← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وقال البوني (١): هو الذي يقيم الحدود والجمعة والأعياد، وقال ابن رشد: هو الذي يصلي صلاة العيد بالناس إذا استخلف على ذلك (٢). قوله: (وَلا يُرَاعَى قَدْرُهُ في غَيْرِ الأَوَّلِ) أي لا يراعى مقدار الوقت الذي يذبح فيه الإمام أضحيته في اليوم الثاني والثالث بخلاف الأول، ولو قال قدرها ليعود على الصلاة لكان أحسن؛ أي: ولا يراعى مقدار إيقاع الصلاة في غير الأول، وقاله ابن حبيب عن مالك (٣). قوله: (وَأَعَادَ سَابِقُهُ) يريد أن من ذبح قبل صلاة الإمام أو بعد صلاته وقبل ذبحه أعاد، وقاله في المدونة (٤). قوله: (إِلا المُتَحَرِّيَ أَقْرَبَ إِمَامٍ) يريد أن الحكم المذكور مخصوص بمن لهم إمام، فأما غيرهم فيتحرون صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه فيذبحوا بعده كما قال في المدونة، ثم قال: فإن تحروا فذبحوا قبله أجزأهم (٥) وهو المشهور، وروى أشهب عن مالك أنه لا يجزئ (٦). قوله: (كَأَنْ لَمْ يُبَرِزْهَا وَتَوَانَى بِلا عُذْرٍ قَدْرَهُ) أي: وكذا يجزئه الذبح قبل إمامه إذا لم يبرز الإمام أضحيته وتوانى من غير عذر بعد وصوله إلى منزله بشرط أن يكون قد ذبح

стр. 1017

في وقت لو أبرز الإمام أضحيته وذبحها كان ذبحه بعده، وإليه أشار بقوله: (قدره) أي: قدر الزمن (١) الذي يذبح فيه (٢) الإمام أي: لو ذبح. قوله: (وَبِهِ انْتُظِرَ لِلزَّوَالِ) أي: فإن أخر بسبب عذر من جهاد عدو أو نحو ذلك انتظر ما لم يخرج وقت الصلاة بزوال الشمس، وقاله في البيان (٣). (المتن) وَالنَّهَارُ شَرْطٌ. وَنُدِبَ إِبْرَازُهَا، وَجَيِّدٌ، وَسَالِمٌ، وَغَيْرُ خَرْقَاءَ، وَشَرْقَاءَ، وَمُقَابَلَةٌ، وَمُدَابَرَةٌ، وَسَمِينٌ، وَذَكَرٌ، وَأَقْرَنُ، وَأَبْيَضُ، وَفَحْلٌ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَصِيُّ أَسْمَنَ. وَضَأْنٌ مُطْلَقًا، ثُمَّ مَعْزٌ، ثُمَّ هَلْ بَقَرٌ وَهُوَ الأَظْهَرُ أوْ إِبِلٌ؟ خِلافٌ. وَتَرْكُ حَلْقٍ وَقَلْمٍ لِمُضَحٍّ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَضَحِيَّةٌ عَلَى صَدَقَةٍ وَعِتْقٍ، وَذَبْحُهَا بِيَدِهِ، وَلِلْوَارِثِ إِنْفَاذُهَا، وَجَمْعُ أَكْلٍ وَصَدَقَةٍ وَإِعْطَاءٍ بِلا حَدٍّ، وَالْيَوْمُ الأَوَّلُ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ أَوَّلِ الثَّالِثِ عَلَى آخِرِ الثَّانِي تَرَدُّدٌ. (الشرح) قوله: (وَالنَّهَارُ شَرْطٌ) أي: فلا يجزئ الذبح ليلًا، وقاله في المدونة (٤) والرسالة (٥) وغيرهما، وعن مالك الإجزاء، وهذا الخلاف (٦) فيما عدا ليلة النحر، فأما إذا ذبح في (٧) تلك الليلة (٨) فلا يجزئ (٩) قولًا واحدًا لأن الوقت لم يدخل، وكذلك الليلة الرابعة؛ لأن الوقت قد خرج وليس صبيحتها من أيام النحر، قاله ابن القصار. قوله: (وَنُدِبَ إِبْرَازُهَا) أي: يستحب للإمام أن يبرز أضحيته اقتداء به ﵊ (١٠)، وليعلم الناس الوقت الذي يذبحون فيه.

стр. 1018

قوله: (وَجَيِّدٌ) أي: ويستحب أيضًا في الأضحية الجيد؛ إذ لا نزاع في أفضلية الأكمل على غيره (١). قوله: (وَسَالِمٌ) أي: من العيوب التي تجزئ معها الأضحية كيسير المرض وكسر القرن غير الدامي والشق اليسير في الأذن ونحوه، وأما العيوب التي تمنع الإجزاء فمراعاتها واجبة (٢). قوله: (وَغَيْرُ خَرْقَاءَ وَشَرْقَاءَ، وَمُقَابَلَةٌ، وَمُدَابَرَةٌ) أي: وكذا يستحب فيها أن تكون خالية من أحد هذه العيوب الأربعة، وظاهره ولو كان كثيرًا ونحوه لابن القصار. الباجي (٣): وهذا قول مطرف والمذهب على (٤) أن الكثير يمنع الإجزاء (٥). والمقابلة: هي التي قطع من أذنها من قبل وجهها وترك معلقًا، فإن قطع من جهة قفاها فهي المدابرة. والشرقاء: المشقوقة الأذن، والخرقاء: المثقوبة الأذن، قاله أهل اللغة. قوله: (وَسَمِينٌ) لا إشكال في استحبابه، والمشهور استحباب تسمينها، وقال ابن شعبان: يكره؛ لأنه من سنة اليهود (٦). قوله: (وَذَكَرٌ) أي: على أنثى وهو ظاهر المذهب، وقال في المبسوط: هما سواء (٧)، والأقرن أفضل من الأجم، وكذلك الأبيض أفضل من غيره للحديث، وهو أنه ﵊ ضحى بكبشين أقرنين أملحين (٨)، ولهذا قال: (وَأَقْرَنُ، وَأَبْيَضُ) والأقرن: هو الذي له قرنان، والأملح: قال ابن الأعرابي (٩): هو النقي البياض، وقيل:

стр. 1019

هو كلون الملح، وفي ذلك خلاف. قوله: (وَفَحْلٌ) أي: هو مستحب على الخصي، ثم قال: (إن لم يكن الخصى (١) أسمن)؛ أي: فإن كان الخصي أسمن من الفحل فهو أفضل، وقاله ابن حبيب (٢). ابن عبد البر: أجمع (٣) الجمهور على أنه لا بأس أن يضحى بالخصي إذا كان سمينًا، قالوا: والأقرن الفحل أفضل من الخصي الأجم إلا أن يكون الخصي الأجم أسمن فهو أفضل (٤). قوله: (وَضَأْنٌ مُطْلَقًا) أي: أن الضأن فيها أفضل من غيره، ومراده بالإطلاق ذكرها وأنثاها وخصيها. قوله: (ثم مَعْزٌ) أي: المعز أفضل من البقر والإبل؛ يريد: أيضًا مطلقًا ذكرها وأنثاها وخصيها (٥). قوله: (ثُمَّ هَلْ بَقَرٌ وَهُوَ الأَظْهَرُ، أَوْ إبِلٌ؟ خِلافٌ) أي: ثم اختلف هل البقر أفضل من الإبل، وهو قول ابن الجلاب (٦) والقاضي عبد الوهاب (٧). أو الإبل أفضل؟ وهو قول ابن شعبان (٨). وهو خلاف في حال هل البقر أطيب لحمًا أم الإبل؟ والأول أظهر، ثم ذكور كل جنس أفضل من خصيانه، وخصيانه أفضل من إناثه، وإناثه أفضل من ذكور الجنس الذي يليه في الفضل، ثم كذلك إلى آخرها وهي (٩) اثنتا عشرة مرتبة أعلاها ذكور الضأن وأدناها إناث الإبل (١٠). قوله: (وَتَرْكُ حَلْقٍ وَقَلْمٍ لِمُضَحٍّ عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ) هكذا ذكر ابن القصار فقال:

стр. 1020

يستحب لمن أراد الأضحية أن لا يقص شعره ولا ظفره إذا أهل ذو الحجة حتى يضحي لقوله ﵊: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئًا فإذا ضحى أخذ من كل ما منع من أخذه" (١). قوله: (وَضَحِيَّةٌ عَلَى صَدَقَةٍ وَعِتْقٍ) أي: ومما يستحب أيضًا تقديم الأضحية على الصدقة والعتق وهو المشهور، قال في المدونة: ولا يدعها أحد ليتصدق بثمنها (٢). ابن حبيب: وهي أفضل من العتق؛ لأن إحياء السنة أفضل من التطوع (٣). وعن مالك: أن التصدق أفضل (٤). قوله: (وَذَبْحُهَا بِيَدِهِ) إنما استحب له ذلك اقتداءً به ﷺ ؛ إذ كان يذبح أضحيته بيده (٥). قوله: (وَلِلْوَارِثِ إِنْفَاذُهَا) يريد أن من مات عن أضحية فإن وارثه يستحب له أن يذبحها تنفيذًا لقصد الميت، ولا خلاف فيه، قاله بعضهم. قوله: (وَجَمْعُ أَكْلٍ وَصَدَقَةٍ وَإعْطَاءٍ بِلا حَدٍّ) أي: ومما يستحب للمضحي أن يجمع بين الأمور الثلاثة وهي أن يأكل من أضحيته ويتصدق منها ويعطي أصحابه من غير تحديد بثلث أو غيره فإن اقتصر على أحدهما أو اثنين منها فقد ترك الأفضل، وقال ابن

стр. 1021

المواز: إن (١) التصدق بجميعها أفضل (٢). وحكى عبد الوهاب رواية شاذة بوجوب الأكل (٣). قوله: (وَالْيَوْمُ الأوَّلُ وَفي أَفْضَلِيَّةِ أَوَّلِ الثَّالِثِ عَلَى آخِرِ الثَّانِي ترَدُّدٌ) لا خلاف أن ما قبل الزوال من أول يوم أفضل مما بعده، واختلف هل ما بعد الزوال منه أفضل مما قبل الزوال من اليوم الثاني وهو ظاهر ما هنا؛ إذ جعل اليوم الأول أفضل مما بعده على إطلاقه (٤)، وإليه ذهب ابن المواز (٥) وصاحب الرسالة (٦)، أو ما قبل الزوال من الثاني أفضل مما بعد الزوال من الأول، وهو قول مالك في الواضحة (٧)، واختلف أيضًا هل أول اليوم الثالث وهو (٨) ما قبل الزوال أفضل من آخر اليوم الثاني؛ أي: من الزوال إلى الغروب، وإليه ذهب ابن رشد (٩)، بل نص على عدم الخلاف في ذلك، أو آخر الثاني أفضل من أول الثالث، وإليه ذهب أبو الحسن وجعله مذهب ابن المواز وغيره (١٠). (المتن) وَذَبْحُ وَلَدٍ خَرَجَ قَبْلَ الذَّبْحِ وَبَعْدَهُ جُزْءٌ. وَكُرِهَ جَزُّ صُوفِهَا قَبْلَهُ إِنْ لَمْ يَنْبُتْ لِلذَّبْحِ، وَلَمْ يَنْوِهِ حِينَ أَخَذَهَا، وَبَيْعُهُ، وَشُرْبُ لَبَنٍ، وإطْعَامُ كَافِرٍ، وَهَلْ إِنْ بُعِثَ لَهُ أوْ وَلَوْ فِي عِيَالِهِ؟ تَرَدُّدٌ؛ وَالتَّغَالِي فِيهَا، وَفِعْلُهَا عَنْ مَيِّتٍ كَعَتِيرَةٍ، وَإِبْدَالُهَا بِدُونٍ، وَإِنْ لاخْتِلاطٍ قَبْلَ الذَّبْحِ، وَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ إِنِ اخْتَلَطَتْ بَعْدَهُ عَلَى الأَحْسَنِ، وَصَحَّ إِنَابَةٌ بِلَفْظٍ إِنْ أسْلَمَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ، أَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ بِعَادَةٍ، لِقَرِيبٍ، وَإِلَّا فَتَرَدُّدٌ، لا إِنْ غَلِطَ، فَلا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. (الشرح)

стр. 1022

قوله: (وَذَبْحُ وَلَدٍ خَرَجَ قَبْلَ الذَّبْحِ وَبَعْدَهُ جُزْءٌ) هذه مسألة المدونة قال فيها عن مالك: وإذا ولدت الأضحية فحسن أَن يذبح ولدها معها وإن تركه لم أرَ ذلك عليه واجبًا؛ لأن عليه بدل أمه إن هلكت. قال ابن القاسم: ثم عرضتها عليه فقال: امحُ واترك منها إن ذبحه معها فحسن. ابن القاسم: ولا أرى ذلك عليه واجبًا (١)، فمعنى كلامه أنه يستحب ذبح ولد الأضحية إذا خرج قبل ذبح أمه، وأما إن خرج بعد ذبحها فهو كالجزء منها؛ أي: يصنع به ما يصنع بلحمها ولا خلاف فيه. قوله: (وَكُرِهَ جَزُّ صُوفِهَا قَبْلَهُ إِنْ لَمْ يَنْبُتْ لِلذَّبْحِ) أي: وكره جز صوف الضحية قبل الذبح إن لم يكن بين الجز والذبح مقدار ما ينبت فيه صوفها؛ لأن فيه نقصًا من جمالها، وعن أشهب جواز ذلك (٢)، وعنه أيضًا الكراهة كقول ابن القاسم. ابن المواز: إلا في الوقت البعيد الذي ينبت فيه مثله قبل الذبح (٣). قوله: (ولَمْ يَنْوِهِ حِينَ أَخَذَهَا) يريد أن ذلك مقيد بما إذا لم ينوِ عند أخذ الشاة أن يجز صوفها، وأما إذا نواه فلا. قوله: (وَبَيْعُهُ) أي: وكذلك يكره له أن يبيع ذلك الصوف؛ لأن ما فعله نقص من جمالها (٤). قوله: (وَشُرْبُ لَبَنٍ) أي: ويكره له شرب لبنها، وظاهره كان لها ولد أم لا، وقاله في المدونة، وعن مالك: له شربه بخلاف لبن (٥) الهدي؛ لأنها لم تجب بعد (٦). وقال أشهب: له شربه والانتفاع به (٧) ويحرمه ولدها (٨)، ولمالك إن كان لها ولد كره وإلا فلا. قوله: (وَإطْعَامُ كَافِرٍ) إنما كره ذلك؛ لأن الأضحية قربة والكافر ليس من أهل

стр. 1023

القرب، وهذا هو المشهور، وعن مالك التخفيف في الذمي دون المجوسي، ونحوه عن مطرف (١) وابن الماجشون، ومن قال بالإباحة إنما هو بالنسبة إلى من يكون في عياله، وأما البعث إليهم فلا يجوز، وقاله أصبغ عن ابن القاسم (٢)، وجعل ابن رشد محل الخلاف إذا بعث إليهم، وأما إن كانوا في عياله فلا خلاف في الإباحة (٣)، وإليه وما قبله أشار بقوله: (وَهَلْ إِنْ بَعَثَ لَهُ أَو وَلَوْ في عِيَالِهِ؟ ترَدُّدٌ). قوله: (وَالتَّغَالِي فِيهَا) أي: وكذلك يكره التغالي في الأضحية، وقاله مالك، بل يقتدي فيها بالصفات الواردة في السنة ولا يقصد بها المباهاة والمفاخرة. مالك: وأكره للرجل إن يجدها بعشرة دراهم أن يشتري بمائة درهم (٤). قوله: (وَفِعْلُهَا عَنْ مَيِّتٍ) لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا (٥) عن أحد من السلف، وأيضًا فإن المقصود بذلك غالبًا المباهاة والمفاخرة. قوله: (كَعَتِيرَةٍ) أي: وكذلك تكره العتيرة، وسيأتي تفسيرها في باب (٦) النكاح عند ذكر الولائم. قوله: (وَإِبْدَالُهَا بِدُونٍ) أي: وكذلك يكره إبدال (٧) الأضحية بدونها وفي الأمهات: لا يبدلها إلا بخير منها (٨)، وفي التهذيب: أو بمثلها (٩). قوله: (وَإِنْ لاخْتِلاطٍ قَبْلَ الذَّبْحِ) أي: وكذلك يكره إبدالها بدونها وإن كان السبب في ذلك اختلاطها قبل ذبحها، بل يستحب له أن يبدلها بما يساوي الأفضل من المختلطين، فإن كانا متساوين فلا كلام أن كل واحد منهما يذبح ما نابه، وقال ابن عبد

стр. 1024

الحكم: لا بأس أن يصطلحا فيأخذ كل واحد كبشًا ويجزئه (١). قوله: (وَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ إِنِ اختَلَطَتْ بَعْدَهُ عَلَى الأَحْسَنِ) يريد: أنه يجوز لمن اختلطت أضحيته أن يأخذ عوضها. اللخمي: عن يحيى بن عمر (٢) في رجلين أمرا رجلًا أن (٣) يذبح لهما فاختلطا بعد الذبح أنهما يجزيان (٤) من الأضحية ويتصدقان بهما ولا يأكلان منهما شيئًا، وقال محمد: إذا اختلطت رؤوس ضحاياهما عند الشواء أكره أن يأكلا منهما شيئًا (٥)؛ إذ لعلك أن تأكل (٦) متاع من لم يأكل متاعك، ولو اختلطتا (٧) برؤوس الشواء لكان خفيفًا؛ لأنه ضامن ضمان لحم الأضاحي (٨)، وقيل: ليس له طلب القيمة. اللخمي: فعلى قول محمد يجوز أن يأكل الشاة لأنه إنما كره لاحتمال كون الآخر لم يأكل، قال: وهذا استحسان (٩)، وإليه أشار بقوله: (عَلَى الأَحْسَنِ). قوله: (وَصَحَّ إِنَابَةٌ بِلَفْظٍ) يقال أنابه واستنابه إذا استخلفه على أمر من الأمور، ومراده أن الاستنابة في ذبح الأضحية تصح، وقال محمد: إن كان من غير عذر أجزأه وبئس ما صنع (١٠). وفي مختصر ابن عبد الحكم: لا تجزئه (١١)، واعلم أن الاستنابة على ضربين تارة تكون بطريق العادة كما سيذكره (١٢)، وتارة تكون بلفظ كما قال هنا. قوله: (إِنْ أسْلَمَ) إشارة إلى أن الصحة (١٣) مشروطة بكون النائب مسلمًا إذ لا تصح

стр. 1025

استنابة المجوسي اتفاقًا ولا الكتابي على مذهب المدونة (١) وهو الأشهر خلافًا لأشهب. قوله: (وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ) يريد أن المسلم تصح استنابته ولو كان تاركًا للصلاة لأنه عاصٍ، وقيل: لا تصح بناء على كفره. قوله: (أَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ) هو قول مالك (٢)، وقال أصبغ: لا تجزئ مالكها، وتجزئ عن الذابح ويضمن قيمتها (٣)، وقال الفضل بن سلمة (٤): لا تجزئ واحدًا منهما. قوله: (أَوْ بعَادَةٍ لِقَرِيبٍ) هذا هو الضرب الثاني وهو الاستنابة بالعادة كمن ذبح أضحية ولده أَو والده أو أخيه أو نحوه وكان من عادته القيام بأموره، وهو الأصح. اللخمي وغيره. وقيل: لا يصح. قوله: (وَإلا فَتَرَدُّدٌ) أي: فإن لم يكن الذابح قريبًا لرب الأضحية فذبح بغير إذنه، ففي ذلك تردد بين الأشياخ، هل يكون حكمه كالقريب وإليه ذهب اللخمي، أو ليس حكمه حكم القريب وهو مذهب المدونة (٥) وظاهر كلام ابن بشير أن القريب لا خلاف فيه، وأن في غير القريب قولين، ومن الأشياخ من عكس هذه الطريقة ورأى أن الخلاف إنما هو إذا ذبحها القريب أو من في عياله، ومنهم من نفى الخلاف ورأى أن الإجزاء محمول على من هو في عياله (٦) ممن يجوز إدخاله في أضحيته إن كان قريبًا، وإن كان أجنبيًّا محمول على أنه الصديق القائم بأموره (٧) المفوض إليه، وما وقع لهم من عدم الإجزاء محمول على أن هذه الأوصاف لم تحصل، انظر الكبير.

стр. 1026

قوله: (لا إِنْ غَلِطَ) أي: فذبح أضحية غيره معتقدًا أَنها أضحيته فلا تجزئ عن ربها اتفاقًا ولا عن الذابح على المشهور، وقيل: تجزئه لأن إعطاءه القيمة يحقق له الملك، وقيل: إن كانت على وجه ليس لمالكها فيها إلا أخذ القيمة فإنها تجزئه، وإن بقي لربها فيها خيار لم تجزئ الذابح، وإلى الأول أشار بقوله: (فَلا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُما) والفاء للسببية. (المتن) وَمُنِعَ الْبَيعُ وَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ الإمَامِ، أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَةَ الذَّبْحِ، أَوْ قَبْلَهُ، أَوْ ذَبَحَ مَعِيبًا جَهْلًا، وَالإِجَارَةُ وَالْبَدَلُ، إِلَّا لِمُتَصَدِّقٍ عَلَيهِ، وَفُسِخَتْ وَتُصُدِّقَ بِالْعِوَضِ فِي الْفَوْتِ، إِنْ لَمْ يتَوَلَّ غَيْرٌ بِلا إِذْنٍ وَصَرْفٍ فِيمَا لا يَلْزَمُهُ كَأَرْشِ عَيْبٍ لا يَمْنَعُ الإِجْزَاءَ. وَإِنَّمَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ وَالذَّبْحِ، فَلا تُجْزِئُ إِنْ تَعَيَّبَتْ قَبْلَهُ، وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ، كَحَبْسِهَا حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ إِلَّا أَنَّ هَذَا آثِمٌ، وَلِلْوَارِثِ الْقَسْمُ، وَلَوْ ذُبِحَتْ، لا بَيْعٌ بَعْدَهُ فِي دَيْنٍ. (الشرح) قوله: (وَمُنِعَ الْبَيْعُ) أي: بيع شيء من لحم الأضحية أو جلدها أو شعرها أو غيره، وقاله في المدونة (١)؛ لأنها صارت قربة لله تعالى، والقرب (٢) لا تقبل المعاوضة. ابن المواز: ولا يتصدق بلحمها على من يعلم أنه يبيعه (٣). قوله: (وَإنْ ذَبَحَ قَبْلَ الإِمَامِ) أتى بهذا وما بعده على طريق المبالغة، ومراده أن الأضحية لا يجوز بيع شيء منها ولو ذبحت قبل ذبح الإمام، وقاله القابسي لقوله ﵇ لأبي بردة في العَنَاق: "هي خير نسكيك" (٤)، فسمى ما أجزأه وما لم يجزئه نسكًا، وقال بعض الأشياخ: يجوز البيع وتسمية ما لم يجزئ نسكًا إنما هو باعتبار قصد الذابح، ويدل

стр. 1027

عليه قوله ﵇: "ومن ذبح قبل الإمام فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء" (١). قوله: (أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَةَ الذَّبْحِ، أَوْ قَبْلَهُ) يريد: كما لو جاءت السكين في عينها ففقأتها أو ضربت برجلها فانكسرت ونحوه، ونص ابن حبيب كما قال هنا على عدم البيع (٢)، وكذلك نص (٣) التونسي على منعه أيضًا في حق من ضحى بمعيبة جهلًا أو وجد بها عيبًا بعد أن ضحى بها (٤)، وإليه أشار بقوله: (أوْ ذَبَحَ مَعِيبًا جَهْلًا). قوله: (وَالإِجَارَةُ) أي: وكذلك تمنع إجارة الجلد كما يمنع بيع اللحم وغيره، وهو الصحيح خلافًا لسحنون (٥). قوله: (وَالْبَدَلُ) أي: بدل الجلد، وقد نص محمد على منع بدله بجلد آخر لأنه شبيه بالبيع (٦). قوله: (إِلا المُتَصَدِّقَ عَلَيْهِ) أي: فإنه لا يمنع من ذلك، ونص عليه أصبغ (٧)، وقال ابن غلاب هو المشهور، ومنعه مالك من البيع (٨)، لأنه منزل منزلة الأصل، وقياسًا على الوارث. قوله: (وَفُسِخَتْ) أي: العقدة من بيع أو إجارة أو بدل، يريد: إذا عثر على ذلك مع

стр. 1028

قيام اللحم والجلد أو غيرهما ورد الثمن في البيع والمبدل في البدل، فإن لم يعثر على ذلك حتى فات تصدق بالعوض، وهو قول ابن القاسم، وابن حبيب (١)، وإليه أشار بقوله: (وتُصُدِّقَ بِالْعِوَضِ فِي الْفَوْتِ)، وقال سحنون: يصرفه فيما يصرف فيه المعوض (٢)، وقال ابن عبد الحكم: يصنع به ما شاء كسائر أمواله (٣)، والتصدق عند ابن القاسم مقيد بما إذا لم يتولَّ البيع غيره بغير إذنه، وإليه أشار بقوله: (إِنْ لَمْ يَتَوَلَّ غَيْرٌ بِلا إِذْنٍ) وأما إذا تولاه غيره من أهله أو عياله ولم (٤) يعلم بذلك ولا أذن فيه وفات الثمن، فلا شيء عليه، ونص عليه في العتبية، وقيده في البيان بما إذا صرفوه فيما له عنه غنى (٥)، قال: وأما إن كانوا استنفقوه فيما يلزمه مما (٦) لا بد له (٧) منه ولا محيص له عنه فعليه أن يخرجه من ماله ويتصدق به؛ إذ لا فرق بين ذلك وبين أن يجد الثمن قائمًا بعينه، لأنه إذا لم يفعل ذلك فكأنه قد أنفقه هو؛ إذ قد وفر به ماله، وإليه أشار بقوله: (وَصَرْفٍ فِيمَا لا يَلْزَمُهُ) وهو منون مجرور عطفًا على قوله: (بلا إذن)؛ إذ عدم التصدق مقيد بهما معًا كما علمت. قوله: (كأَرْشِ عَيْبٍ يَمْنَعُ (٨) الإِجْزَاءَ) أي: من الأضحية، ومذهب ابن القاسم وأصبغ أنه يصنع بالأرش ما شاء. أصبغ: وله أيضًا أن يصنع بالشاة ما شاء؛ لأنها لم تجزئه (٩). ولمالك في الواضحة: لا يجوز له بيعها لأنها خرجت مخرج القرب، أما لو كان العيب لا يمنع من الإجزاء فإنه إن (١٠) شاء تصدق به، وإن شاء أكله كما يفعل بلحم الأضحية وهذا إذا أوجبها (١١) وإلا فهل يؤمر بالتصدق أو الأكل، أو يصنع بالثمن ما

стр. 1029

شاء؟ قولان، وأما الشاة فتبقى أضحية. قوله: (وَإنَّما تَجِبُ بِالنَّذْرِ وَالذَّبْحِ) لتعيين الأضحية خمسة أسباب: النذر، والذبح، والإيجاب، والتسمية، والشراء، قال في الذخيرة: والمشهور أنها لا تتعين إلا بالأولين (١) كما أشار إليه هنا، وفي الجواهر (٢): إذا قال جعلت هذه أضحية تعينت (٣)، قال (٤): وعن مالك في العتبية: إذا سمى أضحيته فلا يجزها؛ لأنه ينقصها (٥)، وقال ابن رشد: لا تجب عند مالك بالتسمية، وحكى في المقدمات عن العتبية: إنها تجب بالتسمية إذا قال هذه أضحيتي، قال في البيان: وقال إسماعيل القاضي: إذا قال أوجبتها أضحية تعينت، قال: وهو بعيد، ولا تتعين عند مالك إلا بالذبح، وليس مراده هنا بالنذر والذبح أنهما معًا شرط في الوجوب، وإنما المراد أن كل واحد من الأمرين كافٍ في ذلك، ولهذا لو عطفه بـ (أو) لكان أحسن (٦). قوله: (فَلا تُجْزِئُ إِنْ تَعَيَّنَتْ قَبْلَهُ، وَصَنَعَ مَا شَاءَ) أي: فبسبب كونها لا تجب إلا بالنذر أو الذبح إذا حصل فيها عيب قبل ذلك فإنها لا تجزئه، ويصنع بها ما شاء، ونحوه في الموازية (٧). قوله: (كَحَبْسِهَا حَتى فَاتَ الْوَقْتُ إِلا أَنَّ هَذَا آثِمٌ) أي: وكذا من حبس أضحيته حتى انقضت أيام النحر فإنه يصنع بها ما شاء إلا أن هذا يكون آثمًا، لكونه حبسها حتى خرج الوقت، وما ذكره من التأثيم هو قول ابن القاسم في المدونة (٨). قوله: (وَلِلْوَارِثِ الْقَسْمُ، وَلَوْ ذُبِحَتْ) أي: وإن ذبحها الميت قبل موته، وهو قول مالك وابن القاسم، وفي الموازية: يمنعون منه (٩)، بناء على أن القسمة تمييز حق أو بيع.

стр. 1030

قوله: (لا بَيْعٌ بَعْدَهُ في دَيْنٍ) أي: فلو مات المضحي بعد الذبح وعليه دين فإن الورثة لا يبيعوا الأضحية في الدين المذكور، وقاله مالك وابن القاسم (١)، واحترز بقوله: (بعده) مما إذا مات قبل الذبح فإنها تباع في الدين. التونسي: وإذا كان للغرماء بيعها قبل ذبحها فلِمَ لا يبيعون اللحم؛ أي: لأن الميت يكون متعديًا بالذبح وقد أحاط الدين بماله فأشبه من أعتق، كذلك فإن للغرماء رد عتقه (٢). [العقيقة] (المتن) وَنُدِبَ ذَبْحُ وَاحِدَةٍ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً فِي سَابعِ الْوِلادَةِ نَهَارًا، وَأُلْغِيَ يَوْمُهَا إِنْ سُبِقَ بِالْفَجْرِ، وَالتَّصَدُّقُ بِزِنَةِ شَعَرِهِ، وَجَازَ كَسْرُ عَظْمِهَا، وَكُرِهَ عَمَلُهَا وَلِيمَةً، وَلَطْخُهُ بِدَمِهَا، وَخِتَانُهُ يَوْمَهَا. (الشرح) قوله: (وَنُدِبَ ذَبْحُ وَاحِدَةٍ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً فِي سَابِعِ الْوِلادَةِ نَهَارًا) لما كانت العقيقة شبيهة بالأضحية جعلها كالتتمة لها وقد فعله جماعة من المؤلفين، وبعضهم يفرد لها بابًا، وكون العقيقة مستحبة (٣) هو الذي حكاه غير واحد من الأصحاب، ونقله في الجلاب (٤) ولم يحك فيه ابن الحاجب خلافًا (٥)، وفي المقدمات وغيرها هي سنة (٦)، ونقله في البيان عن ابن حبيب (٧)، وحكاه بعض الأندلسيين عن مالك، وتجزئ الواحدة سواء كان المولود ذكرًا أو أنثى خلافًا لمن يرى أنه يذبح (٨) عن الذكر شاتين وعن الأنثى شاة، وشرطها كالأضحية فلا تجزئ من غير الأجناس التي تجزئ فيها من النعم. وقال ابن شعبان: لا تجزئ من الإبل والبقر، ومثله عن مالك (٩)، والمشهور الأول.

стр. 1031

قوله: (في سَابِعِ الْوِلادَةِ) متعلق بندب، ولا خلاف أن وقتها سابع الولادة، وهذا إذا ولد قبل الفجر، فإن ولد بعده فلا عبرة بذلك اليوم على المشهور، وإليه أشار بقوله: (وأُلْغِيَ يَوْمُهَا، إِنْ سُبِقَ بِالْفَجْرِ) وحينئذٍ يعد من اليوم الثاني سبعة أيام، وقيل: إن ولد قبل الزوال حسب وإلا فلا، ورجع عنه مالك (١)، ولابن الماجشون أن السبعة لا تحسب إلا من غروب الشمس الآتي بعد الولادة، سواء كانت ليلًا أو نهارًا (٢)، ونقل في المقدمات أن يوم الولادة يحسب إن بقيت من النهار قبل الغروب بقية (٣)، وأشار (٤) بقوله: (نهارًا) إلى أن العقيقة لا تذبح ليلًا بل من ضحوة النهار إلى الغروب وهو المشهور، ونص مالك على عدم الإجزاء إذا ذبحت قبل الشمس، وقال ابن الماجشون بالإجزاء إذا ذبحت بعد الفجر. ابن رشد: وهو أظهر (٥). قوله: (وَالتَّصَدُّقُ بِزِنَةِ شَعْرِهِ) أي: وندب التصدق بزنة شعر المولود ذهبًا أو فضة، وقاله في الرسالة (٦) وغيرها، وفي الجلاب: وليس عليه التصدق بذلك فإن فعل فلا بأس به (٧)، وفي الجواهر: أن مالكًا كرهه مرة وأجازه أخرى (٨). قوله: (وَجَازَ كَسْرُ عَظْمِهَا) يريد لأنها بمنزلة الأضحية، وقد كانت الجاهلية لا تكسر لها عظمًا فجاء الإسلام بخلافه. قوله: (وَكُرِهَ عَمَلُهَا وَليمَةً) يريد لأنه مخالف لفعل السلف ومخافة التفاخر والمباهاة. مالك: والأمر عندنا أنها تذبح وتطبخ يوم السابع ويأكل منها أهل البيت ويطعم منها الجيران، ويسمى الصبي يوم السابع (٩). ابن رشد: وكره أن يطبخ ألوانًا فيدعى

стр. 1032

عليها (١) الرجال؛ لئلا يدخل ذلك الفخر فتفسد النية في معنى الطاعة لله تعالى، فإن أراد ذلك صنع من غيرها ودعي عليها (٢) الرجال على ما قاله في سماع أشهب (٣)، وعن ابن حبيب: إباحة عملها وليمة (٤). قوله: (وَلَطْخُهُ بِدَمِهَا) يريد لقوله ﵊: "فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى" (٥)، وفسر بعضهم إماطة الأذى عنه بترك ما كان يفعله الجاهلية من تلطيخ رأسه بدمها، وعن يزيد بن عبد الله عن أبيه (٦) قال: "كنا في الجاهلية إذا ولد لنا الغلام ذبحنا عنه ولطخنا رأسه بدمها، ثم كنا في الإسلام إذا ولد عندنا ذبحنا عنه ولطخنا رأسه بالزعفران" (٧)، قال في الرسالة: ولا بأس به (٨). قوله: (وَخِتَانُهُ يَوْمَهَا) أي: وكذلك يكره ختان المولود يوم العقيقة، وعن مالك

стр. 1033

كراهته يوم الولادة ويوم السابع، قال: وهو من (١) فعل اليهود ولم يكن من عمل الناس (٢). مالك: وحد الختان من حين يؤمر بالصلاة من سبع سنين إلى عشرة (٣). بابٌ [في اليمين] (المتن) بَابٌ الْيَمِينُ: تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ أَوْ صِفَتِهِ، كَبِاللهِ، وَهَاللهِ، وَايْمِ اللهِ، وَحَقِّ اللهِ، وَالْعَزِيزِ، وَعَظَمَتِهِ، وَجَلالِهِ، وَكَفَالَتِهِ، وَإرَادَتِهِ، وَكَلامِهِ، وَالْقُرْآنِ، وَالْمُصْحَفِ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ وَثِقْتُ بِاللهِ، ثُمَّ ابْتَدَأت لأَفْعَلَنَّ دُيِّنَ، لا بِسَبْقِ لِسَانِهِ. وَكَعِزَّةِ اللهِ وَأَمَانَتِهِ، وَعَهْدِهِ، وَعَلَيَّ عَهْدُ اللهِ، إِلا أَنْ يُرِيدَ الْمَخْلُوقَ، وَكَأَحْلِفُ، وَأُقْسِمُ، وَأَشْهَدُ؛ إِنْ نَوَى، وَأَعْزِمُ إِنْ قَالَ بِاللهِ. (الشرح) (الْيَمِينُ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ أَوْ صِفَتِهِ) يريد أن اليمين تحقيق غير الواجب وتقريره باسم (٤) الله تعالى أو صفته (٥)، فاحترز بقوله: (تحقيق) مما (٦) يحتمل المخالفة، وقوله: (ما لم يجب) يدخل فيه الممكن (٧) والممتنع فإذا قال: لا دخلت هذه (٨) الدار تقرر (٩) به نفي الدخول، ودخلتها (١٠) تقرر به الدخول، ولأدخلن ولا أدخل تقرر به الإقدام والإحجام (١١)، ولما كانت اليمين لا تنعقد إلا بأحد الأمرين قال: (بذكر اسم الله تعالى أو صفته)، وذلك لأن الشرع خصص هذا المعنى بأن يكون المعظم ذاتًا أو

стр. 1034

صفة لله تعالى، فاحترز بذلك عن اليمين بغيرهما، فإنها لا تسمى يمينًا شرعًا (١)؛ لأنها (٢) إما مكروهة أو حرام وهي لا تنعقد بها اليمين كما سيأتي، والباء في (بذكر اسم الله) تحتمل السببية والمعية. قوله: (كَبِاللهِ) لا إشكال في انعقاد اليمين بذلك وإيجاب الكفارة عند الحنث؛ لأنها من صريح اليمين التي (٣) لا يحتمل اللفظ معها غيره. قوله: (وَهَاللهِ) هكذا قال ابن عبد الحكم أنها يمين كبالله (٤). قوله: (وَايْمِ اللهِ) هكذا نص ابن حبيب على أن وايم الله يمين (٥)، وقاله في الجواهر (٦)، وفي الموازية: أخاف أن تكون يمينًا (٧)، فتردد (٨) في كونها يمينًا أم لا. القرافي: يقال: أيمن الله، وايم الله، ومُنُ الله، ومُ الله (٩). قوله: (وَحَقِّ اللهِ) هو كقوله: والله، قاله في العتبية (١٠)، وذكر في المدونة (١١) أن قوله: والعزيز يمين يوجب الكفارة (١٢)، وإليه أشار بقوله: (وَالْعَزِيزِ)، وأما قوله: (وَعَظَمَتِهِ، وَجَلالِهِ، وَكَفَالَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَكَلامِهِ) فيريد به أن هذه الكلمات أيمان (١٣) تكفر؛ لأنها من صفات الله تعالى، فالإرادة والكلام من صفات المعاني، والجلال

стр. 1035

والعظمة راجعان إلى القدرة، وهي أيضًا من صفات (١) المعاني كالسمع والبصر، وأما كفالته فهي التزامه فترجع (٢) إلى خبره وخبر كلامه، وهي أيضًا من صفات المعاني. قوله: (وَالْقُرآنِ، وَالمُصْحَفِ) هذا هو المشهور، وعن مالك أنهما لا كفارة فيهما (٣)، نقله اللخمي (٤) وقيل: إن أراد الحادث لم تجب الكفارة وإلا وجبت. قوله: (وَإنْ قَالَ أَرَدْتُ وَثِقْتُ بِاللهِ، ثُمَّ ابْتَدَأْتُ لأَفْعَلَنَّ دُيِّنَ) يريد أن الحالف إذا قال: أردت بقولي بالله وثقت بالله، ثم ابتدأت فقلت: لأفعلن، دُيِّن. وقاله ابن شاس (٥)، ومعنى (دُيِّن)، أي: وُكل إلى دينه فيقبل قوله (٦). قوله: (لا بِسَبْقِ لِسَانِهِ) أي: فإنه لا يدين إن ادعاه. قوله: (وَكَعِزَّةِ اللهِ، وَأَمَانَتِهِ، وَعَهْدِهِ) أي: ومما يكون يمينًا توجب الكفارة الحلف (٧) بهذه الأمور إذا حنث بها، يريد إذا قصد بها صفة البارئ تعالى، فأما إن أراد ما جعله الله تعالى في عباده من العزة والأمانة والعهد (٨) فلا، وقاله أشهب. وحينئذٍ تكون يمينًا غير مشروعة، وقاله سحنون في العزة (٩)، وقاله محمد في العهد (١٠)، وإليه أشار بقوله: (إلا أَنْ يُرِيدَ المَخْلُوقَ) أي: فلا تنعقد به اليمين. قوله: (وَعَلَيَّ عَهْدُ اللهِ) ابن حارث: اتفقوا على وجوب الكفارة في ذلك، واختلفوا إذا قال: وعهد الله (١١)، ففي المدونة: أنه (١٢) تجب (١٣)،

стр. 1036

وقال الدمياطي: لا تجب (١). قوله: (وَكَأَحْلِفُ، وَأُقْسِمُ، وَأَشْهَدُ، إِنْ نَوَى بِاللهِ، وَأَعْزِمُ، إِنْ قَالَ باللهِ) يشير إلى ما قال في المدونة على حمل الشيخ أبي الحسن الصغير، ففيها: وإن قال أَشهد وأقسم أو أحلف أو أعزم أن لا أفعل كذا، فإن أراد بالله فهي أيمان وإلا فلا شيء عليه (٢). أبو الحسن: وانظر قوله: فإن أراد بالله فهي يمين ظاهرهُ يعود على الجميع وليس كذلك، وإنما يعود على الثلاثة الأول، وأما أعزم فلا يكون يمينًا حتى يقول بالله كما في الأمهات، وقال سحنون: اختلف فيمن قال (٣): أشهد بالله أو أقسم بالله هل هي يمين أم لا (٤)، وفي الزاهي (٥): إذا لم يقل بالله فلا شيء عليه (٦). اللخمي: والصواب إذا قال بالله أنها يمين (٧). (المتن) وَفِي أُعَاهِدُ اللهَ قَوْلانِ؛ لا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، أَوْ أُعْطِيكَ عَهْدًا، وَعَزَمْتُ عَلَيك بِاللهِ، وَحَاشَى اللهِ، وَمَعَاذَ اللهِ، وَاللهُ رَاعٍ أَوْ كَفِيلٌ، وَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ، وَكَالْخَلْقِ وَالإِمَاتَةِ، أَوْ هُوَ يَهُودِيٌّ. وَغَمُوسٍ، بِأَنْ شَكَّ، أَوْ ظَنَّ وَحَلَفَ بِلا تَبَيُّنِ صِدْقٍ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ. وَإنْ قَصَدَ بِكَالْعُزَّى التَّعْظِيمَ فَكَفَرَ. (الشرح) قوله: (وَفي أُعَاهِدُ اللهَ قَوْلانِ) قال ابن حبيب: هي يمين توجب الكفارة (٨)، وقال ابن شعبان: لا كفارة فيها لأنه لم يحلف بالعهد؛ لأن قوله: أعاهد الله عهد منه وليس صفة لله تعالى (٩). قوله: (لا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، أَوْ أُعْطِيكَ عَهْدًا) اللخمي: وإن قال لك عليَّ عهد أو

стр. 1037

أعطيك (١) عهدًا فلا كفارة عليه (٢)، ولم يحك (٣) فيهما خلافًا (٤). قوله: (وَعَزَمْتُ عَلَيْكَ بِاللهِ) يريد: أو أعزم عليك بالله فلا شيء عليه فيه، وإن أبى أن يجيبه إلى ما قصد (٥)، قال في المدونة: وإن قال لرجل أعزم عليك بالله ألا تفعل (٦) كذا فيأبى فهو كقوله: أسألك بالله (٧) لتفعلن كذا فامتنع، فلا شيء على واحد منهما (٨). قوله: (وَحَاشَى اللهِ وَمَعَاذَ الله) الأشبه كما قال التونسي أنهما ليسا بيمين (٩)، وحكاه أبو محمد، وقيل (١٠): إنهما يمين، وفي النوادر عن بعض الأصحاب أن معاذ الله ليس يمينًا إلا أن يريد به اليمين (١١)، وإن قال الله راعٍ أو كفيل فليس في ذلك كفارة، وإليه أشار بقوله: (وَاللهُ رَاعٍ أَوْ كَفِيلٌ). قوله: (وَالنَّبِيُّ وَالكَعْبَةِ) لقوله ﵇: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (١٢)، فنهى عن اليمين بغير اسم الله، وقيست الصفات على الأسماء فلا تنعقد اليمين بالحلف (١٣) بالنبي ونحوه كالرسول والمصطفى والمختار، ولا بالكعبة ونحوها كالبيت والمقام والحجر وما أشبه ذلك. قوله: (وَكَالخَلْقِ، وَالأَمَاتةِ) أي: وكذلك لا تنعقد اليمين بذلك. ابن شاس: ولا

стр. 1038

يجوز الحلف بصفاته الفعلية (١) كالخلق والرزق (٢)، يريد: والأماتة غير مضافة لله تعالى، لأن ذلك مما يحقق الفعل (٣)، قال: ولا تنعقد به اليمين. قوله: (أَوْ هُوَ يَهُودِيٌّ (٤)) يريد: أو نصراني أو ما أشبه ذلك أو سامري (٥)، أو سارق أو زانٍ (٦) أو عابد وثن أو شارب خمر أو يأكل الميتة أو عليه غضب الله أو دعا على نفسه إن فعل كذا، فلا كفارة في شيء من ذلك، وليستغفر الله تعالى. قوله: (وَغَمُوسٍ بِأَنْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ وَحَلَفَ بِلا تَبَيُّنِ صِدْقٍ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ) أي: وكذلك لا تجب الكفارة باليمين الغموس ويأثم (٧). ابن يونس: وهو الحلف على تعمد الكذب أو على غير يقين (٨)، وهو أعظم من أن تكفره (٩) الكفارة، وقاله في المدونة (١٠)، فقوله: (أو على غير يقين) ظاهره سواء (١١) كان شاكًّا أو ظانًّا، وهو معنى قوله هنا (بأن شك أو ظن)، ونحوه لابن المواز، قال: وكذلك الحالف (١٢) على شك أو ظن، فإن صادف ذلك كما حلف عليه فلا شيء عليه وقد خاطر (١٣)، وانظر قوله (١٤): (بأن شك) إلى آخره، ولم يذكر المتعمد للكذب وكأنه تركه لوضوحه أو للاستغناء عنه بما ذكر؛ لأنه إذا كان مع الشك أو الظن يتصف بذلك فلأن يتصف به إذا كان متعمدًا للكذب (١٥) أحرى.

стр. 1039

قوله: (وَإنْ قَصَدَ بِكَالْعُزَّى التَّعْظِيمَ، فكَفَرَ) كالعزى واللات ونحوهما، ولا إشكال فيما ذكر؛ لأن قصد تعظيمها (١) مجردًا من (٢) غير قسم (٣) بها مقتضٍ لذلك، فما بالك إذا انضم (٤) إلى هذا (٥) القصد أمر آخر ظاهر في التعظيم، فإن لم يقصد التعظيم بذلك فحرام. (المتن) وَلا لَغْوٍ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ، وَلَم يُفِدْ فِي غَيرِ اللهِ، كالاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللهُ؛ إِنْ قَصَدَ، كَإِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ، أَوْ يُرِيدَ، أوْ يَقْضِيَ عَلَى الأَظْهَرِ، وَأَفَادَ بِكَإِلَّا فِي الْجَمِيعِ إِنِ اتَّصَلَ؛ إِلَّا لِعَارِضٍ وَنَوَى الاسْتِثْنَاءَ، وَقَصَدَ. وَنَطَقَ بِهِ وَإِنْ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ، (الشرح) قوله: (وَلا لَغْوٍ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ) أي: ولا كفارة في لغو اليمين، وهو أن يحلف على شيء يعتقده ثم يظهر خلافه، وهو مذهب المدونة (٦) والمشهور (٧)، ونحوه في الموطأ، وروي عن مالك في الموطأ (٨) أيضًا عن عائشة ﵂: أن اللغو ما يسبق إليه اللسان من بلى والله ولا والله (٩)، وهو قول إسماعيل القاضي وأبي بكر الأبهري (١٠) وغيرهما. قوله: (وَلَمْ يُفِدْ في غَيْرِ اللهِ) أي: أن اللغو لا يكون في غير اليمين بالله تعالى من الطلاق والعتاق ونحوهما، قال في المدونة: ولا لغوفي طلاق ولا مشي ولا صدقة ولا غيره إلا في اليمين بالله تعالى أو نذر لا مخرج له (١١).

стр. 1040

قوله: (كَالاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللهُ) أي: وكذا لا يفيد الاستثناء في غير اليمين بالله تعالى. قوله: (إِنْ قَصَدَ) أي: الاستثناء احترازًا مما إذا ذكر ذلك للتبرك فقط فإنه لا يفيده، قاله في المدونة (١)، وفي حكم اليمين النذر المبهم، قيل: وأجمعوا على سقوط الكفارة به إذا كان متصلًا. قوله: (كَإِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ (٢)، أَوْ يُرِيدَ، أَوْ يَقْضِىَ عَلى الأَظْهَرِ) ابن عبد البر: لا إشكال في إفادة الاستثناء بإن شاء الله وإلا أن يشاء الله (٣)، واختلف هل يلحق بهما إلا أن يريد الله وإلا أن يقضي الله وإلا أن يغير (٤) الله أو لا، فقال ابن القاسم في إلا أن يريد الله أو إلا أن يقضي الله: ليس ثنيا (٥)، وقال عيسى: ثنيا (٦). ابن رشد: وهو القياس والنظر الصحيح (٧)، وقال أصبغ: إلا أن يقضي الله ثنيا (٨) بخلاف، إلا أن يريد الله أو يريني (٩) غير ذلك، قال: ولا وجه له (١٠). قوله: (وَأَفَادَ بِكَإلا في الجَمِيعِ) المراد (١١) (بكإلا) أدوات الاستثناء كغير وسوى وحاشى (١٢) وخلا وليس ولا يكون ونحو ذلك، ومراده بالجميع (١٣)؛ أي: في جميع الأيمان، وفاعل (أفاد) ضمير يرجع إلى (١٤) الاستثناء؛ أي: وأفاد الاستثناء في جميع

стр. 1041

الأيمان إن وقع بأدوات الاستثناء، ثم أشار إلى أن ذلك مشروط بثلاثة شروط: الأول منها: أن يكون متصلًا من غير قطع إلا لضرورة، فإن انقطع لسعال أو عطاس أو تثاؤب فإن ذلك لا يضره، ونص عليه في الجلاب (١)، وإليه أشار بقوله: (إِنِ اتَّصَلَ، إِلا لِعَارِضٍ). الثاني: أن ينوي الاستثناء فلو لم ينوه لم يفده، وإليه أشار بقوله: (وَنَوَى الاسْتِثْنَاءَ). قوله: (وَقَصَدَ) يعني أنه (٢) لا بد (٣) مع (٤) نية الاستثناء أن يكون قد (٥) قصد به الإخراج أو الرفع، فلذلك لو نوى به التبرك لم يفده، ولا يشترط أن يكون قبل اليمين ولا قبل تمامها. والثالث: أن ينطق بالاستثناء فلا تكفي النية بمجردها، وإليه أشار بقوله: (وَنَطَقَ بِهِ) أي: بالاستثناء، وأما قوله: (وَإِنْ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ) فيعني به أنه (٦) لا يشترط الجهر به، بل يكفي من ذلك حركة اللسان وهذا هو المشهور، وروى أشهب أن النية كافية إذا كان الاستثناء بـ "إلا" أو بإحدى أخواتها، قاله في البيان (٧). (المتن) إِلَّا أَنْ يَعْزِلَ فِي يَمِينِهِ أَوَّلًا، كَالزَّوْجَةِ فِي: "الْحَلَال عَلَيَّ حَرَامٌ" وَهِيَ الْمُحَاشَاةُ، وَفِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ، وَالْيَمِينِ وَالْكَفَّارَةِ، وَالْمُنْعَقِدَةِ عَلَى بِرٍّ بِإِنْ فَعَلْتُ وَلا فَعَلْتُ، أَوْ حِنْثٍ بِلأَفْعَلَنَّ، أَوْ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ؛ إِنْ لَمْ يُؤَجِّلْ: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ: لِكُلٍّ مُدٌّ. وَنُدِبَ -بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ- زِيادَةُ ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ، أَوْ رِطْلانِ خُبْزًا بِأُدْمٍ، كَشِبَعِهِمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ، الرَّجُلُ ثَوْبٌ، وَالْمَرْأَةُ دِرْعٌ وَخِمَارٌ، وَلَوْ غَيْرَ وَسَطِ أَهْلِهِ، وَالرَّضِيعُ كَالْكَبِيرِ فِيهِمَا، أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ كَالظِّهَارِ، ثُمَّ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ. (الشرح) قوله: (إِلا أَنْ يَعْزِلَ، في يَمِينِهِ أَوَّلًا كَالزَّوْجَةِ فِي الْحَلالُ عَلَيَّ حَرَامٌ وَهِيَ الْمُحَاشَاةُ) وقد

стр. 1042

تقدم أن مجرد النية لا يكفي في الاستثناء على المشهور خلافًا لأشهب، وذكر هنا أن النية في المحاشاة كافية، ولهذا كان قوله: (إلا أن يعزل في يمينه (١) إلى آخره) مخرجًا من قوله: (ونطق) أي: إلا أن (٢) يعزل في يمينه من أوله فتكفيه النية، ومعنى العزل الإخراج قبل اليمين وهو المعبر عنه بالمحاشاة، قال القرافي: لا خلاف أن النية كافية في المحاشاة (٣). ونحوه للخمي، وحكى الباجي (٤) الخلاف في ذلك فقال: يجزئ الحالف (٥) في الحلال عليَّ حرام محاشاة امرأته دون نطق (٦)، وهذا هو المشهور. وعن أشهب: لا ينفعه ما ادعاه (٧) من المحاشاة (٨)، وقال ابن العربي (٩): لا يكون ذلك إلا بالنية والنطق، والأول هو الصحيح (١٠). ابن زرقون: وقول (١١) أشهب هو الأظهر لعموم قوله: الحلال عليَّ حرام. انتهى. والمسألة على ضربين (١٢): تارة يقصد بلفظه (١٣) العموم أولًا ثم يخرج الزوجة، وتارة يقصد أولًا الخصوص وفي إفادة (١٤) ذلك ثلاثة أقوال، ثالثها: إن قصد الخصوص أفاد وإلا فَلا، فانظر قوله أولًا فإن ظاهره شمول الصورتين، والمشهور كما علمت الإفادة في الأولى دون الثانية، وحكى ابن عبد السلام أن المشهور فيهما الإفادة (١٥).

стр. 1043

قوله: (وَفي النَّذْرِ المُبهَمِ) أي: وكذلك تجب الكفارة في النذر المبهم، وهو قوله: لله عليَّ نذر، أو إن فعلت كذا فعليَّ نذر؛ لأنه لم يجعل لنذره مخرجًا ولا سبيل إلى تركه مهملًا لعدم تعيين ما يخاطب به مما ينذر (١)، ولا إلى الحكم بأحد الأنواع؛ لأنه ترجيح بلا مرجح فكان العدل كفارة يمين، والدليل عليه ما في مسلم أنه ﵊ قال: "كفارة النذر كفارة يمين" (٢)؛ أي: النذر الذي لا مخرج (٣) له ولا يمكن (٤) حمله على ما له مخرج للزوم ذلك المعين (٥). قوله: (وَالْيَمِينِ) يريد كقوله: إن فعلت كذا فعليَّ يمين (٦)؛ فعليه كفارة يمين، نص عليه في الجواهر، قال: وكذلك إذا قال إن فعلت كذا (٧) فعليَّ كفارة (٨)، وإليه أشار بقوله: (وَالْكَفَّارةِ) وفيه حذف؛ أي: ونذر اليمين ونذر الكفارة. قوله: (وَالمُنْعَقِدَةِ عَلى بِرٍّ بِإنْ فَعَلْتُ، وَلا فَعَلْتُ، وَحِنْثِ (٩) بِلأَفْعَلَنَّ، أَوْ إِنْ (١٠) لَمْ أَفْعَلْ) أي: وكذا تجب الكفارة في اليمين المنعقدة سواء كانت منعقدة على بر أو على حنث كما قال، إذا خالف ما عقد (١١) عليه.

стр. 1044

قوله: (إِنْ لَمْ يُؤَجِّلْ) احترازًا مما إذا قال: إن لم أفعل كذا قبل (١) شهر مثلًا فإنه عليَّ بر إلى الأجل. قوله: (إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ) هو مبتدأ وخبره ما تقدم؛ أي أن الإطعام أو ما يذكره من أنواع الكفارة تجب في كل واحد من الأمور المتقدمة، ثم أشار إلى أن الكفارة متنوعة إلى إطعام وكسوة وعتق، وأن المكلف مخير في إخراج أيها شاء، وذلك مستفاد من لفظة (أو) المؤدية بقاء (٢) التخيير (٣) كما هي في آية (٤) كفارة اليمين، فإن لم يجد أحدها انتقل إلى الصوم كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قوله: (عَشْرَةِ مَسَاكِينَ) هو نص الآية الكريمة وهو قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. قوله: (لِكُلٍّ مُدٌّ) أي: لكل مسكين من العشرة مد، وقاله مالك في المدونة (٥)، ولا خلاف أن المد كافٍ في مدينة النبي ﷺ ، قاله مالك (٦) في المدونة (٧). وأما غيرهم فيزيدون على المد (٨) بحسب الاجتهاد، وقال أشهب: يزاد عليه ثلثه، وقال ابن وهب: نصفه (٩). ابن عبد السلام: وليس بخلاف لقول مالك في اعتبار الزيادة في غير (١٠) المدينة (١١)، وإليه أشار بقوله: (وَنُدِبَ بِغَيْرِ المَدِينَةِ زِيادَةُ ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ). قوله: (أوْ رِطْلانِ خُبْزًا بِأُدْمٍ (١٢) كَشِبَعِهِمْ) هو معطوف على قوله (مد)؛ أي: لكل

стр. 1045

مسكين مد أو رطلان خبزًا. الباجي: وإنما يشترط المد إذا دفع إليهم الطعام، وأما إذا أطعمهم بإدام فالمعتبر شبعهم ولو نقص عن المد، وإليه أشار بقوله: (كَشِبَعِهِمْ) أي أن شبعهم يجزئ كما يجزئ من الخبز رطلان. بعض الأشياخ: والرطلان من الخبز بالرطل البغدادي، وظاهر المدونة: اشتراط الإدام كما ذكر هنا (١)، وإليه ذهب ابن حبيب (٢)، ومنهم من حمل المدونة (٣) على الاستحباب، ولهذا قال ابن مزين: يجزئ الخبز قَفارًا (٤). قوله: (أَوْ كِسْوَتِهِمْ الرَّجُلُ ثَوْبٌ، وَالمَرْأَةُ دِرْعٌ وَخِمَارٌ) هذا هو النوع الثاني من أنواع الكفارة وهو الكسوة (٥)، قال في المدونة: ولا يجزئه إلا ما تحل به الصلاة، ثوب للرجل ولا يجزئه (٦) عمامة وحدها، وللمرأة درع وخمار (٧)، قال في الموطأ: وذلك أدنى ما يجزئ كلًّا في صلاته (٨). قوله: (وَلَوْ غَيْرَ وَسَطِ أَهْلِهِ) أي: فلا يشترط في الكسوة أن تكون من وسط كسوة الأهل؛ لأنه تعالى شرط ذلك في الإطعام دون الكسوة، وعن اللخمي: مراعاة ذلك فيها كالإطعام، نقله ابن بشير (٩). قوله: (وَالرَّضِيعُ كَالْكَبِير فيهما) أي: فيعطى ما يعطى الكبير من الكسوة والطعام، ولهذا قال: (فيهما) قال (١٠) في المدونة: ويطعم (١١) الرضيع من الكفارة إذا كان قد أكل (١٢) الطعام ما

стр. 1046

يطعم (١) الكبير (٢)، ومفهومه أنه لو لم يأكل الطعام؛ لم يعطَ، ولا تجزئ إن فعل، وهو مخالف (٣) لإطلاقه (٤) هنا (٥)، وفي المذهب قول أن الصغير يعطى قدر كفايته فقط، والمذهب أنه يعطى من الكسوة مقدار ما يعطى الكبير، وعن أشهب وابن حبيب: إنما يعطى ثوبًا قدره فقط (٦). قوله: (أَوْ عِتْقُ رَقبَةٍ) أي: النوع الثالث من أنواع الكفارة العتق. قوله: (كالظِّهَارِ) أي: فيشترط فيها ما يشترط في رقبة (٧) الظهار، وهو ألا تكون جنينًا ولا منقطعة الخبر (٨)، وأن تكون مؤمنة سليمة من العمى والبكم والجنون وقطع أصبع ونحوه، ومن مرض مشرف على الموت، وقطع أذن وصمم، وهرم وعرج شديدين، وجذام وبرص وفلج (٩) بلا شوب (١٠) عوض، ولا مشترًى للعتق محررة (١١) له، لا مكاتبة ولا مدبرة، بخلاف أعور ومرهون ومغصوب وذي مرض وعرج خفيفين، وقطع (١٢) أنملة وجدع أنف، وعتق غيرٍ عنه، ويكره الخصي، ويستحب أن تكون (١٣) ممن تصلي وتصوم، وسيأتي ذلك في بابه (١٤) إن شاء الله تعالى. قوله: (ثُمَّ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) أي: فإن لم يقدر على شيء من ذلك صام ثلاثة أيام، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] فلا يجزئه الصوم وهو يقدر على

стр. 1047

أحد الأنواع الثلاثة (١) المتقدمة. (المتن) وَلا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ وَمُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ وَنَاقِصٌ كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ؛ إِلَّا أَنْ يُكَمِّلَ. وَهَلْ إِنْ بَقِيَ؟ تَأْوِيلانِ. وَلَهُ نَزْعُهُ، إِنْ بَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ، وَجَازَ لِثَانِيَةٍ إِنْ أَخْرَجَ، وَإِلَّا كُرِهَ، وَإِنْ كَيَمِينٍ وَظِهَارٍ، وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ وَوَجَبَتْ بِهِ إِنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ. وَفِي عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ: بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ وَعِتْقُهُ، وَصَدَقَةٌ بِثُلُثِهِ، وَمَشْيٌ بِحَجٍّ وَكَفارَةٌ. (الشرح) قوله: (وَلا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ) أي: من نوعين فأكثر وهو متفق عليه بالنسبة إلى العتق، وأما بالنسبة إلى الإطعام والكسوة فكذلك على المشهور، وهو قول ابن القاسم في المدونة (٢) وقول أشهب (٣)، ولابن القاسم في الموازية (٤) الإجزاء (٥)، فإذا أعتق رقبة وأطعم عشرة مساكين وكسا عشرة عن ثلاث كفارات، فإن نوى كل خصلة (٦) منها عن كفارة أجزأه، وإن شرَّك (٧) لم يُجزِه عن العتق (٨) اتفاقًا، ولا عن غيره على المشهور، ومعنى التشريك بين الأيمان هو التشريك (٩) في كل كفارة من حيث هي كفارة لا فيما يأخذ كل (١٠) مسكين؛ إذ لو نوى ذلك لم يجزِه عن شيء إلا أن يعلم أعيان المساكين الذين دفع إليهم الطعام، فيزيد كل واحد منهم تمام المد، نص عليه غير واحد. قوله: (وَمُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ) يريد أن العدد و (١١) هو العشرة معتبر كما في الآية، فلو

стр. 1048

أعطى خمسة مدين مدين (١) لم يجز، وهو المراد بالتكرير، وكذلك لو أعطى كسوة العشرة لخمسة ونحوهم مما هو دون العشرة. قوله: (وَنَاقِصٌ كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ) أي: ولا يجزئ (٢) ناقص عن المد لكل مسكين (٣) كأن يدفع العشرة أمداد لعشرين مسكينًا لكل واحد نصف مد لعدم حصول العدد (٤) الخاص مع سد خلتهم (٥)، ثم قال: (إِلا أَنْ يُكَمِّلَ) أي: يكمل لعشرة منهم على ما أخذوا عشرة أمداد لكي يحصل (٦) لِكلِّ مد، واختلف شراح المدونة هل من شرط (٧) التكميل أن يكون ما دفعه إليهم أولًا باقيًا بأيديهم أم (٨) لا؟ كما نبه عليه بقوله: (وَهَلْ إِنْ بَقِيَ؟ تَأْوِيلانِ) قال القاضي عياض: وتأمل (٩) ههنا تفرقته في الكتاب (١٠) في الكفارات في الغداء والعشاء، فإنه بين (١١) في (١٢) مراعاة حصول (١٣) قدر المد إلى المسكين الواحد وإن تفرقت عليهم (١٤) في أوقات، وأن من أعطى لكل مسكين نصف مد أو ربعه في الكفارات أن عليه أن يكمل على (١٥) ذلك تمام المد سواء كانت بيد المسكين أو أكلها (١٦)،

стр. 1049

وهو (١) ظاهر المدونة (٢) خلاف ما ذهب إليه أحمد بن خالد (٣) أنه إنما يتم (٤) عليها إذا كانت قائمة بأيدي المساكين حتى يكمل عليه بيد كل مسكين مد في وقت واحد، وأنه لا يجزئ تفرقة المد في أوقات على مسكين، وزعم أنه ظاهر المدونة، وليس كذلك. قوله: (وَلَهُ نَزْعُهُ إِنْ بَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ) يريد أنه إذا دفع الكفارة الواحدة لعشرين مسكينًا مثلًا لكلٍّ نصف مد فإن له نزع ذلك النصف من عشرة منهم بالقرعة؛ ومعنى قوله: (إن بين) (٥) أي: إن أعلمهم أنها كفارة وكانت قائمة بأيديهم، فإن أفاتوه أكمل لعشرة (٦). اللخمي: ولا يغرم من أفات، وإن غابوا استأنف الكفارة (٧). قوله: (وَجَازَ لِثَانِيَةٍ إِنْ أَخْرَجَ، وَإلا كُرِهَ) لما ذكر أن ما تكرر لمسكين لا يجزئ خشي أن يتوهم ذلك ولو مع كفارة ثانية، فأشار إلى جواز الإعطاء ثانيًا من كفارة ثانية، وهو متفق عليه إن وجبت الثانية بعد إعطاء الأولى، وهو معنى قوله: (إن أخرج)، فأما إن وجبت قبل الإخراج، فإنه يكره. ابن أبي زيد: لئلا تختلط النية في الكفارتين، وأما إن حصلت النية في كل كفارة فجائز، وصوبه أبو عمران (٨). قوله: (وَإنْ كَيَمِينٍ وَظِهَارٍ) إنما ذكر هذا مبالغة لينبه به على حصول الكراهة (٩)، وإن اختلفت الكفارتان. قوله: (وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ) يريد أن من كفر قبل حنثه -أي: وبعد يمينه- فإنه يجزئه؛ لأن سبب الحكم إذا تقدم على شرطه جاز ترتبه (١٠) عليه، كالعفو عن القصاص

стр. 1050

قبل الموت؛ لتقدم السبب الذي هو الجرح، وتقديم الزكاة قبل الحول؛ لتقدم ملك (١) النصاب، واليمين ههنا سبب والحنث شرطه، فجاز تقديم الكفارة قبل الشرط وبعد السبب، ولا يجزئ قبل السبب اتفاقًا، وما ذكره هنا هو المشهور، وروى أشهب عن مالك عدم الإجزاء (٢)، وحمله بعضهم على الاستحباب، ومنهم من يحكي الجواز وعدمه، ويفرق في الثالث بين أن يكون على حنث فيجوز تقديمها، أو على بر فلا يجوز، وفي الكافي: رابع بعدم جواز تقديم الصوم دون غيره (٣). قوله: (وَوَجَبَتْ بِهِ) أي: بالحنث وهو مما لا أعلم فيه خلافًا، وأشار بقوله: (إِنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ) إلى أن (٤) الحكم المذكور فيمن حنث طوعًا أو أكره وكان على حنث كمن (٥) حلف ليأكلن طعامًا بعينه فمنع منه حتى انعدم وما أشبه ذلك، وأما إن أكره وكان على بر فإنه لا يحنث ولا تجب عليه الكفارة، كمن حلف: لا أدخلن (٦) دار زيد فأكره على دخولها، أو لا يأكل طعامًا معينًا فأكره على أكله. ابن عبد السلام: وهو المشهور (٧)، وظاهر ما في العتبية لزوم الكفارة؛ أي: كانت يمينه على حنث أو على بر، وقيل: لا تلزمه كفارة. قوله: (وَفي عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ وَعِتْقُهُ، وَصَدَقَةٌ بِثُلُثِهِ، وَمَشْيٌ بِحَجٍّ، وَكَفَّارَةٌ) أي: اختلف فيمن قال: عليَّ (٨) أشد ما أخذ أحد على أحد، فقال ابن وهب: عليه كفارة يمين (٩)، وقال ابن القاسم: إن لم تكن له نية لزمه طلاق نسائه وعتق جميع رقيقه والصدقة بثلث ماله والمشي إلى بيت الله تعالى (١٠)، فلما كان من جملة

стр. 1051

ما يترتب على قائل ذلك عنده الطلاق الثلاث الذي هو قطع العصمة وعتق (١) جميع رقيقه (٢) أشار إليه (٣) بقوله: (بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ وَعِتْقُهُ) أي: بت طلاق من يملك عصمتها من الزوجات، وعتق من يملك رقبته من الأرقاء، وقوله: (بحج) أي: في حج، يريد: أو عمرة، وأراد بقوله: (وكفارة) أي: كفارة يمين. (المتن) وَزِيدَ في الأَيْمَانِ تَلْزَمُنِي: صَوْمُ سَنَةٍ إِنِ اعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ وَفِي لُزُومِ شَهْرَيْ ظِهَارٍ تَرَدُّدٌ. وَتَحْرِيمُ الْحَلالِ في غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالأَمَةِ لَغْوٌ، وَتَكَرَّرَتْ إِنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ، أَوْ كَانَ الْعُرْفَ، كَعَدَمِ تَرْكِ الْوِتْرِ، أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ، أَوْ قَالَ: لا وَلا، أَوْ حَلَفَ أَلَّا يَحْنَثَ، أَوْ بِالْقُرْآنِ، وَالْمُصْحَفِ، وَالْكِتَابِ، أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أَوْ بِكُلَّمَا، أَوْ مَهْمَا، لا مَتَى مَا، وَوَاللهِ، ثُمَّ وَاللهِ وَإنْ قَصَدَهُ. أَوِ الْقُرْآنِ، وَالتَّوْرَاةِ، وَالإِنْجِيلِ، وَلا كَلَّمَهُ غَدًا وَبَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا. (الشرح) قوله: (وَزِيدَ فِي الأَيمَانِ تَلْزَمُنِي صَوْمُ سَنَةٍ إِنِ اعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ) يريد أن ما ذكر أنه يلزم من قال: عليَّ أشد ما أخذ أحد على أحد يلزم من قال: الأيمان تلزمني وزيادة (٤) صوم سنة إن اعتاد الحالف اليمين بذلك، وقاله ابن بشير (٥). الشيخ: وينبغي في غير الصوم أيضًا أنه لا يلزمه (٦) إلا بالعادة، ولهذا قال ابن عبد السلام: ينبغي للمفتي أن ينظر إلى عرف (٧) زمانه وبلده (٨)، واعلم أن أصحابنا اختلفوا في هذه (٩) اليمين (١٠) اختلافًا كثيرًا، فقيل: لا يلزمه إلا الاستغفار، وقيل: يلزمه ثلاث كفارات ولا يدخل فيه طلاق

стр. 1052

ولا عتق حتى ينويه أو يجري به (١) العرف، وقيل: إنما تلزمه كفارة يمين، وقيل: يلزمه ما أشار إليه هنا الباجي وهي يمين لازمة يجب بها (٢) الطلاق والعتق والمشي إلى مكة وصدقة ثلث المال وصوم شهرين (٣)، واعترض ابن زرقون إيجاب صوم (٤) الشهرين، وقال: إنه غير (٥) معروف من قول من تكلم على هذه المسألة (٦)، وقد ذكر ابن عتاب (٧) أن بعض الأشياخ كان يفتي بأنه يلزمه مع (٨) ما تقدم الظهار، قال: وذلك بعيد لأن اليمين بالظهار غير معهودة ولا متعارفة، وكان أبو محمد وجماعة لا يوجبون فيها كفارة ظهار (٩). ابن راشد: في إيجابها نظر لأنها إنما لزمت المظاهر (١٠)؛ لأنه أتى بمنكر من القول وزور، وهذا اللفظ بعينه لم ينطق به، قال: وإن كان مرادهم أن هذا اللفظ يستعمل مكان لفظ من ألفاظ الأيمان فيلزمه أن يعتزل زوجته حتى يكفر، ولا تلزمه الكفارة حتى يعزم على العود (١١)، وإلى هذا وما قبله أشار بقوله: (وَفِى لُزُومِ شَهْرَيْ ظِهَارٍ ترَدُّدٌ) وما ذكره من أن هذه اليمين يلزم فيها الطلاق الثلاث، قال الباجي: هو قول أبي بكر بن عبد الرحمن، ومعظم أهل بلدنا، وهو الأظهر على أصل مالك (١٢). قلت: وهو الصحيح عند التونسي واللخمي وعبد الحميد (١٣)، والمازري وجماعة

стр. 1053

من الأشياخ (١)، ولهذا أفتى السيوري بنقض حكم من حكم بالواحدة (٢). الباجي: وقال أبو عمران: وأكثر من بلغنا قوله (٣) من أهل إفريقية يلزمه طلقة واحدة (٤)، وقيل: يلزمه الطلاق (٥) الثلاث إن قصد العموم، وإن لم يقصد شيئًا فواحدة (٦). أبو عمران: وأرى الواحدة تلزمه وجوبًا، ويستحب له أن يُلزم نفسه بما زاد (٧). انتهى. وإذا قلنا بلزوم الواحدة فهل هي بائنة أو رجعية؟ قولان. قوله: (وَتَحْرِيمُ الحَلالِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالأَمَةِ لَغْوٌ) يريد أن من حرم على نفسه شيئًا مما أحله الله تعالى له (٨) من طعام أو شراب أو غيره إلا في (٩) الزوجة والأمة فلا شيء عليه؛ لأن المحلل والمحرم هو الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، وإنما حرمت الزوجة لأن تحريمها طلاقها، وقال الأشياخ: إن نوى بتحريم الأمة عتقها صارت حرة وحرامًا عليه فلا يطؤها إلا بنكاح جديد، وكان ينبغي أن يقيد ذلك في الأمة بما إذا نوى به العتق كما قيده (١٠) الأشياخ. قوله: (وَتَكَرَّرَتْ إِنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ، أَوْ كَانَ الْعُرْفَ كَعَدَمِ تَرْكِ الْوِتْرِ، أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ أَوْ قَالَ لا وَلا، أَوْ حَلَفَ أَلَّا يَحْنَثَ، أَوْ بِالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ، أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أَوْ بِكُلَّمَا ومَهْمَا) يريد أن الكفارة (١١) تتكرر في أماكن منها إذا حلف ألا يفعل

стр. 1054

كذا، ونوى تكرار (١) الحنث بفعله، ونحوه عن ابن القاسم (٢)، ومنها إذا كان العرف في المحلوف التكرار كقوله: والله لا تركت الوتر ومثله لا شربت الخمر بمدينته ﵊، نص عليه القرافي (٣)؛ لأنه قصد اجتناب شربها في كل وقت لشرف البقعة، ومنها إذا كرر اليمين على شيء ونوى تعدد الكفارات، وأشار بقوله: (أَوْ قَالَ لا وَلا) إلى ما حكاه صاحب الذخيرة، أن من حلف لا باع من فلان كذا، فقال آخر: وأنا، فقال: والله ولا أنت، فقال: عليه كفارتان إن باعها منهما أو من أحدهما فردها عليه فباعها من الآخر، عند ابن القاسم قال: ولو حلف لا باعها من فلان ولا من فلان فباعها منهما أو من أحدهما فكفارة واحدة (٤)، والفرق بينهما أن السؤال في الأولى لما وقع بين اليمين الأولى والثانية وتعدد المحلوف به ولو لفظًا حكم بكفارتين، وفي الثانية المقسم (٥) به واحد لفظًا ومعنًى فاتحدت الكفارة، لكن في فهم الأولى من كلام الشيخ هنا دون الثانية نظر، بل المتبادر إلى الذهن الثانية. قوله: (أَوْ حَلَفَ أَلَّا يَحْنَثَ) يريد أن من حلف بالله لأفعلن كذا وكذا فقيل له: إنك ستحنث (٦)، فقال: لا (٧) والله لا أحنث، أن عليه (٨) كفارتين، وهكذا قال في العتبية. ابن رشد: وعليه إن حنث كفارة واحدة (٩) لحنثه في يمينه ليفعلن (١٠)، وأخرى لحنثه في يمينه والله (١١) لا أحنث، وقد قيل: ليس عليه إلا كفارة واحدة، وهو قول ابن القاسم في

стр. 1055

المبسوط (١)، وأشار بقوله: (أَوْ بِالْقُرْآنِ وَالمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ) إلى أن من حلف بالقرآن والمصحف والكتاب (٢) أن لا يفعل كذا فحنث، أن عليه ثلاث كفارات عدد (٣) المقسم به، ونسبه في البيان لابن القاسم قال: لاختلاف المسميات وإن كان المعنى واحدًا، وهو الكلام القديم (٤). قوله: (أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أَوْ بِكُلَّمَا ومَهْما) أي: وكذا تتكرر الكفارة إذا دل (٥) لفظ الحالف على ذلك إما بصيغة الجمع أو بكلما أو مهما أو ما أشبه (٦) ذلك، حكاه ابن بشير (٧) وابن شاس (٨) وغيرهما. قوله: (لا مَتَى مَا) يشير به إلى أن من (٩) قال: متى ما كلمت زيدًا فعلي كفارة يمين أو نحو ذلك فكلمه مرة بعد مرة، فإن الكفارة لا تتكرر عليه، وقاله في المدونة (١٠). قوله: (وَوَاللهِ ثُمَّ وَاللهِ) هكذا حكاه اللخمي فقال: إن من حلف بالله (١١) فقال: والله، ثم والله، ثم والله (١٢) لا فعلت كذا، ثم فعله فإنما عليه كفارة واحدة، قال: وأرى عليه ثلاث كفارات، وقال ابن عبد الحكم بالتعدد مع واو القسم (١٣). قوله: (وَإنْ قَصَدَهُ) أي قصد الإنشاء (١٤) دون تعدد الكفارة وهو المشهور، ورواه
следующие страницы →