ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإِحسان. وقيل: المرأة (١).
و﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: قيل: هو المسافر الذي يجتاز بك مارًا. وقيل: هو الضيف. ومعناه: صاحب السبيل، وهو الطريق نُسِبَ إليه؛ لأنه إليه يأوي على ما فُسِّرَ ونُقل عن السلف (٢).
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني المملوكين من العبيد والإِماء. وإنما أضاف جل ذكره المِلْكَ إلى اليمين، لاختصاصها بأنواعٍ من التصرف.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (مختالًا) خبر كان، و ﴿فَخُورًا﴾ خبر بعد خبر. والمختال: ذو الخُيَلاءِ. والخُيَلاءُ والخِيَلاءُ والخَالُ: الكِبْر، تقول منه: اختال فهو ذو خُيلاء، وذو خالٍ، وذو مَخِيْلَةٍ، أي: ذو كِبْر، قال العجاج:
١٥٦ - * والخَالُ ثَوْبُ من ثِيابِ الجُهَّالْ * (٣)
وقد خال فلان فهو خائل، أي: مختال، وهو الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه. والاختيال والفخر مذمومان إلّا في حال الحرب فإنهما مباحان؛ لأنهما استخفاف بالعدو.
стр. 877
واختلف في الفَخُور، فقيل: هو الذي يعدد مناقب نفسه كِبْرًا (١). وقيل: هو الذي يتكبر على الناس بما خَوَّلَهُ اللَّهُ من نعمته (٢). وقيل: هو الذي لا يقابل نعم الله بالشكر (٣).
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ يحتمل أن يكون نصبًا، إما على البدل مِن (مَن) في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾، ولا يكون صفة له، لأن (مَن) لا يوصَف ولا يوصَف به، أو على الذم، وأن يكون رفعًا، وفيه أوجه:
أحدهما: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره: الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون معاقبون، دلّ عليه ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، أو مَشْنُوْءُونَ، دل عليه ﴿لَا يُحِبُّ﴾ (٤)، أو أحقَّاء بكل ملامة، دل عليه معنى ما قبله وما بعده من الكلام.
والثاني: أن يكون بدلًا من اسم كان حملًا على معنى (مَن).
والثالث: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين.
والرابع: أن يكون مبتدأ أيضًا، وما بعده عطف عليه، والخبر ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٥) أي: لا يظلمهم مثقال ذرة، هذا الوجه عن أبي
стр. 878
إسحاق (١). ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿يَبْخَلُونَ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ في موضع نصب على الحال من العائد إلى (ما)، أي: آتاهموه كائنًا من فضله.
وقرئ: (بالبُخْل) بضم الباء وإسكان الخاء، وبفتحهما (٢)، وهما لغتان فاشيتان كالسُّقْم والسَّقَم، والرُّشْد والرَّشَد، وفيه لغتان أخريان وبهما قرأ بعض القراء وهما: ضم الباء والخاء، وفتح الباء مع إسكان الخاء (٣)، أي: يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم، فيأمرونهم بأن يبخلوا به مَقْتًا للسخاء ممن وُجِدَ (٤).
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ يحتمل أن يكون جرًا عطفًا على الكافرين في قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ عطف الصفة على الصفة، وأن يكون نصبًا أو رفعًا عطفًا على ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ فيكون حُكْمُهُ حُكْمَهُ، وقد ذكر.
و﴿رِئَاءَ﴾: مصدر رَاْءَى يُرائِي مُراءاة ورِئاءً، وهو هنا يحتمل أن يكون مفعولًا من أجله، أي: من أجل مراءاة الناس، والمصدر مضاف إلى المفعول، وأن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿يُنْفِقُونَ﴾، أي: ينفقون ما خَوَّل الله لهم مرائين الناس.
стр. 879
وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ عطف على ﴿يُنْفِقُونَ﴾ داخل في الصلة؛ لأن الحال داخلة في الصلة من حيث كانت حالًا لما هو في الصلة.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون حالًا من الموصول الذي هو ﴿وَالَّذِينَ﴾؟ قلت: نعم إن جعلت ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ مستأنفًا، لأنك إن جعلت ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ عطفًا على ﴿يُنْفِقُونَ﴾ على هذا الوجه كنت تفرق بين بعضِ الصلة وبعضٍ بحال الموصول؛ لأن الحالَ من الموصول غيرُ داخل في صلته، فاعرفه.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ (مَن) شرط مبتدأ وما بعده خبره، والفاء جواب الشرط. وساء: يستعمل استعمال بئس، وفاعله مضمر فيه، و ﴿قَرِينًا﴾ مُفسِّرٌ له، والتقدير: فساء الشيطان له قرينًا، أو فساء القرين له قرينًا الشيطانُ، حيث حَمَلَهُمْ على البخل والمراءاة وغيرهما من الأفعال المذمومة، ويحتمل أن يكون وعيدًا لهم بأن الشيطان يُقْرَنُ بهم في النار، وأصله في الشاة تُقْرَنُ بأخرى، أي: يُجعل قرنها إلى قرن الأخرى.
و﴿قَرِينًا﴾ منصوب على التمييز، كما تقول: بئس صاحبًا.
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾
قوله : ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ يحتمل أن يكون (ما) وحده اسمًا في موضع رفع بالابتداء، وخبره (ذا)، وذا بمعنى الذي، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ صلته، أي: وما الذي عليهم؟ وقد جوز أن يكون الذي مع صلته مبتدأ، وخبره (ما) قدم عليه لكونه استفهامًا. وأن يكونَا اسمًا واحدًا في موضع رفع بالابتداء وخبره ﴿عَلَيْهِمْ﴾، أي: وأي شيءٍ؟ قاله الزمخشري (١).
والمعنى: وأيُّ تَبِعَةٍ وَوَبَالٍ عليهم في الإِيمان والإِنفاق في سبيل الله؟ !
стр. 880
والمراد الذم والتوبيخُ، وإلا فكل منفعة ومصلحة في ذلك (١).
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (يظلم) فعل يتعدى إلى مفعولين (٢)، يقال: ظلمتُ فلانًا حقه، إذا نقصتَه، وأصله: وضع الشيء في غير موضعه، ومنه قولهم: (مَنْ أَشْبَهَ أباهُ فما ظَلَمَ) (٣).
و﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: مفعول ثان، والأول محذوف، أي: إن الله لا يظلم أحدًا ولا يظلمهم، على تأويل قول أبي إسحاق في جعله ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ مبتدأ، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ الخبر على ما ذكرتُ ثَمَّ (٤).
مثقال: مفعال من الثِّقْل، والذَّرَّةُ: النملةُ الحمراء، عن ابن عباس ﵄ وغيره (٥)، وهي أصغر النمل، تعضده قراءة من قرأ: (إن الله لا يظلم مثقال نملة) وهو عبد الله (٦) ﵁، وهي من ذَرَرْتُ (٧) الشيءَ أَذُرُّهْ ذَرًّا، إذا بددتَه مسحوقًا، عن الرماني.
стр. 881
وقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ حذفت النون من تكن لكثرة استعمال هذه الكلمة على ألسنة القوم، والمحذوف للعامل ضمة النون، وحذفت الواو لسكونها وسكون النون بعدها، ثم حذفت النون لكثرة الاستعمال مع سكونها، فإن تحركت لم تحذف كـ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ (١) لِتَحَصُّنِها بالحركة في حال السعة والاختيار، وأما قوله:
١٥٧ - ..................... ... وَلاكِ اسْقِنِي إنْ كان ماؤُكَ ذا فَضْلِ (٢)
فلضرورة الشعر.
وقرئ: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ بالنصب على أَنَّ كان ناقصة، أي: وإن تَكُ الذرةُ حسنةً، أو: وإن تك مثقالُ الذرةِ حسنةً، وإِنما أُنِّثَ ضمير المثقال وإن كان مذكرًا لكونه مضافًا إلى مؤنث، والمضاف إلى المؤنث قد يؤنث وإن كان مذكرًا بشهادة قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٣) على أحد التأويلين، وقراءة من قرأ: (تَلْتَقِطْهُ بِعْضُ السَّيارَةِ) بالتاء النقط من فوقه (٤)، وقولهم: ذهبت بعض أصابعه.
وقرئ: (حَسَنَة) بالرفع (٥)، على أنها تامة، أي: وإنْ تحدثُ أو تقعُ حسنة. ﴿يُضَاعِفْهَا﴾: يضاعف ثوابها.
стр. 882
وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿وَيُؤْتِ﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿أَجْرًا﴾ والأول أحسن، أي: ويؤت صاحبها من عنده على سبيل التفضل (١) عطاء عظيمًا، وسمّاه أجرًا؛ لأنه تابع للأجر لا يثبت إلّا بثباته، قاله الزمخشري (٢).
والجمهور على الياء في قوله: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ النقط من تحته وهو الوجه، لأجل ما عطف عليه وهو قوله: ﴿وَيُؤْتِ﴾ لم يختلفوا فيه. وقرئ: (نضاعفها) بالنون (٣)، ووجهه ظاهر.
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾:
قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ ناصب (كيف) محذوف دل عليه معنى الكلام، أي: كيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم؟ أو كيف تكون حالهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد عليهم بما صدر منهم، وهو نبيهم؟ كقوله ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ (٤)، وهو الناصب لإِذا أيضًا (٥).
و﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿جِئْنَا﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿بِشَهِيدٍ﴾.
وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ عطف على ﴿جِئْنَا﴾ الأول
стр. 883
وقد جوز أن يكون حالًا، فتكون قد معه مرادة (١)، وأن يكون مستأنفًا فيكون الماضي بمعنى المستقبل، وله نظائر في التنزيل.
و﴿شَهِيدًا﴾ منصوبٌ على الحال من الكاف في ﴿بِكَ﴾، و ﴿عَلَى﴾ متعلق بقوله: ﴿شَهِيدًا﴾.
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾:
قوله : ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يحتمل أن يكون (يوم) مبنيًّا مع (إذ)؛ لأن الظرف إذا أضيف إلى غير متمكن جاز بناؤه معه، وأن يكون مضافًا إلى إذ، والتنوين في إذ عوض من الجملة المحذوفة التي تضاف إليها إذ، والتقدير: يوم إذ يكون كذا، وحركت الذال بالكسر لسكونها وسكون التنوين بعدها.
و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف لـ ﴿يَوَدُّ﴾، وجاز أن يعمل فيه ﴿يَوَدُّ﴾ لأن إذ ليست مضافة إليه، بدليل التنوين الذي فيها، وقد جوز أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿شَهِيدًا﴾ فيكون ﴿يَوَدُّ﴾ صفة ليوم، والراجع من الصفة إلى الموصوف محذوف أي: فيه (٢).
وقوله: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على ﴿كَفَرُوا﴾ داخلًا في صلة ﴿الَّذِينَ﴾، وأن تكون الواو للحال وقد معها مرادة، والجملة على هذا الوجه معترضة بين ﴿يَوَدُّ﴾ وبين معمولها وهو ﴿لَوْ تُسَوَّى﴾.
وقرئ: (تُسَوَّى) على البناء للمفعول (٣)، وفيه وجهان:
أحدهما: يودون لو يدفنون فتسوى بهم الأرض.
стр. 884
والثاني: يودون أنهم لم يبعثوا، وأنهم كانوا والأرضُ سواءً، وقيل: تصير البهائم ترابًا فَيَودُّونَ حالها (١).
وقرئ: (تَسَّوَّى) بفتح التاء وتشديد السين على البناء للفاعل (٢) وهو الأرض، وأصله تتسوى، فأدغمت التاء في السين بعد قلبها سينًا.
وقرئ: (تَسَوّى) (٣) بحذف إحدى التاءين وهي الثانية، يقال: سويته فتسوى.
وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ قد جوز أن يكون عطفًا على ما قبله داخلًا تحت التمني بعدما نطقت جوارحهم، عن ابن عباس ﵄ (٤)، وأن يكون حالًا، أي: يَوَدّون أن يدفنوا تحت الأرض وأنهم لا يكتمون الله حديثًا، ولا يَكْذِبون في قولهم: والله ربنا ما كنا مشركين، لأنهم إذا قالوا ذلك وجحدوا شركهم، ختم الله على أفواههم عند ذلك، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك على ما فسر (٥)، وأن يكون استئناف كلام من الله تعالى، على معنى: ولا يقدرون على كتمانه؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم (٦).
فإن قلتَ: كيف صورة الحال من جهة الصناعة؟ قلت: يودون التسوية غير كاتمين الحديث من الله جل ذكره.
стр. 885
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾:
قوله : ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: لا تَغْشَوْهَا ولا تقوموا إليها.
والثاني: لا تقربوا مواضعها وهي المساجد، ثم حُذف المضاف.
﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾: ابتداء وخبر في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾ أي: لا تقربوها في هذه الحالة.
و﴿سُكَارَى﴾ لا تنصرف؛ لأن في آخرها ألف تأنيث، وهي جمع سَكْرانَ، ويجوز فتح السين وبه قرأ بعض القراء (١).
وقرئ أيضًا: (سَكْرى) بفتح السين وإسكان الكاف كَعَطْشَى (٢)، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها جمع كهَلْكَى وجَوْعَى؛ لأن السُّكْرَ عِلَّةٌ تلحق العقل.
والثاني: أنها صفة مفردة، كقولك: امرأةٌ سَكْرَى، على تقدير وأنتم جماعة سكرى.
وقرئ أيضًا: (سُكْرى) بضم السين كحُبلى (٣)، وهي صفة مفردة أيضًا، أي: وأنتم جماعة سُكْرَى. وأصل السُّكْر من سَكَرْتُ مجرى الماء أُسْكُرُهُ سَكْرًا، إذا سَدَدْتَهُ، والسُّكْرُ: انسداد طريق المعرفة.
стр. 886
وقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا﴾ أي: إلى أن تعلموا، وهي متعلقة بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾. ﴿مَا تَقُولُونَ﴾: (ما) يحتمل أن يكون موصولًا وما بعده صلته وعائده محذوف، وأن يكون مع الفعل في تأويل المصدر فلم تحتج على هذا إلى عائد.
وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ حالٌ عطف على قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبًا، أي: ولا مجنبين، وهم الذين أصابتهم جنابة، يقال: أَجْنَبَ يُجْنِبُ إجنابًا فهو مُجنبٌ، وجَنُبَ يجْنُبُ بالضم فيهما جنابةً فهو جُنُبٌ.
والجُنُبُ يستوي فيه الواحد والتثنية والجمع، والمذكر والمؤنث في اللغة الفصحى؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإِجناب، تقول منه: أجنب الرجل إجنابًا، وقيل: إنه (١) من أبنية المبالغة، واشتقاقه من المجانبة وهي المباعدة، عن الرماني؛ لأنه مُجانِبٌ للطهارةِ.
وقوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ نصب على الحال أيضًا، أي: إلّا مارِّين في الطريق.
الزمخشري: استثناء من عامة أحوال المخاطبين، وانتصابه على الحال، كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلّا ومعكم حال أخرى تُعْذَرونَ فيها وهي حال السفر، وعبورُ السبيلِ عبارةٌ عنه، قال: ويجوز ألّا يكون حالًا ولكن صفة لقوله: ﴿جُنُبًا﴾، أي: ولا تقربوا الصلاة جنبًا غير عابري سبيل، أي جنبًا مقيمين غير معذورين، قال: ومن فَسَّرَ الصلاةَ بالمسجد، معناه: ولا تقربوا المسجد جنبًا إلّا مجتازين فيه إذا كان الطريق فيه إلى الماء، أو كان الماء فيه، أو احتلمتم فيه. انتهى كلامه (٢).
стр. 887
وقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ متعلق بتقربوا محذوفٍ دل عليه ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾، أي: ولا تقربوها جنبًا حتى تغتسلوا. ﴿مِنْكُمْ﴾: في موضع رفع لكونه نعتًا لأحد.
وقوله: ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾ في موضع نصب مفعول ﴿جَاءَ﴾، كقولك: أتيت الغائط. وأصل الغائط: المُطْمَئِنُّ من الأرضِ الواسعُ، وجمعه غُوْطٌ وأغواطٌ وغِيطانٌ، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها، وكانوا إذًا أرادوا قضاء الحاجة أتوا غائطًا، فَكُنِي عن الحدث بالغائط.
وقرئ: ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾ بياء ساكنة من غير ألف (١)، وذلك يحتمل وجهين: أن يكون تخفيف الغيط، كهَيْنٍ في هَيِّنٍ، والغَيِّطُ بمعنى الغائط. وأن يكون مصدر غاط يغوط، وكان القياسُ الغَوْطُ إلّا أن الواو قلبت ياء، كما قلبت في لا حول حين قالوا: لا حَيْلَ؛ لكونها أخف من الواو (٢).
وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ قرئ بغير ألف بعد اللام، وبألف بعدها (٣)، وهما يحتملان أن يكونا بمعنى باشرتم، وأن يكونا بمعنى جامعتم، وأن يجمعا الأمرين. والوجه هو الأول؛ لأن حقيقة اللمس في اللغة تطلب الشيء باليد أو شبهها، وحمل الكتاب العزيز على الحقيقة أولى.
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الفاء جواب الشرط، وللمذكورين بعد الشرط وهم المرضى، والمسافرون، والمُحْدِثون، وأهل الجنابة، أُبِيح لهم التيممُ بشرائط معروفة. و ﴿صَعِيدًا﴾ مفعول بقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، أي: فَتَعمَّدُوا
стр. 888
ترابًا. والتيمم والتأمم: التعمد والقصد. والصعيد: التراب، عن الفراء (١). قال الإِمام الشافعي ﵁: لا يقع اسم صعيد إلّا على تراب ذي غبار (٢).
و﴿طَيِّبًا﴾ نَعْتٌ لصعيد، أي: نظيفًا. وقيل: هو (٣) على تقدير حذف الباء، أي بصعيد. وقيل: هو ظرف، وهذا على قول من جعل الصعيد الأرض، أو وجه الأرض، والوجه هو الأول وعليه المعنى والإِعراب (٤).
وقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ عطف على ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ والباء صلة للتأكيد، أي: فامسحوا وجوهكم به أو منه، بشهادة قوله جل ذكره في المائدة: ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [آية: ٦] فأتى بـ (منه) كما ترى.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾:
قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يحتمل (ترى) هنا أن يكون من رؤية القلب، على معنى: ألم ينته علمك إليهم؟ فَعُدِّيَ بإلى لهذا المعنى، وأن يكون من رؤية البصر، أي: ألم تنظر إليهم؟ و ﴿نَصِيبًا﴾: مفعول ثان للإيتاء، و ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ في موضع نصب على النعت لقوله: ﴿نَصِيبًا﴾ أي: حظًّا من علم التوراة. ولك أن تعلقه بـ ﴿أُوتُوا﴾.
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾: في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿أُوتُوا﴾. و ﴿يُرِيدُونَ﴾ عطف عليه، وحكمه في الإِعراب حكمه.
стр. 889
وقوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ أن وما عملت فيه في موضع نصب بقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ﴾. و ﴿السَّبِيلَ﴾ نصب بقوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ وهو مفعول به وليس بظرف، وإنما هو كقولك: أصابَ الطريقَ وأخطأَ الطريقَ، أي: ويريدون - يعني أحبار اليهود - أن تَضلوا أنتم أيها المؤمنون سبيلَ الحقِّ كما ضَلّوهُ. وقد جوز أن يكون ﴿يَشْتَرُونَ﴾، و ﴿يُرِيدُونَ﴾ حالين من الموصول وهو ﴿الَّذِينَ﴾ في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ (١).
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)﴾:
قوله : ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ ﴿وَلِيًّا﴾ و ﴿نَصِيرًا﴾ منصوبان على الحال من اسم الله جل ذكره، وقيل: على البيان (٢).
والمعنى: لا تبالوا بهم فإن الله ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم. والكفاية: بلوغ النهاية في مقدار الحاجة، والله أعلم.
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾:
قوله : ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ فيه أقوال:
أحدها: أنه بيان لـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٣)، لأنهم يهود ونصارى، أي: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من الذين هادوا. وما بينهما اعتراض.
стр. 890
والثاني: أنه بيان لـ ﴿أَعْدَائِكُمْ﴾ (١)، وما بينهما اعتراض.
والثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف على وجه الاستئناف تقديره: من الذين هادوا قوم أو فريق يحرفون، فـ ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ على هذا صفة للمبتدأ المحذوف، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، أنشد صاحب الكتاب ﵀ في مثل هذا قوله:
١٥٨ - وما الدهرُ إلَّا تارتان فمنهُمَا ... أموتُ وأُخْرَى أَبْتَغِي العَيْشَ أَكْدخُ (٢)
أي: فمنهما تارة أموت فيها. أو هم من الذين هادوا، فـ ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ على هذا الوجه وعلى الوجهين الأولين في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿هَادُوا﴾.
وعن الفراء تقديره: مِن الذين هادوا مَن يحرفون (٣)، كقوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ﴾ (٤) أي: مَن له، وتكون (من) على قوله موصوفة كقوم أو فريق لا موصولة؛ لأن الموصولة لا تحذف وتبقى صلتها، وقد حُكي عنه أنه جعل (من) موصولة و ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ صلتها، وليس بشيء لما ذكرت آنفًا.
والرابع: أنه من صلة قوله: ﴿نَصِيرًا﴾ (٥) ومعمول له، أي: ينصركم من الذين هادوا، كقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ (٦)، و ﴿فَمَنْ
стр. 891
يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ (١)، و ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ على هذا الوجه أيضًا حال من الضمير في ﴿هَادُوا﴾.
والخامس: أنه حال من الضمير في ﴿يُرِيدُونَ﴾، أو من ﴿أَعْدَائِكُمْ﴾ (٢)، وما بينهما اعتراض، أي: والله أعلم بأعدائكم كائنين من الذين، و ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ على هذا أيضًا حال من الضمير المذكور. و ﴿عَنْ﴾ متعلق بقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ﴾.
ومعنى ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾: يميلونه عنها ويزيلونه؛ لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كَلِمًا غيرَهُ فقد أمالوه عن مواضعه التي وضعه الله فيها وأزالوه عنها، وذلك نحو تحريفهم الرجم بوضعهم الحد بدله على ما فسر (٣).
والكَلِمُ جمع كَلِمَةٍ كلَبِنَةٍ ولَبِنٍ. وقرئ: (الكِلْمَ) بكسر الكاف وإسكان اللام (٤)، على أنها جمع كِلْمةٍ تخفيفَ كَلِمَة.
فإن قلت: ما محل ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ على الأوجه المذكورة من الإِعراب؟ قلت: محله على الوجه الأول والرابع والخامس: النصب، وعلى الوجه الثاني: الجر، وعلى الثالث: الرفع، وذِكْرُ الأوجهِ يغني عن هذا السؤال.
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عطف على ﴿يُحَرِّفُونَ﴾، وحكمه في الإِعراب حكمه. ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾: كلاهما معمول القول.
وقوله: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ انتصاب قوله: ﴿غَيْرَ﴾ على الحال من
стр. 892
المنوي في قوله: ﴿وَاسْمَعْ﴾ أي: اسمع غير سامع. والمعنى: لا سمعت، وهو دعاء عليه. قيل: كانوا يقولون: اسمع، ويقولون في أنفسهم: لا سمعت (١).
الزمخشري قولهم: (غير مسمع) حال من المخاطب، أي: اسمع وأنت غير مسمع، وهو قول ذو وجهين: يحتمل الذم، أي: اسمع منا مدعوًا عليك بلا سمعت؛ لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع، فكان أصم غير مسمع، قالوا ذلك اتكالًا على أنّ قولهم: لا سمعت دعوة مستجابة أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، ومعناه: غير مسمع جوابًا يوافقك، فكأنك لم تسمع شيئًا، أو اسمع غير مسمع كلامًا ترضاه، فسمعك عنه نابٍ، ويجوز على هذا أن يكون ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ مفعول اسمع، أي: اسمع كلامًا غير مسمع إياك؛ لأن أذنك لا تعيه نُبُوًّا عنه، ويحتمل المدح، أي: اسمع غير مسمع مكروهًا، من قولك: أَسْمَعَ فلان فلانًا، إذا سَبَّهُ، انتهى كلامه (٢).
وقوله: ﴿وَرَاعِنَا﴾ عطف على ﴿وَاسْمَعْ﴾، وهو أمر أيضًا من راعى يراعي، من المراعاة وهي المراقبة، وقد مضى الكلام على هذا في سورة البقرة بأشبع ما يكون (٣).
وقوله: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ يحتمل أن يكون مصدر فعل محذوف دل عليه مصدره، أي: يلوون ألسنتهم لَيًّا، وهو وضعهم ﴿وَرَاعِنَا﴾ موضع ارْقُبْنَا، و ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ موضع لا أُسْمِعْتَ مكروهًا على ما فسر (٤)، وأن يكون مفعولًا من أجله، أي: يفعلون ذلك من أجل اللَّيّ، وأصله لَوْيًا، لأنه من لويت،
стр. 893
فأدغمت الواو في الياء بعد أن قلبت ياء على الأصل المعروف، وأن يكون في موضع الحال، أي: قالوا ذلك لاوِينَ.
و﴿وَطَعْنًا﴾ عطف عليه، وحكمه حكمه في جميع ما ذكرت. و ﴿فِي الدِّينِ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَطَعْنًا﴾.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ أن في موضع رفع بإضمار فعل؛ لأن ﴿لَوْ﴾ تطلب الفعل، كـ (إن) الجزائية، أي: ولو ثبت قولهم سمعنا وأطعنا.
﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: اللام جواب ﴿لَوْ﴾، و ﴿خَيْرًا﴾ خبر كان، واسمها مضمر فيها، أي: لكان قولُهم ذلك خيرًا. و ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿خَيْرًا﴾، وهو بمعنى أَخْيَرَ ومِن محذوفة. والمعنى: لكان خيرًا لهم عند الله من الاستهزاء والطعن في الدين، يعضده ما عطف عليه وهو ﴿وَأَقْوَمَ﴾، أي: وأعدل وأَسَدّ.
وقوله: ﴿وَانْظُرْنَا﴾ الجمهور على وصل الألف وضم الظاء من النظر، أي: وانظر إلينا. وقرئ: (وأَنظِرنا) بقطع الألف وكسر الظاء (١)، من الإِنظار، وهو الإمهال.
وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فلا يؤمنون إلّا إيمانًا قليلًا، وفيه وجهان: أحدهما - أن يريد بالقلة الضَّعْفَ والركاكةَ، أي: إيمانًا ضعيفًا ركيكًا لا يُعْبَأُ به، وهو إيمانهم بمن خَلَقَهم مع كفرهم بغيره. والثاني - أن يريد بها العدم، أي: لا يؤمنون البتة.
والثاني: أنه نعت لزمان، أي: إلّا وقتًا قليلًا.
والثالث: أنه استثناء من قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إلّا قليلًا منهم قد
стр. 894
آمنوا، ولو رُفع على هذا الوجه على البدل من الضمير في ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ لكان حسنًا، ولا يجوز لأحد أن يقرأ به لأن القراءة سنة متبعة، ولا يجوز أن يكون مستثنى من الهاء والميم في ﴿لَعَنَهُمُ﴾ إذ من المحال أن يكونوا مؤمنين وقد لعنوا، إلّا على تأويل وتقدير.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾:
قوله : ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا﴾ (ما) يحتمل أن يكون موصولًا وما بعده صلته وعائده محذوف. و ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من العائد المحذوف، وأن يكون مع الفعل في تأويل المصدر تسمية للمفعول بالمصدر، كضَرْبِ الأمير، وخَلْقِ اللَّه، و ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال منه، والعامل فيها على الوجه الأول: ﴿نَزَّلْنَا﴾، وعلى الثاني: ﴿آمِنُوا﴾.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ (مِن) متعلقة بآمنوا، أي: آمنوا من قبل أن نمحو تخطيطَ صورِها من عين وحاجب وأنف وفم على ما فسر (١).
﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ عطف على ﴿أَنْ نَطْمِسَ﴾، و ﴿عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ في موضع نصب على الحال في ضمير الوجوه، أي: فنردها مطموسة على أدبارها وهي الأَقْفَاءُ.
والطَمْسُ في اللغة: عَفْوُ الأثر، يقال: طَمَسَتْ أعلامُ الطريق تَطْمِسُ طُمُوسًا، إذا ذَهَبَتْ وَدَثَرَتْ. والفاء للتسبيب، وقد جوز أن تكون للتعقيب على أنهم تُوعِّدوا بعقابين: أحدهما عَقِيبَ الآخَر، وهما ردها على أدبارها بعد طمسها (٢).
стр. 895
قوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا﴾ عطف أيضًا على ﴿أَنْ نَطْمِسَ﴾، والكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: لعنًا كما. و (ما) مصدرية، أي: نطردهم من رحمتنا بأن نمسخهم قِرَدَةً، كما مسخنا أوائلهم الذين عصوا بصيد الحيتان في السبت زمن داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾:
قوله : ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ كلام مستأنف، أي: وهو يغفر ما دون الشرك، ولا يجوز أن يكون عطفًا على قوله: ﴿لَا يَغْفِرُ﴾ داخلًا في ضمن النفي؛ لفساد المعنى.
﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، أي: لمن يشاء أن يغفر لهم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾:
قوله : ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ (فتيلًا) مفعول ثان، وفي الكلام حذف مضاف، أي: ولا ينقصون مقدار فتيل، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقد جوز أن يكون منصوبًا على التمييز (١)، والوجه هو الأول؛ لأن ظَلَمَ يتعدى إلى مفعولين إذا كان بمعنى النقص، يقال: ظلمتُه حَقَّه، إذا نَقَصتَه إياه.
واختُلف في الفتيل، فقيل: هو الذي يكون في شَقِّ النواة، وقيل: ما فَتَلْتَهُ بين إصبعيك من الوسخ، وهو فعيل بمعنى مفعول (٢).
стр. 896
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾:
قوله : ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ الجملة في موضع نصب بقوله: ﴿انْظُرْ﴾، و ﴿كَيْفَ﴾ نصب بقوله: ﴿يَفْتَرُونَ﴾، و ﴿عَلَى﴾ متعلقة به أيضًا، ولك أن تجعلها حالًا من الكذب؛ لأن العامل متصرف، فتكون متعلقة بمحذوف، ولا يجوز أن تكون من صلة الكذب؛ لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه، وقد ذكر نظيره في غير موضع (١).
وقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ (إثمًا) منصوب على التمييز، والضمير في ﴿بِهِ﴾ لِزَعْمِهِم أو لافترائهم، أي: انظر إلى حال هؤلاء كيف يفترون على الله الكذب في زَعمهم أنهم عند الله أزكياء، وكفى بزعمهم هذا، أو بافترائهم إثمًا مبينًا من بين سائر آثامهم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾:
قوله : ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (يؤمنون) في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿أُوتُوا﴾، أو من الموصول. و ﴿يَقُولُونَ﴾ عطف على ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، وحكمه حكمه.
والجِبْتُ: الأصنام، وكل ما عُبد من دون الله، والطاغوت: الشيطان، وقيل: بالعكس (٢).
стр. 897
وقال أهل اللغة: الجبت: كلمة تقع على الصّنم والكاهن والساحر ونحو ذلك (١).
وقوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ خبره ﴿أَهْدَى﴾ وما اتصل به.
و﴿سَبِيلًا﴾: منصوب على التمييز، كقولك: هو أنظف منك ثوبًا، وأحسن منك خُلُقًا، والمراد بالسبيل هنا الدِّين، والتقدير: هؤلاء أهدى سبيلًا من الذين آمنوا، والجملة في موضع نصب بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾، و ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متعلق به أيضًا، أي: يقولون في حق الكفار: كيت وكيت.
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾:
قوله : ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ (أم) منقطعة، أي: بل أَلَهُمْ؟ ومعنى الهمزة لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، أي: ليس لهم ذلك، ثم قال تعالى: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ﴾، والتقدير: لو كان لهم نصيب من الملك فإذًا لأ يؤتون أحدًا مقدار نَقِيرٍ، لِفَرْطِ بُخْلهم.
و(إذن) هنا ملغاة لدخول العاطف عليها وهو الفاء، لا لأجل لا؛ لأن (لا) يتخطاها العامل، وإعمالها جائز مع العاطف، وبه قرأ ابن مسعود ﵁ هنا: (فإذن لا يؤتوا الناس) (٢).
وتكتب بالنون على الأصل؛ لأنها بمنزلة نون (أن) و (عَن)، وليس في الحروف تنوين، وبالألف على أنها بَدلٌ من النون، لأن (إذن) تضارع نون التوكيد الخفيفة، ونون الصرف في حال النصب من جهة أن (إذن) حرفٌ والنون فيها بعضُ حرفٍ، كما أن نون التوكيد والتنوين كل واحد منهما حرف، فأبدلت الألف منها كما أبدلت منهما، والذي جوز ذلك في (إذن)
стр. 898
دون (أن)، و (عن) جواز الوقف عليها في نحو قولك: إن أتيتني فأنا أكرمُكَ إذن، فلمّا جاز الوقف عليها جاز إبدال الألف من نونها كالمذكورَين وهما نون التوكيد ونون الصرف، ولما لم يجز الوقف على (أن)، و (عن) لم يجز إبدال الألف من نونهما، فاعرفه.
والنقِيرُ: النُقْرَةُ التي في ظهر النَّواة، عن ابن عباس ﵄ وغيره. وقيل: الحبة التي في بطن النواة. وقيل: النقير: ما نَقَرَ الرجل بإصبعه، كما يُنْقَرُ الدرهمُ، روي هذا الوجه عن ابن عباس ﵁ أيضًا (١)، وهو مَثَلٌ في القِلة كالفتيل والقطمير، ومنه قول لبيد يَرثي أخاه أَرْبَدَ:
١٥٩ - وليسَ الناسُ بعدَكَ في نَقِير ... ........................ (٢)
أي: ليسوا بعدك في شيء.
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾:
قوله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (أم) هنا أيضًا المنقطعة، أي: بل أيحسدون .. و ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بآتى، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله حالًا من العائد المحذوف إلى ما، أي: على ما آتاهموه كائنًا من فضله.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾
قوله : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ (من) مبتدأ وخبره ﴿فَمِنْهُمْ﴾ و (من) يحتمل أن يكون موصولًا، وأن يكون موصوفًا.
стр. 899
واختلف في الضمير في ﴿بِهِ﴾ فقيل: لما ذكر من خبر آل إبراهيم ﵇ (١)، أي: فمن اليهود من آمن بهذا الخبر، ومنهم من صد عنه وأنكره مع علمه بصحته. وقيل: لرسول الله - صلي الله عليه وسلم - (٢)، أي: منهم من آمن به، ومنهم من أنكر نبوته. وقيل: للكتاب المنزل (٣). وقيل: لإبراهيم ﵇ (٤)، أي: فمن آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من صدّ عنه.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ (سعيرًا) نصب على التمييز، ولك أن تنصب على الحال، أي: كفت جهنم مسعورة (٥)، يقال: سَعَرْتُ النارَ والحربَ، إذا هيجتَها وألهبتَها، فتكون كجريح، وصريع، وكَفٍّ خَضيبٍ، ولحيةٍ دَهِينٍ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾
قوله : ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا﴾ (كلما) نصب بقوله: ﴿بَدَّلْنَا﴾.و ﴿جُلُودُهُمْ﴾ مفعول ثان للتبديل، وقيل: التقدير: بجلود (٦). و ﴿غَيْرَهَا﴾ صفة لجلود.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾:
стр. 900
قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ رفع بالابتداء، والخبر ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾، وقد جوز أن يكون في موضع نصب أو رفع بالعطف على ﴿الَّذِينَ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ (١) إما على اللفظ، وإما على المحل.
و﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الهاء والميم في ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾، أو من ﴿جَنَّاتٍ﴾ لأجل قوله: ﴿فِيهَا﴾، وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع ما يكون.
و﴿فِيهَا﴾ و ﴿أَبَدًا﴾: كلاهما معمول ﴿خَالِدِينَ﴾، و ﴿أَبَدًا﴾ ظرف زمان.
وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ ﴿أَزْوَاجٌ﴾ رفع بالابتداء، والخبر ﴿لَهُمْ﴾، أو بلهم على رأي أبي الحسن. و ﴿فِيهَا﴾ يحتمل أن يتعلق بما تعلق به الخبر، وأن يتعلق بمحذوف على أن تجعله حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿أَزْوَاجٌ﴾، وحكم الجملة في الإعراب حكم ﴿خَالِدِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ (ظلًا) مفعول ثان و ﴿ظَلِيلًا﴾ نعت لظل مشتق من لفظ الظل لتأكيد معناه، كما قيل: لَيْلُ أَلْيَلُ، أي: شديد الظلمة، وظل ظليل، أي: دائم الظل لا تنسخه الشمس، ولا يكون ذاك إلا في الجنة. وفي الحديث: "إنَّ في الجنةِ شجرةً يسير الراكبُ في ظِلِّها مائةَ عامٍ لا يَقطعُها" (٢). اللهم اجعلنا ممن يرى ذلك ولا يرى سوى ذلك. وهو فعيل بمعنى فاعل، كرحيم بمعنى راحم.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾:
стр. 901
قوله : ﴿أَنْ تُؤَدُّوا﴾ أن في موضع نصب على إسقاط الباء، أي: يأمركم بأن تؤدوا، ومثله ﴿أَنْ تَحْكُمُوا﴾.
وقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ﴾ (إذا) منصوب بفعل محذوف دل عليه ﴿أَنْ تَحْكُمُوا﴾، أي: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، ويأمركم أن تحكموا إذا حكمتم. ولك أن تنصبه بيأمركم المحذوف، أي: ويأمركم إذا حكمتم، ولا يجوز أن تنصبه بأن تحكموا المذكورة؛ لأنَّ أن وما بعده في تأويل المصدر، ومعمول المصدر لا يتقدم عليه، ولا بـ ﴿حَكَمْتُمْ﴾؛ لأنَّ (إذا) مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.
وقوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿أَنْ تَحْكُمُوا﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أنَّ تجعله حالًا من الضمير في ﴿أَنْ تَحْكُمُوا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ قد مضى الكلام على (نِعْمَ) وما فيها من القراءات في سورة البقرة، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا (١).
وأما (ما) هنا فتحتمل أن تكون منصوبة موصوفة بقوله: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ والفاعل مضمر، والمخصوص محذوف كقوله: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٢) أي: بئس البدل بدلًا هو وذريته.
وأن تكون مرفوعة على الفاعلية موصولة بقوله: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ والمخصوص بالمدح محذوف أيضًا، وهو المأمور به من تأدية الأمانات والعدل في الحكم، أي: نعم الشيء شيئًا يعظكم به ذاك، أو نعم الذي يعظكم به ذاك، وفيها أقوال وتقديرات أخر أضربت عنها إذ لا طائل تحتها، والجملة في موضع رفع بخبر إن.
стр. 902
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾:
قوله : ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (أولى) عطف على ﴿الرَّسُولَ﴾ ﵊، وعلامة النصب الياء، وهو جمع واحده على ما في التلاوة: (ذا) لكونه منصوبًا، وأما واحده إذا كان مرفوعًا: فذو على غير لفظه. و ﴿مِنْكُمْ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿أُولِي﴾، أي: كائنين منكم.
وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: ابتداء وخبر، والإِشارة إلى الردّ، أي: الردُّ إلى الكتاب والسنة خير لكم وأصلح، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: وأحسن عاقبة.
و﴿تَأْوِيلًا﴾: منصوب على التمييز، وهو تفعيل مأخوذ من آل يؤول، إذا رجع، فكأن معنى تَأَوَّلْتُ الشيءَ: نظرت ما يؤول إليه أمرُه، ويرجع إليه تفسيره.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾:
قوله : ﴿يُرِيدُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿يَزْعُمُونَ﴾، أو من الموصول. و ﴿يَزعُمُونَ﴾ يطلب مفعولين كظننتُ وحسِبتُ، وأن وما اتصل بها ساد مسدهما على المذهب المنصور.
وقوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿يُرِيدُونَ﴾.
وقوله: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ يحتمل أن يكون على حذف الزيادة، وأن
стр. 903
يكون مصدر فعل دل عليه أن يضل، أي: أن يضلهم فيضلوا ضلالا بعيدًا، ونظيره: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (١). والضلال: العدول عن الطريق المؤدي إلى البُغْيَة، والبُغْيَةُ: الحاجة.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾:
قوله : ﴿تَعَالَوْا﴾ أصله تعاليوا تفاعلوا من الحلو، وقد مضى الكلام عليه في "آل عمران" (٢).
والجمهور على فتح اللام، وقرئ: بضمها (٣)، على حذف لام الفعل من تعاليت تخفيفًا، كما قالوا: ما باليت به بَالَةً، وأصلها بَالِيَةٌ كعافية، فلما حُذفت لام الفعل ضمت لام تعالوا لأجل واو الجمع بعدها، والوجه ما عليه الجمهور.
وقوله: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (يصدون) في موضع نصب على الحال من ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ لأنَّ الرؤية هنا من رؤية البصر. ﴿صُدُودًا﴾: مصدر مؤكد وعليه نصبه، يقال: صدَّ عنه، إذا أعرض عنه صدودًا، وصد عنه فلانًا صدًّا وصدودًا أيضًا.
و﴿يَصُدُّونَ﴾ هنا يحتمل أن يكون لازمًا، وأن يكون متعديًا، فاعرفه.
﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾:
قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ (كيف) في موضع
стр. 904
نصب بفعل مضمر، أي: كيف يصنعون، وكيف تكون حالهم (١)، والعامل في (إذا) هو العامل في (كيف).
وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الفاعل في ﴿جَاءُوكَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾:
قوله : ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿قُلْ﴾، وكذا ﴿لَهُمْ﴾ وفيه وجهان:
أحدهما: قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة، وقلوبهم المطوية على النفاق قولًا بليغًا.
والثاني: قل لهم في أنفسهم خاليًا بهم ليس معهم غيرُهم مسارًّا لهم بالنصيحة قولًا بليغًا يَبْلُغُ منهم ويؤثر فيهم. والقول البليغ: ما يُفهَم منه غاية المقصود.
وقيل: هو متعلق بقوله: ﴿بَلِيغًا﴾ (٢)، وهو جيد من جهة المعنى لكن رديء من جهة الإعراب؛ لأنَّ الصفة لا تعمل فيما قبلها (٣).
و﴿قَوْلًا﴾: يحتمل أن يكون مصدر قوله: ﴿قُلْ﴾، وأن يكون مفعوله على أنَّ تجعله بمعنى الكلام، أي: وقل لهم كلامًا بليغًا.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾:
стр. 905
قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (من) مزيدة مؤكِّدة تدل على استغراق الجنس، أي: وما أرسلنا رسولًا قط إلّا ليطاع.
و﴿لِيُطَاعَ﴾: مفعول من أجله، واللام متعلقة بأرسلنا. و ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: متعلق بقوله: ﴿لِيُطَاعَ﴾، أي: بسبب إذن الله في طاعته.
وقد جوز أن يكون ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿لِيُطَاعَ﴾ (١).
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ (أنهم) في موضع رفع على أنَّه فاعل فعل مضمر. و ﴿إِذْ﴾ منصوب بقوله: ﴿جَاءُوكَ﴾، أي: لو وقع مجيئهم إذ ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت؛ لأنَّ (لو) يقتضي الفعل لما فيه من معنى الشرط، ولذلك لا بد له من الجواب. و ﴿جَاءُوكَ﴾ خبر ﴿أَنَّهُمْ﴾.
﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾: عطف على ﴿جَاءُوكَ﴾. وكذا ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾.
﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾: اللام جواب ﴿وَلَوْ﴾ و ﴿تَوَّابًا﴾ مفعول ثان؛ لأنَّ وجد هنا يتعدى إلى مفعولين، أي: لعلموه توابًا، أي: لَتاب عليهم.
و﴿رَحِيمًا﴾: بدل من قوله: ﴿تَوَّابًا﴾، أو حال من المستكن فيه.
قيل: وإنما قال: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ ولم يقل: واستغفرتَ لهم، وعدل عنهم إلى طريقة الالتفات تفخيمًا لشأن رسوله ﷺ وتعظيمًا لاستغفاره، وتنبيهًا على أنَّ شفاعةَ مَن اسمُهُ الرسولُ مِن اللَّهِ بمكانٍ (٢).
стр. 906
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾:
قول : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أَنَّ (لا) مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ (١) لتأكيد وجوب العلم، أي: فوربك، كقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ (٢).
والثاني: أنَّها رد لكلام، كأنه قيل: فليس الأمر كما يزعمون من الإِيمان وهم يعدلون عن حكمك، ثم استأنف القسم بقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ (٣). و ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ جواب القسم.
وقولِه: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ متعلق بقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾: (بينهم) يحتمل أن يكون ظرفًا بـ ﴿شَجَرَ﴾، وأن يكون حالًا من المستكن في ﴿شَجَرَ﴾. ومعنى ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾: فيما اختلف بينهم واختلط، يقال: اشتجر القوم وتشاجروا، إذا اختلفوا واختلط بعضهم ببعض، ومنه الشجر لتداخل أغصانه.
وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ عطف على قوله: "حَتَّى ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾. و ﴿حَرَجًا﴾ مفعول ﴿لَا يَجِدُوا﴾. و ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: مفعول ثان، هذا إذا كان ﴿لَا يَجِدُوا﴾: مما يتعدى إلى مفعولين، فإن كان مما يتعدى إلى مفعول واحد كان ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿لَا يَجِدُوا﴾ تعلق الجار بالفعل، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿حَرَجًا﴾.
стр. 907
والحرج: الضيق، أي: لا تضيق صدورهم من حكمك، وإليه يرجع قول من قال: إنه الشك؛ لأنَّ الشاك في ضيق من أمره حتى يظهر له اليقين.
وقوله: ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿حَرَجًا﴾؛ لأنك تقول: حَرِجْتُ من كذا، وضأق صدري من كذا. وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أنَّ تجعله صفة لحرج. ولك أن تجعله متعلقًا بقوله: ﴿لَا يَجِدُوا﴾.
و(ما) تحتمل أن تكون موصولة وما بعدها صلتها، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها والعائد محذوف، وأن تكون مصدرية.
وقوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ عطف أيضًا على قوله:
﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾. و ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ تأكيد للفعل بمنزلة تكريره، كأنه قيل: وينقادوا لحكمه انقيادًا لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم.
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾:
قول : ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾ (أن) في موضع نصب بقوله ﴿كَتَبْنَا﴾، وقيل: (أن) هنا هي المفسرة (١).
قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قرئ: بالرفع على البدل من الواو في فعلوا، كقولك: ما جاءني أحد إلَّا زيد، وبالنصب (٢) على أصل الاستثناء. وقد جوز أن يكون (قليلًا) صفة لمحذوف، أي: إلّا فعلًا قليلًا (٣). و ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة لقوله: (قليلًا).
стр. 908
فإن قلتَ: الهاء في قوله: ﴿مَّا فَعَلُوهُ﴾؛ إلى أي شيء يعود؟ قلتُ: يعود إلى محذوف وهو القتل، دل عليه ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾، أو الخروج، دل عليه ﴿أَوِ اخْرُجُوا﴾، أو المكتوب، دل عليه ﴿كَتَبْنَا﴾، أو إلى المذكور من غير تعيين، أو إلى ذلك، أي: لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استُتِيبوا من عبادة العجل ما فعلوه إلّا ناسٌ قليل منهم.
وقوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: لكان فعلهم خيرًا لهم في العاجلة والآجلة. و ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿خَيْرًا﴾.
وقوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾: عطف على خبر كان، و ﴿تَثْبِيتًا﴾ منصوب على التمييز، أي: وأشدَّ تثبيتًا لإيمانهم وأبعدَ من الاضطراب فيه.
﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾:
قوله : ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (وإذن): جواب لسؤال مقدر، لأنَّ إذن جواب وجزاء، كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضًا بعد التثبيت؛ فقيل: لو ثبتوا لأعطيناهم من عندنا أجرًا عظيمًا جزاء على فعلهم.
و﴿مِنْ لَدُنَّا﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: لآتينا، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أنَّ تجعله حالًا من قوله: ﴿أَجْرًا﴾ على تقدير تقديمه عليه، وقد ذكرت نظيره في غير موضع.
وقوله: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ عطف جملة على جملة، واللام لام الجواب، والفرق بين هذه اللام ولام الابتداء وكلاهما للتأكيد: أن لام الابتداء لا تدخل إلّا على الاسم المبتدأ، ما عدا باب (إنَّ) خاصة فإفها زحلقت إلى الخبر كراهة اجتماع حرفي توكيد في حدر الكلمة، وإنما زحلقت اللام دون إنَّ، لأَنَّ لـ (إنَّ) فضيلة العمل، وأما لام الجواب فتقع غير مُبتدأَةٍ. و ﴿صِرَاطًا﴾: مفعول ثان.
стр. 909
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾:
قوله : ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الفاء جواب الشرط، و ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ وخبره ﴿مَعَ الَّذِينَ﴾، ونهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾. و ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾، في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾، قيل: أو من المستكن في الظرف وهو ﴿مَعَ﴾، والعامل الظرف، والإِشارة في ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى المطيعين، وجُمع حملًا على معنى (مَن).
وقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (أولئك) رفع بِحَسُنَ. قيل: وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: وما أحسنَ أولئك رفيقًا (١).
وقرئ: (وحَسْنَ) بسكون السين (٢) تخفيفًا، كقولك في عَضُدٍ: عَضْدٌ.
و﴿رَفِيقًا﴾: منصوب على التمييز لأنه قد سُمِعَ: حَسُنَ أولئك من رفقاء، و (مَن) عَلَمٌ له، وقيل: على الحال لكونه من أسماء الصفات (٣). قيل: والرفيق كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه، وقد جوز أن يكون مفردًا بُيِّنَ به الجِنْسُ في باب التمييز.
﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾:
قوله : ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ (ذلك) رفع بالابتداء، والإِشارة إلى ما أُعطي المطيعون من الأجر العظيم، و ﴿الْفَضْلُ﴾ صفته، والخبر ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، ولك أن تجعل الخبر ﴿الْفَضْلُ﴾، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: حالًا من الفضل، والعامل ما في ذلك من معنى الإِشارة، كقولك: ذلك زيد
стр. 910
قائمًا، ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (١).
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ أي: وكفى الله، والباء صلة، و ﴿عَلِيمًا﴾ حال أو تمييز، وقد ذكر نظيره في غير موضع (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾:
قوله : ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿ثُبَاتٍ﴾ و ﴿جَمِيعًا﴾ حالان من الضمير في ﴿فَانْفِرُوا﴾، أي: فانفروا إذا نفرتم إلى العدو إما جماعات متفرقة سَرية بعد سرية، وإمّا مجتمعين دفعة واحدة.
وواحد: ﴿ثُبَاتٍ﴾: ثُبَةٌ، ولامُها محذوفة، وأصلها: ثُبَيٌ، أو ثُبَوٌ على الخلاف المشهور، والجمع ثُبَاتٌ وثُبُونَ [وثِبُونَ] (٣) وأَثابِيّ أيضًا، قال الراجز:
١٦٠ - * دُونَ أَثَابِيَّ من الخيلِ زُمَرْ * (٤)
وتصغيرها: ثُبَيَّةٌ، فأما ثُبَةُ الحوضِ وهي وسطُهُ، فالمحذوف منها عينها وهي الواو؛ لأنه من باب ثَابَ الماء إليه يَثُوبُ، إذا رجع، وأصلها ثُوْبَةٌ، وتصغيرها ثُوَيْبَةٌ، والتاء عوض عما ذهب من الكلمة لامًا كانت أو عينًا.
﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)﴾:
قوله : ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ اللام الأولى لام الابتداء،
стр. 911
كالتي في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ (١). و (مَن) اسم إن، وحَسُنَ دخول اللام في الاسم للفصل بالخبر وهو ﴿مِنْكُمْ﴾. و (من) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة. واللام الثانية جواب قسم محذوف، والتقدير: وإنّ منكم لمن أُقْسِمُ باللَّهِ ليبطئن، والقَسَمُ وجوابه صلة (مَن)، أو صفتها، وإنما جاز وصل الموصول بالقسم ولم يجز بالأمر والنهي؛ لأنَّ القسم فيه معنى الخبر، والموصولات توصل بالأخبار، وكذا الموصوف يوصف بالأخبار، فلذلك جاز أن يوصف بالقسم، فاعرفه.
فإن قلتَ: أين الراجع إلى (من)؟ قلتُ: المستكن في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾.
فإن قلتَ: بم عرفت أن اللام الأولى لام الابتداء، والثانية لام جواب قسم محذوف؟ قلت: لدخول الأولى على الاسم، والثانية على الفعل مع نون التوكيد.
فإن قلتَ: ما حقيقة الإِبطاء؟ قلتُ: قيل: إطالة مدة العمل لقلة الانبعاث، ونقيضُهُ الإِسراعُ.
فإن قلتَ: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لازم أو متعد؟ قلت: قد جوز أن يكون: لازمًا بمعنى ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد. وبَطَّأ وأَبطأ بمعنى واحد، يقال: بَطَّأ عليَّ فلان، وأبطأ عليَّ فلان. ويقال: ما بَطَّأ بك؟ وما أبطأ بك؟ فيُعدَّى بالباء، وأن يكون: متعديًا منقولًا من بَطُؤَ، كَثَقَّلَ مِن ثَقُل بمعنى لَيبطِّئنَّ غيره، ولَيُثَبِّطَنَّهُ عن الغزو (٢).
وقوله: ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ﴾ (إذْ) منصوب بـ و ﴿أَنْعَمَ﴾ و ﴿مَعَهُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿شَهِيدًا﴾.
﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ
стр. 912
يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾:
قوله : ﴿لَيَقُولُونَّ﴾ اللام جواب قسم محذوف، وأغنى جواب القسم عن جواب الشرط.
والجمهور على فتح اللام حملًا على لفظ (من)، وقرئ: (ليقولُن) بضمها (١)، حملًا على معنى (مَن)؛ لأنَّ قوله: ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ (٢) في معنى الجمع.
وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أن مخففة من الثقيلة، و ﴿لَمْ﴾ عوض عما ذهب منها لوقوع الفعل بعدها، واسمها محذوف تقديره: كأنه لَمْ يكن.
وقرئ: (يكن) بالياء النقط من تحته حملًا على المعنى، لأنَّ المودة والود سواء، كما أن الموعظة والوعظ كذلك، أو للحائل، أو لأنَّ التأنيث غير حقيقي، وبالتاء النقط من فوقها (٣)، حملًا على لفظ المودة، وهذه الجملة معترضة بين الفعل الذي هو ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ وبين معموله وهو ﴿يَالَيْتَنِي﴾، فلا يكون لها موضع من الإِعراب، كأنه قيل: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا كأن لَمْ يكن بينكم وبينه مودة.
وقيل: ليست بمعترضة بل هي معمولة أيضًا لقوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾،
стр. 913
[كقوله: يا ليتني] (١)، والمعنى: ليقولن المنافق لأصحابه المنافقين، كأن لَمْ يكن بينكم وبين محمد ﷺ مودة حين لَمْ يخرجكم لتنالوا من الغنيمة، ثم ابتدأ فقال: يا ليتني. وقيل: بل الجملة في موضعها ومحلها النصب على الحال من الضمير في ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، والتقدير: ليقولن كائنًا في صورة من انتفت المودة بينكم وبينه.
والمنادَى هنا محذوف تقديره: يا هؤلاء، أو يا قوم ليتني كنت معهم. وقيل: المنادى ليس بمحذوف، وإنما المنادى هو التمني، ونداؤه كنداء الحسرة والعَجَب إذا قلتَ: يا حسرتا، ويا عجبا، و ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَأَفُوزَ﴾ الجمهور على النصب في ﴿فَأَفُوزَ﴾ على جواب التمني بالفاء، وأنْ معها مضمرة لا تظهر، وقرئ: (فأفوزُ) بالرفع (٣)، على أنه خبر مبتدأ محذوف بمعنى: فأنا أفوز في ذلك الوقت، وهو داخل أيضًا في التمني كالكون، ويبعد أن يكون عطفًا على ﴿كُنْتُ﴾، كما زعم الزمخشري (٤)، لاختلاف لفظهما، ولذلك نصب الجمهور على الجواب لكونه مصروفًا عن العطف محمولًا على تأويل المصدر، كأنه قيل: يا ليتني كان لي حضور معهم ففوز، اللهم إلَّا أن يريد عطف جملة على جملة لا الفعل على انفراده على الفعل؛ لأنَّ المستقبل لا يُعْطَف على الماضي.
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ
стр. 914
لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾:
قوله : ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء ومعناه التوبيخ، والخبر ﴿لَكُمْ﴾. و ﴿لَا تُقَاتِلُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الكاف والميم والعامل فيها ما تعلق به الخبر، أي: وما لكم غير مقاتلين؟
والمعنى: أي شيء لكم في ترككم القتال؟ وقيل التقدير: وما لكم في أن لا تقاتلوا؟ فلما حُذف (أن) رُفع الفعل.
وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه عطف على اسم الله جل ذكره، أي: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين؛ لأنَّ سبيل المستضعفين سبيل الله؟ .
والثاني: أنه عطف على السبيل، أي: في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، وهو في كلا التقديرين في موضع جر، وقيل: التقدير: وعن المستضعفين، أي: لا تقاتلون عن المستضعفين، يعني ذَبًا عنهم.
وقيل: فيه وجه آخر وهو أن يكون في موضع نصب على الاختصاص بمعنى: وأختص مِن سبيل الله خلاصَ المستضعفين، لأنَّ سبيل الله عام في كلّ خير (١).
وقوله: ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ وما عطف عليهم في محل النصب على الحال، أي: كائنين منهم، و (من) للتبيين.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ يحتمل أن يكون في موضع جر على النعت
стр. 915
للمذكورين، وأن يكون في موضع نصب بإضمار فعل.
قوله تعالى: ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ﴿أَهْلُهَا﴾ رفع بـ ﴿الظَّالِمِ﴾ وهو اسم فاعل عمل عمل الفعل، وانجر لأنه صفة جَرَتْ على ﴿الْقَرْيَةِ﴾ وإن كانت في المعنى للأهل، ولذلك ذُكِّر، والألف واللام فيه بمعنى التي، كأنه قيل: أخرجنا من هذه القرية التي ظلم أهلها، ولو قلت في الكلام: مررت بالقرية الصالح أهلها وأردت أن تؤنث الصفة فتقول: مررت بالقرية الصالحة أهلها، أو تجمعها فتقول: مررت بالقرية الصالحين أهلها لكان جائزًا، أما تأنيثها: فلا، لتأنيث الموصوف، ولكن لأمر آخر وهو أن الأهل يذكر ويؤنث. وأما جمعها: فعلى لغة من يقول: أكلوني البراغيث. و:
١٦١ - ...................... ... يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقارُبهْ (١)
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٢) على أحد الأوجه.
فكما يجوز أن تقول: التي صلَحُوا أهلُها، كذلك يجوز أن تقول: الصالحين أهلها، لكونها تجري مجراه في العمل على الشرط المعروف عند أرباب هذه الصناعة، فاعرفه فإنه موضع.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ