← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فقلبت الواو المضمومة همزة، كما قلبت في أُجُوهٍ، وهو مُطَّرِدٌ، أعني قَلْبَ الواو المضمومة همزة. وقرئ: (وُثنًا) بالواو على الأصل. وقرئ أيضًا: بإسكان الثاء مع الهمزة والواو تخفيفًا، كما تقول: أَسَدٌ وأُسُدٌ وأُسْدٌ. وقرئ أيضًا: (أوثانًا)، وهو جمع وَثَنٍ أيضًا (١). و﴿مَرِيدًا﴾: نعت للشيطان، وهو فعيل وفيه وجهان: أحدهما: المتجرد من الخير الخارج منه، من قولهم: شَجرةٌ مَرداءُ، إذا تناثر ورقُها، ومنه الأمرد الذي لا شعر في وجهه. والثاني: الممتد في الشرِّ، من قولهم: بيت مُمَرَّدٌ، أي: مُطَوَّلٌ. ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾: قوله : ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ صفة له بعد صفة أخزاه الله، وقيل: هو مستأنف على وجه الدعاء (٢). وقوله: ﴿وَقَالَ﴾ يحتمل أن يكون صفة له أيضًا، أي: شيطانًا مريدًا جامعًا بين اللعنة وهذا القول الرديء، والواو للعطف، وأن يكون للحال وقد معها مرادة، أي: وقد قال، وأن يكون مستأنفًا. والمستكن في ﴿قَالَ﴾ على الأوجه للشيطان. وقوله: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ اللام جواب قَسَمٍ محذوف، أي: والله لأتخذن نصيبًا مفروضًا مقطوعًا واجبًا، من قولهم:

стр. 702

كما يتكلم الملوك والسلاطين، إجلالًا من الله لقدر نبيه. والثالث: أنه على تقدير: قل لهم: قولوا آمنا (١). ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ (ما) موصول في موضع جر لكونه عطفًا على اسم الله، وكذا ما عطف عليه. قيل: وإنما عُدِّيَ ﴿أُنْزِلَ﴾ هنا بحرف الاستعلاء، وفي "البقرة" (٢) بحرف الانتهاء لوجود المعنيين جميعًا، لأن الوحي ينزل من فوقٍ وينتهي إلى الرسل، فأتى تارة بأحد المعنيين، وأخرى بالآخر (٣). ﴿مِنْهُمْ﴾: في موضع جر لكونه نعتًا لـ ﴿أَحَدٍ﴾. و﴿مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: (له) متعلق بقوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ أي: موحدون مُخلِصون أنفسنا له. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ (غَيْرَ): يحتمل أن يكون مفعول ﴿يَبْتَغِ﴾، و ﴿دِينًا﴾: نصب على التمييز، وأن يكون حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿دِينًا﴾ و ﴿دِينًا﴾ على هذا يكون مفعول ﴿يَبْتَغِ﴾. ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: (في) متعلق بـ ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ إن جعلت الألف واللام للتعريف، وإن جعلتهما بمعنى الذي كان متعلقًا بمحذوف دل عليه قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، أي: وهو خاسر في الآخرة من الخاسرين.

стр. 703

﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾: قوله : ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ (كيف) نصب بقوله: ﴿يَهْدِي﴾، ولفظه استفهام ومعناه نفي، أي: لا يهديهم. ﴿وَشَهِدُوا﴾: يحتمل أن يكون عطفًا على ما في ﴿إِيمَانِهِمْ﴾ من معنى الفعل؛ لأن معناه بعد أن آمنوا، كقوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ (١)، وقول الشاعر: ١٢٣ - دَعْنِي فَأَذْهَبَ جانِبًا ... يومًا وأَكْفِكَ جَانِبا (٢) وقوله: ١٢٤ - بَدَا لِيَ أَنِّي لَسْت مُدْرِكَ ما مَضَى ... ولا سابقٍ شَيئًا إذا كان جَائِيا (٣) وأن يكون حالًا من الضمير في ﴿كَفَرُوا﴾ وقد معه مرادة، أي: كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق. وقيل: هو عطف على ﴿كَفَرُوا﴾، أي: كيف يهديهم بعد اجتماع الأمرين (٤)، وإنها نزلت في قوم ارتدوا، ثم أرادوا الرجوع إلى الإسلام ونيتهم الكفر (٥).

стр. 704

بمحيص؛ لأنه مصدر، ومعمول المصدر لا يتقدم عليه، وقيل: متعلق بقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ﴾، وليس بالمتين، لأنه لا يتعدى بعن، لا يقال: وجدت عنه كذا إلا أن تجعل عن بمعنى من. والمَحيص: المَعْدِلُ، يقال منه: حاص عن الأمر يَحيص حَيْصًا وحُيُوصًا ومَحِيصًا، أي: عُدُولًا. والمحيص: يصلح للمكان والزمان أيضًا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: (والذين) في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلته ﴿الصَّالِحَاتِ﴾. و ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ الخبر. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الهاء والميم في ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾. ﴿أَبَدًا﴾: ظرف زمان لخالدين. وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران، أَمّا ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ فمؤكِّد لنفسه، أي: وَعَد الله ذلك وعدًا، وأما ﴿حَقًّا﴾ فمؤكد لغيره وهو الوعد. وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (من) استفهام في موضع رفع بالابتداء، ومعناه النفي، والخبر ﴿أَصْدَقُ﴾. و ﴿قِيلًا﴾: منصوب على التمييز، أي: لا أَحَدٌ أصدق منه قولًا. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾: قوله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ اسم ليس مضمر فيها، أي: ليس ذلك، أو ليس ما ادعيتموه، [وذلك أن اليهود قالوا: نحن أصحاب الجنة، وقالت النصارى كذلك، وقال المشركون لا نُبعث، على ما فُسِّر] (١).

стр. 705

وقيل: في ليس ضمير ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ (١)، و ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ خبرها، [أي ليس ينال ما وعد الله من الثواب بأمانيكم] (٢). ﴿وَلَا أَمَانِيِّ﴾: عطف على الخبر. وقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ﴾ الجمهور على جزم دال ﴿وَلَا يَجِدْ﴾ عطفًا على ﴿يُجْزَ﴾، وقرئ: (ولا يجدُ) بالرفع (٣) على الاستئناف. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾: قوله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ مفعول ﴿يَعْمَلْ﴾ محذوف، و ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ في موضع النعت له، أي: ومن يعمل شيئًا منها أو بعضها. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿يَعْمَلْ﴾ و (من) الأولى للتبعيض والثانية للتبيين. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: في موضع الحال أيضًا من المستتر في ﴿يَعْمَلْ﴾. وقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (نقيرًا) مفعول ثان، أي: ولا يظلمون مقدار نقير، وقد ذكر فيما سلف، والنقير: النُقْرَةُ في ظهر النَّواة، وقد ذكر أيضًا (٤). ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾:

стр. 706

وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ (١) والمِثْلُ يحذف كثيرًا في كلامهم، كقولك: ضرَبْتُهُ ضرْبَ زيدٍ، تريد مِثْلَ ضرْبِه، وأن يراد فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبًا كانَ قد تصدق به، ولو افتدى به أيضًا لم يقبلْ (٢) منه. والجمهور على البناء للمفعول في ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ ورفع الملء. وقرئ: على البناء للفاعل وهو الله جل ذكره ونصب الملء (٣). وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (ناصرين) مبتدأ، و ﴿مِنْ﴾ مزيدة، وخبره ﴿لَهُمْ﴾ والجملة في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والعامل فيها معنى الاستقرار، ويحتمل أن تكون مستأنفة. ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾: قوله : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ أي: لن تصيبوا كمال الخير، والبر: الخير الذي تحبه النفوس، وقيل فيه غير هذا. وقوله: ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ من: للتبعيض، تعضده قراءة من قرأ: (حتى تنفقوا بعض ما تحبون) وهو عبد الله (٤) ﵁. و (ما) موصولة، وما بعدها صلتها، والعائد محذوف، أي: تحبونه. ويحتمل أن تكون موصوفة، وما بعدها صفتها. وأن تكون مصدرية تسمية للمفعول بالمصدر، كخَلْقِ اللَّه، وضَرْبِ الأميرِ. وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ (ما) شرطية نصب بـ ﴿تُنْفِقُوا﴾،

стр. 707

و ﴿تُنْفِقُوا﴾ جزم بها. و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ لتبيين ﴿وَمَا تُنْفِقُوا﴾ (١)، وقد ذكرت نظيره في غير موضع فيما سلف (٢). والضمير في ﴿بِهِ﴾ لشيء، والباء متعلقة بعليم، أي: فإن الله عليم بكل شيء تنفقونه فمجازيكم بحسبه. ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾: قوله : ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (كل الطعام): مبتدأ، وخبره: ﴿كَانَ﴾ وما اتصل بها، والطعام: المطعوم، مصدر بمعنى المفعول به، والحل: الحلال، مصدر بمعنى الفاعل، ويجوز أن يكون على بابه، يقال: حَلَّ الشيءُ حِلًّا، كما يقال: ذلَّت الدابة ذِلًّا، وعز الرجل عِزًّا، ولكونه مصدرًا استوى في الوصف به المذكر والمؤنث، والواحد والجمع، قال الله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (٣). وقوله: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ (ما): في موضع نصب على الاستثناء من اسم كان، أي: إلا الطعامَ الذي حرمه إسرائيل. و ﴿عَلَى﴾ و ﴿مِنْ﴾ متعلقان بـ ﴿حَرَّمَ﴾، وقيل: كان حِلًا لبني إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة. ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)﴾ قوله : ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (مِن) يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿افْتَرَى﴾. وأن يكون متعلقًاب ﴿الْكَذِبَ﴾، والإشارة في ذلك إلى ما ذكر من ظهور الحُجَّة، أي: من بعد ما لزمهم من الحجة القاطعة. ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾:

стр. 708

﴿يَفْتِنَكُمُ﴾، وقيل: هو من صلة ﴿الْكِتَابِ﴾ (١)، أي: ما كتب في معناهن، والإِضافة بمعنى (مِن) (٢) أي: في يتامى مِن النساء. وقريء: (في ييامى النساء) بياءين (٣)، على أن الأصل: أيامى، فقلبت الهمزة ياء كما قلبت في نحو قولهم: قطع الله أَدَهُ (٤)، يريدون: يده. وأما (أيامى) فقالوا: إنها جمع أيِّم، وأصلها أيائم جمع أَيِّم، كسيِّد وسيائد، فقدمت اللام وأخرت العين فصار أيامِي، فأبدلت من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفًا، فوزنها فيالع مقلوبةٌ من فياعل؛ لأن أَيمًا فَيْعَلٌ، هذا مذهب جمهور النحاة في أيم وأيامى. أبو الفتح: ولو ذهب به ذاهب إلى ما أَذكرُهُ لك لم أرَ به بأسًا، وذلك كأنه كُسِّرَ آيم فاعل على فَعْلَى وهو أَيْمى من حيث كانت الأيمةُ بليةً تُدفع إليها، فجرى مجرى هالك وهلكى، وزَمِن وزمنى، وسكران وسكرى، ثم كسّرت أيمى على أيامى، فوزن أيامى الآن على هذا فَعَالى ولا قلب فيها، وأنت إذا سلكت هذا الطريق أحرزت غُنْمَين، وكُفيتَ مؤونتين: إحداهما: أن تكون الكلمة على أصلها لم تقلب ولم يغير شيء من حروفها. والآخر: أنه لو كان الأصل أيائم لجاز، بل لكان الوجه أن يُسمع، وإنما المسموع أيامى كما ترى، فاعرف ذلك. فالييامى على هذا القول: فَعالَى تكسير أَيْمَى على فَعْلَى كهلكى، وعلى القول الآخر: فيالعُ. ومما كُسِّر على فَعْلَى، ثم كسِّرت فَعلَى على فَعالى ما رويناه عن أبي

стр. 709

بكر محمد بن الحسن (١) عن أبي العباس أحمد بن يحيى في أماليه من قول بعضهم: ١٦٨ - * مِثْلَ القَتَالَى في الهَشِيمِ البَالِي (٢) * فهذا تكسير قتيل على قتلى، ثم قتلى على قتالى، انتهى كلامه (٣). قوله : ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ عطف جملة على جملة، أي: ولا ترغبون، وأن يكون حالًا من الفاعل في ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أي: وأنتم ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن أو رغبة في مالهن، وعن أن تنكحوهن لدمامتهن، على ما فسر (٤)، ثم حذف الجار فتعدى الفعل، فـ (أن) في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور، وقد ذكر في غير موضع. وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مجرور بالعطف على ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ أي: يُفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين. و﴿وَأَنْ تَقُومُوا﴾: مجرور أيضًا كالمستضعفين، أي: وفي أن تقوموا، وقد جوز أن يكون منصوبًا بمعنى: ويأمركم أن تقوموا، وأن يكون مرفوعًا على الابتداء والخبر محذوف، أي: وأن تقوموا لليتامى بالقسط خير لكم، والوجه هو الأول.

стр. 710

﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾: قوله : ﴿فِيهِ آيَاتٌ﴾ (آيات): رفع بالابتداء، أو بالظرف. والضمير في ﴿فِيهِ﴾ للبيت. والجملة تحتمل أن تكون في موضع نصب على الحال، وذو الحال إمّا المنوي في ﴿وُضِعَ﴾ (١)، أو في قوله: ﴿بِبَكَّةَ﴾ على قول من جَوَّزَ حالين من ذي حال واحد (٢)، وإما من المستكن في ﴿مُبَارَكًا﴾. وأن تكون مستأنفة مُوضِحَةً معنى البركة والهدى. وقوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مبتدأ وخبره محذوف، أي: منها مقام إبراهيم. والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هن مقام إبراهيم. والثالث: أنه بدل منها. والرابع: أنه عطف بيان لها. واختُلف في استجازة بيان الجماعة بالواحد، والخبر عنها على الوجه الثاني بالمفرد على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يُجْعَلَ وحدَهُ بمنزلة آيات كثيرة، لظهور شأنه، وقوة دَلالته على قدرة الله تعالى، ونبوة إبراهيم ﵇ من تأثير قَدَمِهِ في حَجَرٍ صَلْدٍ كقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (٣).

стр. 711

والثاني: اشتماله على آيات، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وَغَوْصُهُ فيها إلى الكعبين آية، وإِلانَةُ بعضِ الصخرةِ دون بعضٍ آيةٌ، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء ﵈ آية لإِبراهيم ﵇ خاصة، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوفَ سنةٍ آيةٌ. والثالث: أن يراد فيه آيات بينات مقام إِبراهيم، وأَمْنُ مَنْ دَخَلَهُ، أي: وأَمْنُ داخِلِه، لأن الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة، فاعرفه فإنه من كلام الزمخشري (١). والجمهور على جمع الآيات، وقرئ: (آيةٌ بينةٌ) على التوحيد (٢)، على أنه يراد ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (مَن) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون شرطية، وهي في كلا التقديرين في موضع رفع بالابتداء وما بعدها الخبر، والجملة مستأنفة على قراءة من وحذ (آيةٌ بينةٌ)، وأما على قراءة الجمهور فتحتمل أن تكون مستأنفة، وأن تكون عطفًا على ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ على ما ذكرت قبيل. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (حِجُّ البيتِ) رفع بالابتداء على المذهب المنصور. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الخبر. ولك أن تجعل (لله) الخبر، ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ في موضع نصب على الحال من المستكن في الظرف، كما تقول: في الدار على السرير زيد، ولك أن تجعل الظرفين خبرًا عن زيد، ولك أن تجعل في الدار الخبر وعلى السرير حالًا من المستكن في الدار، وليس لك أن تعكس، وهو أن تجعل في الدار

стр. 712

حالًا من المستكن في على السرير، وعلى السرير الخبر، لأن العامل معنىً ومعمول المعنى إذا كان حالًا لا يتقدم عليه، ألا ترى أنهم لم يجيزوا قائمًا في الدار زيد، كما أجازوا في الدار قائمًا زيد، لما ذكرت آنفًا، فاعرفه. وقرئ: (حَج البيت) و (حِج البيت) بفتح الحاء وكسرها (١)، وكلاهما مصدر كالقتل والذكر، والمصدر مضاف إلى المفعول. وقيل: الفتح مصدر والكسر اسم العمل (٢). وقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (مَن): موصول في موضع جر على البدل من، ﴿النَّاسِ﴾ وهو بدل البعض من الكل، ونهاية صلته ﴿سَبِيلًا﴾. وعن الكسائي: أنه شرط، والجواب محذوف تقديره: من استطاع فعليه الحج (٣)، فـ ﴿مَنِ﴾: على قوله في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿اسْتَطَاعَ﴾، أو الجواب المحذوف على الخلاف المذكور في غير موضع، والهاء في ﴿إِلَيْهِ﴾ للبيت، أو للحج. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾: قوله : ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿تَكْفُرُونَ﴾.

стр. 713

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ﴾ الواو للحال، أي: لِمَ تكفرون بآيات الله التي دلتكم على الملة الحنيفية وهي ملة الإسلام، والحال أن الله شهيد على ما يصدر منكم فيجازيكم عليه؟ و﴿مَا﴾: يحتمل أن تكون مصدرية، وأن تكون موصولة. وكذا ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾: اللام متعلقة بقوله: ﴿تَصُدُّونَ﴾، والجمهور على فتح التاء وضم الصاد، وقرئ: (تُصِدون) بضم التاء وكسر الصاد (١)، من أَصَدَّهُ عن كذا، بمعنى صَدَّهُ عنه، لغتان بمعنىً، يقال: صَدَّهُ عن كذا يَصُدُّهُ صَدًّا، إذا منعه وصرفه عنه، وأَصدَّه عنه يُصِدُّهُ إصدادًا مثله، قال الشاعر: ١٢٦ - أُناسٌ أَصَدُّوا الناسَ بالسيفِ عنهُمُ ... ........................ (٢) ﴿مَنْ آمَنَ﴾. (مَن): موصول منصوب بـ ﴿تَصُدُّونَ﴾. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. (تبغون): في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿تَصُدُّونَ﴾ أي: لِمَ تصدون باغين لها اعوجاجًا وميلًا عن القصد والاستقامة؟ يقال: بَغَيتُ له كذا، أي: طلبته. أو من السبيل؛ لأن في الكلام ذكرًا لها، كما أن فيه ذكرًا للفاعلين (٣)، فلذلك ساغ لك أن تجعل

стр. 714

حالًا من كل واحد منهما، أي: تصدون عنها مَبْغِيَّةً. و ﴿عِوَجًا﴾: مفعول (تبغون)، ولك أن تجعله حالًا من الضمير المرفوع في ﴿تَبْغُونَهَا﴾. والعِوج بالكسر: ما كان في أمر (١) أو دين أو معاش. يقال: في دينه عِوَجٌ. وبالفتح: ما كان في حائط أو عود وشبههما، عن ابن السكيت وغيره (٢)، وهو مصدر قولك: عَوِج الشيءُ يَعْوَج بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر عَوَجًا، فهو أعوج، والاسم: العِوجُ بكسر العين. ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في ﴿تَبْغُونَهَا﴾ أي: تبغون لها اعوجاجًا وأنتم عالمون أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل. وقوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. (ط): تحتمل أن تكون مصدرية، وأن تكون موصولة. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾: قوله : ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. (بعدَ): ظرف لقوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾، ويحتمل أن يكون ظرفًا لـ (كافرين)، كقوله: ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٣). و﴿كَافِرِينَ﴾: مفعول ثان ليردوا؛ لأنه بمعنى يصيروا. وقيل: حال من الكاف والميم، وهو سهو لفساد المعنى (٤).

стр. 715

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾: قوله : ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾. (كيف): نصب بـ ﴿تَكْفُرُونَ﴾، وفيه معنى الإِنكار والتعجب، ولك أن تجعلها في موضع الحال على: أجاحدين تكفرون أم جاهلين؟ ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى﴾: ابتداء وخبر في موضع الحال من الضمير في ﴿تَكْفُرُونَ﴾، أي: من أين يتطرق إليكم الكفر والحال أنكم تعاينون ذلك؟ وكذا ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾: قوله : ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ نصب على المصدر، كأنه قيل: اتقوا الله تقاة، ثم وضع ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ موضعها، وأصلها: وُقَاة، لأنها من وَقيتُ، فأبدلت التاء من الواو، كما أبدلت في تراث ونحوه، وأصلها تُقَيَّة، وقد مضى الكلام عليها فيما سلف بأشبع من هذا (١). وقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ظاهره نهي عن الموت، والمعنى على خلافه، لأنهم لا يملكون الموت فينهون عنه. وإنما المعنى: ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام حتى يأتيكم الموت، كما تقول لمن تستعينُ به على لقاء العدو: لا تأتني إلا ومعك مال وأجناد، فأنت لا تنهاه عن الإِتيان، وإنما تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإِتيان، ونظيره ما حكاه صاحب الكتاب ﵀: لا أَرَيَنَّكَ ها هنا، وهو لا ينهى نفسه، وإنما المعنى: لا تكونن ها هنا، فإن من كان ها هنا رأيته (٢).

стр. 716

﴿وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: الجملة في موضع الحال من الضمير في ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾: قوله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. (جميعًا): حال من الضمير في ﴿وَاعْتَصِمُوا﴾ أي: اعتصموا مجتمعين. وحبل الله: القرآن، وأصل الحَبْلِ في اللغة: السبب، وسمي القرآن به؛ لأنه سبب النجاة. ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: أصله تتفرقوا، فحذفت إحدى التاءين كراهة اجتماع المِثْلين في صدر الكلمة، وقد ذكرت نظيره فيما سلف من الكتاب (١). وقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ النعمة: اليَدُ، والصَّنِيْعَةُ، والمِنَّةُ، وما أُنعم به على الإِنسان. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: في موضع نصب على الحال من النعمة، ويجوز أن يكون من صلة النعمة، كقوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. وقوله: ﴿إِذْ كُنْتُمْ﴾. (إذ): ظرف لما تعلق به ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وهو الاستقرار على الوجه الأول، وللنعمة على الوجه الثاني. وقيل: هو ظرف لقوله: ﴿وَاذْكُرُوا﴾ (٢).

стр. 717

وقوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ أصبح هنا يحتمل أن يكون بمعنى صار، أي: صرتم بعد العداوة برحمته أصدقاء مُتَأَلِّفِينَ، وأن يكون على بابه. ﴿إِخْوَانًا﴾ ﴿إِخْوَانًا﴾: خبر أصبحتم. ﴿بِنِعْمَتِهِ﴾: في موضع نصب على الحال على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿إِخْوَانًا﴾. ولك أن تجعل ﴿بِنِعْمَتِهِ﴾ الخبر، أي: أصبحتم مستقرين في نعمته ملتبسين بها، و ﴿إِخْوَانًا﴾ حالًا من المستكن في الظرف، و ﴿إِخْوَانًا﴾: جمع أخ، والإِخوانُ من الصداقة، والإِخوة من الولادة. قيل: وسمي أخًا، لأنه يَتَوَخَّى مذهب أخيه، أي: يَقْصِدُهُ (١). وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ الشفا: الحَرْفُ، وشفا الحُفْرَةِ وَشَفَتُها طرفها وحرفها يُذَكَّرُ ويؤنث، ولامها واو بدلالة قولهم في تثنيته: شَفَوان، ولكونه لم تسمع فيه الإِمالة إلّا أنها في المذكر مقلوبة، وفي المؤنث محذوفة، قال الأخفش: لَمَّا لم تجز فيه الإِمالةُ عُرف أنه من الواو (٢). وقيل: هو من الياء، وإمالته جائزة، والأول هو الأشهر وعليه الأكثر (٣). وقوله ﴿مِنَ النَّارِ﴾ في موضع النعت لحفرة. ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾: المستكن في ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾ لله جل ذكره، أو لرسوله ﵊، والهاء في ﴿مِنْهَا﴾ للحفرة، أو للنار، أو للشفا، وإنما أُنِّثَ لإضافته إلى الحفرة وهو منها. والمضاف إلى المؤنث قد يؤنث وإن كان مذكرًا، كما قيل:

стр. 718

١٢٧ - ...................... ... كما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ من الدَّمِ (١) وذهبت بعض أصابعه، و (تلتقطه بعض السيارة) (٢) على قراءة من قرأ بالتاء النقط من فوقه (٣). وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف دلَّ عليه الكلام، أي: بيانًا مثل ذلك البيان، لأن تفصيل ما سلف بيانٌ وإيضاحٌ، والإِشارة في ذلك إلى البيان، أي: مِثل ذلك البيان البليغ. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: إرادةَ أن تزدادوا هُدًى. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾: قوله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ اللام لام أمْرٍ، وأصلها الكسر بشهادة قوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ وبه قرأ بعض القُرّاء (٤)، وإِنما أسكنت تخفيفًا لاتصالها بالعاطف. وكان هنا تحتمل أن تكون ناقصة، وأن تكون تامة، فإن جعلتها ناقصة: كانت ﴿أُمَّةٌ﴾ اسمها، والخبر ﴿مِنْكُمْ﴾ متعلق بمحذوف.

стр. 719

و ﴿يَدْعُونَ﴾: في موضع رفع على النعت لأمة، أو في موضع نصب على خبر كان. و ﴿مِنْكُمْ﴾ في موضع نصب على الحال على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿أُمَّةٌ﴾. وإن جعلتها تامة: كانت ﴿أُمَّةٌ﴾ مرتفعة بها على الفاعلية، و ﴿يَدْعُونَ﴾ في موضع النعت لأمة، و ﴿مِنْكُمْ﴾ يتعلق إما بكان تعلق الجار بالفعل، وإما بمحذوف على أن تجعله حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿أُمَّةٌ﴾. واختلف في (مِن) مِن ﴿مِنْكُمْ﴾: فقيل: للتبعيض؛ لأن الآمرين يجب أن يكونوا علماء عارفين بالأحكام، وبما يأمرون به وينهون عنه، وليس كل الناس كذلك. وقيل: للتبيين، بمعنى: لتكونوا كلكم أمة على الوصف المذكور (١). ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾: قوله : ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (ما): مصدرية، و (جاء) مسندٌ إلى البينات، وحذفت التاء منه للفصل، أو لأن تأنيث ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ غير حقيقي، أو على تأويل الجمع. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾:

стр. 720

قوله : ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. (يوم): ظرف للظرف وهو ﴿لَهُمْ﴾، أو لقوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ (١) أو لمعنى الجملة، كأنه قيل: يعذبون يوم تبيض، ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمار اذكروا. فإن قلت: هل يجوز أن يكون ظرفًا لعذاب؟ قلت: مُنع ذلك لكونه قد وصف، وأنا لا أمنعه وإن كان قد وصف، لأن الظرف تكفيه رائحة الفعل، ويعضد ما ذهبتُ إليه قولُ الشيخ أبي علي: ولم يستحسنوا هذا ضاربٌ ظريفٌ زيدًا، فظاهر قوله: "لم يستحسنوا" يدل على أنه يجوز على قُبْحٍ. وقد جوز الشيخ أبو علي فيما رُوي عنه في قوله: ١٢٨ - إذا فاقدٌ خَطْباءُ فَرْخَينِ رَجَّعَتْ ... ذَكَرْتُ سُلَيْمَى في الخَليطِ المُباينِ (٢) أن يكون (فرخين) نصبًا بفاقد مع وصفه بخطباء (٣). وعنه أيضًا: أنه ينتصب بفعل مضمر دل عليه فاقد، نحو: إذا فاقد خطباء فقدت فرخين (٤)، كأنه قيل: ما فقدت؟ فقال: فرخين. وإذا كانوا قد جَوَّزوا النصبَ في المفعول به باسم الفاعل بعد أن وُصفَ، فأَنْ يُجَوِّزوه في الظرف بالمصدر بعد أن وُصفَ أولى وأجدر، لما ذكرت آنفًا من أن الظرف تكفيه رائحة الفعل، أي: يَعظُم العذاب في هذا اليوم، وهو يوم القيامة.

стр. 721

والجمهور على فتح حرف المضارعة في ﴿تَبْيَضُّ﴾ و ﴿وَتَسْوَدُّ﴾، وحذف الألف بعد الياء والواو. وقرئ: (تِبيض) و (تِسود) بكسر حرف المضارعة (١)، ليدل على كسر الهمزة في ابيضت واسودت، وهو لغة لبعض العرب، وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب (٢). و(تَبياضّ) و (تَسوادّ) بفتح حرف المضارعة وكسره فيهما مع الألف بعد الياء والواو (٣)، وهما فعلان مبنيان على إفعالَلَ ولحقهما الإِدغام. وابيضاض الوجوه: إشراقها. واسودادها: اغبرارها. وقوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ أي: فيقال لهم: أكفرتم. وهذا المحذوف هو جواب أَمّا، والهمزة في ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ للتوبيخ. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾: قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾. (خير أمةٍ): خبر ﴿كُنْتُمْ﴾، وقيل: كان هنا هي التامة، أي: حَدَثتم أو وُجدتُم خيرَ أمة، فخير أمة على هذا حال. وقال أبو جعفر (٤): كان هنا زائدة، أي: أنتم خير

стр. 722

أمة، وهو سهو منه، لوقوعها في صدر الجملة، والمزيد لا يقع أولًا ولا ينصب شيئًا. واختلف في معناه: فقيل: كنتم في اللوح المحفوظ خير أمة. وقيل: كنتم في علم الله خير أمة. وقيل: كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين به. وقيل: صرتم خير أمة بسبب هذه الأوصاف المذكورة (١). ﴿أُخْرِجَتْ﴾: في موضع جر على النعت لـ ﴿أُمَّةٍ﴾، ومعنى أخرجت: أظهرت. وقيل: أخرجت من مكة إلى المدينة (٢). واللام في قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ يجوز أن تكون من صلة ﴿خَيْرَ﴾، أي: كنتم خير أمة للناس لأمركم إياهم بالمعروف، وأن تكون من صلة ﴿أُخْرِجَتْ﴾، أي: أُخْرِجوا لهم. ﴿تَأْمُرُونَ﴾: يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون مستأنفًا، وفي كلا الوجهين تفسير وتبيين لكونهم خير أمة، كما تقول: فلان شجاع ينصر دين الله، ويقاتل أعداءه. وقوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: لكان الإِيمان خيرًا لهم مما هم عليه. واللام من ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بخير.

стр. 723

﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾: كلام مستأنف. ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾: قوله : ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ (أذىً): نصب على الاستثناء، وهو خَلَف عن مصدر يضروكم، كأنه قيل: لن يضروكم إلا ضَرَرًا يسيرًا، وهو الاقتصار على أذىً بقولٍ مِنْ طَعْنٍ في الدين، أو تهديدٍ، أو شبههما، فالاستثناء على هذا متصل. وقيل: منقطع، أي: لن يضروكم البتة، ثم قال: إلا أذى، أي: لكنهم يؤذونكم بما تسمعونه منهم (١). وقو له: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾. (يولوكم): جواب الشرط. ﴿الْأَدْبَارَ﴾: مفعول ثانٍ له، والكاف والميم أول. ثم قال منصرفًا عن حكم الجزاء إلى حكم الإِخبار مستأنِفًا: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ على معنى: أن نفي النصر وَعْدٌ مطلق منه تعالى قاتَلوا أو لم يقاتِلوا، ولو حمل على العطف لِيجرِي على شكل الأول في الجزاء لكان نفي النصر مقيدًا بمقاتلتهم كتولية الأدبار، فاعرف الفرقان بينهما من جهة المعنى، وهو مع ذلك عطفُ جملة على جملة، كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم يجعلوا ظهورهم تليكم، وهو كناية عن الهزيمة، ثم أُخبركم أنهم لا ينصرون. وعن بعضهم: إنما عُدِلَ به وصرف عن حكم الشرط، لأن جواب الشرط يقع عَقِيبَ المشروط، والمعطوف على الجواب كالجواب، و ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي (٢). ويُنادِي على ضَعفِ هذا القول، قوله : ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٣). قيل: وإنما معنى التراخي في

стр. 724

﴿ثُمَّ﴾ هنا في المرتبة؛ لأن الإِخبار بتسليط الخِذلان عليهم أعظم من الإِخبار بتوليتهم الأدبار (١). ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾: قوله : ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ﴾ قال الزمخشري: ﴿حَبْلٍ﴾ في محل النصب على الحال، بتقدير: إلا معتصمين، أو متمسكين، أو ملتبسين بحبل من الله، وهو استثناء من أعم عام الأحوال، والمعنى: ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلّا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس، بمعنى (٢): ذمة الله وذمة المسلمين، أي: لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة، وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من الجزية، انتهى كلامه (٣). وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع جر على النعت لحبل، وكذا ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في قوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع جر أيضًا على الصفة لغضب. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، وخبره ﴿بِأَنَّهُمْ﴾، والإِشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبَوَاءِ بغضب الله، أي: ذلك ثابت أو كائن بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء، ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ (ذلك) مبتدأ، وخبره ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ و (ما) مصدرية، أي: ذلك كائن بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده، وأعيدت ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ توكيدًا للأولى، والحكم فيهما واحد. ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ

стр. 725

الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾: قوله : ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. الضمير في ﴿لَيْسُوا﴾ لأهل الكتاب وهو اسمها، و ﴿سَوَاءً﴾ خبرها، أي: ليس أهل الكتاب مستوين. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾: (أُمةٌ) رفع بالابتداء، وخبره الجار قبله، أو بالجار على رأي أبي الحسن، والأصل: منهم أمة، إلا أنه وضع الظاهر موضع المضمر، وهو شائع في كلام القوم نثرهم ونظمهم. و﴿قَائِمَةٌ﴾: نعت لأمة، أي: مستقيمة عادلة، من قولهم: أقمت العود فقام، بمعنى استقام. وعن الأخفش تقديره: ذو أمة قائمة، أي: ذو طريقة مستقيمة (١). والأمة الطريقة والدين، يقال: فلان لا أُمَّةَ له، أي: لا دِينَ له. وعن أبي عبيدة: ﴿أُمَّةٌ﴾ اسم ليس، و ﴿سَوَاءً﴾ خبرها، والواو في ﴿لَيْسُوا﴾ كالواو في: أكلوني البراغيث، والألف في: قاما غلاماك. وهو سهو لكونه قد جرى ذكرهم، ونحو قاما غلاماك، وأكلوني البراغيث إنما يكون في ابتداء الكلام من غير جَرْيِ ذِكْرٍ (٢). وعن الفراء: ﴿أُمَّةٌ﴾ رفع بسواء على الفاعلية، وهو سهو أيضًا، إذ لا يعود على اسم ليس من خبرها شيء (٣). وقولة: ﴿يَتْلُونَ﴾ تحتمل أن تكون في موضع رفع على النعت لي ﴿أُمَّةٌ﴾، وأن تكون في موضع نصب على الحال: إما من المستكن في الجار والعامل فيه الجار لكونه خَلَفًا عن فعل الاستقرار، أو من المستكن في ﴿قَائِمَةٌ﴾، أو من ﴿أُمَّةٌ﴾ لكونها قد وصفت على رأي أبي الحسن، ولا

стр. 726

يجوز أن تكون حالًا من ﴿أُمَّةٌ﴾ على رأي صاحب الكتاب لعدم العامل، إذ الابتداء لا يعمل في الأحوال (١). و﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: ساعاتُه، واحدُها إنْيٌ، كنِحْي وأنحاءٍ، عن أبي عبيدة (٢). وقال الأخفش: واحدها (إنًى) كمِعًى وأمعاء (٣). وقال بعضهم: واحدها إِنْيٌ وإِنْوٌ (٤). يقال: مضى إِنيان من الليل وإنوان. وقيل: واحدها أَنًى كرَحًى وأَرْحاء (٥). وهي ظرف لـ ﴿يَتْلُونَ﴾. وقوله: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿يَتْلُونَ﴾، أو المستكن في ﴿قَائِمَةٌ﴾. وكذلك ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: تحتمل أن تكون في محل الرفع على النعت لـ ﴿أُمَّةٌ﴾؛ وأن تكون في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿يَسْجُدُونَ﴾، أو من الضمير في ﴿يَتْلُونَ﴾، أو من المستكنّ في الجارّ، أو في ﴿قَائِمَةٌ﴾ على ما ذُكر قبيل. وكذلك ﴿وَيَأْمُرُونَ﴾ وما بعده، وقد جوز أن يكون ذلك كله مستأنفًا (٦). ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾: قوله : (وما تفعلوا من خير) (ما) شرط منصوب بتفعلوا، و ﴿تَفْعَلُوا﴾ مجزوم به. و ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ في موضع نصب على التمييز، وقد ذكرت نظيره في غير موضع بأشبع من هذا (٧).

стр. 727

(فَلَنْ تُكْفَرُوهُ): الفاء وما بعدها جواب الشرط، قيل: وإنما عُدِّي (تُكْفَرُوهُ) إلى مفعولين، وشَكَرَ وكَفَرَ لا يتعديان إلَّا إلى واحد، تقول: شكر النعمة وكفرها، لكونه ضُمِّنَ معنى الحرمان، فكأنه قيل: فلن تحرموه، بمعنى: فلن تحرموا جزاءه (١). والهاء في (فَلَنْ تُكْفَرُوهُ) لخير. وقرئ: (تَفعلوا) و (تُكفروه) بالتاء فيهما النقط من فوقه لقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ (٢). وبالياء فيهما النقط من تحته لقوله: ﴿يَتْلُونَ﴾ وما بعده من لفظ الغيب (٣). ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)﴾: قوله : ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (شيئًا): يجوز أن يكون مفعول ﴿تُغْنِيَ﴾، وأن يكون في موضع المصدر، أي: شيئًا من الإِغناء. ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾: قوله : ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾ (مَثَلُ): مبتدأ و (ما) موصول و ﴿الدُّنْيَا﴾ نهاية صلته. ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ﴾: الخبر، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: مَثَلُ إِهلاك الله ما ينفقون كَمَثَلِ إهلاك ريح، ثم حُذف الإِهلاك لدلالة آخِرِ الكلام

стр. 728

عليه، واستُغني عن لفظه بما دل [عليه] (١) فحوى الكلام، أو مَثَلُ ما ينفقون كمثل مَهْلِك ريحٍ، وهو الحرث، وإنما احتيج إلى هذا التقدير ليتقابل المثلان. والمعنى: ما ينفقون مُهْلَكٌ ذاهبٌ كذهاب ما تهلكه الريح. شبه الله جل ذكره ما ينفقونه في غير رضاه، في بطلانه وذهابه بحرث أهلكته ريح من صفتها كيت وكيت. ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾: (صرٌ) رفع بالابتداء، وخبره الظرف، أو بالظرف على رأي أبي الحسن، والجملة في موضح جر على النعت لـ ﴿رِيحٍ﴾. والصِرُّ بالكسر: برد شديد يضرب النبات والحرث عن ابن عباس ﵁ وغيره (٢). وعن الزجاجِ: الصِرُّ صوت لهيب النار التي كانت في تلك الريح (٣). وقوله: ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ في موضع الجر أيضًا على الصفة للريح. وقوله: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ في موضع جر صفة لقوم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾: قوله : ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ (من دونكم) يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله صفة لبطانة، أي: بطانة كائنة من دونكم، أي: من دون أبناء جنسكم، وهم المسلمون.

стр. 729

واختلف في ﴿مِنْ﴾ فقيل: للتبعيض، كأنه قيل: لا تتخذوا بعض غير جنسكم بطانة. وقيل: للتبيين كالتي في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (١). وقيل: مزيدة، أي: بطانة دونكم في العمل والإِيمان (٢). وبطانة الرجل ووليجته: صفِيُّهُ الذي يُطلعه على باطن الأمر، من بَطَنْتُ هذا الأمر، إذا عرفتَ باطنه، ومنه ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ في صفة الله جل وعز، وهي في الأصل مصدر، ولذلك تأتي للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث. وقوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. (لا يألونكم): في موضع نصب إما على الصفة لبطانة، أو على الحال إما من البطانة لكونها قد وصفت، أو من المستكن في الظرف وهو ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾، أي: غير مقصريكم خبالًا. والمعنى: لا يقصرون في أمركم خبالًا. يقال: أَلَا في الأمر يألو، إذا قَصَّرَ فيه، واختُلف فيه: فقيل: يتعدى إلى مفعولين، وقد استعملته العرب مُعَدَّى إليهما في قولهم: لا آلوك نصحًا، ولا آلوك جهدًا، على التضمين، والمعنى: لا أمنعك نصحًا ولا أنقصكه (٣). وقيل: إلى مفعول واحد بغير الجار، وإلى الثاني به. وقيل: إلى مفعول واحد. فخبالًا على الوجه الأول: مفعول ثان، وعلى الثاني: نصب على إسقاط الجار، وعلى الثالث: تمييز، وقيل: مصدر في موضع الحال (٤).

стр. 730

والخبال: الفساد، يقال: في قوائمه خَبْلٌ وخَبالٌ، أي: فساد من جهة الاضطراب. وقوله: ﴿وَدُّوا﴾. في موضع نصب أيضًا على الحال من الضمير في ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ﴾: وقد معه مرادة. ولك أن تجعله مستأنفًا لا موضع له. ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾: (ما) مصدرية، أي: ودوا عنتكم. والعنت: المشقة، يقال: عنِت فلان يعنَت بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر عَنَتًا، إذا دخلت عليه المشقة، وأَعْنَتَهُ غيرُهُ، إذا حمله عليها. وقوله ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ﴾ أصله بَدَوَتْ، لأنه من بدا يبدو، ثم قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذفت لالتقاء الساكنين هي وتاء التأنيث، ولم تُرَدَّ مع تحرك التاء لكون حركتها عارضةً، كما لم ترد الألف في نحو: رَمَتِ المرأةُ، والواو في نحو: قُلِ الحقُّ، و ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ﴾ (١) لذلك. والجملة - أعني ﴿قَدْ بَدَتِ﴾ - تحتمل أن تكون حالًا، وأن تكون صفة لقوله: ﴿بِطَانَةً﴾ أي: بادية بَغضاؤهم، وأن تكون مستأنفة. ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿بَدَتِ﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله حالًا، كأنه قيل: ظهرت بارزة من أفواههم؛ لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم وتحاملهم عليها أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين. ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية. ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾:

стр. 731

قوله : ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾: للتنبيه دخل على (أنتم) و (أنتم) مبتدأ، وخبره ﴿أُولَاءِ﴾، وأولاء: اسم إشارة، أي: أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب على ما فسر (١). وقوله: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ تفسير وبيان لخطئهم في موالاتهم. وقيل: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ في موضع نصب على الحال (٢) من ﴿أُولَاءِ﴾، والعامل فيها معنى التنبيه. قال أبو إسحاق: المعنى: انظروا إلى أنفسكم محبين لهم، نُبِّهُوا في حال محبتهم إياهم، انتهى كلامه (٣). وقيل: ﴿أُولَاءِ﴾ موصول، و ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ صلته (٤)، وهو مع صلته خبر (أنتم). وقيل: ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ مبتدأ و ﴿أُولَاءِ﴾ مبتدأ ثان، والخبر ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ والجملة خبر ﴿هَاأَنْتُمْ﴾. وقد مضى الكلام على هذا في سورة البقرة عند قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ بأشبع من هذا (٥). وقوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ الواو في ﴿وَتُؤْمِنُونَ﴾ واو الحال، وذو الحال الكاف والميم في ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾، أي: ولا يحبونكم والحالُ أنكم تؤمنون بالكتاب كله، والمراد بالكتاب هنا الجنس، أي: بالكتب، عن ابن عباس ﵄ (٦)، والمعنى: أنتم تؤمنون بجميع الكتب، وهم لا يؤمنون بكتابكم.

стр. 732

وقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ عليكم): متعلق بـ ﴿عَضُّوا﴾، والعض: معروف، يقال: عَضِضْتُ أَعَضُّ، وكذا ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ متعلق بـ ﴿عَضُّوا﴾ أي: من أجل الغيظِ. والأنامِلُ: أطرافُ الأصابع، واحدتها أَنْمُلَة، وأنمَلة بضم الميم وفتحها (١). والغيظ غضب كامن للعاجز، أي مختفٍ، يقال: غاظه غيظًا فهو مَغِيظٌ، ولا يقال: أغاظه. عن الجوهري (٢). وقوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ الباء متعلق بموتوا، ويحتمل أن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله حالًا من الضمير في ﴿مُوتُوا﴾، أي: موتوا مغتاظين ملتبسين به. قيل: هو دعاء عليهم بأن يزدادَ غيظُهم حتى يهلكوا به (٣). ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾: قوله : (لا يَضِرْكُم) قرئ: بكسر الضاد وإسكان الراء (٤)، من ضاره يضيره ضيرًا، أي: ضَرهُ، ويقال أيضًا فيه: يضوره ضورًا، لغتان بمعنًى، عن الكسائي، وأجاز (لا يَضُرْكم) بضم الضاد وتخفيف الراء (٥). و﴿يَضُرُّكُمْ﴾ بضم الضاد وتشديد الراء مع ضمها (٦)، من ضرَّه يَضُرُّهُ، لغتان بمعنًى.

стр. 733

وضمة الراء لإتباع ضمة الضاد، كما تقول: مُدُّ يا هذا، لا ضمةُ إعرابٍ، لأنه جواب الشرط. وقيل: هو مرفوع على إضمار الفاء (١)، أي: فلا يضرُّكم، كقول الشاعر: ١٢٩ - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها ... .............................. (٢) وقيل: هو مرفوع على نية التقديم، أي: لا يضركم كيدهم شيئًا إن تتقوا، كما قال: ١٣٠ - .................... ... إنَّكَ إِنْ يُصْرَعْ أخوكَ تُصْرَعُ (٣) فرفع تصرع على نية التقديم، والوجه هو الأول، لأن ما ذكر بابه النظم لا النثر لإِقامة الوزن، والكتاب العزيز لا يُحمل عليه. وعن عاصم: (لا يَضُرَّكم) بفتح الراء (٤) على أنه مجزوم على جواب الشرط، وفتح الراء فيه لالتقاء الساكنين طلبًا للخفة، إذ كان أخفَّ من الضم والكسر. ويجوز (لا يَضُرَّكم) بكسر الراء على أصل التقاء الساكنين (٥).

стр. 734

﴿شَيْئًا﴾: واقع موقع ضيرًا، أو ضرًّا، وهو منصوب على المصدر لوقوعه موقعه. ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾: قوله : ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾. أي: واذكر إذ غدوت من أهلك بالمدينة، وهو غُدُوُّهُ ﵊ إلى أُحد من حجرة عائشة ﵂ على ما فسر (١). و﴿مِنْ﴾: لابتداء الغاية، وموضعه: نصب على أنه مفعول به على التضمين، كأنه قيل: واذكر إذ فارقت أهلك. ﴿تُبَوِّئُ﴾: في محل النصب على الحال من التاء في ﴿غَدَوْتَ﴾، أي: مُبَوِّئًا، أي: مُنْزِلًا. يقال: بَوَّأْتُ الرجلَ منزلًا، وبوأت له منزلًا، فيتعدى إلى المفعول الثاني تارة بنفسه، كقوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ﴾، فـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفعول أول، و ﴿مَقَاعِدَ﴾ ثانٍ، أي: مواطن ومواقف، وتارة بالجار، كقوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (٢) فالتعدية إلى المفعولين من غير الجار بمعنى تُنَزِّلهم مواطنهم، وبالجار بمعنى تُسَوِّي لهم مواطنَهم وتُهَيِّئ. ﴿لِلْقِتَالِ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿تُبَوِّئُ﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله صفة لمقاعد. قيل: وقد اتُّسِعَ في قعد وقام حتى أُجريا مُجرَى صار، واستُعمل المقعدُ والمقامُ في معنى المكان، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ (٣). ﴿قَبْلَ أَنْ

стр. 735

تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ (١)، أي: من مجلسك وموضع حكمك (٢). ولهذا لم يتعلق به ﴿لِلْقِتَالِ﴾ هنا، لكونه بمعنى المكان، والمكان لا يعمل عمل الفعل. ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾: قوله : ﴿إِذْ هَمَّتْ﴾. ﴿إِذْ﴾ يحتمل أن يكون ظرفًا لـ ﴿تُبَوِّئُ﴾، وأن يكون ظرفًا لـ ﴿عَلِيمٌ﴾. وقيل: هو بدل من ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ (٣). ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾: أن في موضع نصب لعدم الجار وهو الباء، أو جر على إرادة الجار، على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (٤). والفشل: الجبن، يقال: فشِل الرجل يفشَل بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر فشلًا، إذا جبن. وقريء: (والله وليهم) (٥) حملًا على المعنى، كقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٦). ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾: قوله : ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ مبتدأ وخبر في موضع نصب على الحال من الكاف والميم في ﴿نَصَرَكُمُ﴾.

стр. 736

و ﴿أَذِلَّةٌ﴾: جمع ذليل، يقال: رجل ذليل بيِّن الذلّ، والذِّلَّة، والمذَلَّةِ. والذُّلُّ ضد العز، وكان القياس أن يجمع على فعلاء، لأن الأصل في فعيل إذا كان صفة أن يجمع على فعلاء، كظريف وظرفاء، وخليط وخلطاء، ولكنهم تجنبوا فعلاء في التضعيف كراهة اجتماع حرفين من جنس واحد، وعدلوا إلى أفعلة، وجمعوه جمع الأسماء، كرغيف وأرغفة، طلبًا للخفة، وفرارًا من تكرير المِثْلين. والأَذِلَّةُ: جمع قلة، والذُّلّانُ: جمع كثرة. قيل: وإنما جاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلًا، وذِلتُهم ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، على ما فسر (١). ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)﴾: قوله : ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ أي: اذكر إذ تقول. وقيل: هو ظرف لـ ﴿نَصَرَكُمُ﴾ (٢) على أن يقول لهم ذلك يوم بدر (٣). وقيل: هو بدل من ﴿إِذْ هَمَّتْ﴾ (٤). وقوله: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام دخلت على (لن) لإِنكار أَلَّا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي نقلته إلى الإِثبات. ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾: أن وما اتصل بها في موضع رفع على الفاعلية، أي: ألن يكفيكم إمداد ربكم بالمذكورين.

стр. 737

والجمهور على كسر تاء قوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ و ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾ (١)، وقرئ: (بثلاثة آلاف) و (بخمسة آلاف) بإسكان الهاء فيهما في الوصل (٢)، على إجراء الوصل مُجرَى الوقف، كما روي عن بعضهم: أكلت لَحْمَا شاةٍ. يريد: لَحْمَ شاةٍ، فأشبع الفتحة فنشأت عنها الألف، كقولهم في الوقف: قالا. يريد: قال، ونحو هذا إنما يكون في الوقف، ولا يكون مع الإسراع والاستحثاث في حال السعة والاختيار، ولا يُحمل عليه الكتاب العزيز، لكونه فصل بين المضاف والمضاف إليه، وهما كالشيء الواحد (٣). وقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ نعت لثلاثة. وقريء: (مُنْزَلين) بإسكان النون وتخفيف الزاي (٤)، على أنه اسم مفعول من أنزل، و (مُنَزَّلين) بفتح النون وتشديد الزاي (٥)، على أنه من نَزَّلَ وكلتاهما بمعنى. والجمهور على فتح الزاي، على أنه اسم المفعول، وقرئ: (مُنْزِلين) بكسر الزاي (٦)، على أنه اسم الفاعل، بمعنى منزلين النصر على المؤمنين. ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾:

стр. 738

قوله : ﴿بَلَى﴾ إيجاب لما بعد ﴿لَنْ﴾ (١)، أي: بلى يكفيكم الإِمداد بهم، فأوجب الكفاية، يقال: كفاه يكفيه كفاية فهو كاف، إذا قام بالأمر (٢). ثم قال: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا﴾ على لقاء العدو ﴿وَتَتَّقُوا﴾ معصية الله ومخالفة رسوله، ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ يعني المشركين. ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾: (هذا) نعت لفورهم، وهو مصدر، من قولهم: فارت القدر تفور فورًا، إذا غَلَتْ، وأصله الغليان، ومنه فَوْرَةُ الغضب، ثم استعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التي لا بُطءَ فيها، فقيل: أتانا فلان ورجع من فوره، كما تقول: من ساعته لم يلبث، ومنه قول الفقهاء: الأمر على الفَوْرِ لا على التراخي (٣). والمعنى: أنهم إن يأتوكم من ساعتهم هذه يمددكم ربكم بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم. و﴿يُمْدِدْكُمْ﴾: جواب الشرط. ﴿مُسَوِّمِينَ﴾: نعت لخمسة. وقرئ: (مسوِّمين) بكسر الواو على البناء للفاعل (٤)، بمعنى: مُعْلِمِينَ أنفسَهم أو خيلَهم. من السُّوْمَةِ (٥)، وهي العلامة تُجْعَلُ على الشاة وغيرها، وفي الحرب أيضًا تقول: تَسَوَّمَ، وفي الحديث: "سَوِّمُوا فإنَّ الملائكة قد سَوَّمَتْ " (٦). وبفتحها على البناء للمفعول (٧)،

стр. 739

بمعنى: مُعْلَمِينَ بعلامة يُعْرَفُون بها في الحرب. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾: قوله : ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ جعل هنا بمعنى صير، ولذلك عُدِّي إلى مفعولين، أحدهما: الهاء، والثاني: ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾. والبشرى: اسم للإِبشار، أو التبشير. والهاء في ﴿جَعَلَهُ﴾ للإمداد، دل عليه ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ (١)، أي: وما صيَّر الإِمداد بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون. وقيل: للإِنزال، دل عليه ﴿مُنْزَلِينَ﴾ (٢). وقيل: للتسويم، دل عليه ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ (٣). وقيل: للعدد دل عليه ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾ (٤)، لأن ذلك عدد (٥). فإن قلت: هل يجوز أن يكون جعل هنا بمعنى عمل، و ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾ مفعولًا من أجله، أو بدلًا من الهاء في ﴿جَعَلَهُ﴾؟ قلت: لا يبعد ذلك (٦). قوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾. (ولتطمئن): على الوجه الأول متعلق بفعلٍ دل عليه ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾، أي: وللطمأنينة بَشَّرَكُمْ به، وعلى الوجه الثاني وهو أن تجعل ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾ مفعولًا من أجله عَطْف على ﴿بُشْرَى﴾، كأنه قيل: وما جعله إلا بشارةً وطمأنينةً لقلوبكم. ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾:

стр. 740

قوله : ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ اللام تحتمل أن تكون متعلقة بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١) .. لِيَقْطَعَ، أو بفعل محذوف دل عليه ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ (٢)، أي: أمدكم بالملائكة ليقطع طرفًا، أو دَبَّر ذلك ليقطع، أو بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣)، أي: نصركم ليقطع طرفًا، أي: ليهلك فريقًا منهم بالقتل والأسر، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش وصناديدهم على ما فسر (٤). وقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ عطف على ﴿لِيَقْطَعَ﴾، أي: أو يذلهم ويصرفهم منهزمين. والكَبْتُ: الصرفُ والإِذلال، يقال: كبت الله عدوه، أي: صرفه وأذله (٥). وقال بعض أهل اللغة: أصل كبته: كَبَدَهُ، أي: أصابه بالحزن في كَبِده، فأُبدلت التاء من الدال (٦). وكذلك ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾ عطف على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، أو على قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾. ﴿خَائِبِينَ﴾: يحتمل أن يكون حالًا من الضمير في ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾، وأن يكون خبر ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾ على التضمين، أي: فيصيروا خائبين غير ظافرين بما راموا، والخائب: المنقطع الأمل. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩﴾:
следующие страницы →