← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ذلك. وقيل: متعلقة بقوله: ﴿لَا تَكُونُوا﴾، أي: لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون، ومضادتهم مما يغمهم ويغيظهم، قاله الزمخشري (١). والإشارة في ﴿ذَلِكَ حَسْرَةً﴾ إلى ما دل عليه النهي، وعلى الأول: إلى ظنهم أنهم لو لم يحضروا لم يقتلوا. ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾: قوله : ﴿مُتُّمْ﴾ قرئ: بضم الميم على أنه من مات يموت، كقال يقول على الأصل، وبكسرها (٢) على أنه من مات يمات، كخاف يخاف، وقد مضى الكلام عليهما بأشبع ما يكون في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا. وقوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ اللام جواب القسم، وقد سَدَّ جوابَ الشرط، وكذلك اللام في قوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٣). وإنما دخلت اللام على الحرف المتصل باسم الله مع تقديمه، أعني تقديم اسم الله للاهتمام، ولو دخلت على الفعل الذي هو ﴿تُحْشَرُونَ﴾ على الأصل تبعته النون الشديدة أو الخفيفة للتأكيد؛ لأن القسم أحق بالتأكيد من كل ما تدخله النون، من جهة أن القسم من مواضع التأكيد. و﴿مَغْفِرَةٌ﴾: رفع بالابتداء، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع رفع صفة لقوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾.

стр. 772

﴿وَرَحْمَةٌ﴾: عطف عليه، على تقدير: ورحمة لهم، كقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ (١). (خير مما تجمعون): الخبر. و (مِن) متعلقة بـ ﴿خَيْرٌ﴾، و (ما) موصول وما بعده صلته، وعائده محذوف، أي: تجمعونه، أو موصوف وما بعده صفته. ولك أن تجعله مع الفعل بتأويل المصدر، ومفعول (تجمعون) على هذا يكون محذوفًا، أي: ذلك خير من جمعهم سُحْتَ الدنيا. وقرئ: (والله بما تعملون بصير) (٢) بالتاء النقط من فوقه لقوله: ﴿لَا تَكُونُوا﴾، وبالياء النقط من تحته (٣) لقوله: ﴿وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ الذين كفروا. وكذا قرئ: (مما تجمعون) بالتاء على المخاطبة، وبالياء (٤) على الخبر عنهم. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾: قوله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾. الفاء جواب ما ذكر من الأخبار، و (ما) مزيدة للتوكيد والدلالة على أن لين النبي ﷺ لهم ما كان إلا برحمة من الله. و﴿رَحْمَةٍ﴾: جر بالباء وهي متعلقة بـ ﴿لِنْتَ﴾، ونظيره: ﴿فَبِمَا

стр. 773

نَقْضِهِمْ﴾ (١)، و: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (٢). وسئل بعض أهل العلم عن معنى التوكيد في مثل هذا، وما الذي زاده (ما) من المعنى الذي لا يوجد مع حذفها؟ فقال: هذا شيء يعرفه أهل الطباع، فيقولون: نجد أنفسنا مع وجود (ما) على خلاف ما نجدها بحذفها، ثم قال: مَثَلُ ذلك مَثَلُ العالم بوزن الشعر طبعًا، فإذا انكسر البيت قال: أجد نفسي على خلاف ما أجدها مع تمامه، لا يَقْدِرُ يَزيدُ على هذا (٣)، وقد ذكرت هذا في "البقرة" عند تقسيم الماءات بأشبع من هذا (٤). وعن ابن كيسانَ وغيره: أن (ما) اسم نكرة في موضع جر بالباء، و ﴿رَحْمَةٍ﴾ بدل من (ما) أو نعت لها (٥). وقد أجيز رفع ﴿رَحْمَةٍ﴾ على أن تكون (ما) موصولة ويُضمر (هو) في الصلة، أي: فبالذي هو رحمة من الله، كما قرئ: (تمامًا على الذي أحسنُ) (٦). وأصل لِنْتَ: لَيِنت، وكان الأصل: لَيَنْتَ، ثم نقل فَعَلْتَ إلى فَعِلْتَ لتدلَّ على ذوات الياء، كما نُقِلَ ذواتُ الواو من فَعَلْتُ إلى فَعُلْتُ لتدل على الواو، فالكسرة التي في ﴿لِنْتَ﴾ هي حركة العين من الفعل، كالتي في باء بِعْتُ، وفي هذا كلامٌ وتفصيلٌ لا يليق ذكره هنا. وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. (فظًا): خبر

стр. 774

كان، و ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾: خبر بعد خبر. وقد جوز أن يكون بدلًا؛ لأن الفظاظة: الغلظ، والفَظُّ: الجافي، وأصله: فظِظٌ كحَذِرٌ، فأُدغم، يقال: فظِظْتَ يا رجلُ تَفَظُّ، بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر، فظاظةً. والغليظ القلب: القاسي القلب، أي: ولو كنت جافيًا قاسيًا لتفرقوا عنك. والفضُّ: الكَسْرُ بالتفرقة، ومنه: فَضَضْتُ خَتْمَ الكتابِ (١). وقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: استخرج آراءهم، واعلم ما عندهم. والمشاورة في اللغة: أن تُظهر ما عندك وما عند صاحبك، مأخوذ من شِرْتُ الدابةَ. وشوَّرته، إذا استخرجتَ جَرْيَهُ (٢)، وعلمتَ خَبَره. يقال: شاورت مشاورة وشِوارًا، والاسم: المَشُورَةُ. قيل: والأمر هنا جنس، وهو عام يراد به الخاص، تعضده قراءة من قرأ: (وشاورهم في بعض الأمر) وهو ابن عباس ﵄ (٣). وقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾. أي: فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى، يقال: عزمت على كذا عَزْمًا وعُزْمًا بالضم، وعَزيمةً وعَزيمًا، إذا أردت فعله وقطعت عليه. وقرئ: (فإذا عزمتُ) بضم التاء (٤)، على إسناد الفعل إلى الله تعالى، إذ ذاك بهدايته وتوفيقه، كما قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٥)، أي: فإذا عزمتُ لك على شيء وأرشدتُك إليه فتوكل عليَّ واعمل به ولا تشاور بعده أحدًا. ثم وُضع الظاهرُ موضعَ المضمَر للتفخيم والتعظيم، وهو كثير شائع في كلام القوم.

стр. 775

والتوكل: تفويض الأمر إلى غيرك، لثقتك بحسن تدبيره. والعزم: تشديد الأمر في القصد إلى الشيء. ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾: قوله : ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. معنى ﴿يَخْذُلْكُمْ﴾: يترككم من عونه. يقال: خَذَله خِذلانًا، إذا تَرك عَوْنَهُ ونُصْرَتَهُ، من قولهم: ظبيٌ خاذِلٌ، إذا تخلف عن أصحابه. وقرئ: (وإن يُخْذِلْكم) بضم الياء وكسر الذال (١) من أَخْذَلَهُ، إذا جعله مخذولًا. والضمير في ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ لله تعالى، أو للخِذلان، والاستفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد ينصركم من بعده. ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾: قوله : ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ أن وما اتصل بها في موضع رفع باسم كان، و ﴿لِنَبِيٍّ﴾ الخبر، ومفعول ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ محذوف، أي: وما كان لنبي أن يغُل شيئًا من المغنم، يقال: غَلَّ شيئًا من المغنم يَغُلّ غُلُولًا، وأَغَلَّهُ يُغِلُّهُ إغلالًا، إذا أخذه في خُفْيَةٍ، وَأَغَلَّهُ أيضًا، إذا نسبه إلى الغُلول، ويقال أيضًا: أَغَلَّه، إذا وجده غَالًّا، كقولك: أحمدتُه، إذا وجدتَه محمودًا. وقرئ: بفتح الياء وضم الغين على البناء للفاعل وهو النبي ﷺ ، أي وما كان لنبي أن يخون، لأن النبوة تنافي الغُلُول.

стр. 776

وقرئ: بضم الياء وفتح الغين على البناء للمفعول (١)، أي: وما كان لنبي أن يُخَوَّنَ، أي: ينسب إلى الغُلُول، وأن يوجد غالًّا، ولا يوجد غالًّا إِلَّا إذا كان غالًّا، فالقراءتان على هذا بمعنى واحدٍ، ويحتمل أن يكون من أغللتُه إذا أخذتَ من المغنم شيئًا بغير إذنه، أي: وما كان له أن يُخان، أي: أن يؤخذ شيءٌ من غنيمته بغير إذنه. وقوله: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾. أي: بإثم ما غَلَّ، فحُذف المضاف. وقيل: يأت به حاملًا إياه (٢). وقوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾. أي: جزاء ما كسبت، فحُذف المضاف. ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)﴾: قوله : ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. (من) موصولة في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلتها الجلالة. ﴿كَمَنْ بَاءَ﴾: الكاف وما اتصل بها: الخبر. ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾: قوله : ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ ابتداء وخبر، واختلف في التقدير لأجل التأويل، فقيل: هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات (٣)؛ لأن اختلاف أعمالهم قد صيرهم بمثابة المختلفي الذوات.

стр. 777

وقيل: هم ذوو درجات (١). وعن مجاهد: التقدير لهم درجات (٢). فـ ﴿هُمْ﴾ - على قوله - مبتدأ، و ﴿دَرَجَاتٌ﴾ مبتدأ ثان، وخبر المبتدأ الثاني محذوف وهو لهم، والجملة خبر المبتدأ الأول. وأصل الدرجة: الرتبة، ومنه الدَّرَجُ الذي يُصعد فيه؛ لأنه يُطْوَى رتبةً بعد رتبةٍ، عن الرماني. و﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف لدرجات على الوجه الأول، أي: هم متفاوتون عنده، وعلى قول مجاهد، في موضع رفع على النعت لدرجات. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾: قوله : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ المَنُّ: الإِنعام، يقال: مَنَّ عليه مَنًّا، إذا أنعم عليه. و ﴿إِذْ﴾: منصوب بقوله: ﴿مَنَّ﴾. ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: في موضع نصب صفة لرسول، وقد مضى الكلام على نحو هذا في سورة البقرة عند قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ بأشبع ما يكون، فأغنى عن الإعادة هنا (٣). وقرئ: (لِمَنْ مَنِّ اللهِ) (٤) على جعل الجار مكان قد، وجعل المصدر مكان فعله، وذُكر فيه وجهان:

стр. 778

أن يُراد: لمن مَنِّ الله على المؤمنين مَنُّه أو بَعْثُه إذ بعث فيهم، فحُذف لقيام الدَّلالة. أو يكون ﴿إِذْ﴾ في محل الرفع كإذ أو إذا في قولهم: أَخْطَبُ ما يكون الأمير إذ كان أو إذا كان قائمًا، بمعنى: لمن من الله على المؤمنين وقت بعثه (١). وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. (إنْ) هي المخففة من الثقيلة، واسمها مُضمَرٌ، وهو ضمير الشأن والحديث. واللام في ﴿لَفِي﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية التي بمعنى (ما)، نحو: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ (٢) هذا مذهب أهل البصرة. و﴿مِنْ قَبْلُ﴾: مبني لقطعه عن الإِضافة، أي: من قبل بَعْثِهِ الرسولَ. ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾: قوله : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام الذي معناه التقرير والتوبيخ، دخلت على العاطف الذي عطف جملة على جملة. واختُلف في الجملة المعطوف عليها هذه الجملة: فقيل: هي ما مضى من قصة أُحُدٍ من قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (٣). وقيل: محذوفة، كأنه قيل: أفعلتم كذا وقلتم حينئذ كذا (٤).

стр. 779

و ﴿لَمَّا﴾: ظرف بمعنى حين منصوب بقوله: ﴿قُلْتُمْ﴾. و ﴿أَصَابَتْكُمْ﴾: في موضع جر بإضافة ﴿لَمَّا﴾ إليه، أي: وقت إصابتكم وحينه. وقوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ﴾. في موضع رفع صفة لقوله: ﴿مُصِيبَةٌ﴾، وأصلها: مُصْوِبَةٌ، قلبت الواو ياء بعد أن ألقيت حركتها على الصاد لِسكونها وانكسار ما قبلها. وقوله: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ ابتداء وخبر في محل النصب بقوله: ﴿قُلْتُمْ﴾: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦)﴾: قوله : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ (ما) موصولة في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلتها ﴿الْجَمْعَانِ﴾، والخبر: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: فهو كائن بإذن الله، ودخلت الفاء في الخبر لما في الكلام من معنى الشرط؛ لأن الموصول بالفعل يشبه الشرط لكونه يطلب الفعل، ولا يجوز أن تكون شرطية كما زعم بعضهم (١)؛ لأن الشرط بابه الإبهام، وهذا مختص. وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اللام متعلق بمحذوف، أي: وليعلم الله المؤمنين متميزين من المنافقين فَعَلَ ذلك. وقيل: عَطْفٌ على معنى ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: ما أصابكم كان بعلم الله وَلِأَنْ يعلم المؤمنين. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾: قوله : ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ عطف عليه. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ من جملة الصلة، عطف على ﴿نَافَقُوا﴾. ونهاية صلة الموصول: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾. وقد

стр. 780

جُوِّز أن تكون نهاية صلته ﴿نَافَقُوا﴾، ويكون ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ كلامًا مبتدأ (١). وقوله: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾ قيل: ﴿قَالُوا﴾ جواب لسؤال اقتضاه دعاء المؤمنين لهم إلى القتال، كأنه قيل: فماذا قالوا لهم؟ ، فقيل: قالوا لو نعلم، ولو كان ﴿قَالُوا﴾ جواب الأمر كما زعم بعضهم لكان فقالوا، بالفاء على ما يقتضيه نظم "المُعْجِزِ" وتقتضيه فصاحة الفصحاء. وقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (هم) مبتدأ، وخبره ﴿أَقْرَبُ﴾، و ﴿مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ من صلة الخبر. وأما ﴿لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ﴾ فمتعلقان بمحذوف دل عليه هذا الظاهر وهو ﴿أَقْرَبُ﴾. ولا يجوز أن يكونا من صلة هذا الظاهر كما زعم بعضهم (٢)، لأنَّ ما كانَ في صلة أَفْعَلَ لا يتقدم عليه، فاعرفه. ﴿يَقُولُونَ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا من المستكن في ﴿أَقْرَبُ﴾. ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾، يَحْتَمِلُ موضعُ ﴿الَّذِين﴾ أن يكون رفعًا على إضمار: هم، أو على الإِبدال من واو ﴿يَكْتُمُونَ﴾ (٣)، أو على الابتداء وخبره ﴿قُلْ فَادْرَءُوا﴾ علي تقدير: قل لهم، وأن يكون نصبًا على الذم، أو على الرد على ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ (٤)، وأن يكون جرًا على الإِبدال من

стр. 781

الضمير المجرور في ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، أو ﴿قُلُوبِهِمْ﴾. ﴿وَقَعَدُوا﴾: في موضع حال، وقد معه مرادة، أي: قالوا وقد قعدوا عن القتال: لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من القعود ووافقونا فيه، لما قتلوا كما لم نقتل. وقد جوز أن يكون ﴿وَقَعَدُوا﴾ من جملة الصلة عطفًا على ﴿قَالُوا﴾ عاريًا من الإِعراب (١). ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾: قوله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الخطاب لرسول الله ﷺ ، أو لكل أَحَدٍ. و ﴿الَّذِينَ﴾ مفعولٌ أولُ للحسبان، و ﴿أَمْوَاتًا﴾ ثانٍ. وقرئ: (ولا يحسبن) بالياء النقط من تحته (٢) على إسناد الفعل إلى الرسول ﵊، أو إلى كل حاسب كالقراءة بالتاء. وقد جُوّز أن يكون مسندًا إلى ﴿الَّذِينَ﴾، على تقدير: ولا يحسبن الذين قُتلوا أنفسَهم أمواتًا، وجاز حذف المفعول الأول؛ لأنه في الأصل مبتدأ، فحذف كما حذف المبتدأ في قوله: ﴿أَحْيَاءٌ﴾ أي: هم أحياء، لدلالة الكلام عليهما (٣). والجمهور على رفع ﴿أَحْيَاءٌ﴾ على إضمار المبتدأ، وقرئ: (أحياءً) بالنصب (٤) على إضمار فعل دل عليه ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾، أي: بَلِ احْسَبْهُمْ أحياءً، غير أن هذا الحسبان المضمر تضمنه معنى التحقيق واليقين بخلاف الأول، كقوله تعالى: (وَحَسِبُوا ألَّا تَكُونُ فِتْنَةٌ) (٥) على قراءة من رفع

стр. 782

النون (١)؛ لأن المعنى هنا على اليقين لا على الظن، فاعرفه فإنه موضع. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يحتمل أن يكون محله رفعًا إما على الصفة لقوله: ﴿أَحْيَاءٌ﴾، أو لكونه خبرًا بعد خبر، أي: هم أحياء مقربون عنده ذوو زُلْفَى، وأن يكون نصبًا على أن تجعله ظرفًا إما لقوله: ﴿أَحْيَاءٌ﴾، أو لقوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾. وقوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ نعت لأحياء ووصْفٌ لحالهم التي هم عليها من التنعم برزق الله. ولك أن تجعله في محل النصب على الحال: إما من المستكن في ﴿أَحْيَاءٌ﴾، أو من المستكن في الظرف إذا جعلته صفة لأحياء. ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾: قوله : ﴿فَرِحِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿يُرْزَقُونَ﴾ (٢)، ولك أن تجعله حالًا من المستكن في أحياء، أو من المستكن في الظرف. وجوز رفعه في الكلام إما على الصفة لأحياء أو على الاستئناف (٣). وقريء: (فارحين) (٤) وهما لغتان بمعنًى. وقوله: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ (ما) موصول وعائده محذوف، أي: بما آتاهموه. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بالإِيتاء، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله حالًا من العائد المحذوف، أي: كائنًا من فضله.

стр. 783

وقوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ عطف على ﴿فَرِحِينَ﴾؛ لأن فرحين ويفرحون سِيّان. ولك أن تجعله مستأنفًا على تقدير: وهم يستبشرون. ويحتمل أن يكون عطفَ جملةٍ على جملة، فيكون محلها نصبًا على الحال. وقوله: ﴿بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ كلاهما متعلق بقوله: ﴿لَمْ يَلْحَقُوا﴾. قوله: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ﴾، وهو بدل الاشتمال، أي: ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من إخوانهم المؤمنين، وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة. و(أن) (١) مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، أي: أنه لا خوفٌ عليهم، وقيل: (أن) مصدرية (٢)، والتقدير: بِألَّا، فيكون في موضع نصب لعدم الجار أو جر على إرادته، على الخلاف المذكور في غير موضع (٣). ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾: قوله : ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قيل: كُرر للتأكيد وليعلق به ما هو بيان لقوله: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤) مِن ذِكرِ النعمة والفضل. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ قرئ: بالفتح (٥) عطفًا على النعمة والفضل، وبالكسر (٦) على الاستئناف، تعضده قراءة من قرأ: (والله لا يضيع أجر المؤمنين) وهو عبد الله بن مسعود ﵁ (٧).

стр. 784

﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ موضع ﴿الَّذِينَ﴾ يَحتمِلُ أن يكون رفعًا إما على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين، أو على الابتداء، والخبر: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ (١)، أو جرًا ردًّا على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، أو نصبًا على المدح. وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿أَحْسَنُوا﴾، أي: كائنين منهم. ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ يجوز في إعرابه الأوجه الثلاثة ردًّا على ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ (٣)، ولك أن ترفعه على إِضمار: (هم)، وتنصبه على إضمار: (أعني). وقوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ الهاء والميم مفعول أول لزاد، و ﴿إِيمَانًا﴾ ثان، وفاعل الفعل الذي هو (زاد) المقول الذي هو ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾، أو مصدر قال، كما تقول: من كذب كان شرًّا له، أي: فزادهم هذا الكلام - وهو المقول المذكور أو القول - إيمانًا. وقوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ابتداء وخبر. وحسب: مصدر في موضع مُحْسِبٍ الذي [هو] اسم فاعل، من أَحْسَبَهُ الشيءُ، إذا كفاه، أي: مُحْسِبُنَا الله، أي: كافينا.

стр. 785

والدليل على أنه بمعنى المُحْسِب أنك تقول: هذا رجل حَسْبُكَ من رجل، فتصف به النكرة، وهذا عبد الله حَسْبَكَ من رجل، فتنصبه على الحال؛ لأن إضافته لكونه في معنى اسم الفاعل غير حقيقية، ولكونه مصدرًا يستوي فيه الواحد والتثنية والجمع. وقوله: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فعيل بمعنى مفعول، أي: ونِعْمَ الموكولُ إليه الأمرُ هو، فـ (هو) هو المخصوص بالمدح، وإنما حُذف لكونه معلومًا، كقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ (١) أي نعم العبد أيوب ﵇، وقوله: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ (٢)، أي: فنعم الماهدون نحن. ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾: قوله : ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ﴾ (بنعمةٍ) في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿فَانْقَلَبُوا﴾، أي: فرجعوا ملتبسين بنعمة كائنة من الله متآزرين بها، وهي السلامةُ وحَذَرُ العدو منهم على ما فُسِّرَ (٣)، وكذا ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ﴾ حال أيضًا من الضمير المذكور آنفًا، أي: غير لاقين ما يسوؤهم. وقد جوز أن يكون ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ مفعولًا به (٤). وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾، وأن يكون حالًا وقد معه مرادة. ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾: قوله : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ الإِشارة إلى ما سلف

стр. 786

من تخويفهم للمؤمنين، والتقدير: إنما ذلكم التخويف تخويف الشيطان، فحُذف المضاف. و﴿ذَلِكُمُ﴾ مبتدأ، و ﴿الشَّيْطَانُ﴾ صفة له، وخبره: ﴿يُخَوِّفُ﴾. ولك أن تجعل ﴿ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ابتداء وخبر، و ﴿يُخَوِّفُ﴾ حالًا من ﴿الشَّيْطَانُ﴾، أي: مُخَوِّفًا، والعامل فيها معنى الإِشارة، كقولك: هذا زيد قائمًا، وقوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (١) والمفعول الأول لقوله: ﴿يُخَوِّفُ﴾ محذوف، تقديره: يخوفكم أولياءه، أي: بأوليائه، لأنك تقول: خوفت زيدًا بكذا، ثم حُذف الجار وأُوصل الفعل، كما قال: ١٣٦ - أَمَرْتُكَ الخيرَ ........ ... ........................ (٢) أي: به. والدليل على صحة تقدير ما ذكرت قراءة من قرأ: (يخوفكم أولياءه) بإظهار المفعول الأول وهما ابن عباس وابن مسعود ﵃ (٣) والمعنى: يخوف المؤمنين بالكافرين. وقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ الضمير في ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ وهو الهاء والميم للأولياء أو للشيطان، إذ المراد به الجنس، أو للناس في قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٤) والأول أمتن للقرب، ولكونه عاريًا من التأويل. وقيل: يخوف أولياءه المنافقين عن الخروج مع رسول الله ﷺ ، فالضمير على هذا للشيطان أو للناس ليس إلا.

стр. 787

﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)﴾: قوله : ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ يقال: حَزِنَ فلانٌ يَحْزَنُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر حَزَنًا خلاف سَرّ، فهو حزِنٌ وحزِينٌ، وحزَنَهُ غيرُه يحزُنُه بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر حَزَنًا وحُزْنًا فيهما، وأَحزَنَهُ أيضًا لغة. قال اليزيدي ﵀: حَزَنَهُ لغة قريش، وأَحْزَنَهُ لغة تميم (١)، وقد قرئ بهما (٢)، وعن بعض أهل اللغة: حَزَئتُهُ، إذا جَعْلتَ فيه حُزْنًا، وأَحْزَنْتُهُ، إذا جعلتَه حزينًا (٣). وهو نهي في الظاهر للمسارعين في الكفر عن أن يحزنوا رسول الله ﷺ ، وهو في المعنى نهي له ﵊ عن أن يحزن لأجلهم. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ (شيئًا) منصوب على المصدر لوقوعه موقعه، كأنه قيل: لن يضروه ضرًا أو شيئًا منه، وعليه المعنى. وقيل: هو نصب بـ ﴿يَضُرُّوا﴾ على إرادة الجار وهو الباء، أي بشيء، فحُذف الجار وأوصل الفعل، وقد ذُكر قبيل، والله أعلم (٤).

стр. 788

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾: قوله : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ قرئ: (ولا يَحسبنَّ) بالياء النقط من تحته (١) مسندًا إلى ﴿الَّذِينَ﴾، فالذين فاعلون به، وأما مفعولا الحسبان: فأن وما اتصل بها تسد مسدهما عند صاحب الكتاب (٢)، كقوله: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ (٣). و(ما): تحتمل أن تكون موصولة، ونهاية صلتها ﴿لَهُمْ﴾، وعائدها محذوف، والتقدير: نُمليه لهم، و ﴿خَيْرٌ﴾ خبر أنّ و ﴿لِأَنْفُسِهِمْ﴾ متعلق به، وأن تكون مصدرية بمعنى: (ولا يحسبن الذين كفروا) أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم [والإملاء: الإمهالُ، والتأخيرُ، والإطالة في العمر، والإنساءُ في الأَجَل، مأخوذ من الملاوة وهي الحِين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾، أي: حينًا طويلًا] (٤). وكان القياس على ما يقتضيه عِلْمُ الكتابةِ أن تُكتب مفصولة (٥)، غير أنها وَقعتْ في "الإِمام" (٦) متصلة فالأَولى اتباعه، وليس لمعترضٍ أن يقول: إنها كافة أو مزيدة لأجل وقوعها في "الإمام" متصلة، لأنها لو كانت كذلك لكان ﴿خَيْرٌ﴾ منصوبًا بـ ﴿نُمْلِي﴾ (٧).

стр. 789

وعن يحيى بن وئاب: (إنَّ ما نملي) بكسر الهمزة (١)، على أنها جواب قسم محذوف، والقسم مع ما في حيزه ينوب عن المفعولَين. وقرئ: (ولا تحسبن) بالتاء النقط من فوقه (٢) مسندًا إلى المخاطَب، فالفاعل هو المخاطَب و ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول الحسبان الأول، وأن وما عملت فيه بدل منه، وهو بدل الاشتمال. وأن مع ما في حيزها تسد مسد المفعولين [كما تسد لو لم تكن بدلًا] (٣)، وإنما جاز إتيان البدل ولم يُذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد، لأن الاعتماد على البدل والمبدل منه في حكم المُنَحَّى، ألا تراك تقول: جَعلتُ متاعَكَ بعضه فوق بعض، مع امتناع سكوتك على متاعك، فاعرفه فإنه من كلام الزمخشري (٤). ولا يجوز أن تجعل أن مع ما في حيزه المفعول الثاني للحسبان، و ﴿الَّذِينَ﴾ الأول، لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو الأول في المعنى، إلا أن تقدر مضافًا محذوفًا، والتقدير: ولا تحسبن شأن الذين كفروا أن إملاءنا خير لأنفسهم. وقيل: إن الكلام على قراءة من قرأ بالتاء النقط من فوقه محمول على التكرير، أي: ولا تحسبن الذين كفروا لا تحسبن أن ما نملي لهم خير لأنفسهم، فسدَّت أن مع ما في حيزها مَسَدَّ المفعولين للحسبان الثاني، والحسبان الثاني وما اتصل به في موضع المفعول الثاني للحسبان الأول، كما أنك لو قلت: الذين كفروا لا تحسبن أن ما نملي لهم خير لأنفسهم، لكان

стр. 790

أَسَدَّ كلام، ثم أُدخل الحسبان الأول على المبتدأ الذي هو ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، عن الفراء والكسائي (١). وقد جوز أن تكون التاء لتأنيث ﴿الَّذِينَ﴾ على تقدير القوم، كأنه قيل: ولا تحسبن القوم الذين، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (٢) فاعرفه. وقوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ هذه جملة مستأنفة، ولذلك كُسرت (إن). و (ما) هذه تكتب متصلة لكونها كافة بخلاف الأولى. واللام من ﴿لِيَزْدَادُوا﴾ لام العاقبة، كالتي في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (٣)، ومنه قول الشاعر: ١٣٧ - أموالُنَا لذوي الميراثِ نجمَعُها ... ودُورُنَا لخراب الدَّهر نبنيها (٤) وقال الزمخشري: وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها، كأنه قيل: ما بالهم يحسبون الإِملاء خيرًا لهم؟ فقيل: إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا. فإن قلت: كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضًا لله تعالى في إملائه لهم؟ ! قلت: هو علة للإملاء، وما كل علة بِغَرَضٍ، ألا تراك تقول: قعدتُ عن الغزو للعجز والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشر، وليس شيء منها بغرض لك، وإنما هي علل وأسباب، فكذلك ازدياد الإثم جُعِلَ عِلّةً للإمهال وسببًا فيه، انتهى كلامه (٥). وازداد هنا يجوز أن يكون لازمًا فيكون ﴿لِيَزْدَادُوا﴾ تمييزًا، وأن يكون متعديًا فيكون مفعولًا به.

стр. 791

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾: قوله : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اللام لتأكيد النفي، والفعل بعدها منتصب بإضمار أن، ولا يجوز إظهارها معها هنا بإجماع من أهل هذه الصناعة، بخلاف: جئت لتعطيني، ولأن تعطيني، لأنهم أجازوا إظهارها معها هنا، وقالوا: إنما لم يجز إظهارها بعد اللام في النفي لأمرين: أحدهما: أن النفي ينبغي أن يكون على حد الإثبات، وتقدير هذا عندهم في الأصل: كان زيد سيقوم، فجعلوا نفيه: ما كان زيد ليقوم، وجعلوا اللام بإزاء السين، والفعل بعد اللام بإزاء الفعل بعد السين، ليقابل الحرف الحرف، والفعل الفعل، فيصير النفي على حد الإثبات. والثاني: أنهم لو أظهروا (أن) لكانوا قد قابلوا الاسم بالفعل؛ لأن (أن) مع الفعل الذي بعدها في تأويل اسم، وعلى هذا التقدير يكونون قد قابلوا اسمًا بفعل، فلا يكون النفي على حد الإثبات. وهي متعلقة - أعني اللام من ﴿لِيَذَرَ﴾ - بمحذوف دل عليه الكلام، وهذا المحذوف هو خبر كان، أي: ما كان الله يريد ليترك .. ولا يجوز أن تجعل ﴿لِيَذَرَ﴾ نفسَهُ الخبرَ كما زعم بعضهم؛ لأن الفعل الواقع بعد اللام مقدر مع ناصبه بالمصدر الذي هو الترك، وهذا فاسد من جهة المعنى؛ لأن الخبر في هذا الضرب هو الاسم في المعنى، وليس الترك هو الله جل ذكره إلا أن يقدر مضافًا محذوفًا، أي: ذا ترك، فحينئذ يصح وإلَّا فلا، ومثله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ في جميع ما ذكرت (١).

стр. 792

وقوله: ﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾ يقال: ماز الشيءَ يميزُهُ مَيْزًا، إذا عزله وفرزه ومَيّزه، ويميزه تمييزًا مثله، لغتان بمعنًى، وقد قرئ بهما (١). ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾: قوله : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾. قرِئ: (ولا يحسبن) بالياء النقط من تحته مسندًا إلى ﴿الَّذِينَ﴾، فـ ﴿الَّذِينَ﴾ فاعلون به، ومفعول الحسبان الأول إما محذوف تقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيرًا لهم، دل عليه ﴿يَبْخَلُونَ﴾، و ﴿هُوَ﴾ على هذا فصل، أو ﴿هُوَ﴾: هو المفعول الأول، وهو ضمير البخل، ومنه قول الشاعر: ١٣٨ - إذا نُهِيَ السفِيهُ جَرَى إليه ... وخَالَفَ والسفيهُ إلى خِلافِ (٢) فالضمير في (إليه) لِلسَّفَهِ الذي دل عليه السفيه. والأَولى لا بل هو الواجب أن يكون ﴿هُوَ﴾ هنا فصلًا لا ضمير البخل لأمرين: أحدهما: أن (هو) لا يكون ضميرًا للمنصوب إلّا على تأويل وتعسف. والثاني: أن الضمير المتصل أخف وأخصر من المنفصل، وإذا كان

стр. 793

كذلك، فلا يجوز العدول عنه مهما قُدِرَ عليه، وهنا تَقْدِرُ أن تقول: ولا يحسبنه الذين، فاعرفه فإنه موضع. أو إلى ضمير رسول الله ﷺ ، أو إلى ضمير أحدٍ، وجاز ذلك وإن لم يجر له ذكر لحصول العلم به، فـ ﴿الَّذِينَ﴾ على هذا مفعول الحسبان الأول، وفي الكلام حذف مضاف وإقامة ﴿الَّذِينَ﴾ مقامه، و ﴿هُوَ﴾ فصل. و﴿خَيْرًا﴾: مفعول ثان، أي: ولا يحسبن رسولُنا أو أحدٌ بُخْلَ الذين يبخلون هو خيرًا لهم، ولا بد من إضمار هذا المضاف ليكون المفعول الثاني هو الأول في المعنى. وكذا الكلام فيمن قرأ: (ولا تحسبن) بالتاء النقط من فوقه (١)، كالكلام فيمن قرأ بالياء وأسنده إلى ضمير الرسول ﵊، أو ضمير أحد، أي: ولا تحسبن أنت كيت وكيت. وقوله: : ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ تفسير لقوله: ﴿هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الميراث أصله مِوْراث، انقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. (والله بما يعملون خبير) قرئ: بالياء النقط من تحته ردًّا إلى قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾، وبالتاء النقط من فوقه (٢)، وهو أبلغ في الوعيد لعموم المُخْبَر عنهم وغيرهم. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾:

стр. 794

قوله : ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ كسرت ﴿إِنَّ﴾: لأنها بعد ﴿قَالُوا﴾ ومعمول له. ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ قرئ: (سنكتب) بالنون على البناء للفاعل و (ما) موصولة نصب به، والعائد محذوف، أي: قالوه. ولك أن تجعلها مصدرية فحينئذ تستغني عن العائد، أي: سنكتب قولهم. و ﴿قَتْلَهُمُ﴾: عطف عليه. وقريء: (سيُكتَب) بالياء مضمومة وفتح التاء على البناء للمفعول (وقَتْلُهم) برفع اللام، و (يقولُ) بالياء النقط من تحته (١)، فما على هذه القراءة في موضع رفع على الفاعلية، (وقَتْلُهم) عطف عليه. وقرئ: (سيَكتُبُ) بالياء مفتوحة النقط من تحتها (٢) مبنيًّا للفاعل وهو الله جل ذكره. ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾: قوله : ﴿ذَلِكَ﴾ رفع بالابتداء، والإشارة إلى ما تقدم من عقابهم في قوله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، والخبر: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾. و (ما) موصولة، و ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: عطف على ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾، أي: ذلك العقاب بسبب اجتراحهم السيئات، وبامتناع ظلم الباري جل ذكره للعباد، فأنَّ في موضع جر. قيل: وإنما ذكر الظلَّام بلفظ المبالغة لجمع العبيد. وقيل: له أن يفعل بعباده ما يشاء، فكل ما فعله فليس بظلم. وقيل: إذا نُفِيَ الظُّلمُ الكثيرُ انتفى القليلُ ضرورةً، لأن الذي يظلمُ إنما

стр. 795

يظلم لانتفاعه بالظلم، فإذا تَرَكَ الظلمَ الكثيرَ مع زيادةِ نفعِهِ في حق من يجوزُ عليه النفعُ والضرُّ كان للظلم القليلِ المنفعةِ أتركَ، فاعرفه (١). ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ﴾ موضع ﴿الَّذِينَ﴾ نصب على الذم أو جر على الرد على ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ (٢)، أو على العبيد (٣) على قول أبي إسحاق (٤) أو رفع على: هم الذين (٥). وقوله: ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ﴾ موضع (أن) نصب لعدم الجار وهو الباء وإفضاء الفعل إليه، أو جرٌّ على إرادة الجار وتضمين العهد معنى الإيصاء، والاختيار هنا في (أن) أنْ تكتب متصلة لكونها ناصبة للفعل، ولو كانت مخففة من الثقيلة لكان حقها أن تكتب مفصولة على قياس عِلْمِ الخَطِّ (٦). وقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ القربان: ما تُقِرِّبَ به إلى الله جل ذكره. والجمهور على إسكان الراء فيه، وقرئ: (بقُرُبان) بضم الراء (٧)، ونظيره ما حكاه صاحب الكتاب ﵀: السُّلُطان، بضم اللام (٨). واختلف في هذا البناء على وجهين:

стр. 796

أحدهما: أنه على الإِتْباع. والثاني: أنه بناء على حِدَتِهِ. ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾: قوله : ﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ قرئ: (وبالزبر وبالكتاب) بزيادة الباء فيهما تأكيدًا، وبحذفها فيهما (١) اكتفاء بالعاطف عنها، كما تقول: مررت بزيد وبعمرو، وبزيد وعمرو. والزبر: جمع زبور كرُسُل في جمع رسول، وهي الكتب، يقال: زَبرْتُ الكتابَ، إِذا كتبتَهُ، وأصله الزَّجْرُ، يقال: زَبَرْتُ الرجلَ أَزْبُرُهُ زَبْرًا، إذا زجرته، فسمي الكتاب بذلك لما فيه من الزجر عن الباطل، عن الرماني وغيره. والكتاب هنا جنس، وإنما جمع بينهما لاختلاف أصلهما، لأن الزبور من الزَّبْر، وهو الزَّجْرُ، والكتاب من الكَتْب، وهو ضمُّ الحروف بعضِها إلى بعض، والكتاب المنير الهادي إلى الحق. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾: قوله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ابتداء وخبر، وإنما أُنث الخبر لإضافة كل إلى النفس، كما أُنث الفعل في قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ (٢) لذلك.

стр. 797

والجمهور على حذف التنوين من ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ استخفافًا، وقرئ: (ذائقةٌ الموتَ) بالتنوين والنصب (١) على الأصل؛ لأنه لِما يُستقبل. وقرئ: أيضًا: (ذائقةُ الموتَ) بطرح التنوين مع النصب (٢)، كما قال: ١٣٩ - ..................... ... ولا ذاكرِ اللهَ إلَّا قليلا (٣) والذوق: إدراك طعم المطعوم، هذا أصله، ثم يستعمل على التشبيه لإِدراك الحالات، فاعرفه. وقوله: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ (ما) كفت إن عن العمل وهيأتها ليليها ما لم يكن يليها وهو الفعل، ولو كانت موصولة لكانت الأجور مرفوعة بخبر إن مع كونك تفرق بين الصلة والموصول بالخبر، وذلك أن يوم القيامة ظرف لـ ﴿تُوَفَّوْنَ﴾، وإذا رفعتَ الأجور بخبر إن كنت مفرقًا بينهما به، وذلك لا يجوز. وقوله ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ (من) شرطية في موضع رفع بالابتداء. والزحزحة: التنحية. والإبعاد: تكرير الزَّحِّ، يقال: زَحَّهُ يَزُحُّهُ زحًّا، وزَحْزَحه يزحزحه زحزحةً، إذا نَحَّاه عن موطنه وباعده عنه. قال ذو الرمة: ١٤٠ - يا قابضَ الرُّوحِ عن جِسْمٍ عَصَى زَمَنًا ... وغافرَ الذنبِ زَحْزِحْنِي عن النارِ (٤) ﴿فَقَدْ فَازَ﴾: الفاء وما بعدها جواب الشرط. ومعنى ﴿فَازَ﴾: ظفر بالنعيم الدائم، وأصل الفوز: النجاة.

стр. 798

﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾: قوله : ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ وزنه لَتُفْعَوُنَّ، ولامه محذوفةٌ لالتقاء الساكنين هي وواو الجمع، وحُرِّكت الواو لالتقاء الساكنين هي والنون. وخُصّت بالضم لتكون حركتها منها، وما هو منها أولى بها، وقد مضى الكلام على نحو هذا في "البقرة" عند قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ بأشبع ما يكون، فأغنى ذلك عن الإعادة هنا (١). ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾: قوله : (ليبيننه للناس ولا يكتمونه) قرئ: بالياء فيهما النقط من تحته، لأن المُخْبَرَ عنهم غُيبٌ، وبالتاء النقط من فوقه فيهما (٢) على حكاية مخاطبتهم وقت أخذِ الميثاقِ. ولما كان أخذ الميثاق في معنى القسم، جيء باللام والنون في (ليبيننه) ولم يؤت بهما في (ولا يكتمونه) اجتزاء بما تقدم. والضمير في (ليبيننه ولا يكتمونه) للكتاب، وقيل: لرسول الله ﷺ . وقوله: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ يحتمل أن تكون (ما) موصولة وما بعدها صلتها في موضع رفع على الفاعلية، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها في موضع نصب على التمييز، وفاعل بئس على هذا مضمر مميزه (ما) أي: بئس

стр. 799

الشيء شيئًا يشترون، والمخصوص بالذم في كلا التقديرين محذوف وهو الثمن القليل، وحَسُنَ حذفه لكونه معلومًا. ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾: قوله : (لا يحسبن الذين يفرحون) قرئ: (لا يَحْسِبَنَّ) بالياء النقط من تحته (١) مسندًا إلى ﴿الَّذِينَ﴾، فالذين فاعلون به. واختلف في مفعوليه، فقيل: هما محذوفان، وإنما حُذف مفعولاه؛ لأن قوله: (فلا يحسِبُنَّهم بمفازة) على قراءة من قرأ بالياء النقط من تحته مع ضم الباء (٢) تأكيدٌ للحسبان الأول. وقيل: بدل منه، فاستغني بمفعولي الحسبان الثاني عن مفعولي الحسبان الأول؛ لأن الفاعل فيهما واحد، وإنما جيء بالثاني على وجه التأكيد، والفاء على هذا مزيدة، والمعنى: لا يحسبن الذين يفرحون أنفسهم فائزين، فأنفسهم مفعول أول، وفائزين ثانٍ، دلّ على الأول: الهاء والميم في (فلا يَحْسِبُنَّهُمْ) وعلى الثاني: ﴿بِمَفَازَةٍ﴾، ونظيره قول الشاعر: ١٤١ - بأَيِّ كتابٍ أم بأيّةِ سُنَّةٍ ... ترى حُبَهُم عارًا عليَّ وتَحْسَبُ (٣)

стр. 800

فـ (حبهم)، و (عارًا) مفعولان لترى، وحُذف مفعولا الحسبان كما ترى اكتفاء بتعدية أحد الفعلين عن تعدية الآخر، والتقدير: وتحسب مثل ذلك. وقيل: ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ في هو المفعول الثاني للحسبان الأول، والنية فيه التقديم، والمفعول الثاني للحسبان الثاني محذوف، والذي سوغ حذفه دلالة الأول عليه، والمفعول الأول للحسبان الأول محذوف والتقدير: لا يحسبن الذين يفرحون أنفسهم بمفازة فلا يحسبنهم بمفازة، فحذف المفعول الأول من الحسبان الأول، والمفعول الثاني من الحسبان الثاني، كما تقول: حسبت زيدًا منطلقًا فحسبته، تريد: فحسبته منطلقًا. والوجه: الوجه الأول لكونه يغني عن هذا التعسف والتقديرات. وقرئ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾، ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ بالتاء النقط من فوقه فيهما (١) مسندَين إلى ضمير رسول الله ﷺ ، فالذين يفرحون: مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، والذي جوز حذفه دلالة ما بعده عليه، وهو ﴿بِمَفَازَةٍ﴾، والفعل الثاني وهو ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيد للأول، أو بدل منه؛ لأن الفاعل فيهما واحد. وقرئ أيضًا: (لا يحسبن الذين يفرحون) بالياء النقط من تحته مسندًا إلى ﴿الَّذِينَ﴾، (فلا تحسبنهم) بالتاء النقط من فوقه (٢) مسندًا إلى ضمير المخاطب على أن مفعولي الحسبان الأول محذوفان، لدلالة مفعولي الحسبان الثاني عليهما، ولا يجوز أن يكون الفعل الثاني على هذه القراءة تأكيدًا للأول ولا بدلًا منه، لاختلاف الفاعلين (٣). وقرئ أيضًا: (لا تَحْسبُنَّ الذين يفرحون)، (فلا تَحْسبُنَّهم) بالتاء النقط

стр. 801

من فوقه فيهما، والباء مضمومة فيهما (١)، على خطاب المؤمنين، ووجههما ظاهر من جهة مفعوليهما. وقرئ أيضًا: (لا يحسبَن الذين يفرحون)، (فلا يحسبَنهم) بالياء النقط من تحته فيهما مع فتح الباء فيهما (٢) مسندين إلى ضمير رسول الله ﷺ ، أو إلى ضمير أَحَدٍ، ووجههما أيضًا من جهة مفعوليهما ظاهر. وقوله: ﴿بِمَا أَتَوْا﴾ يحتمل أن تكون (ما) موصولة، وأن تكون مصدرية. ومعنى ﴿بِمَا أَتَوْا﴾: بما فعلوا، وأتى وجاء يستعملان بمعنى فَعَل، تعضده قراءة من قرأ: (بما فعلوا) وهو أُبي ﵁ (٣). و﴿أَنْ يُحْمَدُوا﴾: في موضع نصب بقوله: ﴿يُحِبُّونَ﴾، ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ وما في ﴿بِمَا أُنْزِلَ﴾: موصولة. وقوله: ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (مفازةٌ) مفعَلَةٌ من الفوز، ومعنى بمفازة من العذاب: بمنجاة منه. ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ متعلق به، هذا إذا جعلت المفازة مصدرًا، فإن جعلتها مكانًا، كما زعم بعضهم (٤) كان ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ متعلقًا بمحذوف لكونه صفة لها. ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾: قوله : ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ موضع ﴿الَّذِينَ﴾ نصب على إضمار أعني، أو جر على الرد على قوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٥) أو رفع على

стр. 802

إضمار: (هم)، أو على الابتداء والخبر محذوف، أي: يقولون ربنا. وعلى الوجه الأول يكون محل يقولون نصبًا على الحال، أي: يتفكرون قائلين، ونهاية صلة الذين: ﴿وَالْأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ أحوال من الضمير في ﴿يَذْكُرُونَ﴾، وجاز أن يكون ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ حالًا أيضًا منه عطفًا على ما قبله، لأنَّ الظروف تكون أحوالًا للمعارف، كما تكون أوصافًا للنكرات، كأنه قيل: يذكرونه قائمين وقاعدين ومضطجعين. والمعنى: يذكرون الله دائمين، لأنَّ الإنسان لا يخلو عن هذه الأحوال الثلاث. و﴿قِيَامًا﴾ جمع قائم، كنيام في جمع نائم، و ﴿وَقُعُودًا﴾ جمع قاعد، كسجود في جمع ساجد. وقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على قوله: ﴿يَذْكُرُونَ﴾ داخلًا في صلة ﴿الَّذِينَ﴾ خاليًا عن المحل، وأن يكون عطفًا على الأحوال، فيكون محله نصبًا على الحال، والأول أمتن. وقوله: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ على إضمار القول، أي: يقولون ذلك، ومحله النصب على الحال، أي: يتفكرون قائلين: ما خلقت هذا الخلق، أو هذا الشيء باطلًا. و﴿بَاطِلًا﴾: نعت لمصدر محذوف، أي: ما خلقته خَلْقًا باطلًا بغير حكمة، بل لِحكَمٍ بوالغَ. ولك أن تجعله حالًا من ﴿هَذَا﴾ والعامل فيها ﴿خَلَقْتَ﴾، أي: ما خلقت هذا عاريًا عن حكمة، ويَضْعُفُ أن يكون مفعولًا من أجله كما زعم الجمهور، أي: للباطل، لأنَّ من شرط المفعول من أجله أن يكون مصدرًا، وليس هذا مصدرًا، وإنما هو اسم فاعل من بطل الشيء فهو باطل، وأما مصدره: فَبُطْلٌ، وبُطْلان، وبُطُولٌ. وأما جعلهم اسم الفاعل هنا بمعنى المصدر، [فعنه مندوحة بما

стр. 803

ذكرت]، لأنَّ الشيء إذا أتى على أصله لا يخرج عن أصله لغير اضطرار خصوصًا في الكتاب العزيز (١). ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾: قوله : ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، (من) شرطية في موضع نصب بـ ﴿تُدْخِلِ﴾، و ﴿تُدْخِلِ﴾ جزم به، و ﴿النَّارَ﴾ مفعول ثان لـ ﴿تُدْخِلِ﴾، ولك أن تجعل ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع بالابتداء، وما بعده الخبر، وأحد مفعولي ﴿تُدْخِلِ﴾ محذوف تقديره: من تدخله النار، تَعْضُد هذا الوجه قراءةُ مَنْ قرأ: (ومن يؤته اللَّهُ الحكمة) وهو الأعمش (٢)، وقد أوضحتُ إعرابَ هذه الآية في "البقرة" (٣). و﴿مَنْ تُدْخِلِ﴾ وجوابه في موضع رفع بخبر إنَّ. ومعنى ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾: أذللته، يقال: خَزِي فلان يَخْزَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر خِزْيًا إذا ذَلَّ، وأخزاه غيره. ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣)﴾: قوله : ﴿مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾. (ينادي) في موضع نصب لكونه صفة لقوله: ﴿مُنَادِيًا﴾، يقال: دعاه لكذا وإلى كذا، وهدانا لهذا وإلى هذا بمعنًى؛ لأنَّ (إلى) للغاية، واللام لِلْغَرَضِ وهو غاية للقصد، فلما اجتمعا في المعنى جاز وقوع كلّ واحد منهما مكان الآخر، وفي الكلام حذف

стр. 804

مضاف، أي: نداءَ مُنادٍ، لأنَّ سمع يتعدى إلى مفعولين، نحو: سمعت زيدًا يقول، فإن اقتصرتَ على مفعول واحد وجب أن يكون مما يُسمع كالدعاء والنداء وشبههما. ولك أن تجعل ﴿مُنَادِيًا﴾ مفعولًا أول و ﴿يُنَادِي﴾ ثانيًا؛ لأنه مما يُسمع، فلا حَذْفَ مضافٍ على هذا، فاعرفه. ومفعول ﴿يُنَادِي﴾ لا محذوف، أي: ينادي الخلقَ. وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا﴾. أي: بأن آمنوا، فتكون أن في موضع نصب لعدم الجار، وقد جوز أن تكون بمعنى: أَي (١). وقوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ (وتوفنا) سؤال وطلب. و ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿وَتَوَفَّنَا﴾، أي: وتوفنا مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم. وقيل: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ صفة لمحذوف تقديره: وتوفنا أبرارًا مع الأبرار، وأبرارًا على هذا حال، وأنشد على ذلك. ١٤٢ - كَأَنَّكَ من جِمالِ بني أُقَيشٍ ... ...................... (٢) أي: كأنك جمل من جمال بني أقيش، والوجه: هو الوجه الأوله. والأبرار: جمع بار، كأصحاب في جمع صاحب، أو جمع بَرٍّ، كأرباب في جمع رَبٍّ، قيل: والبَرُّ المتَّسِعُ في الخير، وأصلُ الكلمة من الاتساع، ومنه البَرُّ خلاف البحر.

стр. 805

﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾: قوله : ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ ﴿مَا وَعَدْتَنَا﴾ (ما) موصولة. ولك أن تجعلها مصدرية تسميةً للمفعول بالمصدر، كضرْبِ الأمير، أي: وآتنا وَعْدَنا، أي موعودنا. و﴿عَلَى﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿وَعَدْتَنَا﴾، أي: وآتنا ما وعدتنا على أسنة رسلك، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أنَّ تجعله حالًا من الموعود، على حد: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، أي: وآتنا ما وعدتنا مُنْزلًا على رسلك، أو محمولًا على رسلك؛ لأنَّ الرسل محمَّلُون ذلك، بشهادة قوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ (١). وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ الميعاد: مصدر بمعنى الوعد، مفعال منه، وقُلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وقد ذكر فيما سلف (٢). ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾: قوله : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾ يقال: استجاب له، واستجابه بمعنًى، أي: أَجَابَهُ، وقد ذكرتُ في "البقرة" عند قوله تعالى: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (٣)، ومفعوله محذوف، أي: فاستجاب لهم ربهم دعاءهم، فاعرفه.

стр. 806

وقوله: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾ الجمهور على فتح الهمزة من ﴿أَنِّي﴾ على إسقاط الجار وهو الباء، أي بأني. وقرئ: بالكسر (١) على إرادة القول، أي: قال لهم: إني. وأصل ﴿أُضِيعُ﴾: أُضْيعُ، فنُقلت حركة الياء إلى الضاد. ﴿مِنْكُمْ﴾: في موضع جر لكونه صفة لـ ﴿عَامِلٍ﴾. وكذا ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ صفة له بعد صفة، وقد جوز أن يكون بدلًا من ﴿مِنْكُمْ﴾، وأن يكون حالًا من المستكن في ﴿مِنْكُمْ﴾ (٢). و(من) في ﴿مِنْ ذَكَرٍ﴾ لبيان الجنس، وقد جوز أن تكون زائدة مؤكدة للنفي، والتقدير: عمل ذكر أو أنثى (٣). وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ابتداء وخبر، والمعنى: أن ذكوركم وإِناثكم يجمعهما أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر، أي من أصله. وقيل: في الدِّين وفي التناصر والتعاون (٤)، ومحل الجملة النصب على الحال من المنوي في ﴿مِنْكُمْ﴾، أي: متجانسين أو متناصرين. وقوله: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿وَقُتِلُوا﴾. و ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ﴾: جواب قسم محذوف، وخبر الابتداء المذكور. وقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (ثوابًا) اسم واقع موقع مصدر مؤكد لما قبله، كقوله: (﴿كَتَابَ اللَّهِ﴾ (٥)، و ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ (٦) بمعنى: إثابةً من عند

стр. 807

الله؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ بمعنى: لأثيبنهم إثابة، فـ ﴿ثَوَابًا﴾ هنا واقع موقع الإثابة، كالعطاء في قوله: ١٤٣ - بَعْد عَطَائِكَ المِائَةَ ... ...................... (١) موقع الإعطاء (٢). الكسائي: هو منصوب على القَطْع، أي على الحال (٣) الفراء: هو منصوب على التفسير (٤). وقيل: هو منصوب على الحال من الضمير المنصوب في قوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾، أي: ذوي ثوابٍ، أو مثابين (٥). وقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ اسم الله تعالى رفع بالابتداء، و ﴿حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ رفع بالابتداء أيضًا والظرف خبره، أو بالظرف على رأي أبي الحسن، والجملة خبر عن المبتدأ الأول. ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦)﴾: قوله : ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ قرئ: (لا يَغُرَّنَّكَ) بتشديد النون، وقرئ: (لا يَغُرَّنْك) بالنون الخفيفة (٦)، وكلاهما بمعنًى.

стр. 808

﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾: قوله : ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو، أو ذلك متاع قليل، وهو التقلب في البلاد. ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾: قوله : ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (الذين) في موضع رفع بالابتداء، والخبر: ﴿لَهُمْ﴾ وما اتصل به. وقرئ: (لكنَّ الذين) بالتشديد (١)، فالذين على هذه القراءة في موضع نصب باسم (لكنَّ) و ﴿لَهُمْ﴾ وما تعلق به الخبر أيضًا وإن اختلف التقديران. ﴿جَنَّاتٌ﴾: رفع بالابتداء، و ﴿لَهُمْ﴾ الخبر، أو بِلَهُمْ. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾: لك أن تجعلها في موضع رفع على النعت لجنات، وأن تجعلها في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿لَهُمْ﴾ على رأي صاحب الكتاب ﵀. وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ حالٌ من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾، والعامل فيها: معنى الاستقرار. وقوله: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون في موضع مصدر مؤكد لما قبله بمعنى: إنزالًا من عند الله، لأنَّ قوله: ﴿جَنَّاتٌ﴾ لأبي في معنى انزلوا فيها إنزالًا، وأن يكون جمع نازل، كقوله:

стр. 809

١٤٤ - ......................... ... أو تَنزلونَ فإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ (١) فيكون حالًا من المستكن في ﴿خَالِدِينَ﴾، والفائدة على هذا الوجه منوطة بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، لأنَّ (٢) ذِكْر الخلودِ يغني عن النزول. وأن يكون على بابه وأصلِه، لِأَنَّ النُّزْلَ والنُّزُلَ في الأصل: ما يُهَيَّأ للنَّزِيلِ (٣)، قال: ١٤٥ - وكنَّا إذا الجَبَّارُ بالجيشِ ضافَنا ... جَعَلْنا القَنَا والمُرْهَفَاتِ لهُ نُزْلا (٤) فيكون حالًا إما من ﴿جَنَّاتٌ﴾ لتخصصها بالوصف على رأي أبي الحسن، أو من المنوي في ﴿لَهُمْ﴾ على مذهب صاحب الكتاب، أو من الضمير في ﴿فِيهَا﴾ على المذهبين. وقد جوز إذا جعلته مصدرًا أن يكون بمعنى المفعول، فيكون في موضع الحال أي: مَنْزولةً. وقيل: هو منصوب على التمييز (٥). و﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ على الوجه الأول: متعلق بقوله: ﴿نُزُلًا﴾ أو بمحذوف على أنَّ تجعله صفة له، وعلى الثاني: بـ ﴿نُزُلًا﴾، وتكون ﴿مِنْ﴾

стр. 810

مزيدة. على قول من جوز ذلك، أي: نازلين عنده، كقوله: ﴿مِنْ عِنْدَهُ﴾ (١)، و ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٢)، وعلى الثالث والرابع: بمحذوف ليس إلَّا، لكونه صفة لـ ﴿نُزُلًا﴾. وقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ (ما) موصولة في موضع رفع بالابتداء، والخبر: ﴿خَيْرٌ﴾، و ﴿لِلْأَبْرَارِ﴾: متعلق به، والمعنى: وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل. ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾: قوله : ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: (لمن) اللام للتوكيد، و (مَن) في موضع نصب لكونها اسم إنَّ، والخبر: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. و (مَن) موصولة، ﴿قَلِيلًا﴾: نهاية صلتها. ﴿خَاشِعِينَ﴾: حال من المستكن في ﴿يُؤْمِنُ﴾، وجاء جمعًا حملًا على المعنى، لأنَّ من يؤمن في معنى الجمعِ. وقيل: حال من الهاء والميم في ﴿إِلَيْهِمْ﴾، فيكون العامل على هذا ﴿أُنْزِلَ﴾، وكذلك ﴿لَا يَشْتَرُونَ﴾ حال أيضًا (٣). و﴿لِلَّهِ﴾ متعلق بخاشعين، أي: خاضعين له متذللين. والخشوع: الخضوع، ويستعمل في القلب والبصر بشهادة قوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ (٤).
следующие страницы →