← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

قوله: (وَمَشْيٌ لِمَسْجِدٍ، وَإِنْ لاعْتِكَافٍ) يريد: أن من نذر المشي لمسجد (١) -أي: من غير المساجد الثلاثة- لم يلزمه، وإن نوى اعتكافًا به؛ يريد لقوله ﵇: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى" (٢)، وفي الرسالة: وأما غير هذه الثلاثة (٣) فلا يأتيه ماشيًا ولا راكبًا (٤)، ولا يلحق بالثلاثة مسجد قباء خلافًا لابن مسلمة (٥). قوله: (إِلَّا الْقَرِيبَ جِدًّا فقَوْلانِ تَحْتَمِلُهُمَا) أي: المدونة، ومراده أن المسجد الذي نوى الإتيان إليه إن كان قريبًا جدًّا فإن فيه قولين، والمدونة محتملة لهما (٦)، وظاهرها (٧) عند اللخمي (٨) وابن يونس: أنه لا شيء عليه؛ لقوله: ولو نذر الصلاة في غيرها من مساجد الأمصار صلى بموضعه، وفي الرسالة (٩) نحوه، وقال محمد (١٠): إن كان قريبًا جدًّا كالأميال اليسيرة أتاه ماشيًا وصلى فيه كما التزم (١١)، وقاله ابن الجلاب (١٢)، ولابن حبيب ما تقدم، وقاله مالك (١٣)، واستحسنه اللخمي (١٤) وغيره (١٥)، وانظر ما هنا مع

стр. 1122

ما له (١) في المدونة في باب الاعتكاف فيمن نذر جوار مسجد مثل جوار (٢) مكة لزمه ذلك فيه (٣)، ولعلَّ (٤) هذا هو السبب في كون المدونة محتملة للقولين. قوله: (وَمَشْيٌ لِلْمَدِينَةِ، أَوْ إِيلْيَاءَ إِنْ لَمْ يَنْوِ صَلاةً بِمَسْجِدَيْهِمَا (٥)، أَوْ يُسَمِّهِمَا، فَيَرْكَبُ) يشير إلى قوله في المدونة: ومن قال: لله عليَّ أن آتي المدينة أو بيت المقدس أو أمشي إلى المدينة أو بيت المقدس، فلا يأتيهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما (٦) أو يسميهما، فيقول: إلى مسجد الرسول أو مسجد إيلياء، وإن لم ينو الصلاة فيهما فيأتيهما (٧) راكبًا، ولا هدي عليه، وكأنه لما سماهما قال: لله عليَّ أن أصلي فيهما (٨). انتهى. ولابن وهب -واستحسنه الأشياخ- لزومُ الإتيان إليهما ماشيًا (٩). قوله. (وَهَلْ إِنْ كَانَ بِبَعْضِهَا، أَوْ إِلَّا لِكَوْنِهِ بِأَفْضَلَ؟ خِلافٌ) يريد أن الأشياخ اختلفوا إذا كان الناذر في أحد المساجد الثلاثة والتزم الإتيان إلى الآخر، هل يلزمه ذلك مطلقًا، أو إذا كان الذي هو فيه مفضولًا، وأما إن كان فاضلًا فلا؟ وإلى الأول ذهب ابن بشير، قال: والظاهر من المذهب لزوم الإتيان وإن كان موضعه أفضل من الذي التزم المشي إليه (١٠)، وإلى الثاني ذهب اللخمي، فقال: إن كان بمكة أو المدينة صلى بموضعه، وأجزأه إذا نذر الصلاة في بيت المقدس والمقدسي يأتيهما، وإن نذر مكي الصلاة بالمدينة أو بالعكس أتاه، وذلك أحوط؛ ليخرج من الخلاف، وقياس قول مالك: يأتي المكي المدينة بخلاف العكس (١١).

стр. 1123

قوله: (وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكْةُ) لا خلاف أن بيت المقدس مفضولٌ بالنسبة إليهما، واختلف في مكة والمدينة ما عدا موضع (١) قبر نبينا محمد ﷺ ؛ إذ الإجماع على أنه أفضل بقاع الأرض (٢) كلها، نقله القاضي عياض في الإكمال، والمشهور أن المدينة أفضل، وقال ابن وهب وابن حبيب: مكة أفضل، وهو مذهب الشافعي (٣)، ولا يخفى ما في ذلك من الأدلة والحجج لكل من الفريقين، ولولا الإطالة لجلبنا ذلك. * * *

стр. 1124

بابٌ [في الجهاد] (المتن) بَابٌ الْجِهَادُ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ كُلَّ سَنَةٍ -وَإِنْ خَافَ مُحَارِبًا، كَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ- فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ، كَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ وَالْفَتْوَى، وَدَفْعِ الضَّرَرِ وَالْأَذَى عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ، وَالإِمَامَةِ وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْحِرَفِ الْمُهِمَّةِ، وَرَدِّ السَّلَامِ وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ، وَفَكِّ الأَسِيرِ. وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ، وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إِنْ عَجَزُوا، وَبتَعْيِينِ الإِمَامِ. (الشرح) (الْجِهَادُ) وهو في اللغة: التعب والمشقة، مأخوذ من الجهد، وفي االشرع: تعب خاص، وهو من العبادات العظيمة (١) لما ورد فيه من الآيات والأحاديث، وهو من فروض الكفايات، كما قال آخر (٢) المسألة. قوله: (في أَهَمِّ جِهَةٍ (٣)): أي في جهة يحصل فيها من الكفار خوف على المسلمين دون غيرها من الجهات فيندب الإمام إليها طائفة (٤)، أو يغزوها بنفسه. قوله: (كُلَّ سَنَةٍ) أي: ليس هو مما يجب مرة في العمر، بل حكمه باقٍ في كل عام. ابن عبد البر: يجب على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو في كل (٥) سنة مرة يخرج معهم بنفسه، أو يرسل معهم (٦) من يثق به، ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم، ويكف أذاهم (٧)، ويظهر دين الله عليهم، ويقاتلهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية (٨). قوله: (وَإِنْ خَافَ مُحَارِبًا) أي: يكون في أهم جهة، ولو مع خوف محارب.

стр. 1125

قوله: (كَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ) يريد أن زيارتها في كل سنة فرض كفاية، فلا يجوز أن يترك الناس كلهم زيارتها في عام من الأعوام، إلا من عذر لا يستطيعون معه الوصول إليها، نعوذ بالله من ذلك. قوله: (فَرْضُ كِفَايَةٍ) هو خبر عن قوله: (الجهاد)، وحكى ابن رشد (١) وابن الحاجب الإجماع على ذلك (٢). قوله: (وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ) يشير إلى قوله في المدونة: ولا بأس بالجهاد مع هؤلاء الولاة (٣)، ثم قال: وقد كان مالك يكره الجهاد معهم ثم رجع عن ذلك (٤). وفي الرسالة: ويقاتل العدو مع كل بر وفاجر من الولاة (٥)، لأنه لو ترك لأضرَّ بالمسلمين، وقد قال مالك: ترك ذلك ضرر (٦) وجرأة لأهل الكفر (٧). قوله: (عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ) هو متعلق بقوله: (فرض كفاية)، واحترز بالحُرِّ من العبد، وبالذكر من الأنثى، وبالكلَّف من الصبيِّ والمجنون، وبالقادر من العاجز، فإنهم لا يخاطبون بالجهاد. قوله: (كَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ) قال في المقدمات: وطلب العلم والتفقه في الدين من فروض الكفايات كالجهاد، أوجبه الله تعالى على الجملة بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] (٨)، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، فإذا قام به (٩) البعض سقط الفرض (١٠) عن الباقين، إلا ما لا (١١) يسع الإنسان جهله من صفة وضوئه وصلاته

стр. 1126

وصيامه وزكاته، إن كان ممن تجب عليه الزكاة فذلك فرض عين (١). قوله: (وَالْفَتْوَى) أي: فكما يجب التعلم (٢) على المتعلم (٣) كذلك يجب على العالم الإفتاء (٤) والإرشاد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآية، وقوله ﵇: "بلغوا عني ولو آية" (٥). قوله: (وَدَفْعِ الضَّرَرِ وَالْأَذَى عَنِ الْمُسْلِمِينَ) هو أيضًا من فروض الكفاية؛ لما فيه من مصالح العباد في فصل الخصومات (٦)؛ لأن كف الأذى عنهم ورفع الضرر من المصالح المطلوبة. مالك: وقد كان عمر يخرج إلى الحوائط يخفف عمن أثقل في عمله من الرقيق والأحرار، ويزيد في رزق (٧) من أقل في رزقه (٨)، وفي كلامه هنا حذف، تقديره: ورفع الضرر عن المسلمين (٩). قوله: (وَالْقَضَاءِ) أي: هو أيضًا من فروض الكفايات لما فيه من مصالح العباد في فصل (١٠) الخصومات، ورفع التهارج (١١)، وإقامة الحدود، وكف الظالم (١٢)، ونصر المظلوم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قاله في الجواهر (١٣). قوله: (وَالشَّهَادَةِ) هي أيضًا من فروض الكفاية يحملها بعض الناس عن بعض

стр. 1127

كالجهاد، وقاله ابن يونس، ثم قال: إلا في موضع ليس فيه من يحمل (١) ذلك، فيجب على الإنسان حينئذٍ أن يشهد (٢). قوله: (وَالإمَامَةِ) ابن شاس: وهو (٣) القيام بالإمامة من فروض الكفاية (٤). قوله: (وَالَأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) لا إشكال أنه فرض كفاية يسقط بفعل البعض كالنهي عن المنكر، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. قوله: (وَالْحِرَفِ الْمُهِمَّةِ) أي: التي (٥) لا يستقيم صلاح الناس إلا بها؛ كالخياطة والحياكة والحجامة ونحوها، فإذا قام بها البعض (٦) سقط عن الباقين، ولا يجوز تركها جملة، واحترز بـ (المهمة) من غيرها فإنها لا تجب، بل ربما تحرم كما سيأتي. قوله: (وَرَدِّ السَّلامِ) إنما كان من فروض الكفاية؛ لأن بردِّ البعض يحصل الغرض (٧) المقصود. قال في الرسالة: وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم (٨)، وكذلك إن ردَّ واحد منهم (٩)، وعن بعضهم أن النبي ﷺ قال: "يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس إذا رد أحدهم" (١٠).

стр. 1128

قوله: (وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ) أي: وكذلك تجهيز الميت فرض كفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولا يجوز تركه جملة. قوله: (وَفَكِّ الأَسِيرِ) أي: المسلم من أيدي العدو. الباجي: والوجوب قول الجمهور، وسماه أشهب نافلة (١). قوله: (وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ، وَعَلَى قُرْبِهِمْ إِنْ عَجَزُوا) لما ذكر أنه فرض كفاية نبَّه على أنه قد يعرض له ما يصيره فرض عين، وذكر من ذلك أمرين: الأول: إذا فجأ العدو قومًا؛ أي: وفاهم (٢) بغتة، فإن كان لهم قوة على دفعهم تعين على الجميع دفعهم، فإن لم يقدروا على ذلك تعين على من قرب منهم، فإن لم يستقل الجميع تعين على كل من علم بضعفهم وطمع في إدراكهم وإعانتهم المضيُّ إليهم حتى يندفع العدو عنهم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون العدو أغار على قوم أو على امرأة كما قال. وأما قوله: (وعلى قربهم إن عجزوا) فهو معطوف على محذوف تقديره: وتعين بفجء العدو على من فجأهم إن كان لهم قوة عليه (٣) وعلى النازلين قربهم إن عجزوا عن دفعه، ثم أشار إلى الأمر الثاني بقوله: (وَبِتَعْيِينِ الإِمَامِ) يريد أن الجهاد يتعين بتعيين الإمام؛ فمن عيَّنه بأمره تعين عليه الخروج، ولا تسعه مخالفته. (المتن) وَسَقَطَ بِمَرَضٍ، وَصِبًى، وَجُنُونٍ، وَعَمًى، وَعَرَجٍ، وَأُنُوثَةٍ، وَعَجْزٍ عَنْ مُحْتَاجٍ لَهُ، وَرِقٍّ، وَدَيْنٍ حَلَّ، كَوَالِدَيْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ بِبَحْرٍ، أَوْ خَطَرٍ، لَا جَدٍّ، وَالْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ. وَدُعُوا لِلإِسْلَامِ، ثُمَّ جِزْيَةٍ بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ، وَإِلَّا قُوتِلُوا، وَقُتِلُوا إِلَّا الْمَرْأَةَ؛ إِلَّا فِيِ مُقَاتَلَتِهَا، وَالصَّبِيَّ وَالْمَعْتُوهَ، كَشَيْخٍ فَانٍ، وَزَمِنٍ، وَأَعْمَى، وَرَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ بِدَيْرٍ أوْ صَوْمَعَةٍ بِلَا رَأْيٍ. وَتُرِكَ لَهُمُ الْكِفَايَةُ فَقَطْ، (الشرح) قوله: (وَسَقَطَ بِمَرَضٍ وَصِبًى وَجُنُونٍ، وَعَمَى وَعَرَجٍ وَأُنُوثَةٍ وَعَجْزٍ عَنْ مُحْتَاجٍ لَهُ،

стр. 1129

وَرِقٍّ وَدَيْنٍ حَلَّ كَوَالِدَيْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ بِبَحْرٍ أَوْ خَطَرٍ) يريد أن الجهاد يسقط بالعجز الحسي وبالموانع الشرعية، فالأول كالصبا والجنون والأنوثة والعمى والعرج والمرض (١) والفقر، وهو العجز عن السلاح والركوب عند الحاجة إليه ونفقة الذهاب والإياب، ولهذا قال (٢): (وعجز عن محتاج له)، وأما الموانع الشرعية فكالرق ومنع صاحب الدين ومنع الوالدين (٣)، لأن العبد ليس له جهاد (٤) بغير إذن سيده، واحترز بـ (حلول الدين) من المؤجل؛ فإن رب الدين ليس له المنع به عن ذلك ولا عن سائر الأسفار، فإن كان يحل في غيبته وكَّل من يقضيه في غيبته (٥)، وإن حل ولم يقدر على قضائه فله السفر بغير إذن رب المال، وهذا القيد زاده في الجواهر، وليس هنا إشعار به. ابن شاس: وللوالدين المنع، ولا يبلغ (٦) الجد والجدة أن يلحقا بهما (٧)، وسفر العلم الذي هو فرض عين ليس لهما منعه منه، فإن كان فرض كفاية فليتركه في طاعتهما، ولهما المنع من ركوب البحار والبراري الخطرة، وحيث لا خطر لا يجوز لهما المنع (٨)، وإليه أشار بقوله: (كوالدين في فرض كفاية وفي سفر بحر أو بَرٍّ خطر)، ولا بدَّ من حذف في كلامه، والتقدير: ويسقط فرض الجهاد بمرض ونحوه كما يسقط بحق (٩) الوالدين (١٠) في فرض الكفاية (١١) بسبب سفر بحر أو بر خطر. قوله: (لا جَدٍّ) أي: فليس له منع ولا حق له كما تقدم، وقاله ابن شاس (١٢).

стр. 1130

قوله: (وَالْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ) يريد أن الأب الكافر كالمسلم فيما عدا الجهاد. ابن شاس: وقال سحنون: ولهما المنع من الجهاد، إلا أن يعلم أن منعهما ليوهنا (١) الإسلام (٢). قوله: (وَدُعُوا لِلإِسْلامِ ثُمَّ جِزْيَةٍ) اختلف في الدعوة فرأى بعضهم أن المذهب كله على وجوبها فيمن بعدت داره، ورأى غيره (٣) أن المذهب على ثلاثة أقوال: الوجوب، وعدمه، والوجوب فيمن بعدت داره فقط، ومنهم من زاد رابعًا بالوجوب إن كان جيش المسلمين كبيرًا (٤) آمنًا وإلا فلا، وإذا وجبت الدعوة فإنما يدعون إلى الإسلام جملة من غير ذكر الشرائع إلا أن يسألوا عنها فتبين لهم، وكذلك الجزية مجملة بلا توقيت ولا تحديد إلا أن يسألوا عنها فتبين لهم، والدعوة كما قال على الترتيب: يدعون إلى الإسلام أولًا، فإن أجابوا وإلا دعوا إلى الجزية. قوله: (بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ وَإلَّا قُوتِلُوا) يريد: أن (٥) الدعوة مع الجيش الكثير الآمن أو الأماكن التي لا يخشى على المسلمين من العدوفيها، فإن لم يكن كذلك قوتلوا من غير دعوة. قوله: (وَقُتِلُوا، إِلا الْمَرْأَةَ، إِلا فِي مُقَاتَلَتِهَا، وَالصَّبِيَّ وَالْمَعْتُوهَ كَشَيْخِ فَانٍ، وَزَمِنٍ وَأَعْمَى، وَرَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ بِدَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ بِلا رَأْيٍ) أشار بهذا إلى من يجوز قتله من الكفار من غيره، وحاصله أن جميع الكفار يقتلون إلا سبعة: المرأة والصبي ومن بعدهما (٦). وقوله: (وقتلوا) مبني للمفعول، والضمير فيه يعود إلى (٧) الكفار لقوله: (ودعوا للإسلام)، فأما المرأة فلا تقتل إذا لم تقاتل، وأما إن قاتلت فإنها تقتل كما قال هنا، وهو قول ابن القاسم في الموازية والعتبية، و (في) من قوله: (في مقاتلتها) سببية، وفي كتاب

стр. 1131

ابن سحنون: لا تقتل مطلقًا؛ لعموم النهي، فقد روي أنه ﵇ نهى عن قتل النساء والصبيان (١)، وهو ظاهر قوله في المدونة: لا تقتل النساء ولا (٢) الصبيان (٣)، وذهب ابن حبيب إلأ أنها تقتل إلا أن يرى الإمام أن يستحييها، قال: ولا تقتل إن رمت بالحجارة فقط إلا أن تكون قد قتلت بذلك، ونحوه لمالك (٤). وابن (٥) شاس: وإذا شك في بلوغ الصبي كشف عن مئزره واعتبر منابت (٦) شعر العانة وقتل (٧)، وقيل (٨): لا يقتل حتى يحتلم (٩). ابن حبيب: والمراهق كالمرأة إن قاتل بالسيف وشبهه قتل، وإن رمى بالحجارة لا يقتل، إلا أن يقتل بذلك (١٠)، وقيل: إنما يقتل حال القتال، وأمَّا إن أسر فلا، وأما المعتوه وهو الضعيف العقل فلا يقتل؛ إذ هو أخف حالًا من المرأة. اللخمي: ولا يقتل المجنون إلا أن يفيق أحيانًا ويجن أحيانًا (١١)، ومذهب المدونة أن الشيخ الكبير الفاني (١٢) لا يقتل. اللخمي (١٣): إلا أن يعلم أنه ممن له الرأي والتدبير على المسلمين (١٤)، ونحوه في

стр. 1132

كتاب ابن (١) حبيب، وليس بخلاف، وإنما قال: (كشيخ فانٍ) ولم يقطعه (٢) ولم يعطفه (٣) بالواو كغيره؛ لأن عدم قتله وقتل من بعده مشروط بعدم الرأي، ولهذا كان قوله: (بلا رأي) قيدًا في الأربعة، وفي كتاب ابن سحنون: في الشيخ (٤) الكبير يقتل إن قاتل وإلا فلا (٥)، ولا يقتل الزمن؛ كالمقعد والأعمى والأشل والأعرج الذين لا رأي لهم ولا تدبير ولا نكاية فيهم، وقال سحنون: يقتل المقعد والأعمى (٦). وفي المدونة: لا يقتل الراهب المنعزل في دير أو صومعة (٧). أبو الحسن الصغير: بخلاف رهبان الكنائس فإنهم يقتلون، وقاله ابن حبيب، واختلف هل تلحق الراهبات (٨) بالذكران أم لا؟ على قولين لمالك وسحنون (٩). قوله: (وَتُرِكَ لهُمُ الْكِفَايَةُ فَقَطْ) هو كقوله في المدونة: ويترك لهم ما يعيشون به من أموالهم، ولا تؤخذ كلها فيموتون (١٠)، ونحوه في العتبية (١١) والجلاب (١٢). وفي التلقين: تترك لهم أموالهم إلا أن تكون كثيرة فيترك (١٣) لهم اليسير (١٤). وقال سحنون في الراهب يترك له ما يعيش به الأشهر والشيخ الكبير مثله، وعنه أنهما لا يترك لهما إلا ما يستر عورتهما (١٥) ويعيشان به

стр. 1133

الأيام (١). والضمير في (لهم) عائد على السبعة الذين سقط عنهم القتل. (المتن) وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ، كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ، وَإِنْ حِيزُوا فَقِيمَتُهُمْ. وَالرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ حُرَّانِ. بِقَطْعِ مَاءٍ وَآلَةٍ وَبِنَارٍ؛ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ، وَإِنْ بِسُفُنٍ، وَبِالْحِصْنِ بِغَيْرِ تَحْرِيقٍ وَتَغْرِيقٍ مَعَ ذُرِّيَّةٍ. وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّةٍ تُرِكُوا، إِلَّا لِخَوْفٍ، وَبِمُسْلِمٍ لَمْ يُقْصَدِ التُّرْسُ؛ إِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى أَكثَرِ الْمُسْلِمِينَ، (الشرح) قوله: (وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ، وَإِنْ حِيزُوا فَقِيمَتُهُمْ) هو لسحنون، قال: ومن قتل من نُهي عن قتله من صبي أو امرأة أو شيخ هرم فإن قتله في دار الحرب قبل أن (٢) يصير مغنمًا؛ فليستغفر الله ولا شيء عليه، وإن قتله بعد أن صار مغنمًا (٣) فعليه قيمته، يجعل ذلك الإمام في المغنم (٤)، وهو مراده بقوله: (وإن حيزوا) أي: صاروا بيد المسلمين، وأما قوله: (كمن لم تبلغه دعوة) فيريد به (٥) أن من قَتَل من لم تبلغه الدعوة قبل أن يدعوه للإسلام والجزية أنه لا شيء عليه إلا الاستغفار، وعن بعض البغداديين: أن المقتول إن ثبت أنه متمسك بكتابه أو أمر نبيه على حسب ما اقتضاه كتابه ولم يعلم ببعثة نبينا محمد ﷺ أن على قاتله الدية. قوله: (وَالرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ حُرَّانِ) هو مفرع على القول بعدم قتلهما؛ أي: وإذا قلنا بعدم القتل فهما حران ولا يسترقان، ولم يحكِ اللخمي في الراهب خلافًا، وحكي عن سحنون في الراهبة أنها تسترق، وعن مالك خلافه كما هنا، وفي كلامه هذا (٦) تنبيه على أن الراهبة حرة (٧) لا تقتل أيضًا كالراهب؛ لأنها إذا لم تسترق فلا تقتل (٨). قوله: (بِقَطْعِ مَاءٍ وَآلَةٍ) هو متعلق بقوله: (قتلوا). يريد أن الكفار يقتلون بكل نوع

стр. 1134

من أنواع الحرب كقطع الماء عنهم وإرساله عليهم، ورمي بالمجانيق، وضرب بالسيف، وطعن بالرمح وشبهه من آلة القتال، فقوله: (وآلة) معطوف على قوله: (بقطع ماء) أي: يقتلون بقطع ماء وآلة، وحكى ابن حبيب (١) عن مالك أنه لا يجوز قتلهم بقطع الماء عنهم ولا رميهم بالمجانيق (٢). قوله: (وَبِنَارٍ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ وَإِنْ بِسُفُنٍ وَبِالْحِصْنِ) لا خلاف في جواز قتلهم بالنار إذا لم يمكن غيرها وخيف منهم (٣) وليس معهم مسلم، فأمَّا إذا لم يخف منهم وقدر (٤) عليهم بالنار وغيرها، فقال ابن القاسم وسحنون: لا يقتلون بها، وعن مالك جوازه (٥)، والأول أظهر، لقوله ﵇ "لا يعذِّب بالنار إلا الله تعالى" (٦). ابن زرقون: والخلاف إنما هو إذا كانوا في حصن، فأما إذا كان العدو في سفينة ونحن كذلك (٧) "فلا خلاف في جواز رميهم بالنار وإن كان معهم النساء والصبيان؛ لأنا إن لم نرمهم بها رمونا بها، وعلى هذا فقوله: (وإن بسفن) ليس من أماكن المبالغة، نعم لو قال: وإن بحصن حسن ذلك، واحترز بقوله: (ولم يكن فيهم مسلم) مما إذا كان في الحصن مسلم، فإنه لا يحرق (٨) قولًا واحدًا. حكاه ابن يونس (٩). قوله: (بِغَيْرِ حَرْقٍ وَتَغْرِيقٍ مَعَ ذُرّيَّةٍ) يريد ان ما تقدم من جواز قتلهم بالنار وبالماء إنما هو إذا لم يخف على ذريتهم من ذلك، فإن خيف عليهم من ذلك (١٠) تركوا. يريد: ما

стр. 1135

لم يخف على المسلمين كما قال بعد ذلك، وحكى صاحب البيان (١) وابن زرقون إذا كان معهم النساء والصبيان في الحصن أربعة أقوال: الأول (٢): لابن القاسم: أنهم لا يحرقون ولا يغرقون ولا يرموا بالمجانيق (٣)، ولأصبغ جواز ذلك، ولابن حبيب جواز ما عدا التحريق، ومذهب المدونة أنهم لا (٤) يرمون ولا يحرقون ولا يغرقون. ابن رشد وابن زرقون: وهذا ما لم يكن في الحصن أسرى مسلمون وإلا فلا يرمون بالنار ولا يغرقون (٥)، واختلف في قطع الماء عنهم ورميهم (٦) بالمجانيق، فلابن القاسم وأشهب الجوا ز (٧) خلافًا لابن حبيب، وحكاه عن مالك وأصحابه المدنيين والمصريين، ولا ترمى سفنهم بالنار إن كان معهم مسلمون أو ذرية عند ابن القاسم خلافًا لأشهب (٨)، وقيل: إن كان فيهم مسلمون لم يرموا وإلا رموا، وعند (٩) اللخمي: إن كان العدو طالبين ولم يقدر عليهم إلا بالنار جاز ذلك قولًا واحدًا (١٠)، ويختلف إن كانوا مطلوبين فدفعوا عن أنفسهم بالنار هل يجوز رميهم بها أم لا (١١)؟ قوله: (وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّةٍ تُرِكُوا، إِلا لِخَوْفٍ، وَبِمُسْلِمٍ لَمْ يُقْصَدِ التُّرْسُ، إِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى أَكْثَرِ المُسْلِمِينَ) المراد بالترس هنا أن يجعل الكفار المسلمين بين أيديهم يتقوا بهم من ضرب المسلمين (١٢) كالتُّرس، وهذا الذي ذكره قريب منه قوله في الجواهر: وإذا تترسوا

стр. 1136

بالنساء والذرية تركناهم إلا أن يخاف من تركهم على المسلمين فنقاتلهم وإن اتقوا بهم، ولو تترس كافر بمسلم لم يقصد التُّرس وإن خفنا على أنفسنا، فإن دم المسلمين (١) لا يباح بالخوف على النفس، فإن تترسوا في الصف ولو تركناهم لانهزم المسلمون وعظم الشر وخيف استئصال قاعدة الإسلام وجمهور المسلمين وأهل القوة منهم- وجب الدفع وسقط مراعاة أمر الترس (٢). [في ما يحرم في الجهاد] (المتن) وَحَرُمَ نَبْلٌ سُمَّ وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ إِلَّا لِخِدْمَةٍ، وَإرْسَالُ مُصْحَفٍ لَهُمْ، وَسَفَرٌ بِهِ لِأَرْضهِمْ، كَمَرْأَةٍ إِلَّا فِي جَيْشٍ آمِنٍ، وَفِرَارٌ؛ إِنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، إِلَّا تَحَرُّفًا وَتَحَيُّزًا إلى فِئَةٍ إِنْ خِيفَ. وَالْمُثْلَةُ. وَحَمْلُ رَأْسٍ لِبَلَدٍ أَوْ وَالٍ، وَخِيَانَةُ أَسِيرٍ ائْتُمِنَ طَائِعًا وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ. وَالْغُلُولُ. وَأُدِّبَ إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ. وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ نَعْلًا، وَحِزَامًا، وَإِبْرَةً، وَطَعَامًا وَإِنْ نَعَمًا، وَعَلَفًا: كَثَوْبٍ وَسِلَاحٍ وَدَابَّةٍ لِيَرُدَّ، وَرَدَّ الْفَضْلَ إِنْ كَثُرَ؛ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ، (الشرح) قوله: (وَحَرُمَ نَبْلٌ سُمَّ) الذي نقله غيره عن مالك الكراهة، فقال: وكره مالك ان يقاتل العدو بالنبل المسموم (٣)؛ لأنه لم يكن فيما مضى، ولأنه قد يعاد إلينا، وهكذا حكي في التوضيح (٤). قوله: (وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ إِلا لِخِدْمَةٍ) يريد: أن الاستعانة بالمشرك تحرم أيضًا إلا إذا كان خادمًا للمسلمين، قال في المدونة (٥): ولا يستعان بهم في القتال إلا أن يكونوا نواتية أو خدامًا؛ فلا بأس به (٦). قوله: (وَإِرْسَالُ مُصْحَفٍ لَهُمْ) أي: ومما يحرم أيضًا إرسال المصحف للمشركين؛

стр. 1137

خشية الإهانة، ولأنهم لا يتوقون النجاسة فينال الصحف ما يُنزه عنه. قوله: (وَسَفَرٌ بِهِ لأَرْضِهِمْ) أي: وكذا يحرم السفر بالمصحف لأرض المشركين لنهيه ﵇ عن ذلك. مالك: وذلك مخافة أن يناله العدو (١)، ولا فرق بين أن يسافر به مع جيش كثير آمن أم لا؛ بخلاف المرأة فإنه لا يحرم السفر بها إلى أرضهم في الجيش الكبير (٢) الآمن، ولهذا قال: (كَمَرْأَةٍ إِلا فِي جَيْشٍ آمِنٍ) والفرق أن المصحف قد يسقط ولا يشعر به، والمرأة تنبّه على نفسها، ولأن النهي في المصحف عام، وقد صحَّ "أنه ﵇ كان إذا أراد غزوًا (٣) أقرع بين نسائه"، ولا إشكال أن الأمن معه ﵇ موجود. قوله: (وَفِرَارٌ إِنْ بَلَغَ المُسْلِمُونَ النِّصْفَ) أي: ومما يحرم أيضًا الفرار من العدو بالشروط التي يذكرها، ولا يجوز ذلك ولو فرَّ الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦]، وهذا وإن كان ظاهره حرمة الفرار مطلقًا سواء (٤) قلوا أو كثروا فقد نسخه قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]، فأباح الله تعالى الفرار إذا زاد عدد الكفار على الضعف (٥)، ولهذا قيد تحريم الفرار بكون المسلمين نصف عددهم فصاعدًا، فلو قصر عدد المسلمين عن النصف جاز الفرار، وهو قول الجمهور، وقال عبد الملك: إنما يرجع ذلك إلى القوة والجلد فيلزم أن يثبتوا لأكثر من النصف (٦) إذا كانوا أشد من الكفار سلاحًا وأكثر قوة وجلدًا، ولا يلزمهم أن يثبتوا لهم وإن كانوا أكثر من النصف إذا كان الكفار أشد منهم سلاحًا وأكثر قوة

стр. 1138

وجلدًا وخافوا أن يغلبوهم، ورواه عن مالك (١). قوله: (وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) يريد أن ما تقدم من أن الكفار (٢) إذا زاد عددهم على نصف (٣) عدد (٤) المسلمين لا يحرم الفرار مشروط بما إذا لم يكن المسلمون قد بلغ عددهم اثني عشر ألفًا، فأما إذا بلغوا ذلك فلا يجوز الفرار وإن زاد العدد (٥) على الضعف (٦)، لقوله ﵇: "لن يُغْلَبَ اثنا عشر ألفًا من قِلَّة" (٧)، ونحوه عن مالك، وفي النوادر: قال أهل العراق: لا يفر اثنا عشر ألفًا من العدو وإن كثروا، ثم ذكر الحديث، قال: وقال (٨) سحنون: لا أعرف هذا، ولم يقل ﵇: لا تفروا، وقد كان المسلمون يوم اليرموك ثلاثين ألفًا والعدومائة ألف، فرأى أبو عبيدة وخالد القتال، وقال غيرهما من الصحابة ننحاز إلى فئة ونشاور (٩) أمير المؤمنين، ثم عزم أبو عبيدة على القتال (١٠). قوله: (إِلا تَحَرُّفًا وَتَحَيُّزًا إلى فِئَةٍ إِنْ خِيفَ) يريد أن الفرار لا يجوز إذا كان عدد المسلمين نصف عدد العدو أو بلغوا اثني عشر ألفًا إلا متحرفًا لقتال (١١) أو متحيزًا؛ والمتحرف: هو الذي يظهر من نفسه الانهزام للعدو وليس قصده ذلك حتى يتبعه العدو فيرجع عليه فيقتله، وهو من مكائد الحرب، والمتحيز: هو الذي يرجع إلى

стр. 1139

أمير (١) الجيش أو جماعة بشرط القرب، وأما إن بعد من (٢) الأمير أو الجيش فلا يجوز، وقاله مالك، وقوله: (إن خيف) هو كذلك في النوادر؛ أي: فلا يجوز الانحياز إلا عن خوف بيِّن. أبو محمد: ولا يكون لأمير الجيش ما يكون للسرايا من الانحراف والتولي عنهم (٣). قوله: (وَالمُثْلَةُ) أي: وكذا تحرم المثلة؛ لنهيه ﵇ عن ذلك، فقد روي: أنه ﵇ كان إذا بعث جيشًا يوصيهم أن يقاتلوا في سبيل الله ولا يعتدوا (٤) ولا يجبنوا عند اللقاء، ولا يمثلوا عند القدرة، ولا يسترقوا (٥) عند الظهور، ولا يقتلوا هرمًا ولا امرأة ولا وليدًا، ولا يَغُلُّوا عند المغانم (٦) وأن ينزهوا الجهاد عن عرض الدنيا (٧). قوله: (وَحَمْلُ رَأْسٍ لِبَلَدٍ أَوْ وَالٍ) أي: وكذا يحرم (٨) حمل رأس القتيل من بلدٍ إلى بلدٍ وحملها إلى الوالي، وذكره في النوادر عن سحنون (٩)، وقد روي "أن الصديق ﵁ أنكر حمل رأس الكافر وقال: إنه من فعل فارس والروم، ومن فعله فقد تأسى بهم". وأشار إلى أن ذلك لم يرد في كتاب ولا خبر. قوله: (وَخِيَانَةُ أَسِيرٍ ائْتُمِنَ طَائِعًا وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ) أي: وكذلك تحرم خيانة الأسير

стр. 1140

الذي ائتمن طوعًا على مال أو على نفسه (١)؛ لقوله ﵇: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك" (٢) وعن عبد الملك: له الهروب والأخذ من أموالهم وإن ائتمنوه ولا حنث عليه إن أحلفوه، فلو لم يؤتمن (٣) أو ائتمن مكرهًا فلا يحرم ذلك (٤)، وإنما قال: (ولو على نفسه) تنبيهًا على أنه لا فرق في ذلك بين المال والنفس، وعليه جمهور الأصحاب، وفي الكافي وغيره: عن مالك أن له الهروب بنفسه (٥)، لا بماله (٦). قوله: (وَالْغُلُولُ) هو في الاصطلاح مقصورٌ على الخيانةِ من الغنيمةِ، وإليه ذهب من أهل اللغة أبو عبيدة (٧)، وقال الأكثر منهم: هو عام في كل خيانة، ولا خلاف في تحريمه في غير الطعام وآلات الحرب وما ذكره معهما (٨) في المسألة الآتية؛ لقوله ﵇: "لا تغلوا؛ فإن الغلول عار ونار وشنار يوم القيامة" (٩). ابن حبيب: وأطلق الوعيد في شراك أو شراكين، وفي عقال من الغلول (١٠). قال

стр. 1141

بعضهم: وهو من الكبائر. قوله: (وَأُدِّبَ إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ) هو قول ابن القاسم وسحنون وابن حبيب (١)، قالوا: ولا يحرق رحله ولا يمنع سهمه، وإن جاء تائبًا أخذ منه ولم يُنكَّل؛ لأن التعزير (٢) يسقط بالتوبة. قوله: (وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ نَعْلًا وَحِزَامًا وإِبْرَةً وَطَعَامًا وَإِنْ نَعَمًا، وَعَلَفًا كَثَوْبٍ وَسِلاحٍ وَدَابَّةٍ لِيَرُدَّ) يريد أن ما يأخذه المجاهد المحتاج من نعل أو حزام أو نحوهما أو طعام ونحوه مما ذكر معه لا يسمى غلولًا، ولهذا يجوز له الأخذ ظاهرًا وخفية، قال في المدونة: ولا بأس بأخذ الطعام والعلف من الغنيمة والغنم والبقر ليأكله (٣). يعني (٤): بغير إذن الإمام، أو جلودًا يعملونها نعالًا أو خفافًا لأكفهم (٥) أو غيرها (٦) من حوائجهم، وإن حاز (٧) ذلك الإمام فلهم أخذه بغير إذنه، وللرجل أن يأخذ من المغنم سلاحًا يقاتل به ويرده، أو دابة للقتال أو ليركبها لبلده إن احتاجها ثم يردها إلى الغنيمة، فإن كانت الغنيمة قد قسمت باعها وتصدق بالثمن والسلاح كذلك وما يحتاج إلى لبسه من الثياب، وروي عن ابن وهب (٨) أن مالكًا قال: لا ينتفع بدابة ولا بسلاح ولا بثوب، ولو جاز ذلك لجاز أن يأخذ العين فيشتري به هذا (٩)، واختار اللخمي جواز أخذ السلاح والخيل دون الثياب (١٠). وإنما قيد الشيخ جواز أخذ الثوب والسلاح والدابة بنية الرد كما في المدونة (١١)؛

стр. 1142

لأنه لا يجوز أخذ ذلك بنية التملك، ولأنها ينتفع بها مع بقاء عينها، بخلاف غيرها من الطعام والحيوان للذبح، وكذلك ما يطعم الدواب من العلف. قوله: (وَرَدَّ الْفَضْلَ إِنْ كَثُرَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ) يريد أن ما أبيح له أخذه من طعام أو غيره فإنه يرد ما فضل منه إن كان كثيرًا وأمكن، واحترز به (١) من اليسير فإنه لا يُلزَم برده بل يجوز له أكله، فإن تعذر رد الكثير تصدق به على المشهور كما ذكر؛ لأنه كمال جُهلت أربابه، ولابن المواز: يتصدق به حتى يبقى منه اليسير فيجوز له أكله (٢). (المتن) وَمَضَتِ الْمُبَادَلَةُ بَيْنَهُمْ، وَبِبَلَدِهِمْ إِقَامَةُ الْحَدِّ، وَتَخْرِيبٌ وَقَطعُ نَخْلٍ وَحَرْقٌ؛ إِنْ أَنْكَى، أَوْ لَمْ تُزجَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ كَعَكْسِهِ، وَوَطْءُ أسِيرٍ زَوْجَةً، أَوْ أَمَةً سَلِمَتَا، وَذَبْحُ حَيَوَانٍ، وَعَرْقَبَتُهُ وَأُجْهِزَ عَلَيهِ، وَفِي النَّحْلِ إِنْ كَثُرَتْ وَلَمْ يُقْصَدْ عَسَلُهَا رِوَايتَانِ. وَحُرِقَ إِنْ أَكَلُوا الْمَيتَةَ، كَمَتَاعٍ عُجِزَ عَنْ حَمْلِهِ، وَجَعْلُ الدِّيوَانِ، وَجُعْلٌ مِنْ قَاعِدٍ لِمَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ، أَنْ كَانَا بِدِيوَانٍ وَرَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ. (الشرح) قوله: (وَمَضَتِ المُبادَلَةُ بَيْنَهُمْ) هو كقوله في المدونة: وإن أخذ هذا لحمًا وهذا عسلًا وهذا طعامأ فتبادلوه (٣) ويمنع أحدهم صاحبه حتى يبادله (٤) - فلا بأس به، وكذلك العلف (٥). قوله: (وَبِبَلَدِهِمْ إِقَامَةُ الحدِّ) أي: ومما يجوز للإمام إقامة الحدود في أرض (٦) العدو، ونص عليه في الجلاب (٧). قوله: (وَتَخْرِيبٌ وَقَطْعُ نَخْلٍ وَحَرْقٌ إِنْ أَنْكى أَوْ لَمْ تُرْجَ) أي: وكذا يجوز للمسلمين إذا دخلوا بلاد العدو أن يخربوا منازلهم وبقطعوا أشجارهم ونخلهم ويحرقوها؛ لأنه من التضييق عليهم وفيه إضعاف لشأنهم، وهذا إذا كان فيه نكاية لهم أولم ترج أن

стр. 1143

تصير للمسلمين؛ أي: كان فيه نكاية أم لا. قوله: (وَالظَّاهِرُ أَنهُ مَنْدُوبٌ كَعَكْسِهِ) أي: والظاهر أن القطع ونحوه مندوب؛ أي: هو أفضل من الترك. ابن رشد: لما فيه من إذلال العدو وإصغارهم ونكايتهم ولقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] (١). وقوله: (كعكسه) أي: إذا رجيت أن تصير للمسلمين؛ أي: وحينئذٍ يكون الإبقاء أولى. قوله: (وَوَطْءُ أَسِيرٍ زَوْجَةً أو أَمَةً سَلِمَتَا) أي: وكذا يجوز للأسير المسلم وطء زوجته أو أمته إذا سبيتا (٢)؛ لأن السبي لا يهدم النكاح ولا يبطل (٣) الملك (٤)، وقيده (٥) مالك بشرط الأمن من وطء السابي لهما، وهو معنى قوله هنا: (سلمتا) (٦)، قال مالك (٧): وإن أيقن البراءة من ذلك فلا جناح عليه، غير أني أكرهه لما أخاف من بقاء ذريته في أرض الحرب (٨)، وظاهر كلام صاحب البيان أن الزوجة لا خلاف في جواز (٩) وطئها، وكره مالك وطء الأمة؛ لقوله (١٠): كأني أرى الذي سبى الأمة من العدو وقد ملكها ملكًا لو أسلم عليها لم تنتزع منه، فلو ترك وطأها كان أحب إليَّ (١١). قوله: (وَذَبْحُ حَيَوَانٍ، وَعَرْقَبتُهُ وَأجهز عَلَيْهِ (١٢) (أي: وجاز ذبح ما قدر عليه (١٣) من الحيوان ببلاد العدو وعرقبته والإجهاز عليه، وهو المشهور، ومذهب المصريين خلافًا

стр. 1144

للمدنيين في كرا هة ذبحه وعرقبته. ابن حبيب: لأن الذبح مُثْلة والعرقبة تعذيب (١)، ورأى (٢) ابن وهب (٣) أنه لا يُتْلَف الحيوان لغير مأكلة (٤)؛ لعموم النهي (٥). قوله: (وَفِي النَّحْلِ إِنْ كَثُرَتْ وَلَمْ يُقْصَدْ عَسَلُهَا رِوَايَتَانِ) النحل بالحاء المهملة، إما أن يكون كثيرًا أو يسيرًا، والكثير إما أن يقصد أخذ (٦) ما في أجباحه (٧) من العسل أم لا، فجعل محل (٨) الخلاف من ذلك (٩) ما إذا كانت كثيرة ولم يقصد أخذ عسلها، فروى ابن حبيب جواز إتلافها وروى غيره الكراهة، نص عليه الباجي (١٠)، وظاهر ما هنا أن الخلاف في الجواز وعدمه. الباجي: وهذا إذا لم تدعُ حاجة إلى أخذ (١١) ما في أجباحها، وأما إن احتيج إليه ولم يمكن إلا بتحريقها وتغريقها (١٢) فعل من ذلك ما يتوصل به إلى ما في أجباحها (١٣)، وقاله التونسي أيضًا (١٤)، فإن كانت يسيرة لا نكاية للعدو في إتلافها، تركت. قوله: (وَحُرِقَ إِنْ أَكَلُوا المَيْتَةَ) يريد أن الحيوان إذا أتلف في أرض العدو وكانوا ممن

стр. 1145

يأكل (١) الميتة فلا يبقى على حاله، بك يحرق؛ لأن القصد بإتلافه عدم انتفاع العدو به وحصول النكاية لهم، وبقاؤه على حاله إذا كانوا ممن يأكل (٢) الميتة يحصل به النفع لهم (٣). قوله: (كَمَتَاعٍ عُجِزَ عَنْ حَمْلِهِ) أي: فإن قدر المسلمون على أخذ أموالهم ولكن عجزوا عن حملها أو حمل (٤) بعضها أو عن (٥) حمل شيء من متاعهم، فإنهم يتلفونه حتى لا ينتفع العدو به؛ لتحصل لهم النكاية. قوله: (وَجَعْلُ الدِّيوَانِ) أي: وكذا يجوز جعل الديوان، قال في المدونة: وما كان مثل ديوان مصر والشام والمدينة مثل دواوين العرب (٦)؛ فلا بأس به (٧). معناه: لا بأس أن يكتب (٨) نفسه في الديوان إذا كان حلالًا، وقاله أبو الحسن الصغير. قوله: (وَجُعْلٌ مِنْ قَاعِدٍ لِمَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ أنْ كَانَا بِدِيوَانٍ) يريد: إذا معين الإمام بعثًا (٩) فأراد من أمر بالخروج أن يقعد ويجعل لن يخرج عنه للغزو جُعْلًا، فإن ذلك جائز بشرط أن يكونا في ديوان واحد، وقاله في المدونة، وزاد: مضى الناس على ذلك؛ لأن عليهم سد الثغور (١٠). مالك: ولا يعجبني أن يجعل (١١) لمن ليس معه في ديوان ليغزو عنه (١٢). التونسي وابن يونس: ولا يخرج أحد عن أحد إلا بإذن الإمام (١٣)،

стр. 1146

ولو كان الثاني أشجع؛ لأن الإمام قد يرى من سماه أولى. قوله: (وَرَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ) أي: ومما يجوز رفع صوت المرابط بالتكبير، وقاله في المدونة (١). يريد: لأنه من شعار (٢) المرابطين. (المتن) وَكُرِهَ التَّطْرِيبُ، وَقَتْلُ عَيْنٍ وَإِنْ أُمِّنَ، وَالْمُسْلِمُ كَالزِّنْدِيقِ، وَقَبُولُ الإِمَامِ هَدِيَّتَهُمْ، وَهِيَ لَهُ إِنْ كَانَتْ مِنْ بَغضٍ لِكَقَرَابَةٍ، وَفَيْءٌ إِنْ كَانَتْ مِنَ الطَّاغِيَةِ، إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَهُ، وَقِتَالُ رُومٍ وَتُرْكٍ، وَاحْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ بِقُرْآنٍ، وَبَعْثُ كِتَابِ فِيهِ كَالآيَةِ، وَإِقْدَامُ الرَّجُلِ عَلَى كَثِيرٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لِيُظْهِرَ شَجَاعَةً عَلَى الأَظْهَرِ، وَانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لآِخَرَ، وَوَجَبَ إِنْ رَجَا حَيَاةً أَوْ طُولَهَا- كَالنَّظَرِ فِي الأَسْرَى- بِقَتْلٍ أَوْ مَنٍّ، أَوْ فِدَاءٍ، أَوْ جِزْيَةٍ، أَوِ اسْتِرْقَاقٍ. (الشرح) قوله: (وَكُرِهَ التَّطْرِيبُ) هكذا قال في المدونة (٣). أبو الحسن الصغير (٤): وهو صوت يشبه صوت المغاني، وأصله الطرب (٥). قوله: (وَقَتْلُ عَيْنٍ وَإِنْ أُمِّنَ) العينُ هو الجاسوس، وقوله (وإن أُمِّنَ) أي: دخل إلى بلادنا بأمان. والمعنى أن الإمام يجوز له قتل الجاسوس وإن كان مستأمنًا. سحنون: يقتل (٦) إلا أن يسلم فلا يقتل، ويكون كأسير أسلم (٧). قوله: (وَالمُسْلِمُ كَالزّنْدِيقِ) أي: فإن تبين أن المسلم عين فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب، وهو مذهب ابن القاسم وسحنون. وقال مالك: يتخير (٨) فيه الإمام. وقال ابن وهب: يقتل إلا أن يتوب. وقال عبد الملك: إن كان معتادًا لذلك قتل وإلا نُكِّل (٩). وقال

стр. 1147

بعضهم: يجلد جلدًا منكلًا ويطال سجنه وينفى إلَّا موضع قريب من أهل الشرك. قوله: (وَقَبُولُ الإِمَامِ هَدِيَّتَهُمْ) أي: ومما يجوز للإمام قبول هدية الكفار؛ لقبوله ﵇ هدية أبي سفيان ودحية والمقوقس، ابن القاسم في الموازية والعتبية: في العلج (١) من أهل (٢) الحصن يهدي هدية لرجل من أهل (٣) الجيش، قال: هي له دون الجيش، وإن أهداها لأمير الجيش فهي مغنم؛ لأنه (٤) على سبيل الخوف أهداها (٥)، قال: إلا أن يتبين أنه لغير سبب خوف (٦) الجيش من ذي قرا بة أو لسبب مكافأة يرجوها (٧)؛ ونحوه فذلك له (٨)، وهو معنى قوله: (وَهِيَ لَهُ إِنْ كَانَتْ مِنْ بَعْضٍ لِكَقَرَابَةٍ) أي: من بعض العدو لقرابة (٩)، وأما قوله: (وَفَيْءٌ إِنْ كَانَتْ مِنَ الطَّاغِيَّةِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَهُ) فإشارة إلى ما قال في الواضحة: إن الطاغية إذا أهدى (١٠) للأمير هدية وهو في مقامه فهي فيء (١١) لجميع المسلمين، قال: ولا حجة لأحد في هدية (١٢) المقوقس إلى النبي ﷺ مارية وسيرين وبغلة شهباء (١٣). قوله: (وَقِتَالُ رُومٍ وَتُرْكٍ) أي: ومما يجوز أيضًا قتال هاتين الطائفتين، والمشهور أيضًا جواز قتال الحبشة إذا امتنعوا من الإسلام، وعن مالك جواز قتال الفرازنة (١٤)؛ وهم

стр. 1148

صنف من الحبشة (١)، وفي المدونة عن مالك: لا يقاتل (٢) القبط (٣)، وحكى عنه ابن شعبان: لا تغزى (٤) الحبشة، ونحوه في الترك (٥). قوله: (وَاحْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ بِقُرْآنٍ وَبَعْثُ كِتَابِ فِيهِ كَالآيَةِ) أي: وكذلك يجوز أن يحتج على الكفار بالقرآن، وأن يبعث لهم بالكتاب فيه آية (٦) من القرآن، والأحاديث بذلك كثيرة. قوله: (وَإِقْدَامُ الرَّجُلِ عَلَى كَثِيرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ ليُظْهِرَ شَجَاعَةً، عَلَى الأَظْهَرِ) أي: ومما يجوز إقدام الرجل الواحد على الجمع الكثير من العدو، وهو مروي عن مالك، وعنه كراهته، قاله في البيان (٧). ابن عبد السلام: والظاهر من أقواله (٨) الجواز بشرط أن يعلم من نفسه من الشجاعة ما يكون عنها (٩) نكاية العدو وإن قتل، وبشرط أن تتمحض النية لله تعالى؛ لا لإظهار شجاعة (١٠). ابن رشد: والصحيح الجواز (١١). وإليه أشار بقوله: (على الأظهر)، أما إذا كان قتاله ليشتهر ويظهر شجاعته فإنه لا يجوز. قوله: (وَانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لآخَرَ، وَوَجَبَ إِنْ رَجَا حَيَاةً أَوْ طُولَهَا) يريد أن المغلوب تارة تستوي عنده أحوال العطب، وتارة تترجح الحياة أو طولها في إحدى الجهتين (١٢)؛

стр. 1149

فالأولى مثل أن يحرق العدو (١) سفينة للمسلمين فإن مكثوا فيها هلكوا أو طرحوا أنفسهم هلكوا، والمشهور جواز الانتقال، وقاله في المدونة، وزاد فيها: وإن صبر (٢) فهو أكرم (٣)، وفي الموازية عن ابن القاسم واختاره محمد: أنه لا ينتقل، لأن في انتقاله تسببًا في قتل نفسه، وتَجَوَّز الشيخ (٤) ﵀ في قوله (٥): (من موت لآخر)؛ لأن الموت لا يتنوع وإنما تتنوع أسبابه، فكأنه قال: وجاز الانتقال من سبب موت إلى سبب آخر من أسباب الموت، فأما الحالة الثانية وهي التي ترجى معها الحياة أو طولها فيجب الانتقال فيها (٦)، وقاله ابن بشير، وعبارة غيره من المتأخرين: فله ذلك (٧)، وإنما كان طلب الجهة التي ترجى معها الحياة أو طولها (٨) واجبًا؛ لأن حفظ النفوس ما أمكن واجب. قوله: (كَالنَّظَرِ فِي الأَسْرَى بقَتْلٍ أَوْ مَنٍّ أَوْ فِدَاءٍ أَوْ جِزْيَةٍ أَوِ اسْتِرْقَاقٍ) أي: ومما يجب أيضًا نظر الإمام في الأسرى (٩) بين الأمور المذكورة. يريد: مع (١٠) مراعاة المصلحة للمسلمين، ولهذا قال: (كالنظر في كذا)، فمتى كانت المصلحة في خصلة تعينت. الباجي: ويجب عليه النظر في ذلك بالاجتهاد (١١). (المتن) وَلَا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ بِمُسْلِمٍ، وَرُقَّ إِنْ حَمَلَتْ بِهِ بِكُفْرٍ، وَالْوَفَاءُ بِمَا فَتَحَ لَنَا بِهِ بَعْضُهُمْ، وَبِأَمَانِ الإِمَامِ مُطْلَقًا، كَالْمُبَارِزِ مَعَ قِرْنِهِ. وَإِنْ أُعِينَ بِإِذْنِهِ قُتِلَ مَعَهُ، وَلَمِنْ خَرَجَ فِي جَمَاعَةٍ لِمِثْلِهَا إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرْنِهِ الإِعَانَةُ، وَأُجْبِرُوا عَلَى حُكمِ مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، إِنْ كَانَ عَدْلًا وَعَرَفَ الْمَصْلَحَةَ، وَإِلَّا نَظَرَ الإِمَامُ، كَتَأمِينِ

стр. 1150

غَيْرِهِ إِقْلِيمًا، وَإِلَّا فَهَلْ يَجُوزُ؟ وَعَلَيْهِ الأَكثَرُ، أَوْ يَمْضِي مِنْ مُؤَمِّنٍ مَيَّزَ وَلَوْ صَغِيرًا، أَوْ رِقًّا أوِ امْرَأَةً، أَوْ خَارِجًا عَلَى الإِمَامِ، تَأوِيلَانِ لَا ذِمِّيًّا أَوْ خَائِفًا مِنْهُمْ؟ (الشرح) قوله: (وَلا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ بِمُسْلِمٍ، وَرَقَّ إِنْ حَمَلَتْ بهِ بكُفْرٍ) يشير إلى قول ابن شاس: ولا يمنع من الاسترقاق كون المرأة حاملًا من المسلم، لكن لا يرق الولد إلا أن تكون حملت به في حال كفره ثم سبيت بعد إسلامه فالحمل سبي (١)، فالضمير في (يمنعه) راجع إلى الاسترقاق، وفي (به) إلى الحمل. قوله: (وَالْوَفَاءُ بِما فَتَحَ لَنَا به بَعْضُهُمْ) أي: وكذا يجب الوفاء لبعض العدو بالشيء الذي فتح لنا به الحصن (٢) أو القلعة مثل أن يقول: أَمِّنوني على نفسي أو أولادي وعيالي أو على مالي ونفسي أو نحو ذلك على أن أفتح لكم، فإذا فعل ذلك وجب الوفاء له (٣) بما دخل عليه. قوله: (وَبِأَمَانِ الإِمَامِ مُطْلَقًا) أي: وكذا يجب الوفاء لمن أمَّنه الإمام. يريد: أو أمير الجيش؛ لأنه قد يرى المصلحة للمسلمين في تأمين العدو أو بعضهم إما مطلقًا أو مقيدًا بزمان أو مكان أو صفة. ابن بشير: ولا خلاف في ذلك بين الأمة (٤)، ومراده بالإطلاق أن من أمنه الإمام يجب له الوفاء في بلد ذلك السلطان وغيره، وليس لغيره من السلاطين إذا خرج إليه أن يستبيح دمه ولا استرقاقه (٥) ولا غيرهما. ابن يونس: وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: إذا خرج (٦) من بلادنا فهو آمن حتى يبعد من بلاد الإسلام (٧). قوله: (كَالمُبَارِزِ مَعَ قِرْنِهِ، وَإِنْ أُعِينَ بِإِذْنِهِ قُتِلَ مَعَهُ وَلِمَنْ خَرَجَ في جَمَاعَةٍ لِمِثْلِهَا إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرْنِهِ الإِعَانَةُ) وهو معنى قول ابن شاس (٨): ويجب على المبارز مع قرنه الوفاء

стр. 1151

بشرطه، فلو أثخن المسلم وقصد تدفيفه (١) منعناه على أحد القولين، ولو خرج جماعة لإغاثته (٢) لاستنجاده قتلناه معهم، وإن كان بغير إذنه لم نتعرض له (٣)، ولو خرج جماعة لمثلهم ففرغ (٤) بعضهم من قرنه جازت إعانة من (٥) ظفر لمن لم يظفر في القتل والدفع كما فعل حمزة وعلي ﵄ مع عبيدة بن الحارث بن المطلب (٦). قوله: (وَأُجْبِرُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ إِنْ كَانَ عَدْلًا وَعَرَفَ المَصْلَحَةَ) يريد أن العدو أو أحدهم (٧) إذا نزلوا بأمان على حكم من أمنهم، فإنهم يجبرون على المصير إلى حكمه الذي نزلوا عليه بشرط أن يكون عدلًا وقد عرف في ذلك المصلحة، فإن اختل شيء من ذلك نظر فيه الإمام، وإليه أشار بقوله: (وَإِلا نَظَرَ الإِمَامُ) ثم (٨) أشار بقوله: (كَتَأْمِينِ غَيْرِهِ إِقْلِيمًا) إلى أن غيره من آحاد الناس ليس له أن يؤمن العدو الكثير كأهل الإقليم، فإن فعل نظر في ذلك الإمام أيضًا فإما أمضاه أو رده بالمصلحة، نص عليه غير واحد، ونحوه في الجواهر (٩). قوله: (وَإِلا فَهَلْ يجوزُ وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ، أَوْ يُمْضَى مِنْ مُؤَمِّنٍ مَيَّزَ (١٠) وَلَوْ صَغِيرًا، أَوْ رِقًّا أَوِ امْرَأَةً، أَوْ خَارِجًا عَلَى الإِمَامِ؟ ) هذا الاستثناء منقطع بخلاف ما قبله؛ أي: وإن لم يكن المؤمن عدلًا عارفًا بالمصلحة بل كان ممن ذكر من صبي وعدل وامرأة فهل يجوز إلى آخر كلامه (١١)، والمعنى أنه اختلف في تأمين المميز ومن ذكر معه هل هو جائز ابتداء أو لا؟ والأول قول مالك وابن القاسم في المدونة (١٢)، وقال عبد الملك: الإمام مخير بين أن

стр. 1152

يمضيه أو يرده (١). ابن يونس: وأصحابنا يحملون قوله على الوفاق خلافًا لعبد الوهاب (٢)، قال هذا أشار بقوله: (تَأْوِيلانِ)، وحمل الباجي أيضًا قول عبد الملك على الخلاف (٣). قوله: (لا ذِميًّا وَخَائِفًا مِنْهُمْ) أي: فإنهما لا يجوز تأمينهما؛ أما الذمي فحكى ابن الحاجب في تأمينه قولين أشهرهما أنه لا يجوز (٤)، وعبر عنه بعضهم بالمشهور، وغيره بالظاهر، ومنهم من قال: هو الصحيح، والقول بالجواز نقله في النوادر عن ابن القاسم (٥)، وأما الخائف (٦) منهم أي (٧) الخائف (٨) من العدو فإنه لا يجوز تأمينه أيضًا إذا لم يراعِ في ذلك مصلحة المسلمين التي هي المقصود الأعظم في (٩) التأمين؛ وإنما يراعي مصلحة نفسه لخوفه ممن أمنهم. (المتن) وَأُسْقِطَ الْقَتْلُ وَلَوْ بَعْدَ الْفَتْحِ بِلَفْظٍ، أَوْ إِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ، إِنْ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ ظَنَّهُ حَرْبِيٌّ فَجَاءَ، أَوْ نَهَى النَّاسَ عَنْهُ فَعَصَوْا، أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا، أَوْ جَهِلَ إِسْلَامَهُ -لَا إِمْضَاءَهُ- أُمْضِيَ أَوْ رُدَّ لِمَحَلِّهِ. وَانْ أُخِذَ مُقْبِلًا بِأَرْضِهِمْ، وَقَالَ: جِئْتُ أَطْلُبُ الأَمَانَ، أَوْ بِأَرْضِنَا وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ، أَوْ بَيْنَهُمَا، رُدَّ لِمَأمَنِهِ. وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ، فَعَلَيهَا، وَإِنْ رُدَّ بِرِيحٍ، فَعَلَى أَمَانِهِ حَتَّى يَصِلَ، وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمَالُهُ فَيءٌ؛ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ، وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتهِ لِوَارِثِهِ، كَوَدِيعَتِهِ، وَلقَاتِلِهِ إِنْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ وَهَلْ إِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ فَيءٌ؟ قَوْلَانِ. (الشرح)

стр. 1153

قوله: (وَأُسْقِطَ (١) الْقَتْلُ وَلَوْ بَعْدَ الْفَتْحِ بِلَفْظٍ أَوْ إِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ إِنْ لَمْ يَضرَّ) يريد أن القتل يسقط عمن دخل تحت الأمان، ولا خلاف فيه بالنسبة إلى من أعطاهم الإمام (٢) الأمان، وأما غيره فيسقط عنه أيضًا عند ابن القاسم ومحمد، وعند سحنون: يخير الإمام في ذلك بين القتل وإمضاء الأمان وهو في ما عدا الإمام، ودل كلامه بطريق الأحروية على أن تأمينه قبل الفتح يسقط القتل (٣) عمن أمنه (٤). وقوله: (بلفظ أو إشارة مفهمة (٥)) متعلق بمحذوف، وتقديره: حصل الأمان بلفظ أو إشارة، ونحوه للباجي، قال (٦): وحكم الإشارة حكم العبارة (٧)، ورواه ابن وهب عن مالك (٨)، واحترز بالمُفهِمة من غيرها فإنها لا تكون أمانًا. سحنون: وإذا أشرف المسلمون على حصن وتيقن أخذه فأمنهم شخص من المسلمين فإن للإمام رد تأمينه (٩). وهو معنى قوله: (إن لم يضر). قوله: (وَإِنْ ظَنَّهُ حَرْبِيٌّ فَجَاءَ أَوْ نَهَى النَّاسَ عَنْهُ فَعَصَوْا أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا) الضمير المنصوب بـ (ظن) والمجرور بـ (عن) عائدان (١٠) على الأمان، ومراده أن الحربي إذا ظن الأمان أو نهى الإمام الناس (١١) عن التأمين فأمنوا نسيانًا أو عصيانًا أو جهلًا فأتى الحربي إلينا اعتمادًا على ذلك، فلا يجوز قتله ولا استرقاقه، بل يخير الإمام في االإمضاء أو رد الحربي إلى المحل الذي قدم منه إلينا حين التأمين. قوله: (أَوْ جَهِلَ إِسْلامَهُ لا إِمْضَاءَهُ أُمْضِيَ أَوْ رُدَّ لِمَحَلِّهِ) إشارة منه إلى أن الحربي إذا

стр. 1154

أمنه ذمي فجاء إلينا ثم علم أنه غير مسلم بعد قدومه فقال: ظننته مسلمًا، فإنه يقبل منه ذلك ويرد إلى محله، وهذا قول ابن القاسم، وله أيضًا: أنه لا يقبل منه ذلك (١)، فإن قال: علمت أنه ذمي فظننت أنه يجوز تأمينه لذمته منكم، فلا أمان له وهو فيء (٢)، وإليه أشار بقوله: (لا إمضاءه)، واختار اللخمي فيه أنه يرد إلى مأمنه (٣). قوله: (وَإِنْ أُخِذَ مُقْبِلًا بَأَرْضِهِمْ، وَقَالَ: جِئْتُ أَطْلُبُ الأَمَانَ، أَوْ بِأَرْضِنَا وَقَالَ: ظننْتُ أَنَّكُمْ لا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ، أَوْ بَيْنَهُما رُدَّ لِمَأْمَنِهِ) يريد أن الحربي إذا أخذ ببلد العدو وهو مقبل إلينا فقال: إنما جئت أطلب الأمان فإنه يرد إلى مأمنه، وقاله في المدونة (٤)، وقيل: لا يقبل منه لأنه ظُهِر عليه قبل أن يدعي ذلك. ابن القاسم: والرومي إذا نزل بساحلنا (٥) تاجرًا قبل أن يعطى الأمان فقال: ظننت أنكم لا تعرضون لمن أتى تاجرًا حتى يبيع (٦)، فإما قبلت منه أو رددته إلى مأمنه (٧). وقيل: إن أخذ بفور قدومه رد إلى مأمنه وإن طالت إقامته لم يصدق ويرى فيه الإمام رأيه، وقال سحنون: يرى فيه الإمام رأيه (٨) مطلقًا، وقوله: (أو بينهما) أي: بين أرض المسلمين وأرض العدو؛ بمعنى: أنه منفصل (٩) من أرضه ولم يدخل أرضنا. قوله: (وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ فَعَلَيْهَا) أي: فإن قامت قرينة على صدق ما ادعاه أو كذبه عمل عليها كما إذا ظهر أنهم تجار أو متلصصون، ابن يونس (١٠): ولا خلاف أنهم إذا لم يكن معهم تجارة وتبين كذبهم (١١) وقد تكسرت مراكبهم ومعهم السلاح، أو ينزلون

стр. 1155

للعطش بغير (١) أمان فهم فيء ويرى فيهم الإمام رأيه من بيع أو قتل أو فداء، وليسوا لمن وجدهم ولا يُخمَّسون (٢). قوله: (وَإِنْ رُدَّ بِرِيحِ فَعَلَى أَمَانِهِ حَتَّى يَصِلَ) يريد أن من نزل بتجارة أو نحوها مستأمنًا فباع أو اشترى ثم أخذ في الرجوع إلى بلده فردته الريح قبل وصوله فهو على أمانه حتى يصل، قال في المدونة: وأينما رمتهم الريح من بلد المسلمين فالأمان لهم حتى يردوا بلادهم (٣)، وقال عبد الملك: أمانهم مقصور على بلد الإمام الذي أمنهم (٤)، وقال أصبغ: لهم ذلك حتى يفارقوا بلاد الإسلام، وقال محمد: حتى ينالوا أمانهم (٥) من بلادهم (٦). قوله: (وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمالُهُ فَيْءٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ معه وَارِثٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ) أي: فإن مات الحربي الذي قدم إلينا للأمان ولا وارث معه ولم يدخل على التجهيز بل كان قصده الإقامة فماله فيء؛ أي: لبيت مال المسلمين، فإن كان معه وارثه (٧) فماله وديته إن قتل له (٨)، وإن قدم على التجهيز فلا حق للمسلمين في ماله ولا ديته، بل (٩) يرسل ذلك إلى بلاده لوارثه، وقاله في المدونة (١٠). وقال سحنون: يبعث (١١) ذلك إلى حكامهم (١٢)، وقيل: يدفع ماله إلى وارثه وديته إلى حكامهم، وإلى الأول أشار بقوله: (وإِلا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتهِ لِوَارِثهِ).

стр. 1156

قوله: (كَوَدِيعَتِهِ) يريد أنه إن قدم على التجهيز ثم مات وليس معه وارث وله وديعة فإنها تبعث إلى بلاده، وقيل: هي فيء للمسلمين، وقيل: له إن أسر وفيء إن قتل، وقيل: لورثته إن قتل وفيء إن أسر، حكى ذلك ابن الحاجب (١). وأشار بقوله: (وَلقَاتِلِهِ إِنْ أُسِرَ ثُم قُتِلَ) إلى ما قاله محمد وغيره، وحكاه (٢) عن ابن القاسم أنه إذا أسر ثم قتل صار ماله فيئًا على من قتله بعد أن أسره، لأنهم ملكوا رقبته قبل قتله فإن قتل في محاربته قبل (٣) الأسر بحث بماله لورثته، وقيل: إن قتل في المعركة فماله فيء ولا خُمس فيه؛ لأنه لم يوجف عليه (٤)، وإلى هذين القولين أشار بقوله: (وَهَلْ وَإِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ فَيْءٍ قَوْلانِ). (المتن) وَكُرِهَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ اشْتِرَاءُ سِلَعِةٍ، وَفَاتَتْ بِهِ وَبِهِبَتِهِمْ لَهَا، وَانْتُزِعَ مَا سُرِقَ، ثُمَّ عِيدَ بِهِ لِبَلَدِنَا عَلَى الأَظْهَرِ، لَا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ. وَمَلَكَ بِإِسْلَامِهِ غَيْرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَفُدِيَتْ أُمُّ الْوَلَدٍ، وَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ، وَمُعْتَقٌ لِأَجَلٍ بَعْدَهُ، وَلَا يُتَّبَعُونَ بِشَيءٍ، وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ. وَحُدَّ زَانٍ وَسَارِقٌ، وَإِنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ. (الشرح) قوله: (وَكُرِهَ لِغَيْرِ المَالِكِ اشْتِرَاءُ سِلْعَةٍ) يريد أن الحربي إذا غنم شيئًا (٥) من مال المسلمين ثم قدم بأمان فإنه يكره شراء تلك السلع لغير مالكها، لأنه يفوتها على ربها، وفي الموازية: يستحب شراؤها (٦)؛ أي: ولا يكون بيعها فوتًا، والأول (٧) مذهب المدونة، قال فيها: ولا أحب أن تشترى منه (٨). انتهى (٩). وأما من عرف سلعة (١٠) منها

стр. 1157

فاشتراها منه فلا كراهة؛ يريد: لأن (١) نهايته أنه فدى سلعته، إذ لا يمكنه الوصول إليها إلا بذلك لمكان الأمان. قوله: (وَفَاتَتْ بِهِ وَبِهِبَتِهِمْ لَهَا) أي: فإن باع تلك السلع فإنها تفوت بالبيع وليس لربها أخذها، وكذلك إذا وهبوها فإنها تفوت بالهبة على ربها، وقيل: لا تفوت، ويأخذها ربها بالثمن في البيع وبغير شيء في الهبة. قوله: (وَانْتُزِعَ مَا سُرِقَ ثُمَّ عِيدَ بِهِ، عَلَى الأَظْهَرِ) أي: فإن سرق في عهده شيئًا (٢)، ثم خرج لأرضه ثم عاد به بأمان فإنه ينتزع منه، قال (٣) في البيان: وهو الأصح (٤)، وقيل: لا ينتزع منه، وقيل: إن عاد به غيره لم ينتزع منه (٥)، وإن عاد به هو نزع. قوله: (لا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ) أي: فلا ينزعون منهم ليباعوا عليهم، ولهم الرجوع بهم إذا أرادوا، وإن كن إماء لم يمنعوا من وطئهن، وقاله ابن القاسم (٦)، وقال غيره من أصحاب مالك: يجبرون على بيعهم. عبد الملك: ويدفع لهم (٧) في كل مسلم أوفر (٨) قيمته (٩)، وقال سحنون: يجبرون على بيع الإناث دون الذكور، وحكاه عن ابن القاسم (١٠). قوله: (وَمَلَكَ بإسْلامِهِ غَيْرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) أي: لا حق له في الأحرار المسلمين، وهو قول ابن القاسم، وَأَما الذمي فلا ينتزع منه، وقال ابن المواز: يؤخذ منه المسلم والذمي، وهكذا قال أشهب: إن الذمي كالمسلم. محمد: وأما كل (١١) مال لمسلم- يريد أو غيره-

стр. 1158

فلا يؤخذ منه؛ لأن من أسلم على شيء في يده فهو أحق به من أربابه، ما لم يكن حرًّا (١) أو أم ولد. قوله: (وَفُدِيَتْ أُمُّ الْوَلَدِ) يريد: لأنها تشبه الحرة فيفديها سيدها بقيمتها، فإن لم يكن له مال اتبع بقيمتها. قوله: (وَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثلُثِ سَيِّدِهِ، وَمُعْتَقٌ لأَجَلٍ بَعْدَهُ) أي: فإن كان مع من أسلم مدبر أو معتق لأجل اختدم المدبر ويؤاجره ما دام سيده حيًّا، وفهم ذلك من قوله: (وعتق المدبر من ثلث سيده) أي: وفي حياته لا يعتق، وقاله محمد (٢)، فإذا مات سيده عتق من ثلثه إن حمله وإلا عتق منه ما حمل الثلث ورق باقيه والولاء فيه (٣) لمن أسلم، وأما المعتق إلى أجل فيعتق بعد الأجل الذي علق سيده عتقه عليه. قوله: (وَلا يُتْبَعُونَ بِشَيْءٍ) أي: بعد العتق مما بقي عليهم مما رفعوا به في المقاسم (٤)؛ لأن من أسلم لم يملك منهم غير الخدمة. قوله: (وَلا خِيَارَ لِلْوَارِثِ) أي: لأن من قدم بهم كأنه محقق (٥) الملكية. قوله: (وَحُدَّ زَانٍ وَسَارِقٌ، إِنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ) هكذا حكى (٦) محمد عن ابن القاسم، قال في النوادر عنه: ومن زنى بما غنمه أصحابه أو سرق منه فإن كان ذلك بعد أن أحرز (٧) عند (٨) أصحابه، فقال ابن القاسم: يحد في الزنى ويقطع في السرقة، وقال عبد الملك: لا يحد ويقطع إن سرق فوق حقه بثلاثة دراهم (٩).

стр. 1159

(المتن) وَوُقِفَتِ الأَرْضُ: كَمِصْرَ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ. وَخُمِّسَ غَيْرُهَا إِنْ أُوجِفَ عَلَيْهِ فَخَرَاجُهَا، وَالْخُمُسُ، وَالْجِزْيَةُ، لِآلِهِ ﵊، ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ، وَبُدِئَ بِمَنْ فِيهِمُ الْمَالُ، وَنُقِلَ لِلأَحْوَجِ الأَكْثَرُ، وَنَقلَ مِنْهُ السَّلَبَ لِمَصْلَحَةٍ، وَلَمْ يَجُزْ إِنْ لَمْ يَنْقَضِ الْقِتَالُ: "مَنْ قَتَلَ فَلَهُ السَّلَبُ" وَمَضَى إِنْ لَمْ يُبْطِلْهُ قَبْلَ الْمَغْنَمِ، وَللْمُسْلِمِ فَقَطْ سَلَبٌ اعْتِيدَ؛ لَا سِوَارٌ وَصَلِيبٌ، وَعَيْنٌ، وَدَابَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَوْ تَعَدَّدَ؛ إِنْ لَمْ يَقُلْ قَتِيلًا وَإِلَّا فَالأَوَّلُ وَلَمْ يَكُنْ لِكَمَرْأَةٍ؛ إِنْ لَمْ تُقَاتِلْ، كَالإِمَامِ؛ إِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ، أَوْ يَخُصَّ نَفْسَهُ، وَلَهُ الْبَغْلَةُ إِنْ قَاتلَ عَلَى بَغْلٍ؛ لَا إِنْ كَانَتْ بِيَدِ غُلَامِهِ. (الشرح) قوله: (وَوُقِفَتِ الأَرْضُ كَمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ) هذا هو المشهور، وقيل: يقسمها الإمام إن شاء كخيبر. قوله: (وَخُمِّسَ غَيْرُهَا إِنْ أُوجِفَ عَلَيْهِ) أي: وأما غير الأرض من الكراع والقماش والمال والعبيد وغير ذلك فإنه يخمس بشرط الإيجاف عليه، أي: يكون القتال (١) سببًا في أخذه، احترازًا من الفيء، وهو ما أخذ بغير قتال. قوله: (فَخَرَاجُهَا وَالْخُمُسُ وَالجْزْيَةُ لآلِهِ ﵇ ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ) أي: فخراج الأرض مع الخمس المذكور والجزية تصرف لآل النبي ﷺ ، قال (٢) فإن لم يوجد منهم أحد دفع للمصالح (٣)، وكلامه هنا (٤) فيه نظر مع قوله في المدونة: والخمس والفيء يجعلان في بيت المال، ويعطي الإمام أقرباء رسول الله ﷺ ، ثم قال: وجزية الجماجم وخراج الأرضين العَنْوة والصلح والهدنة (٥) وعُشُور أهل الذمة كذلك (٦)، فجعل ذلك (٧) موكولًا إلى اجتهاد الإمام إن شاء دفعه (٨) كله لهم أو لغيرهم أو دفع بعضه لهم وبعضه

стр. 1160

لغيرهم، وظاهر كلامه هنا أنه يدفعه أولًا لآله ﵇، فإن لم يوجد منهم أحد أو فضل عنهم أرصده للمصالح، وليس له أن يجعل ذلك للمصالح إلا بعد فقدهم، كما تقدم. قوله: (وَبُدِئَ بِمَنْ فِيهِمُ الْمَالُ، وَنُقِلَ لِلأَحْوَجِ الأَكْثَرُ) يريد أن الإمام ينظر إلى البلدان في قسم الفيء ونحوه، فإن تساوت حاجة أهلها بدئ بمن فيهم المال وما فضل عنهم دفعه لغيرهم أو وقفه (١) لنوائب المسلمين إن رأى ذلك، ابن القاسم في المدونة: وبذلك كتب (٢) عمر ألا يخرج فيء قوم عنهم إلى غيرهم، قال: وإن كان في غير ذلك البلد من هو أشد منهم حاجة أعطوا (٣) البلد الذي فيه المال من ذلك ونقل أكثره إلى البلد المحتاج كما فعل عمر في أعوام الرمادة الستة (٤). قوله: (وَنَفَّلَ مِنْهُ السَّلَبَ لِمَصْلَحَةٍ) أي: ونفل الإمام من الخمس لمن شاء من الجيش من السلب بما (٥) يراه من النظر كشجاعة الآخذ (٦)، ولهذا قال: (لمصلحة). قوله: (وَلَمْ يَجُزْ إِنْ لَمْ يَنْقَضِ الْقِتَالُ: مَنْ قتَلَ فَلَهُ السَّلَبُ) يريد: أن الإمام لا يجوز له أن يقول قبل أن يفرغ الققال: من قتل قتيلًا فله سلبه؛ لأن ذلك يبطل نية المجاهدين ويؤدي إلى أن بعضهم يلقي نفسه في المهالك لغرض (٧) دنيوي، وهو منهي عنه، فأما بعد فراغ القتال فذلك جائز كما مر، ومال بعض الشيوخ إلى الجواز مطلقًا. قوله: (وَمَضَى إِنْ لَمْ يُبْطِلْهُ قَبْلَ الْمَغْنَمِ) يريد: أنا إذا فرعنا على عدم الجواز في الوجه الأول فقال ذلك الإمام فإنه يمضي؛ لأنه حكم بما اختلف فيه العلماء إلا أن ينص على إبطاله قبل المغنم فلا شيء لمن قتل بعد ذلك من سلب المقتول، وقيل: لا ينفذ بعد (٨) ذلك.
следующие страницы →