← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

أَوْ لَمْ يُرَ بِغَارٍ، أَوْ غَيْضَةٍ، أَوْ لَمْ يَظُنَّ نَوْعَهُ مِنَ المُبَاحِ، أَوْ ظَهَرَ خِلافُهُ لا إِنْ ظَنَّهُ حَرَامًا، أَوْ أَخَذَ غَيْرَ مُرْسَلٍ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمُبِيحَ فِي شَرِكَةِ غَيْرِهِ كَمَاءٍ، أَوْ ضَرْبٍ بِمَسْمُومٍ، أَوْ كَلْبِ مَجُوسِيٍّ، أَوْ بِنَهْشِهِ مَا قَدَرَ عَلَى خَلاصِهِ مِنْهُ، (الشرح) قوله: (وَذَكَاةِ خُنْثَى، وَخَصِيٍّ، وَفَاسِقٍ) أي: وكذلك تكره ذكاة هذه الثلاثة، وقاله ابن رشد (١) وغيره، وعللت الكراهة في الأولين بأن ضعف قوتهما يمنع من وقوع الذكاة على وجهها، وأما في الفاسق ونحوه فلنقص دينه. قوله: (وَفي ذَبْحِ كِتَابيٍّ لِمُسْلِمٍ قَوْلانِ) أي: في الصحة وعدمها وهما منصوصان لمالك، وينبني (٢) عليهما إبَاحة الأكل وعدمه (٣). قوله: (وَجَرْحُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ وَحْشِيًّا، وَإنْ تَأَنَّسَ عَجَزَ عَنْهُ (٤)) هذا أيضًا أحد أنواع الذكاة وهو العقر، والكلام فيه يتعلق بثلاثة أركان: الصائد والمصيد والمصيد به، فقوله: (مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ) إشارة إلى الصائد، واحترز بالمسلم من غيره فلا يصح من الكتابي على المشهور خلافًا لأشهب وابن وهب (٥)، واختاره الباجي (٦) واللخمي (٧) وابن يونس، وعن مالك الكراهة (٨) وهو قول ابن حبيب (٩)، ولا يصح من المجوسي قولًا واحدًا ولا يؤكل صيد الصابئ كذبيحته، واحترز بقوله: (مميز) من الصبي الذي لا (١٠) يعقل القربة والمجنون والسكران لاحتياج الصيد إلى نية، واحترز بقوله: (جرح) مما إذا مات من الخوف ونحوه فإنه لا يؤكل، وقوله: (وحشيًّا) (١١) هو إشارة إلى الصيد وهو

стр. 982

الوحش المعجوز عنه، واحترز (١) به من الإنسي فإنه لا يؤكل لحمه (٢) بالعقر، وقال ابن حبيب: تؤكل به البقر نظرًا إلى أن لها أصلًا في التوحش، وكذلك يؤكل عنده بالعقر حمام البيوت والإوز إذا ندت بخلاف الدجاج؛ إذ ليس له أصل في التوحش (٣). قوله: (وَإنْ تَأَنَّسَ) يريد: ثم ندَّ بعد ذلك وعجز عنه، ولهذا كان قوله: (عَجَزَ عَنْهُ) قيدًا في جميع ذلك. قوله: (إِلا بِعُسْرٍ) أي (٤): في تحصيله، وظاهره أنه لو كان يقدر على إمساكه بلا مشقة فإنه لا يؤكل إلا بما يؤكل به الإنسي، وهو كذلك، لأنه مقدور عليه من غير كلفة فأشبه الإنسي. قوله: (لا نَعَمٍ شَرَدَ أَوْ تَرَدَّى بِكُوَّةٍ) اعلم انه لا خلاف إذا ندَّت النعم أو الإبل (٥) أنها لا تؤكل بالعقر، وكذلك البقر على المشهور خلافًا لابن حبيب، وأما قوله: (أَوْ تَرَدَّى بِكُوَّةٍ) فيشير به إلى أن (٦) ما وقع في حفرة من النعم لا يجوز أكله بالعقر وهو المشهور، وقال ابن حبيب: إذا طعن في جنب أو كتف أو نحوه أكل (٧). قوله: (بِسِلاحٍ مُحَدَّدٍ، وَحَيَوَانٍ عُلِّمَ) هذا هو الركن الثالث من أركان الصيد وهو ما يصاد به من سلاح أو حيوان، والباء في (بسلاح) متعلقة بقوله: (وجرح) أي: ومن شرط الجرح أن يكون بسلاح محدد أو حيوان معلم، فاحترز بالمحدد من مثل البندق والشرك والحبال إلا أن يأخذه مجتمع الحياة فيذكيه، وكذلك العصا ونحوها، وإنما اشترط في الحيوان التعليم لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]. ابن حبيب: والتكليب التعليم (٨)، ولقوله ﵊: "إذا أرسلت كلبك

стр. 983

المعلَّم" (١) فذكر التعليم، ولا يختص ذلك بالكلب بل كل ما يقبل التعليم كذلك. ابن شعبان: ولو سنورًا وابن عرس (٢). ابن حبيب: والنسر (٣) والنمس (٤) لا يقبلان التعليم (٥)، واشترط في المدونة في التعليم أمرين أن ينزجر إذا زجر وأن ينطاع إذا أرسل (٦)، واعتُرِض بأن الطير لا ينزجر. قوله: (بِإرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ) لما ذكر أن شرط الجارح التعليم نبه على أنه لا بد مع ذلك أن يرسله الصائد من يده فلو انبعث من غير إرسال لم يؤكل ما قتله؛ لقوله ﵊: "إذا أرسلت كلبك ... " (٧) الحديث، واختلف إذا انبعث بنفسه ثم أتبعه ربه بالإشلاء هل يؤكل ما قتله وهو قول أصبغ (٨)، أو لا وهو المشهور، أو يؤكل إن زاده ذلك قوة وهو قول عبد الملك (٩)، أو يؤكل إن كان حين الإرسال قريبًا منه وهو قول ابن حبيب (١٠). قوله: (بلا ظُهُورِ تَرْكٍ) أي: ويشترط أيضًا في أكل ما قتله الجارح أن يكون على انبعاثه من حين أرسله ربه إلى حين أخذ الصيد، فلو أرسله ربه فاشتغل بأكل ميتة أو مع كلب آخر وقف معه ثم انبعث ثانيًا حتى أخذه فإنه لا يؤكل، أما إذا أرسله على جماعة فقتل منها واحدًا بعد واحد (١١) فإن اشتغاله بالأول لا يضر في جواز أكل الثاني، وهو

стр. 984

مذهب المدونة (١)، وقيل: لا يؤكل، وإلى الأول أشار بقوله: (وَلَوْ تَعَدَّدَ مَصِيدُهُ) والفرق بين هذا وبين (٢) ما تقدم أنه في الأولى (٣) اشتغل بخلاف ما أرسل عليه ولا (٤) كذلك هنا، وقال محمد: إن قتل الجارح واحدًا بعد واحد أكل الأول فقط، وإن قتلهما دفعة أكلا معًا (٥)، ثم أشار إلى بقية الأمور التي لا تضر في الصيد ولا تؤثر في عدم أكله بقوله: (أَوْ أَكَلَ) أي: الجارح من الصيد فإنه لا يضر، وهو المشهور في الوحش، وأما في الطير فلا خلاف أن أكله من الصيد لا يضر. قوله: (أَوْ لَمْ يُرَ بِغَارٍ، أوْ غَيْضَةٍ) يريد أن الصائد إذا لم ير الصيد لاختفائه عنه في غار أو غيضة فأرسل عليه الجارح فقتله فإنه يؤكل. المازري: وهو المشهور، ونص ابن الجلاب في مسألة الغار على الأكل (٦)، وقال سحنون: إذا أرسله وهو لا يدري أفيه شيء أم لا أنه لا يؤكل ولو نواه، وقال أشهب: لا يصح له أن ينوي ما لم يره من الصيد (٧). قوله: (أَوْ لَمْ يَظُنَّ نَوْعَهُ مِنَ الْمُباحِ) يريد أن الصائد إذا أرسله على صيد ولم يظن جنسه ولا تحققه من أي أنواع المباح هو، يريد: مع علمه أنه ليس بمحرم فإنه يصح. ابن الحاجب: ولو أرسله ولا ظن صح على المشهور (٨)، ولم يحك اللخمي خلافه، وحكى ابن بشير قولين بالصحة وعدمها (٩). قوله: (أَوْ ظَهَرَ خِلافُهُ) أي: وكذلك يصح إذا ظن نوعًا من المباح فأرسل عليه فإذا هو نوع غيره من المباح، وهو قول أشهب واختاره الأشياخ، وقال أصبغ: لا يصح (١٠)،

стр. 985

وقال ابن بشير: هو خلاف في حال أن قصد الذكاة مطلقًا صح وإلا فلا (١). قوله: (لا إِنْ ظَنَّهُ حَرَامًا) أي: فإنه لا يؤكل إذا قتله الجارح ولو ألفاه مباحًا، وقاله في المدونة (٢). قوله: (أَوْ أَخَذَ غَيْرَ مُرْسَلٍ عَلَيْهِ) أي: مثل أن يرسله على بقرة وحش فأخذ حمار وحش أو غيره من المباح، وقاله في المدونة ثم قال فيها: وإن أرسله على صيد لا يرى غيره ونوى ما صاد سواه، فليأكل ما صاده (٣). قوله: (أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمُبِيحَ في شَرِكَةِ غَيْرِهِ) أي: وكذلك لا يؤكل الصيد إذا لم يتحقق المبيح لأكله كما إذا اشترك مع المبيح لأكله ما أعان على (٤) قتل الصيد من أحد الأمور التي يذكرها؛ لأن الأمر إذا دار بين التحريم والحلية غلب التحريم، ثم أشار إلى الأمور التي لا يؤكل معها، فقال: (كَماءٍ) يريد: أن الجارح إذا ألجأ الصيد حتى دخل معه الماء ثم أخذه وقتله وهو في الماء أو رمى سهمًا على طير فوقع فيه فمات داخل الماء، ومثل ذلك ما إذا وقعت البهيمة في الماء فلم يقدر صاحبها أن يذبحها إلا ورأسها في الماء أنها لا تؤكل، وقاله في العتبية (٥). قوله: (أَوْ ضُرِبَ بِمَسْمُومٍ) أي: رماه الصائد بسهم مسموم، قال مالك في العتبية فيمن رمى صيدًا بسهم مسموم فيدرك ذكاته: لا أرى أن يؤكل وإن ذكي، فقيل له: إن السم (٦) يجتمع في بضعة واحدة وتقطع، قال: لا أرى (٧) ذلك، ونهى عنه، وقال: أخاف أن يكون السم قتله ويخاف على من يأكل منه الموت، ونهى عنه، وقال سحنون: يؤكل (٨).

стр. 986

قوله: (أَوْ كَلْبِ مَجُوسِيٍّ) أي: وكذلك (١) لا يؤكل الصيد إذا اشترك (٢) في قتله كلب مسلم وكلب مجوسي، يريد: إذا كان المجوسي هو المرسل له، وأما لو أرسله المسلم من يده وهو معلم فإن الصيد يؤكل، وقاله في المدونة (٣)، وهو كذبحه بسكين المجوسي. قوله: (أَوْ بِنَهْشِهِ (٤) مَا قَدَرَ عَلَى خَلاصِهِ مِنْهُ) يريد أن الصيد إذا مات من نهش الجارح والصائد يقدر على خلاصه منه فلم يفعل، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى مع، والضمير فيه وفي (منه) عائد على الجارح وفي (خلاصه) على الصيد، ولا بد في كلامه حينئذٍ من حذف، والتقدير: ولا يؤكل الصيد إذا اشترك في قتله ذكاة الصائد مع نهش الجارح المقدور على خلاصه منه، واحترز بذلك مما إذا لم يقدر على خلاصه (٥) منه ولم يفرط حتى مات بنفسه فإنه يؤكل إن بينه الجارح، قاله في المدونة (٦). (المتن) أَوْ إِغْرَاءٍ فِي الْوَسَطِ أَوْ تَرَاخَى فِي اتِّبَاعِهِ؛ إِلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لا يَلْحَقُهُ، أَوْ حَمَلَ الآلَةَ مَعَ غَيْرٍ، أَوْ بِخُرْجٍ، أَوْ بَاتَ أَوْ صُدِمَ، أَوْ عَضَّ بلا جُرْحٍ أَوْ قَصَدَ مَا وَجَدَ، أَوْ أَرْسَلَ ثَانِيًا بَعْدَ مَسْكِ أَوَّلَ، وَقَتَلَ، أَوِ اضْطَرَبَ فَأَرْسَلَ وَلمْ يُرَ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمُضْطَرَبَ، وَغَيْرَهُ فَتَأْوِيلانِ. (الشرح) قوله: (أَوْ إِغْرَاءٍ في الْوَسَطِ) يريد: أن الكلب إذا انبعث على الصيد بنفسه ثم أغراه الصائد بعد ذلك فإنه لا يؤكل لقوله ﵊: "إذا أرسلت كلبك المعلم ... " (٧) الحديث، وظاهر ما هنا أن الإغراء هو المثير للشك وليس كذلك، بل هو المرجح جانب (٨) الإباحة، إلا أن يقال: لولا الإغراء لما شك في عدم أكله وفيه نظر؛ إذ يصير تقدير كلامه: ولا يؤكل الصيد إذا لم يتحقق المبيح بسبب إغراء الجارح في

стр. 987

الوسط، وما ذكره من أن الإغراء في الوسط لا يفيد (١) هو المشهور خلافًا لأصبغ، وقال عبد الملك: إن زاده قوة أكل وإلا فلا (٢)، وقد تقدم ذلك. قوله: (أَوْ تَرَاخَى فِي اتِّبَاعِهِ، إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لا يَلْحَقُهُ) يريد أن الصائد إذا تراخى في اتباع الصيد حتى قتله الجارح لا يؤكل إلا أن يعلم أنه لا يدركه ولو جَدَّ في أثره؛ لأنه مع القدرة على إدراكه يشبه الإنسي الذي لا يؤكل بالعقر، بخلاف ما إذا علم أنه لا يدركه فإنه على أصله من جواز الأكل بالعقر، وهذا معطوف على قوله: (لَا إِنْ ظَنَّهُ حَرَامًا) وما بعده كذلك. قوله: (أَوْ حَمَلَ الآلَةَ مَعَ غيْرٍ أَوْ بِخُرْجٍ) أي: وكذلك لا يؤكل الصيد إذا فرط الصائد في عدم ذكاته حتى مات (٣) بنفسه بأن وضع آلة الذبح في مكان يحتاج معه إلى طول، كما إذا كانت مع غيره أو في خرجه؛ إذ يطلب منه حملها (٤) في مكان يسهل تناولها منه ككمه وخفه وحزامه ويده. قوله: (أَوْ بَاتَ) أي: عن صائده ثم وجده من الغد فيه أثر كلبه أو بازه أو وجد فيه سهمه وهو ميت، قال في المدونة: ولو أنفذت مقاتله الجوارح أو سهمه وهو فيه بعينه. مالك: وتلك السنة وهذا هو المشهور (٥). وقال أصبغ وابن عبد الحكم: يؤكل، وقال محمد: إن كان بسهم ووجده في مقتله أكله وإلا فلا، وقال عبد الملك: إن وجده منفوذ المقاتل أكل وإلا فلا (٦). قوله: (أَوْ صُدِمَ، أَوْ عُضَّ بِلا جُرْحٍ) أي: وكذلك لا يؤكل الصيد إذا مات من صدم الكلب أو الجارح أو صدمه جبل من خوفه، أو مات من عض الكلب من غير جرح وهو المشهور، ولا خلاف أنه (٧) إن جرحه الجارح حتى أدماه (٨) أنه يؤكل.

стр. 988

قوله: (أَوْ قَصَدَ مَا وَجَدَ) أي: لم يقصد شيئًا معينًا. بعض الأشياخ: ولا خلاف في المذهب أنه لا يباح الإرسال إلا (١) على صيد يقوم بين يديه، معناه: ويرسله على أن كل صيد وجده في طريقه أخذه، وهو مراد الشيخ هنا. قوله: (أَوْ أَرْسَلَ ثَانِيًا بَعْدَ مَسْكِ (٢) أَوَّلَ، وَقتَلَ) أي: وكذلك لا يؤكل الصيد إذا أرسل عليه جارحًا (٣) فأمسكه ثم أرسل عليه (٤) ثانيًا فقتله الثاني؛ لأن الصيد بعد إمساك (٥) الأول لا يؤكل بالعقر، لأنه مقدور عليه حينئذٍ. قوله: (أَوِ اضْطَرَبَ فَأَرْسَلَ وَلَمْ يُرَ إِلا أنْ يَنْوِيَ المُضْطَرَبَ، وَغَيْرَهُ فتَأْوِيلانِ) أي: وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح إذا اضطرب فأرسله ربه ولم يظهر له صيد إلا أن ينوي الصائد المضطرب عليه وغيره فإنه اختلف فيه، فقيل: يؤكل. ابن رشد: وهو معنى ما في المدونة في الذي يرسل كلبه على جماعة من الصيد وينوي إن كان وراءها جماعة أخرى لم يرها فيأخذ ما لم ير أنه يأكله. قال: ومن الناس من حمل ذلك على الخلاف لما في المدونة مثل قول أشهب أنه لا يصح أن ينوي في إرساله ما لم يره، والأول أظهر (٦)، وهذا معنى قوله: (فتأويلان). (المتن) وَوَجَبَ نِيَّتُهَا وَتَسْمِيَةٌ إِنْ ذَكَرَ. وَنَحْرُ إِبِلٍ، وَذَبْحُ غَيْرِهِ إِنْ قَدَرَ، وَجَازَا لِلضَّرُورَةِ، إِلَّا الْبَقَرَ فَيُنْدَبُ الذَّبْحُ كَالْحَدِيدِ، وَإحْدَادِهِ، وَقِيَامُ الإِبِلِ وَضَجْعُ ذِبْحٍ عَلَى الأَيْسَرَ وَتَوَجُّهُهُ، وَإِيضَاحُ الْمَحَلِّ، وَفَرْيُ وَدَجَي صَيْدٍ أُنْفِذَ مَقْتَلُهُ، وَفِي جَوَازِ الذَّبْحِ بالْعَظْمِ وَالسِّنِّ أوْ إِنِ انْفَصَلا، أَوْ بِالْعَظْمِ، وَمَنْعِهِمَا، خِلافٌ. وَحَرُمَ اصْطِيَادُ مَأْكُولٍ لا بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ، إِلَّا بِكَخِنْزِيرٍ، فَيَجُوزُ كَذَكَاةِ مَا لا يُؤْكَلُ إِنْ أَيِسَ مِنْهُ، (الشرح) قوله: (وَوَجَبَ نِيَّتُهَا) الضمير عائد على الذكاة التي هي ذبح ونحر وعقر وهو

стр. 989

الاصطياد؛ أي: ووجب قصد الذكاة على كل تقدير فلو رمى بحجر أو غيره ولم ينوِ الاصطياد فوافق الإصابة فإنه لا يؤكل كما إذا ضرب شاة أو غيرها لا يريد ذبحها (١) فوافق الذبح أو النحر. قوله: (وَتَسْمِيَةٌ إِنْ ذَكَرَ) يريد: في الأنواع الثلاثة، قال في المدونة: ولا بد من التسمية عند الرمي وعند إرسال الجوارح وعند الذبح (٢)، فإن نسي التسمية في ذلك كله أكل وسمى، وإن ترك التسمية عامدًا لم تؤكل (٣)، وظاهرها كما قال هنا أنها واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان، وعليه حملها بعض الأشياخ، ومنهم من حمل المدونة على أنها سنة. قوله: (وَنَحْرُ إبِلٍ، وَذَبْحُ غَيْرِهِ، إِنْ قَدَرَ) أي: ووجب نحر الإبل وذبح غيرها مع القدرة، وأما مع الضرورة فيجوز الأمران في كل الحيوان، ولهذا قال: (وَجَازَا لِلضَّرُورَةِ). قوله: (إِلا الْبَقَرَ فَيُنْدَبُ الذَّبْحُ) هو مستثنى من صدر المسألة، أي: ووجب في الإبل النحر وفي غيرها الذبح مع القدرة إلا البقر فإنه يجوز فيها الأمران، والمستحب الذبح. قوله: (كَالْحَدِيدِ، وَإحْدَادِهِ) أي: ويندب ذبح البقر كما تندب الذكاة بالحديد، وكما يندب إحداده، أي: سنه لأنه أخف على الذبيحة، لقوله ﵇: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شفرته وليرح ذبيحته" (٤)، وأمر أن تُحدَّ الشِّفَار. قوله: (وَقِيَامُ الإِبِلِ) أي: ومما يستحب في نحر الإبل أن تكون قائمة، لأنه أمكن للمذكي، ويريد: معقولة؛ لئلا تنفر فلا يستطيع ردها.

стр. 990

قوله: (وَضَجْعُ ذِبْحٍ عَلَى الأَيْسَرِ وَتَوَجُّهُهُ (١)، وَإِيضَاحُ المحَلِّ) الذبح بكسر الذال: هو ما يذبح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، وإنما استحب ضجعه على شقه (٢) الأيسر؛ لأنه أمكن للذابح، ولهذا قال ابن القاسم: إن الأعسر يضجعه على شقه الأيمن. محمد: والسنة أن يكون إلى القبلة ورأسه مشرف (٣)، وتأخذ بيدك اليسرى جلدة حلقه من اللحي الأسفل بالصوف وغيره فتمد حتى تتبين البشرة (٤)، وهو معنى إيضاح المحل. قوله: (وَفَرْيُ وَدَجَيْ صَيْدٍ أُنْفِذَ مَقْتَلُهُ) يريد: أنه يستحب للصائد إذا (٥) أدرك الصيد منفوذ المقاتل أن يفري أوداجه، قاله في المدونة وزاد فيها: فإن لم يفعل وتركه حتى مات أكله ولا شيء عليه (٦). قوله: (وَفي جَوَازِ الذَّبْحِ بِالْعَظْمِ وَالسِّنِّ أَوْ إِنِ انْفَصَلَا (٧)، أَوْ بِالْعَظْمِ، أَوْ مَنْعِهِمَا (٨) خِلافٌ) أي: وفي جواز الذبح بالعظم والسن مطلقًا، وهو قول ابن وهب عن مالك (٩) واختاره ابن القصار (١٠)، أو جوازه بهما إن انفصلا لا إن اتصلا؛ لأنه نهش وخنق، وهو قول مالك عند ابن حبيب (١١). ابن رشد: وهو الصحيح (١٢)، أو إنما يجوز ذلك بالعظم دون السن وهو أيضًا عن

стр. 991

مالك (١)، قال في الإكمال: وهو المشهور (٢)، أو يمنع الذبح بهما مطلقًا وهو أيضًا عن مالك. الباجي: وهو الصحيح (٣). قوله: (وَحَرُمَ اصْطِيَادُ مَأْكُولٍ لا بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ) أي: لا بنية الذكاة (٤) المطلوبة في المأكول؛ لأنه من باب العبث، وقد نهى ﵊ عن تعذيب الحيوان لغير مأكله (٥). قوله: (إِلا بِكَخِنْزِيرٍ فيجُوزُ) يريد: أنه يجوز اصطياد الخنزير ونحوه مما لا يؤكل بنية قتله لا غير، نص عليه اللخمي (٦). قوله: (كَذَكَاةِ مَا لا يُؤْكَلُ إِنْ أَيِسَ مِنْهُ) هو مذهب ابن القاسم (٧)، وقيل: إنما يعقر لئلا يوهم إباحة أكله، وقال ابن وهب: يمنع ذلك (٨). [فصل في الكراهة في الذكاة] (المتن) وَكُرِهَ ذَبْحٌ بِدَوْرِ حُفْرَةٍ، وَسَلْخٌ أَوْ قَطعٌ قَبْلَ الْمَوْتِ، كَقَوْلِ مُضَحٍّ: اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ؛ وَتَعَمُّدُ إِبَانَةِ رَأْسٍ. وَتُؤُوِّلَتْ أيْضًا عَلَى عَدَمِ الأَكْلِ إِنْ قَصَدَهُ أَوَّلًا، وَدُونَ نِصْفٍ أُبِينَ مَيْتَةٌ، إِلَّا الرَّأْسَ. وَمَلَكَ الصَّيْدَ الْمُبَادِرُ، وَإِنْ تَنَازَعَ قَادِرُونَ فَبَيْنَهُمْ، وَإِنْ نَدَّ وَلَوْ مِنْ مُشْتَرٍ فَلِلثَّانِي، لا إِنْ تَأَنَّسَ وَلَمْ يتَوَحَّشْ، وَاشْتَرَكَ طَارِدٌ مَعَ ذِي حِبَالَةٍ قَصَدَهَا، وَلَوْلاهُمَا لَمْ يَقَعْ، بِحَسَبِ فِعْلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَأَيِسَ مِنْهُ فَلِرَبِّهَا، وَعَلَى تَحْقِيقٍ بِغَيْرِهَا فَلَهُ كَالدَّارِ، إِلَّا أَنْ لا يَطْرُدَهُ لَهَا فَلِرَبِّهَا. (الشرح)

стр. 992

قوله: (وَكُرِهَ ذَبْحٌ بِدَوْرِ حُفْرَةٍ) يشير إلى قوله في المدونة: وبلغ مالكًا أن الجزارين يجتمعون على الحفرة ويذبحون حولها، فنهاهم عن ذلك وأمرهم بتوجيهها إلى القبلة (١)، وحمله أكثر الشيوخ على عمومه، أي: أنها تؤكل كانوا جاهلين أو عامدين وهو المشهور، وقال ابن حبيب: إنما حمل مالك أمرهم على الجهل، قال: وقد قال مالك: إنه متى (٢) ترك التوجه عامدًا لا تؤكل (٣). قوله: (وَسَلْخٌ أَوْ قَطْعٌ قَبْلَ المَوْتِ) أي: وكذلك يكره سلخ الذبيحة أو قطع شيء منها قبل موتها، وقاله في المدونة ثم قال: فإن فعل (٤) أكلت مع ما قطع منها (٥). قوله: (كَقَوْلِ مُضَحٍّ: اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ) أي: وكذلك يكره للمضحي أن يقول عند ذكاته أضحيته ذلك، وقاله في المدونة ثم قال: وهذه بدعة (٦). ابن رشد: وهذا في حق من يرى ذلك من لوازم التسمية، وأما على غير هذا الوجه فلا يكره (٧). قوله: (وَتَعَمُّدِ إِبَانَةِ رَأْسٍ، وَتُؤُوِّلَت أَيْضًا عَلَى عَدَمِ الأكلِ إِنْ قَصَدَهُ أَوَّلًا) أي: وكذلك يكره للذابح أن يتعمد (٨) في ذبحه قطع الرأس لما فيه من التعذيب. ابن القاسم وأصبغ: ولو قصد ذلك ابتداء أكلت (٩). وقال مطرف وابن الماجشون: لا تؤكل (١٠). وتؤوِّل (١١) قوله في المدونة: ومن ذبح فترامت يده إلى أن أبان الرأس أكلت إن لم يتعمد ذلك (١٢)، على القولين كما أشار إليه، وفهم (١٣) ذلك من قوله أيضًا: لأن معناه أن

стр. 993

المدونة تؤولت على الكراهة، وتؤولت أيضًا على عدم الأكل. ولو لم يقل أيضًا لأوهم أنها لم تؤول إلا على عدم الأكل فقط. قوله: (وَدُونَ نِصْفٍ أُبِينَ مَيْتَةٌ، إِلا الرَّأْسَ) يريد أن الكلب أو البازي إذا قطع عضوًا من الصيد دون النصف (١) من يد أو رجل أو فخذ أو جناح فمات منه قبل أن يدرك ذكاته لم يؤكل وهو ميتة (٢)، وقاله في المدونة (٣)، وكذلك إذا ضرب شاة أو بقرة أو نحوهما (٤) فانقطع منها قطعة فإنها ميتة لا تؤكل ولو نوى (٥) بها الذكاة، وأما الرأس فليس بميتة وتؤكل معه. ابن زرقون: لأنه مقتل (٦) لا محالة، وهذا الذي أشار إليه إنما هو إذا أبين الجزء وانفصل أو كان في حكم البائن كالمتعلق بالجلد أو بيسير من (٧) اللحم. ابن حبيب: وإن كان مما تجري فيه الروح على هيئته أكل جميعه (٨). قوله: (وَمَلَكَ الصَّيْدَ المُبادِرُ) يريد أن الصيد إذا رآه جماعة فبادر واحد منهم فأخذه أو بادر غير من رآه فأخذه فإنه يملكه، لأن الصيد إنما يملك بوضع اليد عليه لا بالرؤية. قوله: (وَإنْ تَنَازَعَ قَادِرُونَ فبيْنَهُمْ) يريد (٩): لأن كل واحد منهم متمكن من أخذ الصيد، وإنما حكم به للجميع رفعًا للنزاع، ولأن الحكم به لأحدهم ترجيح بلا (١٠) مرجح. قوله: (وَإنْ نَدَّ وَلَوْ مِنْ مُشْتَرٍ فَلِلثَّانِي) يريد أن الصيد إذا ند من ربه؛ أي: هرب منه سواء ملكه باصطياد أو بشراء فإنه يكون (١١) لمن صاده ثانيًا، إلا أن يكون قد تأنس عند

стр. 994

الأول ولم يلحق بالوحش فإنه يكون للأول، وإليه أشار بقوله: (لا إِنْ تَأَنَّسَ وَلَمْ يَتَوَحَّشْ) ونص اللخمي (١) والمازري وابن شاس (٢) أن ذلك متفق عليه (٣)، فإن صاده قبل تأنس عند الأول وبعد أن لحق بالوحش، وكان الأول قد ملكه بصيد فهل يكون للأول أو للثاني؟ قولان، وقيل: إن طال مقامه عن الأول فهو للثاني، وإلا فهو للأول، واختلف إذا ملكه الأول بشراء هل تجري فيه الأقوال الثلاثة، وإليه ذهب ابن شاس وغيره فيما نقله عن (٤) ابن المواز، وقال ابن الكاتب: هو للأول على كل حال (٥). قوله: (وَاشْتَرَكَ طَارِدٌ مَعَ ذِي حِبَالَةٍ قَصَدَهَا، وَلَوْلاهُمَا لَمْ يَقَعْ، بِحَسَبِ فِعْلَيْهِما) يريد (٦): إذا نصب شخص (٧) ما يصيد به (٨) من شبكة أو شرك أو فخ، وهو مراده بالحبالة، وفي معنى ذلك ما ينصب من حفرة ونحوها للصيد فطرده شخص آخر قاصدًا أن يقع في الحبالة ونحوها، (وَلَوْلَاهُمَا) أي: الطارد والحبالة لم يقع الصيد فإنهما؛ أي: الطارد وصاحب الحبالة يشتركان فيه بحسب فعليهما، فإذا قيل: أجرة الناصب تساوي درهمًا مثلًا، وأجرة الطارد تساوي درهمين، كان لصاحب الحبالة الثلث وباقيه للطارد، وهذا هو المشهور، وقال أصبغ: الصيد للطارد وعليه للآخر أجرة الحبالة (٩). قوله: (وَإنْ لَمْ يَقْصِدْ وَأَيِسَ مِنْهُ فَلِرَبِّها) أي: وإن لم يقصد الطارد الحبالة وهو على إياس (١٠) من أخذ الصيد فهو لرب الحبالة، قال عيسى: قلت لابن القاسم: فلو لم يكن طرد الصيد إلى المنصب ولا رآه إلا أنه اتبعه حتى وقع فيه؟ فقال: إن كان

стр. 995

الصائد (١) قد انقطع منه وذهب الصيد حيث شاء فسقط (٢) في ذلك المنصب فهو لرب المنصب، وإن كان أعياه وأشرف على أخذه فهو كشيء حازه؛ لقدرته عليه حيث أضعفه فوقع في المنصب أو في دار رجل فهو للطارد دون صاحب المنزل (٣)، وإليه أشار بقوله: (وَعَلَى تَحْقِيقٍ بِغَيْرِهَا فَلَهُ كَالدَّارِ) وحكى (٤) عبد الحق عن بعض شيوخه قولين فيمن طرد صيدًا إلى دار رجل فأخذه فيها، فقيل: هو للطارد؛ لأن الدار لم تتخذ للصيد، وقيل: هي كالمنصب، وصوب الأول؛ لأن الدار لم تعمل لذلك والمنصب عمل للصيد (٥)، وأشار بقوله: (إِلا أَنْ لَا يَطْرُدَهُ لَهَا فَلِرَبِّها) إلى أنه إذا تبع الصيد ولم يقصد دخوله الدار وإنما دخلها هو من غير أن يلجئه الطارد إليها فلا شيء فيه للطارد وهو لربها (٦)، وقاله في المدونة (٧)، وقال أشهب: هو للطارد. (المتن) وَضَمِنَ مَارٌّ أَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ وَتَرَكَ، كَتَرْكِ تَخْلِيصِ مُسْتَهْلَكٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ بِيَدِهِ أَوْ شَهَادَتِهِ أَوْ بِإمْسَاكِ وَثِيقَةٍ أَوْ تَقْطِيعِهَا. وَفِي قَتْلِ شَاهِدَيْ حَقٍّ تَرَدُّدٌ، وَتَرْكِ مُوَاسَاةٍ وَجَبَتْ بِخَيطٍ لِجَائِفَةٍ، وَفَضْلِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ لِمُضْطَرٍّ، وَعُمُدٍ وَخَشَبٍ فَيَقَعَ الْجِدَارُ، وَلَهُ الثمَنُ إِنْ وُجِدَ. وَأُكِلَ الْمُذَكَّى، وَإِنْ أُيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ كتَحَرُّكٍ قَوِيٍّ مُطْلَقًا، أَوْ سَيْلِ دَمٍ، إِنْ صَحَّتْ إِلَّا الْمَوْقُوذَةَ، وَمَا مَعَهَا الْمَنْفُوذَةَ الْمَقَاتِلِ: بِقَطْعِ نُخَاعٍ، وَنَثْرِ دِمَاغٍ، وَحُشْوَةٍ، وَفَرْيِ وَدَجٍ، وَثَقْبِ مُصْرَانٍ. (الشرح) قوله: (وَضَمِنَ مَارٌّ أَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ وَتَرَكَ) يريد أن من رمى صيدًا أو أرسل عليه جارحه فمر به إنسان فأمكنته ذكاته بأن يكون معه آلة الذكاة أو نحو ذلك فتركه حتى مات، فإنه يضمن ذلك للصائد؛ أي: ولا يؤكل؛ لأنه تنزل منزلة ربه في تعيين الذكاة

стр. 996

وربه لو أمكنته ذكاته ففرط فيه (١) حتى مات لا يأكله فكذلك هذا، وأجرى ابن محرز وبعض المتأخرين في ذلك قولين من الخلاف في الترك، هل هو (٢) كالفعل أم لا؟ (٣) قوله: (كَتَرْكِ تَخْلِيصِ مُسْتَهْلَكٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ (٤) بِيَدِهِ) يريد أن من رأى ما يستهلك من نفس أو مال لغيره وهو يقدر على خلاصه فتركه حتى هلك فإنه يضمنه (٥)، ويأتي الإجراء المذكور (٦)، والباء في (بيده) متعلقة بـ (تخليص) وهي للظرفية. قوله: (أَوْ شَهَادَتِهِ) يريد به أن من شهد لشخص بحق على آخر وجحده المديان حقه وهو قادر على تخليصه له بشهادته (٧)، فتركه حتى فات بموت الغريم ونحوه، فإنه يضمن ذلك. قوله: (أَوْ بِإمْسَاكِ وَثيقَةٍ) أي: لغيره حتى فوت ما فيها على صاحبها، وكذلك إذا قطعها كما أشار إليه بقوله: (أَوْ تَقْطِيعِهَا) وعندي أن هذا أقوى مما قبله. قوله: (وَفي قَتْلِ شَاهِدَيْ حَقٍّ تَرَدُّدٌ) أي: إذا قتل شاهدي حق فضاع الحق بسبب ذلك هل يضمن الحق كما في تقطيع الوثيقة، أو لا يضمنه؛ لأنه قد لا يقصد الإبطال لعداوة بينه وبين الشاهدين؟ ابن بشير: وهو أدنى مرتبة من تقطيع الوثيقة (٨)؛ لأن هذا لم يتعدَّ على نفس الشهادة وإنما تعدى على سببها، فلا شك أنه أضعف من الأول. قوله: (وَتَرْكِ مُوَاسَاةٍ وَجَبَتْ بِخَيْطٍ لِجائِفَةٍ، أَوْ فَضْلِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ لِمُضْطَرٍّ) أي: ومما يكون الحكم فيه أيضًا الضمان ترك المواساة الواجبة بأحد الأمور المذكورة، وذلك بأن يكون شخص قد حصل له جرح جائفة أو غيرها فيمنع منه آخر ما يخيط (٩) به

стр. 997

ذلك، فيؤدي إلى هلاكه، أو يضطر شخص إلى فضلة طعام أو فضلة ماء (١) عن صاحبه، فيمنعه ذلك حتى يهلك جوعًا أو عطشًا، وإنما قال: (لمضطر) ليشمل الآدمي وغيره من حيوان أو زرع أو نحوه، وإنما قال: (فضل طعام أو شراب) لأنه لو لم يفضل عن ربه بل كان هو أيضًا مضطرًّا لذلك فإنه لا يضمن. قوله: (وَعُمُدٍ وَخَشَبٍ فَيَقَعُ الجْدَارُ) أي: ويجب أيضًا الضمان على من عنده عمد أو خشب، وقد اضطر جاره إلى إقامة جداره بذلك فمنعه ذلك حتى سقط الجدار. قوله: (وَلَهُ الثَّمَنُ إِنْ وُجِدَ) يريد أن من تعين عليه دفع شيء من الأمور المذكورة إذا دفعه لمن وجب دفعه له فإنه يجب له ثمنه على أخذه، وهو مذهب المدونة (٢). ابن يونس: ولا تشطوا عليهم في الثمن، وقال أشهب: إذا لم يكن معهم ثمن لا شيء عليهم وهو وفاق (٣)، وذكر اللخمي خلافًا هل يتبعون بالثمن إذا أيسروا أم لا؟ (٤) قوله: (وَأُكِلَ المُذَكَّى، وَإنْ أُيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ) المذكى تارة يكون قبل الذكاة صحيحًا وتارة مريضًا، فالأول لا إشكال فيه مع سيلان الدم أو غيره كما سيأتي في آخر المسألة، والثاني إن كان (٥) غير مأيوس منه عملت فيه الذكاة أيضًا (٦) كالصحيح، وإن كان مأيوسا فكذلك، قاله في الموطأ (٧) وهو مروي عن مالك وابن القاسم وأصبغ، وقال عبد الملك وابن عبد الحكم: لا يؤكل وهولمالك (٨). وفي مختصر الوقار (٩)، وعلى الأول فلا بد فيها من اعتبار الحركة، فإن تحركت حركة بينة

стр. 998

وسال دمها أكلت، وكذا إذا لم يَسِلْ على المنصوص، واختلف في وقت مراعاة الحركة فقيل: إنما ذلك بعد الذبح، وقيل: حين الذبح، وقيل: يكفي ذلك بعد الذبح أو معه، حكى ذلك في المقدمات (١)، وإلى ذلك أشار بقوله: (كَتَحَرُّكٍ قَوِيٍّ مُطْلَقًا) أي: سال معه دم أو لا، وخرَّج عدم أكلها إذا لم يسل من المنخنقة وأخواتها، ولا عبرة بسيل الدم فيها على انفراده، بخلاف الصحيحة فإن سيلان الدم فيها كافٍ وحده، ولهذا قال: (أوْ سَيْلِ دَمٍ إِنْ صَحَّتْ) يريد: وكذلك غيره من العلامات التي يستدل بها على الحياة. قوله: (إِلا المَوْقُوذَةَ، وَمَا مَعَهَا المَنْفُوذَةَ المَقَاتِلِ) لَمَّا كان كلامه أولًا يوهم أن المأيوس منه يؤكل بالذكاة ولو أنفذت مقاتله، أخرج منه ما ذكر (٢) هنا، والمراد بـ (الموقوذة وما معها) ما ذكره في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] فالمنخنقة ما مات بحبل ونحوه من الخنق، والموقوذة المضروبة بخشبة أو حجر أو نحوهما، والمتردية التي تردَّت من شاهق أو في (٣) بئر أو حفرة فماتت، والنطيحة التي نطحتها أخرى فماتت، وما أكل السبع؛ أي: ما أكل منه، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] أي: ما أدركتم ذكاته منها قبل موته على رأي، أو هو منقطع على معنى: لكن ما ذكيتم من غيرها فإنه يؤكل، ولا خلاف أن الذكاة تعمل فيما علمت حياته من ذلك، كما أنها لا تعمل فيما أنفذت مقاتله على أحد القولين، وقيل: تعمل إن كان المقتل في غير محل الذكاة. قوله: (بِقَطْعِ نُخَاعٍ، وَنَثْرِ دِمَاغٍ أَوْ حُشْوَةٍ، وَفَرْيِ وَدَجٍ، وَثَقْبِ مُصْرَانٍ) هو إشارة إلى الأمور التي اتفق على أنها مقاتل كما نص عليه الباجي؛ وهي (٤) خمسة: الأول: انقطاع النخاع وهو المخ الأبيض الذي في وسط فقار العنق والظهر. الثاني: انتثار (٥) الدماغ. الثالث: انتثار الحشوة. الرابع: فري الودجين. الخامس: انفتاق (٦)

стр. 999

المصران (١). عياض: وقد عد شيوخنا قطع المصران وانتثار (٢) الحشوة وجهين من المقاتل، وهو عندي راجع إلى معنى واحد وهو أنه إذا قطع المصران أو شق انتثرت الحشوة من الثفل (٣)، وفي البيان (٤) وغيره (٥): إن خرق المصران لا يكون مقتلًا إلا إذا كان في مجرى الطعام قبل تغيره (٦)، وأما إن كان في مجراه بعد ذلك فلا؛ لأن الأول لا يحصل معه انتفاع بالغذاء بخلاف الثاني فلا يكون مقتلًا، ونحوه للقاضي. (المتن) وَفِي شَقِّ الوَدَجِ قَوْلانِ، وَفِيهَا أَكْلُ مَا دُقَّ عُنُقُهُ، أَوْ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لا يَعِيشُ إِنْ لَمْ يَنْخَعْهَا. وَذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِنْ تَمَّ بِشَعْرٍ، وَإنْ خَرَجَ حَيًّا ذُكِّيَ؛ إِلَّا أَنْ يُبَادِرَ فَيَفُوتَ، وَذُكِّيَ الْمُزْلَقُ إِنْ حَييَ مِثْلُهُ. وَافْتَقَرَ نَحْوُ الْجَرَادِ لَهَا بِمَا يَمُوتُ بِهِ، وَلَوْ لَمْ يُعَجِّلْ كَقَطْعِ جَنَاحٍ. (الشرح) قوله: (وَفي شَقِّ الْوَدَجِ قَوْلانِ) يعني أنه اختلف في شق الودج هل هو مقتل، وإليه ذهب بعضهم، أو ليس بمقتل وإليه ذهب ابن عبد الحكم (٧). الباجي (٨): واختلف في اندقاق العنق من غير انقطاع نخاعه، فروى مطرف وعبد الملك (٩) عن مالك (١٠) أنه من المقاتل، وروى عنه ابن القاسم أنه ليس بمقتل حتى يقترن به انقطاع النخاع (١١)، وإليه أشار بقوله: (وَفيهَا أَكْلُ مَا دُقَّ عُنُقُهُ، أوْ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لا يَعِيشُ إِنْ يَنْخَعْهَا).

стр. 1000

قوله: (وَذَكَاةُ الجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِنْ تَمَّ بِشَعْرٍ) يريد أن البهيمة المأكولة إذا ذكيت فخرج من بطنها جنين ميت، فإنه يؤكل عملًا بقوله ﵊: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (١)، يروى برفع (٢) ذكاة الثاني وهو الأصح، والمعنى يحصل بذكاة أمه، ويروى بالنصب (٣) على معنى ذكاة الجنين أن يذكى مثل ذكاة أمه، ثم حذف مثل وما قبله وأقيم المضاف مقام المضاف إليه، فيفتقر الجنين إلى الذكاة في هذا دون الأول، وأشار بقوله: (إِنْ تَمَّ بِشَعْرٍ) إلى أن الحكم الذي ذكره مشروط بكمال خلقته (٤) ونبات شعره. اللخمي: وإن لم تجر فيه حياة (٥) لم تنفع فيه ذكاة أمه ولا يؤكل، وإذا جرت فيه الحياة فإن ذكيت أمه فخرج ميتًا أكل. قوله: (وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا ذُكِّيَ، إِلا أَنْ يُبَادِرَ فَيَفُوتُ) إنما يذكى في هذه الحالة؛ لأنه استقل بحكم نفسه، قاله اللخمي، إلا أن يسبقهم بنفسه من غير تفريط فلا بأس به وهو ظاهر (٦). قوله: (وَذُكِّيَ المُزْلَقُ إِن حَيِيَ مِثْلُهُ) هذه مسألة العتبية قال فيها: من رواية أبي زيد بن [أبي] الغمر (٧) عن ابن القاسم في بقرة أزلقت ولدها أنه ينظر فإن كان مثل ذلك يحيا

стр. 1001

ويعيش لم يكن بأكله بأس إذا ذكي (١)، وإن كان مثله لا يعيش لا يؤكل وإن ذكي، وإن شك في أمره فكان مثله يعيش ومثله لا يعيش لم يؤكل (٢)، وإن ذكي فقوله هنا (إن حيي مثله) يدل على الوجهين الآخرين وهو أنه إن لم يحيَ مثله أو شك في أمره لا يذكى ولا يؤكل، وهو واضح. ابن رشد: ولا أعلم (٣) في هذه المسألة نص خلاف (٤). قوله: (وَافْتَقَرَ نَحْوُ الجَرَادِ لَهَا بِما يَمُوتُ بهِ) نحو الجراد ما لا نفس له سائلة، والمشهور افتقار الجراد لها؛ أي: للذكاة خلافًا لمطرف (٥)، والمشهور أنه لا يكفي أخذه، خلافًا لابن وهب، فإنه قال: إذا أخذت حية فماتت أكلت، وعلى المشهور إذا فعل بها ما تزهق به روحها بسرعة كقطع رأسها (٦) أو إلقائها في النار أو الماء الحار فإنه ذكاة بلا خلاف، وكذلك على مذهب المدونة (٧) إن لم تزهق به بسرعة كقطع أرجلها أو أجنحتها أو إلقائها في الماء البارد، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ لَمْ يُعَجِّلْ كَقَطْعِ جَنَاحٍ) وقال سحنون: لا يكفي ذلك فيها (٨). فصلٌ [في المباح من الطعام] (المتن) فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ، وَالْبَحْرِيُّ وَإنْ مَيِّتًا، وَطَيْرٌ وَلَوْ جَلَّالةً وَذَا مِخْلَبٍ، وَنَعَمٌ، وَوَحْشٌ لَمْ يَفْتَرِسْ: كَيَرْبُوعٍ، وَخُلْدٍ، وَوَبْرٍ، وَأَرْنَبٍ، وَقُنْفُذٍ، وَضُرْبُوبٍ، وَحَيَّةٍ أُمِنَ سُمُّهَا. وَخَشَاشُ أَرْضٍ، وَعَصِيرٌ، وَفُقَّاعٌ، وَسُوبِيَاء، وَعَقِيدٌ أُمِنَ سُكْرُهُ، وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ، غَيرَ آدَمِيٍّ، وَخَمْرٍ إِلَّا لِغُصَّةٍ،

стр. 1002

(المُباحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ) يريد أن المباح من سائر الأطعمة هو الطاهر، فلا يؤكل من ذلك ما هو نجس بنفسه أو بمخالطة نجس له، فيطرح جميعه إن كان مائعًا، أو ما سرت فيه خاصة إن كان جامدًا، وسيأتي بيان ذلك. قوله: (وَالبَحْرِيُّ وَإنْ مَيْتًا) يريد أن البحري يؤكل جميعه سواء مات حتف أنفه أو بسبب مسلم أو مجوسي طفا أو رسب؛ ولهذا قال: (وإن ميتًا)؛ لقوله ﵊: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (١)، قال في المدونة: يؤكل ولو وجد في بطن طير الماء أو بطن حوت كان له شبه في البر أم لا (٢). قوله: (وَطَيْرٌ وَلَوْ جَلَّالةً) لا إشكال أن الطير جميعه مباح ولو أكل الجيف. ابن رشد: لا خلاف في المذهب أن أكل لحم الطير الذي يتغذى بالنجاسة حلال جائز (٣). قوله: (وَذَا مِخْلَبٍ) ابن شاس: والطير كله مباح ذو المخلب وغيره. أبو إسحاق: وعن مالك لا يؤكل كل ذي مخلب، وهو المذهب عندنا (٤). وظاهر قوله: "لا يؤكل" المنع، وعن ابن أبي أويس (٥) كراهته (٦). قوله: (وَنَعَمٌ) لا إشكال في إباحتها، والمراد بالنعم الإبل والبقر والغنم، وظاهره جلَّالة كانت أو غيرها وهو المشهور، وقيل: لا تؤكل الجلَّالة. قوله: (وَوَحْشٌ لَمْ يَفْتَرِسْ) أي: ومما يباح أكل الوحش الذي لا يفترس كالظباء وبقر الوحش وحمره وغيره مما لا يعدو. واحترز بذلك مما يفترس كالأسد والنمر

стр. 1003

والفهد والضبع والهر الوحشي، ومذهب الموطأ تحريم ذلك (١)، وقيل: ذلك مكروه، وهو ظاهر المدونة (٢). ولابن حبيب: الفرق بين ما يعدو كالأسد والنمر فيحرم، وبين ما لا يعدو كالضبع والثعلب والذئب، فيكره (٣). قوله: (كَيَرْبُوعٍ، وَخُلْدٍ، وَوَبْرٍ، وَأَرْنَبٍ، وَقُنْفُذٍ، وَضُرْبُوبٍ) اليربوع: أكبر من الفأر رجلاه أطول من يديه عكس الزرافة. والخلد: فأر أعمى. القاضي: وهو بضم الخاء المعجمة وفتح اللام، وبفتح الخاء وسكون اللام، وفتحهما (٤) أيضًا، وبكسر الخاء وسكون اللام. والوبر: قال الجوهري: هو بالتسكين دويبة أصغر من السنور (٥)، وقال ابن عبد السلام: هو بفتح الباء (٦). والأرنب: دابة قدر الهر في أذنيه طول. والقنفذ: بضم القاف والفاء وبفتح الفاء أيضًا، الجوهري: واحد القنافذ (٧). والضربوب: حيوان ذو شوك كالقنفذ الكبير، والتشبيه بين هذه الأشياء وما قبلها يحتمل أن يكون في مجرد الإباحة ويحتمل أن يكون في الإباحة وعدم الافتراس. قال في المدونة: ويجوز أكل الضب والأرنب والوبر والخلد والضرابيب والقنفذ (٨). قوله: (وَحَيَّةٍ أُمِنَ سُمُّهَا) أي: ومما يباح الحية إذا أمن سمها، قال في المدونة: وإذا ذكيت الحيات (٩) في موضع ذكاتها فلا بأس بأكلها (١٠). وموضع ذكاتها، قال أبو الحسن الصغير: يريد حلقها موضع الذكاة من غيرها. قوله: (وَخَشَاشُ أَرْضٍ) أي: وكذا يباح أكل خشاش الأرض وهوامها، قاله في

стр. 1004

المدونة (١). قوله: (وَعَصِيرٌ) قال في المدونة: وعصير العنب ونقيع الزبيب وجميع الأنبذة حلال، ما لم يسكر من غير توقيت بزمان ولا هيئة (٢). قوله: (وَفُقَّاعٌ وَسُوبِيَاء) هكذا نص عليه غير واحد. ابن شاس: وشرب السوبية حلال ما لم تدخلها الشدة المطربة فتحرم (٣). قوله: (وَعَقِيدٌ أُمِنَ سُكْرُهُ) العقيد هو العصير يغلى حتى ينعقد. قال ابن شاس: وجائز شرب العقيد الذي ذهبت منه قوة الإسكار (٤). قال في المدونة: ولا يحل الطبخ بالثلثين (٥) ولا غيرهما (٦)، بل ما منع إسكار كثيره (٧). قوله: (وَللضَّرُورةِ مَا يَسُدُّ) أي: ومما يباح في حال الضرورة فقط ما يسد الرمق من الميتة إلا ما يستثنيه (٨)، ولا خفاء أن الميتة تباح للمضطر، وحد (٩) الضرورة خوف الهلاك على النفس، وأشار بقوله: (مَا يَسُدُّ) إلى أن الذي يباح من ذلك ما يسد الرمق، وفي الجواهر: ولا يتقدر بسد الرمق بل يشبع ويتضلع، وقال عبد الملك وابن حبيب: إن كانت المخمصة دائمة تزود وشبع، وإن كانت نادرة اقتصر على سد الرمق (١٠). وفي الرسالة: ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع منها (١١) ويتزود فإن استغنى عنها طرحها (١٢). ابن الفاكهاني: وقوله: "ويشبع ويتزود" هو المشهور، ثم ذكر خلاف ابن

стр. 1005

الماجشون وابن حبيب، وقوله هنا خلاف المشهور. قوله: (غَيْرَ آدَمِيٍّ وَخَمْرٍ، إِلا لِغُصَّةٍ) ابن شاس: وأما جنس المستباح فكل ما يرد عنه جوعًا وعطشًا يرفع الضرورة أو يخففها (١) كالأطعمة النجسة والميتة من كل حيوان غير الآدمي، الشيخ أبو بكر: ولا يأكل ابنَ آدمَ وإن مات جوعًا، قاله علماؤنا (٢). وكالدم وشرب المياه النجسة وغيرها من المائعات سوى الخمر فإنها لا تحل إلا لإساغة (٣) الغصة على خلاف فيها، فأما الجوع والعطش فلا؛ إذ لا يفيد ذلك قيل: ربما زادت العطش، وقيل: تباح. (المتن) وَقَدَّمَ الْمَيِّتَ عَلَى خِنْزِيرٍ، وَصَيْدٍ لِمُحْرِمٍ، لا لَحْمِهِ، وَطَعَامِ غَيْرٍ؛ إِنْ لَمْ يَخَفِ الْقَطْعَ وَقَاتَلَ عَلَيهِ. وَالْمُحَرَّمُ النَّجَسُ، وَخِنْزِيرٌ وَبَغْلٌ وَفَرَسٌ وَحِمَارٌ وَلَوْ وَحْشِيًّا دَجَنَ. وَالْمَكْرُوهُ سَبُعٌ وَضَبُعٌ وَثَعْلَبٌ وَذِئْبٌ وَهِرٌّ وَإِنْ وَحْشِيًّا وَفِيلٌ وَكَلْبُ مَاءٍ وَخِنْزِيرُهُ وَشَرَابُ خَلِيطَيْنِ، ونبيذ وَنَبْذٌ بِكَدُبَّاءٍ، وَفِي كُرْهِ الْقِرْدِ وَالطِّينِ وَمَنْعِهِ قَوْلانِ. (الشرح) قوله: (وَقَدَّمَ المَيِّتَ عَلَى خِنْزِيرٍ) يريد أن المضطر إذا وجد ميتة ولحم خنزير فإنه يقدم الميتة على الخنزير؛ أي: لأنها تحل حيةً والخنزير لا يحل مطلقًا، والتحريم المخفف أولى أن يقتحم من التحريم المثقل، قاله ابن العربي. قوله: (وَصَيْدٍ لِمُحْرِمٍ) أي: إذا وجد المحرم الصيد والميتة أكل الميتة. ابن شاس: وقال ابن عبد الحكم: لو نابني ذلك لأكلت الصيد (٤). قوله: (لا لَحْمِهِ) أي: فإنه يقدمه على الميتة. ابن شاس: هو أولى منها لأن تحريمه خاص (٥). قوله: (وَطَعَامِ غَيْرٍ، إِنْ لَمْ يَخَفِ الْقَطْعَ) ابن شاس: فإن وجد ميتة وطعام

стр. 1006

الغير أكل طعام الغير إذا أمن أن يعد سارقًا، وهل يضمن القيمة إن أكل أو لا؟ قولان (١). قوله: (وَقَاتَلَ عَلَيْهِ (٢)) ابن شاس: وإذا ظفر بطعام من ليس مضطرًّا فليطلبه منه بثمن في ذمته ويظهر له حاجته إليه، فإن أبى استطعمه، فإن أبى أعلمه أنه يقاتله عليه، فإن امتنع منه غصبه منه، فإن دفعه جاز له دفع المالك وإن أدى إلى القتل، ويكون دمه حينئذٍ مهدورًا، ولو قتله المالك وجب القصاص (٣). قوله: (وَالمُحَرَّمُ: النَّجَسُ) هذا قسيم قوله: (المباح طعام طاهر)، ولا إشكال في تحريم الأطعمة النجسة في حال الاختيار، وسواء في ذلك الجامد والمائع. قوله: (وَخِنْزِيرٌ) هو مما اتفق على تحريمه للنص الوارد فيه. قوله: (وَبَغْلٌ، وَفَرَسٌ، وَحِمَارٌ) المشهور تحريم البغال والحمير، وعن مالك كراهتها (٤)، وظاهر الموطأ تحريم الخيل (٥)، وحكي فيها في الجواهر الكراهة والتحريم والإباحة (٦). قوله: (وَلَوْ وَحْشِيًّا دَجَنَ) هو قول مالك فإنه قال: إذا دجن الحمار الوحشي؛ أي: تأنس فإنه لا يؤكل ويصير كالحمار الأهلي (٧). وقال ابن القاسم: هو مباح (٨). قوله: (وَالمَكْرُوهُ: سَبُعٌ، وَضَبُعٌ، وَثَعْلَبٌ، وَذِئْبٌ، وَهِرٌّ؛ وَإنْ وَحْشِيًّا) هو نحو قوله (٩) في المدونة: لا أحب أكل الضبع ولا الثعلب ولا الهر الوحشي ولا الإنسي (١٠) ولا شيء

стр. 1007

من السباع (١)، وهو الذي يحكيه العراقيون عن المذهب، ومذهب الموطأ التحريم (٢)، وثالثها لابن حبيب: ما يعدو حرام كالسبع والنمر، وما لا يعدو كالضبع والهر مكروه (٣). قوله: (وَفِيلٌ) اختلف في أكل الفيل على ثلاثة أقوال: التحريم، والكراهة، والإباحة، وصحح الشيخ في توضيحه الإباحة (٤)، ولا أعرف من شهر الكراهة كما هو ظاهر كلامه هنا. قوله: (وَكَلْبُ مَاءٍ وَخِنْزِيرُهُ) حكى فيهما ابن الجلاب الكراهة (٥) كما حكى (٦) هنا، وحكى ابن بشير فيهما الإباحة والمنع (٧). قوله: (وَشَرَابُ خَلِيطَيْنِ ونبيذ) أي: ومما يكره شرب الخليطين؛ لأنه ﵊ نهى عن شربهما. القرافي: ولا ينبذ (٨) تمر مع زبيب، ولا بسر ولا زهو مع رطب، ولا حنطة مع شعير، ولا أحدهما مع تين أو عسل (٩). قوله: (وَنَبْذٌ بِكَدُبَّاءَ) يعني أن الانتباذ في الدباء ونحوها كالآنية المزفتة مكروه. قال في الجواهر: والانتباذ فيما عدا الدباء والمزفت جائز، وفيهما مكروه (١٠). زاد (١١) في الجلاب: الحنتم والنقير (١٢) لورود الحديث الصحيح فيهما (١٣).

стр. 1008

قوله: (وَفي كُرْهِ الْقِرْدِ وَالطِّينِ وَمَنْعِهِ قَوْلانِ) أما القرد فحكى في الجواهر عن الباجي كراهته، وعن ابن المواز تحريمه، وكذا في الواضحة، وأجاز بعض الأصحاب أكله إذا كان يرعى الكلأ (١). وحكي في الجواهر عن محمد (٢) كراهة الطين، وعن ابن الماجشون تحريمه (٣). * * *

стр. 1009

بابٌ [في الضحية والعقيقة] (المتن) بَابٌ سُنَّ لِحُرٍّ غَيْرِ حَاجٍّ بِمِنًى ضَحِيَّةٌ لا تُجْحِفُ، وَإِنْ يَتِيمًا بِجَذَعِ ضَأْنٍ، وَثَنِيِّ مَعْزٍ وَبَقَرٍ وَإبِلٍ: ذِي سَنَةٍ، وَثَلاثٍ، وَخَمْسٍ؛ بِلا شِرْكٍ إِلَّا فِي الأجْرِ؛ وَإنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ، إِنْ سَكَنَ مَعَهُ وَقَرُبَ لَهُ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ وَإنْ تَبَرُّعًا. وَإنْ جَمَّاءَ وَمُقْعَدَةً لِشَحْمٍ، وَمَكْسُورَةَ قَرْنٍ، لا إِنْ أَدْمَى، (الشرح) (سُنَّ لِحُرٍّ غَيْرِ حَاجٍّ بِمِنًى ضَحِيَّةٌ لا تُجْحِفُ، وَإنْ يَتِيمًا) المشهور أن الأضحية سنة كما قال، ورواه غير واحد عن مالك (١)، وحكى بعض الأشياخ قولين بالوجوب والسنية في المذهب (٢)، وربما زاد بعضهم الاستحباب، واحترز بقوله: (حر) من العبد فإنه لا يخاطب بها، وسواء كان قنًّا أوفيه شائبة من حرية، وقاله في المدونة قال فيها: وهي على الناس كلهم -أي: الأحرار الحاضر والمسافر- إلا الحاج فليست عليه (٣) وإن كان من سكان منى، ومن لم يشهد الموسم من أهل مكة وغيرها فهم في ضحاياهم كالأجنبيين، وإلى هذا أشار بقوله: (غَيْرِ حَاجٍّ بِمِنًى) أي: فإنه لا يخاطب بها، وفهم من كلامه إن كان (٤) بمنى من أهلها أو من (٥) غيرهم ولم يحج في عامه ذلك أنه يكون مخاطبًا بها كما تقدم، وقوله: (لا تُجْحِفُ) أي: لا تجحف (٦) بماله فإن كانت تجحف به لم يخاطب بها، قاله في الذخيرة، وقال: ولا حد فيه (٧)، وقوله: (وَإنْ يَتِيمًا) يريد: لوجود السبب فيه (٨) فيخاطب الولي بالأضحية عنه. ابن حبيب: ومن ولد في (٩) يوم النحر أوفي أيام

стр. 1010

الأضحى فإنه يضحى عنه (١). قوله: (بِجَذَعِ ضَأْنٍ، وَثَنِيِّ مَعْزٍ وَبَقَرٍ وَإبِلٍ) هو بيان للأسنان التي لا تجزئ الأضحية إلا بها، وهي الجذع من الضأن والثني مما عداه، والباء في (بجذع) متعلقة بسن؛ أي: لا تسن الأضحية إلا بهذه الأسنان. قوله: (ذِي سَنَةٍ، وَثَلاثٍ، وَخَمْسٍ) لما ذكر أن المعز والإبل والبقر لا يجزئ منها إلا الثني أشار إلى سن كل منها، فقوله: (ذي سنة) إشارة إلى سن الثني من المعز، وقوله: (وثلاث) إشارة إلى سن الثني من البقر، وقوله: (وخمس) إشارة إلى سن الثني من الإبل، وهو من باب اللف والنشر على الترتيب الأول للأول والثاني للثاني والثالث للثالث، والمشهور أن الثني من المعز ما أوفى سنة كما قال هنا. والثني من البقر ما أوفى ثلاث سنين (٢). وقال ابن حبيب: هو ابن سنتين (٣)، وما ذكره من سن الثني من البقر هو مذهب الرسالة لقوله فيها: هو ما دخل في السنة الرابعة (٤). وعن ابن حبيب: هو ابن أربع سنين (٥)، وعن عبد الوهاب: هو ما دخل في السنة الثالثة (٦)، والصحيح أن الثني من الإبل ابن خمس سنين، وقال ابن حبيب: هو ابن ست سنين (٧)، واختلف في الجذع من الضأن فالمشهور أنه ابن سنة، وقيل: ابن عشرة أشهر، وقيل: ابن ثمانية أشهر، وقيل: ابن ستة أشهر. قوله: (بِلا شِرْكٍ، إِلا في الأَجْرِ، وَإنْ أكثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ) يريد أن الأضحية لا يجوز الاشتراك فيها إلا الرجل في خاصة نفسه يشتري أضحية (٨) فيُشْرِك أهل بيته ومن في

стр. 1011

نفقته من أقاربه الساكنين معه في الأجر فلا بأس به، وقاله في المدونة، قال فيها: وإن كانوا أكثر من سبعة أنفس (١). ابن رشد: وفي (٢) جواز الاشتراك ومنعه قولان (٣). قوله: (إِنْ سَكَنَ معَهُ وَقَرُبَ لَهُ، وَأَنْفق عَلَيهِ وَإنْ تبَرُّعًا) يعني أنه يشترط فيمن يجوز إدخاله في الأجر ثلاثة شروط: الأول: أن يكون ساكنًا مع المضحي في منزل واحد، الثاني: أن يكون من أقاربه، وعليه فلا تدخل الزوجة ولا أم ولده ولا من له (٤) فيه بقية رق، وهو خلاف ما حكاه ابن المواز عن مالك، والثالث: أن يكون ممن ينفق عليه وإن تبرعًا، وعليه فيجوز إدخال الجد والجدة إذا كانوا في عياله، وهذه الشروط ذكرها الباجي وغيره. قوله: (وَإِنْ جَمَّاءَ) ابن بشير: لا خلاف في جواز (٥) الأضحية بالجماء وهي التي لا قرن لها، وحكى بعضهم فيه الإجماع (٦). قوله: (وَمُقْعَدَةً لِشَحْمٍ) هكذا نص عليه سحنون (٧). قوله: (وَمَكسُورَةَ قَرْنٍ، لا إِنْ أَدْمَى) هكذا قال في المدونة. أبو عمران: وظاهره انكسر من أعلاه أو من أسفله، وهو ظاهر الرسالة (٨) وعليه أكثر الأشياخ لأنه (٩) ليس نقصًا في الخلقة، وقال ابن حبيب: هذا إذا انكسر من أعلاه، وأما إن انكسر (١٠) من أسفله فلا يجزئه (١١)، وقوله: (لا إِنْ أَدْمَى) أي: فلا تجزئ، وقال أشهب: إن ضحى بها أجزأته (١٢).

стр. 1012

(المتن) كَبَيِّنِ مَرَضٍ، وَجَرَبٍ، وَبَشَمٍ، وَجُنُونٍ، وَهُزَالٍ، وَعَرَجٍ، وَعَوَرٍ، وَفَائِتِ جُزْءٍ غَيْرِ خِصْيَيْهِ وَصَمْعَاءَ جِدًّا، وَذِي أُمٍّ وَحْشِيَّةٍ، وَبَتْرَاءَ، وَبَكْمَاءَ، وَبَخْرَاءَ، وَيَابِسَةِ ضَرْعٍ، وَمَشْقُوقَةِ أُذُنٍ، وَمَكْسُورَةِ سِنٍّ، لِغَيْرِ إِثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ، وَذَاهِبَةِ ثُلُثِ ذَنَبٍ، لا أُذُنٍ - مِنْ ذَبْحِ الإِمَامِ لآخِرِ الثَّالِثِ- وَهَلْ هُوَ الْعَبَّاسِيُّ أَوْ إِمَامُ الصَّلاةِ قَوْلانِ. وَلا يُرَاعَى قَدْرُهُ فِي غَيْرِ الأَوَّلِ، وَأَعَادَ سَابِقُهُ إِلا الْمُتَحَرِّيَ أقْرَبَ إِمَامٍ، كَأَنْ لَمْ يُبْرِزْهَا وَتَوَانَى بِلا عُذْرٍ قَدْرَهُ، وَبِهِ انْتُظِرَ لِلزَّوَالِ. (الشرح) قوله: (كَبَيِّنِ مَرَضٍ، وَجَرَبٍ، وَبَشَمٍ، وَجُنُونٍ، وَهُزَالٍ، وَعَرَجٍ، وَعَوَرٍ (١)) هذا لقوله ﵊: "أربع لا تجزئ في الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظَلَعها (٢) والعجفاء التي لا تُنْقِي" (٣)، وفي الموطأ وغيره نحوه، واحترز بقوله: (بين) من المرض الخفيف ونحوه فإنه لا أثر له، قال في المدونة: ولا تجزئ الجربة إذا كان ذلك لها (٤) مرضًا (٥)، يريد إذا كان ذلك يعم جميع جسدها، وإليه أشار بقوله: (وجرب) أي: وبيّن الجرب، وهكذا البشمة (٦) إذا كان بشمها بينًا وإلا فلا. عياض: وهي التي تصيبها التخمة، وأما المجنونة فقال الباجي: لا نص فيها ورآه كالمرض (٧) ونحوه. اللخمي قال: إن كان ذلك دائمًا منع، وإلا فلا (٨). وقوله: (وهزال)

стр. 1013

يريد: أنها لا تجزئ إذا كان هزالها بينًا، وهو معنى قوله ﵊: "والعجفاء التي لا تنقي" أي: لا مخ في عظامها لشدة هزالها، وقال ابن حبيب: هي التي لا شحم فيها (١). وقوله: (وعرج) أي: بين، وهو معنى قوله ﵊: "البين ظلعها"، واحترز بذلك من العرج (٢) الخفيف الذي لا يمنعها أن تسير بسير الغنم فإنه لا يمنع الإجزاء، ورواه ابن حبيب عن مالك (٣)، وقوله: (وعور) أي: بين كما في الحديث، والعوراء هي التي ذهب بصر إحدى عينيها، فإن كان على عينها بياض على الناظر لا يمنعها النظر أو كان على غير الناظر لم يمنع الإجزاء، قاله مالك (٤)، وظاهر كلام أشهب أنه إن (٥) نقص نظرها شيئًا لم يجز أن يضحى بها. قوله: (وَفَائِتِ جُزْءٍ غيرِ خِصْيَيْهِ (٦) وَصَمْعَاءَ جِدًّا) المراد بـ (فائت (٧) جزء) ما خلق بغير يد أو رجل أو نحوهما أو خلق ناقص عضو أو قطع له عضو ينقص لحمه إلا نقص الخصية، فإذا نقص منه عضوٌ ما عدا الخصية فإنه لا يجزئ لنقصان اللحم، قال في الذخيرة: إلا على القول بقصر العيوب على الأربعة (٨)، والصمعاء هي الصغيرة الأذنين، إلا أنه إن كان صغرًا فاحشًا لا تجزئ معه، وقاله الباجي (٩)، ولهذا قال (جدًّا)، يريد: لأنهما إن لم يصغرا جدًّا فلا يمنعان الإجزاء، وقد حمل عليه قوله في المدونة: لا بأس بالسكاء وهي صغيرة الأذنين (١٠). قوله: (وَذِي أُمٍّ وَحْشِيَّةٍ) يريد أنها لا تجزئ بما (١١) كان متولدًا من إنسي ووحشي ولو

стр. 1014

كان أبوه من الأنعام كما لو ضربت فحول الضأن في إناث الظباء أو فحول البقر الإنسية في إناث البقر الوحشية، وهذا مما لا خلاف فيه في المذهب، ومفهوم كلامه أن الأم لو كانت من النعم أجزأ ولو كان أبوه من الوحش، وحكى ابن بشير في ذلك قولين: الإجزاء وهو اختيار ابن شعبان لأن أكثر الأحكام أن الولد تابع لأمه، وعدم الإجزاء (١)؛ لأن مورد الشرع ما خلص من الأنعام وهذا لم يخلص. قوله: (وَبَتْرَاءَ، وَبَكْمَاءَ، وَبَخْرَاءَ، وَيَابِسَةِ ضَرْعٍ) أي: وكذلك لا تجزئ الأضحية بشيء من هذه الأربعة، والبتراء: هي المخلوقة بغير ذَنَب، وإنما لا تجزئ لنقصان اللحم، ابن بشير: إلا على القول بقصر العيوب على الأربعة (٢)، والبكماء: قال في المبسوط: لا تجزئ (٣)، قال: وكذلك يتقى فيها نتن الفم (٤)، وهو مراده هنا بالبخر، وقال في الذخيرة: لنقصان الجمال (٥) ولاستلزامه تغير اللحم أو بعضه (٦)، وأما يابسة الضرع فقال محمد: لا تجزئ، قال: وإن رضعت ببعضه (٧) فلا بأس به (٨). قوله: (وَمَشْقُوقَةِ أُذُنٍ) يريد: ما لم يكن يسيرًا فإنه يجزئ بلا خلاف، وفي الرسالة: ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون يسيرًا (٩) ونحوه في المدونة (١٠). قوله: (وَمَكْسُورَةِ سِنٍّ، لِغَيْرِ إِثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ) قال في الموازية (١١): إن سقطت من إثغار أو هَرَم (١٢) فلا بأس به، وإن كان من غير ذلك فلا يضحي بها (١٣)، وقال ابن حبيب:

стр. 1015

إن (١) سقطت أسنانها من كبر أو كسر فلا تجزئ (٢). وخرج (٣) في البيان: إن سقطت لإثغار أجزأت بلا خلاف ولكسر لا تجزئ بلا خلاف (٤). قوله: (وَذَاهِبَةِ ثُلُثِ ذَنَبٍ، لا أُذُنٍ) يريد أن ذهاب ثلث الذنب فصاعدًا يمنع الإجزاء بخلاف ثلث الأذن فإنه لا يمنع. الباجي: والصحيح أن ثلث الأذن يسير وأن النصف فصاعدًا كثير واختلف في الثلث (٥) وثلث الذنب كثير؛ لأن الأذن طرف جلد لا يكاد يستضر به لكن ينقص الجمال كثيره، والذنب لحم وعصب (٦)، وقال ابن رشد: لا خلاف أن ما دون الثلث يسير وأن النصف فصاعدًا كثير، واختلف في الثلث قال: والأذن والذنب في ذلك سواء (٧)، ونص ابن حبيب على أن ثلث الأذن كثير (٨)، وحكى التونسي قولًا بيسارة ثلث الذنب (٩). قوله: (مِنْ ذَبْحِ الإِمَامِ لآخِرِ الثَّالِثِ) يريد أن وقت الذبح من حين يذبح الإمام في المصلى إلى آخر اليوم الثالث من يوم النحر وهو مما لا خلاف عندنا فيه، وقاله في المدونة (١٠)، والرسالة (١١)، ودل كلامه على أن من ذبح قبل الإمام لا يجزئه ولو ذبح بعد صلاة الإمام وهو صحيح. قوله: (وَهَلْ هُوَ الْعَبَّاسِيُّ، أَوْ إِمَامُ الصَّلاةِ؟ قَوْلانِ) أشار التونسي إلى أنه العباسي أو نائبه (١٢) وأنه لا عبرة بالمتغلبين (١٣).

стр. 1016

وقال البوني (١): هو الذي يقيم الحدود والجمعة والأعياد، وقال ابن رشد: هو الذي يصلي صلاة العيد بالناس إذا استخلف على ذلك (٢). قوله: (وَلا يُرَاعَى قَدْرُهُ في غَيْرِ الأَوَّلِ) أي لا يراعى مقدار الوقت الذي يذبح فيه الإمام أضحيته في اليوم الثاني والثالث بخلاف الأول، ولو قال قدرها ليعود على الصلاة لكان أحسن؛ أي: ولا يراعى مقدار إيقاع الصلاة في غير الأول، وقاله ابن حبيب عن مالك (٣). قوله: (وَأَعَادَ سَابِقُهُ) يريد أن من ذبح قبل صلاة الإمام أو بعد صلاته وقبل ذبحه أعاد، وقاله في المدونة (٤). قوله: (إِلا المُتَحَرِّيَ أَقْرَبَ إِمَامٍ) يريد أن الحكم المذكور مخصوص بمن لهم إمام، فأما غيرهم فيتحرون صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه فيذبحوا بعده كما قال في المدونة، ثم قال: فإن تحروا فذبحوا قبله أجزأهم (٥) وهو المشهور، وروى أشهب عن مالك أنه لا يجزئ (٦). قوله: (كَأَنْ لَمْ يُبَرِزْهَا وَتَوَانَى بِلا عُذْرٍ قَدْرَهُ) أي: وكذا يجزئه الذبح قبل إمامه إذا لم يبرز الإمام أضحيته وتوانى من غير عذر بعد وصوله إلى منزله بشرط أن يكون قد ذبح

стр. 1017

في وقت لو أبرز الإمام أضحيته وذبحها كان ذبحه بعده، وإليه أشار بقوله: (قدره) أي: قدر الزمن (١) الذي يذبح فيه (٢) الإمام أي: لو ذبح. قوله: (وَبِهِ انْتُظِرَ لِلزَّوَالِ) أي: فإن أخر بسبب عذر من جهاد عدو أو نحو ذلك انتظر ما لم يخرج وقت الصلاة بزوال الشمس، وقاله في البيان (٣). (المتن) وَالنَّهَارُ شَرْطٌ. وَنُدِبَ إِبْرَازُهَا، وَجَيِّدٌ، وَسَالِمٌ، وَغَيْرُ خَرْقَاءَ، وَشَرْقَاءَ، وَمُقَابَلَةٌ، وَمُدَابَرَةٌ، وَسَمِينٌ، وَذَكَرٌ، وَأَقْرَنُ، وَأَبْيَضُ، وَفَحْلٌ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَصِيُّ أَسْمَنَ. وَضَأْنٌ مُطْلَقًا، ثُمَّ مَعْزٌ، ثُمَّ هَلْ بَقَرٌ وَهُوَ الأَظْهَرُ أوْ إِبِلٌ؟ خِلافٌ. وَتَرْكُ حَلْقٍ وَقَلْمٍ لِمُضَحٍّ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَضَحِيَّةٌ عَلَى صَدَقَةٍ وَعِتْقٍ، وَذَبْحُهَا بِيَدِهِ، وَلِلْوَارِثِ إِنْفَاذُهَا، وَجَمْعُ أَكْلٍ وَصَدَقَةٍ وَإِعْطَاءٍ بِلا حَدٍّ، وَالْيَوْمُ الأَوَّلُ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ أَوَّلِ الثَّالِثِ عَلَى آخِرِ الثَّانِي تَرَدُّدٌ. (الشرح) قوله: (وَالنَّهَارُ شَرْطٌ) أي: فلا يجزئ الذبح ليلًا، وقاله في المدونة (٤) والرسالة (٥) وغيرهما، وعن مالك الإجزاء، وهذا الخلاف (٦) فيما عدا ليلة النحر، فأما إذا ذبح في (٧) تلك الليلة (٨) فلا يجزئ (٩) قولًا واحدًا لأن الوقت لم يدخل، وكذلك الليلة الرابعة؛ لأن الوقت قد خرج وليس صبيحتها من أيام النحر، قاله ابن القصار. قوله: (وَنُدِبَ إِبْرَازُهَا) أي: يستحب للإمام أن يبرز أضحيته اقتداء به ﵊ (١٠)، وليعلم الناس الوقت الذي يذبحون فيه.

стр. 1018

قوله: (وَجَيِّدٌ) أي: ويستحب أيضًا في الأضحية الجيد؛ إذ لا نزاع في أفضلية الأكمل على غيره (١). قوله: (وَسَالِمٌ) أي: من العيوب التي تجزئ معها الأضحية كيسير المرض وكسر القرن غير الدامي والشق اليسير في الأذن ونحوه، وأما العيوب التي تمنع الإجزاء فمراعاتها واجبة (٢). قوله: (وَغَيْرُ خَرْقَاءَ وَشَرْقَاءَ، وَمُقَابَلَةٌ، وَمُدَابَرَةٌ) أي: وكذا يستحب فيها أن تكون خالية من أحد هذه العيوب الأربعة، وظاهره ولو كان كثيرًا ونحوه لابن القصار. الباجي (٣): وهذا قول مطرف والمذهب على (٤) أن الكثير يمنع الإجزاء (٥). والمقابلة: هي التي قطع من أذنها من قبل وجهها وترك معلقًا، فإن قطع من جهة قفاها فهي المدابرة. والشرقاء: المشقوقة الأذن، والخرقاء: المثقوبة الأذن، قاله أهل اللغة. قوله: (وَسَمِينٌ) لا إشكال في استحبابه، والمشهور استحباب تسمينها، وقال ابن شعبان: يكره؛ لأنه من سنة اليهود (٦). قوله: (وَذَكَرٌ) أي: على أنثى وهو ظاهر المذهب، وقال في المبسوط: هما سواء (٧)، والأقرن أفضل من الأجم، وكذلك الأبيض أفضل من غيره للحديث، وهو أنه ﵊ ضحى بكبشين أقرنين أملحين (٨)، ولهذا قال: (وَأَقْرَنُ، وَأَبْيَضُ) والأقرن: هو الذي له قرنان، والأملح: قال ابن الأعرابي (٩): هو النقي البياض، وقيل:

стр. 1019

هو كلون الملح، وفي ذلك خلاف. قوله: (وَفَحْلٌ) أي: هو مستحب على الخصي، ثم قال: (إن لم يكن الخصى (١) أسمن)؛ أي: فإن كان الخصي أسمن من الفحل فهو أفضل، وقاله ابن حبيب (٢). ابن عبد البر: أجمع (٣) الجمهور على أنه لا بأس أن يضحى بالخصي إذا كان سمينًا، قالوا: والأقرن الفحل أفضل من الخصي الأجم إلا أن يكون الخصي الأجم أسمن فهو أفضل (٤). قوله: (وَضَأْنٌ مُطْلَقًا) أي: أن الضأن فيها أفضل من غيره، ومراده بالإطلاق ذكرها وأنثاها وخصيها. قوله: (ثم مَعْزٌ) أي: المعز أفضل من البقر والإبل؛ يريد: أيضًا مطلقًا ذكرها وأنثاها وخصيها (٥). قوله: (ثُمَّ هَلْ بَقَرٌ وَهُوَ الأَظْهَرُ، أَوْ إبِلٌ؟ خِلافٌ) أي: ثم اختلف هل البقر أفضل من الإبل، وهو قول ابن الجلاب (٦) والقاضي عبد الوهاب (٧). أو الإبل أفضل؟ وهو قول ابن شعبان (٨). وهو خلاف في حال هل البقر أطيب لحمًا أم الإبل؟ والأول أظهر، ثم ذكور كل جنس أفضل من خصيانه، وخصيانه أفضل من إناثه، وإناثه أفضل من ذكور الجنس الذي يليه في الفضل، ثم كذلك إلى آخرها وهي (٩) اثنتا عشرة مرتبة أعلاها ذكور الضأن وأدناها إناث الإبل (١٠). قوله: (وَتَرْكُ حَلْقٍ وَقَلْمٍ لِمُضَحٍّ عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ) هكذا ذكر ابن القصار فقال:

стр. 1020

يستحب لمن أراد الأضحية أن لا يقص شعره ولا ظفره إذا أهل ذو الحجة حتى يضحي لقوله ﵊: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئًا فإذا ضحى أخذ من كل ما منع من أخذه" (١). قوله: (وَضَحِيَّةٌ عَلَى صَدَقَةٍ وَعِتْقٍ) أي: ومما يستحب أيضًا تقديم الأضحية على الصدقة والعتق وهو المشهور، قال في المدونة: ولا يدعها أحد ليتصدق بثمنها (٢). ابن حبيب: وهي أفضل من العتق؛ لأن إحياء السنة أفضل من التطوع (٣). وعن مالك: أن التصدق أفضل (٤). قوله: (وَذَبْحُهَا بِيَدِهِ) إنما استحب له ذلك اقتداءً به ﷺ ؛ إذ كان يذبح أضحيته بيده (٥). قوله: (وَلِلْوَارِثِ إِنْفَاذُهَا) يريد أن من مات عن أضحية فإن وارثه يستحب له أن يذبحها تنفيذًا لقصد الميت، ولا خلاف فيه، قاله بعضهم. قوله: (وَجَمْعُ أَكْلٍ وَصَدَقَةٍ وَإعْطَاءٍ بِلا حَدٍّ) أي: ومما يستحب للمضحي أن يجمع بين الأمور الثلاثة وهي أن يأكل من أضحيته ويتصدق منها ويعطي أصحابه من غير تحديد بثلث أو غيره فإن اقتصر على أحدهما أو اثنين منها فقد ترك الأفضل، وقال ابن
следующие страницы →