﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ نصب على الاستثناء من الهاء والميم في ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ (١)، استثنى تعالى من أهل الوعيد المستضعفين الذين لا يستطيعون حِيلةً في الخروج لفقرهم وعجزهم وعدم معرفتهم بالمسالك، والاستثناء منقطع؛ لأنَّ المستثنى منهم عصاة بالتخلف عن الهجرة مع القدرة، و ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ عاجزون عنها لعدم القدرة، فلذلك كان منقطعًا، فاعرفه.
و﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾: في محل النصب على الحال من ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أو من المستكن فيهم والعامل على الوجه الأول في الحال: العامل في المستثنى، وعلى الثاني: ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾.
وقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: في محل النصب أيضًا على الحال من ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، وكذلك ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، وقيل: هي صفة للمستضعفين أو للرجال والنساء والولدان، وإنما جاز ذلك والجمل نكرات؛ لأنَّ الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس لشيء بعينه (٢).
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾:
قول : ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾ ﴿يَجِدْ﴾ مجزوم على جواب الشرط. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بيجد. ﴿مُرَاغَمًا﴾ منصوب بيجد.
قيل: والمراغَم: المُهاجَرُ والطريق، يراغم الرجل بسلوكه قومه،
стр. 947
أي: يفارقهم على رغم أنوفهم، يقال: راغم فلان قومه، إذا نابذهم وخرج عنهم، وهم يكرهون مفارقته لمذلة تلحقهم بذلك (١).
وقيل: كان الرجل إذا أسلم عادى قومه وهجرهم، فسُمِّيَ خروجُه مُراغَمًا، وسُمِّي مسيرُهُ إلى رسول الله ﷺ هجرةً (٢). فقول القائل: راغمت فلانًا، معناه: هجرته وعاديته، كأنه لا يبالي به وإن لصقَ أنفُه بالرَّغَام، وهو التراب (٣).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ (مُهَاجِرًا): منصوب على الحال من المستكن في ﴿يَخْرُجْ﴾، و ﴿إِلَى﴾ متعلق بقوله: ﴿مُهَاجِرًا﴾.
والجمهور على جزم ﴿يُدْرِكْهُ﴾ عطفًا على ﴿يَخْرُجْ﴾، وقرئ: (ثم يدركُه) بالرفع (٤)، على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي: ثم هو يدركه، وقيل: رَفْعُ الكافِ منقول من الهاء، كأنه أراد أن يقف عليها، ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف كقوله:
١٦٧ - * مِنْ عَنَزِيٍّ سبَّنِي لَمْ أَضْرِبُهْ (٥) *
وقرئ: (ثم يدركَه) بالنصب (٦) على إضمار أن؛ لأنه لَمْ يعطفه على
стр. 948
الشرط لفظًا، فعطفه عليه معنى (١).
وقوله: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الفاء جواب الشرط، ومحل قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ النصب على الحال من الأجر، أي: فقد وجب ثوابه محسوبًا على فضل الله، فحذف المضاف، وحقيقة الوجوب في لغة القوم: الوقوع والسقوط، ومنه: وجب الميت، إذا سقط ومات، ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٢)، ومنه: خرج القوم إلى مواجبهم، أي: مصارعهم (٣)، ووجبت الشمس، إذا غابت وسقط قُرْصها.
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾:
قوله : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (عليكم) خبر ليس، وأن في موضع نصب على تقدير حذف الجار، أي: في أن تقصروا، ومثله ﴿أَنْ تَضَعُوا﴾، وهو متعلق بجناح.
стр. 949
والقصر والإقصار والتقصير لغات بمعنًى، وقد قرئ بهن (١)، فتَقْصُرُوا من قَصُرَ، وتُقْصرُوا من أقصر، وتُقَصِّرُوا من قَصَّرَ.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّلَاةِ﴾ في موضع نصب على أنَّه صفة لموصوف محذوف تقديره: أن تقصروا شيئًا من الصلاة. هذا مذهب صاحب الكتاب ﵀ (٢). ولك أن تجعل (من) مزيدة على قول من جوز ذلك (٣)، أي: أن تقصروا الصلاة.
وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ أي: خفتم فتنتهم. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: فَتَنْتُهُ، وتميم وربيعة وقيس وأسد يقولون: أَفْتَنْتُهُ (٤). وَفَرَّقَ الخليل وصاحب الكتاب بينهما فقالا: يقال: فتنته، إذا جعلت فيه فتنة ككحلتُهُ، وأفتنتُه، إذا جعلته مُفْتَتِنًا (٥).
وعن الأصمعي: لا أعرف أفتنتُهُ (٦).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ كان للدوام، وقيل: كانوا في علم الله أعداء لكم، و ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بعدو، وهو بمعنى أعداء. وقيل: عدو مصدر على فعول كالولوع، فلذلك لَمْ تجمع، و ﴿لَكُمْ﴾ على هذا الوجه حال على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿عَدُوًّا﴾، وفي الكلام حذف المضاف، أي: ذَوِي عَدُوٍّ (٧).
стр. 950
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾:
قوله : ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أحوال من الضمير في ﴿فَاذْكُرُوا﴾، أي: قائمين وقاعدين ومضطجعين؛ لأنَّ الإنسان لا يخلو من إحدى هذه الأحوال، فالقيام للصمحيح، والقعود للمريض الذي لا يستطيع القيام، والاضطجاع للذي لا يستطيع الجلوس على ما فسر (١).
وقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ الهمزة لام الكلمة ووزنها افْعَلَلَّ تقول: اطمأن يطمئن اطمئنانًا وطمأنينة. وأصل اطمأنَّ اطمأنن، فألقيت حركة النون على الهمزة وأدغمت النون في النون، وأما طَأْمَنَ رَأْسَهُ فأصلٌ آخرُ، وفيه نظر (٢).
وقوله: ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ كان: هنا للدوام، أي: لا تزال كذلك، وقيل: كانت كذلك قبل أن خلقهم الله.
و﴿مَوْقُوتًا﴾ مفعول، من وَقَتَهُ فهو موقوت، إذا بَيَّنَ للفعل وقتًا يفعل فيه، بمعنى وقَّتَهُ، والتوقيت: تحديد الأوقات، يقال: وقّته ليوم كذا، مِثْلُ أَجَّلْتُهُ أجلًا، أي: محدودًا بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حال كنتم: خَوْفٍ أو أَمْنٍ.
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾:
قول : ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: ولا تضعفوا في طلب العدو بالقتال، من وَهَنَ يَهِنُ، إذا ضَعُفَ، أي: لا تخافوا فيكون الخوف سبب ضعفكم.
стр. 951
﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾: (إن) شرطية، وقريء: (أن تكونوا) بفتح الهمزة (١)، بمعنَى: ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون.
وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ﴾ على قراءة الكسر (٢) جواب الشرط، وتعليل على قراءة الفتح.
والجمهور على فتح تاء ﴿تَأْلَمُونَ﴾، وقرئ: (تِيلمون) بكسر التاء وقلب الهمزة ياء (٣)، لسكونها وانكسار ما قبلها تنبيهًا على عين الفعل الذي هو أَلِمَ، وهي لُغَيَّةٌ، وقد تقدم القول فيه فيما سلف، والألم: الوجع، تقول: أَلِمَ يَأْلَمُ أَلَمًا.
وقوله: ﴿كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، و (ما) مصدرية، أي: ألمًا مثل ألمكم.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾:
قوله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (بالحق) في محل النصب على الحال من الكتاب، وهي حال مؤكدة، كقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ (٤).
وقوله: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ أي: بما عَرَّفَكَ الله وعلَّمكَ، وهو من الرأي الذي هو الاعتقاد.
стр. 952
وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (خصيمًا) فعيل بمعنى مفاعل، واللام على بابها، أي: ولا تكن لأجل الخائنين مخاصمًا لِلبرآء، وقيل: اللام بمعنى عن، أي: ولا تكن مخاصمًا دافعًا عن خائن (١). [والخصومة هي التنازع على سبيل المخالفة.
﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾:
قوله : ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يخونون أنفسهم بخيانتهم لغيرهم، فإن وبال خيانتهم عائد على أنفسهم، فكأنهم خانوها، والمجادلة المحاجّة فيما فيه خلاف، من الجدل وهو الفتل، يقال: جَدَلْتُ الحبلَ أَجْدُلُهُ جَدْلًا، إذا فَتَلْتَهُ فتلًا محكمًا، لأن فيه فتل الخصم عن مذهبه، فاعرفه] (٢).
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾:
قوله : ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا، أي: هم يستخفون، وأن يكون في موضع النصب على النعت لِخَوِّانٍ (٣) حملًا على المعنى، إذ المراد به الجنس والكثرة.
وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (وهو معهم): ابتداء وخبر، و ﴿إِذْ﴾ متعلق بما تعلق به ﴿مَعَهُمْ﴾، و ﴿يُبَيِّتُونَ﴾ يدبرون ويتفكرون، وأصله أن يكون بالليل، قال أبو إسحاق: كل ما فُكِّر فيه، أو
стр. 953
خِيض فيه بليلٍ فقد بُيِّت (١).
﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: من المَقُول؛ لأن نفس القول لا يبيّت.
﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾:
قوله : ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ (ها) فيهما للتنبيه، و (أنتم أولاء) مبتدأ وخبر، و ﴿جَادَلْتُمْ﴾ خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون حالًا، وقد معه مرادة (٢)، والعامل فيها معنى التنبيه.
ولك أن تجعل (أولاء) موصولًا بمعنى الذين، و ﴿جَادَلْتُمْ﴾ صلته، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب (٣).
وقوله: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ﴾ (مَن) استفهام في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿يُجَادِلُ﴾ وما تعلق به، [والاستفهام ها هنا معناه النفي، والمراد به التوبيخ] (٤).
﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ مِثْلُها عَطْفٌ عليها، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بوكيل، والوكيل هنا: الحافظ المحامي من بأس الله وانتقامه.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾:
قوله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾: (أو يظلم) عطف
стр. 954
على ﴿يَعْمَلْ﴾ والمعنى: ومن يظلم غيره، أو يظلم نفسه.
﴿يَجِدِ اللَّهَ﴾: جواب الشرط، والتقدير غفورًا رحيمًا له، ثم حذف (له) للعلم به.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾:
قوله : ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ للإِثم، وقيل: للخطيئة (١)، وذكّر حملًا على المعنى لأنها إثم، وإنما وُحِّدَ الضمير؛ لأن ﴿أَوْ﴾ لأحد الشيئين، كأنه قيل: ثم يرم بأحدهما (٢).
﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا﴾: لأنه بكسب الإِثم آثم، وبِرَمْيِ البريء باهت، فهو جامع بين الأمرين، [والبُهْتانُ: الكذب الذي يبهت المواجه به لعظمة بهته، فهو باهت وبهات، والمخاطب مبهوت، أي حمل كذبًا عظيمًا].
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾:
قوله : ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ (من) مزيدة، وإنما جيء بها لنفي استغراق الضرر، كأنه قيل: وما يضرونك ضررًا، ثم أوقع شيء موقعه، فهو في موضع نصب لوقوعه موقع المصدر.
стр. 955
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾:
قوله : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ﴾ ﴿لَا خَيْرَ﴾ في موضع رفع باللابتداء، و ﴿فِي كَثِير﴾ الخبر.
و﴿مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾: في موضع النعت لكثير. والنجوى: اسم لما يتناجون به، أي: من تناجيهم، [وهو السر، والنجوى: السر، يقال: نجوت فلانًا نجوىً، إذا ساررته، وصاحب السر أيضًا، وقد جوز الفراء أن تكون النجوى عينًا ومعنى، وهو يقع على الواحد والاثنين والجمع، أعني النجوى] (١).
﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾: (مَن) يحتمل أن يكون في موضع جر على البدل من ﴿نَجْوَاهُمْ﴾ وفي الكلام حذف مضاف، أي: لا خير في نجواهم إلّا نجوى من أمر، وأن يكون في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، بمعنى: ولكِن من أمر بكذا فإنَّ في نجواه الخير؛ لأن ﴿مَنْ﴾ ليس من جنس التناجي [ومَن جعل النجوى: المتناجيين، كان الاستثناء متصلًا، وكان ﴿مَنْ﴾ في موضع جر، وكان مستثنى من كثير أي: إلا الأمر بالصدقة. أو نصب، أي: إلا الأمر. وقد جوز أن يكون في موضع رفع والتقدير: لكن من أمر بصدقة ففيه خير] (٢).
وقوله: ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ (بين) يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿إِصْلَاحٍ﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله صفة ﴿إِصْلَاحٍ﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (مَن) شرط في موضع
стр. 956
رفع بالابتداء، والخبر: الشرط والجزاء، أو الجزاء، وقد ذكر نظيره في غير موضع، و ﴿ابْتِغَاءَ﴾: مفعول من أجله.
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾:
قوله : ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾ (ما) مصدرية، أي: من بعد تَبَيُّنِ الهُدَى.
﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: المستكن في ﴿سَاءَتْ﴾ لجهنم، ﴿مَصِيرًا﴾ نصب على التمييز، والمقصود بالذم محذوف، أي: بئس موطنًا يصار إليه جهنم.
﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾:
قوله : ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾. إن) بمعنى ما، و ﴿إِنَاثًا﴾ مفعول يدعون، ومثله ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
و﴿إِنَاثًا﴾ جمع أنثى، هي اللاَّت والعُزَّى ومَناةُ على ما فُسِّرَ (١)، وعن الحسن: لم يكن حيٌّ من أحياء العرب إلَّا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان (٢).
وقرئ: (أُنُثًا) بضم الهمزة والنون، مثل كُتُب، وهو جمع أَنِيثٍ كقَليبٍ وقُلُب، أو إناثٍ ككِتاب وكُتُب.
وقرئ: (أثُنًا) بضم الهمزة والثاء، وهو جمع وَثَن، وأصله: وُثُنٌ،
стр. 957
فقلبت الواو المضمومة همزة، كما قلبت في أُجُوهٍ، وهو مُطَّرِدٌ، أعني قَلْبَ الواو المضمومة همزة.
وقرئ: (وُثنًا) بالواو على الأصل.
وقرئ أيضًا: بإسكان الثاء مع الهمزة والواو تخفيفًا، كما تقول: أَسَدٌ وأُسُدٌ وأُسْدٌ.
وقرئ أيضًا: (أوثانًا)، وهو جمع وَثَنٍ أيضًا (١).
و﴿مَرِيدًا﴾: نعت للشيطان، وهو فعيل وفيه وجهان:
أحدهما: المتجرد من الخير الخارج منه، من قولهم: شَجرةٌ مَرداءُ، إذا تناثر ورقُها، ومنه الأمرد الذي لا شعر في وجهه.
والثاني: الممتد في الشرِّ، من قولهم: بيت مُمَرَّدٌ، أي: مُطَوَّل.
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾:
قوله : ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ صفة له بعد صفة أخزاه الله، وقيل: هو مستأنف على وجه الدعاء (٢).
وقوله: ﴿وَقَالَ﴾ يحتمل أن يكون صفة له أيضًا، أي: شيطانًا مريدًا جامعًا بين اللعنة وهذا القول الرديء، والواو للعطف، وأن يكون للحال وقد معها مرادة، أي: وقد قال، وأن يكون مستأنفًا. والمستكن في ﴿قَالَ﴾ على الأوجه للشيطان.
وقوله: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ اللام جواب قَسَمٍ محذوف، أي: والله لأتخذن نصيبًا مفروضًا مقطوعًا واجبًا، من قولهم:
стр. 958
فرض الله له في العطاء، أي قطع له. واتخاذُهُ النصيبَ المفروضَ بإغوائه إياهم وتزيينه لهم. وعن ابن عباس ﵄: كل من أطاع إبليس فهو من نصيبه المفروض (١). قال المصنف ﵀: وكل ذلك بمشيئة الله جل ذكره.
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾:
قوله : ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ هذه الأفعال كلها عطف على ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾، وفي الكلام حذف مفاعيل، أي: ولأضلنهم عن سبيل الهدى بدعائي إياهم إلى الباطل، ولأمنينهم الأماني الباطلة: من طول الأعمار، وبلوغ الآمال، ورحمة الله للمجرمين بغير توبة.
والمعنى: لأقدرن في أنفسهم مشتهياتهم، وهي المذكورة آنفًا وغيرها على ما فسر (٢).
﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ البَتْكُ: القطع، والتبتيك: التقطيع، وتبتيكهم الآذان: فعلهم بالبحائر (٣)، كانوا يَشُقون أُذُنَ الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرًا، وحَرَّمُوا على أنفسهم الانتفاع بها.
﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قيل: تغييرهم خلق الله: الخِصاءُ (٤)، وهو في قول أكثر أهل العلم مباح في البهائم، أرخص في ذلك الحَسَنُ (٥)، وعن عمر
стр. 959
بن عبد العزيز ﵀: أنه أمر بخصاء الخيل (١)، وأرخص فيه عطاء بن أبي رباح (٢)، وأما في بني آدم فمحظور (٣).
وقيل: فطرة الله التي هي دين الإسلام (٤).
وقيل: هو الوشم على ما فسر (٥).
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾:
قوله : ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ أي: يعدهم النضر والسلامة، ويمنيهم ما تميل أنفسهم إليه.
والجمهور على ضم الدال في ﴿يَعِدُهُمْ﴾، وقرئ: بإسكانها تخفيفًا (٦).
﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾:
قوله : ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ (عنها) في موضع نصب على الحال على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿مَحِيصًا﴾؛ ولا يجوز أن يتعلق
стр. 960
بمحيص؛ لأنه مصدر، ومعمول المصدر لا يتقدم عليه، وقيل: متعلق بقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ﴾، وليس بالمتين؛ لأنه لا يتعدى بعن، لا يقال: وجدت عنه كذا إلا أن تجعل عن بمعنى من.
والمَحيص: المَعْدِلُ، يقال منه: حاص عن الأمر يَحيص حَيْصًا وحُيُوصًا ومَحِيصًا، أي: عُدُولًا. والمحيص: يصلح للمكان والزمان أيضًا.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (والذين) في موضع رفع بالابتداء، ونهاية صلته ﴿الصَّالِحَاتِ﴾، و ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ الخبر. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الهاء والميم في ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾. ﴿أَبَدًا﴾: ظرف زمان لخالدين.
وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران، أَمّا ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ فمؤكِّد لنفسه، أي: وَعَد الله ذلك وعدًا، وأما ﴿حَقًّا﴾ فمؤكد لغيره وهو الوعد.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (من) استفهام في موضع رفع بالابتداء، ومعناه النفي، والخبر ﴿أَصْدَقُ﴾. و ﴿قِيلًا﴾: منصوب على التمييز، أي: لا أَحَدٌ أصدق منه قولًا.
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾:
قوله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ اسم ليس مضمر فيها، أي: ليس ذلك، أو ليس ما ادعيتموه، [وذلك أن اليهود قالوا: نحن أصحاب الجنة، وقالت النصارى كذلك، وقال المشركون لا نُبعث، على ما فُسِّر] (١).
стр. 961
وقيل: في ليس ضمير ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ (١)، و ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ خبرها، [أي ليس ينال ما وعد الله من الثواب بأمانيكم] (٢). ﴿وَلَا أَمَانِيِّ﴾: عطف على الخبر.
وقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ﴾ الجمهور على جزم دال ﴿وَلَا يَجِدْ﴾ عطفًا على ﴿يُجْزَ﴾، وقرئ: (ولا يجدُ) بالرفع (٣) على الاستئناف.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾:
قوله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ مفعول ﴿يَعْمَلْ﴾ محذوف، و ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ في موضع النعت له، أي: ومن يعمل شيئًا منها أو بعضها.
و﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿يَعْمَلْ﴾ و (من) الأولى للتبعيض والثانية للتبيين.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: في موضع الحال أيضًا من المستتر في ﴿يَعْمَلْ﴾.
وقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (نقيرًا) مفعول ثان، أي: ولا يظلمون مقدار نقير، وقد ذكر فيما سلف، والنقير: النُقْرَةُ في ظهر النَّواة، وقد ذكر أيضًا (٤).
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾:
стр. 962
قوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ (مَن) استفهام في موضع رفع بالابتداء ومعناه النفي، والخبر ﴿أَحْسَنُ﴾: أي: لا أحدَ أحسنُ دِينًا. و ﴿دِينًا﴾ منصوب على التفسير.
﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ﴾: (مِن) متعلقة بأحسن، و ﴿لِلَّهِ﴾ متعلق بأسلم، أي: أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا يعرف لها ربًا ومعبودًا سواه، ولك أن لجعل ﴿لِلَّهِ﴾ في محل النصب على الحال من ﴿وَجْهَهُ﴾.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: في موضع الحال من المستكن في و ﴿أَسْلَمَ﴾. و ﴿اتَّبَعَ﴾: عطف على ﴿أَسْلَمَ﴾.
﴿حَنِيفًا﴾: حال من المستكن في ﴿اتَّبَعَ﴾، أو من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇، أو من ﴿مِلَّةَ﴾، كقوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (١)، وقد ذُكِرَ ثَمَّ بأشبع ما يكون، وهو الذي تَحَنَّفَ أي: مال عن الأديان كلها إلى دين الإِسلام.
وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ هذه جملة مستأنفة لا محل لها من الإِعراب. وخليل: فعيل من الخُلة بالضم، وهي الصداقة والمودة [التي لا خَلَل فيها، وقيل: من الخَلّة بالفتح وهي الحاجة، لأن كل واحد من الخليلين سَدَّ خلة صاحبه، فخليل الله هو الذي يجعل فقره وحاجته إلى الله دون غيره.
﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أي: جعله صفيًّا له، وموضع سره بالنبوة والرسالة، وإطلاعه على ما لم يطلع عليه غيره، فالله تعالى خليل إبراهيم، وإبراهيم خليل الله، وقيل: هي التي لا علل فيها].
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾:
стр. 963
قوله : ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى﴾ (ما) في محل الرفع إما على الفاعلية عطفًا على المستكن في ﴿يُفْتِيكُمْ﴾، والذي سوغ ذلك من غير تأكيد قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾؛ لأنه يقوم مقام التوكيد، وله نظائر في التنزيل، أو على اسم الله جل ذكره، أي: الله يفتيكم، والمتلوُّ في الكتاب يفتيكم. ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ وهو القرآن، [وذلك قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ ... ﴾ الآية (١)، على ما فسر] (٢).
و﴿فِي الْكِتَابِ﴾: متعلق بقوله: ﴿يُتْلَى﴾، أو بمحذوف على أن تجعله حالًا من المستكن في ﴿يُتْلَى﴾. وقد جوز أن يكون ﴿مَا يُتْلَى﴾ مبتدأ، و ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ خبره على أنها جملة معترضة، [والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ على هذا، أو ما يتلى عليكم في الكتاب يبين لكم، والمراد بالكتاب على هذا القرآن، وقد جوز أن يكون في موضع نصب على: ويبين لكم ما يتلى، لأن الإفتاء تَبَيُّنٌ] (٣).
وأجاز الفراء: أن تكون (ما) في محل الجر على العطف على المجرور في ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم (٤)، وهو نَحْوٌ كوفيٌّ لأنهم يجيزون العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وهو غير جائز عند أهل البصرة، لاختلاله من جهة اللفظ والمعنى (٥).
و﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾: متعلق بقوله: ﴿يُتْلَى﴾، أي: يتلى عليكم في معناهن وحكمهن، وقيل: هو بدل من ﴿فِيهِنَّ﴾ (٦)، فيكون من صلة
стр. 964
﴿يُفْتِيكُمْ﴾ وقيل: هو من صلة ﴿الْكِتَابِ﴾ (١)، أي: ما كتب في معناهن، والإِضافة بمعنى (مِن) (٢) أي: في يتامى مِن النساء.
وقريء: (في ييامى النساء) بياءين (٣)، على أن الأصل: أيامى، فقلبت الهمزة ياء كما قلبت في نحو قولهم: قطع الله أَدَهُ (٤)، يريدون: يده.
وأما (أيامى) فقالوا: إنها جمع أيِّم، وأصلها أيائم جمع أَيِّم، كسيِّد وسيائد، فقدمت اللام وأخرت العين فصار أيامِي، فأبدلت من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفًا، فوزنها فيالع مقلوبةٌ من فياعل؛ لأن أَيِّمًا فَيْعَلٌ، هذا مذهب جمهور النحاة في أيم وأيامى.
أبو الفتح: ولو ذهب به ذاهب إلى ما أَذكرُهُ لك لم أرَ به بأسًا، وذلك كأنه كُسِّرَ آيم فاعل على فَعْلَى وهو أَيْمى من حيث كانت الأيمةُ بليةً تُدفع إليها، فجرى مجرى هالك وهلكى، وزَمِن وزمنى، وسكران وسكرى، ثم كسّرت أيمى على أيامى، فوزن أيامى الآن على هذا فَعَالى ولا قلب فيها، وأنت إذا سلكت هذا الطريق أحرزت غُنْمَين، وكُفيتَ مؤونتين:
إحداهما: أن تكون الكلمة على أصلها لم تقلب ولم يغير شيء من حروفها.
والآخر: أنه لو كان الأصل أيائم لجاز، بل لكان الوجه أن يُسمع، وإنما المسموع أيامى كما ترى، فاعرف ذلك. فالييامى على هذا القول: فَعالَى تكسير أَيْمَى على فَعْلَى كهلكى، وعلى القول الآخر: فيالعُ.
ومما كُسِّر على فَعْلَى، ثم كسِّرت فَعلَى على فَعالى ما رويناه عن أبي
стр. 965
بكر محمد بن الحسن (١) عن أبي العباس أحمد بن يحيى في أماليه من قول بعضهم:
١٦٨ - * مِثْلَ القَتَالَى في الهَشِيمِ البَالِي (٢) *
فهذا تكسير قتيل على قتلى، ثم قتلى على قتالى، انتهى كلامه (٣).
قوله : ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ يحتمل أن يكون عطفًا على ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ عطف جملة على جملة، أي: ولا ترغبون، وأن يكون حالًا من الفاعل في ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أي: وأنتم ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن أو رغبة في مالهن، وعن أن تنكحوهن لدمامتهن، على ما فسر (٤)، ثم حذف الجار فتعدى الفعل، فـ (أن) في موضع نصب لعدم الجار، أو جر على إرادته على الخلاف المشهور، وقد ذكر في غير موضع.
وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مجرور بالعطف على ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ أي: يُفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين.
و﴿وَأَنْ تَقُومُوا﴾: مجرور أيضًا كالمستضعفين، أي: وفي أن تقوموا، وقد جوز أن يكون منصوبًا بمعنى: ويأمركم أن تقوموا، وأن يكون مرفوعًا على الابتداء والخبر محذوف، أي: وأن تقوموا لليتامى بالقسط خير لكم، والوجه هو الأول.
стр. 966
وقد جوز أن يكون قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ و ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ عطفًا على الضمير المجرور في قوله: ﴿يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، وهذا أيضًا نحو كوفي؛ لأنه عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، والوجه هو الأول، وهو أن يكون عطفًا على ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ (ما) شرط نصب بتفعلوا، و ﴿تَفْعَلُوا﴾ جزم بـ (ما) و ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ في موضع نصب على التمييز، والمميَّز (ما)، والمميِّز، ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾، وقد ذكر نظيره في غير موضع (١).
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾:
قوله : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ رفع ﴿امْرَأَةٌ﴾ بإضمار فعل دل عليه ﴿خَافَتْ﴾، أي: وإن خافت امرأة خافت، هذا مذهب أهل البصرة.
وقال أهل الكوفة: رفعها بالابتداء، والخبر ما بعده. وليس بسديد ما قالوا؛ لأن حرف الشرط يطلب الفعل لا الاسم.
و﴿مِنْ بَعْلِهَا﴾: يحتمل أن يكون متعلقًا بخافت، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله في موضع نصب على الحال على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿نُشُوزًا﴾. و ﴿نُشُوزًا﴾ مفعول ﴿خَافَتْ﴾: ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ عطف عليه.
والنشوز: أن يتجافى عنها؛ بأن يمنعها نفسه، ونفقته، والمودةَ والرحمةَ التي تكون بين الزوجين، وأن يؤذيَها بِسَبٍّ أو ضرب (٢).
стр. 967
والإِعراض: أن يُعرض عنها، لما به من الميل إلى أخرى، على ما فسر (١).
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾: الفاء وما بعدها جواب الشرط، أي: فلا بأس بهما في أن يصلحا بينهما.
(أن يَصَّالحا): أن في موضع نصب على إسقاط الجار، أو جر على إرادته.
وقريء: (أن يَصَّالَحا) بتشديد الصاد وألف بعدها (٢)، وأصله يتصالحا، فأدغمت التاء في الصاد بعد قلبها صادًا، ومصدره: تَصَالُحٌ.
وقريء: (أن يُصْلِحا) بضم الياء وإسكان الصاد (٣)، وماضيه أصلح، ومصدره إصلاح، وكلاهما مستعمل في التشاجر والتنازع في كلام القوم.
و﴿صُلْحًا﴾: يحتمل أن يكون في معنى مصدر كل واحد من الفعلين وهو التصالح والإِصلاح على تقدير حذف الزوائد (٤)، ومفعول الفعلين محذوف، و ﴿بَيْنَهُمَا﴾ ظرف لهما أو حال على تقدير تقديمه على الموصوف وهو ﴿صُلْحًا﴾، أو مفعولهما، وأن يكون مفعولًا به، أعني ﴿صُلْحًا﴾، وهو اسم كالعطاء من أعطيت، فأصلحت صلحًا، كأصلحت أمرًا، وتفاعل يكون لازمًا ومتعديًا.
ويجوز أن يكون (صلحًا) مصدرَ فِعْلٍ محذوفٍ دل عليه هذا الظاهر، كأنه قيل: أن يَصَّالحا فَيَصْلُحُ الأمرُ بينهما صُلحًا، كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ
стр. 968
الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (١) على أحد التأويلين.
وقرئ: (يَصَّلِحَا) (٢) وأصله يصتلحا أو يصطلحا بمعنى يصَّالحا، أو يصطلحا، فأدغمت التاء أو الطاء في الصاد بعد قلبهما صادًا.
وقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ابتداء وخبر، أي: الصلح خير من الفُرْقَة، وقيل: من النشوز والإِعراض (٣).
وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ﴾ حَضَرَ: فعل يتعدى إلى مفعول واحد، تقول: حَضَرْتُ فلانًا، وحَضَر القاضيَ اليومَ امرأةٌ، فإذا نقلته بالهمزة تعدى إلى مفعولين، تقول: أحصْرتُ فلانًا الشئَ، فالمفعول الأول: ﴿الْأَنْفُسُ﴾ وهو القائم مقام الفاعل، والثاني: ﴿الشُّحَّ﴾. والشح: البخل، يقال: شَحَّ يَشُحُّ شُحًّا فهو شَحِيح وهم أَشِحَّةٌ.
قيل: ومعنى إحضار الأنفس الشح: أن الشح جعل حاضرًا لها لا يغيب عنها أبدًا، ولا تنفك عنه، يعني أنها مطبوعة عليه، والغرض: أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها، وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها على ما فسر (٤).
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾:
стр. 969
قوله : ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (كل الميل) منصوب على المصدر؛ لأن حُكْمَ ﴿كُلَّ﴾ حُكْمُ ما يضاف إليه، فإن أضيف إلى مصدر كان مصدرًا، وإن أضيف إلى ظرف كان ظرفًا، كقولهم: أَكُلَّ يومٍ لك ثوبٌ؟ وقوله:
١٦٩ - * أَكُلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْووُنَهْ (١) *
﴿فَتَذَرُوهَا﴾: يحتمل أن يكون منصوبًا على الجواب، وأن يكون مجزومًا بالعطف على ﴿تَمِيلُوا﴾، أي: فلا تَجُوروا على المرغوب عنها كُلَّ الجَوْرِ.
﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: الكاف في محل النصب على الحال من الهاء في ﴿فَتَذَرُوهَا﴾، أي: فتذروها محبوسة، وهي التي ليست بذات زوج ولا مطلَّقةً.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾:
قوله : ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (من قبلكم): يحتمل أن يكون متعلقًا بـ ﴿وَصَّيْنَا﴾، وأن يكون متعلقًا بـ ﴿أُوتُوا﴾. و ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾.
﴿أَنِ اتَّقُوا﴾: أي بأن اتقوا، فأن في موضع نصب أو جر على الخلاف المذكور في غير موضع، و (أن) على هذا مصدرية، وتحتمل أن تكون مفسرة؛ لأن التوصية في معنى القول.
стр. 970
وقوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ عطف على ﴿اتَّقُوا﴾؛ لأن المعنى: أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله ...
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾:
قوله : ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (وكيلًا) منصوب على التمييز، أو على الحال، وقد ذكرت نظيره (١).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾:
قوله : ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (شهداء) خبر بعد خبر، أو حال من المستكن في ﴿قَوَّامِينَ﴾ (٢). والقوام: المبالغ في القيام. والقسط بالكسر: العدل. والقسوط: الجور.
﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: متعلق بفعل محذوف لمطالبة (لو) به، أي: ولو شهدتم على أنفسكم، وشهادة الإِنسان على نفسه إقراره بما عليه لخصمه، وقيل: تقديره: ولو كان الحق على أنفسكم (٣).
﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾: اسم كان مضمر فيها تقديره: إن يكن المشهود عليه غنيًّا فلا يمنعكم غناه من أن تشهدوا عليه طلبًا لرضاه، أو فقيرًا فلا يمنعكم فقره من الشهادة ترحمًا عليه.
стр. 971
﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾: أي أولى بجنس الغَنِيّ والفقير، أي: بالأغنياء والفقراء، تعضده قراءة من قرأ: (فالله أولى بهم) وهو أبي (١) ﵁. فالضمير هنا راجع إلى ما دل عليه قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ إلى المذكور، فلهذا ثُني الضمير في ﴿بِهِمَا﴾، والقياس توحيده؛ لأن ﴿أَوْ﴾ لأحد الشيئين، وهي هنا على بابها عند الجمهور، وقد مضى الكلام على نحو هذا فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا (٢).
وعن أبي الحسن: إنَّ ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو (٣)، فالضمير في ﴿بِهِمَا﴾ على هذا راجع إلى المذكور وهو غَنِيٌّ وفقير، والوجه ما عليه الجمهور، فاعرفه.
وعن ابن مسعود ﵁: (إن يكن غنيٌّ أو فقيرٌ) بالرفع (٤)، على أَنَّ كان تامة بمعنى الحدوث والوقوع.
وقوله: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ مفعول من أجله، أي: كراهة أن تعدلوا بين الناس؛ لأن من خالف الحق كره العدل، أو: إرادة أن تعدلوا عن الحق، فعلى الأول: معناه العدل، وعلى الثاني: معناه العدول، فاعرفه.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ قرئ: بسكون اللام وبعدها وَاوَان، الأولى منهما مضمومة والثانية ساكنة (٥)، وهو من التبديل، ومنه ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ (٦)، أي: يزيلونها عن الحق إلى الباطل والكذب، أي: وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل، أو تعرضوا عن أداء الشهادة وتمنعوها. وأصله: تَلْوِيُوا استثقلت الضمة على الياء فحذفت فسكنت وبعدها
стр. 972
الواو ساكنة، فحذفت لالتقاء الساكنين، وضمت الواو الأولى للواو التي بعدها.
وقرئ: (وإن تَلُوْا) بضم اللام وبعدها واو واحدة ساكنة (١)، وفيه وجهان.
أحدهما: أن تكون من الولاية، أي: وإن وليتم إقامة الشهادة، أْو أعرضتم عن إقامتها.
والثاني: أن تكون كالقراءة الأولى، فقلبت الواو الأولى همزة وألقيت حركتها على اللام، وحذفت الهمزة من طريق التخفيف.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾:
قوله : (نُزِّلَ) و (أُنزِلَ) قرئ: على البناء للفاعل وهو الله لقرب اسمه منهما، وهو قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾، وعلى البناء للمفعول (٢) يعضده: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ (٣)، ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ (٤)، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٥).
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ
стр. 973
اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾ قوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، وأصله: ازْدَيَدُوا، فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، وهو افتعلوا من الزيادة.
﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾: الهم) مع ما اتصل به في موضع رفع بخبر إن. واللام من ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ متعلقة بمحذوف، وذلك المحذوف هو نجبر كان، أي: لم يكن الله مريدًا لأن يغفر لهم، وقد مضى الكلام على هذا عند قوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بأشبع من هذا (١).
﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾: عطف على ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. و ﴿سَبِيلًا﴾ مفعول ثان ليهديهم، والأول: الهاء والميم.
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾:
قوله : ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (جميعًا) منصوب على الحال من المستكن في الظرف وهو ﴿لِلَّهِ﴾، وأصل العزة؛ الشدة، من قولهم: أرض عَزاز، أي: صُلبة، عن الرماني وغيره (٢).
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾:
قوله : ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾ أنْ: هي المخففة من الثقيلة، أي:
стр. 974
أنه إذا سمعتم، أي: نُزِّلَ عليكم أن الشأن أو الحديث كذا وكذا، وأنْ مع ما اتصل بها في موضع رفع بـ (نُزِّل) على الفاعلية، أو في موضع نصب بـ ﴿نَزَّلَ﴾ على قَدْرِ القراءتين (١).
وتلخيص المعنى: وقد نُزِّل عليكم المَنْعُ من مجالستهم وعند سماع الكفر منهم. و ﴿يُكْفَرُ بِهَا﴾: في موضع نصب على الحال من الآيات، أي: مكفورًا بها. و ﴿وَيُسْتَهْزَأُ﴾: عطف عليه، وحكمه في الإِعراب حكمه. و ﴿بِهَا﴾ في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل، والأصل والتقدير: يَكفر بها أحدٌ، ثم يُكفر بها.
﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾: الفاء وما بعدها جواب إذا، والضمير في ﴿مَعَهُمْ﴾: لمن دل عليه ﴿يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ كأنه قيل: فلا تقعدوا مع الكافرين بها والمستهزئين بها.
وقوله: ﴿فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ يعني غير القرآن.
﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾: (إذًا) هنا ملغاة، لوقوعها بين الاسم والخبر، أي: إنكم إن جالستموهم على الخوض في القرآن بالهزء فأنتم مثلهم؛ لأن الراضي بالكفر كافر (٢).
و(مثل): كلمة تسوية، يقال: هذا مثل هذا ومثل هذا، كما يقال: هذا شبه هذا وشبه هذا، وأُفردتْ هنا كما أُفردت في قوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ (٣)، لأنها في معنى المصدر، ولو جمعت لكان جائزًا، كما جمعت في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٤).
стр. 975
والجمهور على رفع (مِثْلُ)، وقرئ: (مثلَهم) بالفتح (١)، وهو مبني لإضافته إلى غير متمكن، كما بني في قوله: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٢) على قراءة من فتح، والكلام عليه يأتي ثَمَّ بأشبع ما يكون إن شاء الله تعالى، وقيل: نصب على الظرف، أي: إنكم في مثل حالهم (٣) و ﴿جَمِيعًا﴾ حال من المنافقين والكافرين.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾:
قوله : ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ (الذين) بدل من ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾ (٤)، أو صفة للمنافقين والكافرين (٥)، فيكون في موضع جر، أو في موضع نصب على الذم، ويجوز أن يكون في موضع رفع على: هم الذين. وقد جوز أن يكون مبتدأ، والخبر ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ إلى قوله: ﴿مَعَكُمْ﴾، ودخلت الفاء في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ لما في الكلام من معنى الشرط.
وقوله: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾، جاء ﴿نَسْتَحْوِذْ﴾ على أصله؛ لِيُعْلَمَ كيف الأصلُ في هذه المعتلات مع استمرار الاعتلال فيها. قيل: ومعنى ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾: ألم نستولِ عليكم بآرائنا حتى فَرَيناكم بها (٦). وقيل: ألم نستول عليكم بالمعونة لكم من جهة مراسلتنا إياكم بأخبار عدوكم (٧). وقيل:
стр. 976
ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم (١)، والاستحواذ: الاستيلاء والغلبة.
ولا يقاس عليه، وقياسه: نَسْتَحِذْ.
و﴿وَنَمْنَعْكُمْ﴾: عطف على ﴿نَسْتَحْوِذْ﴾، والجمهور على إسكان العين، وقرئ: (ونمنعَكم) بالنصب (٢) بإضمار أن، وأنشد عليه:
١٧٠ - أَلَمْ أَكُ جارَكُمْ ويكونَ بيني ... وبينَكُمُ المودةُ والإِخاءُ (٣)
وقوله: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ﴾، وأن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله حالًا من سبيل.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾:
قوله : ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ الواو للحال، والخادع: اسم فاعل من خادعني فخدعته، إذا غلبتَه وكنتَ أخدعَ منه.
﴿قَامُوا كُسَالَى﴾: (كسالى) حال من الضمير في ﴿قَامُوا﴾، أي: يقومون متثاقلين متقاعسين كَفِعْلِ مَن يَفْعَلُ شيئًا على كُرْهٍ لا عن طيبة نفس ورغبة، وكذلك ﴿يُرَاءُونَ﴾ في موضع نصب على الحال إما من الضمير في ﴿قَامُوا﴾، أو من المستكن في ﴿كُسَالَى﴾.
وقرئ: (يُرَءُّون) بحذف الألف وتشديد الهمزة، مثل يُدَعُّون (٤)،
стр. 977
والهمزة بين الراء والواو من غير ألف (١)، أي: يُبَصِّرونَ الناسَ أعمالَهم، [ويحملونهم على أن يروهم يفعلون ما يتعاطونه، قاله أبو الفتح، ثم قال: وهي أقوى معنًى من يراءون بالمد على يفاعلون، لأن معنى يراءونهم: يتعرضون لأن يروهم، ويرءّونهم يحملونهم على أن يروهم، قال أبو زيد: رأت المرأة الرجل المرآة: إذا أمسكتها له ليرى وجهه، انتهى كلامه] (٢).
﴿وَلَا يَذْكُرُونَ﴾ حال أيضًا من الضمير في ﴿يُرَاءُونَ﴾ أي: يراؤونهم غير ذاكرين.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف، أي: إلا ذكرً قليلًا في الندرة، أو زمان، أي: إلَّا وقتًا قليلًا.
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾:
قوله : ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾: إما حال من الضمير في ﴿يُرَاءُونَ﴾، أي: يراؤونهم غير ذاكرين مذبذبين، أو من الضمير في ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ﴾، أو منصوب على الذم.
والمذبذب: الذي ذبذبه الشيطان أو النفاق بينَ الإِيمانِ والكفر، وأصل التذبذب الاضطراب والتحرك، والمنافقون مضطربون في دينهم مترددون بين
стр. 978
الإِيمان والكفر، يقال: ذَبْذَبَهُ ذَبْذَبَةً، وتَذبذبَ تَذبذُبًا.
والجُلّ على فتح الذال الثانية على البناء للمفعول، على معنى أن الشيطان أو النفاق حملهم على ذلك، وقريء: بكسرها على البناء للفاعل (١)، بمعنى يذبذبون قلوبهم أو رأيهم. وذبذب أَصْلٌ بنفسه عند أهل البصرة، وليس الذال الثاني بدلًا من شيء، وعند أهل الكوفة بدل من الباء، وأصله ذَبَّبَ.
وعن ابن القعقاع: (مدبدبين) بالدال المهملة مكان الذال المعجمة (٢)، قيل: والمعنى أَخَذَ بهم تارة في دُبَّةٍ، وتارة في دبة، فليسوا بماضين على دُبَّةٍ واحدة (٣). والذُبَّةُ: الطريقة، يقال: دعني ودُبَّتِي، أي: دعني وطريقتي (٤) وسجيتي.
﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾: (بين) ظرف لـ ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾، و ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الكفر والإيمان، و ﴿ذَلِكَ﴾ قد يقع على شيئين، كقوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٥)، وقد ذُكِر ثَمَّ بأشبع من هذا.
﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (إلى) متعلق بمحذوف، لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونوا مؤمنين، ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسموا كافرين، والجملة في محل النصب على الحال من المستكن في ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾، كأنه قيل: يذبذبون متلونين. والإِشارة في ﴿هَؤُلَاءِ﴾: في الموضعين إلى الصنفين.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾:
стр. 979
قوله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قرئ بفتح الراء وسكونها (١)، وهما لغتان غير أن الفتح أجود، لقولهم: أَدْرَاكُ جهنم (٢). وأما جمع الدَّرْكِ بالإِسكان: فدُرُوك (٣).
و﴿مِنَ النَّارِ﴾ في محل النصب على الحال من ﴿الدَّرْكِ﴾، أو من المستكن في ﴿الْأَسْفَلِ﴾، وقيل: متعلق بمعنى الأسفل. والدَّرَكُ الأسفل: الطبق الذي في قعر جهنم على ما فسر (٤).
والأدراكُ في اللغة: المنازل والطبقات، وأصله من اللحوق، من قولهم: أدركتُ كذا، إذا لحقتَهُ.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾:
قوله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ في موضع نصب على الاستثناء من القوم الذين في الدرك، أو من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾. وقيل: في موضع رفع على الابتداء، والخبر ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥).
﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي: امتنعوا به، يقال: عصمه من كذا، أي: منعه منه. ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهم أصحاب المؤمنين ورفقاؤهم في الدارين.
стр. 980
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾
قوله : ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ﴾ (ما) استفهامُ استغناءٍ، وهو عبارة عن انتفاء الغَرَضِ عنه تعالى في ذلك، وإن كانت الأغراض منتفيةً عنه في كل حالٍ، وإنما خاطب القومَ على ما أَلِفوا واعتادوا.
و﴿مَا﴾ بمعنى شيء، وهو في موضع نصب بيفعل، أيْ: أيَّ شيءٍ يفعل؟ و ﴿بِعَذَابِكُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿يَفْعَلُ﴾.
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾:
قوله : ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ ﴿بِالسُّوءِ﴾ متعلق بـ ﴿الْجَهْرَ﴾، ويحتمل أن يكون في موضع نصب على تقدير: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء، وأن يكون في موضع رفع على تقدير: لا يحب الله أن يجهر بالسوء. و ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ في محل النصب على الحال من السوء.
﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ الاستثناء متصل، و (مَن) يحتمل أن يكون في موضع نصب وفي الكلام حذف مضاف تقديره: لا يحب الله الجهر بالسوء إلّا جهر من ظُلم، أي: إلّا جهر المظلوم، وهو أن يدعو على من ظلمه ويَذْكُرَهُ بما فيه من السوء على ما فسر (١)، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وأن يكون في موضع رفع على البدل من المقدر قبيل، أي: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلّا المظلوم.
стр. 981
وقيل: هو أن يبدأ بالشتيمة فَيَرُدَّ على الشاتم مثل ذلك، كقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ (١).
وقيل: هو منقطع، ونزلت بسبب رجل ضاف قومًا فلم يطعموه، فَذَكَرَهُمْ بما فعلوه، فعابوه بذلك فنزلت (٢)، فالمعنى على هذا: لكن من ظلم فله أن يَذْكُرَ ما فُعِلَ به، فتكون (مَن) في موضع نصبٍ.
وقرئ: (إلا من ظَلَم) على البناء للفاعل (٣)، وفيه أيضًا وجهان:
أحدهما: أنه متصل، والمعنى: ما يفعل الله بعذابكم إلا من ظَلَم.
والثاني: أنه منقطع، والمعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن من ظَلَم فإنه مرتكب ما لا يحبه الله فيجهر بالسوء. [أو لكن الظالم دعه فإن الله تعالى سيجازيه. أو لكن الظالم يجهر بالسوء ظلمًا. أو لكن الظالم فاجهروا له بالسوء جزاءً] (٤).
و(مَن) في موضع نصب على كلا التقديرين، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على البدل من اسم الله جل ذكره بمعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء إلّا من ظَلَمَ، أي: إلّا الظالم، كما تقول: ما جاءني زيد إلّا عمرو، بمعنى ما جاءني إلّا عمرو، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٥) فالرفع في اسم الله تعالى على البدل من (مَن) بمعنى: لا يعلم أحد الغيب إلا الله، أي: لا يعلمه إلا الله، فاعرفه فإنه موضع.
стр. 982
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾:
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ نهاية صلة ﴿الَّذِينَ﴾ قوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ والخبر ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [وقيل: الخبر محذوف تقديره: جمعه المخازي] (١) والإشارة في ذلك إلى الكفر بالبعض والإِيمان بالبعض.
ومعنى اتخاذهم بين ذلك سبيلًا: أن يتخذوا دينًا وسيطًا بينهما كقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٢)، أي: طريقًا وسَطًا في القراءة، وهو ما بين الجهر والمخافتة.
و﴿حَقًّا﴾ يحتمل أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: هم الذين كفروا كفرًا حقًّا ثابتًا يقينًا لا شُبهة فيه، وأن يكون تأكيدًا لمضمون الجملة (٣)، أي: حق ذلك حقًّا، كما تقول: هذا عبد الله حقًّا، أي: أحقه حقًّا، [وإنما أَكَّدَ لإزالة توهم من يتوهم أن إيمانهم ببعض الرسل يزيل عنهم اسم الكفر] (٤) وأن يكون في موضع الحال، كقولك: زيد أبوك عطوفًا، وهو وزيد معروفًا، والعامل ما في ﴿أُولَئِكَ﴾ من معنى الفعل.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾:
قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ في
стр. 983
موضع رفع بالابتداء والخبر ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، وأن يكون في موضع نصب بإضمار فعل، أي: ويثيب الذين آمنوا.
و﴿أَحَدٍ﴾: عامٌّ في الواحد والاثنين والجماعة، الذكرُ والأنثى في ذلك سواءٌ، ولذلك جاز دخول ﴿بَيْنَ﴾ عليه، و (بين) تقتضى شيئين فصاعدًا.
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾:
قوله : ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ الفاء جواب لشرط محذوف دل عليه معنى الكلام، أي: إن استعظمت ما سألوه منك، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، أي: سؤالًا أكبر من ذلك، والإِشارة في ﴿ذَلِكَ﴾ إلى السؤال.
﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾: (جهرةً) مصدر في موضع الحال من الضمير في ﴿قَالُوا﴾، أي: قالوا ذلك مجاهرين، والتقدير: قالوا مجاهرين: أرنا الله، أو صِفَةٌ لمصدر محذوف، أي؛ رؤيةً جهرةً، بمعنى أَرِناه نَرَه رؤيةً جهرةً، كقوله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وقد مضى الكلام على هذا في البقرة بأشبع من هذا (١).
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾:
قوله : ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ (فوقهم) ظرف لرفعنا، أو حال من الطور. ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾: الباء متعلقة برفعنا، أي: رفعناه بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوا.
стр. 984
و ﴿سُجَّدًا﴾: جمع ساجد، وهو منصوب على الحال من الضمير في ﴿ادْخُلُوا﴾.
﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ قرئ: (لا تَعْدُوا) بإسكان العين وتخفيف الدال (١)، وهو مضارع عدا يعدو، إذا جاوز الحد، وأصله: لا تَعْدُوُوْا بواوين: الأولى لام الفعل، والثانية ضمير الفاعلين، فاستثقلت الضمة على الواو فحذفت فسكنت، وبعدها واو ساكنة فحذفت الأولى لالتقاء الساكنين.
وقريء: (لا تَعَدُّوا) بفتح العين وتشديد الدال (٢)، وأصله تعتدوا، فألقيت حركة التاء على العين وأدغمت التاء في الدال للقرب بعد القلب.
وقرئ: بإخفاء العين (٣) تنبيهًا على أصلها، وأصله أيضًا لا تعدووا بواوين، ففعل به ما ذكرت آنفًا.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾:
قوله : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ في (ما) وجهان:
أحدهما: أنها مزيدة للتوكيد، ومعنى التوكيد هنا: تحقيق أن العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلَّا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك.
والثاني: أنها نكرة تامة، و ﴿نَقْضِهِمْ﴾ بدل منها، والباء متعلقة بمحذوف دلَّ عليه ما بعده، أي فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا من
стр. 985
اللعن [دلَّ عليه ما بعده، أي: فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن] (١) والسخط وغير ذلك، أو بقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ (٢) على أن قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ (٣) بدل من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾، وإنما أعيدت الفاء والجار في البدل لطول الفصل. ﴿وَكُفْرِهِمْ﴾ ﴿وَقَتْلِهِمُ﴾، ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾ عطف على ﴿نَقْضِهِمْ﴾.
﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي إلّا إيمانًا أو وقتًا قليلًا.
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾:
قوله : ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ عطف على ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾، أو على ﴿وَكُفْرِهِمْ﴾. وتكرير (كفرهم) إخبار بأنهم كفروا كفرًا بعد كفر، وهو كفرهم بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد صلوات الله عليه وعليهم أجمعين على ما فسر (٤)، فعُطِفَ بعضُ كفرهم على بعض، ولك أن تمنع الحد والحظْر وتعطف على غيرهما مما تقدم.
و﴿بُهْتَانًا﴾: مصدر في موضع الحال من الضمير المجرور في ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾، أي: بَهَّاتِين، يقال: بَهَتَهُ بَهْتًا وبَهَتًا وبُهْتانًا، فهو بهَّاتٌ، إذا قال عليه ما لم يفعله، فهو مبهوت (٥).
وقيل: هو مصدر يعمل فيه القول لأنه ضرب منه، فهو كقولهم: رجع القهقرى، فهو على هذا بمثابة القول في الانتصاب.
وقيل: تقديره قولًا بُهتانًا.