا، وذُكِّر على إرادة الجمع كقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (١) وتعضد الأول قراءة من قرأ: (إن الذين تّوفاهم) بتشديد التاء، وهو البزي عن ابن كثير (٢)، وقراءة من قرأ: (تُوفاهم) بضم التاء، وهو مضارع وَفَّيْتُ، ومعنى هذه: أن الله تعالى يُوَفِّي الملائكة أنفسهم فيتوفَّونها، أي: يمكّنهم من استيفائها فيستوفونها، وهو إبراهيم (٣)، وتنصر الثانية قراءة من قرأ: (توفتْهم) بتاء ساكنة مكان الألف (٤). وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (ظالمي) نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ أي: ظالمين أنفسهم، ثم حُذِف النون وأضيف، والإِضافة غير محضة، وإنما ظلموا أنفسهم لأنهم تركوا الهجرة، وقيل: أبطنوا الكفر (٥). وقوله: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: قالت الملائكة للمتوفَّين: في أي شيء كنتم من أمر دينكم حين خرجتم مع المشركين، أفي الكفر كنتم أم في الإسلام؟

стр. 689

واختلف في خبر إن على وجهين: أحدهما: ﴿قَالُوا﴾ والراجع محذوف، والتقدير: قالوا لهم، وحذف ذلك للعلم به. والثاني: قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ وما اتصل به. ودخلت الفاء لما في ﴿الَّذِينَ﴾ من الإِبهام الذي يشبه الشرط، و ﴿إِنَّ﴾ لا تمنع من ذلك؛ لأنها لا تغير معنى الابتداء، و ﴿قَالُوا﴾ على هذا الوجه في محل النصب على الحال من الملائكة الذين مُكِّنوا من قبض أرواحهم في حال ظلمهم أنفسهم، وقد معه مرادة على المذهب المنصور (١). و﴿فِيمَ﴾ في موضع نصب بخبر كان، والأصل: فيما، فحذفت الألف من (ما) للفرق بين الاستفهام والخبر، وقد ذكر في غير موضع فيما سلف من الكتاب (٢). وقوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ فيه معنى التوبيخ، وُبِّخُوا بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين، حيث قَدَرُوا على المهاجرة ولم يهاجروا، ولهذا اعتذروا واعْتَلُّوا بالاستضعاف، فقالوا: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، و ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ من صلة ﴿مُسْتَضْعَفِينَ﴾. وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ استفهام فيه معنى التوبيخ والتبكيت. ﴿فَتُهَاجِرُوا﴾ نصب على جواب الاستفهام. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: (مصيرًا) نصب على التمييز، وحكم ساء حكم بئس وقد ذكر (٣).

стр. 690

﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾: قوله : ﴿بَلَى﴾ أي: بلى عليهم سبيل. وقوله: ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ (من) شرطية في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿أَوْفَى﴾، و ﴿بِعَهْدِهِ﴾ متعلق بأوفى، وهذه جملة مستأنفة، والضمير في ﴿بِعَهْدِهِ﴾ يحتمل أن يكون لمن أوفى؛ على أن كل من وفَّى بما عاهد عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر فإن الله يحبه، وأن يكون لله تعالى، وقد تقدم ذكره في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ﴾ على أن كل من وَفَى بعهد الله واتقاه فإن الله يحبه، فالمصدر على الوجه الأول مضاف إلى الفاعل، وعلى الثاني مضاف إلى المفعول. وأهل الحجاز يقولون: أوفيت بالعهد، وأهل نجد يقولون: وَفَيْت به، كذا حكى عنهما الرماني (١). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: الفاء وما تعلق بها جواب الشرط، فإن قلت: لا بد أن يكون في الجواب ذكر يعود إلى ﴿مَنْ﴾ الشرطية، فأين الذكر العائد هنا؟ قلت: يحتمل أن يكون عموم المتقين قام مقام عَوْدِ الذكر، وذلك أن الألف واللام فيه للجنس، فلما كان كذلك، دخل تحته ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ وغيره. وأن يكون وُضِعَ الظاهر موضع المضمر، كأنه قيل: فإن الله يحبهم، ثم وُضع الظاهرُ موضعه للتفخيم والتعظيم، والله أعلم بكتابه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾:

стр. 691

قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾ ﴿قَلِيلًا﴾. و ﴿أُولَئِكَ﴾ وما بعده في موضع رفع بخبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾: قوله : ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ﴾ ﴿لَفَرِيقًا﴾: اسم إنَّ، و ﴿مِنْهُمْ﴾: خبرها، و ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾: في موضع النصب على الصفة لفريق، أي: يحرفونه بالتغيير والتبديل. قيل: وأصل اللَّيِّ: الفَتْلُ، من لَويتُ يده، إذا فَتلتها. وقرئ في غير المشهور: (يُلَوّون) بضم الياء وفتح اللام وتشديد الواو (١) على التكثير كقوله: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ (٢) ونحو هذا يسمى تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية. وقرئ أيضًا: (يَلُوْن) بفتح الياء وضم اللام وواو واحدة ساكنة (٣)، على أن الأصل: يَلْوُونَ، ثم قلبت الواو المضمومة همزة، ثم خففت بالحذف بعد أن ألقيت حركتها على الساكن قبلها. واللسان: يذكر ويؤنث، فمن ذكَّر: جَمَعَ على أَلْسِنَة، كحمار وأَحمِرةٍ، ومن أنث: جمع على أَلْسُنْ كذراع وأذرع (٤).

стр. 692

الشرط لفظًا، فعطفه عليه معنى (١). وقوله: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الفاء جواب الشرط، ومحل قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ النصب على الحال من الأجر، أي: فقد وجب ثوابه محسوبًا على فضل الله، فحذف المضاف، وحقيقة الوجوب في لغة القوم: الوقوع والسقوط، ومنه: وجب الميت، إذا سقط ومات، ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٢)، ومنه: خرج القوم إلى مواجبهم، أي: مصارعهم (٣)، ووجبت الشمس، إذا غابت وسقط قُرْصها. ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾: قوله : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (عليكم) خبر ليس، وأن في موضع نصب على تقدير حذف الجار، أي: في أن تقصروا، ومثله ﴿أَنْ تَضَعُوا﴾، وهو متعلق بجناح.

стр. 693

والقصر والإقصار والتقصير لغات بمعنًى، وقد قرئ بهن (١)، فتَقْصُرُوا من قَصُرَ، وتُقْصِرُوا من أقصر، وتُقَصِّرُوا من قَصرَ. وقوله: ﴿مِنَ الصَّلَاةِ﴾ في موضع نصب على أنه صفة لموصوف محذوف تقديره: أن تقصروا شيئًا من الصلاة. هذا مذهب صاحب الكتاب ﵀ (٢). ولك أن تجعل (من) مزيدة على قول من جوز ذلك (٣)، أي: أن تقصروا الصلاة. وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ أي: خفتم فتنتهم. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: فَتَنْتُهُ، وتميم وربيعة وقيس وأسد يقولون: أَفْتَنْتُهُ (٤). وَفَرَّقَ الخليل وصاحب الكتاب بينهما فقالا: يقال: فتنته، إذا جعلت فيه فتنة ككحلتُهُ، وأفتنتُه، إذا جعلته مُفْتَتِنًا (٥). وعن الأصمعي: لا أعرف أفتنتُهُ (٦). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ كان للدوام، وقيل: كانوا في علم الله أعداء لكم، و ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بعدو، وهو بمعنى أعداء. وقيل: عدو مصدر على فعول كالولوع، فلذلك لم تجمع، و ﴿لَكُمْ﴾ على هذا الوجه حال على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿عَدُوًّا﴾، وفي الكلام حذف المضاف، أي: ذَوِي عَدُوٍّ (٧).

стр. 694

والمستكن في ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾، ﴿أَيَأْمُرُكُمْ﴾ لله أو للبشر. ومنصوبًا (١) عطفًا على ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ (٢) وقيل: فيه وجهان: أحدهما: أن تجعل (لا) مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه الله وينصبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد، ثم يأمر النالس بأن يكونوا عبادًا له ويأمركم ﴿أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾. والثاني: أن تجعل (لا) غير مزيدة، والمعنى: أن رسول الله ﷺ كان ينهى قريشًا عن عبادة الملائكة، واليهودَ والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا له: أنتخذك ربًا؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادته وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء. والمستكن في ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ للبشر على الوجه الأول، وعلى الثاني لرسول ﷺ الله أو للبشر. قوله: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ﴾ الهمزة فيه للإِنكار. ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ﴾: (إذ) في موضع جر بإضافة ﴿بَعْدَ﴾ إليها، وإضافته إليها أخرجتها من أن تكون ظرفًا، وصارت اسمًا كسائر الأسماء. و ﴿أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ في موضع جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ أي: واذكر إذ أخذ الله. وقيل واذكروا يا أهل الكتاب (٣).

стр. 695

﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾: (ما) تحتمل أن تكون موصولة في موضع رفع بالابتداء، واللام لامُ الابتداء دخلت لتوكيد معنى القسم، لأن أخذ الميثاق قَسَمٌ في المعنى، وفي ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ لام جواب القسم، كاللتين في قوله: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١). و ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ صلتها، وعائدها محذوف، أي: للذي آتيتكموه. واختلف في الخبر: فقيل: ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾، و (مِن) للتبيين كالتي في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٢). وقيل: مزيدة كالتي في قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (٣) و (مِن) لا تزاد في الواجب عند صاحب الكتاب ﵀. وقيل: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾، فناب جواب القسم عن الخبر (٤). وقوله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾ عطف على ﴿آتَيْتُكُمْ﴾، واختُلف في العائد إلى (ما) من هذه الجملة: فقيل: إن قوله: ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾ في موضع الضمير، لأن (ما معكم) في معنى: ما آتيتكم، فكأنه قيل: للذي آتيتكموه، ثم جاءكم رسول مصدق له، فلا بد من تقدير هذا العائد من الجملة المعطوفة على الصلة، ألا ترى أنك لو قلتَ: الذي قام أبوه ثم زيد منطلق ذاهب، لم يجز حتى تقول: معه، أو من أجله ذاهب، فتأتي في الجملة المعطوفة على الصلة بما يعود على الموصول، كما كان في الجملة التي هي صلة الموصول في قولك. الذي قام أبوه كذلك، ثم تأتي بخبر المبتدأ بعد ذلك.

стр. 696

وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (خصيمًا) فعيل بمعنى مفاعل، واللام على بابها، أي: ولا تكن لأجل الخائنين مخاصمًا لِلبرآء، وقيل: اللام بمعنى عن، أي: ولا تكن مخاصمًا دافعًا عن خائن (١). [والخصومة هي التنازع على سبيل المخالفة. ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾: قوله : ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يخونون أنفسهم بخيانتهم لغيرهم، فإن وبال خيانتهم عائد على أنفسهم، فكأنهم خانوها، والمجادلة المحاجّة فيما فيه خلاف، من الجدل وهو الفتل، يقال: جَدَلْتُ الحبلَ أَجْدُلُهُ جَدْلًا، إذا فَتَلْتَهُ فتلًا محكمًا، لأن فيه فتل الخصم عن مذهبه، فاعرفه] (٢). ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾: قوله : ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا، أي: هم يستخفون، وأن يكون في موضع النصب على النعت لِخَوِّانٍ (٣) حملًا على المعنى، إذ المراد به الجنس والكثرة. وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (وهو معهم): ابتداء وخبر، و ﴿إِذْ﴾ متعلق بما تعلق به ﴿مَعَهُمْ﴾، و ﴿يُبَيِّتُونَ﴾ يدبرون ويتفكرون، وأصله أن يكون بالليل، قال أبو إسحاق: كل ما فُكِّر فيه، أو

стр. 697

خِيض فيه بليلٍ فقد بُيِّت (١). ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: من المَقُول؛ لأن نفس القول لا يبيّت. ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾: قوله : ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ (ها) فيهما للتنبيه، و (أنتم أولاء) مبتدأ وخبر، و ﴿جَادَلْتُمْ﴾ خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون حالًا، وقد معه مرادة (٢)، والعامل فيها معنى التنبيه. ولك أن تجعل (أولاء) موصولًا بمعنى الذين، و ﴿جَادَلْتُمْ﴾ صلته، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (٣). وقوله: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ﴾ (مَن) استفهام في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿يُجَادِلُ﴾ وما تعلق به، [والاستفهام ها هنا معناه النفي، والمراد به التوبيخ] (٤). ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ مِثْلُها عَطْفٌ عليها، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بوكيل، والوكيل هنا: الحافظ المحامي من بأس الله وانتقامه. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾: (أو يظلم) عطف

стр. 698

أحدهما: أن تكون مصدرية، أي: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، والفعلان معها - أعني ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ و ﴿جَاءَ﴾ - في معنى المصدر. واللام في (لِمَا) للتعليل متعلقة بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾، على معنى: أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه لأجل أني آتيتكم الكتاب والحكمة، وأن الرسول الذي أَمركم بالإِيمان به ونُصرته موافق لكم غير مخالف. والثاني: أن تكون (ما) موصولة، على معنى، أخذ الله ميثاق المذكورين للذي آتاهم، وذلك أن من يؤتى الكتاب والحكمة يؤخذ عليهم الميثاق لما أوتوه من الكتاب والحكمة، لأنهم الأكابر، والقول فيما يقتضيه قوله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ من الذكر الراجع الى الموصول ما سلف ذكره آنفًا في قول من فتح اللام وجعل (ما) موصولة. والجمهور على تخفيف الميم في (لَمَا)، وقرئ: (لَمَّا) بالتشديد (١)، وقيل فيه وجهان: أحدهما: أنه بمعنى حين، واختلف في العامل فيه على وجهين: أحدهما - أنه محذوف تقديره: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسول مصدق له وجب عليكم الإيمان به ونصرته. والثاني - أنه أخذنا، أي: أخذنا ميثاقهم حين آتيناهم شيئًا من الكتاب والحكمة، ورَجَعَ من الغيبة إلى الخطاب، كما رجع من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ (٢) ثم قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ على المألوف من مذهب القوم. والثاني: أن أصله (لمن ما) فاستثقل اجتماع ثلاث ميمات: وهي الميمان، والميم المنقلبة عن النون لأجل إدغامها في الميم، فحذفت إحداها

стр. 699

وهي الوسطى لضعفها بكونها بدلًا، ولكون التكرير بها حصل فصارت (لَمَّا) كما ترى، والمعنى: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، فاعرفه فإنه قلَّما يوجد في كتاب. وقرئ: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ لقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾، و (آتيناكم) على لفظ الجمع (١) إِشَادَةً بذكر المُنْزِلِ وتعظيمًا له، ويعضده: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (٢)، ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا﴾ (٣) ونظائرهما في غير موضع من التنزيل. وقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ الهمزة للتقرير، وفي الكلام حذف، أي: بذلك. ﴿إِصْرِي﴾: الجمهور على كسر الهمزة، وقرئ: (أُصري) بضمها (٤) وهما لغتان بمعنًى، عن أبي علي (٥). والإصر: العهد، وجمعه: آصار. وقوله: ﴿فَاشْهَدُوا﴾ أي: فليشهد بعضكم على بعض بالإِقرار، والفاء جواب ما في الكلام من رائحة الشرط (٦). ﴿وَأَنَا﴾: على ذلكم من إقراركم وتشاهدكم شاهد منهم. ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾: قوله : ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ﴾ (مَن): شرطية في موضع رفع بالابتداء. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: الإشارة إلى أخذ الميثاق والتوكيد.

стр. 700

رفع بالابتداء، والخبر: الشرط والجزاء، أو الجزاء، وقد ذكر نظيره في غير موضع، و ﴿ابْتِغَاءَ﴾: مفعول من أجله. ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾: قوله : ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾ (ما) مصدرية، أي: من بعد تَبَيُّنِ الهُدَى. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: المستكن في ﴿سَاءَتْ﴾ لجهنم، و ﴿مَصِيرًا﴾ نصب على التمييز، والمقصود بالذم محذوف، أي: بئس موطنًا يصار إليه جهنم. ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾: قوله : ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾. (إن) بمعنى ما، و ﴿إِنَاثًا﴾ مفعول يدعون، ومثله ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾. و﴿إِنَاثًا﴾ جمع أنثى، هي اللاَّت والعُزَّى ومَناةُ على ما فُسِّرَ (١)، وعن الحسن: لم يكن حيٌّ من أحياء العرب إلَّا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان (٢). وقرئ: (أُنُثًا) بضم الهمزة والنون، مثل كُتُب، وهو جمع أَنِيثٍ كقَليبٍ وقُلُب، أو إناثٍ ككِتاب وكُتُب. وقرئ: (أثُنًا) بضم الهمزة والثاء، وهو جمع وَثَن، وأصله: وُثُنٌ،

стр. 701

فقلبت الواو المضمومة همزة، كما قلبت في أُجُوهٍ، وهو مُطَّرِدٌ، أعني قَلْبَ الواو المضمومة همزة. وقرئ: (وُثنًا) بالواو على الأصل. وقرئ أيضًا: بإسكان الثاء مع الهمزة والواو تخفيفًا، كما تقول: أَسَدٌ وأُسُدٌ وأُسْدٌ. وقرئ أيضًا: (أوثانًا)، وهو جمع وَثَنٍ أيضًا (١). و﴿مَرِيدًا﴾: نعت للشيطان، وهو فعيل وفيه وجهان: أحدهما: المتجرد من الخير الخارج منه، من قولهم: شَجرةٌ مَرداءُ، إذا تناثر ورقُها، ومنه الأمرد الذي لا شعر في وجهه. والثاني: الممتد في الشرِّ، من قولهم: بيت مُمَرَّدٌ، أي: مُطَوَّلٌ. ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾: قوله : ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ صفة له بعد صفة أخزاه الله، وقيل: هو مستأنف على وجه الدعاء (٢). وقوله: ﴿وَقَالَ﴾ يحتمل أن يكون صفة له أيضًا، أي: شيطانًا مريدًا جامعًا بين اللعنة وهذا القول الرديء، والواو للعطف، وأن يكون للحال وقد معها مرادة، أي: وقد قال، وأن يكون مستأنفًا. والمستكن في ﴿قَالَ﴾ على الأوجه للشيطان. وقوله: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ اللام جواب قَسَمٍ محذوف، أي: والله لأتخذن نصيبًا مفروضًا مقطوعًا واجبًا، من قولهم:

стр. 702

كما يتكلم الملوك والسلاطين، إجلالًا من الله لقدر نبيه. والثالث: أنه على تقدير: قل لهم: قولوا آمنا (١). ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ (ما) موصول في موضع جر لكونه عطفًا على اسم الله، وكذا ما عطف عليه. قيل: وإنما عُدِّيَ ﴿أُنْزِلَ﴾ هنا بحرف الاستعلاء، وفي "البقرة" (٢) بحرف الانتهاء لوجود المعنيين جميعًا، لأن الوحي ينزل من فوقٍ وينتهي إلى الرسل، فأتى تارة بأحد المعنيين، وأخرى بالآخر (٣). ﴿مِنْهُمْ﴾: في موضع جر لكونه نعتًا لـ ﴿أَحَدٍ﴾. و﴿مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: (له) متعلق بقوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أي: موحدون مُخلِصون أنفسنا له. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ (غَيْرَ): يحتمل أن يكون مفعول ﴿يَبْتَغِ﴾، و ﴿دِينًا﴾: نصب على التمييز، وأن يكون حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿دِينًا﴾ و ﴿دِينًا﴾ على هذا يكون مفعول ﴿يَبْتَغِ﴾. ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: (في) متعلق بـ ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ إن جعلت الألف واللام للتعريف، وإن جعلتهما بمعنى الذي كان متعلقًا بمحذوف دل عليه قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، أي: وهو خاسر في الآخرة من الخاسرين.

стр. 703

﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾: قوله : ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ (كيف) نصب بقوله: ﴿يَهْدِي﴾، ولفظه استفهام ومعناه نفي، أي: لا يهديهم. ﴿وَشَهِدُوا﴾: يحتمل أن يكون عطفًا على ما في ﴿إِيمَانِهِمْ﴾ من معنى الفعل؛ لأن معناه بعد أن آمنوا، كقوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ (١)، وقول الشاعر: ١٢٣ - دَعْنِي فَأَذْهَبَ جانِبًا ... يومًا وأَكْفِكَ جَانِبا (٢) وقوله: ١٢٤ - بَدَا لِيَ أَنِّي لَسْت مُدْرِكَ ما مَضَى ... ولا سابقٍ شَيئًا إذا كان جَائِيا (٣) وأن يكون حالًا من الضمير في ﴿كَفَرُوا﴾ وقد معه مرادة، أي: كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق. وقيل: هو عطف على ﴿كَفَرُوا﴾، أي: كيف يهديهم بعد اجتماع الأمرين (٤)، وإنها نزلت في قوم ارتدوا، ثم أرادوا الرجوع إلى الإسلام ونيتهم الكفر (٥).

стр. 704

بمحيص؛ لأنه مصدر، ومعمول المصدر لا يتقدم عليه، وقيل: متعلق بقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ﴾، وليس بالمتين، لأنه لا يتعدى بعن، لا يقال: وجدت عنه كذا إلا أن تجعل عن بمعنى من. والمَحيص: المَعْدِلُ، يقال منه: حاص عن الأمر يَحيص حَيْصًا وحُيُوصًا ومَحِيصًا، أي: عُدُولًا. والمحيص: يصلح للمكان والزمان أيضًا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: (والذين) في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلته ﴿الصَّالِحَاتِ﴾. و ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ الخبر. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الهاء والميم في ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾. ﴿أَبَدًا﴾: ظرف زمان لخالدين. وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران، أَمّا ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ فمؤكِّد لنفسه، أي: وَعَد الله ذلك وعدًا، وأما ﴿حَقًّا﴾ فمؤكد لغيره وهو الوعد. وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (من) استفهام في موضع رفع بالابتداء، ومعناه النفي، والخبر ﴿أَصْدَقُ﴾. و ﴿قِيلًا﴾: منصوب على التمييز، أي: لا أَحَدٌ أصدق منه قولًا. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾: قوله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ اسم ليس مضمر فيها، أي: ليس ذلك، أو ليس ما ادعيتموه، [وذلك أن اليهود قالوا: نحن أصحاب الجنة، وقالت النصارى كذلك، وقال المشركون لا نُبعث، على ما فُسِّر] (١).

стр. 705

وقيل: في ليس ضمير ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ (١)، و ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ خبرها، [أي ليس ينال ما وعد الله من الثواب بأمانيكم] (٢). ﴿وَلَا أَمَانِيِّ﴾: عطف على الخبر. وقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ﴾ الجمهور على جزم دال ﴿وَلَا يَجِدْ﴾ عطفًا على ﴿يُجْزَ﴾، وقرئ: (ولا يجدُ) بالرفع (٣) على الاستئناف. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ مفعول ﴿يَعْمَلْ﴾ محذوف، و ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ في موضع النعت له، أي: ومن يعمل شيئًا منها أو بعضها. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿يَعْمَلْ﴾ و (من) الأولى للتبعيض والثانية للتبيين. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: في موضع الحال أيضًا من المستتر في ﴿يَعْمَلْ﴾. وقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (نقيرًا) مفعول ثان، أي: ولا يظلمون مقدار نقير، وقد ذكر فيما سلف، والنقير: النُقْرَةُ في ظهر النَّواة، وقد ذكر أيضًا (٤). ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾:
следующие страницы →