كالتي في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ (١). و (مَن) اسم إن، وحَسُنَ دخول اللام في الاسم للفصل بالخبر وهو ﴿مِنْكُمْ﴾. و (من) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون موصوفة. واللام الثانية جواب قسم محذوف، والتقدير: وإنّ منكم لمن أُقْسِمُ باللَّهِ ليبطئن، والقَسَمُ وجوابه صلة (مَن)، أو صفتها، وإنما جاز وصل الموصول بالقسم ولم يجز بالأمر والنهي؛ لأنَّ القسم فيه معنى الخبر، والموصولات توصل بالأخبار، وكذا الموصوف يوصف بالأخبار، فلذلك جاز أن يوصف بالقسم، فاعرفه.
فإن قلتَ: أين الراجع إلى (من)؟ قلتُ: المستكن في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾.
فإن قلتَ: بم عرفت أن اللام الأولى لام الابتداء، والثانية لام جواب قسم محذوف؟ قلت: لدخول الأولى على الاسم، والثانية على الفعل مع نون التوكيد.
فإن قلتَ: ما حقيقة الإِبطاء؟ قلتُ: قيل: إطالة مدة العمل لقلة الانبعاث، ونقيضُهُ الإِسراعُ.
فإن قلتَ: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لازم أو متعد؟ قلت: قد جوز أن يكون: لازمًا بمعنى ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد. وبَطَّأ وأَبطأ بمعنى واحد، يقال: بَطَّأ عليَّ فلان، وأبطأ عليَّ فلان. ويقال: ما بَطَّأ بك؟ وما أبطأ بك؟ فيُعدَّى بالباء، وأن يكون: متعديًا منقولًا من بَطُؤَ، كَثَقَّلَ مِن ثَقُل بمعنى لَيبطِّئنَّ غيره، ولَيُثَبِّطَنَّهُ عن الغزو (٢).
وقوله: ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ﴾ (إذْ) منصوب بـ و ﴿أَنْعَمَ﴾ و ﴿مَعَهُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿شَهِيدًا﴾.
﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ
стр. 912
يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾:
قوله : ﴿لَيَقُولُونَّ﴾ اللام جواب قسم محذوف، وأغنى جواب القسم عن جواب الشرط.
والجمهور على فتح اللام حملًا على لفظ (من)، وقرئ: (ليقولُن) بضمها (١)، حملًا على معنى (مَن)؛ لأنَّ قوله: ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ (٢) في معنى الجمع.
وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أن مخففة من الثقيلة، و ﴿لَمْ﴾ عوض عما ذهب منها لوقوع الفعل بعدها، واسمها محذوف تقديره: كأنه لَمْ يكن.
وقرئ: (يكن) بالياء النقط من تحته حملًا على المعنى، لأنَّ المودة والود سواء، كما أن الموعظة والوعظ كذلك، أو للحائل، أو لأنَّ التأنيث غير حقيقي، وبالتاء النقط من فوقها (٣)، حملًا على لفظ المودة، وهذه الجملة معترضة بين الفعل الذي هو ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ وبين معموله وهو ﴿يَالَيْتَنِي﴾، فلا يكون لها موضع من الإِعراب، كأنه قيل: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا كأن لَمْ يكن بينكم وبينه مودة.
وقيل: ليست بمعترضة بل هي معمولة أيضًا لقوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾،
стр. 913
[كقوله: يا ليتني] (١)، والمعنى: ليقولن المنافق لأصحابه المنافقين، كأن لَمْ يكن بينكم وبين محمد ﷺ مودة حين لَمْ يخرجكم لتنالوا من الغنيمة، ثم ابتدأ فقال: يا ليتني. وقيل: بل الجملة في موضعها ومحلها النصب على الحال من الضمير في ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، والتقدير: ليقولن كائنًا في صورة من انتفت المودة بينكم وبينه.
والمنادَى هنا محذوف تقديره: يا هؤلاء، أو يا قوم ليتني كنت معهم. وقيل: المنادى ليس بمحذوف، وإنما المنادى هو التمني، ونداؤه كنداء الحسرة والعَجَب إذا قلتَ: يا حسرتا، ويا عجبا، و ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَأَفُوزَ﴾ الجمهور على النصب في ﴿فَأَفُوزَ﴾ على جواب التمني بالفاء، وأنْ معها مضمرة لا تظهر، وقرئ: (فأفوزُ) بالرفع (٣)، على أنه خبر مبتدأ محذوف بمعنى: فأنا أفوز في ذلك الوقت، وهو داخل أيضًا في التمني كالكون، ويبعد أن يكون عطفًا على ﴿كُنْتُ﴾، كما زعم الزمخشري (٤)، لاختلاف لفظهما، ولذلك نصب الجمهور على الجواب لكونه مصروفًا عن العطف محمولًا على تأويل المصدر، كأنه قيل: يا ليتني كان لي حضور معهم ففوز، اللهم إلَّا أن يريد عطف جملة على جملة لا الفعل على انفراده على الفعل؛ لأنَّ المستقبل لا يُعْطَف على الماضي.
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ
стр. 914
لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾:
قوله : ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء ومعناه التوبيخ، والخبر ﴿لَكُمْ﴾. و ﴿لَا تُقَاتِلُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الكاف والميم والعامل فيها ما تعلق به الخبر، أي: وما لكم غير مقاتلين؟
والمعنى: أي شيء لكم في ترككم القتال؟ وقيل التقدير: وما لكم في أن لا تقاتلوا؟ فلما حُذف (أن) رُفع الفعل.
وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه عطف على اسم الله جل ذكره، أي: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين؛ لأنَّ سبيل المستضعفين سبيل الله؟ .
والثاني: أنه عطف على السبيل، أي: في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، وهو في كلا التقديرين في موضع جر، وقيل: التقدير: وعن المستضعفين، أي: لا تقاتلون عن المستضعفين، يعني ذَبًا عنهم.
وقيل: فيه وجه آخر وهو أن يكون في موضع نصب على الاختصاص بمعنى: وأختص مِن سبيل الله خلاصَ المستضعفين، لأنَّ سبيل الله عام في كلّ خير (١).
وقوله: ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ وما عطف عليهم في محل النصب على الحال، أي: كائنين منهم، و (من) للتبيين.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ يحتمل أن يكون في موضع جر على النعت
стр. 915
للمذكورين، وأن يكون في موضع نصب بإضمار فعل.
قوله تعالى: ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ﴿أَهْلُهَا﴾ رفع بـ ﴿الظَّالِمِ﴾ وهو اسم فاعل عمل عمل الفعل، وانجر لأنه صفة جَرَتْ على ﴿الْقَرْيَةِ﴾ وإن كانت في المعنى للأهل، ولذلك ذُكِّر، والألف واللام فيه بمعنى التي، كأنه قيل: أخرجنا من هذه القرية التي ظلم أهلها، ولو قلت في الكلام: مررت بالقرية الصالح أهلها وأردت أن تؤنث الصفة فتقول: مررت بالقرية الصالحة أهلها، أو تجمعها فتقول: مررت بالقرية الصالحين أهلها لكان جائزًا، أما تأنيثها: فلا، لتأنيث الموصوف، ولكن لأمر آخر وهو أن الأهل يذكر ويؤنث. وأما جمعها: فعلى لغة من يقول: أكلوني البراغيث. و:
١٦١ - ...................... ... يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقارُبهْ (١)
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٢) على أحد الأوجه.
فكما يجوز أن تقول: التي صلَحُوا أهلُها، كذلك يجوز أن تقول: الصالحين أهلها، لكونها تجري مجراه في العمل على الشرط المعروف عند أرباب هذه الصناعة، فاعرفه فإنه موضع.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ
стр. 916
خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾:
قوله : ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ ﴿فَرِيقٌ﴾ مبتدأ، و ﴿مِنْهُمْ﴾ في موضع رفع لكونه نعتًا له، و ﴿يَخْشَوْنَ﴾ الخبر، وهو العامل في ﴿إِذَا﴾، و ﴿إِذَا﴾ هنا للمفاجأة.
والعامل في (لما) معنى الكلام، كأنه قيل: فلما كتب عليهم القتال جَزِعُوا أو جَبُنُوا، دل عليه معنى ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ﴾.
والكاف في ﴿كَخَشيَةِ اللَّهِ﴾ في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: خشية مثل خشية الله، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول من غير أن يذكر معه الفاعل، والأصل: من خشيتهم الله.
﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ عطف على (خشية الله) أي: كخشيةِ اللَّهِ أو كخشيةٍ أشدَّ خشيةً منها، فيكون مجرورًا إلَّا أنه لا ينصرف، ويحتمل أن يكون منصوبًا عطفًا على الكاف.
وقد جوز أن يكون محله النصب على الحال من الضمير في ﴿يَخْشَوْنَ﴾ أعني الكاف، أي: مشبهين لأهل خشية الله، ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ بمعنى: أو أشدَّ خشية من أهل خشية الله. و ﴿أَشَدَّ﴾ معطوف على الحال (١).
و﴿أَوْ﴾ هنا تحتمل أن تكون للإِبهام على المخاطب، بمعنى: لو رآهم راءٍ لقال هذا أو هذا، وأن تكون للإِباحة، بمعنى: إِنْ مَثَّلْتَ بالأول فأنت مصيب، وإن مَثَّلْتَ بالثاني فأنت مصيب، وإن مثلت بهما فكذلك، وأن تكون للتخيير (٢). و ﴿خَشيَة﴾: نصب على التمييز.
وقوله: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (فتيلًا) مفعول ثان، أي: ولا تُنْقَصُون
стр. 917
مقدار فتيل، أو أدنى شيء، وقد ذكر فيما سلف من الكتاب (١).
وقرئ: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بالتاء النقط من فوقه لقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾ (٢)، وبالياء النقط من تحته (٣)، لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ ... ﴾ الآية.
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾:
قوله : ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: في أي مكان كنتم، و ﴿أَيْنَمَا﴾ ظرف مكان فيه معنى الاستفهام ومعنى الشرط، ودخول (ما) فيه لمعنى الشرط، و ﴿تَكُونُوا﴾ جزم بالشرط.
والجمهور على جزم ﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ على جواب الشرط، وقرئ: بالرفع (٤) على إرادة الفاء، كأنه قال فيدرككم الموت. كقوله:
١٦٢ - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها ... ...................... (٥)
أي: فالله يشكرها، وهو بعيد - أعني الرفع - وكلام الله منه بريء.
الزمخشري: ويجوز أن يقال: حُملَ على ما يقع موقع ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾، وهو أينما كنتم، كما حُمِل: (وَلَا ناعب) على ما يَقَعُ موقِعَ (ليسوا
стр. 918
مصلحين) (١)، وهو: ليسوا بمصلحين، فرُفِعَ كما رَفَعَ زهيرٌ:
١٦٣ - .................... ... يقولُ لا غَائِبٌ مَالِيْ ولا حَرِمُ (٢)
وهو قولٌ نَحْوِيٌّ سِيْبَوِيٌّ (٣).
وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: وإن كنتم. والبروجُ: الحُصُونُ. ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾: مُطَوَّلَة، من شَاد البناء وشَيَّده، إذا رفعه.
والجمهور على فتح الياء مع التشديد، وقرئ: (مُشَيِّدَةٍ) بكسر الياء مشددة (٤) وصفًا لها بفعل فاعلها مجازًا واتساعًا، إذ لا لَبْسَ، وهو مذهب القوم يقولون: قَصيدةٌ شاعِرةٌ، ولَيلةٌ نائمةٌ، وإنما الشاعر ناظمها، والنائم غيرها.
وقرئ أيضًا: (مَشِيْدة) بفتح الميم وكسر الشين وبعدها ياء ساكنة (٥)، أي: رفيعة أو مطليَّةٌ، من شاد القصر، إذا رفعه أو طلاه بالشِّيدِ. والشِّيْدُ بالكسر: كلّ شيء طليت به الحائط من جِصٍّ أو مِلاطٍ، وبالفتح المصدر، والمَشِيدُ: المعمول بالشِيدِ (٦).
وقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (كلٌ) رفع بالابتداء، والمضاف إليه
стр. 919
محذوف، والتنوين عوض من المضاف إليه، أي: كلّ ذلك، والخبر ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ﴾ (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء، و (لهؤلاء) الخبر. و ﴿يَفْقَهُونَ﴾ في موضع نصب بخبر كاد.
و﴿لَا يَكَادُونَ﴾: في موضع نصب على الحال من ﴿هَؤُلَاءِ﴾، والعامل الاستقرار الذي تعلق به الخبر.
ومعنى ﴿يَفْقَهُونَ﴾: يفهمون، وفعله فَقِه يفقَه بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر فِقْهًا.
والفقه في اللغة: الفهم، وفي الشرع: العلم بالأحكام الشرعية، ثم خُصَّ به علم الشريعة، والعارف به فقيه، فاعرفه.
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾:
قوله : ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة (ما): كلاهما شَرْطٌ في موضع رفع بالابتداء، والخبر ما بعده، أي: إن تصبك حسنة فمن الله. وقيل: كلاهما موصول لأنَّها نزلت في شيء بعينه، وهو الخِصْبُ والجَدْبُ، والشرط بابه الإِبهام يجوز أن يكون وألا يكون (١).
والأول أمتن وعليه الأكثر؛ لأنَّ المعنى على العموم لا على الخصوص وإِن كان المراد بالآية ما ذكر وهو الخصب والجدب، ولذلك قيل: ﴿أَصَابَكَ﴾، ولم يقل: أَصبْتَ.
стр. 920
ومعنى ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾: فبذنبك، أي: من ذنبٍ أَذْنَبَتْهُ نفسُك فعُوقبْتَ عليه.
واختلف في الخطاب هنا فقيل: للنبي ﵊ والمراد به غيره (١) وقيل: للإِنسان، كأنه قيل: ما أصابك أيها الإنسان (٢).
وقوله ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ (رسولًا) يحتمل أن يكون حالًا مؤكِّدة؛ لأنَّ ذكر الإِرسال يغني عن ذكر الرسولي، أي: أرسلناك ذا رسالةٍ، وأن يكون مصدرًا على طريق التوكيد، أي: أرسلناك إرسالًا. و ﴿رَسُولًا﴾ بمعنى رسالة.
و﴿لِلنَّاسِ﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بأرسلنا، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿رَسُولًا﴾.
و﴿شَهِيدًا﴾: منصوب على التمييز، قال أبو إسحاق: لأنك إذا قلت: كفى بالله، ولم تبين في أي شيء الكفاية كنت مبهمًا (٣). وقيل: على الحال، ونظيره ﴿وَكِيْلًا﴾ (٤). والباء ﴿بِاللَّهِ﴾ صلة فيهما.
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾:
قوله : ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (حفيظًا) منصوب على الحال من الكاف في ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾. و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿حَفِيظًا﴾ بمعنى: فما أرسلناك إلّا نذيرًا لا حفيظًا ومهيمنًا عليهم، تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم، كقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٥).
стр. 921
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾:
قوله : ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ (طاعةٌ) خبر مبتدأ محذوف، أي: أَمْرُنا وشأنُنا طاعةٌ، أو بالعكس أي: عندنا أو مِنّا طاعةٌ (١). ولو نصبت على المصدر لجاز، أي: أطعناك طاعة (٢)، ونظيره قول صاحب الكتاب ﵀: وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حَمْدُ اللَّهِ وثناءٌ عليه، كأنه قال: أمري وشأني حمدُ اللَّه، ولو نَصَبَ: حمدَ اللَّهِ وثناءً عليه كان على الفِعْل (٣). واختير ما عليه الجمهور وهو الرفع؛ لأنه يدلُّ على ثبات الطاعة واستقرارها.
وقوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ (بَيَّتَ) جواب قوله: ﴿فَإِذَا﴾، وهو العامل في إذا. ﴿غَيْرَ﴾ مفعول (بيَّت)، والمستكن في ﴿تَقُولُ﴾ يحتمل أن يكون للنبي ﷺ على أنَّ الخطاب له، وأن يكون للطائفة على معنى قَدَّرَتْ طائفةٌ وسَوَّتْ ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ خلاف ما قلت وما أمرت به على جهة التكذيب، أو خلاف ما قالت وما ضَمِنت من الطاعة؛ لأنهم أبطنوا الرَدَّ لا القبولَ، والعصيانَ لا الطاعةَ، وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون، على ما فسر (٤).
واختلف في التبييت على وجهين:
أحدهما: أنه من البيتوتة؛ لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، يقال: هذا أمرٌ بُيِّت بليل.
стр. 922
والثاني: أنه من أبيات الشعر؛ لأنَّ الشاعر يدبرها ويسويها، فاعرفه فإنه من كلام الزمخشري (١).
وقرئ: (بَيَّتَ طائفةٌ) بالإِظهار وفتح التاء على الأصل؛ لأنه فعل ماض ولا حاجة تدعو إلى الإِسكان، وبالإدغام (٢) لكونهما من مخرج واحد، وأُسْكِنَتِ التاء لأجله؛ لأنه لا يتأتَّى الإِدغام إلّا بعد إسكان المدغم. وَذُكِّر الفعل في كلتا القراءتين؛ لأنَّ الطائفة في معنى الفريق والفوج.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة وما بعدها صلتها، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها، والراجع منها إليها محذوف، وأن تكون مصدرية فلم تحتج إلى العائد. والمعنى: أن الله تعالى يثبت ذلك في صحائف أعمالهم ليجازيهم عليه.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾:
قوله : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ الهمزة للإِنكار والتوبيخ، ومعنى يتدبرون القرآن: يتفكرون فيه وفي معانيه وأوامره ونواهيه، يقال: تَدَبَّرَ الأمر، إذا تأمله ونظر في أدباره وما يؤول إليه في عاقبته ومنتهاه، ثم استُعمل في كلّ تأمُّلٍ.
وفي هذه الآية دليل واضح على وجوب تعلم معاني القرآن، والخوض فيه والبحث عن فوائده وعجائبه، ولغاته وإعرابه، وغير ذلك من علومه التي لا تحصي، ولا سبيل إلى معرفة حقائقه إلّا بمعرفة العربية.
وقوله: ر ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ أي: لكان الكثير منه مختلفًا
стр. 923
متناقضًا. وإلاختلاف المنفي عن القرآن اختلاف التناقض والتفاوت، فأما اختلاف التلاوة كاختلاف وجوه القراءات، واختلاف [معانيها] نحو قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ (١)، ﴿كَأَنَّهَا جآنٌّ﴾ (٢) ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣)، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ (٤) وما أشبه هذا فليس بالاختلاف المذكور، وفيه كلام وتفصيل غير ذلك مما يطول الكتاب بذكره، ولا يليق ذكره هنا.
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾:
قوله : ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أَفْشَوْهُ، يقال: أَذاعَ السِّرَّ إِذاعَةً، وأَذَاعَ به، بمعنًى وأحدٍ. قال الشاعر:
١٦٤ - أذاعَ به في الناسِ حتى كأنهُ ... بِعَلْياءَ نارٌ أُوقِدَتْ بِثُقُوب (٥)
يقال: ذاعَ الخبرُ يَذيعُ ذَيْعًا، وأذاعه غيرُه، ورجل مِذْياعٌ لا يستطيع كتمان الخبر.
فإن قلت: الهاء في ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ إلى أي شيء يعود؟ قلت: قيل:
стр. 924
إلى الأمر، وقيل: إلى الخوف، وقيل: إليهما، وكذلك القول في الهاء التي في ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ (١).
والاستنباط في اللغة: الاستخراج، قال الرماني: يقال لكل ما استُخرج حتى تقع عليه رؤيةُ العيون، أو معرفةُ القلوبِ: قد استُنبط، ومنه النَّبِيط (٢): الماء الذي يُنْبَطُ من قعر البئر أول ما تُحفَرُ، وإنباطُ الماء واستنباطه: إخراجه واستخراجه.
وقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ أي: ولو ردوا الأمر إلى الرسول، يعني خبر الأمر، والمعنى: ولو سكتوا عنه حتى يكون الرسولط هو الذي يُخبِر به.
و﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي: إلى أمراء السرايا، وقيل: خَواصّ أصحاب الرسول ﷺ . وقيل: العلماء والفقهاء (٣).
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال إمّا من الموصول أو من الواو في ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ فيكون الضمير عائدًا إلى المنافقين، أو إلى الضعفة من المؤمنين على ما فسر (٤)، أي: لعلمه المستنبطون كائنين من جملتهم، وأن يكون من صلة قوله: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ فيكون الضمير عائدًا إلى الرسول ﷺ ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾، أي: لعلم صحته هؤلاء المذيعون، وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر، أي: يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم، يعني يسألونهم، فاعرفه فإنه موضع.
стр. 925
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذه يمتنع بها الشيء لوجود غيره. و ﴿فَضلُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبره محذوف، أي: واقع أو كائن. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: نصب على الاستثناء.
فإن قلت: ممَّ وقع الاستثناء؟ قلت: فيه أوجه:
أحدها: أنه مستثنى من ضمير الفاعلين في (اتبعتم)، أي: لولا إرسال الرسول وإنزال الكتب لبقيتم على الكفر إلّا قليلًا منكم.
والثاني: أنه مستثنى من الفاعل في (أذاعوا)، أي: أذاعوا به إلَّا قليلًا منهم.
والثالث: أنه مستثنى من فاعل (علمه)، أي لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلّا قليلًا.
والرابع: أنه مستثنى من فاعل (وجدوا)، على معنى: لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه الاختلافَ والتناقضَ إلّا قليلًا منهم، وهو مَن لا يُمعن النظرَ.
والخامس: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: لاتبعتم إلّا اتباعًا قليلًا (١).
﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾:
قوله : ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عطف على ما قبله، واختلف في المعطوف عليه، فقيل: هو ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ (٢)، وقيل: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا
стр. 926
تُقَاتِلُونَ﴾ (١)؛ لأنَّ فيه معنى الحث والأمر. وقيل: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ (٢).
وقيل: الفاء ليس بعاطفة هنا، وإنَّما هي جواب لشرط محذوف دل عليه قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... ﴾ الآية (٣). تقديره: إن أردتَ النجاةَ أو الأجرَ العظيمَ فقاتلْ (٤).
وقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ (لا تكلف) في موضع نصب على الحال من المستكن في ﴿فَقَاتِلْ﴾، و ﴿إِلَّا نَفْسَكَ﴾ مفعول ثان؛ لأنَّ كَلّف يتعدى إلى مفعولين، تقول: كلَّفتُ زيدًا كذا.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾ ﴿بَأْسًا﴾ منصوب على التمييز، ومثله ﴿تَنْكِيلًا﴾ أي: تعذيبًا، والتنكيل: تفعيل من النَّكَالِ وهو العذاب الذي يَنْكُلُ مَن رآه عن الفساد خوفًا من مِثْله، من نَكَلَ عن العدو وعن اليمين، أي: جَبُنَ، والناكل: الجبان الضعيف.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾:
قوله : ﴿كِفْلٌ مِنْهَا﴾ الكفل: الضِّعْفُ (٥). وقيل: النصيب الوافر، من قوله جل ذكره: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (٦). وقيل: الكفل:
стр. 927
الوِزر والإِثم، عن ابن عباس ﵄، وقتادة (١).
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ (مقيتًا) مُفْعِلٌ من أَقَاتَ على كذا، إذا اقْتَدَرَ عليه، قال الشاعر:
١٦٥ - ..................... ... وكنتُ على إِسَاءَتِهِ مُقِيتًا (٢)
وقيل: مقيتًا حفيظًا، وقيل: حَسيبًا، وقيل: شَهيدًا، وقيل: مُجازيًا. واشتقاقه فيما ذكر أبو إسحاق وغيره من القُوتِ؛ لأنه يمسك النفس ويحفظها (٣).
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾:
قوله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ تحية: تَفْعِلَة من حَيِيتُ، فنقلت حركة العين إلى الفاء، ثم أدغمت، وحَيُّوا: جواب (إذا). و (أحسن) لا ينصرف للوزن والصفة، والموصوف محذوف، أي: بتحية أحسن منها.
وقوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: ردوا مثلها، ثم حذف المضاف.
стр. 928
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ (حسيبًا) فَعِيلٌ من الحِسابِ؛ لأنَّ الله جل ذكره يحاسب عبيده على كلّ شيء من التحية وغيرها (١). وقيل: الحسيب: الكافي، من أَحْسَبَني الشيءُ، أي: كفاني (٢)، وفيه ما فيه لأجل ﴿عَلَى﴾ (٣). وقيل: الحسيب الحفيظ (٤)، وكلٌّ متقاربٌ في المعنى.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾:
قوله : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ اسم الله مبتدأ، و ﴿لَا إِلَهَ﴾ مبتدأ ثان وخبره محذوف، أي: لنا، أو في الوجود، و ﴿إِلَّا هُوَ﴾ بدل من موضع ﴿لَا إِلَهَ﴾ والجملة خبر عن اسم الله تعالى، وقد مضى الكلام على هذا في "البقرة" عند آية الكرسي بأشبع من هذا.
ولك أن تجعل الجملة معترضة والخبر ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، كأنه قيل: اللَّهُ واللَّهِ ليجمعنكم إلى يوم القيامة (٥)، وفيه تقديران: أحدهما - في يوم القيامة، والثاني - في الموت، أو الهلاك، أو في القبور إلى يوم القيامة، فتكون ﴿إِلَى﴾ على بابها.
стр. 929
وسميت الآخرةُ قِيامةً: إما لقيام الناس فيها حين يقومون من أجداثهم، أو لقيامهم فيها للحساب، كقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ يحتمل أن يكون في موضع نصب على الحال من يوم القيامة، وأن يكون نعتًا لمصدر محذوف تقديره: جمعًا لا ريب فيه، فالضمير في ﴿فِيهِ﴾ على الوجه الأول: لليوم، وعلى الثاني: للجمع، وقيل: نفي بمعنى النهي، أي: لا ترتابوا فيه (٢).
وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾: (مَن) استفهام، و ﴿حَدِيثًا﴾ منصوب على التمييز.
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾:
قوله : ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾: (ما) استفهام في موضع رفع بالابتداء معناه التوبيخ، والخبر ﴿لَكُمْ﴾، و ﴿فِئَتَيْنِ﴾ نصب على الحال من الكاف والميم، كما تقول: ما لك قائمًا؟ والعامل فيها الاستقرار (٣)، أو الظرف نفسه وهو ﴿لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿فِي الْمُنَافِقِينَ﴾ متعلق بمعنى فئتين، أي: ما لكم اختلفتم في شأن المنافقين وافترقتم فيهم فرقتين، والفئة: الفرقة، وما لكم لَمْ تَبُتُّوا القول بكفرهم، وقيل: هو متعلق بما تعلق به ﴿لَكُمْ﴾، وقيل: هو حال من ﴿فِئَتَيْنِ﴾، أي: فئتين مفترقتين في المنافقين، فلما قُدِّم نُصبَ على الحال.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ (ما) تحتمل أن تكون موصولة وما
стр. 930
بعدها صلتها، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها والراجع منها إليها محذوف، وأن تكون مصدرية فلم تحتج إلى الراجع، أي: بسبب كسبهم، وهو الكفر.
ومعنى ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾: نَكَّسَهُمْ وَردَّهم إلى حكم المشركين، عن ابن عباس ﵄ (١). والإِركاسُ والرَّكْسُ بمعنى واحد، وهو رَدُّ الشيءِ مَقلُوبًا.
وقوله: ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ (من): موصول منصوب بأن تهدوا.
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾:
قوله : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف. و (ما) مصدرية، أي: كفرًا ككفرهم.
وقوله: ﴿فَتَكُونُونَ﴾ عطف على ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، ولو نصبت على جواب التمني لجاز، وليس لأحد أن يقرأ به وإن كان جائزًا؛ لأنَّ القراءة سنة متبعة يأخذها الخلف عن السلف من غير تغييرٍ ولا ميل إلى اختيارٍ كما يزعم ذلك من لا معرفة له بالأثر من جهلة النحاة.
و﴿سَوَاءً﴾ مصدر في موضع اسم الفاعل، أي: فتكونون مستويين.
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾:
стр. 931
قوله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ (الذين) في موضع نصب على الاستثناء من الهاء والميم في قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ (١). ومعنى ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾: ينتهون إليهم ويتصلون بهم، وعن أبي عبيدة: هو من الانتساب (٢). وأُنكِر عليه ذلك؛ لأنَّ النسب لا يمنع من قتال الكفار، فقد قاتل رسول الله ﷺ بمن معه مَنْ هو من أنسبائهم (٣).
وقوله: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (ميثاق) رفع بالابتداء، والظرف خبره، أو بالظرف، والجملة في موضع الجر على النعت لقوم.
وقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ (أو جاءوكم) قد جوز أن يكون عطفًا على صفة ﴿قَوْمٍ﴾، والموصوف محذوف، والتقدير: إلَّا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم، وأن يكون عطفًا على صلة ﴿الَّذِينَ﴾ والتقدير: إلَّا الذين يتصلون بالمعاهدين، أو الذين لا يقاتلونكم (٤).
وأما ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ففيه أوجه:
أحدها: أنه في موضع نصب على الحال من الضمير في جاؤوا، وقد معه مرادة، أي: أو جاؤوكم قد حصرت صدورهم، كما تقول: أتاني فلان ذهب عقله، أي: قد ذهب عقله، تعضده قراءة من قرأ: (حَصِرَةً) بالنصب والتنوين وهو يعقوب وغيره (٥)، فنصبه على الحال من المضمر المرفوع في ﴿جَاءُوكُمْ﴾ كما تري، فالفعل للصدور وهو حال لهم، كما أن اللهو في قوله
стр. 932
عزَّ وجلَّ: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ (١) فعل للقلوب وحال لأصحابها (٢).
والثاني: أنه صفة لموصوف محذوف هو حال على تقدير: أو جاؤوكم قومًا حصرت صدورهم، كما تقول: هذا زيد قام، أي: هذا زيد رجلًا قام، فقام صفة لرجل، وهو حال، وجاز أن يكون الاسم حالًا؛ لأنَّ الصفة فعل، وإذا كانت الصفة فعلًا كان الموصوف في المعنى غيرَ اسمٍ مَحْضٍ، إلا ترى أنه يجري مجرى قولك: هذا زيد موصوفًا بالقيام، أو هذا مذكورًا بالقيام، ولولا ذلك لَمْ يجز؛ لأنَّ الحال يجب أن تكون متضمنة لمعنى الوصفية من حيث معناها الانتقال والتحول، وذلك لا يكون في الأسماء، إذ الرجل لا يكون امرأة، كما [لا] (٣) يكون الراكب راجلًا، وكذلك قوله جل ذكره: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي: جاؤوكم موصوفين بحصر الصدور، أو مذكورين بذلك، فاعرفه فإنه موضع.
والثالث: أنه بدل من ﴿جَاءُوكُمْ﴾، وهو بدل الاشتمال؛ لأنَّ المجيء يشتمل على الحصر وغيره فأوضح بالحصر.
والرابع: أنه دعاء عليهم (٤)، كأنه قيل: أحصر الله صدورهم، كقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٥) فعلى هذا الوجه لا موضع له من الإِعراب.
وأنكر أبو علي هذا الوجه وقال: لا يصح أن يكون ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ دعاء، لأنَّ بعده ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ وهذا أجمل أحواله أن يكون بمنزلة قولك: ضَيَّقَ اللَّهُ صدورهم من قتالكم، أو قتال
стр. 933
قومهم، وجعل الله مكروهًا لديهم أَحَدَ القتالين، وإذا قلتَ ذلك كنت قد دعوت في الجملة بأن تحصر صدورهم من قتال قومهم، وذلك لا يجوز؛ لأنه دعاء لهم من حيث إنهم إذا لَمْ يكرهوا قتال قومهم قويت شوكتهم، ولم يتبدد شملهم، وإنما ينبغي أن يكون الدعاء بأن يُحَبَّبَ إليهم قتال قومهم، نحو: جعل الله بأسهم بينهم، فاعرفه فإنه قول متين وبيان لطيف.
والخامس: أنه في موضع جر على أنَّه صفة بعد صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، و ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ جملة معترضة، والدليل عليه قراءة من قرأ: (إلَّا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم) بطرح ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ (١)، وقراءة من قرأ: (حَصِرَةٍ) بالجر والتنوين (٢).
فإن قلت: لَمْ لا يكون الماضي حالًا إلَّا ومعه (قد) مُظْهَرَة أو مضمرة؟ قلت: قيل: لأنَّ الحال ما حضر، والماضي منقطع منقضٍ، و (قد) يقرب الماضي من الحال، فإذا كانت معه جرى مجرى الحاضر، نحو: مررت بزيد يقوم، وهذا زيد يقوم، ومثل ذا قولهم: قد قامت الصلاة، وذلك أنهم لما قصدوا الإِخبار بأن الصلاة كأنها قائمة أتوا بقد، ليعلم أن القصد إشرافها على القيام.
ولو قيل: قامت الصلاة، كان الظاهر أنَّها قد انقطعت، فقد جرى قولهم: قد قامت الصلاة مجرى قولك: تقوم الصلاة، تريد الحال، كقولك: هذا زيد يقوم، فاعرفه فإنه موضع، وهو من دقائق أهل هذه الصناعة.
وقرئ: (جاءوكم) بغير أو (٣)، على أنْ يكون ﴿جَاءُوكُمْ﴾ بيانًا بـ
стр. 934
﴿يَصِلُونَ﴾، أو بدلًا، أو استئنافًا، أو صفة بعد صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾. ومعنى ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾: ضاقت صدورهم.
وقوله: ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ (٣) أي: عن أن يقاتلوكم، فتكون أن في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته. ولك أن تجعله مفعولًا من أجله، أي: كراهة أن يقاتلوكم.
وقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (لكم عليهم) كلاهما متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾، ولك أن تعلق ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بمحذوف على أنَّ تجعله حالًا على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿سَبِيلًا﴾.
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾:
قوله : ﴿يُرِيدُونَ﴾: في موضع نصب نعت لـ ﴿آخَرِينَ﴾.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾:
قوله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ موضع ﴿أَنْ يَقْتُلَ﴾ رفع بأنها اسم كان، و ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ الخبر، أي: وما صح له، ولا استقام، ولما لاقَ بحاله أن يقتل مؤمنًا ابتداءً غير قصاص.
وقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ فيه أوجه:
стр. 935
أحدهما: أنه استثناء منقطع، ولا يجوز أن يكون متصلًا بإجماع من أهل هذه الصناعة؛ لأنَّ في ذلك إباحة قتل الخطأ، والخطأ لا يصح فيه الإباحة، كما لا يصح فيه النهي؛ لأنه مرفوع عن الأمة بإجماع الأمة، بشهادة قوله ﵊: "رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنِسيان وما استكرهوا عليه" (١) و ﴿إِلَّا﴾ بمعنى لكن، أي: لكن على وجه الخطأ.
والثاني: أنه مفعول من أجله على معنى: ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلَّا للخطأ وحده؛ لأنَّ الخطأ لا يدخل تحت التكليف.
والثالث: أنه حال من المستكن في ﴿أَنْ يَقْتُلَ﴾، بمعنى: لا يقتله في حال من الأحوال إلّا في حال الخطأ.
والرابع: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: لكن قتلًا خطأ.
وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (من): شرط في موضع رفع بالابتداء، والخبر ما بعده، و ﴿خَطَأً﴾: نعت لمصدر محذوف، أي: قتلًا خطأ، ويحتمل أن يكون مصدرًا في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿قَتَلَ﴾، أي: مخطئًا.
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: الفاء جواب الشرط، وارتفاع (تحرير) على الابتداء، والخبر محذوف، أي: فعليه تحرير رقبة، أو بالعكس، أي: فالواجب تحرير رقبة. والتحرير: الإعتاق، والمصدر مضاف إلى المفعول كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (٢).
و(الخطأ) مقصور، وقد يمد، وبه قرأ بعض القراء: (خَطَاءً) (٣).
стр. 936
وقرئ أيضًا: (خَطًا) بوزن عَمًى (١)، وذلك يحتمل وجهين:
أن يكون حذف الهمزة حذفًا كقوله:
١٦٦ - * إن لَمْ أقاتل فَلْبِسُوني بُرقعًا (٢) *
وقراءة من قرأ: (إنها لَحْدَى الكُبَرِ) (٣)، وقولهم: جا، يَجِيْ، وسَا، يَسُو (٤). ونحو هذا لا يقدم عليه إلَّا بالسمع.
وأن يكون أبدل من الهمزة ألفًا فجرى مجرى المقصور، نحو: عصا، ورحى، وهذا أيضًا مسموع لا مَقِيسٌ، فاعرفه.
وقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ عطف على قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. والدية: واحدة الديات، والهاء عوض من المحذوف، تقول: وديت القتيل أديه، إذا أعطيت ديته، وأصلها: وِدْيَةٌ كعِدَة، وأصلها: وِعْدَةٌ، وزِنَةٍ وأصلها: وِزْنَةٌ، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا.
والدية هنا بمعنى المؤدَّاة، بشهادة قوله جل ذكره: ﴿مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، وإنما تسلَّم العين لا المعنى، ونحو هذا كثير في كلام القوم.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه استثناء ليس من الأول. والثاني: أنه منه متعلق بقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾، ومحله النصب إمّا على الظرف بتقدير حذف الزمان، كقولك: اجلس ما دام زيد جالسًا، أي: وتجب عليه الدية إلّا حين يتصدقون عليه، أو على الحال من أهله،
стр. 937
أي: وتجب عليه دية مسلمة إلى أهله إلّا متصدقين، على معنى: وتجب عليه دية في كلّ حال إلّا في حال المتصدق عليه بها.
وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ﴾ ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾ في موضع نصب بخبر كان، واسمها مضمر فيها، أي: فإن كان المقتول. و ﴿عَدُوٍّ﴾ صفة لي ﴿قَوْمٍ﴾.
وفي ﴿لَكُمْ﴾ وجهان، أحدهما: صفة لعدو. والثاني: متعلق به؛ لأنَّ عدوًا في معنى معادٍ، وفعول يعمل عمل فاعِلٍ.
وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ أي: فعليه صيام شهرين.
وقوله: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مفعول من أجله، أي: شرع الله ذلك لكم توبةً منه، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه، وقيل: هو مصدر منصوب بفعل محذوف، أي: تاب الله عليكم توبة (١). ولو قرئ (توبةٌ) بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: ذلك توبةٌ، لكان جائزًا (٢).
و﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع النصب على النعت لتوبة.
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾:
قول : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (من) شرط في موضع رفع بالابتداء، والخبر الشرط والجزاء، أو الجزاء على الخلاف المشهور المذكور في غير موضع. و ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ منصوب على الحال من المستكن في ﴿يَقْتُلْ﴾.
стр. 938
وقوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ابتداء وخبر، والفاء جواب الشرط.
و﴿خَالِدًا﴾: منصوب على الحال؛ واختلف في ذي الحال والعامل، فقيل: كلاهما محذوف دل عليه ﴿فَجَزَاؤُهُ﴾، تقديره: جازاه الله خالدًا، يعضده: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ﴾، فكما أن هذا ماض كذلك تُقَدِّرُ المحذوف (١).
وقيل: هو حال من الضمير المجرور في ﴿فَجَزَاؤُهُ﴾ وهو العامل في الحال، كما تقول: ضَرْبُ زيدٍ شديدٌ قائمًا، فقائمًا حال من زيد، والعامل فيها المضاف، وأبى ذلك صاحب القول الأول؛ لكونه حالًا من المضاف إليه مع الفصل بين ذي الحال والحال بخبر المبتدأ (٢).
ومذهب أهل السنة أن قاتل المؤمن عمدًا له توبة، وقوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ إخبار بأن هذا جزاؤه، ولم يخبر بأنه موصل إليه أو لا يوصل إليه. قيل: والآية وإن كانت في سبب خاص فلفظها عام، وتجري على عموم اللفظ عند أكثر أهل العلم دون خصوص السبب، فلذلك تكلموا في هذا الوعيد: فبعضهم ذهب إلى أن المراد تغليظ الوعيد، والمعنى: فجزاؤه جهنم خالدًا فيها من عظم ما ارتكبه، لكنه تعالى أخبر أنه لا يجازيه هذا الجزاء بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وأما الغضب واللعنة والعذاب العظيم، فالكل ثابت لأنه أخبر عن وقوعه بلفظ الماضي.
وبعضهم قال: فيه إضمار الشرط والتقدير: فجزاؤه جهنم خالدًا فيها إن جازاه.
стр. 939
وقيل: الإضمار في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ مُسْتَحِلًّا لقتله؛ لأنه إذا اسْتَحَلّ قتل المؤمن فهو كافر فيخلد في النار.
وقيل معناه: ومن يقتل مؤمنًا لإيمانه، كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ أي: لزناهما، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أي: لسرقتهما. ومن قتل مؤمنًا لإيمانه فهو كافر. وفيه أخبار وأحاديث لا يليق ذكرها ههنا (١).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾:
قوله : ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ قرئ: بالباء والياء والنون، من التبين، وبالتاء والثاء والباء، من التثبت (٢)، وهما من التفعل بمعنى الاستفعال، أي: اطلبوا بيان الأمر وثباته ولما تقدموا عليه من غير روية، وفي الحديث "التَبَيُّنُ من الله والعجلة من الشيطان فتبينوا" (٣).
وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ﴾:
стр. 940
﴿وَلَا تَقُولُوا﴾: عطف على ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. ﴿لِمَنْ﴾: مَن تحتمل أن تكون موصولة وما بعدها صلتها، وأن تكون موصوفة وما بعدها صفتها، والراجع منها إليها المستكن في ﴿أَلْقَى﴾.
وقرئ: (السَّلَم) بفتح السين واللام من غير ألف بعدها، (والسلام) بفتحها وألف بعدها (١)، فالحذف بمعنى الانقياد والاستسلام، والإِثبات بمعنى التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام، وقيل: هما بمعنى الانقياد والاستسلام (٢).
والجمهور على كسر الميم الواقعة قبل النون وهو من الإِيمان الذي هو ضد الكفر، وقرئ: (مؤمَنًا) بفتحها (٣)، وهو من الأمان الذي هو ضد الخوف، أي: لا نُؤْمِنُكَ، فهو اسم المفعول من آمَنَهُ، تقول: أَمِنْتُ فأنا آمِنٌ، وآمنت غيري فأنا مُؤْمِنٌ وذاك مُؤْمَنٌ، من الأمن والأمان.
و﴿تَبْتَغُونَ﴾: في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾، أي: ولا تقولوا مبتغين عرض الدنيا، أي: طالبين الغنيمة التي هي حُطام الدنيا على ما فسر (٤)، والابتغاء: الطلب.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ (كنتم) كان واسمها، وخبرها: ﴿كَذَلِكَ﴾، و ﴿مِنْ﴾ متعلقة بمعنى الاستقرار.
стр. 941
وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تكرير الأمر بالتبين على وجه التأكيد، وأنه مَعْنِيٌّ به جدًّا، فعليكم به.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: (كان) في حق الله تعالى يفيد الدوام، و (ما) تحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، وهذه جملة مستأنفة ولذلك كسرت إن.
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾:
قوله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (من المؤمنين) في محل النصب على الحال إما من ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، أو من المستكن فيه، والعامل على الوجه الأول: ﴿يَسْتَوِي﴾، وعلى الثاني: ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، والألف واللام بمعنى الذي.
وقرئ: (غير) بالحركات الثلاث (١)، فالرفع صفة لـ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾؛ لأنهم لَمْ يقصد بهم قوم بأعيانهم، والنَصْبُ استثناءٌ منهم، أو حال عنهم؛ لأنَّ لفظهم لفظ المعرفة، والجر صفة ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
والضرر: المرض أو العاهة من عَمًى أو عَرَجٍ أو زَمانة، أو نحوها على ما فسر (٣).
стр. 942
و ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ﴾: عطف على ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، و ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ و ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾ كلاهما متعلق بالمجاهدين.
وقوله: ﴿دَرَجَةً﴾ اختلف في نصبها:
فقيل: نصبت لوقوعها موقع المرة من التفضيل، كأنه قيل: فضلهم تفضيلة، ونظيره قولك: ضَرَبَهُ سَوْطًا، بمعنى ضربه ضربة.
وقيل نصبت على الحال من المجاهدين، وفي الكلام حذف مضاف، أي: فضلهم ذوي درجة.
وقيل: نصبت على إسقاط الجار، أي: فضلهم بدرجة.
وقيل: نصبت على الظرف لوقوعها موقعه، أي: فضلهم في درجة ومنزلة.
وقيل: نصبت لكونها مفعولًا ثانيًا ولـ ﴿فَضَّلَ﴾ على تضمين التفضيل معنى الإِعطاء (١).
وقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (وعد) يتعدى إلى مفعولين، تقول: وعدت زيدًا كذا، فالمفعول الأول (كُلًّا)، والتنوين عوض من المضاف إليه، و ﴿الْحُسْنَى﴾ الثاني، أي: فكل فريق أو طائفة من القاعدين والمجاهدين وَعَدَ الله الحسني، أي: المثوبة الحسني، وهي الجَنَّة على ما فسر (٢).
والجمهور على نصب قوله: ﴿وَكُلًّا﴾؛ في لما ذكرت، وقرئ: (وكلٌّ) بالرفع (٣)، على الابتداء، والخبر ما بعده من الجملة، والمفعول الأول
стр. 943
لـ ﴿وَعَدَ﴾ محذوف، وهو ضمير راجع إلى (كل) تقديره: وكُلٌّ وَعَدَهُمْ، أو: وَعَدَهْ اللَّهُ الحسنَى.
وقوله: ﴿أَجْرًا﴾ اختلف في نصبه أيضًا:
فقيل: نصب على المصدر من غير لفظ فعله؛ لأنَّ قوله عز اسمه: (فضّلهم) في معنى: أجَرَهُم أَجْرًا.
وقيل: نصب على أنَّه مفعول به على تضمين فضّل معنى أعطى.
وقيل: نصب على حذف الجار وهو الباء أي: بأجر.
﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾:
قوله : ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نَصْب على البدل من أجْرٍ، وقيل: نصبت على الحال، أي: ذوي درجات، وقيل: نصبت لوقوعها موقع المرات من التفضيل، كأنه قيل: وفضلهم تفضيلات، وقيل: نصبت على الظرف لوقوعها موقعه، أي: فضلهم في درجات ومنازل، وقيل: نصبت على أنَّها توكيد لقوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ لأنَّ الأجر العظيم هو رفع الدرجات.
وقوله: ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ نصبهما على المصدر بإضمار فعلهما، كأنه قيل: وفَضَّلَهُمْ عليهم بكذا وكذا وغفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة. وقيل: نصبهما بفعل مضمر دل عليه معنى الكلام، كأنه قيل: وجزاهم مغفرة ورحمة.
ويجوز في العربية رفع ﴿دَرَجَاتٍ﴾ وما عطف عليها على إضمار مبتدأ، أي: تلك درجاتٌ (١).
стр. 944
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: (توفاهم) فعل مضارع، وأصله: تتوفاهم بتاءين حذفت إحداهما كراهية اجتماع المِثْلين في صدر الكلمة، ويحتمل أن يكون ماضيًا، وذُكِّر على إرادة الجمع كقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (١) وتعضد الأول قراءة من قرأ: (إن الذين تّوفاهم) بتشديد التاء، وهو البزي عن ابن كثير (٢)، وقراءة من قرأ: (تُوفاهم) بضم التاء، وهو مضارع وَفَّيْتُ، ومعنى هذه: أن الله تعالى يُوَفِّي الملائكة أنفسهم فيتوفَّونها، أي: يمكّنهم من استيفائها فيستوفونها، وهو إبراهيم (٣)، وتنصر الثانية قراءة من قرأ: (توفتْهم) بتاء ساكنة مكان الألف (٤).
وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (ظالمي) نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾: أي: ظالمين أنفسهم، ثم حُذِف النون وأضيف، والإِضافة غير محضة، وإنما ظلموا أنفسهم لأنهم تركوا الهجرة، وقيل: أبطنوا الكفر (٥).
وقوله: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾؛ أي: قالت الملائكة للمتوفَّين: في أي شيء كنتم من أمر دينكم حين خرجتم مع المشركين، أفي الكفر كنتم أم في الإسلام؟
стр. 945
واختلف في خبر إن على وجهين:
أحدهما: ﴿قَالُوا﴾ والراجع محذوف، والتقدير: قالوا لهم، وحذف ذلك للعلم به.
والثاني: قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ وما اتصل به. ودخلت الفاء لما في ﴿الَّذِينَ﴾ من الإِبهام الذي يشبه الشرط، و ﴿إِنَّ﴾ لا تمنع من ذلك؛ لأنَّها لا تغير معنى الابتداء، و ﴿قَالُوا﴾ على هذا الوجه في محل النصب على الحال من الملائكة الذين مُكِّنوا من قبض أرواحهم في حال ظلمهم أنفسهم، وقد معه مرادة على المذهب المنصور (١).
و﴿فِيمَ﴾ في موضع نصب بخبر كان، والأصل: فيما، فحذفت الألف من (ما) للفرق بين الاستفهام والخبر، وقد ذكر في غير موضع فيما سلف من الكتاب (٢).
وقوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ فيه معنى التوبيخ، وُبِّخُوا بأنهم لَمْ يكونوا في شيء من الدين، حيث قَدَرُوا على المهاجرة ولم يهاجروا، ولهذا اعتذروا واعْتَلُّوا بالاستضعاف، فقالوا: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، و ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ من صلة ﴿مُسْتَضْعَفِينَ﴾.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ استفهام فيه معنى التوبيخ والتبكيت.
﴿فَتُهَاجِرُوا﴾ نصب على جواب الاستفهام.
﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: (مصيرًا) نصب على التمييز، وحكم ساء حكم بئس وقد ذكر (٣).
стр. 946
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ نصب على الاستثناء من الهاء والميم في ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ (١)، استثنى تعالى من أهل الوعيد المستضعفين الذين لا يستطيعون حِيلةً في الخروج لفقرهم وعجزهم وعدم معرفتهم بالمسالك، والاستثناء منقطع؛ لأنَّ المستثنى منهم عصاة بالتخلف عن الهجرة مع القدرة، و ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ عاجزون عنها لعدم القدرة، فلذلك كان منقطعًا، فاعرفه.
و﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾: في محل النصب على الحال من ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أو من المستكن فيهم والعامل على الوجه الأول في الحال: العامل في المستثنى، وعلى الثاني: ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾.
وقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: في محل النصب أيضًا على الحال من ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، وكذلك ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، وقيل: هي صفة للمستضعفين أو للرجال والنساء والولدان، وإنما جاز ذلك والجمل نكرات؛ لأنَّ الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس لشيء بعينه (٢).
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾:
قول : ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾ ﴿يَجِدْ﴾ مجزوم على جواب الشرط. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بيجد. ﴿مُرَاغَمًا﴾ منصوب بيجد.
قيل: والمراغَم: المُهاجَرُ والطريق، يراغم الرجل بسلوكه قومه،
стр. 947
أي: يفارقهم على رغم أنوفهم، يقال: راغم فلان قومه، إذا نابذهم وخرج عنهم، وهم يكرهون مفارقته لمذلة تلحقهم بذلك (١).
وقيل: كان الرجل إذا أسلم عادى قومه وهجرهم، فسُمِّيَ خروجُه مُراغَمًا، وسُمِّي مسيرُهُ إلى رسول الله ﷺ هجرةً (٢). فقول القائل: راغمت فلانًا، معناه: هجرته وعاديته، كأنه لا يبالي به وإن لصقَ أنفُه بالرَّغَام، وهو التراب (٣).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ (مُهَاجِرًا): منصوب على الحال من المستكن في ﴿يَخْرُجْ﴾، و ﴿إِلَى﴾ متعلق بقوله: ﴿مُهَاجِرًا﴾.
والجمهور على جزم ﴿يُدْرِكْهُ﴾ عطفًا على ﴿يَخْرُجْ﴾، وقرئ: (ثم يدركُه) بالرفع (٤)، على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي: ثم هو يدركه، وقيل: رَفْعُ الكافِ منقول من الهاء، كأنه أراد أن يقف عليها، ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف كقوله:
١٦٧ - * مِنْ عَنَزِيٍّ سبَّنِي لَمْ أَضْرِبُهْ (٥) *
وقرئ: (ثم يدركَه) بالنصب (٦) على إضمار أن؛ لأنه لَمْ يعطفه على
стр. 948
الشرط لفظًا، فعطفه عليه معنى (١).
وقوله: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الفاء جواب الشرط، ومحل قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ النصب على الحال من الأجر، أي: فقد وجب ثوابه محسوبًا على فضل الله، فحذف المضاف، وحقيقة الوجوب في لغة القوم: الوقوع والسقوط، ومنه: وجب الميت، إذا سقط ومات، ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٢)، ومنه: خرج القوم إلى مواجبهم، أي: مصارعهم (٣)، ووجبت الشمس، إذا غابت وسقط قُرْصها.
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾:
قوله : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (عليكم) خبر ليس، وأن في موضع نصب على تقدير حذف الجار، أي: في أن تقصروا، ومثله ﴿أَنْ تَضَعُوا﴾، وهو متعلق بجناح.
стр. 949
والقصر والإقصار والتقصير لغات بمعنًى، وقد قرئ بهن (١)، فتَقْصُرُوا من قَصُرَ، وتُقْصرُوا من أقصر، وتُقَصِّرُوا من قَصَّرَ.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّلَاةِ﴾ في موضع نصب على أنَّه صفة لموصوف محذوف تقديره: أن تقصروا شيئًا من الصلاة. هذا مذهب صاحب الكتاب ﵀ (٢). ولك أن تجعل (من) مزيدة على قول من جوز ذلك (٣)، أي: أن تقصروا الصلاة.
وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ أي: خفتم فتنتهم. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: فَتَنْتُهُ، وتميم وربيعة وقيس وأسد يقولون: أَفْتَنْتُهُ (٤). وَفَرَّقَ الخليل وصاحب الكتاب بينهما فقالا: يقال: فتنته، إذا جعلت فيه فتنة ككحلتُهُ، وأفتنتُه، إذا جعلته مُفْتَتِنًا (٥).
وعن الأصمعي: لا أعرف أفتنتُهُ (٦).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ كان للدوام، وقيل: كانوا في علم الله أعداء لكم، و ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بعدو، وهو بمعنى أعداء. وقيل: عدو مصدر على فعول كالولوع، فلذلك لَمْ تجمع، و ﴿لَكُمْ﴾ على هذا الوجه حال على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿عَدُوًّا﴾، وفي الكلام حذف المضاف، أي: ذَوِي عَدُوٍّ (٧).
стр. 950
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾:
قوله : ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أحوال من الضمير في ﴿فَاذْكُرُوا﴾، أي: قائمين وقاعدين ومضطجعين؛ لأنَّ الإنسان لا يخلو من إحدى هذه الأحوال، فالقيام للصمحيح، والقعود للمريض الذي لا يستطيع القيام، والاضطجاع للذي لا يستطيع الجلوس على ما فسر (١).
وقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ الهمزة لام الكلمة ووزنها افْعَلَلَّ تقول: اطمأن يطمئن اطمئنانًا وطمأنينة. وأصل اطمأنَّ اطمأنن، فألقيت حركة النون على الهمزة وأدغمت النون في النون، وأما طَأْمَنَ رَأْسَهُ فأصلٌ آخرُ، وفيه نظر (٢).
وقوله: ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ كان: هنا للدوام، أي: لا تزال كذلك، وقيل: كانت كذلك قبل أن خلقهم الله.
و﴿مَوْقُوتًا﴾ مفعول، من وَقَتَهُ فهو موقوت، إذا بَيَّنَ للفعل وقتًا يفعل فيه، بمعنى وقَّتَهُ، والتوقيت: تحديد الأوقات، يقال: وقّته ليوم كذا، مِثْلُ أَجَّلْتُهُ أجلًا، أي: محدودًا بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حال كنتم: خَوْفٍ أو أَمْنٍ.
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾:
قول : ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: ولا تضعفوا في طلب العدو بالقتال، من وَهَنَ يَهِنُ، إذا ضَعُفَ، أي: لا تخافوا فيكون الخوف سبب ضعفكم.