← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

و ﴿أَذِلَّةٌ﴾: جمع ذليل، يقال: رجل ذليل بيِّن الذلّ، والذِّلَّة، والمذَلَّةِ. والذُّلُّ ضد العز، وكان القياس أن يجمع على فعلاء، لأن الأصل في فعيل إذا كان صفة أن يجمع على فعلاء، كظريف وظرفاء، وخليط وخلطاء، ولكنهم تجنبوا فعلاء في التضعيف كراهة اجتماع حرفين من جنس واحد، وعدلوا إلى أفعلة، وجمعوه جمع الأسماء، كرغيف وأرغفة، طلبًا للخفة، وفرارًا من تكرير المِثْلين. والأَذِلَّةُ: جمع قلة، والذُّلّانُ: جمع كثرة. قيل: وإنما جاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلًا، وذِلتُهم ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، على ما فسر (١). ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)﴾: قوله : ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ أي: اذكر إذ تقول. وقيل: هو ظرف لـ ﴿نَصَرَكُمُ﴾ (٢) على أن يقول لهم ذلك يوم بدر (٣). وقيل: هو بدل من ﴿إِذْ هَمَّتْ﴾ (٤). وقوله: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام دخلت على (لن) لإِنكار أَلَّا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي نقلته إلى الإِثبات. ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾: أن وما اتصل بها في موضع رفع على الفاعلية، أي: ألن يكفيكم إمداد ربكم بالمذكورين.

стр. 737

والجمهور على كسر تاء قوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ و ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾ (١)، وقرئ: (بثلاثة آلاف) و (بخمسة آلاف) بإسكان الهاء فيهما في الوصل (٢)، على إجراء الوصل مُجرَى الوقف، كما روي عن بعضهم: أكلت لَحْمَا شاةٍ. يريد: لَحْمَ شاةٍ، فأشبع الفتحة فنشأت عنها الألف، كقولهم في الوقف: قالا. يريد: قال، ونحو هذا إنما يكون في الوقف، ولا يكون مع الإسراع والاستحثاث في حال السعة والاختيار، ولا يُحمل عليه الكتاب العزيز، لكونه فصل بين المضاف والمضاف إليه، وهما كالشيء الواحد (٣). وقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ نعت لثلاثة. وقريء: (مُنْزَلين) بإسكان النون وتخفيف الزاي (٤)، على أنه اسم مفعول من أنزل، و (مُنَزَّلين) بفتح النون وتشديد الزاي (٥)، على أنه من نَزَّلَ وكلتاهما بمعنى. والجمهور على فتح الزاي، على أنه اسم المفعول، وقرئ: (مُنْزِلين) بكسر الزاي (٦)، على أنه اسم الفاعل، بمعنى منزلين النصر على المؤمنين. ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾:

стр. 738

قوله : ﴿بَلَى﴾ إيجاب لما بعد ﴿لَنْ﴾ (١)، أي: بلى يكفيكم الإِمداد بهم، فأوجب الكفاية، يقال: كفاه يكفيه كفاية فهو كاف، إذا قام بالأمر (٢). ثم قال: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا﴾ على لقاء العدو ﴿وَتَتَّقُوا﴾ معصية الله ومخالفة رسوله، ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ يعني المشركين. ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾: (هذا) نعت لفورهم، وهو مصدر، من قولهم: فارت القدر تفور فورًا، إذا غَلَتْ، وأصله الغليان، ومنه فَوْرَةُ الغضب، ثم استعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التي لا بُطءَ فيها، فقيل: أتانا فلان ورجع من فوره، كما تقول: من ساعته لم يلبث، ومنه قول الفقهاء: الأمر على الفَوْرِ لا على التراخي (٣). والمعنى: أنهم إن يأتوكم من ساعتهم هذه يمددكم ربكم بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم. و﴿يُمْدِدْكُمْ﴾: جواب الشرط. ﴿مُسَوِّمِينَ﴾: نعت لخمسة. وقرئ: (مسوِّمين) بكسر الواو على البناء للفاعل (٤)، بمعنى: مُعْلِمِينَ أنفسَهم أو خيلَهم. من السُّوْمَةِ (٥)، وهي العلامة تُجْعَلُ على الشاة وغيرها، وفي الحرب أيضًا تقول: تَسَوَّمَ، وفي الحديث: "سَوِّمُوا فإنَّ الملائكة قد سَوَّمَتْ " (٦). وبفتحها على البناء للمفعول (٧)،

стр. 739

بمعنى: مُعْلَمِينَ بعلامة يُعْرَفُون بها في الحرب. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾: قوله : ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ جعل هنا بمعنى صير، ولذلك عُدِّي إلى مفعولين، أحدهما: الهاء، والثاني: ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾. والبشرى: اسم للإِبشار، أو التبشير. والهاء في ﴿جَعَلَهُ﴾ للإمداد، دل عليه ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ (١)، أي: وما صيَّر الإِمداد بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون. وقيل: للإِنزال، دل عليه ﴿مُنْزَلِينَ﴾ (٢). وقيل: للتسويم، دل عليه ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ (٣). وقيل: للعدد دل عليه ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾ (٤)، لأن ذلك عدد (٥). فإن قلت: هل يجوز أن يكون جعل هنا بمعنى عمل، و ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾ مفعولًا من أجله، أو بدلًا من الهاء في ﴿جَعَلَهُ﴾؟ قلت: لا يبعد ذلك (٦). قوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾. (ولتطمئن): على الوجه الأول متعلق بفعلٍ دل عليه ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾، أي: وللطمأنينة بَشَّرَكُمْ به، وعلى الوجه الثاني وهو أن تجعل ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾ مفعولًا من أجله عَطْف على ﴿بُشْرَى﴾، كأنه قيل: وما جعله إلا بشارةً وطمأنينةً لقلوبكم. ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾:

стр. 740

قوله : ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ اللام تحتمل أن تكون متعلقة بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١) .. لِيَقْطَعَ، أو بفعل محذوف دل عليه ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ﴾ (٢)، أي: أمدكم بالملائكة ليقطع طرفًا، أو دَبَّر ذلك ليقطع، أو بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣)، أي: نصركم ليقطع طرفًا، أي: ليهلك فريقًا منهم بالقتل والأسر، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش وصناديدهم على ما فسر (٤). وقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ عطف على ﴿لِيَقْطَعَ﴾، أي: أو يذلهم ويصرفهم منهزمين. والكَبْتُ: الصرفُ والإِذلال، يقال: كبت الله عدوه، أي: صرفه وأذله (٥). وقال بعض أهل اللغة: أصل كبته: كَبَدَهُ، أي: أصابه بالحزن في كَبِده، فأُبدلت التاء من الدال (٦). وكذلك ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾ عطف على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، أو على قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾. ﴿خَائِبِينَ﴾: يحتمل أن يكون حالًا من الضمير في ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾، وأن يكون خبر ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾ على التضمين، أي: فيصيروا خائبين غير ظافرين بما راموا، والخائب: المنقطع الأمل. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩﴾:

стр. 741

قوله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. (شيءٌ): اسم ليس، وخبرها ﴿لَكَ مِنَ الْأَمْرِ﴾ كلاهما. ولك أن تجعل ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ في محل النصب على الحال على تقدير تقديمه على الموصوف وهو شيء، و ﴿لَكَ﴾ الخبر. وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عطف على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾ (١)، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾. و ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾: فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه، كما تقول: أعطيت زيدًا درهمًا فاعرفه وبكرًا. على معنى: أن الله يفعل بعباده ما يريد، فإما أن يستأصلهم، أو يذلهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على ما هم عليه، ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إنما أنت عبد مأمور بتبليغ ما أمرت به، كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ (٢) ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (٣). وقيل: ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ نصب بإضمار أن، و (أن يتوب) في حكم اسم معطوف بأو على ﴿الْأَمْرِ﴾، أو على ﴿شَيْءٌ﴾، أي: ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم. وقيل: ﴿أَوْ﴾ بمعنى إلا أن، أي: ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتسر بحالهم، أو يعذبهم فَتَشَفَّى منهم (٤). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾:

стр. 742

قوله : ﴿أَضْعَافًا﴾ حال من ﴿الرِّبَا﴾، كأنه قيل: لا تأكلوا الربا مزيدًا، لأنهم كانوا يبيعون إلى أجل، ثم يزيدون في التأخير والأجل، وكانوا يقولون: إذا حل الأجل زدني في الأجل أزدك في المال، فنُهوا عن ذلك (١). ﴿مُضَاعَفَةً﴾: نعت لأضعاف. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ قوله : ﴿وَسَارِعُوا﴾ قرئ: بالواو (٢) عطفًا على أطيعوا، تعضده قراء من قرأ: (وسابقوا) وهما أُبي وعبد الله (٣) ﵄، وكذا في مصاحف أهل العراق (٤). وبغير الواو (٥) على الاستئناف، وكذا هي في مصاحف أهل المدينة والشام (٦). والمعنى: لِيسارعْ بعضكم بعضًا. ﴿وَجَنَّةٍ﴾: أي: وإلى جنة. وقوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ﴾ مبتدأ وخبر في موضع جر على النعت لـ ﴿وَجَنَّةٍ﴾، أي: عرضها عرض السماوات، أي: مثل عرض السماوات، كقوله: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ﴾ (٧). وقوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ في موضع جر أيضًا على الصفة لجنة، ولك أن

стр. 743

تجعلها في موضع نصب على الحال من الجنة لكونها قد وصفت، وأن تجعلها مستأنفة. فإن قلت: هل يجوز أن تكون حالًا من المضاف إليه وهو ضمير الجنة؟ قلت: مُنع ذلك لأوجه: أحدهما: عدم العامل. والثاني: أن العرض هنا لا يراد به المصدر الحقيقي، وإنما يراد به المسافة، إذ المراد وصفها بالسَّعة والبَسْطَةِ. والثالث: أن ذلك يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها بالخبر. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ إما موصول بالمتقين (١) على أنه نعت مجرور، أو مدح منصوب، أو مرفوع على إضمار: (هم). وقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ﴾ على الوجهين الأولين، وأما على الوجه الثالث: فمنصوب على المدح، كقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ (٢). والكاظمون الغيظ: الحابسونه، يقال: كَظَمَ غيظه كَظْمًا، إذا حبسه واجترعه فهو كظيم. وفي الحديث: "من كظم غيظًا وهو يقدر على إنفاذِهِ ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانمًا" (٣). قيل: وأصله من كظمت القِرْبة، إذا ملأتَها ماء ثم شددتها.

стр. 744

﴿وَالْعَافِينَ﴾: عطف أيضًا، أي: يعفون عمن ظلمهم وأساء إليهم على ما فسر (١)، مِن عفا عن ذنبه، إذا تركه ولم يعاقبه، والعَفْوُ: محو الذنب بحيث كأنه لم يفعل، في ترك الانتقام (٢). ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قد جوز أن تكون اللام للجنس فتتناول كل محسن، ويدخل تحته هؤلاء المذكورون، وأن تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء (٣). ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾: قوله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا﴾: يحتمل أن يكون عطفًا على ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) أي: أعدت للمتقين وللتائبين، وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الطائفتين، وأن يكون عطفًا على ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ (٥) على أوجهه المذكورة. وأن يكون مبتدأ خبره ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ﴾، فـ ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ، و ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ مبتدأ ثان ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ خبره، وكلاهما خبر ﴿أُولَئِكَ﴾، والجميع خبر ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾. ﴿ذَكَرُوا﴾: جواب ﴿إِذَا﴾، أي: تذكروا عقابه أو وعيده. وقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (من) استفهامية في موضع رفع

стр. 745

بالابتداء وخبره ﴿يَغْفِرُ﴾. ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بدل من المستكن في ﴿يَغْفِرُ﴾. وقيل: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ رفع بفعله وهو ﴿يَغْفِرُ﴾ [محمول على المعنى، كأنه قيل: أيُّ أحد يغفر] (١) الذنوب؟ أي: ما يغفرها إلا الله (٢). والوجه هو الأول (٣)، وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. [وقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ عطف على قوله ﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾] (٤). ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾، أي: ولم يقيموا على قبح فعلهم، وهم عالمون بقبحه وبالنهي عنه والوعيد عليه، أو من الضمير في ﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾، أي: فاستغفروا وهم عالمون أنه غفور لمن استغفره. والإِصرار: الإِقامة على الذنب من غير إقلاع عنه بالتوبة منه، وهو من صَرَرْتُ الصُّرَةَ، إذا شَدَدْتَها وعقدت عليها، ومنه: صررت الناقة إذا شددتَ عليها الصِرارَ، وهو خيط يُشَدّ فوؤا الخِلْفِ والتودية، لئلا يرضعها ولدها. والخِلْفُ: حَلَمَةُ ضَرْعِ الناقة. والتودية: الخشبة التي تُشد على خِلف الناقة إذا صُرَّتْ، لأن الإصرار عَقْدُ القَلْبِ على الذَنْب، فاعرفه. ﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: في موضع رفع على النعت لقوله: ﴿وَجَنَّاتٌ﴾. وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ نصب على الحال.

стр. 746

وقوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: المخصوص بالمدح محذوف، أي: ونعم الأجر ذلك، وهو الغفران والجنات، والمعنى: ونعم ثواب العالمين غفران الله وجنته. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾: قوله : ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ (مِن) يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿خَلَتْ﴾ وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿سُنَنٌ﴾، وهو ما سنه اللَّهُ في الأمم المكذبين من وقائعه، كقوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (١). ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ (٢). والسنن: جمع سُنَّة، وهي الطريقة التي يُقتدَى بها. ﴿فَسِيرُوا﴾: دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط، أي: إن ارتبتم فيما أخبرتكم به فسيروا في الأرض يبين لكم ذلك. و﴿كَيْفَ﴾: خبر كان، و ﴿عَاقِبَةُ﴾: اسمها. وقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾: مبتدأ وخبر، والإِشارة إلى القرآن، عن قتادة وغيره، وقيل: هو إشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ (٣). ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾: قوله : ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أصله تَوْهِنُوا، لأن ماضية وهن، وإنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، ومعناه: ولا تضعُفوا عن الجهاد.

стр. 747

يقال: وَهَنَ يَهِنُ وَهْنًا، إذا ضَعُفَ، فهو واهن. ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: حال من الضمير في ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾، والأصل: الأَعْلَيُونَ، قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذفت لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة قبلها تدل عليها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: متعلق بالأعلَون، أي: إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من النصر والغلبة. ولك أن تجعل ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ اعتراضًا، وتعلق الشرط بالنهي، كأنه قيل: ولا تهنوا ولا تحزنوا إن صح إيمانكم وأنتم الأعلون؛ لأن صحة الإِيمان توجب قوة القلب والثقة بوعد الله وصنعه. وقيل: معناه إذ كنتم مؤمنين، أي: لأجل كونكم مؤمنين يجب ألا تهنوا (١). ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾: قوله : ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ قرئ: بفتح القاف وضمها مع إسكان الراء (٢)، لغتان بمعنًى، كالضَعف والضُعف، وهما مصدران، يقال: قَرَحَهُ قَرْحًا وقُرْحًا، إذا جرحه، فهو قريح، وقوم قَرْحَى. وقيل: القَرْحُ بالفتح: الجِراح، وبالضم: أَلَمُها (٣).

стр. 748

وقريء أيضًا: (قَرَحٌ) بفتحتين (١)، قيل: وهي لغة فيه كالحلْب والحلَب، والطرْد والطَّرَد. وقيل: إن الراء فتحت من أجل الحاء، لأنها حرف حلق، وحرف الحلق يفتح ما قبله كثيرًا، نحو: يَذْبَحُ وشبهه (٢). وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (تلك) مبتدأ، و ﴿الْأَيَّامُ﴾ نعته، و ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ خبره. ولك أن تجعل ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾ مبتدأ وخبرًا، و ﴿نُدَاوِلُهَا﴾: حالًا من الأيام، والعامل فيها معنى الإشارة. ولك أن تجعل ﴿الْأَيَّامُ﴾ عطف بيان و ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ الخبر. قيل: والمراد بالأيام: أوقات الظَّفَرِ والغَلَبَةِ (٣). ونداولها: نُصَرِّفُها، يقال: دالت الأيام بينهم أي دارت، والله يداولها بينهم يُدِيلُ تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، ومن أبيات الكتاب: ١٣١ - فيَوْمًا علينا ويومًا لنا ... ويومًا نُسَاءُ ويومًا نُسَرُّ (٤) و﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾: يحتمل أن يكون ظرفًا لـ ﴿نُدَاوِلُهَا﴾، وأن يكون حالًا من الهاء والألف الراجعة إلى الأيام. وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. الزمخشري: فيه وجهان.

стр. 749

أحدهما: أن يكون المُعَلَّلُ محذوفًا، معناه: وليتميز الثابتون على الإِيمان من الذين على حرفٍ فَعَلْنَا ذلك، وهو من باب التمثيل، بمعنى: فعلنا ذلك فِعْلَ من يريد أن يعلمَ مَنِ الثابتُ على الإيمان منكم مِن غير الثابت، وإلا فالله لم يزل عالمًا بالأشياء قبل كونها. وقيل معناه: وليعلمهم علمًا يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمهم موجودًا منهم الثبات. والثاني: أن تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه، معناه: وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت وليعلم الله. انتهى كلامه (١). وقيل: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ من صلة قوله: ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ والواو صلة، والمفعول الثاني ليعلم محذوف تقديره: متميزين بالإِيمان من غيرهم. وإن جعلت العلم بمعنى المعرفة، أو بمعنى الرؤية على ما فسر لم تحتج إلى مفعول ثان. ﴿وَيَتَّخِذَ﴾: عطف على ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾، أي: وليكرم ناسًا منكم بالشهادة. وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ اعتراض بين بعض التعليل وبعض (٢). ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾: قوله : ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ عطف على ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾. ﴿وَيَمْحَقَ﴾: عطف على ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾، والتمحيص: التطهير والتصفية. يقال: مَحَصْتُ الشيءَ، أمحصُه مَحْصًا، إذا أخلصتَه من كل عيب، ومَحِصَ الحبلُ، إذا ذهب منه الوَبَرُ حتى يَخْلُصَ (٣)، قال الخليل: المحص: الخلوص من

стр. 750

العيب (١)، ومنه قولهم: اللهم مَحِّصْ عنا ذنوبنا (٢)؛ أي: أذهبها. والمَحْقُ: الإِهلاك هنا. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ قوله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ (أم) هنا منقطعة بمعنى بل، والهمزة فيها للإنكار. ﴿أَنْ تَدْخُلُوا﴾: أن وما اتصل بها سدت مسد المفعولين عند صاحب الكتاب، وعند أبي الحسن: المفعول الثاني محذوف، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (٣). ﴿وَلَمَّا﴾ و (لم) سِيَّانِ في العمل، إلَّا أن (لَمَّا) جواب لمن قال: قد فعل. و (لم): جواب لمن قال: فعل بغير قد، و (ما فعل) جواب لمن قال: لقد فعل، فاعرفه فإنه من قول المحققين من أصحابنا (٤). والجمهور على كسر الميم في ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ لالتقاء الساكنين، وقرئ: (ولما يعلمَ الله) بفتح الميم (٥) على إرادة النون الخفيفة، أي: ولما يعلمَنْ، ثم حذفت النون. وقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ نصب بإضمار أن، والواو بمعنى الجمع كالتي في قولك: لا تأكل السمكَ وتشربَ اللبنَ. قال أبو إسحاق ﵀: ولما يقع العلم بالجهاد والعلم بصبر الصابرين، أي: ولما يعلم الله ذلك واقعًا منهم؛ لأنه يعلمه غيبًا، وإنما

стр. 751

يجازيهم على عملهم، انتهى كلامه (١). وعلى فتح الميم الجمهور، وقرئ: (ويعلمِ الصابرين) بالجزم (٢)، على العطف على ﴿يَعْلَمَ﴾ الأول. وقرئ: (ويعلمُ) بالرفع (٣)، على: وهو يعلم. وقيل: مَن رَفَعَ، الواوُ فيه للحال، كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون (٤). ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾: قوله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ أي: من قبل اللقاء. وعن مجاهد أنه قرأ: (مِن قبل) بضم اللام (٥)، على أَنَّ ﴿أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ في موضع نصب على البدل من ﴿الْمَوْتَ﴾ وهو بدل الاشتمال، كأنه قيل: ولقد كنتم تمنون الموت أن تلقوه من قبل. والهاء في ﴿أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ للموت، وكذا في ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي: فقد رأيتم أسبابه، أي: عاينتموه، فحُذف المضافُ، وإنما قُدِّرَ هذا؛ لأن من عاين الموت وشاهده مات، وقال جل ذكره: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ ولم يكونوا ماتوا، فثبت أن التقدير ما ذُكر، وهو عاينتم أسبابه، وما يحصل منه كالطِّعان والضِّراب وشبههما. [وعن يحيى بن وثاب والنخعي: (من قبل أن تلاقوه) (٦)، وذلك يحتمل

стр. 752

أن تكون من المفاعلة التي تكون من اثنين، لأن ما لقيك فقد لقيته، وأن تكون من واحد، كعافاه الله، وطارقتُ النعلَ] (١). ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: مبتدأ وخبر في موضع الحال من الواو في ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾، أي: رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قُتل بين أيديكم مَن قُتل من إخوانكم وأقاربكم، وشارفتم أن تُقْتَلُوا. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾: قوله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ مبتدأ وخبر، وبطل عمل (ما) لنقض النفي بإلا (٢). ﴿قَدْ خَلَتْ﴾: في موضع رفع على النعت لرسول. وقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ الهمزة للإنكار دخلت على حرف الشرط، و ﴿مَاتَ﴾ مشروط به. ﴿أو قتل﴾: عطف عليه. ﴿انقلبتم﴾: جواب الشرط. والفاء في ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبيب والهمزة في موضعها، هذا مذهب صاحب الكتاب (٣).

стр. 753

وقال غيره: الهمزة في مِثْل هذا حقها أن تدخل على جواب الشرط، والتقدير: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد ﷺ أو قتل؟ لأن الغرض التوبيخ أو الإِنكار على هذا، وليس بشيء، والقول ما قالت حَذامِ؛ لأن الجواب لو قدم في نحو هذا لم يكن لدخول الفاء وجه بوجه، ألا ترى أنك لو قلت: أَتكرمُني فإن أكرمتُكَ، كان خَلْفًا من القول، وأيضًا فإن الشرط والجزاء بمنزلة شيء واحد لانعقاد كل واحد منهما بالآخر، فلما كان كذلك، اشتمل الاستفهام عليهما جميعًا، وأيضًا فإن الاستفهام له صدر الكلام، والشيء إذا وقع في موضعه لا يُنْوَى به التأخير من غير اضطرار (١). وقوله: ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله حالًا من الضمير في ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾، أي: انقلبتم مدبرين، أو مرتدين، على ما فسر (٢). وقوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي: ومن يرجع إلى الكفر بعد الإِيمان، فلن يَضُرَّ اللهَ بارتداده شيئًا. ﴿شَيْئًا﴾: واقع موقع ضَرًّا، وهو منصوب على المصدر لوقوعه موقعه، وقد ذكر نظيره فيما سلف (٣). والكلام شرط وجزاء، ومعناه التهديد والوعيد، والتقدير: مَنِ ارتدّ ضَرّ نفسه باستحقاق العقاب.

стр. 754

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾: قوله : ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أن وما اتصل بها في موضع رفع بأنها اسم كان، والخبر ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. والمعنى: أن موت النفس مَحالٌ أن يكون إلا بمشيئة الله. واللام في ﴿لِنَفْسٍ﴾ للتبيين، واختلف فيما يتعلق به، فقيل: متعلق بكان؛ وقيل: متعلق بمحذوف تقديره: الموت لنفس، و ﴿أَنْ تَمُوتَ﴾ تبيين للمحذوف، ولا يجوز تعلقه بقوله: ﴿أَنْ تَمُوتَ﴾ لأجل التفرقة بين الصلة والموصول (١). وقدره أبو إسحاق على المعنى فقال: المعنى وما كانت نفس لتموت (٢). أراد: لأن تموت، ثم قُدمت اللامُ. ﴿كِتَابًا﴾: مصدر مؤكد، لأن المعنى: كتب الموت كتابًا. ﴿مُؤَجَّلًا﴾: مؤقتًا له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. ونظيره (٣): ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ (٤)، و ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ (٥)، وشبههما (٦). والجمهور على النون في قوله: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، و ﴿وَسَنَجْزِي﴾، وقرئ: (يؤته منها)، (وسيجزى) بالياء النقط من تحته فيهن (٧)، أي: يؤته الله، لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

стр. 755

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾: قوله : (وكَأَيٍّ مِن نبي قُتِلَ (١) معه رِبِّيُّون كَثيرٌ) (وكأيٍّ) في موضع رفع بالابتداء، والخبر (قتل)، والمستكن في (قُتل) ضمير النبي، وهو في المعنى لكأيٍّ المبتدأ؛ لأنه في معنى نبي، كما تقول: ألف شخص قتل، فالمستكن في الخبر للألف المبتدأ. و﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾: حال عنه، أعني عن المستكن في (قُتلَ)، أي: قتل كائنًا معه ربيون، ولك أن تجعل (قتلَ) في موضع النعت لـ ﴿نَبِيٍّ﴾، والخبر إما ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾، كما تقول: كم من شخص فارس معه فرسان، أو محذوفًا، أي: كم من نبي من شأنه كيت وكيت مضى، أو في الدنيا، وما أشبه هذا. و ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ على هذا إما حال وقد ذكرت آنفًا، أو صفة بعد صفة لـ ﴿نَبِيٍّ﴾. فإن قلت: بما ارتفع ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قلت: بالابتداء، أو بالظرف وهو الوجه، لاعتماده على موصوف. ولك أن ترفعه بـ (قُتِلَ) وتُخْلِيَ (قُتِلَ) من المستكن، وتجعل (قُتل معه ربيون) الخبر، أو صفة لـ ﴿نَبِيٍّ﴾، وتضمر الخبر، كما ذكرت قبيل، ويَعْضدُ هذا الوجه قول من قال: ما سمعنا بنبي قتل في القتال. وينصر الوجهَ الأولَ قولُه تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ (٢)، وقد قتل كثير من الأنبياء، بشهادة قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣) في غير موضع. وقرئ: (قاتل) على البناء للفاعل (٤)، وهو ضمير النبي، أو ﴿رِبِّيُّونَ﴾

стр. 756

على ما مضى في (قُتِلَ). وقرئ: (كأَيِّنْ) بهمزة مفتوحة بعد الكاف من غير ألف وبعد الهمزة ياء مشددة مكسورة، وبعد الياء نون ساكنة بوزن كَعَيِّنْ (١). وقرئ: (كَائِنْ) بألف بعد الكاف وبعد الألف همزة من غير ياء وبعد الهمزة نون ساكنة بوزن كَاعِنْ (٢). [مطلب في كأيٍّ] وبعد .. اعلم وفقك الله أن كاف التشبيه تدخل على ثلاثة أشياء: أحدها: (أنَّ) في قولهم: كأنَّ زيدًا الأسد. والثاني: (ذا) في قولهم: لي عند فلان كذا وكذا درهمًا. والثالث: (أيٌّ) الذي هو بعض من كل، وهو ما نحن بصدده في قولهم: كأيٍ من رجل، بمعنى كم من رجل، ثم خُلِعَ منها معنى التشبيه في كأيٍّ، وكذا التي في قولك: كذا وكذا درهمًا، وبقي ذلك في (كأن)، ثم كَثُر استعمال هذه الكلمة مع الكاف حتى صارت ككلمة واحدة، فَقُلِبت قَلْبَ الكلمة الواحدة، بأن قدمت الياء المشددة المكسورة في موضع الهمزة التي هي فاء الكلمة، ورُدت الهمزة في موضع الياء، وأُعطيتْ كُلُّ واحدةٍ منهما حركةَ الأخرى. ونظير ذلك قولهم: لعمري وَرَعَمْلِي، هكذا أخبرني به شيخنا أبو اليمن الكندي ﵀ بالإسناد عن أبي علي الفارسي عن أحمد بن يحيى (٣)، فصارت كَيَّئِنْ كَكَيَّعِنْ، ثم خُففت بأن حُذفت إحدى الياءين منها وهي الثانية لثقلها بالحركة والتضعيف، كما حذفت في أيُّهما لذلك، حيث قالوا: أَيْهُما،

стр. 757

وكما حذفت من كينونة، وهي مصدر كان الشيء يكون كونًا وكينونة. وقيدودة، وهي مصدر قاد يقود قودًا وقيدودة، وصيرورة، وهي مصدر صار يصير مصيرًا وصيرورة، فاجتمعت الواو والياء، وسَبقت الأولى بالسكون، فقلبوا الواو ياء وأدغموا فيها الياء الأولى، فصار في التقدير: كَيَّنُونة وقَيَّدُودة وصَيَّرُورة، فحذفوا الياء الثانية المنقلبة عن الواو التي هي عين الفعل فصارت كَيْنونة وقَيْدودة وصَيْرورة كما ترى، وألزموا الحذف، لأنهم قد قالوا في ميّت وهيّن: ميْت وهيْن، فحذفوا عين الفعل مع أن الكلمة على أربعة أحرف، وخَيروا بين الحذف والإِتمام، فلما كانت كيَّنونة وقَيَّدودة وصَيَّرورة على ستة أحرف طالت، فألزموها الحذف، ولم يخيروا بين الحذف والإِثبات، كما فعلوا في مَيْتٍ وهَيْنٍ، فصارت بعد الحذف كَيْئِنْ كهيعن، ثم قلبت الياء الساكنة ألفًا كما قلبت في طائِيٍّ وآية في قول من جعل أصلها أيَّةً (١)، كما قلبت في حِيْرَةٍ حين قالوا حَارِيٌّ (٢) فصارت بعد القلب والحذف (كائن) كما ترى، فالهمزة فاء الكلمة، والألف التي قبلها عينها، واللام محذوفة، ووزنها كَعْفِنْ. وأصل النون: التنوين، فالقياس حذفها في الوقف كالتنوين وهو مذهب أبي عمرو، فأما من وقف بالنون، فإنه احتج بأن هذه الكلمة لما دخلها هذا التغيير صار التنوين بمنزلة النون التي من أصل الكلمة، فصارت بمنزلة لام فاعلٍ، فلهذا يوقف عليها بالنون، وأيضًا فإنه اتَّبَعَ الرسمَ، لأف هكذا هو مكتوب. وقال بعض البصريين حكاية عن الخليل (٣): إن الأصل كأيٍّ، ثم قدمت إحدى اليائين وهي الأولى الساكنة المدغمة مكان الهمزة، وأُخِّرت الهمزة مكانها، ثم حركت الياء المقدمة بحركة الهمزة وهي الفتحة، وسُكّنت الهمزة

стр. 758

كما كانت الياء كذلك فصارت كَيَأْيِنْ، كَكَيَعْيِنْ، فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، كما قلبت في باع وهاب، فاجتمع ساكنان الألف والهمزة، فكسرت الهمزة لالتقاء الساكنين، وبقيت إحدى الياءين وهي لام الكلمة متطرفة، فأزالها التنوين بعد أن أزيلت حركتها استثقالًا، كما فعل في قاضٍ ورامٍ في حال الرفع والجر، فصار كاءٍ، كما ترى كجاء وشاء، فالهمزة فاء الكلمة، والألف التي قبلها عينها، واللام محذوفة كما ذكرت في الوجه الأول، ووزنها أيضًا كَعْفِنْ والقياس على هذا الوجه أيضًا إذا وقفتَ عليه أن تُسْكِن الهمزةَ المكسورة للوقف بعد حذف التنوين، كما تفعل في جاء ونحوه، فتقول: كاء، والقول في هذا والجواب عنه، كالقول والجواب فيما سلف قبيل، بأن الكلمة قد غُيِّرَتْ وقلبت فصار التنوين حرفًا من أصل الكلمة (١). وَكَأَيِّن وكائِن لغتان فاشيتان مستعملتان في نظم القوم ونثرهم، قال الشاعر: ١٣٢ - كَأَيِّنْ في المَعَاشِرِ من أُنَاسٍ ... أَخُوهُمْ فَوقَهُمْ وَهُمُ كِرامُ (٢) وقال آخر: ١٣٣ - وكائِنْ بالأباطِحِ من صَدِيقٍ ... يَرانِي لَو أُصِبْتُ هُوَ المُصَابا (٣) وقال آخر: ١٣٤ - وكائِنْ رَدَدْنا عنكُمُ من مُدَجَّجٍ ... يجيءُ أمامَ الألْفِ يَرْدِي مُقَنَّعَا (٤)

стр. 759

وقال آخر: ١٣٥ - وكائِنْ تَرَى مِنْ صامتٍ لَكَ مُعْجِبٍ ... زيادتُهُ أو نَقْصُهُ في التَّكَلُّمِ (١) وقوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ الربيون: الجماعات الكثيرة، عن مجاهد وغيره، واحدهم: رِبّيٌّ (٢). والجمهور على كسر الراء في ﴿رِبِّيُّونَ﴾، وقرئ أيضًا بفتح الراء وضمها (٣)، فالفتح على القياس، لأنه منسوب إلى الرَّبِّ، وأما الكسر والضم: فمن تغييرات النسب (٤). وقوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ الجُلُّ على فتح الهاء، وقريء: (فما وهِنوا) بكسرها (٥) وهما لغتان، عن أبي زيد، يقال: وَهَنَ يَهِنُ، ووَهِنَ يَوْهَنُ (٦). والمعنى: فما وهنوا عند قتل النبي، وما ضعفوا عن الجهاد، وما استكانوا للعدو لما أصابهم في الجهاد. والاستكانة: الذلة والخضوع، وهو استفعلوا

стр. 760

من الكون، وأصله: استكْوَنُوا، فَأُعِلَّ، وقيل: هو افتعلوا من السكون، إلّا أنه أُشبعتْ فتحةُ الكافِ فنشأت الألف. وهذا قولٌ حَسَنٌ قوي من جهة المعنى، لكن ضعيف من جهة التصريف، وذلك أن هذا الفعل في جميع تصاريفه تَثْبُتُ عينُهُ، تقول: استكان يستكين استكانة، فهو مستكين ومستكان له، والإِشباع لا يكون على هذا الحد، فاعرفه (١). ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾: قوله : ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾. (قَوْلَهُم): خبر كان، وأن وما اتصل بها اسمها، أي: وما كان قولهم إلَّا هذا القول، وهو إضافة الذنوب والإِسراف إلى أنفسهم. وقرئ: (وما كان قولُهم) بالرفع (٢) على أنه اسم كان، وأن وما عملت فيه خبرها، عكس قراءة الجمهور، والوجه ما عليه الجمهور، لأن الإِيجاب بالاسم أجدر مع كونه يشبه المضمر في كونه لا يوصف، فهو أعرف، والأعرف أحق بأن يكون الاسم (٣). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩﴾:

стр. 761

قوله : ﴿خَاسِرِينَ﴾ يحتمل أن يكون حالًا، وأن يكون خبر ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ على تضمين معنى فتصيروا، وقد ذكرتُ نظيرَه فيما سَلف من الكتاب في غير موضع (١). ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾: قوله : ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ مبتدأ وخبر. وقرئ: (بل اللهَ) بالنصب (٢) على تقدير: بل أطيعوا الله مولاكم (٣)، أي: ناصركم، دل عليه: ﴿إِنْ تُطِيعُوا﴾ (٤). و ﴿مَوْلَاكُمْ﴾ على هذا الوجه: بدل من اسم الله تعالى. ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)﴾: قوله : ﴿سَنُلْقِي﴾ الجمهور على النون في ﴿سَنُلْقِي﴾، وقرئ: (سَيُلْقِي) بالياء النقط من تحته (٥)، أي: سيلقي الله. ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾: الباء متعلقة بقوله: ﴿سَنُلْقِي﴾، و (ما) مصدرية، والباء سببية، أي: بسبب إشراكهم. ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ﴾ (ما) مفعول أشركوا، وهي موصولة وما بعدها صلتها. ولك أن تجعلها موصوفة وما بعدها صفتها، أي: كان السبب في إلقاء الله الرعب في قلوبهم إشراكهم به الذي .. ، أو شيئًا لم يُنْزِل به سلطانًا. وقوله: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ (مثوى): مفعَل من ثويتُ، وهو

стр. 762

فاعل بئس، والمقصود بالذم محذوف وهو النار - أجارنا الله منها -: أي: وبئس مَقام الظالمين النار. قيل: والظلم هنا الكفر (١). ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾: قوله : ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ يقال: صَدَقْتُ فلانًا كذا وصَدَقْتُهُ في كذا (٢). و ﴿إِذْ﴾ ظرف لصدق أو للوعد. ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ أي: تقتلونهم، يقال: حَسَّهُ يَحُسُّه حَسًّا، إذا قتله، لأنه أبطل حِسَّهُ. أبو إسحاق: الحَسُّ: الاستئصال بالقتل (٣)، من قولهم: جراد محسوس، إذا أهلكه البرد (٤). ﴿بِإِذْنِهِ﴾، أي: بعلمه، والباء متعلقة بقوله: ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ محذوف، كأنه قيل: حتى إذا جبنتم وتنازعتم وعصيتم مَنَعَكُمْ نَصْرُهُ، وشبهه. وقد جوز أن يكون صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم (٥). والفشل: الجبن، وفعله: فشِل يفشَل - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - فَشَلًا، إذا جَبُنَ فهو فَشِلٌ، أي جَبَانٌ ضعيفٌ.

стр. 763

وقيل: الجواب ﴿تَنَازَعْتُمْ﴾، والواو مزيدة. وقيل: الجواب ﴿صَرَفَكُمْ﴾، و ﴿ثُمَّ﴾ مزيدة، عن أبي علي (١). وما ذكرته أمتن لوجهين: أحدهما: أن حذف الجواب أحسن وأبلغ من جهة الإِيجاز والوعيد. والثاني: أن الحرف لا يحكم بزيادته في الكتاب العزيز مهما وُجِدَتْ مَندوحةٌ عنه. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾. ﴿مَا أَرَاكُمْ﴾ مصدرية، و ﴿مَا تُحِبُّونَ﴾ موصولة في موضع نصب مفعول ثان لأراكم، والعائد محذوف، أي: تحبونه. وقولُهُ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ (مَن) موصولٌ في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿مِنْكُمْ﴾ وما بعده مثله. ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾: قوله : ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ (إذ) منصوب بإضمار اذكر، أو بـ ﴿عَفَا﴾، أو بـ ﴿صَرَفَكُمْ﴾، أو بقوله ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ (٢). والجمهور على ضم التاء وكسر العين في ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾، من الإِصعاد وهو الذَّهاب في مستوى الأرض، تعضده قراءه من قرأ: (تصعدون في الوادي) وهو أُبي (٣) ﵁.

стр. 764

وقرئ: (تَصْعَدون) بفتح التاء وفتح العين (١)، من الصعود وهو الطلوع في ارتفاع، يقال: صَعِدَ في الجبل، وأصعد في الأرض (٢). وقرئ: (ولا تَلُون) بواو واحدة (٣)، وقد ذكرت وجهها عند قوله تعالى ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ (٤). وقرئ أيضًا: (تَصعَّدون) بفتح التاء والعين مشددة (٥)، من تَصعَّدَ في الجبل وصَعَّدَ فيه بمعنًى. وقرئ أيضًا: (يُصْعِدُون) و (يَلْوُون) بالياء النقط من تحته فيهما (٦)، والمراد به المؤمنون كقراءة الجمهور، ثم رجع إلى الخطاب، كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ثم قال: ﴿إِيَّاكَ﴾ (٧)، وعكسه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (٨)، ونحو هذا شائع في كلام القوم نظمهم ونثرهم وقد ذكر (٩). ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: مبتدأ وخبر في محل النصب على

стр. 765

الحال. ﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾: في ساقتكم وجماعتكم الأخرى، وهي المتأخرة، يقال: جئت في آخر الناس وأُخراهم، كما تقول: في أَولهم وأُولاهم، بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأُولى، فاعرفه فإنه من كلام الزمخشري (١). وقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ عطف على ﴿صَرَفَكُمْ﴾، والكاف والميم مفعول أول، و ﴿غَمًّا﴾ مفعول ثان، أي: فجازاكم غمًّا حين صرفكم عنهم وابتلاكم بعد غم. وقيل: الباء بمعنى على (٢)، وقيل: بمعنى مع (٣)، أي: فجازاكم غمًّا على غم، أو غمًّا مع غم، أي متصلًا بغم، فيكون ﴿بِغَمٍّ﴾ على هذه التقديرات في موضع نصب على النعت لغم. وقيل: المعنى بسبب غم (٤). والمستكن في ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ الله تعالى، وقد جُوِّزَ أن يكون لـ ﴿وَالرَّسُولُ﴾ ﵊ (٥). وقوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾: اللام متعلقة بقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾، وقيل: بـ ﴿عَفَا عَنْكُمْ﴾، كل (٦)، لأن في عفوه تعالى ما يذهب كل هم وحزن، والمعنى على نفي الحزن عنهم، والناصبة هنا هي كي بنفسها لأجل اللام قبلها.

стр. 766

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾: قوله : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾. (أمنةً): نصب بأنزل على أنه مفعول به. ﴿نُعَاسًا﴾ بدل من ﴿أَمَنَةً﴾ إذ هي من سببه. ولك أن تجعل ﴿نُعَاسًا﴾ هو المفعول و ﴿أَمَنَةً﴾ إما مفعولًا من أجله (١)، كأنه قيل: أَنزل عليكم نعاسًا للأمنة، وإما حالًا لتقدمها عليه، كما تقول: رأيت مثله رجلًا، أو من الكاف والميم في ﴿عَلَيْكُمْ﴾ على تقدير حذف مضاف، أي: أنزل عليكم ذوي أمنة نعاسًا، أو على أنها جمع آمن، كبَارٍّ وبررة. والجمهور على فتح ميم ﴿أَمَنَةً﴾ على أنها الأمن، أو جمع آمِنٍ، وقرئ: (أَمْنَةً) بإسكان الميم (٢)، قيل: كأنها المرة من الأمن (٣). والأمنة مصدر كالأَمْن، وهي بمعناه عند الجمهور، وفرَّق بعض أهل التأويل بينهما فقال: الأمن يكون مع زوال أسباب الخوف، والأمنة تكون مع بقاء أسبابه (٤).

стр. 767

وقوله: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً﴾ قرئ: (يغشى) بالياء النقط من تحته على أن المستكن فيه للنعاس، وبالتاء النقط من فوقه (١) على أن المستكن فيه للأمنة، وهو في موضع نصب على النعت لما قبله. وقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ (طائفةٌ) مبتدأ، و ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ صفة للطائفة، وخبره: ﴿يَظُنُّونَ﴾. وقيل: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ الخبر (٢). و ﴿يَظُنُّونَ﴾ حال من الضمير المنصوب في ﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾، وكذا ﴿يَقُولُونَ﴾، أو خبر بعد خبر على الوجه الأول، وهو جعلك ﴿يَظُنُّونَ﴾ الخبر. وقد أجاز أبو إسحاق وغيره: (وطائفةً) بالنصب، على إضمار فِعْلٍ دَلَّ عليه ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾، أي: وقد أهمت طائفةً أهمتهم أنفسهم (٣)، وما عَلِمتُ فيما اطلعت عليه أن أحدًا قرأ به. وهذه الواو - أعني واو ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ - تسمى واو الحال، وواو الابتداء، وبمعنى إذ (٤)، والجملة في موضع الحال من الكاف والميم في ﴿مِنْكُمْ﴾ وعاملها يغشى. وقوله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ قال الزمخشري: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ في حكم المصدر، ومعناه: يظنون بالله غيرَ الظَنِّ الحقِّ الذي يجب أن يُظَن به، و ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ بدل منه، ويجوز أن يكون المعنى: يظنون بالله ظن

стр. 768

الجاهلية، و ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ تأكيد لـ ﴿يَظُنُّونَ﴾، كقولك: هذا القول غير ما تقول، وهذا القول لا قولك، انتهى كلامه (١). ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾: نعت لمحذوف، وهو المفعول الأول ليظنون، و ﴿بِاللَّهِ﴾ الثاني، كقولك: ظننت بزيد الباطل، أي: أمرًا غير الحق، أي: الباطل. و﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: مِثل قولك: ضربتُه ضربَ الأميرِ اللصَّ، أي: ظنًّا مثل ظن أهل الجاهلية، والتأنيث للحالة، أو الأيام، أو الأفعال. والجاهلية: زمان الفترة قبل الإسلام، كذا ذُكِرَ في التفسير (٢). وقوله: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (مِن) الأولى للتبعيض، والثانية مزيدة، و ﴿شَيْءٍ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿لَنَا﴾، و ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ حال من ﴿شَيْءٍ﴾ لتقدمه عليه، كقولك: رأيت من الكرام رجلًا. والاستفهام هنا بمعنى النفي، أي: ليس لنا شيء من هذا الأمر، بل نحن مقهورون قد سُلِبنا الاختيار. ولك أن تجعل ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ الخبر، ويكون ﴿لَنَا﴾ تبيينًا، والمعنى منوط به، كقولك: لم يكن لي عندك مال، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٣)، وهو متعلق بما تعلق به الخبر، أعني ﴿لَنَا﴾. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ قرئ: (كلَّه) بالنصب على أنه تأكيد للأمر، وقال أبو الحسن: هو بدل من الأمر (٤). والأول أجود وعليه الأكثر، وبالرفع (٥) على أنه مبتدأ، والخبر ﴿لِلَّهِ﴾، والجملة في موضع رفع بخبر إن.

стр. 769

وقوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾. (يخفون): في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿يَقُولُونَ﴾، و ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ اعتراض بين الحال وصاحبها. ﴿مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾: (ما) موصول منصوب بقوله: ﴿يُخْفُونَ﴾، و ﴿يُخْفُونَ﴾ وزنه: يُفْعُون، ولامه محذوفة لالتقاء الساكنين هي وواو الضمير بعد أن أزيلت حركتها استثقالًا عليها. وقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. (يقولون) مستأنف، وقيل: هو بدل من ﴿يُخْفُونَ﴾ (١)، و ﴿شَيْءٌ﴾ اسم كان. والكلام في الخبر كالكلام في قوله: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقد ذكرتُ وأوضحتُ آنفًا (٢). وقوله: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ﴾. الجمهور على فتح الباء والراء مخففًا في قوله: ﴿لَبَرَزَ﴾ على البناء للفاعل، وقرئ: (لَبُرِّزَ) بضم الباء وكسر الراء مشددًا على البناء للمفعول (٣)، ووجه كلتيهما ظاهر. وقوله: ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ من صلة برز، والمضاجع هنا المصارع، وهي المواضع التي يسقطون فيها قتلى. وقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ اللام متعلقة بفعل محذوف، أي: وليبتلي الله ما في صدوركم فعل ذلك، أو فعل ذلك لمصالح شتى، وللابتلاء والتمحيص، وقيل: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ مردود على قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ (٤).

стр. 770

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)﴾: قوله : ﴿وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (إذَا) نصب بقوله: ﴿وَقَالُوا﴾، وجاز أن يعمل فيه ﴿قَالُوا﴾ وهو ماض، و ﴿إِذَا﴾ لِما يستقبل، ولم يجز أعطيتك إذا آتيتني، إذ المراد بإذا هنا حكاية الحال الماضية، كما تقول: حين يضربون في الأرض. ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾: عطف على ﴿ضَرَبُوا﴾، وهو جمع غازٍ، كعافٍ وعُفًّى، ويجمع على غُزاة، كقاضٍ وقُضاة، وعلى غَزِيٍّ، كقاطن وقَطِينٍ، وعلى غُزَّاءٍ، ككافر وكُفَّار. وقرئ: بتخفيف الزاي (١) على حذف التاء، كأنه أريد غزاة، ثم حذفت التاء منه، والذي جَسَّره على ذلك عدم اللبس، وذلك أن التاء تدل على الجمع، وقد حصل ذلك من نفس الصيغة، ويحتمل أن يكون مخففًا من غُزى كراهية التضعيف، وتخفيف المضعف كثير شائع في كلام القوم. وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ اللام متعلقة بفعل دل عليه الكلام، أي: حملهم على ذلك القول ليجعله حسرة في قلوبهم. ولك أن تعلقها بقوله: ﴿قَالُوا﴾ على أن تجعل اللام لام العاقبة، كالتي في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (٢)، أي: قالوا ذلك واعتقدوه، ليكون لهم حسرة (٣) في قلوبهم، أي: ليصير أمرهم إلى

стр. 771

ذلك. وقيل: متعلقة بقوله: ﴿لَا تَكُونُوا﴾، أي: لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون، ومضادتهم مما يغمهم ويغيظهم، قاله الزمخشري (١). والإشارة في ﴿ذَلِكَ حَسْرَةً﴾ إلى ما دل عليه النهي، وعلى الأول: إلى ظنهم أنهم لو لم يحضروا لم يقتلوا. ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾: قوله : ﴿مُتُّمْ﴾ قرئ: بضم الميم على أنه من مات يموت، كقال يقول على الأصل، وبكسرها (٢) على أنه من مات يمات، كخاف يخاف، وقد مضى الكلام عليهما بأشبع ما يكون في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا. وقوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ اللام جواب القسم، وقد سَدَّ جوابَ الشرط، وكذلك اللام في قوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٣). وإنما دخلت اللام على الحرف المتصل باسم الله مع تقديمه، أعني تقديم اسم الله للاهتمام، ولو دخلت على الفعل الذي هو ﴿تُحْشَرُونَ﴾ على الأصل تبعته النون الشديدة أو الخفيفة للتأكيد؛ لأن القسم أحق بالتأكيد من كل ما تدخله النون، من جهة أن القسم من مواضع التأكيد. و﴿مَغْفِرَةٌ﴾: رفع بالابتداء، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع رفع صفة لقوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾.

стр. 772

﴿وَرَحْمَةٌ﴾: عطف عليه، على تقدير: ورحمة لهم، كقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ (١). (خير مما تجمعون): الخبر. و (مِن) متعلقة بـ ﴿خَيْرٌ﴾، و (ما) موصول وما بعده صلته، وعائده محذوف، أي: تجمعونه، أو موصوف وما بعده صفته. ولك أن تجعله مع الفعل بتأويل المصدر، ومفعول (تجمعون) على هذا يكون محذوفًا، أي: ذلك خير من جمعهم سُحْتَ الدنيا. وقرئ: (والله بما تعملون بصير) (٢) بالتاء النقط من فوقه لقوله: ﴿لَا تَكُونُوا﴾، وبالياء النقط من تحته (٣) لقوله: ﴿وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ الذين كفروا. وكذا قرئ: (مما تجمعون) بالتاء على المخاطبة، وبالياء (٤) على الخبر عنهم. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾: قوله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾. الفاء جواب ما ذكر من الأخبار، و (ما) مزيدة للتوكيد والدلالة على أن لين النبي ﷺ لهم ما كان إلا برحمة من الله. و﴿رَحْمَةٍ﴾: جر بالباء وهي متعلقة بـ ﴿لِنْتَ﴾، ونظيره: ﴿فَبِمَا

стр. 773

نَقْضِهِمْ﴾ (١)، و: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (٢). وسئل بعض أهل العلم عن معنى التوكيد في مثل هذا، وما الذي زاده (ما) من المعنى الذي لا يوجد مع حذفها؟ فقال: هذا شيء يعرفه أهل الطباع، فيقولون: نجد أنفسنا مع وجود (ما) على خلاف ما نجدها بحذفها، ثم قال: مَثَلُ ذلك مَثَلُ العالم بوزن الشعر طبعًا، فإذا انكسر البيت قال: أجد نفسي على خلاف ما أجدها مع تمامه، لا يَقْدِرُ يَزيدُ على هذا (٣)، وقد ذكرت هذا في "البقرة" عند تقسيم الماءات بأشبع من هذا (٤). وعن ابن كيسانَ وغيره: أن (ما) اسم نكرة في موضع جر بالباء، و ﴿رَحْمَةٍ﴾ بدل من (ما) أو نعت لها (٥). وقد أجيز رفع ﴿رَحْمَةٍ﴾ على أن تكون (ما) موصولة ويُضمر (هو) في الصلة، أي: فبالذي هو رحمة من الله، كما قرئ: (تمامًا على الذي أحسنُ) (٦). وأصل لِنْتَ: لَيِنت، وكان الأصل: لَيَنْتَ، ثم نقل فَعَلْتَ إلى فَعِلْتَ لتدلَّ على ذوات الياء، كما نُقِلَ ذواتُ الواو من فَعَلْتُ إلى فَعُلْتُ لتدل على الواو، فالكسرة التي في ﴿لِنْتَ﴾ هي حركة العين من الفعل، كالتي في باء بِعْتُ، وفي هذا كلامٌ وتفصيلٌ لا يليق ذكره هنا. وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. (فظًا): خبر

стр. 774

كان، و ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾: خبر بعد خبر. وقد جوز أن يكون بدلًا؛ لأن الفظاظة: الغلظ، والفَظُّ: الجافي، وأصله: فظِظٌ كحَذِرٌ، فأُدغم، يقال: فظِظْتَ يا رجلُ تَفَظُّ، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، فظاظةً. والغليظ القلب: القاسي القلب، أي: ولو كنت جافيًا قاسيًا لتفرقوا عنك. والفضُّ: الكَسْرُ بالتفرقة، ومنه: فَضَضْتُ خَتْمَ الكتابِ (١). وقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: استخرج آراءهم، واعلم ما عندهم. والمشاورة في اللغة: أن تُظهر ما عندك وما عند صاحبك، مأخوذ من شِرْتُ الدابةَ. وشوَّرته، إذا استخرجتَ جَرْيَهُ (٢)، وعلمتَ خَبَره. يقال: شاورت مشاورة وشِوارًا، والاسم: المَشُورَةُ. قيل: والأمر هنا جنس، وهو عام يراد به الخاص، تعضده قراءة من قرأ: (وشاورهم في بعض الأمر) وهو ابن عباس ﵄ (٣). وقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾. أي: فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى، يقال: عزمت على كذا عَزْمًا وعُزْمًا بالضم، وعَزيمةً وعَزيمًا، إذا أردت فعله وقطعت عليه. وقرئ: (فإذا عزمتُ) بضم التاء (٤)، على إسناد الفعل إلى الله تعالى، إذ ذاك بهدايته وتوفيقه، كما قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٥)، أي: فإذا عزمتُ لك على شيء وأرشدتُك إليه فتوكل عليَّ واعمل به ولا تشاور بعده أحدًا. ثم وُضع الظاهرُ موضعَ المضمَر للتفخيم والتعظيم، وهو كثير شائع في كلام القوم.

стр. 775

والتوكل: تفويض الأمر إلى غيرك، لثقتك بحسن تدبيره. والعزم: تشديد الأمر في القصد إلى الشيء. ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾: قوله : ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. معنى ﴿يَخْذُلْكُمْ﴾: يترككم من عونه. يقال: خَذَله خِذلانًا، إذا تَرك عَوْنَهُ ونُصْرَتَهُ، من قولهم: ظبيٌ خاذِلٌ، إذا تخلف عن أصحابه. وقرئ: (وإن يُخْذِلْكم) بضم الياء وكسر الذال (١) من أَخْذَلَهُ، إذا جعله مخذولًا. والضمير في ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ لله تعالى، أو للخِذلان، والاستفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد ينصركم من بعده. ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾: قوله : ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ أن وما اتصل بها في موضع رفع باسم كان، و ﴿لِنَبِيٍّ﴾ الخبر، ومفعول ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ محذوف، أي: وما كان لنبي أن يغُل شيئًا من المغنم، يقال: غَلَّ شيئًا من المغنم يَغُلّ غُلُولًا، وأَغَلَّهُ يُغِلُّهُ إغلالًا، إذا أخذه في خُفْيَةٍ، وَأَغَلَّهُ أيضًا، إذا نسبه إلى الغُلول، ويقال أيضًا: أَغَلَّه، إذا وجده غَالًّا، كقولك: أحمدتُه، إذا وجدتَه محمودًا. وقرئ: بفتح الياء وضم الغين على البناء للفاعل وهو النبي ﷺ ، أي وما كان لنبي أن يخون، لأن النبوة تنافي الغُلُول.
следующие страницы →