← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قوله: (وَلَوْ قَمْلَةً) أي: فإنها أيضًا نجسة بالموت، وهو المشهور، وحكاه ابن عبد السلام في باب الصلاة (١)، وقد ذكرنا في الشرح الكبير أنه يتحصل للأشياخ في القملة والبُرْغُوث أربعة أقوال: فقيل: ينجسان بالموت، وقيل: لا، وقيل: تنجس القملة دون البُرْغوث، وقيل: إن كان فيهما دم فهما نجسان وإلا فلا. قوله: (وَآدمِيًّا) هو مذهب ابن القاسم وابن شعبان (٢) وابن عبد الحكم (٣)، وذهب سحنون وابن القصار إلى طهارته، واختاره ابن رشد وعياض وغيرهما (٤)، وهو الظاهر للأحاديث الواردة في ذلك، ولولا الإطالة لأتينا بها، وقد ذكرناها في الشرح الكبير (٥)، وقد أشار إلى اختيار ابن رشد بقوله: (وَالأَظْهَرُ طَهَارُتُهُ) (٦).

стр. 107

(المتن) وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ وَمَيْتٍ: مِنْ قَرْنٍ وَعَظْمٍ وَظِلْفٍ وَعَاج وَظُفُرٍ وَقَصَبِةِ رِيشٍ وَجِلْدٍ وَلَوْ دُبِغَ، وَرُخِّصَ فِيهِ مُطْلَقًا إِلَّا مِنْ خِنْزِيرٍ بَعْدَ دَبْغِهِ فِي يَابِسٍ وَمَاء، (الشرح) قوله: (وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ وَمَيْتٍ) يريد: أن ما انفصل من (١) الحيوان نجس سواء أُبِينُ منه في حياته أو بعد مماته، والمراد بذلك ما عدا الصوف، والوبر، وزغب الريش، والشعر ونحوها مما لا تحله الحياة، وعلى هذا يُتَأَوَّل قوله ﵇: "مَا أُبِينَ مِنْ حَي فَهُو مَيت" (٢)، ولما كان قوله: (مِنْ حَي وَمَيْتٍ) موهمًا للتعميم في جميع الأجزاء، سواء كانت مما تحله الحياة أم لا، رفع ذلك بقوله: (مِنْ قَرْنٍ وَعَظْمٍ وَظِلْفٍ وَعاجٍ وَظُفُرٍ) وهذا هو المشهور؛ إذ هو مما تحله الحياة، ويموت بموت الحيوان، وقال ابن وهب: ذلك طاهر بناء على أنه لا تحله الحياة (٣)، وقيل: الأصول تنجس بالموت بخلاف الأطراف، وقيل: إن صلق طهر، وإلا فهو نجس. قوله: (وَقَصَبَةِ رِيشٍ) يريد: مما هو شبيه بالعظم، واحترز بذلك من الزغب، فإنه طاهر كما سبق؛ إذ هو شبيه (٤) الشعر. قوله: (وَجِلْدٍ وَلَوْ دُبغ) يعني أن جلد الميتة نجس ولو دبغ. ابن رشد: والمشهور أنه لا يطهر بالدباغ، وإنما يجوز الانتفاع به في اليابسات والماء وحده، وإلى هذا أشار بقوله: (وَرُخِّصَ فِيهِ مُطْلَقًا إِلَّا مِنْ خِنْزِيرٍ بَعْدَ دَبْغِهِ في يَابِسٍ وَمَاءٍ) ومراده بالإطلاق سواء كان الحيوان مأكول اللحم أم لا، واستثني من ذلك جلد الخنزير، فإنه لا ينتفع به في وجه من الوجوه ولو دبغ (٥). وقد حصل بعض الأشياخ في

стр. 108

ذلك خمسة أقوال: الطهارة في جميع الجلود حتى من الخنزير، وهو قول سحنون (١) وابن عبد الحكم (٢). ولابن وهب كذلك إلا في جلد الخنزير (٣). وقيل: كذلك إلا (٤) في جلد الخنزير (٥) والدواب. ابن رشد: وهو يأتي (٦) على قول مالك في المدونة؛ لقوله: يصلي على جلود السباع ولا يصلي على جلد حمار (٧). وقيل: إنما يطهر بالدبغ (٨) جلود الأنعام فقط، قيل له في العتبية: أترى ما دبغ من جلود السباع (٩) طاهرًا؟ قال: إنما يقال ذلك في جلود الأنعام، فأمَّا ما لا يؤكل لحمه فكيف يكون جلده طاهرًا؟ (١٠). وقيل: لا يطهر به إلا ما يؤكل لحمه (١١) من الأنعام والوحش، وهو المفهوم من تعليله في العتبية فيما تقدم، وإنما رخص فيه بالنسبة إلى الماء واليابسات؛ لقوة دفع الماء، ولذلك اختص عن (١٢) المائعات بإزالة النجاسة؛ ولدعوى الحاجة إلى ذلك، وأما اليابسات فلعدم مخالطتها (١٣).

стр. 109

(المتن) وَفِيهَا كَرَاهَةُ الْعَاجٍ، وَالتَّوَقُّفُ فِي الْكَيْمَخْتِ، وَمَنِيٌّ وَمَذْيٌ، وَوَدْيٌ، وَقَيْحٌ، وَصَدِيدٌ، وَرُطُوبَةُ فرجٍ، وَدَمٌ مَسْفُوحٌ، وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ وَذُبَابٍ، وَسَوْدَاءُ، وَرَمَادُ نَجِسٍ وَدُخَانُهُ، (الشرح) قوله: (وَفيها: كَرَاهَةُ الْعَاجِ) إنما عزا ذلك (١) للمدونة؛ لأنه كالمخالف لما قدمه من نجاسة العاج؛ إذ الكراهة لا تقتضي التنجيس، اللهم إلا أن تحمل على التحريم، وحينئذٍ يستوي هذا مع ما تقدم (٢). قوله: (وَالتَّوَقُّفُ في الكَيْمَخْت): أي: وفي المدونة أيضًا (٣) التوقف في الكيمخت؛ أي: توقف مالك عن الجواب فيه لما سئل عنه (٤)، وعنه أيضًا: ما زال الناس يصلون بالسيوف وفيها الكيمخت (٥). وقال ابن المواز وابن حبيب (٦): إنما يجوز ذلك في السيوف خاصة لحاجة الناس إليها. وفي المدونة: وتركه أحب إليَّ (٧). والكَيْمَخْتُ بفتح الكاف بعدها ياء باثنين (٨) تحتها وفتح الميم وسكون الخاء

стр. 110

المعجمة وآخره تاء باثنين (١) فوقها. القاضي (٢): وهو جلد الفرس وشبهه غير مذكى. وقال التونسي (٣): هو (٤) جلد الحمار. وقال ابن عطاء الله (٥): إنما يكون من جلد الحمير والبغال المدبوغ (٦). قوله: (وَمَنيٌّ) هو معطوف على ما تقدم من (٧) قوله: (وَالنَّجَسُ مَا استثنيَ) أي (٨): والمني كذلك ولا خفاء (٩) في تنجيسه من الآدمي والمحرم الأكل من الحيوان، واختلف في ذلك من (١٠) مباح الأكل بناء على أن المني هل هو (١١) نجس لأصله، أو لمجرى البول؟

стр. 111

قوله: (وَمَذْي، وَوَدْي) حكي بعض أشياخنا في (١) نجاستهما الإجماع. قوله: (وَقَيْحٌ، وَصَدِيد) هكذا نص عليه غير واحد من أصحابنا وهو واضح، ولا شك أنهما أشد استقذارًا من الدم. قوله: (وَرُطُوبَةُ فَرْجٍ) قال في الذخيرة: وكل رطوبة أو بلل يخرج من أحد السبيلين فنجس (٢). قوله: (وَدَم مَسْفُوح، وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ وَذُبَابٍ (٣)) المسفوح هو: الجاري من الحيوان في الحياة أو عند الذكاة، وحكمه التنجيس كما قال، ولا خلاف فيه إذا لم يكن من سمك أو ذباب ونحوه؛ وأما دم السمك والذباب فالمشهور أيضًا أنه نجس، وذهب القابسي (٤) وهو اختيار ابن العربي (٥) إلى أنه طاهر من السمك؛ لأنه لو كان نجسًا لشرعت

стр. 112

ذكاته (١)، وذهب بعض الأشياخ إلى أن دم الذباب معفو عنه. قوله: (وَسَوْدَاءُ) قد تقدم من كلام سند أنه قال: والبلغم والصفراء ومرارة ما يؤكل لحمه طاهر (٢)، والدم والسوداء نجسان (٣). قوله: (وَرَمادُ نَجِسٍ) أي: كرماد الميتة والعذرة ونحوهما، ومذهب جمهور الأئمة أنه نجس، ونحوه للمازري (٤)، وحكى غيره عندنا (٥) في ذلك قولين بالطهارة وعدمها. قوله: (وَدُخَانُهُ) أي: دخان النجس. بعض الشيوخ: وإذا انعكس دخان الميتة ونحوها في القِدْر فإن الطَّعام لا يؤكل والماء ينجس (٦). وخفف أبو عمران (٧) فيما تقاطر من عرق الحمَّام (٨) وإن أوقد تحته بالنجاسات، وكأنه رأى رطوبة النجاسة لا تصعد في (٩) ذلك العرق. (المتن) وَبَوْلٌ وَعَذِرَةٌ مِنْ آدَمِي وَمُحَرَّمٍ وَمَكْرُوهٍ. وَيَنْجُسُ كَثِيرُ طَعَامٍ مَائِعٍ بِنَجَسٍ قَلَّ كَجَامِدٍ إِنْ أَمْكَنَ السَّرَيَانُ وَإِلَّا فَبِحَسَبِهِ. وَلا يَطْهُرُ زَيْتٌ خُولِطَ وَلَحْمٌ طُبِخَ

стр. 113

وَزَيْتُونٌ مُلِحَ وَبَيْضٌ صُلِقَ بِنَجِسٍ، وَفَخَّارٌ بِغَوَّاصٍ، وَيُنْتَفَعُ بِمُتَنَجِّسٍ لا نَجَسٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ. (الشرح) قوله: (وَبَوْلٌ وَعَذِرَةٌ مِنْ آدَمِيٍّ) لا خلاف في نجاسة عذرته مطلقًا، وأما بوله فالمشهور أيضًا أنه نجس، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا أَكَل الطَّعام أم لا، ذكرًا كان أو أنثى، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: إلا بول من لم يأكل (١) الطَّعام. ولابن وهب: يغسل بول الصبية وينضح بول الغلام، وخرج (٢) أبو داود نحوه (٣). قوله: (وَمُحَرَّمٍ) لا شك (٤) في نجاسة بول الحيوان المحرم الأكل (٥). قوله: (وَمَكْرُوهٍ) هذا هو المذهب، وقيل: مكروه كلحمه. قوله: (وينْجُسُ كَثيرُ طَعَامٍ مَائِعٍ بنَجَسٍ قَلَّ) يريد: أن الطَّعام الكثير المائع إذا وقعت فيه نجاسة وإن قلَّت تنجسه؛ إذ ليس له قوة (٦) الدفع عن نفسه كالماء، وفهم من قوله: (كثير) أن القليل ينجس من باب أولى (٧)، وكذلك إذا كثرت النجاسة. قوله: (كَجَامِدٍ إِنْ (٨) أمْكَنَ السَّرَيَانُ) أي: سريان النجاسة فيه، إما بأن يكون مضى له زمن (٩) ينماع فيه كالعسل والسمن، وإما بأن يكون الزمان قد طال طولًا يعلم معه أن النجاسة سرت في جميعه، كما قال سحنون (١٠) وهو تفسير للمذهب.

стр. 114

قوله: (وَإلَّا فَبِحَسْبِهِ) أي: وإن لم يمكن سريان النجاسة لانتفاء الأمرين طرح من الطَّعام ما سرت فيه خاصة، بحسب طول مكثها وقصره. قوله: (وَلا يَطْهُرُ زَيْتٌ خُولِطَ، وَلحَمٌ طُبِخَ، وَزيتُونٌ مُلِّحَ، وَبَيْضٌ صُلِقَ بِنَجِسٍ) هذا هو المشهور، ونصَّ عليه ابن بشير (١). وعن مالك: إذا طبخ اللحم بماء نجس فإنه يغسل ويؤكل، وقال مرة (٢): لا يؤكل. اللخمي: (٣) وهو أحسن (٤). وكذلك الزيتون والبيض يصلق بالماء النجس، وقيل: يطهر الزيت (٥) وما بعده، وبه أفتى ابن اللباد (٦). قوله: (وَفَخَّارٌ بِغَوَّاصٍ) يعني: وكذلك لا يطهر إناء فخار بسبب ما وضع فيه من نجس غواص؛ كالخمر، والبول، والماء النجس، وهو المشهور، واحترز بالفخار من مثل الأواني المدهونة أو (٧) النحاس أو (٨) الزجاج أو (٩) شبهه، وبالغواص من الجامدات، فإنها لا تضر الإناء في قبول التطهير.

стр. 115

قوله: (وَيُنتفَعُ بِمُتَنَجِّسٍ) إلى آخره (١) يريد: أن الزيت النجس والعسل أو (٢) نحوهما مما (٣) وقع فيه شيء فنجسه، يجوز الانتفاع به إلا في المساجد فلا يوقد به فيها (٤) لتنزيهها عن النجاسات، وخشية سقوط شيء من ذلك فيها، وهذا مما لا خلاف فيه، وكذلك لا يجوز الأكل منه لآدمي باتفاق، والمشهور جواز استعماله فيما عدا ذلك كالوقود به في البيوت، وعمله صابونًا ونحو ذلك، ولعبد الملك قول بعدم الانتفاع به مطلقًا (٥). قوله: (لا نَجِسٍ) (٦) أي: كشحم الخنزير والميتة والدم المسفوح وشبه ذلك، فإنه لا يجوز استعماله في وجه من الوجوه على الأشهر، وقيل: يجوز استعماله فيما يستعمل فيه المتنجس. (المتن) وَلا يُصَلَّى بلِبَاسِ كَافِرٍ بِخِلافِ نَسْجِهِ، وَلا بِمَا يَنَامُ فِيهِ مُصَلٍّ آخَرُ، وَلا بِثِيَّابِ غَيْرِ مُصَلٍّ، إِلَّا كَرَأْسِهِ، وَلا بِمُحَاذِي فَرجِ غَيرِ عَالِمٍ، وَحَرُمَ اسْتِعْمَالُ ذَكَرٍ مُحَلي، وَلَوْ مِنْطَقَةً، وَآلَةَ حَرْبٍ. (الشرح) قوله: (وَلا يُصَلَّى بِلِبَاسِ كَافِرٍ) هذا هو المشهور، وهو مذهب المدونة (٧)؛ لعدم تحفظه من النجاسات، وقال محمد بن عبد الحكم: يصلي بلباس النصراني (٨) فحمله على الطهارة (٩)، وقيده ابن رشد (١٠) بما إذا لم يطل مغيبه (١١) عليه ولبسه له (١٢).

стр. 116

قوله: (بِخِلافِ نَسْجِهِ) أي: فإنه يصلي فيه، وقد قال فيه مالك في المدونة وغيرها: مضى الصالحون على ذلك (١)، ولأن في غسله إفسادًا له، والحاجة داعية إليه بخلاف غسل الملبوس فإنه لا يفسده غالبًا. قوله: (وَلا بِما يَنَامُ فِيهِ مُصَلٍّ آخَرُ) يريد: حتى يُغسل لأن الغالب عليه النجاسة، وظاهره (٢) أن صلاته هو (٣) فيه لا تمنع (٤)؛ لقوله: (مصل آخر) وفيه نظر إذا كان ذلك معدًا للنوم دائمًا. قوله: (وَلا بِثيَابِ غَيْر مُصَلٍّ) يريد: لعدم تحفظه من النجاسات (٥). اللخمي (٦): وتحمل ثياب النساء على غير الطهارة؛ لأن الكثير منهن لا يصلي إلا أن يعلم أنها كانت ممن يصلي (٧). قوله: (إِلا كرأسه) (٨) يعني: وأما ما لبسه غير المصلي من عمامة ونحوها مما هو معد للباس رأسه فلا بأس بالصلاة فيه (٩)؛ لأن الغالب سلامته من النجاسة. قوله: (وَلا بِمُحَاذِي فَرْجِ غَيْرِ عَالمٍ) يريد: أن ما يلبسه غير العالم؛ أي: ثياب الاستبراء في وسطه، فإنه لا يصلي فيه حتى يغسله؛ لأن ذلك في الغالب لا يخلو من نجاسة، واحترز بغير العالم من العالم بالاستبراء (١٠)، فإنه يجوز لغيره أن يصلي فيما لبسه في وسطه وغيره.

стр. 117

[ما يحرم من اللباس على الذكر] قوله: (وَحَرُمَ اسْتِعْمالُ ذَكرٍ مُحَلًّى) يعني: أنه يحرم على الذكر استعمال المحلى، وظاهره: ولو كان صغيرًا، وكلامه في المدونة محتمل لذلك ولغيره (١). قوله: (وَلَوْ مِنْطَقَةً وَآلةَ حَرْبٍ) هذا هو المشهور، وأجازه ابن وهب (٢) قياسًا على السيف. وقال ابن حبيب: لا بأس باتخاذ المنطقة المفضضة والأسلحة كلها، ومنعه في السراج (٣)، واللجام، والمهاميز، وما يتقى ويتحرز به. (المتن) إِلَّا الْمُصْحَفَ، وَالسَّيفَ، وَالأَنْفَ، وَرَبْطَ سِنٍّ مُطْلَقًا، وَخَاتَمَ الْفِضَّةِ لا مَا بَعْضُهُ ذَهَبٌ وَلَوْ قَلَّ، وإنَاءُ نَقْدٍ وَاقْتِنَاؤُه وَإِنْ لاِمْرَأَةٍ، وَفِي الْمُغَشَّى وَالْمُمَوَّهِ وَالْمُضَبَّب وَذِي الْحَلْقَةِ وَإِنَاءِ الْجَوْهَرِ قَوْلانِ. وَجَازَ لِلْمَرأَةِ الْمَلْبُوسُ مُطْلَقًا وَلَوْ نَعْلًا لَا كَسَرِيرٍ. (الشرح) قوله: (إِلَّا المصْحَفَ، وَالسيْفَ) أي: فإنه يجوز تحليتهما، نصَّ عليه ابن رشد (٤) وغيره. قوله: (وَالأَنْفَ، ورَبْطَ سِنٍّ (٥)) يريد: أنه يجوز لمن جدع أنفه أن يعمل له آنفًا من ذهب أو فضة، وكذلك إذا احتاج إلى ربط سنه بشيء من ذلك، وهكذا قال في الجواهر (٦). قوله: (مُطْلَقًا) يشير إلى أن المصحف وما بعده من المعطوفات الثلاثة، يجوز تحليتها (٧) بالذهب والفضة (٨).

стр. 118

ابن شاس: وتحلية غير المصحف من الكتب لا يجوز أصلًا، وكذلك الدواة والمقلمة (١). قوله: (وَخَاتَمَ الْفِضَّةِ) معطوف على المصحف، فإنه يجوز التختم به (٢)؛ لأنه الذي ورد أنه ﵊ تختَّم به (٣)، وأمَّا الذهب فلا يجوز، وقد نبه على هذا بقوله: (لا مَا بَعْضُهُ ذَهَبٌ وَلَوْ قَلَّ) لأنه إذا امتنع ما بعضه ذهب، فلأن يمتنع ما كله ذهب (٤) من باب أولى (٥). قوله: (وإنَاءُ نقْدٍ) أي: ومما يحرم أيضًا استعماله إناء النقد، وهو الذهب والفضة مطلقًا (٦). ابن عبد البر (٧): سواء كان (٨) للرجال وللنساء، ولهذا قال: (وإن لامرأة)،

стр. 119

قال: (١) ولا يجوز الشرب فيهما. قوله: (وَاقْتِنَاؤُهُ وإنْ لاِمْرَأَةٍ) (٢) هذا هو الأصح؛ لأن ذلك ذريعة إلى استعماله، وقيل: يجوز اقتناؤه للتجمل، واختاره الباجي، وقال: لو لم يجز الاقتناء لفسخ البيع، وهو لا يفسخ إذا وقع، وقد وقع في المدونة جواز بيعه، وليس لقصد الاستعمال؛ لأنه لا يجوز، فيتعين أن يكون لقصد الاقتناء (٣)، والبحث معه في ذلك مذكور في الكبير. قوله: (وَفي المُغَشَّى وَالمُمَوَّهِ وَالمُضَبَّبِ (٤) وَذِي الحلْقَةِ وإنَاءِ الجوْهَرِ قَوْلان) يعني: أنَّ في كل واحد من هذه الخمسة أشياء (٥) قولين. والمُغَشَّى: إناء نقد غشي برصاص أو غيره. والمُمَوَّهُ: إناء رصاص أو نحاس طلي بفضة أو ذهب، ومنشأ الخلاف فيهما (٦) النظر إلى الباطن أو الظاهر، فمن نظر إلى الظاهر أجاز (٧) المغشى ومنع المموه، ومن نظر إلى الباطن عكس. والمُضَبَّبُ (٨): اناء كسر وشعب بخيوط من ذهب أو فضة، أو صفح بشيء من ذلك (٩). وذُو الحلْقَةِ: إناء يجعل فيه حلقة من ذهب أو فضة، ومثله (١٠) اللوح أو المرآة يجعل فيهما (١١) حلقة من ذلك، والأصح فيهما المنع، وظاهر العتبية الكراهة (١٢).

стр. 120

وذهب الباجي وابن سابق (١) إلى جواز إِنَاء الجوْهَرِ كالزبرجد، والياقوت ونحوهما، واختاره ابن رشد (٢)، وذهب ابن العربي إلى المنع؛ لأنه أشد سرفًا (٣) من الذهب والفضة (٤). قوله: (وَجَازَ لِلْمَرْأَةِ الملْبُوسُ مُطْلَقًا) أي: ذهبًا أو فضة (٥). قوله: (وَلَوْ نَعْلًا) ابن شاس: ومما يجري مجرى اللباس النعل، قال: وفي معنى اللباس ما يتخذنه لشعورهن، وأزرار جيوبهن، وأقفال (٦) ثيابهن، ونحو ذلك (٧)، ومما (٨) يحرم عليهن المكاحل، والمرايا المحلاة، وأقفال الصناديق، والأسرة والدواة (٩) والمقالم، وقد (١٠) أشار إلى هذا بقوله: (لا كَسَرِيرٍ). فصل [في إزالة النجاسة وما يعفى عنه منها] (المتن) فَصْلٌ: هَلْ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنْ ثَوْبِ مُصَلٍّ، -وَلَوْ طَرَفَ عِمَامَتِهِ وَبَدَنِهِ وَمَكَانِهِ لا طَرَفَ حَصِيرِهِ- سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ إِنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ وَإِلَّا أَعَادَ الظُّهْرَيْنِ إِلَى الاِصْفِرَارِ؟

стр. 121

خِلافٌ. وَسُقُوطُهَا فِي صَلاةٍ مُبْطِلٌ كَذِكْرِهَا فِيهَا لا قَبْلَهَا أَوْ كَانَتْ أَسْفَلَ نَعْل فَخَلَعَهَا (١). (الشرح) يعني: أنه اختلف في إزالة النجاسة عن ثياب المصلي؛ يريد: أو بدنه أو موضع صلاته، هل هي سنة، أو واجبة مع الذكر والقدرة، وتنازع الأشياخ في تعيين المشهور من ذلك؛ فذهب القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة إلى أنه لا خلاف في سنيتها، وقال في البيان (٢): المشهور من قول ابن القاسم عن مالك أن إزالتها (٣) سنة لا فريضة (٤)، وشهره أيضًا في تهذيب الطالب في غير موضع، وقال ابن يونس: هو الصحيح من المذهب (٥). وقال بعض الأشياخ: المشهور (٦) أن (٧) إزالتها واجبة مع الذكر والقدرة، ساقطة مع العجز والنسيان. قوله: (وَلَوْ طَرَفَ عِمامَتِهِ) هو المشهور، وقيل: لا. والصحيح أيضًا ما (٨) ذكره في طرف الحصير، وقيل: إن تحركت بحركته ضرت وإلا فلا. ومعنى قوله: (وَإِلَّا أَعَادَ الظهْرَيْنِ إلى الاصْفِرَارِ) أي: وإذا فرعنا على القول بأن إزالة النجاسة واجبة مع الذكر والقدرة، فلم يذكر حتى صلى، أو ذكر ولم يتمكن من إزالتها لعدم القدرة، فإنه يعيد الظهر والعصر، وهما مراده بالظهرين إلى الاصفرار، وسيأتي في باب الصلاة. قوله: (وَسقُوطُهَا فْي صَلاةٍ مُبْطِلٌ كَذِكرِهَا فيها لا قَبْلَهَا أوْ كَانَتْ أسْفَلَ نَعْلٍ فَخَلَعَهَا) أي: وسقوط النجاسة على المصلي في الصلاة مبطل لها. قال سحنون: أرى أن يبتدئ (٩).

стр. 122

الباجي: وهذا على رواية ابن القاسم (١)، والمشهور أنه إذا ذكر النجاسة في الصلاة تبطل عليه، سواء أمكنه (٢) نزعها أم لا. وقال مطرف (٣): إن أمكنه نَزْعُهَا نَزَعَهَا وبنى (٤) وإلا ابتدأ. وقال ابن الماجشون (٥): كذلك إلا أنه إذا لم يمكنه (٦) نزعها يتمادى؛ لاختلاف (٧) أهل العلم في ذلك. ولمطرف (٨) أن ذكر النجاسة قبل الدخول في الصلاة غير مؤثر فيها، حتى إنه لو نسي حتى خرج الوقت فلا إعادة عليه، وأما إذا كانت النجاسة أسفل نعله فخلعها ووقف عليها فصلاته صحيحة، نص عليه الإبياني (٩)،

стр. 123

نقله القرافي (١). ولما فرغ من ذكر النجاسة المغلظة شرع في ذكر المخففة، وهي المعفو عنها. فقال: (المتن) وَعُفِيَ عَما يَعْسُرُ كَحَدَثِ مُسْتَنْكِحٍ وَبَلَلِ بَاسُورٍ فِي يَدٍ إِنْ كَثُرَ الرَّد أَوْ ثَوْبٍ وَثَوْبِ مُرضِعَةٍ تَجْتَهِدُ وَنُدِبَ لَهَا ثَوْبٌ لِلصلاةِ، وَدُونَ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ مُطْلَقًا، وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ، (الشرح) قوله: (وَعُفِيَ عَمَّا يَعْسُرُ كَحَدَثٍ مُسْتَنكحٍ) يريد أنه يعفى عما يعسر الانفكاك عنه بعد حصول سببه كالأحداث المستنكحة؛ أي: التي تكثر، والمراد بالحدث الجنس (٢) ليعم سائر الأحداث، وإنما قال: (حدث) ولم يقل أحداث؛ لئلا يتوهم (٣) أن العفو مقصور على حصول جمع منها، وليس (٤) كذلك. قوله: (وَبَلَلِ بَاسُورٍ في يَدٍ إِنْ كَثُرَ الرد أَوْ ثَوْب (٥)) أي: لأنه لو أمر بالغسل مع كثرة الرد لعسر ذلك ولضاق (٦) على المكلف، ويقالً باسور بالباء وهو: وجع بالمقعدة (٧) وتورمها من داخل، وبالنون (٨) انفتاح عروقها وجريان مادتها (٩). قوله: (وَثَوْبِ مُرْضِعَةٍ تَجتهِدُ) أي: وعفي أيضًا عن ثوب مرضعة حالة كونها

стр. 124

مجتهدة (١) في التوقي من النجاسة والتحفظ عنها. قوله: (أَوْ ثَوبٍ) معطوف على يد (٢). قوله: (وَنُدِبَ لها ثَوْبٌ لِلصَّلاةِ) يعني: ويستحب لها ثوب للصلاة، هكذا روي عن مالك (٣). قوله: (وَدُونَ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ مُطْلَقًا) أي: وعفي عن دون درهم من سائر الدماء، سواء كان دم حيض، أو نفاس، أو ميتة، وهو مراده بالإطلاق، وهو المشهور، وخص ابن حبيب العفو بما عدا دم الحيض، وخصه ابن وهب بما عدا الحيض (٤) ودم الميتة، وظاهر المذهب أنه لا فرق بين أن يكون ذلك منفصلًا عن جسد الإنسان، أو وُصِلَ إليه من غيره، وقال بعض الشيوخ: إنما يعفى عنه في الصورة الأولى (٥). قوله: (وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ) هذا هو المشهور، ولمالك فيهما قول بعدم العفو، واختلف في معنى العفو: هل يصير كالمائعات، وهو مذهب الداودي (٦)، أو يؤمر بغسله ما لم يره في

стр. 125

الصلاة أمر (١) استحباب؟ وهو مذهب المدونة (٢). وما هو (٣) حد اليسير؟ فقيل: يحد بالعرف، والأكثر على خلافه، وعلى قول الأكثر فقيل: الخنصر يسير، وما فوق الدرهم كثير، وفي الدرهم روايتان، وقيل: إن كثرة (٤) الدرهم (٥) متفق عليها، ولهذا قال: (وَدُونَ دِرْهَمٍ مِن دَمٍ) والمراد به الدرهم البغلي؛ أي: مقدار الدرهم الذي يطلع (٦) تحت (٧) ركبة البغل. (المتن) وَبَوْلِ فَرَسٍ لِغَازٍ بأرْضِ حَرْبٍ وَأَثَرِ ذُبَاب مِنْ عَذِرَةٍ وَمَوْضِعِ حِجَامَةٍ مُسِحَ فَإذَا بَرِئَ غَسَلَ وإلَّا أعَادَ فِي الْوقْتِ وَأُولَ بِالنِّسْيَانِ وَبِالإِطْلاقِ وَكَطِينِ مَطَرٍ وَإنِ اخْتَلَطَتِ الْعَذِرَةُ بِالْمُصِيبِ لا إنْ غَلَبَتْ وَظَاهِرُهَا الْعَفْوُ وَلا إنْ أَصَابَ عَينُهَا، (الشرح) قوله: (وَبَوْلِ فَرَسٍ لِغَازٍ بِأرْضِ حَرْبٍ) يشير إلى ما وقع لمالك في العتبية، فإنه لما سئل عن ذلك قال: أما في أرض العدو فأرجو أن يكون خفيفًا إذا لم يمسكه له غيره، وأما في أرض الإسلام فليتقه (٨) جهده، ودين الله يسير (٩). قوله: (وَأَثَرِ ذُبَابٍ مِنْ عَذِرة) أي: إذا جلس الذباب على العذرة ونحوها، ثم جلس على ثوب إنسان أو جسده فإنه يعفى عن أثره للمشقة، هكذا ذكره سند (١٠). قوله: (وَمَوْضِع حِجَامَةٍ، مُسِحَ) أي: وكذلك يعفى عن موضع الحجامة الممسوح لما يتضرر به المحتجم من وصول الماء إلى ذلك المحل، إلا أنه يوجب رخصة في تأخير الغسل لا في سقوطه مطلقًا، ولهذا قال: (فَإذَا بَرِئَ غَسَلَ).

стр. 126

قوله: (وإلا أَعَادَ في الْوَقْتِ) أي: فإن لم يغسله بعبد البرء أعاد الصلاة في الوقت، لزوال العذر المبيح له المسح، واختلف الأشياخ في تأويل المدونة (١). فتأولها أبو محمد (٢) وابن يونس بالنسيان (٣)، وأما (٤) العامد يعيد أبدًا. وتأولها أبو عمران بالإطلاق، فحكم بالإعادة في الوقت ولو مع العمد (٥). وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وَأوِّلَ بِالنسْيَانِ وَبِالإِطْلاقِ). قوله: (وَكطينِ مَطَرٍ) أي: ومما يعفى عنه أيضًا طين المطر ونحوه، كماء الرش والمياه المستنقعة في السكك والطرق تصيب الرِّجل أو الخف أو الثوب أو نحو ذلك لمشقة الاحتراز، وهو في الغالب لا يخلو من النجاسة، إلا أن المشقة منعت من وجوب غسله. قوله: (وإنْ اخْتَلَطَتِ الْعَذِرَةُ بِالمصِيبِ) يريد أن العفو باقٍ ولو كان المصيب (٦) الذي يصيب المكلف مخالَطًا بالعذرة وهذا مذهب المدونة، قال فيها: وما زالت الطرق وهذا فيها، وكانت الصحابة يخوضون طين المطر ويصلون ولا يغسلونه (٧). أبو محمد: يريد ما لم تكن النجاسة غالبة أو عينًا (٨) قائمة (٩)، وإلى هذا أشار بقوله: (لا إِنْ غَلَبَتْ) أي: لا إن غلبت العذرة على الطين فلا يعفى عنه (١٠)، وكلام أبي محمد يحتمل أن يكون تفسيرًا، ويحتمل أن يكون خلافًا، ويبقى الكتاب على ظاهره من العفو، وجزم الشيخ بهذا الأخير، وإليه أشار بقوله: (وَظَاهِرُهَا الْعَفْوُ). قوله: (وَلا إِنْ أَصَابَ عَيْنها) أي: فلا يعفى عنه (١١)، وقد نص جماعة من المتأخرين

стр. 127

على العفو في العين القائمة والغالبة إذا كان الغالب على الطرق (١) ذلك، ومنهم من نفى الخلاف (٢) إذا أصاب عينها فقط. (المتن) وَذَيْلِ امْرَأَةٍ مُطَالٍ لِلسَّتْرِ، وَرِجْلٍ بُلَّتْ يَمُرَّانِ بِنَجِسٍ يَبِسٍ يَطْهُرَانِ بِمَا بَعْدَهُ، وَخُفٍّ وَنَعْلٍ مِنْ رَوْثِ دَوَابَّ وَبَوْلِهَا إِنْ دُلِكَا، لا غيْرِهِ فَيَخْلَعُهُ الْمَاسِحُ لا مَاءَ مَعَهُ وَيتيَمَّمُ، وَاخْتَارَ إِلْحَاقَ رِجْلِ الْفَقِيرِ وَفِي غَيرِهِ لِلْمُتَأخِّرِينَ قَوْلانِ. (الشرح) قوله: (وَذَيْلِ امْرَأَةٍ مُطَالٍ لِلستْرِ، وَرِجْلٍ بُلَّتْ يَمُرَّانِ بِنَجِسٍ يَبسٍ يَطْهُرِانِ بِما بَعْدَهُ) أي: ويعفى عن ذيل المرأة إذا أطالته لقصد الستر، وعن الرجِل المبلولة يمران بالنجاسة الجافة لكونهما يطهران بما بعد النجس من الأرض، فأمَّا مسألة الذيل فلقوله ﵇ (٣): "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ" (٤) فحمل على القشب اليابس وهو المشهور، وقيل: بل (٥) مطلقًا، وحمله الباجي: على ما (٦) إذا لم يتقين (٧) النجاسة (٨)، ولأن (٩) مسألة الرجل وقعت (١٠) منصوصة في العتبية لمالك (١١)، وقيدها ابن لبابة بما إذا مشت بعد ذلك على موضع طاهر (١٢)، وعليه (١٣) اقتصر هنا (١٤).

стр. 128

قوله: (وَخُفٍّ وَنَعْلٍ مِنْ رَوْثِ دَوَاب وَبَوْلها) أي: ويعفى أيضًا عن الخف والنعل يصيبهما أرواث الدوابّ وأبوالها لغلبتهما (١) على الطرق، ولمشقة الاحتراز عنهما، ولأن (٢) نجاستهما مختلف فيها، ولمالك قول بعدم العفو (٣)، وقال ابن حبيب: يعفى عن الخف دون النعل (٤). وأشار بقوله: (إِنْ دُلِكَا) إلى أن العفو فيهما مشروط بدلكهما (٥)، لا مطلقًا (٦). قوله: (لا غَيره) أي: لا غير المذكور؛ وهو: الروث والبول، فلا يعفى عن الخف والنعل من إصابة الدم ونحوه (٧)، ولا بد من غسله؛ إذ لا مشقة في ذلك. قوله: (فيخْلَعُهُ الماسِحُ لا مَاءَ مَعَهُ، ويتَيَمَّمُ) أي: فبسبب عدم العفو عنهما غير الروث والدم ونحوه من النجاسة (٨)، يخلع الماسح خفه حالة كونه لا ماء معه ويتيمم؛ أي: وإن أدى خلعه إلى الطهارة الترابية وإبطال الطهارة المائية، حكى ذلك مطرف عن مالك (٩). قوله: (وَاخْتَارَ إِلحْاقَ رِجْلِ الْفَقِير) يريد: أن اللخمي اختار إلحاق رجل الفقير (١٠) بالخف والنعل في الاكتفاء بالدلك وعدم الاحتياج إلى الغسل؛ لأن له ضرورة في المشي حافيًا بخلاف الغني (١١)، وألحقها التونسي وأطلق، وقال الباجي: عندي أنه

стр. 129

يجوز فيهما (١). ولهذا قال: (وَفي غَيْره لِلْمُتَأخَّرِينَ قَوْلان) أي: وفي غير الفقير، وفيه حذف مضاف؛ أي: وفي غير رِجْلِ الفقير، وحكى ابن شاس وغيره في الرِّجْلِ ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين من له عذر وغيره (٢). (المتن) وَوَاقِع عَلَى مَار وَإِنْ سَألَ صُدِّقَ الْمُسْلِمُ، وَكسَيف صَقِيلٍ مُسِحَ لإِفْسَادِهِ مِنْ دَم مُبَاح، وَأَثَرِ دُمَّلٍ لَمْ يُنْكَأ، وَنُدِبَ إِنْ تَفَاحَشَ كَدَمِ الْبَرَاغِيثَ إِلَّا فِي صَلاةٍ. (الشرح) قوله: (وَوَاقِعٍ عَلَى مَارٍّ) يعني: ويعفى عما وقع على المار من السقائف. قال في العتبية: وسئل عن الرجل يمر تحت السقائف فيقع عليه ماؤها؟ فقال: أراه في سعة ما لم يستيقن بنجس؛ وزاد في سماع أصبغ (٣): وإن سألهم فقالوا: إنه طاهر صدقهم، إلا أن يكونوا نصارى (٤). وإلى هذه الزيادة أشار بقوله: (وإنْ سَأل صُدقَ المسْلِمُ). قوله: (وَكَسَيْفٍ صَقِيلٍ مُسِحَ (٥) لإفْسَادِه مِنْ دَمٍ مُبَاحٍ) إنما أدخل الكاف في قوله: (وكسيف) ليشمل المدية والشفرة (٦) ونحوهما مما هو صقيل ويَفْسُدُ بالغسل. ابن شاس: فإذا مسح ذلك أجزأه (٧) عن الغسل لما فيه من الإفساد، وقيل: لأنه لا

стр. 130

يبقى من النجاسة شيء، قال: والاعتماد (١) على العلة الأولى هو (٢) المشهور (٣). وروي عن مالك أنه يعفى عنه ولو لم يمسحه (٤). واحترز بالصقيل من غيره لبقاء عين (٥) النجاسة، وبقوله: (مِنْ دَمٍ مباح (٦)) لأنه هو الذي يعسر الاحتراز منه لغلبة وصوله إليه بخلاف غيره من النجاسات، وقيده بأن يكون مباحًا؛ أي: كدم القصاص والاصطياد المباح احترازًا من دم العدوان ونحوه، فإنه لا يعفى عنه. قوله: (وَأَثَرِ دُمَّلٍ لم يُنكأ) أي: إنما عفي عن أثره؛ أي: من الثوب والجسد لمشقة الاحتراز منه إذا مَصَل بنفسه (٧)، ولهذا قال: (لم ينكأ) أي: لم يعصر (٨)، فأمَّا إذا عصر فلا يعفى عما خرج منه حينئذٍ؛ لأن المكلف أدخله على نفسه. قوله: (وَنُدِبَ إِنْ تَفَاحَشَ) أي: ويستحب غسله إن كثر وتفاحش؛ يريد: إلا في الصلاة، فإنه يتمادى عليها (٩). قوله: (كَدَمِ بَرَاغْيثَ) أي: (١٠) فإنه أيضًا يعفى عنه ما لم يتفاحش، فيستحب غسله، وظاهر الرسالة الوجوب، لكن حملت (١١) على الاستحباب (١٢)، وكذلك المدونة (١٣)،

стр. 131

وفي المسألة (١) قولان. قوله: (إِلا في صَلاةٍ) أي: فيتمادى عليها (٢)، وهو راجع إلى مسألة تفاحش دم الدمل والبراغيث. (المتن) وَيَطْهرُ مَحَلُّ النَّجِسِ بِلا نِيَّةٍ بِغَسْلِهِ إِنْ عُرِفَ، وإلَّا فَبِجَمِيعِ الْمَشْكوكِ فِيهِ، كَكُمَّيْهِ بِخِلافِ ثَوْبَيْهِ فَيَتَحَرَّى، بِطَهُور مُنْفَصِلٍ كَذَلِكَ، وَلا يَلْزَمُ عَصْرُهُ مَعَ زَوَالِ طَعْمِهِ، لا لَوْنٍ وَرِيحٍ عَسُرَا. وَالْغُسَالَةُ الْمُتَغَيرَةُ نَجِسَةٌ وَلَوْ زَالَ عَيْنُ النجَاسَةِ بغَيرِ الْمُطْلَقِ لَم يتَنَجسْ مُلاقِي مَحَلِّهَا. (الشرح) قوله: (وَيَطْهُرُ مَحَلُّ النَّجَسِ بِلا نِيَّةٍ) أي: فلا يُفتقر في غسل النجاسة (٣) إلى نية، وهذا هو المعروف، وحكى في الذخيرة قولًا بالافتقار (٤)، والباء في قوله (بلا نيَّة) متعلقة بـ (يطهر). قوله: (بِغَسْلِهِ إِن عُرِفَ) أي: يطهر محلها بغسله إن عرف وتميز عن غيره. قوله: (وإلا فَبِجَمِيع (٥) المشْكُوكِ فِيهِ) أي: وإن لم يعرف محل النجاسة فلا بد من غسل جميع ما شك فيه؛ لأن غسلها مطلوب، ولا يخرج من عهدة ذلك (٦) إلا بيقين وتعميم جميع المشكوك فيه. قوله: (كَكُمَّيْهِ) أي: إذا وقعت النجاسة في أحدهما وجهل تعيينه فإنه يغسلهما معًا، وقيل: يتحرى أحدهما كما في الثوبين، وأما (٧) الثوب الواحد فلا شك في غسله إذا جهل موضع النجاسة فيه (٨).

стр. 132

قوله: (بِخِلافِ ثَوْبَيْهِ فيتَحَرَّى) أي: بخلاف ما إذا وقعت النجاسة في أحد (١) ثوبين (٢) ولم يعرف المتنجس (٣) من غيره، فإنه يتحرى أحدهما ويجزئه (٤). قوله: (بِطَهُورٍ) أي: إنما يطهر محل النجاسة بالماء الطهور لا المضاف (٥)، خلافًا لمن أجاز ذلك. قوله: (مُنْفَصِلٍ كذِلِكَ) أي: بشرط أن ينفصل طهورًا؛ احترازًا مما إذا انفصل متغيرًا، فإنه لا يحكم حينئذ بتطهير المحل، ولا بد أيضًا من غسله (٦) حتى ينفصل الماء طهورًا. قوله: (وَلا يَلْزَمُ عَصْرُه مَعَ (٧) زَوَالِ طَعْمِهِ) ابن شاس (٨): لا يلزم عصر الثوب إذا زال طعمه؛ إذ الباقي جزء المنفصل (٩). قوله: (لا لَوْنٍ وَرِيحٍ عَسُرَا) أي: (١٠) فإن ذلك معفو عنه للمشقة، فإن تيسر خروجهما فلا بد من الغسل. قوله: (والْغُسَالَةُ المتغيرةُ نَجِسَةٌ) أي: غسالة النجاسة، ولا إشكال في ذلك مع التغيير، سواء تغير لونها أو طعمها أو ريحها، وأما غير المتغيرة فطاهرة. قوله: (وَلَوْ زَالَ عَيْنُ النجَاسةِ بِغَيْرِ المطْلَقِ لم يَتَنَجَّسْ مُلاقِي مَحِلِّهَا) يريد أن النجاسة إذا أزيلت عينها بالماء المضاف ونحوه، ثم وقع شيء على ذلك المحل (١١) فابتل من رطوبته، فإنه لا ينجس، وهذا قول ابن أبي زيد، واختاره جماعة، خلافًا للقابسي (١٢).

стр. 133

(المتن) وَإن شَكَّ فِي إِصَابَتِهَا لِثَوْبٍ وَجَبَ نَضْحُهُ، وَإِنْ ترَكَ أَعَادَ الصَّلاةَ كَالْغَسْلِ، وَهُوَ رَشٌّ بِالْيَدِ بِلا نِيَّةٍ، لا إِنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمُصِيب أَوْ فِيهِمَا، وَهَلِ الْجَسَدُ كَالثَّوْبِ أَوْ يَجِبُ غَسْلُهُ؟ خِلافٌ. وَإِذَا اشْتبَهَ طَهُورٌ بِمُتَنَجِّسٍ أَوْ نَجَسٍ صَلَّى بِعَدَدِ النَّجَسِ وَزِيَادَةِ إنَاءٍ. (الشرح) قوله: (وإنْ شَك في إِصَابتِهَا لِثَوْبِ وجَبَ نَضْحُهُ) يريد أنه إذا شك في وصول النجاسة لثوبه وجب عليه نضحه، وهو ظاهر المذهب، قاله (١) سند (٢) وصاحب اللباب (٣). قوله: (وَإِنْ تَرَكَ أعَادَ الصَّلاةَ كَالغُسْلِ) يعني: فإن ترك النضح وصلى فإنه يعيد الصلاة في الوقت إن كان ناسيًا، وأبدًا إن كان عامدًا، كما لو ترك غسل النجاسة، وهذا قول ابن القاسم وغيره (٤). وقال أشهب وعبد الملك وابن وهب: لا إعادة (٥). وذلك لكون النضح عندهم مستحبًّا. قوله: (وَهُوَ رَشٌّ بِالْيَدِ) أي: أن النضح عبارة عن الرش باليد، وهو المشهور، وقال الداودي: هو غمر (٦) المحل بالماء، وعن سحنون: هو بالفم (٧). قوله: (بِلا نِيةٍ) هذا هو الأصح، وقيل: لا بد فيه من النية؛ لأنه غير معقول المعنى، وكل عبادة كذلك، فلابد لها من نيَّة إذا فعلها المكلف في نفسه، وتيقن بالإصابة فلا شيء عليه وكذلك إذا شك في نجاسة المصيب ومع ذلك شك هل أصابه أم لا فلا شيء عليه لضعفه (٨).

стр. 134

قوله: (لا إِنْ شَكَّ في نَجَاسَةِ المصِيبِ أَوْ فِيهِما) (١) يريد إنَّه (٢) إذا شك في نجاسة ما أصابه، فإنه لا يجب عليه النضح وهو المشهور (٣)، وقيل: ينضح، ولا خلاف في عدم النضح (٤) إذا شك في النجاسة والإصابة؛ لضعف الحال حينئذٍ، وإليه أشار بقوله: (أَوْ فِيهِمَا). قوله: (وَهَلِ الْجسَدُ كَالثوْب، أوْ يَجِبُ غَسْلُهُ؟ خلافٌ) ظاهر المذهب عند (٥) ابن شَاس: أنه لا فرق في ذلك بين الجسد والثوب (٦). ابن الحاجب: والجسد في النضح كالثوب على الأصح (٧). وقال في البيان: لا ينضح الجسد بل يغسل، قال: (٨) وهو أصل مالك (٩)، واستقرأه (١٠) من قوله في المدونة: ولا يغسل أنثييه من المذي، إلا أن يخشى إصابتهما (١١). وكذا جعل (١٢) عبد الحق ظاهر المدونة وجوب غسل الجسد (١٣). قوله: (وَإِذَا اشْتبَهَ طَهُورٌ بِمُتَنَجِّسٍ أَوْ نَجِسٍ صَلَّى بِعَدَدِ النجِسِ وَزِيادَةِ إِنَاءٍ) أشار بقوله: (بمتنجس أو نجس) إلى صورتين: الأولى: أن يشتبه ماء طهور بماء متنجس إلا أن النجاسة لم يظهر تغيرها فيه لتغير

стр. 135

الآخر بقراره، أو تغير أحدهما بتراب طاهر والآخر بتراب نجس، وهذه الصورة هي المعروفة لأصحابنا، والصحيح أنه يصلي بعدد النجس وزيادة إناء، ولسحنون: يتيمم ويتركه. وله أيضًا مع عبد الملك: يتوضأ ويصلي حتى تفرغ (١). زاد ابن مسلمة: ويغسل أعضاءه من الثاني مما أصابه من الأول (٢) قبل الوضوء من الثاني (٣). ابن المواز وابن سحنون: يتحرى كالقِبلة (٤). ابن القصار: مثلهما إن كثرت الأواني، ومثل ابن مسلمة إن قلَّتْ (٥). الصورة الثانية: أن يشتبه ماء طهور بماء نجس العين كالبول المقطوع الرائحة، ولا نص فيها عندنا، غير أن القاضي عبد الوهاب خرجها على الأولى، ورأى أنه لا فرق بينهما (٦). (المتن) وَنُدِبَ غَسْلُ إنَاءِ مَاءٍ وَيُرَاقَ -لا طَعَامٍ وَحَوْضٍ- تَعَبُّدًا سَبْعًا بِوُلُوغِ كَلْب مُطْلَقًا، لا غَيْرِهِ عِنْدَ قَصْدِ الاِسْتِعْمَالِ بِلا نِيَّةٍ وَلا تَتْرِيبٍ وَلا يتعَدَّدُ بِوُلُوغِ كَلْبٍ أوْ كِلابٍ. (الشرح) قوله: (وَنُدِبَ غَسْلُ إِنَاء مَاءٍ ويُرَاقُ لا طَعَامٍ (٧) وَحَوْضٍ تَعَبدًا سَبْعًا بِوُلُوغِ كَلْبٍ مُطْلَقًا) ما ذكره من استحباب الغسل هو مذهب المدونة عند ابن بشير (٨). وقيل: إنه واجب، والصحيح أنه يريقه كما قال، وقد وقع ذلك مصرحًا به في حديث مسلم، وفي آخره: "فلْيرقْهُ" (٩). وقيل: لا يراق لأن الغسل تعبد، والمشهور اختصاص الغسل بإناء (١٠) الماء.

стр. 136

وقال ابن وهب: يغسل أيضًا إناء الطَّعام (١). وقوله: (وحوض) أي: فإنه أيضًا لا يغسل إذا ولغ فيه الكلب، والمشهور أن الغسل تعبد كما قال، وقيل: لنجاسة الكلب، وقيل: لقذارته، والسبع تعبد عليهما، وقيل: لتشديد المنع، إلى غير ذلك من الأقوال، ونبه بقوله: (بولوغ كلب) على أنه لو أدخل يده أو رجله في الإناء لم يطلب (٢) بالغسل، وهو كذلك. وقوله: (مطلقًا) أي: سواء كان منهيًا عن اتخاذه أم لا، وقيل: يختص ذلك بالمنهي عن اتخاذه (٣). قوله: (لَا غَيره) أي: كالخنزير ونحوه وهو ظاهر المذهب (٤)، وقيل: يلحق به في ذلك (٥) الخنزير. قوله: (عِنْدَ قَصْدِ الاِسْتِعْمالِ) أي: لا قبل ذلك، وهذا هو المشهور، وقيل: يؤمر بالغسل على الفور. قوله: (بِلا نيةٍ) هو المشهور، قاله الباجي (٦) وابن رشد (٧). قوله: (وَلا تَتْرِيبٍ) أي: لا يطلب في غسل الإناء كون الغسلات بالتراب؛ لعدم ثبوته في كل الروايات (٨). قوله: (وَلا يَتَعَدَّدُ) أي: الغسل. قوله: (بِوُلُوغِ كَلْبٍ أَوْ كِلابٍ) أي: سواء ولغ فيه الكلب الواحد مرارًا متعددة أو ولغ فيه جماعة كلاب، ويكفي في جميع ذلك سبع غسلات، كما لو اتحد الولوغ.

стр. 137

فصل [الوضوء وأحكامه] [فرائض الوضوء] (المتن) فَصْلٌ: فَرَائِضُ الْوُضُوءِ: غَسْلُ مَا بَينَ الأُذُنَينِ وَمَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ، وَالذَّقَنِ، وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ، فَيَغْسِلُ الْوَتَرَةَ، وَأَسَارِيرَ جَبْهَتِهِ، وَظَاهِرَ شَفَتَيْهِ بِتَخْلِيلِ شَعَرٍ تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ تَحْتَهُ، لا جُرحًا بَرِئَ، أَوْ خُلِقَ غَائِرًا، وَيَدَيْهِ بِمِرفَقَيْهِ، وَبَقِيَّةُ مِعْصَمٍ إِنْ قُطِعَ، كَكَفٍّ بِمَنْكِبٍ بِتَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ، لا إِجَالَةُ خَاتَمِهِ وَنُقِضَ غَيْرُهُ. (الشرح) قوله: (١) (فَرَائضُ الْوُضُوء: غَسْلُ مَا بَيْنَ الأذنيْنِ وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرأسِ المعْتَادِ، وَالذقَنِ، وَظَاهِرِ اللحْيةِ) أي: الفريضة الأولى غسل الوجه. وجعل حده عرضًا: ما بين الأذنين، وهو المشهور، وقيل: ما بين العذارين، وقيل: إن كان نقي الخد فكالأول وإلا فكالثاني، وقال عبد الوهاب: ما بين العذار والأذن سنة (٢). وحده طولًا: ما بين منابت (٣) شعر الرأس المعتاد إلى منتهى الذَّقَن في نقي الخد، وفي حق من له لحية إلى منتهى اللحية. وظاهر المذهب الاكتفاء بغسل اللحية من غير تخليل، وهو قول مالك في العتبية (٤)، وعن مالك وابن عبد الحكم: يجب ذلك. وقال ابن حبيب باستحباب ذلك (٥)، هذا في الكثيفة، وأما الخفيفة فيخللها بلا خلاف. قوله: (فيغْسِلُ الوَترَةَ، وَأَسَارِيرَ جَبْهَتِهِ وَظَاهِرَ شَفَتَيْهِ) إنما نص على هذه الثلاثة، وإن كانت داخلة في مسمى (٦) الوجه؛ خيفة أن يتوهم فيها السقوط. قوله: (بِتَخْلِيلِ شَعْرٍ تَظْهَرُ الْبَشْرَةُ تَحتهُ) قد تقدم التنبيه على ذلك.

стр. 138

قوله: (لا جُرْحًا بَرِئَ، أَوْ خُلِقَ غَائِرًا) أي: فلا يجب غسل داخله؛ لأن ذلك شبيه بالباطن الذي لا يطلب من المكلف غسله. قوله: (وَيدَيْهِ بِمِرْفَقَيْهِ) الفريضة الثانية غسل اليدين، و (١) (بمرفقيه) أي: مع مرفقيه، فالباء (٢) فيه بمعنى مع، كقولك (٣): اشتريت العبد بمالة؛ أي: مع ماله، ودخولهما في غسل يديه (٤) هو المشهور، وقيل: لا يدخلان، وعن أبي الفرج (٥) أن دخولهما واجب لا لنفسه (٦). قوله: (وَبَقِيةِ مِعْصَمِ إِنْ قُطِعَ) يريد أن المعصم إذا قطع وبقيت منه بقية متصلة بالمرفق فإنه يجب غسلها (٧)، فلو لم يبقَ شيء فلا يجب. قوله: (كَكَفٍّ بِمَنكبٍ) يريد أن من خلق كفه في منكبه بلا عضد ولا ساعد، فإنه يجب عليه (٨) غسل ذلك الكف، وهكذا قال في السليمانية. قوله: (بِتَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ) أي: مع تخليل أصابعه، وهذا هو المشهور، نص عليه ابن راشد (٩).

стр. 139

وقال في الذخيرة: ظاهر المذهب عدم الوجوب (١). قوله: (لا إِجَالَةِ خَاتَمِهِ) الإجالة هو تحريكه (٢) في الأصبع؛ يعني: أنه لا يجب تحريكه في الأصبع (٣) حين الوضوء، هكذا قال ابن القاسم عن مالك (٤). وقيل: يجب، وقيل: إنما يجب (٥) ذلك في الضيق، وقيل: ينزع. قوله (٦): (وَنُقِضَ غَيْرُهُ) أي: ونقض غير المعصم كهو، على معنى أنه إن بقي منه شيء من المفروض وجب غسله وإلا فلا. (المتن) وَمَسْحُ مَا عَلَى الْجُمْجُمَةِ بِعَظْمِ صُدْغَيْهِ مَعَ الْمُسْتَرخِي، وَلا يَنْقُضُ ضَفْرَهُ رَجُلٌ أَوِ امْرَأةٌ، وَيُدْخِلانِ يَدَيْهِمَا تَحْتَهُ فِي رَدِّ الْمَسْحِ، وَغسْلُهُ مُجْزِئٌ. وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ النَّاتِئَيْنِ بِمَفْصِلَيِ السَّاقَيْنِ، وَنُدِبَ تَخْلِيلُ أَصَابِعِهِمَا، وَلا يُعِيدُ مَنْ قَلَمَ ظُفُرَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ، (الشرح) قوله: (وَمَسْحُ مَا عَلَى الْجمْجُمَةِ) الفريضة الثالثة مسح جميع الرأس، فلا يجزئ بعضها على المشهور، خلافًا لابن مسلمة في إجزاء الثلثين، ولأبي الفرج في إجزاء الثُّلث، ولأشهب في إجزاء البعض (٧)، والجمجمة: قال الجوهري: هي عظم الرأس المشتمل على الدماغ (٨).

стр. 140

قوله: (بِعَظْمِ صُدْغَيْهِ) أي: مصاحبًا له، وذلك لأن مسح شعر صدغيه واجب، قاله ابن أبي زيد (١). قوله: (مع المسْتَرْخِي): أي: فإن مسحه واجب (٢) هو (٣) المشهور، وقيل: لا يجب. قوله: (وَلا يَنْقُضُ ضَفْرَهُ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَة، وَيُدْخِلان يَدَيْهِما تَحتهُ فِي رَدِّ المسْحِ) هكذا قال ابن يونس (٤)؛ وهو يدل على جواز فتل شعر الرأس للرجل، وحكى البلنسي (٥) خلافه، وإذا قلنا بالجواز، فإذا مسحا أدخلا يديهما تحته في رده، كما قال: (ويدخلان يديهما تحته في رد المسح) (٦). قوله: (وَغَسْلُهُ مُجْزِئ) أي: لو ترك مسح الرأس وغسله أجزأه، وهو المشهور، وقيل: لا يجزئ؛ لأنه حقيقة أخرى، وقيل: يكره. قوله: (وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ) هذه هي الفريضة الرابعة، وهي: غسل الرجلين مع الكعبين، والخلاف في دخول الكعبين في غسلهما كالخلاف في دخول المرفقين. قوله: (النَّاتِئَيْنِ بِمِفْصَلَيْ السَّاقيْنِ) أي: أن الكعبين هما العظمان (٧) الناتئان في طرف الرجلين عند مفصلي ساقيهما وهو الظاهر، وقيل: عند معقد الشِّراك. قوله: (وَنُدِبَ تَخْلِيلُ أصَابِعِهِما) المشهور كما قال: استحباب تخليل أصابعهما، وهو مقتضى قوله في الرسالة: وإن ترك التخليل (٨) فلا حرج، والتخليل أطيب للنفس (٩). وقيل: بوجوبه، وروي عن مالك إنكاره، والفرق بين هذا وما (١٠) تقدم في أصابع

стр. 141

اليدين أن التصاق أصابع الرجلين صير (١) ما بينهما كالباطن، فلذلك أنكره مالك. قوله: (وَلا يُعِيدُ مَنْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ) يريد أن المتوضئ إذا قلم أظفاره أو حلق شعر (٢) رأسه لا إعادة عليه، وقاله في المدونة (٣). (المتن) وَفِي لِحْيَتِهِ قَوْلانِ. وَالدَّلْكُ، وَهَلِ الْمُوَالاةُ وَاجِبَةٌ إِنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ -وَبَنَى بِنِيَّةٍ إِنْ نَسِيَ مُطْلَقًا، وَإِنْ عَجَزَ مَا لَمْ يَطُلْ بجَفَافِ أَعْضَاءٍ بِزَمَنٍ اعْتَدَلا- أَوْ سُنَّةٌ؟ خِلافٌ. وَنيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ عِنْدَ وَجْهِهِ، أَوِ الْفَرضِ، أَوِ اسْتِبَاحَةِ مَمْنُوعٍ وَإِنْ مَعَ تبرد، أوْ أَخْرَجَ بَعْضَ الْمُسْتَبَاحِ، أَوْ نَسِيَ حَدَثًا لا أَخْرَجَهُ أَوْ نَوَى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ أَوِ اسْتِبَاحَةَ مَا نُدِبَ لَهُ أَوْ قَالَ: إِنْ كُنْتُ أَحْدَثْتُ فَلَهُ، أَوْ جَددَ فَتَبَيَّنَ حَدَثُهُ، أَوْ تَرَكَ لُمْعَةً فَانْغَسَلَتْ بِنِيَّةِ الْفَضْلِ، أَوْ فَرَّقَ النِّيةَ عَلَى الأَعْضَاءِ، وَالأَظْهَرُ فِي الأَخِيرِ الصِّحَّةُ. وَعُزُوبُهَا بَعْدَهُ وَرَفْضُهَا مُغْتَفَرٌ. وَفِي تَقَدمِهَا بِيَسِيرٍ خِلافٌ. (الشرح) قوله: (وَفي لِحيتهِ قَوْلانِ) قال ابن القصار بعدم الإعادة (٤)، وقال الشارقي (٥): يعيد (٦). قوله: (وَالدَّلْكُ) الفريضة الخامسة: الدلك، والمشهور ما قال (٧)، وقال ابن عبد الحكم: لا يجب. وقيل: واجب لا لنفسه (٨).

стр. 142

قوله: (وَهَلِ الموالاة وَاجِبةٌ إِنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ وَبَنَى بنيةٍ إِنْ نَسِيَ مُطْلَقًا، وإنْ عَجَزَ مَا لم يَطُلْ بِجَفَافِ أَعْضَاء بِزَمَنٍ اعْتَدَلا، أَوْ سُنَّةٌ؟ خِلافٌ) يعني: إنَّه اختلف في الموالاة: هل هي واجبة مع الذكر والقدرة ساقطة مع العجز والنسيان، وهو المشهور عند جماعة من الأشياخ، فيبني بنيَّة إن نسي مطلقًا (١) طال أولم يطل، وفي العجز ما لم يطل، واختلف في الطول: هل هو محدود بالعرف أو بجفاف الأعضاء المعتدلة في الزمن المعتدل وهو الصحيح، أو الموالاة سنة، وهو المشهور عند صاحب المقدمات (٢). قوله: (وَنيةُ رَفْعِ الْحدَثِ) الفريضة السادسة: -أو السابعة- النية على المشهور، وعن مالك عدم وجوبها هنا (٣)، وخرج عليه الغسل، والنية: هي القصد إلى الشيء والعزم عليه (٤)، وجعلت لتمييز ما هو عبادة عن (٥) غيره أو تمييز بعض العبادات عن بعض. قوله: (عِنْدَ وَجْهَهِ) أي: محلها عند غسل الوجه وهو المشهور، وقيل: عند غسل اليدين وهو الظاهر؛ ليدخل في ذلك المضمضة والاستنشاق. قوله: (أَوِ الْفَرْضِ أَوِ اسْتِبَاحَةِ مَمْنُوعٍ) يريد أن للمتوضئ في كيفية النية ثلاثة أوجه: إما نيَّة رفع الحدث الذي هو المنع المترتب عليه الأحكام (٦). وإما امتثال أمر الله تعالى بما افترض عليه. وإما استباحة ما كان الحدث مانعًا منه. قوله: (وإنْ مَعَ تبَرُّدٍ) يريد أن النية ولو صحبها قصد التبرد فإنها تجزئ، ولا أثر لما صحبها. قوله: (أَوْ أَخْرَجَ بَعْضَ المسْتبَاحِ) وهذا هو المشهور، كما لو نوى أن يصلي بوضوئه الظهر دون العصر، ويستبيح (٧) ما نواه وغيره، وخرج ابن القصار قولًا بأنه يستبيح ما

стр. 143

نواه فقط، وقيل (١): لا يستبيح به شيئًا (٢). قوله: (أَوْ نَسِيَ حَدَثًا) لا إشكال عندنا فيما إذا نسي حدثًا ونوى غيره، أو أحدث أحداثًا ونوى بعضها ناسيًا لغيره أن ذلك يجزئه. قوله: (لا أَخْرَجَهُ) يعني: لا إن أخرج بعض المستباح، كما لو قال: لا أصلي به العصر وإنما أصلي به الظهر، ومثله ما إذا قال (٣): أتوضأ لحدث البول لا لحدث الغائط، وقد حصلا معًا منه، فإن ذلك لا يجزئه للتناقض. قوله: (أَوْ نَوَى مُطْلَقَ الطهَارة) لأن المنوي لا بد من كونه معلومًا أو مظنونًا، فلا تنعقد النية في المشكوك لترددها. قوله: (أَوِ اسْتِبَاحَةَ مَا نُدِبَ (٤) لَهُ) أي: وكذلك إذا نوى استباحة ما ندب له الوضوء فإنه لا يجزئه. قوله: (أَوْ قَالَ: إِنْ كُنْتُ أَحْدثتُ فَلَهُ) أي: توضأ وقال: إن كان قد (٥) حصل مني حدث فهذا الوضوء له، فإنه لا يجزئه، وكذلك إذا جدد وضوءه معتقدًا أنه على طهارة ثم تبيّن أنه كان محدثًا قبل التجديد، أو توضأ وترك من أعضاء وضوئه لمُعة فانغسلت ثانية (٦) بنيَّة الفضيلة فإنه لا يجزئه، وإلى هذا أشار بقوله: (أَوْ جَدَّدَ فتبَيَّن حَدَثُهُ أَوْ تَرَكَ لمعَةً فَانْغَسَلَتْ بِنيةِ الْفَضْلِ). قوله: (أَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى الأَعْضَاء) أي: خص كل عضو بنيَّة مع قطع النظر عما بعده. سند: وظاهر المذهب عدم الصحة. ابن بزيزة: والمنصوص أنها لا تفرق نظرًا إلى أنها عبادة واحدة، والشاذ أنها تفرق (٧). والخلاف مبني على أن الحدث هل يرتفع عن كل عضو بانفراده أم لا

стр. 144

يرتفع (١) إلا بإكمال الطهارة؟ فإذا غسل الوجه مثلًا يرتفع حدثه في قول، وفي قول لا يرتفع إلا بعد غسل الرجلين. ابن رشد: والأول قول ابن القاسم، والثاني (٢) لسحنون، والأول أظهر (٣)، وإليه أشار بقوله: (وَالأَظْهَرُ في الأَخِيرِ الصحَّةُ). قوله: (وَعُزُوبُها بَعْدَهُ وَرَفْضُهَا مُغْتَفَرٌ) يريد: أن عزوب النية وهو انقطاعها والذهول عنها بعد محلها مغتفر للمشقة، ولا إشكال في ذلك، وأما رفضها فالمشهور عدم تأثيره كما في الحج، وأما في الصوم والصلاة فالمشهور التأثير. قوله: (وَفي تَقَدُّمِهَا بِيَسِيرِ خِلافٌ) يعني: أنه (٤) اختلف في النية إذا تقدمت قبل محلها بيسير، هل تؤثر في إخلال الوضوء؟ ابن عبد السلام: وهو الأشهر؛ أو لا تؤثر؟ قال المازري: وهو الأصح في النظر (٥)، قال ابن بزيزة: هو المشهور (٦). [سنن الوضوء] (المتن) وَسُنَنُهُ غَسْلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا، ثَلاثًا، تَعَبُّدًا بِمُطْلَقٍ وَنِيَّةٍ وَلَوْ نَظِيفَتَيْنِ، أَوْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَائِهِ مُفْتَرِقَتَيْنِ، وَمَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ وَبَالَغَ مُفْطِرٌ، وَفِعْلُهمَا بِسِت أَفْضَلُ، وَجَازَا أَوْ إِحْدَاهُمَا بِغَرفَةٍ، وَاسْتِنْثَارٌ، وَمَسْحُ وَجْهَي كُلِّ أُذُن، وَتَجْدِيدُ مَائِهِمَا، وَرَدُّ مَسْحِ رَأْسِهِ. (الشرح) قوله: (وَسُنَنه غَسْلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا) لما فرغ من فرائض الوضوء شرع في سننه، وهي ثمانٍ: الأولى: غسل اليدين، ويريد بقوله: (أولًا) أن غسلهما قبل الشروع في الوضوء سنة؛ لقوله ﵇: "إِذَا استَيْقَظَ أَحَدُكُم مِنْ نَومِهِ فَليَغْسِلْ يَدَيهِ قَبلَ أَنْ يُدخِلَهُما فِي (٧)

стр. 145

وَضُوئهِ" (١) الحديث، وقيل: مستحب. قوله: (ثَلاثًا تَعَبُّدًا): هذا هو المشهور، وذهب أشهب إلى أن غسلهما من باب النظافة. المازري: ويتخرج على القولين صفة غسلهما، فعلى التعبد يغسل كل يد منفردة (٢)، وعلى التنظيف يغسلهما مجتمعتين (٣). قوله: (بِمُطْلَقٍ وَنيَّةٍ) أي: ولأجل كون غسلهما سنة لا يفعل ذلك إلا بالمطلق ونية. قوله: (وَلَوْ نَظِيفَتَيْنِ أَوْ أَحْدَثَ في أثنائِهِ) هذا على قول ابن القاسم، وأما على قول أشهب فلا يحتاج إلى غسلهما، وذلك (٤) يجري (٥) على القولين ما إذا (٦) أحدث في أثناء وضوئه. قوله: (مُفْتَرِقتَيْن) قد تقدم بيانه من كلام المازري وإجرائه (٧) على القولين. قوله: (وَمَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ) يريد أن السنة الثانية والثالثة: المضمضة والاستنشاق على المشهور. المازري: وذهب بعضهم إلى أنَّهما فضيلة (٨). قوله: (وَبَالَغَ مُفْطِر) يريد أن غير الصائم يبالغ في المضمضة والاستنشاق، واحترز بذلك من الصائم لأنه (٩) يخشى مع المبالغة من إيصال الماء إلى حلقه. قوله: (وَفعْلُهُما بِسِتٍّ أَفْضَلُ، وَجَازَا أَوْ إِحْدَاهُمَا بِغَرْفَةٍ) (١٠) أي: المضمضة
следующие страницы →