واللواتي. واللواتِ من غير ياء، واللوا بحذف التاء (١). ونهاية صلتها ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾.
واختلف في محلها على وجهين:
أحدهما: الرفع بالابتداء وهو الوجه، وإن كان معنى الكلام الأمر؛ لأنَّ الموصول موصول بالفعل، فلما وصل بالفعل سَرَى فيه معنى الشرط والجزاء، ولذلك دخلت الفاء في خبره في قوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فلما سرى فيه معنى الشرط والإِبهام الذي بابه الشرط، جرى مجرى الشرط المحض، نحو: من يأتني فله كذا، فلم يعمل فيه ما قبله من الإِضمار، كما لا يعمل في الشرط ما قبله من مظهر أو مضمرٍ؛ لأنَّ تقدير الفعل قبل أداة الشرط لا يجوز، فلما بَعُدَ أن يعمل فيه ما قبله من الإِضمار لَمْ يحسن الإِضمار، فلما امتنع ذلك فيه رُفع بالابتداء، كما يرفع الشرط.
والثاني: النصب بإضمار فعل، أي: اقصدوا اللاتي؛ لأنه وإن أشبه الشرط فليس المُشَبَّهُ بالشيء كالشيء في حكمه، ألا ترى أن باب ما لا ينصرف لما شُبِّهَ بالفعل وأُجري مجراه في بعض الأحوال، وهو إن مُنِعَ الجَرَّ مع التنوين لَمْ يمنع جميع ما لا يكون في الفعل.
وقيل: الخبر محذوف، وفي الكلام حذف مضاف، أي؛ وفيما يُتلَى عليكم حكم اللاتي يأتين الفاحشة، فحكم: هو المبتدأ، وفيما يُتلى: الخبر، فحذفا لدلالة قوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾؛ لأنه الحكم المتلو عليكم (٢).
والخطاب في قوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾، وأبي للحكام، أي: اسمعوا شهادة أربعة منكم عليهن بالزنا. وقيل: للأزواج (٣).
стр. 842
وقوله: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ ناصب ومنصوب.
وقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ عطف على ﴿يَتَوَفَّاهُنَّ﴾.
الزمخشري: فإن قلت: ما معنى ﴿يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ والتوفي والموت بمعنى واحد، كأنه قيل: أو يميتهن الموت؟ قلت: يجوز أن يراد حتى يتوفاهن ملائكة الموت، كقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (١)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٢)، ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ (٣)، أو حتى يأخذَهُنَّ الموتُ ويستوفي أرواحَهُنَّ، انتهى كلامه (٤).
وقوله: ﴿لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ يحتمل أن يكون اللام من ﴿لَهُنَّ﴾ متعلقًا بقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أنَّ تجعله حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿سَبِيلًا﴾.
﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾:
قوله : ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ قرئ: (واللذانِ) بتخفيف النون على أصل التثنية؛ لأنَّها لا تختلف في الأمر العام، وقرئ: بتشديدها (٥) على أنَّ إحدى النونين عوض من المحذوف، وهو الياء في الذي، وقد مضى الكلام على هذا في الكتاب الموسوم بالدرة الفريدة في شرح القصيدة بأشبع ما يكون، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا.
والكلام في محل ﴿وَاللَّذَانِ﴾ كالكلام في محل ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ﴾، وقد
стр. 843
ذكر قبيل، والمراد بهما الرجل والمرأة، وإنما ذُكِّر اللفظ تغليبًا للذكور، والضمير للفاحشة.
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾:
قول : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾ التوبة: رفع بالابتداء، وهي مصدر تاب الله عليه يتوب توبة، إذا قبل توبته ووفقه لها، والخبر ﴿عَلَى اللَّهِ﴾، أي: إنما ذلك واجب على الله لهؤلاء الموصوفين. واللام متعلقة بما تعلق به الخبر.
و﴿بِجَهَالَةٍ﴾: في موضع نصب على الحال، أي: يعملون السوء جاهلين، وهي مصدر قولك: جهل فلان يجهل جهلًا وجهالة.
وكل من اختار اللذة الفانية على اللذة الباقية فهو جاهل، وليس ذلك الجهل مُسْقِطًا عنهم العذاب، إذ لو كان كذلك لَمْ يُعَذَّبْ أحد، وإنما ذلك جَهْلٌ بالاختيار، عن أبي إسحاق (١).
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾:
قوله : ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ﴾ (الذين) في موضع جر عطفًا على الذينَ يعملونَ السيئاتِ (٢).
﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: ابتداء وخبر في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿يَمُوتُونَ﴾.
стр. 844
سوَّى الله سبحانه بين من سَوَّفَ توبته إلى حَضْرَةِ الموت، وبين من مات على الكفر، في أنه لا توبة لهما؛ لأنَّ حضرة الموت أول أحوال الآخرة، فكما أن المائت (١) على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوف إلى حضرة الموت؛ لمجاوزة كلّ واحد منهما أَوانَ التكليف والاختيار، فاعرفه فإنه من كلام الزمخشري (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾:
قوله : ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ أن وما عملت فيه في محل الرفع على الفاعلية بقوله: ﴿لَا يَحِلُّ﴾، أي: لا يحل لكم وِرْثُ النساء، أي: نكاحهن (٣).
وقرئ: (لا تحل) بالتاء النقط من فوقه (٤)، على ﴿أَنْ تَرِثُوا﴾ بمعنى الوِرَاثَةِ دون الوِرْث، أو الإِرث، أو النكاح.
و﴿كَرْهًا﴾ مصدر في موضع الحال من النساء.
قيل: كان الرجل إذا مات له قريب من أب أو أخ أو حميم عن امرأة ألقى ثوبه عليها، وقال: أنا أحق بها من كلّ أحد، فقيل:
﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ أي: أن تأخذوهن على سبيل الإِرث، كما تُحازُ المواريثُ، وهُنَّ كارهاتٌ لذلك أو مُكْرَهاتٌ.
стр. 845
وقيل: كان يمسكها حتى تموت، فقيل: لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثوا منهن وهن غير راضيات (١).
فالنساء على الوجه الأول: هن الموروثات، وعلى الثاني: هن الموروثات منهنَّ، والموروث محذوف، وهو المال، أي: أن ترثوا منهن مالًا.
وقرئ: (كَرْهًا) و (كُرْهًا) بفتح الكاف وضمها (٢)، وهما لغتان بمعني، كالضعْفِ والضعْفِ عن الكسائي. وقيل: الفتح فِعْلُ المضطر، والضم فعل المختار، عن الفراء (٣)، ومعنى ذلك أنك إذا قلت: فعلت الشيء كَرهًا بالفتح، أي: أُكرهت عليه وفعلته بغير اختياري، وفعلته كُرهًا بالضم، أي: فعلته على مشقة وإن كان باختياري (٤).
وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يحتمل أن يكون منصوبًا عطفًا على ﴿أَنْ تَرِثُوا﴾، و"لَا" لتأكيد النفي، أي: لا يحل لكم أن ترثوا النساء، ولا أن تعضلوهن. وأن يكون مجزومًا على أنَّه نهي مستأنف.
والعَضْل: الحبس والتضييق، يقال: عَضَلَ فلان أيِّمَهُ يَعْضلُها عَضْلًا، إذا منعها من التزويج، ومنه عَضَّلَتِ المرأة بولدها تَعْضيلًا، إذا اخْتَنَقَتْ رَحِمُهَا به، فخرج بعضه وبقي بعضه، فهي مُعَضِّلةٌ وَمُعَضِّلٌ أيضًا بلا تاء (٥).
وقوله: ﴿لِتَذْهَبُوا﴾ اللام متعلقة بقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
وقوله: ﴿مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (ما) موصول في موضع جر بإضافة بعض إليه،
стр. 846
وعائده محذوف وهو المفعول الثاني للإِيتاء"، أي: آتيتموهُنَّهُ أو إياه.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ﴾ في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، وقيل: هو استثناء من أَعَمِّ عَامِّ الظرف، أو المفعول له، كأنه قيل: ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلّا وقت أن يأتين بفاحشة، أو: لا تعضلوهن لعلةٍ من العلل إلَّا لأنَّ يأتين بفاحشة (١).
و﴿أَنْ يَأْتِينَ﴾ في تقدير المصدر، أي: إتيانهن.
واختلف في الفاحشة هنا، فقيل: هي الزنا (٢). وقيل: هي النشوز (٣).
وقرئ: (مبيَّنة) بفتح الياء على أنَّها اسم المفعول؛ لأنَّ المُبَيِّن هو الله تعالى أو الشهود، وبكسرها (٤)، على أنَّها اسم الفاعل، يقال: أبان الشيء فهو مبين، وتبيّن فهو متبيّن، إذا ظهر واتضح. ويحتمل أن يكون متعديًا أي: تُبيِّنُ حال مرتكبها. وقرئ أيضًا: (مُبِيْنَة) بكسر الباء وإسكان الياء (٥)، على أنَّها من أبانت بمعنى ظهرت، أو أظهرت على الوجهين المذكورين في قراءة من قرأ (مُبَيِّنَة) بالكسر.
وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أنَّ يكون في موضع نصب على الحال.
стр. 847
وقوله: ﴿أَنْ تَكْرَهُوا﴾ أن وما عملت فيه في موضع رفع بعسي، ولم تحتج هنا إلى الخبر، كما احتاجت إليه في قولك: عسى فلان أن يخرج؛ لأنَّ (أن) إذا ذُكِر أولًا وجرى ذكر الفاعل في حلته نحو: عسى أن يخرج فلان، استغنيت عن تقدير المفعول المسمى خبرًا، إذ الغرض تقريب الخروج وقد حصل، ح فيجري مجرى قولك: قرب أن يخرج فلان، أي: قرب خروجه، وكذا تقدير الآية، أي: قربت كراهتكم لشيء.
والفاء في (فعسى) جواب الشرط، على تأويل: فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهونه خيرًا كثيرًا ليس فيما تحبونه.
وقوله: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ﴾ عطف على ﴿أَنْ تَكْرَهُوا﴾، وقرئ: (ويجعلُ) بالرفع (١) على أنَّه في موضع النصب على الحال.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾:
قوله : ﴿مَكَانَ زَوْجٍ﴾ ظرف للاستبدال، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للقنطار، والقنطار: المال العظيم، قيل: هو من قَنْطَرتُ الشيءَ، إذا رفعتَه، ومنه القنطرة؛ لأنَّها بناء مشيد.
والضمير في ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ - أعني الهاء - للشيء.
وقوله: ﴿بُهْتَانًا وَإِثْمًا﴾ مصدران في موضع الحال من الواو في ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ أي: باهتين وآثمين، ويحتمل أن يكونا مفعولين من أجلهما، وإن لَمْ يكونا غرضين، كقولك: قعد عن القتال جُبْنًا، وفعل ذلك عَجْزًا، فالجُبن والعَجز لا يكونان غرضين إلّا أنهما لا يخرجان عن الأصل المعهود من حيث أن القعود عن الحرب هو الجبن في المعنى. كما أن الضرب في
стр. 848
قولك: ضربته تقويمًا له هو التقويم، ألا ترى يجاب عنه بما يجاب عنه إذا قيل: ما المعنى في قعوده؟ فيقال: الجبن، كما إذا قيل: ما المعنى في ضربه؟ فيقال: التقويم، غير أن إطلاق لفظ الغَرَضِ لا يصح عليه، ولكن يقال: هو علةٌ وسببٌ، فاعرفه وقس عليه نظائره.
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾:
قوله : ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ كيف: نصب بقوله: ﴿تَأْخُذُونَهُ﴾ (١)، والجملة مستأنفة.
وقوله: ﴿قَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ﴾ الجملة في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿تَأْخُذُونَهُ﴾. والهاء في ﴿تَأْخُذُونَهُ﴾ للشيء.
والإِفضاء: المباشرة والغِشْيان، عن ابن عباس ﵄ (٢) يقال: أفضى الرجل إلى امرأته، إذا باشرها وجامعها (٣).
وقوله: ﴿وَأَخَذْنَ﴾ عطف على ثم ﴿وَقَدْ أَفْضَى﴾ في موضع الحال أيضًا، وقد معها مرادة.
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿وَأَخَذْنَ﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله في موضع الحال على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿مِيثَاقًا﴾.
﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾:
стр. 849
قوله : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ النِّكَاح هنا العَقْد، و ﴿مَا﴾ بمعنى مَن. وقيل: ﴿مَا﴾ مصدرية، أي: ولا تنكحوا النِّكَاح الذي نكح آباؤكم (١). ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ في موضع نصب على الحال من المفعول المحذوف لـ ﴿نَكَحَ﴾ وهو العائد.
﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾: (ما) في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، لأنَّ النهي للمستقبل وما سلف ماض، فلا يكون من جنسه، أي: إلَّا السالِفَ فإنه يُجاوَزُ عنه.
وقال الزمخشري: يعني إنْ أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته، كما يُعَلَّقُ بالمحال في التأبيد في نحو قولهم: حتى يَبْيَضَّ القَارُ، و ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٢). انتهى كلامه (٣).
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ أي: إن ذلك النِّكَاحَ، والمَقْتُ: أَشَدُّ البُغض، يقال: مقته مقتًا، إذا أبغضه، فهو مَقِيتٌ وممقوتٌ، ونكاح المَقْتِ كان في الجاهلية أن يتزوج الرجل امرأة أبيه، وكان المولود عليه يقال له: المَقْتِيُّ، فأُعلموا أن هذا إِلذي حُرِّم عليهم لَمْ يزل منكرًا في قلوبهم ممقوتًا عندهم، والوقف على ﴿وَمَقْتًا﴾ (٤).
وقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ جملة مستأنفة، أي: وساء هذا السبيل مِن نكاح مَن نكحهن الآباء سبيلًا، أي: قَبُحَ هذا الفعل طريقًا كنتم تسلكونه في
стр. 850
الدين، وقد جُوِّزَ أن تكون عطفًا على خبر كان على تقدير: ومقولًا فيه ساء سبيلًا. ﴿سَبِيلًا﴾ نصب على البيان (١).
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾:
قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ جمع أُمَّهَةٍ، قال الشاعر:
١٥١ - * أُمَّهَتِي خِنْدِفُ إِلْياسُ أَبي * (٢)
وقيل: الأُمَّهات للناس، والأُمَّات للبهائم (٣)، وارتفعت الأمهات على الفاعلية، وما بعدها عطف عليها، وحكمه في الإِعراب حكمها، وفي الكلام حذف مضاف، أي: نكاحهن.
وبنات جمع بَنَةٍ، ووزنها فَعَةٌ، ولامها محذوفة، وهي واو أو ياء على
стр. 851
الخلاف المشهور. وليست التاء في بنت للتأنيث، يدل على ذلك سكون ما قبله، إذ ليس في كلام القوم تاء تأنيث قبله حرف صحيح ساكن، وإنما هو بدل من الواو أو الياء في بَنَوٍ، إلّا أنهم عدلوا عن فَعَلٍ إلى فعْلٍ ولم يقولوا: بَنَتٌ بفتح الفاء والعين من الكلمة كما كان أصلها، لئلا يظن ظانٌّ أن التاء للتأنيث، حتى كأنه قيل: بَنَوَةٌ أو بَنَيَةٌ، ثم حذفت لامها فبقي بَنَةٌ، وعلى بَنَةٍ أتت بنات، هذا مذهب الحذاق من أهل هذه الصناعة (١).
وأخوات جمع أخت، وأصلها: أَخَوَةٌ، على: فَعَلَةٍ، ثم حذفت التاء وصيغت الكلمة على مثال بُرْدٍ، نحو: أُخْوٍ، ثم أُبدلت من الواو التاءُ فصارت أُخْتًا، ولو لم يغيروا الصيغة وقالوا: أَخَت بفتح الفاء والعين منها لجاز أن يَحْسِبَ حاسِبٌ أن التاء للتأنيث، فالتغيير في الكلمتين دليل على أن التاء بَدَلٌ من لام الكلمة وليست للتأنيث.
فإن قلت: فلم رُدَّ المحذوف في أَخَواتٍ، ولم يرد في بَنَاتٍ؟ قلت: قيل: حُمل كلّ واحد من الجمعين على مُذَكَّرِه، فمذكر بنات لم يُرَدَّ فيه المحذوف، بل أتى ناقصًا في الجمع، فقالوا: بَنُونَ، وقالوا في جمع أخٍ: إخوةٌ وإخوان، فردوا المحذوف كما ترى (٢).
وعمات جمع عَمَّةٍ، والعمّةُ تأنيث العم الذي هو أخو الأب.
وخالات جمع خالة، والخالة تأنيث الخال الذي هو أخو الأم، وألفه منقلبة عن واو، يدل عليه قولهم في جمعه: أخوال.
﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ يعني المرضعات، وإنما سَمَّاهُنَّ أمهات للحُرمة، كأزواج رسول الله - صلي الله عليه وسلم - سماهن الله جل ذكره أمهات المؤمنين للحرمة.
стр. 852
﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ يعني الأجنبيات اللاتي أَرْضَعَتْهن أمهاتكم بلِبان آبائكم، واللِّبانُ بالكسر كالرِّضاع، يقال: هو أخوه بلِبان أمه. قال ابن السكيت: ولا يقال: بلبن أمه، إنما اللبن الذي يُشرب (١).
وقوله: ﴿مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ في محل النصب على الحال من الأخوات، أي: وحرمت عليكم أخواتكم كائنات من الرضاعة. والمراد بالتحريم هنا تحريم نكاحهن، وقد ذكر قبيل.
وقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الربائب: جمع رَبِيبة، والربيبة بِنْتُ امرأةِ الرجلِ من غيره، سميت ربيبة لتربيته إياها، وهي فَعيلة بمعنى مفعولة، وإنما دخلته التاء؛ لأنه اسم لا وصف، وإنما سمي ولد المرأة من غير زوجها ربيبًا وربيبة، لأنه يَرُبُّهما كما يَرُبُّ وَلَدَه (٢)، ثم اتُّسع فيه فَسُمِّيا بذلك، وإن لم يربهما. والربيبة من المرأة المدخول بها محرمة على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها (٣).
﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾: جمع حَجْرٍ أو حِجْرٍ، وحَجْرُ الإِنسان وحِجْرُه بفتح الحاء وكسرها معروف، والمراد: عندكم، وليس ذلك بشرط؛ لأنهن يَحْرُمْنَ بالدخول على الأم وإن لم يكنَّ في حجور أزواج الأمهات.
﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾: في حل النصب على الحال إما من ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ والعامل فيها ﴿حُرِّمَتْ﴾، أو من المستكن في الظرف الذي هو ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ والعامل فيها الظرف، ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفة للنساء المجرورة بمن.
стр. 853
فإن قلت: هل يصح أن تكون صفة للنساء المجرورة بالإِضافة أو لهما؟ قلت: لا، لوجهين:
أحدهما: القرب، لأن ما يليه أولى بذلك مع أن المجرورتين هنا مختلفتان، قال أبو إسحاق: والجرَّان إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدًا، لا يُجيز النحويون: مررت بنسائك، وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن تكون الظريفات نعتًا لهما. انتهى كلامه (١).
والثاني: أن الأم تَحْرُمُ بنفس العقد عند الأكثر، يعضده قول ابن عباس ﵄: أَبْهِمُوا ما أَبْهَمَ اللَّهُ (٢). وبنتها لا تحرم إلَّا بالدخول، فالمعنيان مختلفان.
وقوله: ﴿وَحَلَائِلُ﴾ جمع حَلِيلة، فالرجل حَليل امرأته، والمرأة حليلة زوجها؛ لأن كل واحد منهما يَحُل مع الآخر في فِراشٍ وغيره، أي: ينزل. ويقال: حليلة بمعنى مُحَلَّة من الحلال (٣)؛ لأنها تَحِلُّ له وَيحِلُّ لها، يقال: حَلَّ لك هذا يَحِلُّ حِلًّا وحَلالًا، وهو حِلٌّ بِلٌّ، أي: طِلْقٌ (٤).
وقوله: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ احتراز عن حليلة المُتَبَنَّى لأن المتبنَّى كان بمنزلة الابن في الجاهلية، فاعرفه (٥).
وقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ أن وما عملت فيه في موضع رفع بالعطف على المُحَرَّمات، أي: وحُرِّم عليكم الجمع بينهما
стр. 854
في النكاح وفي مِلْكِ اليمين (١).
وقوله ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ موضع ﴿مَا﴾ نصبٌ على الاستثناء المنقطع، أي: لكن ما سلف في الجاهلية مغفور، بشهادة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾:
قوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (والمحصنات) عطف أيضًا على المحرمات (٢).
[مطلب في الإحصان]
وبعد ... فإن الإِحصان في القرآن على أربعة أوجه، عن الرماني وغيره، وهُنَّ: التزويج، والإِسلام، والعفاف، والحرية. وأصله: المنع، وبه سمي الحِصن حِصنًا لمنعه مَن بَغاهُ مِن أعدائه، ومنه الدرع الحصين (٣)، ومنه الحِصان، الفرس، سمي بذلك لمنعه صاحبه من الهلاك.
والحَصَانُ: العفيفةُ من النساء، سُمِّيتْ بذلك لمنعها فرجَها من الفساد، يقال: حصُنت تحصُنُ بالضم فيهما حُصْنًا وحَصانةً، إذا عَفَّت، فهي حاصِنٌ وحَصَانٌ بالفتح، وحَصناءُ أيضًا بَيِّنَةُ الحَصَانَة، وأَحْصَنَتْ أيضًا وأَحصنها زوجُها، فهي مُحْصِنةٌ بكسر الصاد، ومُحْصنة بفتحها.
стр. 855
وعن ثعلب: كل امرأة عفيفة محصنة ومحصنة، وكل امرأة متزوجة مُحصَنة بالفتح لا غير (١)، وأنشد:
١٥٢ - أَحْصَنُوا أُمَّهُمُ مِنْ عَبْدِهِمْ ... تِلْكَ أَفْعَالُ القِزَامِ الوَكَعَهْ (٢)
أي: زوجوا، والقزام: اللئام، وكذا الوكعة.
فإذا فُهم هذا، فالجمهور على فتح الصاد هنا في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾؛ لأن المراد بهن ذوات الأزواج، وذوات الأزواج محصَناتٌ؛ لأن أزواجهن أحصنوهن، أي: أَعَفُّوهُن.
وقريء هنا أيضًا بكسر الصاد (٣)؛ لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج، فهن مُحصنات بالفتح ومحصِنات بالكسر، وما عدا هذا الموضع قرئ بالفتح والكسر، وكلتاهما مشهورة (٤)، فالفتح على أن غيرها أحصنها وهو الزوج أو الإِسلام والعفة والحرية، والكسر على أنها هي أحصنت فرجها بأحد الأوجه الأربعةِ على ما ذُكر وشُرح.
و﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾: في محل النصب على الحال من (الفحصَنَاتُ)، والعامل فيها ﴿حُرِّمَتْ﴾، أي: وحرمت المحصناتُ كائناتٍ من النساء.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (ما) في موضع نصب على الاستثناء وهو متصل، أي: وحرمت عليكم ذوات الأزواج إلّا اللاتي سبيتموهن ولهن
стр. 856
أزواج في دار الكفر، فإنهن حلال لكم وإن كن ذوات أزواج، وفي معناه قول الفرزدق:
١٥٣ - وذات حليلٍ أَنْكَحَتْها رِماحُنا ... حَلالٌ لمن يَبْنِي بها لم تُطَلَّقِ (١)
وقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ منصوب على المصدر محمول على المعنى؛ لأن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ فيه معنى كتب الله ذلك عليكم كتابًا، ثم أضمر الفعل لدلالة ذلك عليه، وأضيف المصدر إلى الفاعل فهو مصدر مؤكَدٌ.
وقد جوز أن يكون منصوبًا بإضمار فعل ويكون ﴿عَلَيْكُمْ﴾ تفسيرًا له، أي: الزموا كتاب الله، ولا يجوز أن يكون منصوبًا بعليكم عند أصحابنا البصريين؛ لأنه فَرْعٌ على الفعل فلا يَتَصَرَّفُ تصرفه (٢).
و﴿عَلَيْكُمْ﴾ على الأول متعلق بالفعل الناصب للمصدر لا بالمصدر؛ لأن المصدر هنا فضلة، وإنما ذكر للتأكيد، وقيل: هو متعلق بنفس المصدر لكونه نائبًا عن فعله حيث لم يذكر معه، كما تقول: ضَرْبًا زيدًا، أي: اضربه (٣).
وقوله: (وأَحَلَّ لكم) قرئ: بفتح الهمزة على البناء للفاعل عطفًا على الفعل المضمر الذي نصب ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾، والتقدير: كَتَبَ اللَّهُ عليكم تحريمَ ذلك وأَحَلَّ لكم ما وراء ذلك، تعضده قراءة من قرأ: (كَتَبَ اللَّهُ عليكم) بفتح الكاف والباء من غير ألف قبلها ورَفْعِ اسم الله تعالى وهو محمد
стр. 857
ابن السَّميفع (١).
وقرئ أيضًا في غير المشهور: (كُتُبُ الله عليكم) على الجمع والرفع (٢)، على: هذه فرائض الله عليكم.
وبضمها على البناء للمفعول (٣) عطفًا على ﴿حُرِّمَتْ﴾ (٤).
وقوله: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (ما) في موضع نصب أو رفع على قدر القراءتين في (أَحَلَّ)، و (أُحِلَّ). و ﴿وَرَاءَ﴾ ظرف والعامل فيه الاستقرار، وهي بمعنى سوى. و (وراء) تأتي بمعنى غير وسوى، وقيل: بمعنى بعد.
وقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ موضع أن وما عملت فيه نصب إما على البدل من (ما) على قراءة من قرأ (وأَحَلَّ لكم) مبنيًّا للفاعل، أو على أنه مفعول من أجله بمعنى: بَيَّنَ لكم ما يَحِل لكم مما يحرم إرادةَ أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم التي جعل الله لكم قيامًا لما تنتفعون به، لئلا تضيعوا أموالكم وتقعوا فيما لا يحل لكم.
وأما من قرأ: (وأُحِلَّ) مبنيًّا للمفعول فموضعه رفع على البدل من (ما)، أو نصب أيضًا على أنه مفعول له، وحُذِفَ مفعولُ (أن تبتغوا) لكونه معلومًا.
وقد جوز أن يكون ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ في موضع جر على إرادة الجار وهو الباء، أي: بأن تبتغوا (٥).
стр. 858
وبعد ... فإن قوله: ﴿مَا وَرَاءَ﴾ ذُكر في ﴿مَا﴾ وجهان:
أحدهما: موصول بمعنى الذي، والذي كناية عن الفعل، أي: وأحل لكم تحصيل ما سوى ذلك الفعل المحرم.
والثاني: أن ﴿مَا﴾ بمعنى مَن، أي: مَن سوى [مَن] (١) لم يبين تحريمها لكم.
وقوله: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ وكذلك ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ لأ أي: غير زانين. والمسافح: الزاني، تقول: سافَحه مُسَافَحَةً وسِفاحًا. وأصل السَّفْحِ الصَّبُّ، يقال: سَفَحَ الدمع، إذا صبَّهُ، وسُمّى الزنا سِفاحًا لصبه الماء باطلًا. قيل: وكان الفاجر يقولى للفاجرة: سافحيني وماذيني، مِن المَذْيِ (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ (ما) تحتمل أن تكون شرطية بمعنى مَن، وأن تكون موصولة بمعنى الذي، وهي في كلا الوجهين في موضع رفع بالابتداء، والخبر على الوجه الأولى: فعل الشرط وجوابه وهو ﴿فَآتُوهُنَّ﴾، أو جوابه ليس إلّا على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع (٣). والضمير في ﴿بِهِ﴾ راجع إلى لفظ (ما)، وفي ﴿مِنْهُنَّ﴾ و (آتوهن) إلى معناه، و (من) مِن ﴿مِنْهُنَّ﴾: مُبَعِّضَة أو مُبَيِّنَة.
وعلى الثاني ﴿فَآتُوهُنَّ﴾، أعني الخبر لا غير. والعائد من الخبر - على هذا الوجه - محذوف.
والمعنى: فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو عقد وشبههما فآتوهن أجورهن عليه، ثم حُذف الراجع للعلم به، كما حذف من قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤) أي: إن ذلك الصبر منه. و (ما) على كلا المعنيين تحتمل أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، فاعرفه.
стр. 859
فإن قلت: هل يصح أن تكون (ما) مصدرية؟ قلت: لا، لوجهين:
أحدهما: أن المعنى لا يساعدك عليه.
والثاني: أن الضمير في ﴿بِهِ﴾ راجع إلى (ما) والمصدر لا يَقْتَضي ذكرًا يرجع إليه على المذهبين.
وقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ يحتمل أن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعل محذوف، أي: فرض الله ذلك فريضة، وأن يكون حالًا إما من الأجور، أي: مفروضة، أو مقدرة، أو معلومة، وإما من الفعل في ﴿فَآتُوهُنَّ﴾، أو من المفعول، وأن يكون واقعًا موقع إيتاء؛ لأن الإِيتاء مفروض، كأنه قيل: وآتوهن أجورهن إيتاءً، فاعرفه فإنه موضع.
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾:
قوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ﴾ (من) شرطية في موضع رفع بالابتداء، وجواب الشرط: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ﴾، والخبر على ما ذَكرتُ قبيل، وهو فعل الشرط وجوابه، أو جوابه. و ﴿طَوْلًا﴾: مفعول ﴿لَمْ يَسْتَطِعْ﴾، وقيل: هو مفعول له، أي: لعدم طَوْلٍ، و ﴿أَنْ يَنْكِحَ﴾: مفعول ﴿لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ (١)، ففي الآية على هذا
стр. 860
تقديم وتأخير وحذف مضاف.
والطَّوْلُ: الفَضلُ والسَّعة، يقال: لفلان عَلَيَّ طَوْلٌ، أي: زيادة وفضل، وقد طاله طَولًا فهو طائِل، ومنه الطُّول في الجسم وغيره؛ لأنه زيادة فيه، كما أن القِصَرَ قصور فيه ونقصان.
و﴿مِنْكُمْ﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿لَمْ يَسْتَطِعْ﴾، أي: كائنًا منكم.
وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من طول إذا جعلت ﴿طَوْلًا﴾ مفعولَ ﴿لَمْ يَسْتَطِعْ﴾، وأن يكون منصوبًا به، وفيه تقديران:
أحدهما: ومن لم يستطع منكم أن يَنَالَ نكاحَ المحصنات، من قولك: طُلْتُ الشيءَ، أي: نِلتَه.
والثاني: ومن لم يستطع منكم وَصْلَةً إلى نكاحِهِنَّ أو قدرةً على نكاحهن.
والطَّوْلُ: القدرة على المهر، وأصل الطول: الترفع والاعتلاء، مشتق من الطُّول ضد القِصَرِ (١).
قوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ في موضع نصبٍ على النعت لمفعولِ فعلٍ محذوف، والتقدير: ومن لم يستطع زيادة فيَ المال وسَعة يبلغ بها نكاح الحرة فلْينكِحْ أَمَةً، أو رَفْعٍ، أي: فالمنكوحة أَمَةٌ. وقيل: (مِن) مزيدة و ﴿مَا﴾: مفعولةٌ، أي: فلينكح ما ملكت أيمانكم (٢).
وقوله: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ في محل النصب على الحال من الراجع المحذوف إلى ﴿مَا﴾ في ﴿مَلَكَتْ﴾. ولك أن تجعله بدلًا من ﴿مَا مَلَكَتْ
стр. 861
أَيْمَانُكُمْ﴾ بإعادة العامل. والفتيات: المملوكات، قال أبو إسحاق: العرب تقول للأَمَةِ: فتاةٌ، وللعبد: فتًى (١).
وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ابتداء وخبر، أي: أنتم وأَرِقّاؤكم سِيَّانِ لاشتراككم في الإِيمان، فلا يمتنع حر من نِكاحِ أَمَةٍ بشرطين: أحدهما عدم الطول، والثاني خوف العَنَت، وقد صرح الله جل ذكره بهما. وعن ابن عباس ﵄: مَن ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الإِماء (٢). والآية وقول ابن عباس ﵄ كلاهما حُجَّةٌ على من جوز نكاح الأمة لمن كان موسرًا.
وقيل: ﴿بَعْضُكُمْ﴾ فاعل فعل مضمر، أي: لينكح بعضهم من بعض، دل عليه قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية، فلينكح مما ملكت أيمانكم، فاستُغني عن إظهاره لتقدم ما يدل عليه (٣)، والوجه ما ذكرت وهو أن يكون ابتداء وخبرًا.
وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ حال من الهاء والنون من ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ (٤) وكذلك ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. والأَخْدان: الأخلّاء في السر، واحدهم: خِدْنٌ، كأنه قيل: فانكحوهن عفائفَ غير مجاهراتٍ بالسفاح ولا مُسِرّاتٍ له.
وقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قرئ: بضم الهمزة على البناء للمفعول، أي:
стр. 862
أُحْصِنَّ بالتزويج، وبفتحها على البناء للفاعل (١)، على معنى: أَحْصنَّ فروجَهن بالتزويج، أو بغيره على ما ذكرت قبيل (٢).
وقوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ﴾ الفاء جواب (إذا).
وقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ الفاء جواب الشرط و ﴿نِصْفُ﴾ رفع بالابتداء والظرف خبره، أو بالظرف على رأي أبي الحسن.
وقوله: ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في الظرف وهو ﴿عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾، أي: استقر كائنًا منه.
وقولى تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (ذلك) رفع بالابتداء، والإِشارة إلى نكاح الإِماء، والخبر ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾، أي: نكاح الإِماء جائز لمن خاف الهلاك. وأصل العَنَتِ: المشقةُ الشديدةُ، من قولهم: أَكَمَةٌ عَنُوتٌ، إذا كانت صعْبَةَ المَسْلَكِ (٣) .. وقيل: أصل العنت: انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مَشْقَةٍ وضَرَرٍ (٤).
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، حال من المستكن في ﴿خَشِيَ﴾.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ابتداء وخبر، أي: وصبركم عن نكاح الإِماء خير لكم لئلا يصير الولد رقيقًا، و ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بخير.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾:
قوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ فيه وجهان:
стр. 863
أحدهما: أن أصله: أن يبين لكم، فزيدت اللام مؤكِّدة لإرادة التبيين والنصب بأن.
والثاني: أن مفعول ﴿يُرِيدُ﴾ محذوف، أي: يريد الله ذلك، أي: ما خفي عنكم من مصالح دينكم. واللام متعلقة بقوله: ﴿يُرِيدُ﴾.
و﴿يَهْدِيَكُمْ﴾: عطف على ﴿لِيُبَيِّنَ﴾. و ﴿وَيَتُوبَ﴾ عطف أيضًا.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾:
قوله : ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ الجمهور على التاء في ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ على أن الضمير للمخاطبين وقرئ: (أن يميلوا) بالياء النقط من تحته (١)، على أن الضمير لـ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾:
قوله : ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (ضعيفًا) حال من ﴿الْإِنْسَانُ﴾، وكان ضعيفًا لكونه لا يصبر عن الشهوات، وعلى مشاق الطاعات.
وقيل: ﴿ضَعِيفًا﴾ نصب على التمييز (٢).
وقيل: التقدير: خُلق الإنسان من شيء ضعيف، أي: من طين أو من نطفة، وكلاهما ضعيف، كقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ (٣)، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ (٤)، ثم حذف الجار مع الموصوف وانتصبت
стр. 864
الصفة بالفعل نفسه (١).
والجمهور على ترك تسمية الفاعل في (خُلِقَ)، وقرئ: (وَخَلَق الإِنسانَ) على البناء للفاعل - وهو الله تعالى - ونصب الإِنسان (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ أن وما عملت فيه في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، أي: لكن اقصدوا كَوْنَ تجارةٍ. ﴿تِجَارَةً﴾ نصب على خبر كان، واسمها مضمر فيها، أي: إلّا أن تكون المعاملةُ أو التجارةُ تجارةً عن تراض.
وقرئ: (تجارةٌ) بالرفع (٣)، أي: إلّا أن تَقَعَ تجارةٌ. و ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ في موضع نصب أو رفع على أنها صفة لتجارة، أي: تجارةً صادرةً أو تجارةٌ صادرةٌ عن تراض، على قدر القراءتين في ﴿تِجَارَةً﴾، و ﴿مِنْكُمْ﴾ نعت لـ ﴿تَرَاضٍ﴾.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾:
قوله : ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ (مَن): شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر فعل الشرط وجوابه وهو
стр. 865
﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾، أو جوابه ليس إلَّا على ما ذكر في غير موضع. والإِشارة في ﴿ذَلِكَ﴾ إلى أَكْلِ المالِ بالباطل وقتل النفس.
و﴿عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾: مصدران في موضع الحال من المستكن في ﴿يَفْعَلْ﴾، أي: متعديًا وظالمًا لا مُخْطِئًا ولا مُقْتَصًّا. والعدوان تجاوز المأمور به. والظلم: انتقاص الحق.
والجمهور على ضم العين من عُدوان، وقرئ: (عِدوانًا) بالكسر (١)، وكلاهما بمعنًى.
وعلى ضم النون من (نُصليه)، وقرئ: (نَصليه) بفتح النون (٢)، وهما لغتان، يقال: أَصْلَيتُه النارَ، وصَلَيتُه النارَ بمعنًى، ومنه شاةٌ مَصلِيَّةٌ، وقيلْ صَليتُه نارًا، إذا أدخلتَه النار وجعلته يصلاها، فإن ألقيتَه فيها إلقاءً كأنك تريد الإِحراق قلت: أصليتُه، بالألف.
وقرئ أيضًا: (يُصلِيهِ) بالياء النقط من تحته (٣)، على أن المستكن فيه لله جل ذكره أو لـ ﴿ذَلِكَ﴾ لكونه سببًا للإصلاء.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: سهلًا، يقال: قد يَسُرَ الشيءُ يَيْسُرُ بالضم فيهما، إذا سَهُلَ، فهو يسير، والإِشارة في ﴿ذَلِكَ﴾ إلى الإصلاء. و ﴿عَلَى﴾ متعلقة بيسير.
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾:
стр. 866
قوله : ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا﴾ قرئ. بضم الميم وفتحها (١): فالضم يحتمل أن يكون مصدرا لقوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ﴾، يقال: أدخلته إدخالًا ومُدخلًا، ومفعول فعله محذوف، أي: وندخلكم الجنةَ مُدخلًا كريمًا، أي: مدخلًا تُكْرَمونَ فيه، وأن يكون اسمًا للمكان، فيكون مفعولًا به، كقولك أدخلته بيتًا.
والفتح أيضًا يحتمل الوجهين: أن يكون مصدرًا لفعل ثلاثي دل عليه هذا الرباعي، أي: وندخلكم الجنة فتدخلونها مَدخلًا. وأن يكون اسمًا للمكان، فيكون مفعولًا به.
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾:
قوله : ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ﴾ (ما) يحتمل أن يكون موصولًا وما بعده صلته، وأن يكون موصوفًا وما بعده صفته، وهو منصوب بـ ﴿تَتَمَنَّوْا﴾، والهاء في ﴿بِهِ﴾ تعود إليه. ﴿بَعْضَكُمْ﴾ منصوب بـ ﴿فَضَّلَ﴾، و ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ متعلق به، وهو نهاية صلته، أعني ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾.
وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (من فضله) متعلق بمحذوف لكونه وصفًا لمحذوف وهو المفعول الثاني لقوله: ﴿وَاسْأَلُوا﴾، أي: شيئًا كائنًا من فضله. وقيل ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ في موضع المفعول الثاني، والوجه هو الأول (٢).
стр. 867
وقرئ: (واسْأَلوا) بإسكان السين وهمزة بعدها، (وسَلوا) بفتح السين من غير الهمزة (١)، وقد مضى الكلام على ذلك في "البقرة" عند قوله: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا (٢).
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾:
قوله : ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (مواليَ) جمع مَوْلًى، ولا ينصرف لكونه جمعًا ثالثه ألف وبعدها حرفان، كمساجد، فإن كان في موضع رفع أو جر انصرف، وحذفت الياء منه فيهما وجعل التنوين عوضًا منها نحو: هؤلاء موالٍ، ومررت بموالٍ، ورأيت مواليَ، فلا تصرفه في حال النصب لما ذكرت آنفًا.
واختلف فيهم هنا، فقيل: هم العَصبَةُ من الورثة، عن ابن عباس ﵄ وغيره، وقيل: هم الورثة (٣).
والمولى والوليُّ: الوارث، وفي التنزيل: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (٤)، أي وارثًا. والمولى مِن وَليَ الشيءَ يَلِيه بالكسر فيهما وِلايةً، وهي الاتصال من غير فاصل.
стр. 868
وجعل هنا يتعدى إلى مفعولين؛ لأنه بمعنى صَيَّرَ، فموالي مفعول أول ﴿وَلِكُلٍّ﴾ ثان. والمضاف إليه محذوف وفيه تقديران:
أحدهما: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا وُرَّاثًا يَلُونه ويُحْرِزونه، أي: جعلنا ورّاثًا لكل مال مما تركه المذكورون، فـ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ على هذا في موضح [جر على أنه صفة لشيءٍ المحذوف وهو المال.
والثاني: ولكل أحد جعلنا وارثًا، أي: جعلنا وارثًا لكل ميت، فـ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ على هذا في موضع] (١) نصب على أنه متصل بِمَوَالٍ على جهة الصفة متعلق بمحذوف، و (ما) على هذا بمعنى (مَن) أي: مَوَالِيَ ممن خَلَّفهم الوالدانِ والأقربونَ.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يحتمل أن يكون محل (الذين) رفعًا بالابتداء، ونهاية صلته ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾، والخبر: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن المبتدأ قد ضُمِّنَ معنى الشرط. وأن يكون نصبًا إما: عطفًا على ﴿مَوَالِيَ﴾، أي: وجعلنا الذين (عاقدت) (٢) وُرَّاثًا، وكان ذلك ونسخ، وقوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ تأكيدٌ. أو: على إضمار فعل يفسره هذا الظاهر، كقولك زيدًا فاضربه، أي: وآتوا الذين عقدت أيمانكم. وقد جوز أن يكون عطفًا على ﴿الْوَالِدَانِ﴾، أي: وترك الذين عاقدت أيمانكم فآتوا كلًّا نصيبه، ثم نسخ منها ما نسخ وبقي ما بقي.
وقرئ: (عاقدت) بالألف؛ لأن لكل واحد من المتحالفين يمينًا، والفعل إذا كان من اثنين فبابه المفاعلة.
وقرئ: (عقدت) بحذف الألف (٣)؛ لأن الأيمان هي المعاقِدَةُ للحلف
стр. 869
بينهم، فأسند الفعل إليها واستُغني به، إذ قد عُلِمَ أن العقد كان من الفريقين، والمفعول فيهما محذوف، أي: عاقَدَتْهُمْ أيمانُكُمْ، وعقدت عهودهم أيمانكم.
وقرئ أيضًا: (عقَّدت) بالتشديد (١)، على وجه التكثير، وهو في المعنى كالتخفيف.
والأيمان جمع يمين من اليَد، لأنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء، ثم يتحالفون على ما فسر (٢). ومعنى عاقدت أيمانكم: عاقدتهم أيديكم وماسَحْتُمُوهُمْ، وقد جُوِّز أن يكون جمع يمين وهي القَسَمُ (٣)
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾:
قول ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾ مبتدأ وخبر، وعلى والباء متعلقان بـ ﴿قَوَّامُونَ﴾، والذي جوز ذلك كونهما بمعنيين مختلفين.
و(ما): مصدرية، أي: الرجال يقومون عليهن آمرين ناهين، كما تقوم السادات على الموالي، والولاة على الرعايا، وإنما كانوا عليهن كذلك بسبب
стр. 870
تفضيل الله ﴿بَعْضَهُمْ﴾ وهم الرجال بالعقل والدين وغيرهما على ﴿بَعْضٍ﴾ وهم النساء.
وقوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ عطف على ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ و (ما) تحتمل أن تكون: موصولة وما بعدها صلتها، وعائدها محذوف. وقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ حال من العائد، أي: وبسبب ما أخرجوه في نكاحهن كائنًا من أموالهن في الصدقات والنفقات. وأن تكون: مصدرية، أي: وبسبب إنفاقهم عليهن أموالهم في المهور والأقوات.
وقوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾،
(فالصالحات) رفع بالابتداء. ﴿قَانِتَاتٌ﴾ خبره، أي: مطيعات لله وللأزواج، قائمات بما عليهن له ولهم. وأصل القُنوت: دوام الطاعات، كذا ذكر أهل اللغة (١).
﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾: خبر بعد خبر، والغيب خلاف الشهادة، أي: حافظات لما يجب عليهن حفظه إذا غاب عنهن أزواجهن: من صيانة الفروج، وحفظ البيوت والأموال، يعضده قول رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "خير النساء امرأة إن نظرتَ إليها سرتْكَ، وإن أمرتها أطاعتك، وإذا غِبت عنها حفظتك في مالك (٢) ونفسها"، وتلا الآية (٣).
وقوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ (ما) يحتمل أن تكون موصولة وما بعدها صلتها، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها، وفي كلا التقديرين العائد محذوف، أي: بالذي أو بشيء حفظهن الله به، وأن تكون مصدرية، أي:
стр. 871
بحفظ الله إياهن في وصيته الأزواجَ بهن في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ لكونه قال: "استوصوا بالنساء خيرًا" (١).
والجمهور على رفع اسم الله تعالى، وقرئ: (بما حفظ اللَّهَ) بالنصب (٢)، على أن (ما) موصولة أو موصوفة، وفي كلا الوجهين في ﴿حَفِظَ﴾ ذِكْرٌ مرفوعٌ يرجع إلى (ما)، أي: بالذي، أي: بشيء حفظ حقَّ اللَّهِ وأمانتَه، وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم على ما فسر (٣)، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وقد جُوِّزَ أن تكون (ما) على هذه القراءة مصدرية، أي: بحفظهن أمرَ اللَّه، ذكره أبو محمد وغيره (٤). وهذا وإن كان صحيحًا من جهة المعنى فاسد من جهة الإعراب، وذلك أن (ما) إذا كانت مصدرية كانت حرفًا، وإذا كانت حرفًا خلا ﴿حَفِظَ﴾ من ذكر يعود إليه، فيبقى الفعل بلا فاعل، والفعل لا بد له من الفاعل، فوجب أن تكون (ما) موصولة، أو موصوفة على ما قُرِّرَ وشُرح قبيل ليس إلّا، فاعرفه (٥).
وعن ابن مسعود ﵁ وغيره: (فالصوالحُ قوانتُ حوافظُ) على فواعل (٦)، وهو جمع تكسير يدل على الكثرة، وجمع التصحيح موضوع
стр. 872
للقلة، لأنه على حد التثنية، ولفظ الكثرة أشبه بمعنى الكثرة.
وقد جاء لفظ الصحة بمعنى الكثرة، قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (١) وعليها قول حسان ﵁:
١٥٤ - لنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى ... .............................. (٢)
قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ﴾ في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، ويجوز أن يكون في موضع نصب بفعل مضمر دل عليه هذا الظاهر، وقد مضى الكلام على نحو هذا عند قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ بأشبع من هذا، فأغنى ذلك عن الإِعادة (٣).
والمعنى: والنساء اللاتي تعلمون أو تظنون، والخوف يأتي بمعنى العلم والظن. والنشوز: الترفع عن طاعة الأزواج (٤).
وقوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: (في المضاجع) يحتمل أن يكون ظرفًا للهِجران، أي: اتركوا مضاجعتهن لا تداخلوهن تحت اللُّحفِ دون ترك مكالمتهن. وقيل: هي كناية عن الجماع، وأن يكون سببًا للهِجران، أي: اتركوا مكالمتهن لأجل تخلفهن عن المراقد على ما فسر (٥).
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (سبيلًا) نصب بقوله: ﴿فَلَا
стр. 873
تَبْغُوا﴾ أي: فلا تطلبوا عليهن سبيلًا، من بَغَى الضلالة، إذا طلبها. وقيل: هو من البغي الذي هو الظلم والتعدي، فيكون ﴿سَبِيلًا﴾ على هذا منصوبًا على تقدير حذف الجار، أي بسبيل، لكون البغي غير متعد، تقول: بَغَى فلان على فلان، أي: استطال (١).
و﴿عَلَيْهِنَّ﴾ في موضع نصب على الحال على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿سَبِيلًا﴾.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾:
قوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الشقاق: الخلاف والعداوة، والأصل: وإن خفتم شقاقًا بينهما، ثم أضيف إلى الظرف على طريق الاتساع، فخرج الظرف عن أن يكون ظرفًا لأجل إضافة الشقاق إليه، كما خرج الليل والنهار عن أن يكونا ظرفين في قوله : ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٢)، لأجل إضافة المكر إليهما.
وقد جوز أن يكون البين مُشَاقًّا، والليل والنهار ماكرين على حد قولهم: نهارُكَ صائم، وليلُكَ نائم. والضمير في ﴿بَيْنِهِمَا﴾ للزوجين، ولم يَجْر ذكرُهما لجري ذكر ما يدل عليهما وهو الرجال والنساء في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٣).
وقوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ (مِن) يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿فَابْعَثُوا﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله نعتًا لحكم، ومثله ﴿وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما؛ لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأكثر اجتهادًا وطلبًا للصلاح من الأباعد.
стр. 874
والضمير الذي هو الألف في ﴿يُرِيدَا﴾ للحكمين، وفي ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ للزوجين. وقيل: الضميران للزوجين (١). والحكم: الحاكم، وهو المانع من الظلم.
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾:
قوله : ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (شيئًا) يجوز أن يكون مفعولًا به، أي: شيئًا من الأشياء من صَنَم أو غيره، وأن يكون في موضع مصدر، أي شيئًا من الإشراك.
قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأحسنوا بهما إحسانًا، فدل المصدر على فعله، كما يدل الفعل على مصدره، وشهرته تغني عن ذكره.
وقوله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ عطف على ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ أي: أحسنوا بهؤلاء كما تحسنوا بهما.
وقرئ: (والجار ذا القربى) بالنصب (٢) على الاختصاص تنبيهًا على عظم حقه لإدلائه بحقي الجوار والقربى، قمالى الزمخشري (٣).
وقوله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ أي: وبكل مَن بينكم وبينه قربى من أخٍ أو عمٍّ أو غيرهما.
﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾: هو الجار المجاور الذي قرب جواره، قيل:
стр. 875
واشتقاقه من العدول؛ لأن جار الإنسان قد عَدَلَ إلى ناحيته في مسكنه. ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: الذي جواره بعيد.
وقيل: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الذي بينك وبينه قرابة، فله حق القرابة والجوار. و ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الأجنبي، وهو الذي يجاورك ولا قرابة بينه وبينك (١).
والجمهور على ضم الجيم والنون في ﴿الْجُنُبِ﴾ وهو وَصْفٌ كناقةٍ أُحُدٍ، وهي القوية المُوَثَقَة الخَلْقِ.
وقرئ: (والجار الجَنْب) بفتح الجيم وإسكان النون (٢)، وهو وصف أيضًا كرَجُلٍ زَوْرٍ وصَوْمٍ. والجَنْبُ: الناحية، وأنشد الأخفش:
١٥٥ - * الناس جَنْبٌ والأميرُ جَنْبُ* (٣)
وفي الكلام على هذا حذف مضاف، أي: والجار ذي الجَنْب، أي: ذي الناحية.
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: (بالجنب) في موضع نصب على الحال من (الصاحِبِ)، والباء على بابها، وهي متعلقة بمحذوف، واختلف فيه، فقيل: هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقًا في سفر، وإما جارًا ملاصقًا، وإما شريكًا في تعلم علم أو حرفة، وإما قاعدًا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه، فعليك أن
стр. 876
ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإِحسان. وقيل: المرأة (١).
و﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: قيل: هو المسافر الذي يجتاز بك مارًا. وقيل: هو الضيف. ومعناه: صاحب السبيل، وهو الطريق نُسِبَ إليه؛ لأنه إليه يأوي على ما فُسِّرَ ونُقل عن السلف (٢).
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني المملوكين من العبيد والإِماء. وإنما أضاف جل ذكره المِلْكَ إلى اليمين، لاختصاصها بأنواعٍ من التصرف.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (مختالًا) خبر كان، و ﴿فَخُورًا﴾ خبر بعد خبر. والمختال: ذو الخُيَلاءِ. والخُيَلاءُ والخِيَلاءُ والخَالُ: الكِبْر، تقول منه: اختال فهو ذو خُيلاء، وذو خالٍ، وذو مَخِيْلَةٍ، أي: ذو كِبْر، قال العجاج:
١٥٦ - * والخَالُ ثَوْبُ من ثِيابِ الجُهَّالْ * (٣)
وقد خال فلان فهو خائل، أي: مختال، وهو الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه. والاختيال والفخر مذمومان إلّا في حال الحرب فإنهما مباحان؛ لأنهما استخفاف بالعدو.
стр. 877
واختلف في الفَخُور، فقيل: هو الذي يعدد مناقب نفسه كِبْرًا (١). وقيل: هو الذي يتكبر على الناس بما خَوَّلَهُ اللَّهُ من نعمته (٢). وقيل: هو الذي لا يقابل نعم الله بالشكر (٣).
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ يحتمل أن يكون نصبًا، إما على البدل مِن (مَن) في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾، ولا يكون صفة له، لأن (مَن) لا يوصَف ولا يوصَف به، أو على الذم، وأن يكون رفعًا، وفيه أوجه:
أحدهما: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره: الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون معاقبون، دلّ عليه ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، أو مَشْنُوْءُونَ، دل عليه ﴿لَا يُحِبُّ﴾ (٤)، أو أحقَّاء بكل ملامة، دل عليه معنى ما قبله وما بعده من الكلام.
والثاني: أن يكون بدلًا من اسم كان حملًا على معنى (مَن).
والثالث: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين.
والرابع: أن يكون مبتدأ أيضًا، وما بعده عطف عليه، والخبر ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٥) أي: لا يظلمهم مثقال ذرة، هذا الوجه عن أبي
стр. 878
إسحاق (١). ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿يَبْخَلُونَ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ في موضع نصب على الحال من العائد إلى (ما)، أي: آتاهموه كائنًا من فضله.
وقرئ: (بالبُخْل) بضم الباء وإسكان الخاء، وبفتحهما (٢)، وهما لغتان فاشيتان كالسُّقْم والسَّقَم، والرُّشْد والرَّشَد، وفيه لغتان أخريان وبهما قرأ بعض القراء وهما: ضم الباء والخاء، وفتح الباء مع إسكان الخاء (٣)، أي: يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم، فيأمرونهم بأن يبخلوا به مَقْتًا للسخاء ممن وُجِدَ (٤).
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ يحتمل أن يكون جرًا عطفًا على الكافرين في قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ عطف الصفة على الصفة، وأن يكون نصبًا أو رفعًا عطفًا على ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ فيكون حُكْمُهُ حُكْمَهُ، وقد ذكر.
و﴿رِئَاءَ﴾: مصدر رَاْءَى يُرائِي مُراءاة ورِئاءً، وهو هنا يحتمل أن يكون مفعولًا من أجله، أي: من أجل مراءاة الناس، والمصدر مضاف إلى المفعول، وأن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿يُنْفِقُونَ﴾، أي: ينفقون ما خَوَّل الله لهم مرائين الناس.
стр. 879
وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ عطف على ﴿يُنْفِقُونَ﴾ داخل في الصلة؛ لأن الحال داخلة في الصلة من حيث كانت حالًا لما هو في الصلة.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون حالًا من الموصول الذي هو ﴿وَالَّذِينَ﴾؟ قلت: نعم إن جعلت ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ مستأنفًا، لأنك إن جعلت ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ عطفًا على ﴿يُنْفِقُونَ﴾ على هذا الوجه كنت تفرق بين بعضِ الصلة وبعضٍ بحال الموصول؛ لأن الحالَ من الموصول غيرُ داخل في صلته، فاعرفه.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ (مَن) شرط مبتدأ وما بعده خبره، والفاء جواب الشرط. وساء: يستعمل استعمال بئس، وفاعله مضمر فيه، و ﴿قَرِينًا﴾ مُفسِّرٌ له، والتقدير: فساء الشيطان له قرينًا، أو فساء القرين له قرينًا الشيطانُ، حيث حَمَلَهُمْ على البخل والمراءاة وغيرهما من الأفعال المذمومة، ويحتمل أن يكون وعيدًا لهم بأن الشيطان يُقْرَنُ بهم في النار، وأصله في الشاة تُقْرَنُ بأخرى، أي: يُجعل قرنها إلى قرن الأخرى.
و﴿قَرِينًا﴾ منصوب على التمييز، كما تقول: بئس صاحبًا.
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾
قوله : ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ يحتمل أن يكون (ما) وحده اسمًا في موضع رفع بالابتداء، وخبره (ذا)، وذا بمعنى الذي، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ صلته، أي: وما الذي عليهم؟ وقد جوز أن يكون الذي مع صلته مبتدأ، وخبره (ما) قدم عليه لكونه استفهامًا. وأن يكونَا اسمًا واحدًا في موضع رفع بالابتداء وخبره ﴿عَلَيْهِمْ﴾، أي: وأي شيءٍ؟ قاله الزمخشري (١).
والمعنى: وأيُّ تَبِعَةٍ وَوَبَالٍ عليهم في الإِيمان والإِنفاق في سبيل الله؟ !
стр. 880
والمراد الذم والتوبيخُ، وإلا فكل منفعة ومصلحة في ذلك (١).
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (يظلم) فعل يتعدى إلى مفعولين (٢)، يقال: ظلمتُ فلانًا حقه، إذا نقصتَه، وأصله: وضع الشيء في غير موضعه، ومنه قولهم: (مَنْ أَشْبَهَ أباهُ فما ظَلَمَ) (٣).
و﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: مفعول ثان، والأول محذوف، أي: إن الله لا يظلم أحدًا ولا يظلمهم، على تأويل قول أبي إسحاق في جعله ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ مبتدأ، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ الخبر على ما ذكرتُ ثَمَّ (٤).
مثقال: مفعال من الثِّقْل، والذَّرَّةُ: النملةُ الحمراء، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٥)، وهي أصغر النمل، تعضده قراءة من قرأ: (إن الله لا يظلم مثقال نملة) وهو عبد الله (٦) ﵁، وهي من ذَرَرْتُ (٧) الشيءَ أَذُرُّهْ ذَرًّا، إذا بددتَه مسحوقًا، عن الرماني.