← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 147312

الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد

المنتجب الهمذاني

Полный текст (3 913 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وقوله: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾ الجمهور على فتح الهمزة من ﴿أَنِّي﴾ على إسقاط الجار وهو الباء، أي بأني. وقرئ: بالكسر (١) على إرادة القول، أي: قال لهم: إني. وأصل ﴿أُضِيعُ﴾: أُضْيعُ، فنُقلت حركة الياء إلى الضاد. ﴿مِنْكُمْ﴾: في موضع جر لكونه صفة لـ ﴿عَامِلٍ﴾. وكذا ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ صفة له بعد صفة، وقد جوز أن يكون بدلًا من ﴿مِنْكُمْ﴾، وأن يكون حالًا من المستكن في ﴿مِنْكُمْ﴾ (٢). و(من) في ﴿مِنْ ذَكَرٍ﴾ لبيان الجنس، وقد جوز أن تكون زائدة مؤكدة للنفي، والتقدير: عمل ذكر أو أنثى (٣). وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ابتداء وخبر، والمعنى: أن ذكوركم وإِناثكم يجمعهما أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر، أي من أصله. وقيل: في الدِّين وفي التناصر والتعاون (٤)، ومحل الجملة النصب على الحال من المنوي في ﴿مِنْكُمْ﴾، أي: متجانسين أو متناصرين. وقوله: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿وَقُتِلُوا﴾. و ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ﴾: جواب قسم محذوف، وخبر الابتداء المذكور. وقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (ثوابًا) اسم واقع موقع مصدر مؤكد لما قبله، كقوله: (﴿كَتَابَ اللَّهِ﴾ (٥)، و ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ (٦) بمعنى: إثابةً من عند

стр. 807

الله؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ بمعنى: لأثيبنهم إثابة، فـ ﴿ثَوَابًا﴾ هنا واقع موقع الإثابة، كالعطاء في قوله: ١٤٣ - بَعْد عَطَائِكَ المِائَةَ ... ...................... (١) موقع الإعطاء (٢). الكسائي: هو منصوب على القَطْع، أي على الحال (٣) الفراء: هو منصوب على التفسير (٤). وقيل: هو منصوب على الحال من الضمير المنصوب في قوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾، أي: ذوي ثوابٍ، أو مثابين (٥). وقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ اسم الله تعالى رفع بالابتداء، و ﴿حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ رفع بالابتداء أيضًا والظرف خبره، أو بالظرف على رأي أبي الحسن، والجملة خبر عن المبتدأ الأول. ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦)﴾: قوله : ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ قرئ: (لا يَغُرَّنَّكَ) بتشديد النون، وقرئ: (لا يَغُرَّنْك) بالنون الخفيفة (٦)، وكلاهما بمعنًى.

стр. 808

﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾: قوله : ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو، أو ذلك متاع قليل، وهو التقلب في البلاد. ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾: قوله : ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (الذين) في موضع رفع بالابتداء، والخبر: ﴿لَهُمْ﴾ وما اتصل به. وقرئ: (لكنَّ الذين) بالتشديد (١)، فالذين على هذه القراءة في موضع نصب باسم (لكنَّ) و ﴿لَهُمْ﴾ وما تعلق به الخبر أيضًا وإن اختلف التقديران. ﴿جَنَّاتٌ﴾: رفع بالابتداء، و ﴿لَهُمْ﴾ الخبر، أو بِلَهُمْ. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾: لك أن تجعلها في موضع رفع على النعت لجنات، وأن تجعلها في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿لَهُمْ﴾ على رأي صاحب الكتاب ﵀. وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ حالٌ من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾، والعامل فيها: معنى الاستقرار. وقوله: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون في موضع مصدر مؤكد لما قبله بمعنى: إنزالًا من عند الله، لأنَّ قوله: ﴿جَنَّاتٌ﴾ لأبي في معنى انزلوا فيها إنزالًا، وأن يكون جمع نازل، كقوله:

стр. 809

١٤٤ - ......................... ... أو تَنزلونَ فإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ (١) فيكون حالًا من المستكن في ﴿خَالِدِينَ﴾، والفائدة على هذا الوجه منوطة بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، لأنَّ (٢) ذِكْر الخلودِ يغني عن النزول. وأن يكون على بابه وأصلِه، لِأَنَّ النُّزْلَ والنُّزُلَ في الأصل: ما يُهَيَّأ للنَّزِيلِ (٣)، قال: ١٤٥ - وكنَّا إذا الجَبَّارُ بالجيشِ ضافَنا ... جَعَلْنا القَنَا والمُرْهَفَاتِ لهُ نُزْلا (٤) فيكون حالًا إما من ﴿جَنَّاتٌ﴾ لتخصصها بالوصف على رأي أبي الحسن، أو من المنوي في ﴿لَهُمْ﴾ على مذهب صاحب الكتاب، أو من الضمير في ﴿فِيهَا﴾ على المذهبين. وقد جوز إذا جعلته مصدرًا أن يكون بمعنى المفعول، فيكون في موضع الحال أي: مَنْزولةً. وقيل: هو منصوب على التمييز (٥). و﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ على الوجه الأول: متعلق بقوله: ﴿نُزُلًا﴾ أو بمحذوف على أنَّ تجعله صفة له، وعلى الثاني: بـ ﴿نُزُلًا﴾، وتكون ﴿مِنْ﴾

стр. 810

مزيدة. على قول من جوز ذلك، أي: نازلين عنده، كقوله: ﴿مِنْ عِنْدَهُ﴾ (١)، و ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٢)، وعلى الثالث والرابع: بمحذوف ليس إلَّا، لكونه صفة لـ ﴿نُزُلًا﴾. وقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ (ما) موصولة في موضع رفع بالابتداء، والخبر: ﴿خَيْرٌ﴾، و ﴿لِلْأَبْرَارِ﴾: متعلق به، والمعنى: وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل. ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾: قوله : ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: (لمن) اللام للتوكيد، و (مَن) في موضع نصب لكونها اسم إنَّ، والخبر: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. و (مَن) موصولة، ﴿قَلِيلًا﴾: نهاية صلتها. ﴿خَاشِعِينَ﴾: حال من المستكن في ﴿يُؤْمِنُ﴾، وجاء جمعًا حملًا على المعنى، لأنَّ من يؤمن في معنى الجمعِ. وقيل: حال من الهاء والميم في ﴿إِلَيْهِمْ﴾، فيكون العامل على هذا ﴿أُنْزِلَ﴾، وكذلك ﴿لَا يَشْتَرُونَ﴾ حال أيضًا (٣). و﴿لِلَّهِ﴾ متعلق بخاشعين، أي: خاضعين له متذللين. والخشوع: الخضوع، ويستعمل في القلب والبصر بشهادة قوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ (٤).

стр. 811

وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (أولئك) مبتدأ، والإشارة إلى ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾. ﴿أَجْرُهُمْ﴾: رفع بالابتداء، والخبر: ﴿لَهُمْ﴾، أو بلهم على رأي أبي الحسن. و﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: يحتمل أن يكون ظرفًا للأجر، وأن يكون حالًا منه على رأي أبي الحسن، وأن يكون حالًا من المستكن في ﴿لَهُمْ﴾ على رأي صاحب الكتاب. ولا يجوز أن يكون حالًا من الأجر على رأي صاحب الكتاب ﵀ لعدم العامل، وقد ذَكرتُ نظيره في غير موضع فيما سلف من الكتاب (١). والجملة في موضع رفع بخبر ﴿أُولَئِكَ﴾. هذا آخر إعراب سورة آل عمران والحمد لله وحده

стр. 812

إعراب سُوْرَة النِّسَاءِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾: قد مضى الكلام على قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا﴾ بأشبع ما يكون، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا (١). قوله : ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (من) لابتداء الغاية متعلقة بقوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾، أي: فَرَّعَكُمْ من أصل واحد، وهو نفس آدم ﵇ أبيكم. وإنما قيل: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ فأنث حملًا على اللفظ، لأنَّ لفظ النفس مؤنث، ولو قيل: من نفس واحد على التذكير، لجاز حملًا على المعنى (٢). وقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا﴾ عطف على ﴿خَلَقَكُمْ﴾، يعني من تلك النفس الواحدة. و (من) في ﴿مِنْهَا﴾ للتبعيض؛ لأنَّها خلقت من ضلع من أضلاعه على ما فسر (٣)، ولك أن تجعلها لابتداء الغاية.

стр. 813

وقد جوز أن يكون عطفًا على محذوف، كأنه قيل: من نفس واحدة أنشأها أو ابتدأها وخلق منها زوجها، وإنما حُذف لدلالة المعنى عليه، والمعنى: شَعَّبَكُمْ من نفس واحدة هذه صفتها (١). وقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا﴾ أي فرق ونشر، يقال: بث الخبر وأبثه أيضًا، إذا نشره، قال أبو إسحاق: بث جميع الخلق منهما (٢). وقرئ: (وخَالِقٌ منها زوجها وبَاثٌّ منهما) (٣) بلفظ اسم الفاعل على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو خالق. وقوله: (تَسَّاءلون به والأرحام) قرئ: بتشديد السين على أنَّ أصله تتساءلون، فأدغمت التاء في السين بعد قلبها سينًا كراهة اجتماع المِثْلين في صدر الكلمة. وبتخفيفها (٤)، على حذف إحدى التاءين وهي الثانية، أي: يسأل بعضكم بعضًا بالله وبالرحم فيقول: بالله وبالرحم افعل كذا، على سبيل الاستعطاف (٥). وقرئ: (والأرحام) بالحركات الثلاث (٦)، فالنصب: يحتمل وجهين: أن يكون عطفًا على اسم الله تعالى، أي: واتقوا اللَّهَ والأرحامَ، أي: واتقوا الأرحامَ أن تَقْطَعوها.

стр. 814

وأن يكون عطفًا على محل الجار والمجرور، كقولك: مررت بزيد وعَمْرًا، تعضده قراءة من قرأ: (تَسْأَلون بِهِ وبالأرحامِ) بإعادة الجار وهو ابن مسعود ﵁ (١). والجر: يحتمل أيضًا وجهين: أن يكون عطفًا على المضمر المجرور، كما قال - أنشده صاحب الكتاب -: ١٤٦ - فاليومَ قَرَّبتَ تَهْجُونَا وتَشْتِمُنَا ... فاذهبْ فما بِكَ والأيامِ مِنْ عَجَبِ (٢) وقال: ١٤٧ - فَانْظُرْ بنا والحقِّ كَيْفَ نُوافِقُهْ * (٣) ونظيرهما كثير في نظم القوم، وأَن يكون جرها على القسم؛ لأنَّ القوم كانوا يقسمون كثيرًا بالأرحام، فخوطبوا على ما ألفوا من تعظيمها، ثم وردت الأخبار بالنهي عن الحَلِفِ إلَّا بالله تعالى، وهذا الوجه أمتن؛ لأنَّ عطف الظاهر على المضمر المجرور أباه صاحب الكتاب ﵀ وموافقوه إلّا بإعادة الجار (٤). قال الزمخشري: لأنَّ الضمير المتصلَ متصلٌ كاسمه، والجار والمجرور كشيء واحد، فكانا في قولك: مررت به وزيدٍ، وهذا غلامه وزيد شديدي

стр. 815

الاتصال، فلما اشتد الاتصال لتكرره أشبه العطف على بعض الكلية فلم يجز، ووجب تكرير العامل كقولك: مررت به وبزيد، وهذا غلامه وغلام زيد، ألا ترى إلى صحة قولك: رأيتك وزيدًا، ومررت بزيد وعمرٍو لَمّا لَمْ يَقْوَ الاتصال؛ لأنه لَمْ يتكرر (١). وقال بعض أهل العربية ممن نصر هذه القراءة: إن ضمير المجرور وإن اشتد اتصاله بالجار، وأنه لا ينفصل، فشبه بالتنوين من هذين الوجهين من حيث لا يقوم بنفسه، كما لا يقوم التنوين بنفسه، فلما كان العطف على التنوين لا يجوز، كان العطف على ما هو بسبيله بمنزلته، فإن له بحق الاسمية مزية، بدليل توكيدِه، والبَدَل منه، والإِخبارِ عنه، وتثنيتِهِ وجمعِه، فله هذه الإحكام من الاسمية، وله الشَّبَهُ المذكور بالتنوين، فَنُعْطِيهِ تارة بالاسمية حكم الاسم فنعطف عليه، وتارة بالشَّبَهِ حكم التنوين فنمنع من العطف عليه. وأما الرفع: فعلى الابتداء، والخبر محذوف، أي: والأرحامُ كذلك، على معنى: والأرحام مما يتقى؛ لأنَّها محترمة، يعضده قول الحسن ﵀: إذا سألك بالله فأَعْطِه، وإذا سألك بالرحم فأعطه (٢). ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾: قول : ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ الجمهور على الإِتيان بتاءين في ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا﴾ على الأصل، وقرئ: (وَلَا تَبَدَّلوا) بطرح التاء الثانية تخفيفًا (٣).

стр. 816

و ﴿بِالطَّيِّبِ﴾: في موضع نصب على أنَّه مفعول ثان لقوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا﴾، أي: ولا تستبدلوا الحرام بالحلال. وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (إلى) على بابها متعلقة بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾، على معنى: ولا تضموها إليها في الإِنفاق حتى لا تفرقوا بينهما. وقيل: متعلقة بمحذوف على أنَّها في محل النصب على الحال، أي: مضافة إلى أموالكم (١). وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ للمصدر الذي هو الأكل دل عليه ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾. قيل: و ﴿كَانَ﴾ هاهنا لا تختص بالزمان الماضي بل تستغرق جميع الأزمنة، لكونها أصلًا للأفعال. والحُوبُ: الإِثم، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٢). وقرئ: (حَوبا) بفتح الحاء (٣)، وهو مصدرُ حابَ يَحُوبُ حَوْبًا وحَوْبَة وحِيَابَةً، إذا أثم، والحَابُ مثله، وبه قرأ بعض القراء (٤). ونظير الحَوْب والحَابِ: القولُ والقالُ. والحُوب بالضم: الاسم، وقيل: هو مصدر أيضًا. قال الرماني: وأصله الزجر لِلْجَمَل، وقد يُسمى به الجمَلُ (٥). ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾:

стр. 817

قوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أي: ألا تعدلوا، والإِقساط: العدل، والقسوط: الجَوْرُ والعدول عن الحق، يقال: أَقْسَطَ يُقسِطُ إقساطًا، إذا عدل، وقَسَطَ يَقْسِطُ قُسوطًا، إذا جار، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١) وفيه: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (٢)، وبه. قرأ بعض القراء هنا: (أَلَّا تَقسطوا) بفتح التاء (٣)، على أنَّ (لا) مزيدة، كالتي في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ و (٤)، ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ (٥) أي: وإن خفتم أن تجوروا. ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾: الفاء وما بعدها جواب الشرط. و (ما) نصب بقوله: ﴿فَانْكِحُوا﴾، وهي بمعنى مَن. وقيل: إنما قال: (ما) ذهابًا إلى الصفة؛ لأنَّ (ما) تكون صفة من يعقل (٦). وقيل: ﴿مَا﴾ هنا نكرة موصوفة، كما يقول القائل: ما عندك؟ فتقول: رجل أو امرأة، كأنه قيل: فانكحوا جنسًا أو عددًا يطيب لكم (٧). وعن الفراء: أنَّها مصدرية، كأنه قيل: فانكحوا الطيب منهن، أي الحلال (٨). وقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿طَابَ﴾.

стр. 818

ومعنى ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾: ما حل لكم منهن؛ لأنَّ من النساء ما حرم، وهن المذكورات في آية التحريم (١). وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ معدولةٌ عن أعدادٍ مُكَرَّرَةٍ، فمثنى: معدول عن اثنين اثنين، وثُلاث: عن ثلاثة ثلاثة، ورُباع: عن أربعة أربعة. وإنما منعت الصرف لما فيها من السببين: وهما العدل والصفة، هذا مذهب صاحب الكتاب ﵀ (٢). وقال غيره: إنما مُنعت الصرفَ لما فيها من العدلين: عدلها عن صِيَغها، وعدلها عن تكررها (٣). ومحلهن النصب: إما على البدل من ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾، أو على الحال منها، كأنه قيل: فانكحوا الطيباتِ لكم معدوداتٍ (٤)، هذا على قول من جعل ﴿مَا﴾ بمعنى مَن، أو جنسًا، أو نكرة موصوفة، وأما مَن جعلها مصدرية: فَمَثْنَى وما عطف عليه عنده نَصبٌ على أنه مفعول به بفعل دل عليه هذا الظاهر. والألف في ﴿مَثْنَى﴾ منقلبة عن لام الفعل، فإذا صَغَّرْتَ قلتَ: مُثَينٍ، كما تقول في مَلهًى: مُلَيْهٍ. وقرئ: (ثُلَثَ ورُبَعَ) بغير ألف فيهما (٥)، على القَصْرِ منهما تخفيفًا، ونظير ذلك قولهم: ١٤٨ - أَقْبَلَ سَيْل جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ... ...................... (٦)

стр. 819

والدليل على صحة ما ذهبتُ إليه: كونُهما غيرَ مصروفين، كما هما في قراءة الجمهور. والواو في قوله: ﴿وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ليس للجمع، ولا يكون العدد تسعًا (١)، وإنما هذه الكلمات موضوعة في كلام القوم للتكرار، ولا يجوز أن يُعَبَّر عن التسع بهذه العبارة في الكلام الفصيح خصوصًا في الكتاب العزيز، ولهذا قال بعضهم: إن هذه الواو تُفِيدُ البدلَ، كأنه قال: وثُلاثَ بدلًا عن مثنى، ورُباع بدلًا عن ثلاث، وكفاك دليلًا على ما ذكرت الإِجماعُ، فاعرفه (٢). الزمخشري: فإن قُلْتَ: الذي أُطْلِقَ للناكح في الجمع أن يَجمع بين ثِنتين أو ثلاثٍ أو أربعٍ، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع؟ قلت الخطاب للجميع، فوجب التكرير ليصيب كلّ ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له، كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم: درهمين درهمين، وثلاثةً ثلاثةً، وأربعةً أربعةً، ولو أفردت لَمْ يكن له معنى. فإن قلتَ: فلم جاء العطف بالواو دون (أو)؟ قلتُ: كما جاء بالواو في المثال الذي حَذَوْتُهُ لَكَ. ولو ذهبتَ تقول: اقْتَسِمُوا هذا المال درهمين درهمين، أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة لعلمتَ أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه (٣) إلّا على أحد أنواع هذه القسمة، وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القِسْمِ على تثنية، وبعضه على تثليث، وبعضه على تربيع، وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة

стр. 820

الذي دلت عليه الواو، وتحريره (١): أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون مَن أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع إن شاؤوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين فيها محظورًا عليهم ما وراء ذلك. انتهى كلامه (٢). وقوله: ﴿فَوَاحِدَةً﴾ الجمهور على نصب قوله: ﴿فَوَاحِدَةً﴾ على تقدير: فانكحوا واحدة، دل عليه قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾، أو فالزموا، أو فاختاروا واحدة، دل عليه المعنى، والمراد: كلُّ واحدٍ منكم، كقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٣)، ولفظ ﴿فَانْكِحُوا﴾ وإن كان ظاهره الأمر بالنِّكَاح، فمعناه: النهي عن الزيادة على الأربع، فاعرفه. وقرأ ابن القعقاع: (فواحدةٌ) بالرفع (٤)، على أنَّها مبتدأ خبر محذوف، أي: فواحدة تكفي أو بالعكس، أي: فالمقنع واحدة، أو فالمنكوحة واحدة، ولك أن ترفعها على الفاعلية، أي: فكَفَتْ واحدةٌ. وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، عطف على قوله: ﴿فَوَاحِدَةً﴾، و ﴿مَا﴾ في موضع نصب أو رفع على قدر القراءتين في ﴿فَوَاحِدَةً﴾. و﴿أَوْ﴾ هنا تحتمل أن تكون للتخيير، وأن تكون للإِباحة وهو أجود وعليه المعنى، لأنَّ للناكح الحر أن يجمع بين الحرة الواحدة، وبين الإماء من غير حَصْرٍ. والكلام في ﴿مَا﴾ هنا كالكلام في ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾. وقرئ: (أو مَن ملكت) (٥).

стр. 821

وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (ذلك) رفع بالابتداء، والإِشارة إلى الحكم المذكور وهو اختيار الواحدة والتَّسَرِّي، وخبره ﴿أَدْنَى﴾، أي: أقرب إلى ألا تميلوا، أو من ألا تميلوا، من قولهم: عال الميزان يعول عولًا، إذا مال، فهو عائل، أي: مائل، قال الشاعر: ١٤٩ - بِمِيْزانِ صِدْقٍ لا يُغِلُّ شَعِيَرةً ... له شاهدٌ من نَفْسِهِ غَيرُ عائِلِ (١) وعال الحاكم في حكمه، أي: جار ومال، ورُوي أن أعرابيًّا حَكَمَ عليه حاكم، فقال له: أتعول عليَّ (٢)؟ . والجمهور على فتح التاء وضم العين، من عَال يَعُول، وقد أوضحتُ معناه آنفًا، وقرئ: (ألَّا تُعِيلوا) بضم التاء وكسر العين (٣)، من أَعال الرجل يُعيل إعالة، إذا كَثُرَ عياله، فهو مُعِيلٌ، والمرأة مُعيلة، وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعي رحمه الله تعالى في قراءة الجمهور أن المعنى: ذلك أدنى إلا يَكْثُرَ عيالُكم، من عُلْتُ الصبي أعوله عولَا وعيالة، إذا مُنْتَهُ (٤) وأنفقتَ عليه، أي: ذلك أدنى ألا تمونوا العيال فتحتاجوا إلى الإنفاق، فاعرفه فإنه موضع. ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾: قوله : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ الجمهور على فتح الصاد وضم الدال في ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾، وهي جمع صَدُقَة، والصدُقَة: مهر المرأة.

стр. 822

وقرئ: (صدْقاتِهِنَّ) بضم الصاد وإسكان الدال (١)، على أنَّها جمع صُدْقَةٍ بوزن: غُرْفَةٍ بضم الغين، وهي لغة بني تميم (٢). وقرئ: (صُدُقاتهن) بضم الصاد والدال (٣) على أنَّها جمع صُدُقَةٍ، وهي تثقيل صُدْقَةٍ، كقولك في ظُلْمة ظُلُمة، وبه قرأ بعض القراء: (صُدُقَتَهُنَّ) بضم الصاد والدال على التوحيد (٤). وقرئ أيضًا: (صَدْقاتهن) بفتح الصاد وإسكان الدال (٥)، على أنَّها تخفيف صَدُقاتِهِنَّ. و﴿نِحْلَةً﴾: من قولهم: نَحَلتُ فلانًا كذا أنحَلُهُ بالفتح فيهما، إذا أعطيتَه إياه نُحْلًا بضم النون ونِحلْة بكسرها. والنُّحلَى بوزن البُشْرَى: العَطِية، ونَحَلْتُ المرأة صَدَاقها عن طيب نفس من غير مطالبة أَنْحَلُهَا. واختلف في نصبها، فقيل: على المصدر؛ لأنَّ النِحلة والإِيتاء بمعنى الإِعطاء، فكأنه قيل: وانحلوا النساء مهورهن نحلة. وقيل: على الحال، إما من الضمير في ﴿وَآتُوا﴾ أو من ﴿النِّسَاءَ﴾، أو من الصدُقات، أي: وآتوهن صَدُقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإِعطاء، أو مَنْحولاتٍ، أو مَنْحولة (٦). وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾: (طبن) فِعْلٌ وضميرُ

стр. 823

الفاعلات، ووزنه فِلْنَ. ﴿مِنْهُ﴾ في موضع جر صفة لشيء، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ يعود إلى ما هو في معنى الصدُقات وهو الصَّدَاقُ، أو المال، أو المهر، ولك أن تُجريه مُجْرَى اسم الإِشارة، أي: عن شيء من ذلك. و﴿نَفْسًا﴾ نصب على التمييز، والعامل فيه: ﴿طِبْنَ﴾، والأصل: طابت أنفسهن، ثم جعل الفعل لما يلتبس به الفاعل وهو المضاف إليه، فقيل: طبن، فوجب أن يُبَيَّنَ، فَنُصِبَ الذي كان فاعلًا فقيل: طِبْنَ نَفْسًا، وكان القياس أَنْفُسًا، وإنما وضع الواحد موضع الجمع، لأنَّ الغرض بيانُ الجنس، والواحد يدلُّ عليه هنا، كما دل في قولك: عندي عشرون دينارًا. وقوله ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ الهاء في ﴿فَكُلُوهُ﴾ لـ ﴿شَيْءٍ﴾ في قوله: ﴿عَنْ شَيْءٍ﴾، و ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾: حالان منه، وقيل: هما وصف للمصدر الذي دل عليه ﴿فَكُلُوهُ﴾ أي: أكلًا هنيئًا مريئًا (١). وقد جُوِّزَ أن يوقف على ﴿فَكُلُوهُ﴾، ويُبْتَدَأُ ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ على الدعاء، وعلى أنَّهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين، كأنه قيل: هَنْئًا مَرْءًا (٢). وهما من هَنُؤَ الطعام يَهْنُؤُ بالضم فيهما هَنْئًا وهَنَاءَةً، ومَرُؤَ يَمْرُؤُ بالضم فيهما أيضًا مَرْءًا ومَرَاءةً، إذا كان سائغًا لا تنغيص فيه. وقيل: الهَنِيْءُ: ما يَلَذُّهُ الآكِلُ، والمرِيء: ما يُحمَدُ عاقبتُهُ، وقد هَنَأَنِيْ وَمَرَأَنِيْ، فإذا أفردتَ قلتَ: أَمْرَأَنِي هذا الطعام، ولم يُقَلْ: أَهْنَأَنِي (٣). والخطاب في قوله: ﴿فَكُلُوهُ﴾: للأزواج، وقيل: للأولياء (٤).

стр. 824

﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾: قوله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ﴿السُّفَهَاءَ﴾ جمع سفيه، وهم المبذِّرون، وليس المراد بهم النساء فقط كما زعم بعضهم (١)، بل النساء وغيرهن، إذ لو كان النساء وحدهن لوجب أن يكون السفائه أو السفيهات؛ لأنه الغالب في جمع سَفِيهَةٍ، فَحَمْلُهُ على الأكثر أَولى حتى يقوم دليل، عن أبي إسحاق وغيره (٢). والجمهور على إفراد ﴿الَّتِي﴾ وهو الوجه، لكون الموصوف جمعًا لا يعقل، ولو كان يعقل لكان الوجه أن يقال؛ اللاتي، وفي التنزيل: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي﴾ (٣)، وفيه: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي﴾ (٤) فَجُمِعَ وأُفرد لما ذكرت آنفًا، هذا هو الشائع في كلام القوم (٥). وقد جوز فيما لا يعقل اللاتي، وفيما يعقل التي، وبالجمع قرأ هنا بعض القراء: (أموالكم اللاتي) (٦)، نظرًا إلى اللفظ دون المعنى. ونهاية صلة ﴿الَّتِي﴾: ﴿قِيَامًا﴾، وهو مفعول ثان لجعل، والأول محذوف وهو العائد، والتقدير: جعلها الله لكم، أي: صيرها الله لكم قيامًا، أي: تقومون بها وتنتعشون ولو ضيعتموها لضعتم، فكأنها في أنفسها قيامكم وانتعاشكم، وهو مصدر قام، والياء بدل من الواوِ لِكَسْرَةِ ما قبلها، وأُعِلَّتْ في المصدر لاعتلالها في الفعل.

стр. 825

وقرئ: (قِيَمًا) (١) بمعنى قيامًا، وأصله قِوَمٌ وهو كعِوَضٍ وَحِوَلٍ في التَّعَرِّي من مشابهة الفعل، غير أن له حكمًا آخر، وهو أنه في الأصل مصدر كالرِضَى وصف به كما يوصف بسائر المصادر، ولهذا أُعِلَّ؛ لأنَّ المصدر يُعَلّ باعتلال الفعل. وقيل: هو جمع قِيمَةٍ، كدِيمةٍ ودِيَمٍ. والمعنى: التي جعل الله قِيمَةً لأمتعتكم وما تَملِكونه (٢). وقرئ: (قِوامًا) بالواو وألف بعدها (٣)، وفيه وجهان: أحدهما: أنه اسم، من قولهم: هذا قِوام الشيء، لما يقام به، كما تقول: هو مِلاكُ الأمر، لما يُملك به. والثاني: أنه مصدر كالقيام والقِيَم، قال أبو الحسن: فيه ثلات لغات: القِوام والقيام والقيم (٤). وقيل: أتَى قِوام على قاوَمَهُ قِوامًا، كجاوره جوارًا، فصحت في المصدر كما صحت في الفعل. وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ أي: اجعلوا لهم فيها رزقًا، وهو أن يتجروا فيها ويتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال على ما فسر (٥). ففي على بابها (٦). وقيل: هي هنا بمعنى (من)، أي: وارزقوهم منها (٧).

стр. 826

﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾: قوله : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾: أي: واختبروهم في عقولهم ودينهم، وذوقوا أحوالهم قبل البلوغ (١). و﴿حَتَّى﴾ غاية للابتلاء، وهي حتى التي تقع بعدها الجمل، والجملة الواقعة بعدها هنا جملة شرطية، لأنَّ (إذا) متضمنة معنى الشرط، هذا وَضعُها، وفعل الشرط ﴿بَلَغُوا﴾. وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ جملة من شرط وجزاء، والجملة جواب للشرط الأول الذي هو ﴿إِذَا بَلَغُوا﴾، والعامل في ﴿إِذَا﴾ ما دل عليه معنى الجملة التي هي الجواب، وهو استحقوا وشبهه. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ أي: حالَ النِّكَاح، وهو الاحتلام، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٢)؛ لأنه يَصْلُحُ للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد والتناسل. والإِيناس: الإحساس، عن الخليل (٣). وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (إسرافًا وبدارًا) مصدران في موضع الحال من الضمير في ولا تأكلوا، أي: مسرفين ومبادرين كِبَرَهُمْ، وقيل: هما مفعولان من أجلهما (٤)، أي: لإسرافكم ومبادرتكم كِبَرَهم تَفْرُطُونَ في إنفاقها وتقولون: نُنفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا.

стр. 827

والإِسراف: تجاوز الحد المباح في إنفاؤا المال. والبدار: المبادرة إلى الشيء، وهو الإِسراع إليه. ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾: أن وما بعدها في موضع نصب بقوله: ﴿وَبِدَارًا﴾، أي: كبرهم (١)، والكبر في السن، وهو مصدر كَبِرَ فلانٌ يَكْبَرُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر كِبَرًا، إذا أسن، هذا أصله (٢). قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (بالله) في موضع رفع على أنَّه فاعل الفعل الذي هو كفي، والباء مزيدة. وقيل: ﴿بِاللَّهِ﴾ في موضع نصب على أنه مفعول به وفاعل الفعل مضمر، أي: كفى الاكتفاء (٣)، والباء مزيدة زيدت لتدل على معنى الأمر، أي: اكتف بالله، والوجه هو الأول وعليه الجمهور. و﴿حَسِيبًا﴾: منصوب على الحال، وقيل: على التمييز (٤)، واختلف في معناه، فقيل: كافيًا، لِأَنَّ أَحْسَبَنِي الشيءُ، أي: كفاني، أي: كافيًا في الشهادة عليكم بالدفع والقبض (٥). وقيل: محاسبًا (٦). فعليكم بالصدق وإياكم والكذب. ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ قوله : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ﴾ (مما ترك) في موضع رفع أنه صفة لنصيب، وما بعده مثله.

стр. 828

وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ﴾ بدل ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ بتكرير العامل. وقوله: ﴿نَصِيبًا﴾ اختلف في نصبه، فقيل: نَصْبٌ على الاختصاص بمعنى: أعني نصيبًا (١). وقيل: هو مفعول لفعل محذوف تقديره: جعل لهم نصيبًا، دل عليه معنى قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾، ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾؛ لأنه في معنى: جعل الله ذلك لهم (٢). وقيل: هو منصوب على الحال إما من المستكن في ﴿قَلَّ﴾ أو ﴿كَثُرَ﴾، أو من المستكن في الاستقرار في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾، هذا قول أبي إسحاق، وجعلها حالًا مؤكِّدة، وقال: المعنى لهؤلاء أَنْصِبَةٌ على ما ذكرناها في حال الفرض، ثم قال: وهذا كلام مُؤَكَّدٌ؛ لأنَّ قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ معناه: أن ذلك مفروض لهم، انتهى كلامه (٣). وقيل: هو اسم في موضع المصدر المؤكد، كقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (٤)، كأنه قيل: قَسْمًا واجبًا (٥). ﴿مَفْرُوضًا﴾: نعت لنصيب، أي: مقطوعًا واجبًا لا بد لهم من أن يحوزوه. ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾:

стр. 829

قوله : ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للمتروك، دل عليه الحال، أو للمقسوم؛ لأنَّ القسمة تدل على المقسوم (١). ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾: قوله : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿عَلَيْهِمْ﴾، ومفعول قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ محذوف، أي: وليخش هؤلاء عقاب الله في حمل الموصي على الإجحاف بالذرية، وهم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئًا فقدِّمْ مالك، على ما فُسِّر (٢)، أو: وليخشوا ضَياعَ أيتامِهم بعدهم، والخشية: الخوف. وقوله: ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يجوز أن يكون من صلة قوله: ﴿تَرَكُوا﴾، وأن يكون حالًا من ﴿ذُرِّيَّةً﴾. و﴿ضِعَافًا﴾: جمع ضعيف، كظريف وظراف، وقرئ: (ضعفاء) (٣)، وهو جمع ضعيف أيضًا، كظرفاء وكرماء في جمع ظريف وكريم. و﴿خَافُوا﴾: جواب ﴿لَوْ﴾، ومفعوله محذوف، أي: خافوا عليهم الفقر أو الضياع. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾:

стр. 830

قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (ظلمًا) مصدر في موضع الحال من الضمير في ﴿يَأْكُلُونَ﴾، أي: ظالمين، أو على وجه الظلم من أولياء السوء وقُضاته، فيكون مفعولًا له. ﴿ظُلْمًا﴾: نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾. وقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الجملة في موضع رفع بخبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ متعلقة بمحذوف على أنَّها في محل النصب على الحال من نار لتقدمها عليها، كقوله: ١٥٠ - لِعزَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ ... ...................... (١) وقد ذكر في غير موضع فيما سلف من الكتاب، أي: يأكلون نارًا كائنة أو مستقرة في بطونهم، أجارنا الله منها. وقوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ قرئ: بفتح الياء على البناء للفاعل، من قولهم: صَلِيَ فلان النار يَصْلَى بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر صِلِيًا، إذا احترق. وقرئ: بضمها على البناء للمفعول (٢)، من أصلاه الله النار، إذا أدخله فيها، يعضد الأولى: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾ (٣)، ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ (٤)، وينصر الثانية: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ (٥). وقرئ أيضًا: بتشديد اللام (٦)، وَحُجَّتُهُ: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ (٧).

стр. 831

والسعير: النار المسعورة (١)، أي: الموقدة أشد الإيقاد، فعيل بمعنى مفعولة (٢). ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾: قوله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يَفْرِضُ عليكم، ويَعْهَدُ إليكم؛ لأنَّ الإِيصاء من الله فرضٌ علينا، وعهد إلينا. ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ أي: في أمر أولادكم، أي: في أمر أولاد من مات منكم. وقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ابتداء وخبر في موضع نصب بقوله: يوصِي، لأنَّ قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ إجمال، وقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ تفصيل وتبيين له. قوَله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ (كنَّ) كان واسمها، وشددت النون من (كنَّ) لأنهما نونان: نون كان، والنون التي هي ضمير المؤنث. والضيم للمتروكات، أو للمولودات، أي: فإنْ كانت المتروكاتُ أو المولوداتُ نساءً خوالصَ ليس معهن ذَكَرٌ، يعني: بنات ليس معهن ابن. وقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ يحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون صفة لـ ﴿نِسَاءً﴾، أي: نساءً زائداتٍ على اثنتين.

стр. 832

وقوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ الفاء وما بعدها جواب الشرط. و ﴿مَا﴾: موصول في موضع جر بإضاف ﴿ثُلُثَا﴾ إليه. و ﴿ثُلُثَا﴾: رفع بالابتداء، وخبره الظرف، أو بالظرف على رأي أبي الحسن، وقد ذكر نظيره في غير موضع فيما سلف. وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾: (واحدةً) خبر كان واسمها مضمر فيها، أي: وإن كانت المتروكة أو المولودة أو الوارثة واحدةً، أي: منفردةً [فَذَّةٌ] (١) ليس معها أخرى، فلها النصف. وقرئ: (وإن كانت واحدةٌ) بالرفع (٢)، على أنَّ كان بمعنى حدث ووقع. وقرئ: (فلها النُّصْفُ) بضم النون (٣). وضم النون وكسرها في (النصف) لغتان، غير أن الكسر أشهر وعليه الأكثر. قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ (السدس) رفع بالابتداء وخبره ما قبله من الظرف وهو ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾، أو بالظرف. ومثله: الثلث والسدس والنصف والربع والثمن. وقوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ بدل من قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ بتكرير العامل متوسط بين المبتدأ والخبر للبيان. و ﴿مِنْهُمَا﴾: في موضع جر صفة لواحدٍ. والأبوان: الأب والأم تغليبًا للمذكر. وقيل: إن الأم يقال لها: الأبَة، فثُني لذلك (٤).

стр. 833

وقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ في محل النصب على الحال من ﴿السُّدُسُ﴾ على رأي أبي الحسن، أو من المستكن في الخبر على رأي صاحب الكتاب [ولا يجوز أن يكون حالًا من السدس على رأي صاحب الكتاب] لعدم العامل، وقد ذكرت نظيره فيما سلف في غير موضع (١). والمستكن في ﴿تَرَكَ﴾ للميت؛ لأنَّ الآية لما كانت في الميراث عُلِمَ أن التارك هو الميت؛ وكذا الهاء في ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ له. وقرئ: (السدْس والثلْث والربْع والثمْن) بإسكان أوساطهن تخفيفًا (٢)، وهو أصلٌ مُطّرد في كلّ ما كان على وزن فُعُل. وقرئ: (فَلِأُمه) بضم الهمزة على الأصل، وبكسرها (٣) إتباعًا لكسرة ما قبلها، والياء تجري مُجرَى الكسرة في ذلك. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ متعلق بما تقدمه من قِسْمَةِ المواريثِ كلِّها لا بما يليه وحده، كأنه قيل: قِسمةُ هذه الأنصباءِ من بعد وصية يوصِي بها، قاله الزمخشري (٤). وقرئ: (يوصِي بها) بكسر الصاد على البناء للفاعل، وبفتحها على البناء للمفعول (٥)، والقراءتان بمعنًى وإن اختلف اللفظان، إذ قد عُلِم أن المتوفَى هو الموصِي.

стр. 834

وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ عطف على ﴿وَصِيَّةٍ﴾، وثم ﴿أَوْ﴾: للإِباحة على معنى: إن وجد أحدُهما أو كلاهما قُدِّم على قسمة الميراث. وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾، رفع بالابتداء. و ﴿وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾: عطف عليه. و ﴿أَيُّهُمْ﴾: مبتدأ و ﴿أَقْرَبُ﴾: حْبره ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بالخبر، والجملة في موضع نصب بقوله: ﴿لَا تَدْرُونَ﴾، وعلق ﴿لَا تَدْرُونَ﴾ عن العمل لفظًا؛ لأنه من أفعال القلوب، وأفعال القلوب تعَلَّقُ عند حروف الاستفهام والنفي والابتداء، وهذا من بعض خصائصها. و﴿لَا تَدْرُونَ﴾: ومعموله في موضع رفع بخبر المبتدأ الذي هو ﴿آبَاؤُكُمْ﴾. و ﴿نَفْعًا﴾: نصب على التفسير، و ﴿فَرِيضَةً﴾: على المصدر المؤكَد؛ لأنَّ قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ إلى هنا في معنى فَرَضَ الله عليكم ذلك فَرْضًا، ولك أن تجعلها في موضع الحال، أي: للمذكورين ما ذكر مفروضًا. ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾: قوله : ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ اعلم وفقنا الله وإياك أن ﴿كَلَالَةً﴾ في الأصل مصدر كَلَّ الرَّجُلُ يَكِلُّ كَلالَةً، فهو كَلٌّ، والكَلُّ: الذي لا ولد له ولا والد، وقيل: هي مصدرٌ مِن تَكَلَّلَهُ النسبُ، أي: تَطَرَّفَهُ، كأنه أخذ طَرَفيه من جهة الولد والوالد، وليس له منهما أحدٌ،

стр. 835

فسمي بالمصدر، والعرب تقول: هو ابنُ عَمِّ الكَلالة، وابنُ عَمٍّ كَلالةً، إذا لَمْ يكن لَحًّا، وكان رجلًا من العشيرة (١). وقيل: هي في الأصل مصدر بمعنى الكَلَال، وهو ذَهاب القوةِ من الإِعياء، يقال: كَلَّ من المشي يَكِل كَلَالا وكَلَالة، إذا أَعْيا، فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد؛ لأنهما بالإِضافة إلى قرابتهما كالَّةٌ ضعيفةٌ (٢)، ويقال: أصبحتُ مُكِلًّا، أي: ذا قرابة، وهم عَلَيَّ عيالٌ (٣). واختلف فيها هنا على أوجه: أحدها: أنَّها اسم للميت الذي لَمْ يخلِّف ولدًا ولا والدًا (٤). والثاني: أنَّها اسم للورثة الذين ليسوا بولد ولا والد من المُخَلَّفين، يعضده قول أبي بكر الصديق ﵁ حين سئل عنها فقال: أقول فيه برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني: الكلالة ما خلا الولدَ والوالدَ (٥). والثالث: أنَّها اسم للمال الذي لا يرثه ولد ولا والد (٦). والرابع: أنَّها اسم للقرابة التي ليست من جهة الولد والوالد ومنه قولهم: ما وَرِثَ المَجْدَ عن كَلالةٍ (٧).

стр. 836

وقرئ: (يُورَثُ) بفتح الراء على البناء للمفعول وعليه الجمهور، وقرئ: بكسرها على البناء للفاعل (١)، من أورث ليس إلَّا. وأما قراءة الجمهور فتحتمل أن تكون من وُرِثَ، وأن تكون من أُورِثَ على ما ستراه موضحًا إن شاء الله. و﴿كَانَ﴾ هنا تحتمل أن تكون ناقصة، وأن تكون تامة، فإذا فهم هذا فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ﴾: حرف شرط، و ﴿رَجُلٌ﴾: اسم كان وهو المتوفَّى. و ﴿يُورَثُ﴾ من وُرِثَ، أي: يورَث منه، وهو صفة له. و ﴿كَلَالَةً﴾: خبر كان، أي: وإن كان رجل مَوْرُوثٌ منه كلالةً. ولك أن تجعل ﴿يُورَثُ﴾ خبر كان، و ﴿كَلَالَةً﴾ حالًا من المستكن في ﴿يُورَثُ﴾، وإن جعلت ﴿كَانَ﴾ بمعنى حدث ووقع، كان ﴿رَجُلٌ﴾ فاعلًا بها، و ﴿يُورَثُ﴾ صفةٌ له ليس إلَّا، و ﴿كَلَالَةً﴾ حالٌ من الذِّكْرِ في ﴿يُورَثُ﴾، أي: كَلًّا. والكلالة على هذين الوجهين اسم للميت الموصوف، وإن جعلتها اسمًا للورثة كانت خبر كان، والتقدير: وإن كان رجل مورث منه ذا كلالة، وإن جعلت ﴿كَانَ﴾ تامة كانت تمييزًا، وإن جعلت الكلالة اسمًا للمال كان مفعولًا ثانيًا ليورَث؛ لأنك تقول: وَرِثْتُ من أبي مالًا، وَوَرِثْتُ أبي مالًا، وإن جعلتها اسمًا للقرابة، كان مفعولًا من أجله، أي: يورث لأجل القرابة. وإن جعلت ﴿يُورَثُ﴾ على قراءة الجمهور من أُورث، كان الرجل هو الوارث، ومن وُرِث هو الموروث. وأما مَن قرأ (يُورِثُ) على البناء للفاعل، فـ ﴿كَلَالَةً﴾ تحتمل أن تكون حالًا من المستكن في يورِث، ويكون مفعولًا يورث محذوفين، والتقدير: يورِثُ مَن تَرَكَهُ مالَهُ كَلالةً، وأن تكون مفعولًا به على أنَّها اسم للورثة أو للمال، وعلى كلا التقديرين أحد المفعولين

стр. 837

محذوف، أي: يورِث مالَه وَرَثَةً، أو ورثته مالًا، وأن تكون مفعولًا من أجله على أنَّها اسم للقرابة، أي: يورِث غيرَه لأجلها، أو يورث مالَه قرابةً، فيكون مفعولًا به على ما رَتَّبْتُ فاعرفه، فإن فيه أدنى غموض، وما أَظُنُّ تجده في كتاب. و﴿كَانَ﴾ على قراءة من كسر الراء تحتمل أيضًا أن تكون الناقصة، وأن تكون التامة. وقوله: ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ عطف على ﴿رَجُلٌ﴾، والتقدير: أو امرأة تورث كلالة. وقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ ﴿أَخٌ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿لَهُ﴾، و ﴿أَخْتٌ﴾: عطف عليه، والجملة في موضع رفع على أنَّها صفة لرجل. فإن قلت: لَمْ قال: ﴿وَلَهُ﴾ فأفرد الضمير بعد جَرْيِ ذكر الشخصين وهما الرجل والمرأة؟ . قلت: لأنَّ (أو) لأحد الشيئين، ألا ترى أنك تقول: زيد أو عمرو قام، ولا تقول: قاما؛ لأجل أن المعنى: أحدهما قام، وأما قوله : ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ (١) فَثَنَّى الضمير وكان حقه أن يُوَحِّدَ فيقول: أولى به؛ لأنَّ قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ في معنى إن يكن أحدَ هذين، على ما ذكرت آنفًا من أن (أو) لأحد الشيئين؛ لكونه حَمَلَ على المعنى وَرَدَّ الضميرَ إلى ما دل عليه قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ إلى المذكور، كأنه قال: فالله أولى بهذين النوعين، أي: بالأغنياء والفقراء، تعضده قراءة من قرأ: (فالله أولى بهم) على الجمع وهو أُبيّ ﵁ (٢). والضمير في ﴿لَهُ﴾ يحتمل أن يكون للرجل لكونه السابق والمقدم في

стр. 838

الذكر، وأن يكون لأحدهما؛ لأنَّ قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ في معنى: إن وُجد أحد هذين. وأن يكون للمتوفَّى. وقوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ الفاء جواب الشرط، والهاء والميم في ﴿مِنْهُمَا﴾ للأخ والأخت، هذا إذا جعلت ﴿يُورَثُ﴾: من وُرث، وجعلت الرجلَ الموروثَ، فإن جعلته من أورث، وجعلتَ الرجلَ الوارثَ كان الهاء والميم للرجل ولأخيه، أو أخته، فاعرفه فإنّ فيه أدنى إشكال. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾: (كانوا) كان واسمها، والضمير للإِخوة من الأم، تدل عليه قراءة من قرأ: (وله أخ أو أخت من الأم) وهو أبي ﵁ (١)، و ﴿أَكْثَرَ﴾ خبرها. وقوله: ﴿فِي الثُّلُثِ﴾ متعلق بقوله: ﴿شُرَكَاءُ﴾. وقوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ منصوب على الحال من المستكن في (يوصِي) على قراءة من قرأ: (يوصِي) على البناء للفاعل، فأما من قرأ: (يوصَى) على البناء للمفعول فذو الحال فاعلُ فِعْلٍ مُضْمَرٍ دل عليه هذا الظاهر، وذلك أنه لما قيل: يوصَى بها، علم أن هناك موصيًا، كما أن ارتفاع ﴿رِجَالٌ﴾ في قوله جل ذكره: (يُسَبَّحُ لَهُ فيها بالغُدُوِ والأصَالِ رِجَالٌ) (٢) على قراءة من قرأ (يُسَبَّحُ) على البناء للمفعول (٣) بفعل مضمر دل عليه هذا الظاهر؛ لأنه لما قيل: ﴿(يُسَبَّحُ له) عُلم أن ثَمَّ مسبحًا، فكأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال، فكما كان رجال فاعلَ فعلٍ يدلُّ عليه (يسبح)، كان ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حالًا عن فاعل فعل يدلُّ عليه (يوصي). وقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ منصب على المصدر المؤكِّد، أي:

стр. 839

يوصيكم الله بذلك وصية، كقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ (١) و ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (٢). ومفعول ﴿مُضَارٍّ﴾ محذوف، أي: غير مضار ورثته، وهو أن يُقِرَّ بِدَيْنٍ ليس عليه، أو يوصِي بأكثر من الثلث. ولك أن تنصبها بـ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ على أنَّها مفعول به، كأنه قيل: لا يُضارُّ وصيةً من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، وما أشبه هذا مما تَنْضَرُّ به الورثة، تعضده قراءة من قرأ: (غيرَ مضارِّ وصيةٍ من الله) بترك التنوين في (مضار) وجر (وصية) على الإِضافة، وهو الحسن (٣). ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: ابتداء وخبر. ﴿حَلِيمٌ﴾: خبر بعد خبر، أي: عليم بما يصدر من العادل والجائر، حليم عن الجائر إذا أخَّرَ عنه ما يستحقه، وهذا تهديد. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾: قوله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ ابتداء وخبر، والإِشارة إلى ما حَدَّ الله من فرائضه، عن ابن عباس ﵄ (٤). وقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾ فعول ثان لقوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾. و ﴿تَجْرِي﴾ وما اتصل به في موضع نصب صفة لجنات. و ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الهاء في

стр. 840

﴿يُدْخِلْهُ﴾، وإنما وُحِّدَ ذو الحال وجُمعت الحالُ حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾ ومعناه، كقوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). وكذلك قوله: ﴿نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ (نارًا) مفعول ثان لقوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾، و ﴿خَالِدًا﴾ حال من الهاء في ﴿يُدْخِلْهُ﴾. ولا يجوز أن يكون ﴿خَالِدِينَ﴾ و ﴿خَالِدًا﴾ صفتين لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ و ﴿نَارًا﴾، كما زعم بعضهم (٢)، كما تقول: بَكْرٌ مررتُ بدارٍ ساكنٍ فيها، على حذف الضمير من ساكن، أي: هو فيها؛ لأنهما جَرَيا على غير مَنْ هُما له، واسم الفاعل إذا جرى على غير من (٣) هو له برز ضمير الفاعل، لا بد منه، لانتفاء اللبس، فتقول: خالدين هم فيها، وخالدًا هو فيها، كما تقول: هند زيد ضاربته هي، فتبرز (هي) لجريان اسم الفاعل على غير من هو له، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا (٤). ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾: قول : ﴿وَاللَّاتِي﴾ اللاتي جمع التي، والتي اسم مبهم للمؤنث، وفيه ثلاث لغات: التي، واللَّتِ بكسر التاء من غير ياء، واللَّتْ بإسكانها. وفي تثنيتها ثلاثُ لغاتٍ: اللَّتان، واللَّتا بحذف النون. واللَّتانِّ بتشديد النون. وفي جمعها خمس لغات: اللاتي، واللاتِ بكسر التاء من غير ياء،

стр. 841

واللواتي. واللواتِ من غير ياء، واللوا بحذف التاء (١). ونهاية صلتها ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. واختلف في محلها على وجهين: أحدهما: الرفع بالابتداء وهو الوجه، وإن كان معنى الكلام الأمر؛ لأنَّ الموصول موصول بالفعل، فلما وصل بالفعل سَرَى فيه معنى الشرط والجزاء، ولذلك دخلت الفاء في خبره في قوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فلما سرى فيه معنى الشرط والإِبهام الذي بابه الشرط، جرى مجرى الشرط المحض، نحو: من يأتني فله كذا، فلم يعمل فيه ما قبله من الإِضمار، كما لا يعمل في الشرط ما قبله من مظهر أو مضمرٍ؛ لأنَّ تقدير الفعل قبل أداة الشرط لا يجوز، فلما بَعُدَ أن يعمل فيه ما قبله من الإِضمار لَمْ يحسن الإِضمار، فلما امتنع ذلك فيه رُفع بالابتداء، كما يرفع الشرط. والثاني: النصب بإضمار فعل، أي: اقصدوا اللاتي؛ لأنه وإن أشبه الشرط فليس المُشَبَّهُ بالشيء كالشيء في حكمه، ألا ترى أن باب ما لا ينصرف لما شُبِّهَ بالفعل وأُجري مجراه في بعض الأحوال، وهو إن مُنِعَ الجَرَّ مع التنوين لَمْ يمنع جميع ما لا يكون في الفعل. وقيل: الخبر محذوف، وفي الكلام حذف مضاف، أي؛ وفيما يُتلَى عليكم حكم اللاتي يأتين الفاحشة، فحكم: هو المبتدأ، وفيما يُتلى: الخبر، فحذفا لدلالة قوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾؛ لأنه الحكم المتلو عليكم (٢). والخطاب في قوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾، وأبي للحكام، أي: اسمعوا شهادة أربعة منكم عليهن بالزنا. وقيل: للأزواج (٣).

стр. 842

وقوله: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ ناصب ومنصوب. وقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ عطف على ﴿يَتَوَفَّاهُنَّ﴾. الزمخشري: فإن قلت: ما معنى ﴿يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ والتوفي والموت بمعنى واحد، كأنه قيل: أو يميتهن الموت؟ قلت: يجوز أن يراد حتى يتوفاهن ملائكة الموت، كقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (١)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٢)، ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ (٣)، أو حتى يأخذَهُنَّ الموتُ ويستوفي أرواحَهُنَّ، انتهى كلامه (٤). وقوله: ﴿لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ يحتمل أن يكون اللام من ﴿لَهُنَّ﴾ متعلقًا بقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أنَّ تجعله حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿سَبِيلًا﴾. ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾: قوله : ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ قرئ: (واللذانِ) بتخفيف النون على أصل التثنية؛ لأنَّها لا تختلف في الأمر العام، وقرئ: بتشديدها (٥) على أنَّ إحدى النونين عوض من المحذوف، وهو الياء في الذي، وقد مضى الكلام على هذا في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع ما يكون، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا. والكلام في محل ﴿وَاللَّذَانِ﴾ كالكلام في محل ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ﴾، وقد

стр. 843

ذكر قبيل، والمراد بهما الرجل والمرأة، وإنما ذُكِّر اللفظ تغليبًا للذكور، والضمير للفاحشة. ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾: قول : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾ التوبة: رفع بالابتداء، وهي مصدر تاب الله عليه يتوب توبة، إذا قبل توبته ووفقه لها، والخبر ﴿عَلَى اللَّهِ﴾، أي: إنما ذلك واجب على الله لهؤلاء الموصوفين. واللام متعلقة بما تعلق به الخبر. و﴿بِجَهَالَةٍ﴾: في موضع نصب على الحال، أي: يعملون السوء جاهلين، وهي مصدر قولك: جهل فلان يجهل جهلًا وجهالة. وكل من اختار اللذة الفانية على اللذة الباقية فهو جاهل، وليس ذلك الجهل مُسْقِطًا عنهم العذاب، إذ لو كان كذلك لَمْ يُعَذَّبْ أحد، وإنما ذلك جَهْلٌ بالاختيار، عن أبي إسحاق (١). ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾: قوله : ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ﴾ (الذين) في موضع جر عطفًا على الذينَ يعملونَ السيئاتِ (٢). ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: ابتداء وخبر في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿يَمُوتُونَ﴾.

стр. 844

سوَّى الله سبحانه بين من سَوَّفَ توبته إلى حَضْرَةِ الموت، وبين من مات على الكفر، في أنه لا توبة لهما؛ لأنَّ حضرة الموت أول أحوال الآخرة، فكما أن المائت (١) على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوف إلى حضرة الموت؛ لمجاوزة كلّ واحد منهما أَوانَ التكليف والاختيار، فاعرفه فإنه من كلام الزمخشري (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾: قوله : ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ أن وما عملت فيه في محل الرفع على الفاعلية بقوله: ﴿لَا يَحِلُّ﴾، أي: لا يحل لكم وِرْثُ النساء، أي: نكاحهن (٣). وقرئ: (لا تحل) بالتاء النقط من فوقه (٤)، على ﴿أَنْ تَرِثُوا﴾ بمعنى الوِرَاثَةِ دون الوِرْث، أو الإِرث، أو النكاح. و﴿كَرْهًا﴾ مصدر في موضع الحال من النساء. قيل: كان الرجل إذا مات له قريب من أب أو أخ أو حميم عن امرأة ألقى ثوبه عليها، وقال: أنا أحق بها من كلّ أحد، فقيل: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ أي: أن تأخذوهن على سبيل الإِرث، كما تُحازُ المواريثُ، وهُنَّ كارهاتٌ لذلك أو مُكْرَهاتٌ.

стр. 845

وقيل: كان يمسكها حتى تموت، فقيل: لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثوا منهن وهن غير راضيات (١). فالنساء على الوجه الأول: هن الموروثات، وعلى الثاني: هن الموروثات منهنَّ، والموروث محذوف، وهو المال، أي: أن ترثوا منهن مالًا. وقرئ: (كَرْهًا) و (كُرْهًا) بفتح الكاف وضمها (٢)، وهما لغتان بمعني، كالضعْفِ والضعْفِ عن الكسائي. وقيل: الفتح فِعْلُ المضطر، والضم فعل المختار، عن الفراء (٣)، ومعنى ذلك أنك إذا قلت: فعلت الشيء كَرهًا بالفتح، أي: أُكرهت عليه وفعلته بغير اختياري، وفعلته كُرهًا بالضم، أي: فعلته على مشقة وإن كان باختياري (٤). وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يحتمل أن يكون منصوبًا عطفًا على ﴿أَنْ تَرِثُوا﴾، و"لَا" لتأكيد النفي، أي: لا يحل لكم أن ترثوا النساء، ولا أن تعضلوهن. وأن يكون مجزومًا على أنَّه نهي مستأنف. والعَضْل: الحبس والتضييق، يقال: عَضَلَ فلان أيِّمَهُ يَعْضلُها عَضْلًا، إذا منعها من التزويج، ومنه عَضَّلَتِ المرأة بولدها تَعْضيلًا، إذا اخْتَنَقَتْ رَحِمُهَا به، فخرج بعضه وبقي بعضه، فهي مُعَضِّلةٌ وَمُعَضِّلٌ أيضًا بلا تاء (٥). وقوله: ﴿لِتَذْهَبُوا﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. وقوله: ﴿مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (ما) موصول في موضع جر بإضافة بعض إليه،
следующие страницы →