← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وهما مقصود عقد الذمة، فإذا برز الذمي للمسلمين بذلك سقط ما كان له عليهم من الحماية والذب ونحو ذلك. قوله: (وَمَنْع جِزْيَةٍ) لأنها عوض عن تأمينهم وحقن دمائهم. قوله: (وَتَمَرُّدٍ عَلَى الأَحْكَامِ) لأن ذلك منافٍ للإهانة والصَّغار الذي جعله الله عليهم. قوله: (وَغَصْبِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ) أي: على الزنى، فلو طاوعته لم يكن نقضًا عند مالك خلافًا لابن وهب، واحترز بـ (الحرة) من الأمة فإنه لا يكون بإكراهها على الزنى ناقضًا، قاله محمد، وفيه خلاف (١). قوله: (وَغُرُورِهَا) أي: غر (٢) الحرة بأنه مسلم فتزوجها. اللخمي: وهو نقض عند ابن نافع (٣). قوله: (وَتَطَلُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ) أي: ومما يكون نقضًا للعهد (٤) التطلع على عورات المسلمين، وهو ظاهر. قوله: (وَسَبِّ نَبِيٍّ بِما لَمْ يَكْفُرْ بِهِ) واحترز به مما إذا سبه بما كفر به كقوله له (٥): لم يرسل إلينا وإنما بعث للعرب، فإنه لا ينتقض عهده بذلك، فإن سبه بما لم يكفر به؛ قتل، إلا أن يسلم. قال في الشفاء: روى عيسى عن ابن القاسم في ذمي قال: إن محمدًا ليس بنبي، أولم يرسل، أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء تقوَّله؛ أنه يقتل، وإليه أشار بقوله: (قَالُوا كَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، أَوْ لَمْ يُرْسَلْ، أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، أو تَقَوَّلَهُ) (٦)، وإنما ذكر هذا بقوله: (قالوا) كالمتبرئ؛ لأنه أيضًا مما كفر به، وفيه نظر، ومعنى (تقوَّله): اختلقه من تلقاء نفسه كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣].

стр. 1192

قوله: (أَوْ عِيسَى خَلَقَ مُحَمَّدًا) القاضي: وسئل أبو مصعب عن نصراني قال: عيسى خلق محمدًا، قال: يقتل، وقال ابن القاسم: سألنا مالكًا عن نصراني بمصر شهد عليه أنَّه قال: مسكين محمَّد يخبركم أنَّه في الجنة، ما له لم ينفع نفسه إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه (١)، لو قتلوه استراح منه الناس، قال مالك: أرى أن تضرب عنقه (٢)، وإليه أشار بقوله: (أَوْ مِسْكِينٌ مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بِالجَنَّةِ مَا لَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ حِينَ أَكَلَتْهُ الْكِلابُ) والباء في (بالجنة) للظرفية (٣) كما تقدم. قوله: (وَقُتِلَ إِنْ لَمْ يُسْلِمْ) أي: فإن حصل منه شيء من الأمور التي يكون بها ناقضًا للعهد قتل إلا أن يسلم، ونحوه في الجواهر (٤) وغيرها، وقد ذكرنا شيئًا من ذلك في الكبير. (المتن) وَإِنْ خَرَجَ لِدَارِ الْحَرْبِ وَأُخِذَ اسْتُرِقَّ إِنْ لَمْ يُظْلَمْ، وَإِلَّا فَلا، كَمُحَارَبَتِه. وَإن ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ وَحَارَبُوا فَكَالْمُرْتَدِّينَ (الشرح) . قوله: (وَإِنْ خَرَجَ لِدَارِ الحَرْبِ وَأُخِذَ اسْتُرِقَّ) يريد أن الذميَّ إذا خرج ناقضًا (٥) للعهد طالبًا السكنى بدار الحرب ثمَّ أُخِذ فإنَّه يسترق، وهو المشهور، وقاله مالك وابن القاسم، وقال أشهب: لا يسترق (٦). قوله: (إِنْ لَمْ يُظْلَمْ) يريد أن الحكم المذكور مقيد بما إذا لم يكن الذمي قد خرج لظلم لحقه؛ أي: وأمَّا إن خرج لذلك فإنَّه لا يسترق، وهو المشهور، وقوله في المدونة (٧) خلافًا للداودي، وإليه أشار بقوله: (وَإِلا فَلا (أ) أي: فلا استرقاق، وأشار بقوله: (كَمُحَارَبَتِهِ) إلى أنَّه إذا حارب لا يسترق، قال في المدونة: ويحكم فيه بحكم المسلم إذا

стр. 1193

حارب (١). وهو المشهور، وقال ابن مسلمة: يسترق، ورجحه التونسي (٢). قوله: (وَإِنِ ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ وَحَارَبُوا فَكَالمُرْتَدِّينَ) أي: إذا أسلم جماعة - يريد: أو أهل حصن - ثمَّ ارتدوا وحاربوا ثمَّ ظفرنا بهم؛ فإن حكمهم حكم المرتدين؛ أي: الذين لم يحاربوا فإنهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا، وهو قول ابن القاسم وعبد الملك، وقال أصبغ: هم كالمحاربين (٣)، وضعفه ابن يونس، انظر الكبير (٤). [فصل في المهادنة] (المتن) وَلِلإِمَامِ الْمُهَادَنَةُ لِمَصْلَحَةٍ؛ إِنْ خَلَا عَنْ كَشَرْطِ بَقاءِ مُسْلِمٍ وَإِنْ بِمَالٍ، إِلَّا لِخَوْفٍ، وَلَا حَدَّ وَنُدِبَ أَلَا تَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنِ اسْتَشْعَرَ خِيَانَتَهُمْ نَبَذَهُ وَأَنْذَرَهُمْ، وَوَجَبَ الْوَفَاءُ وَإِنْ بِرَدِّ رَهَائِنَ، وَلَوْ أَسْلَمُوا كَمَنْ أَسْلَمَ، وَإِنْ رَسُولًا، إِنْ كَانَ ذَكَرًا، وَفُدِيَ بِالْفَيْءِ، ثُمَّ بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ بِمَالِهِ، وَرَجَعَ بِمِثْلِ الْمِثْليَ وَقِيمَةِ غَيْرِهِ عَلَى الْمَلِيِّ وَالْمُعْدِمِ، إِنْ لَمْ يَقْصِدْ صَدَقَةً، (الشرح) قوله: (وَلِلإِمَامِ المُهَادَنَةُ لِمَصْلَحَةٍ) أشار بهذا إلى أن عقد الهدنة لا يتولاه إلا الإمام بشرط احتياج المسلمين إليه، وهو مراده بالمصلحة، فإن كان المسلمون مستظهرين على العدولم تجز المهادنة وإن بذل العدو المال. والمهادنة: المصالحة (٥). قوله: (إِنْ خَلا عَنْ كَشَرْطِ بَقَاءِ مُسْلِمٍ) يريد أن عقد الهدنة مقيد بخلوه عن شرط فاسد وإلا فلا تجوز كما إذا شرطوا بقاء مسلم في أيديهم أو قرية من قرى المسلمين أو نحو ذلك من الشروط الفاسدة، قال ابن الماجشون: إذا كان الإمام على رجاء من فتح حصن لم ينبغِ له أن يصالحهم على مال، وإن كان على إياس منه لضعفه أو لامتناعهم أو لما يخاف أن يدهمهم من العدو فعل (٦). وليس يحرم عليه أن يجبر عليهم إذا كان ذا قوة

стр. 1194

فقد فعل ذلك (١) قال في كتاب محمَّد: ولقد طلب الطاغية المهادنة من عبد الله بن هارون وبذلوا مائة ألف دينار كل عام، فشاور الفقهاء في ذلك (٢) فقالوا له: الثغور اليوم عامرة؛ فيها أهل البصائر وأكثرهم نازعون من البلدان، فمتى انقطع عنهم الجهاد تفرقوا وخلتِ الثغور للعدو، والذي يصيب أهلُ الثغور منهم أكثرَ من مائة ألف دينار (٣)، فصوب ذلك ورجع إلى رأيهم (٤). قلت: فعلى هذا تجوز المهادنة بالمال إذا لم يخف على المسلمين من ذلك، فأمَّا مع توقع الخوف فلا، وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ بِمَالٍ، إِلا لِخَوْفٍ). قوله: (وَلا حَدَّ) يريد أن مدة المهادنة بالمال (٥) لا تتحدد بزمن مؤقت، وإنما ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام وما يراه الأصلح (٦) من طول المدة وقصرها. أبو عمر (٧): ويستحب ألا تكون مدتها أكثر من أربعة أشهر، إلا مع العجز (٨). وإليه أشار بقوله: (وَنُدِبَ أَلا تَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، ثمَّ (٩) قال أبو عمر (١٠): ويجب الوفاء بالشروط إلى آخر المدة، إلا أن يستشعر خيانة منهم فله أن ينبذ العهد إليهم وينذرهم (١١). وإلى هذا أشار بقوله: (وَإِنِ اسْتَشْعَرَ خِيَانَتَهُمْ نَبَذَهُ وَأَنْذَرَهُمْ، وَوَجَبَ الْوَفَاءُ)، وأما قوله: (وَإِنْ بِرَدِّ رَهَائِنَ، وَلَوْ أَسْلَمُوا) فيشير به إلى أن الكفار لو رهنوا عندنا رهائن حتى يفرغ ما بيننا وبينهم ثمَّ نردهم لهم، فإنَّه يجب علينا الوفاء بذلك ونردهم إليهم؛ ولو أسلموا وأبوا الرجوع.

стр. 1195

قوله: (كَمَنْ أَسْلَمَ، وإن رَسُولًا) أي: ولو شرطوا أن يرد إليهم من أسلم فإنَّه يرد، ولو كان رسولًا وفاءً بالعهد. قوله: (إِنْ كَانَ ذَكَرًا) احترازًا من المرأة فإنها لا ترد إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقيل: يردون مطلقًا، وقيل: لا مطلقًا (١). ابن الماجشون: ولا يوفى لهم بذلك، وهو جهل ممن فعله (٢). قوله: (وَفُدِيَ بِالْفَيْءِ، ثُمَّ بِمَالِ المُسْلِمِينَ ثُمَّ بِمَالِهِ) نصَّ مالك وغيره على أن ذلك واجب على المسلمين بما قدروا عليه، وسماه أشهب (٣) نافلة (٤). ابن رشد: ويبدأ (٥) بالفداء من بيت المال، فإن عجز عنه بيت المال فهو على جميع المسلمين على قدر أموالهم، والأسير كأحدهم، فإن منع هذا وجب عليه أن يفدي نفسه (٦). وهذا هو مراده بالترتيب الذي ذكره. وفي الاستذكار: تقديم مال الأسير على جماعة المسلمين في فداء نفسه (٧). قوله: (وَرَجَعَ بِمِثْلِ المِثْلِيِّ وَقِيمَةِ غَيْرِهِ) أي: ورجع الفادي على الأسير (٨) بمثل ما فداه به (٩) إن كان مثليًّا وبقيمته إن كان مقوَّمًا، وهو مراده بـ (غيره)؛ لأنَّ غير المثلي هو المقوم. قوله: (عَلَى المَلِيِّ وَالمُعْدِمِ، إِنْ لَمْ يَقْصِدْ صَدَقَةً) هو متعلق بقوله: (ورجع)، لكن الرجوع على المعدم باعتبار أَنه يُتْبَع في (١٠) ذمته فإذا أيسر أُخذ منه ذلك، ولا يسقط لفقره، وسواء كان أجنبيًّا أو قريبًا غير محرم إلا أن يقصد الصدقة فلا رجوع.

стр. 1196

(المتن) وَلَمْ يُمْكِنِ الْخَلَاصُ بِدُونِهِ، إلَّا مَحْرَمًا أَوْ زَوْجًا إِنْ عَرَفَهُ أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ وَيَلْتَزِمَهُ، وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ فِي غَيْرِ مَا بِيَدهِ عَلَى الْعَدَد؛ إنْ جَهلْوا قَدْرَهُمْ. وَالْقَوْلُ لِلأَسِيرِ فِي الْفِدَاءِ أَوْ بَعْضِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ. وجاز بِالأَسْرَى الْمُقَاتِلَةِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الأَحْسَنِ، وَلَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مُسْلِمٍ وَفِي الْخَيْلِ وَآلَةِ الْحَرْبِ قَوْلَانِ. (الشرح) قوله: (وَلَمْ يُمْكِنِ الخَلاصُ بِدُونِهِ) يريد أن ما ذكره من رجوع الفادي بالمثل أو القيمة مقيد بما إذا لم يمكن (١) خلاص الأسير بدون ما وقع (٢) في فدائه، أما إذا أمكن فداؤه بأقل من ذلك فلا يلزمه إلا الأقل، وكذا لو أمكن خلاصه بغير شيء، فلا شيء عليه. قوله: (إِلا مَحْرَمًا أَوْ زَوْجًا إِنْ عَرَفَهُ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، إِلا أَنْ يَأْمُرَهُ بِه وَيَلْتَزِمَهُ) أي: فإن كان الأسير محرمًا للفادي أو زوجًا فلا رجوع له عليه (٣) إن عرفه حين الفداء، أو كان ممن يعتق عليه، إلا أن يقول الأسير له: افدني بكذا وأنا أدفع لك ذلك، فإنَّه يرجع عليه. ابن حبيب: ولا رجوع لأحد الزوجين على الآخر إلا أن يفديه بأمره أو وهو غير عالم به؛ فإنَّه يرجع بذلك عليه في ملائه وعدمه، قاله ابن القاسم، وعن مالك: أن سبيل القريب سبيل الزوجين كان ممن يعتق عليه أم لا، فإن فداه وهو يعرفه فلا رجوع له عليه مطلقًا (٤)، وإن كان (٥) لا يعرفه رجع عليه إن كان ممن لا (٦) يعتق عليه وإلا فلا رجوع له عليه (٧)، وإن فداه بأمره رجع مطلقًا (٨).

стр. 1197

ابن يونس: فصار (١) ذلك على ثلاثة أوجه: إن فداه وهو يعرفه فلا رجوع مطلقًا، وإن أمره بذلك رجع مطلقًا، وإن فداه وهو لا يعرفه فلا يرجع على من يعتق عليه ويرجع على من سواه ممن لا يعتق عليه وهو على الزوجين (٢). وكلامه في الوجه الأول يخالف ما هنا فتأمله. قوله: (وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ فِي غَيْرِ مَا بِيَدِهِ عَلَى الْعَدَدِ، إِنْ جَهِلُوا قَدْرَهُمْ) يريد أن الأسير إن كان بيده مال وعليه دين لغير الفادي، فإن الفادي يُقَدَّم على غيره من أرباب الديون، وأما بالنسبة إلى ما قدم به من بلاد العدو فلا إشكال فيه؛ لأنه دفع ذلك في مقابلة رقبته وفيما في يده (٣)، وأما بالنسبة إلى ماله ببلد الإِسلام فهو أيضًا أولى به عند عبد الملك وسحنون، وقال محمَّد: هو أسوة الغرماء (٤). قوله: (عَلَى الْعَدَدِ، إِنْ جَهِلُوا قَدْرَهُمْ) هو متعلق بقوله: (رجع)، وبه أشار إلى قول سحنون: ومن فدى خمسين أسيرًا بألف دينار وفيهم (٥) ذو القدرة وغيره والملي والمعدِم، فإن كان العدو قد عرفوا ذا القدرة منهم وشحوا عليهم فليقسم عليهم الفداء على تفاوت أقدارهم، وإن كان العدو قد جهلوا ذلك فذلك الفداء (٦) على عددهم بالسوية (٧)، ففاعل (جهلوا) ضمير يعود على المشركين، وضمير الجمع من قوله (قدرهم) (٨) يعود على الأسارى. قوله: (وَالْقَوْلُ لِلأَسِيرِ فِي الْفِدَاءِ أَوْ بَعْضِهِ) أي: في الفداء إن قال: فديتني بغير شيء أو بعضه؛ أي: إن قال: فديتني بكذا، وقال الفادي: بل بكذا، لشيء غيره أو أكثر منه،

стр. 1198

قال في العتبية عن ابن القاسم: وسواء أشبه قول الأسير أم لا (١). ابن يونس: يريد مع يمينه (٢). ابن رشد: وليس هذا على أصولهم في مراعاة دعوى الأشبه في التداعي لاتفاقهما أنه فداه بذلك بخلاف ما إذا ادعى أحدهما على صاحبه أنَّه فداه فأنكر (٣)، والذي يأتي على أصولهم إذا اختلفا (٤) في مبلغ (٥) الفدية أن القول قول الأسير (٦) إذا أتى بما يشبه، وإلا فالقول قول الفادي إن أتى بما يشبه، وإلا حلفا جميعًا ولزمه ما فُدِيَ به مثله من ذلك المكان، وكذا لو نكلا جميعًا، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر فالقول قوله وإن لم يشبه؛ لأنَّ صاحبه قد مكنه من ذلك بنكوله. انتهى بالمعنى (٧). وروي عن ابن القاسم أن القول للأسير إن أشبه سواء أخرجه من بلد الحرب أم لا. ابن حبيب: وقيل: إن أقر الأسير بأنّه فداه واختلفا في قدر الفداء صدق ويكون (٨) كالرهن في يده، وهو خلاف قول مالك. وعن سحنون: أن القول للفادي إن كان الأسير بيده (٩). ابن عبد السلام: والذي يظهر من هذا النقل أنَّه إن لم يكن في يده (١٠) فالقول للأسير (١١) وإلا فقولان، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ) لكن لا تحسن (١٢) المبالغة حينئذٍ، فتأمله.

стр. 1199

قوله: (وَجَازَ بِالأَسْرَى المُقَاتِلَةِ) أي: ويجوز الفداء بأسرى العدو المقاتلة (١) لما ورد أنَّه ﵇ فدى أسيرين من المسلمين بمشرك (٢)، وهو قول أصبغ في العتبية (٣)، وقيل: لا يجوز. قوله: (وَبِالخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ) أي: وكذلك يجوز الفداء بالخمر والخنزير، وهو قول سحنون في كتاب ابنه وأحد قولي ابن القاسم، وله قول بالمنع، وهو مذهب أشهب (٤)، واستحسن اللخمي قول سحنون واستظهره ابن عبد السلام، ولهذا قال: (عَلَى الأَحْسَنِ). قوله: (وَلا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مُسْلِمٍ) أي: ولا يرجع بالخمر والخنزير على المسلم المفدي، وظاهره ولو كان الفادي ذميًّا، وليس كذلك بل نقل ابن يونس عن سحنون أنَّه يرجع بقيمة الخمر والخنزير (٥). قوله: (وَفِي الخَيْلِ وَآلَةِ الحَرْبِ قَوْلانِ) مذهب ابن القاسم منع المفاداة بها؛ خلافًا لأشهب وعبد الملك وسحنون (٦). * * *

стр. 1200

بابٌ [في أحكام المسابقة] (المتن) بَابٌ الْمُسَابَقَةُ: بِجُعْلٍ فِي الْخَيْلِ وَالإِبِلِ، وَبَيْنَهُمَا، وَالسَّهْمِ إِنْ صَحَّ بَيْعُهُ، وَعُيَن الْمَبْدَأُ وَالْغَايَةُ وَالْمَرْكَبُ وَالرَّامِي وَعَدَدُ الإِصَابَةِ وَنَوْعُهَا، مِنْ خَزْقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُتَبَرِّعٌ، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ أَخَذَهُ، وَإِنْ سَبَقَ هُوَ فَلِمَنْ حَضَرَ، لَا إِنْ أَخْرَجَا لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ، وَلَوْ بمُحَلِّلٍ يُمْكِنُ سَبْقُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّهْمِ وَالْوَتَرِ، وَلَهُ مَا شَاءَ. وَلَا مَعْرِفَةُ الْجَرْيِ، وَالرَّاكِبِ، وَلَمْ يُحْمَلْ صَبِيٌّ، (الشرح) (المُسَابَقَةُ) الأصل في جوازها ما في مسلم أنَّه (١) ﵇ سابق بالخيل التي قد أضمرت والتي لم تضمر (٢)، وقال ﵇: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر" (٣). قوله: (بِجُعْلٍ فِي الخَيْلِ وَفِي الإِبِلِ، وَبَيْنَهُمَا، وَالسَّهْمِ) يريد: أن الجعل يجوز فيما بين الخيل وحدها، وفيما بين الإبل وحدها، وفيما بين الخيل والإبل، وفي السهم (٤)؛ أي: الرمي بالسهام. قوله: (إِنْ صَحَّ بَيْعُهُ) أي: إنما يجوز ذلك بشرط كون الجعل مما يصح بيعه، ونحوه في الجواهر (٥)؛ وعلى هذا فلا يصح بغرر ولا مجهول أو خمر أو خنزير أو نحوه مما لا

стр. 1201

يصح بيعه. قوله: (وَعُيِّنَ المَبْدَأُ وَالْغَايَةُ وَالمَرْكَبُ وَالرَّامِي وَعَدَدُ الإِصَابَةِ وَنَوْعُهَا مِنْ خَرْقٍ أَوْ غَيْرِهِ (١)) يشير بذلك إلى قول ابن شاس: ويشترط إعلام الغاية وتبيين الموقف (٢)، إلا أن يكون لأهل المكان سنة في ذلك (٣) فيستغنى بها، ومعرفة أعيان الخيل أو الإبل، ويختص الرمي بكونه رشقًا معلومًا، ونوعًا من الإصابة معينًا من خرق أو إصابة من غير خرق وسبق إلى عدد مخصوص من الإصابة (٤)، ونحو ذلك مما هو معلوم عند أهله. قوله: (وَأَخْرَجَهُ مُتَبَرِّعٌ) لا خلاف في جواز ذلك إذا أخرج الجعل رجل متبرع من غير المتسابقين. قوله: (أَو أَحَدُهُمَا، فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ أَخَذَهُ، وَإِنْ سَبَقَ هُوَ، فَلِمَنْ حَضَرَ) أي: وكذلك يجوز إذا أخرجه أحدهما بشرط ألا يعود إليه شيء مما أخرجه؛ بل إن كان مسبوقًا أخذه من سبقه، وإن كان هو السابق أخذ ذلك مَن (٥) يليه أو مَن حضر إن لم يكن ثَم غيرهما، فـ (سبق) من كلامه في الموضعين غير مبني، وغيره فاعل (سبق) (٦)، وضميره عائد على المخرج، وهو مفعول، وفاعل (أخذه) الغير، وضميره عائد على (الجعل)، والمعنى: فإن سبق المخرِجَ رجلٌ غيره أخذ الجعل، وإن كان المخرِجُ سابقًا فلا يأخذ من ذلك شيئًا؛ وإنما هو لمن حضر يأكلونه. قوله: (لا إِنْ أَخْرَجَا لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ) أي: فإن أخرج كل واحد منهما شيئًا على أن مَن سبق أخذ مجموع ذلك لم يجز، وهذا مما لا خلاف فيه إن لم يكن معهما محلل، فإن كان وهمَا لا يأمنان أن يسبقهما يغنم (٧) إن سبق (٨) ولا يغرم إن سبقه غيره، فالمشهور عن

стр. 1202

مالك منع ذلك أيضًا، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ بِمُحَلِّلٍ يُمْكِنُ سَبْقُهُ) واختار محمَّد جواز ذلك (١). قوله: (وَلا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّهْمِ وَالْوَتَرِ، وَلَهُ مَا شَاءَ) إذ لا مزية لبعضها على بعض في الإصابة ونحوها. ابن شاس: ولا يشترط معرفة [٨٦/ أ] جري الخيل، ولا من يركب عليها من صغير ولا كبير ولا يحمل عليها إلا محتلم، وإلى هذا أشار بقوله: (وَلا مَعْرِفَةُ الجَرْيِ، وَالرَّاكِبِ) وأمَّا قوله: (وَلَمْ يُحْمَلْ صَبِيٌّ) فإشارةٌ إلى قوله: وكره مالك حمل الصبيان عليها (٢). (المتن) وَلَا اسْتِوَاءُ الْجُعْلِ، أَوْ مَوْضِعُ الإِصَابَةِ، أَوْ تُسَاوِيهِمَا. وَإِنْ عَرَضَ لِلسَّهْمِ عَارِضٌ، أَوِ انْكَسَرَ، أَوْ لِلْفَرَسِ ضَرْبُ وَجْهٍ، أَوْ نَزْعُ سَوْطٍ لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا، بِخِلافِ تَضْيِيعِ السَّوْطِ، أَوْ حَرَنَ الْفَرَسُ. وَجَازَ فِيمَا عَدَاهُ مَجَّانًا، وَالاِفْتِخَارُ عِنْدَ الرَّمْيِ، وَالرَّجَزُ، وَالتَّسْمِيَةُ، وَالصُّيَاحُ، وَالأَحَبُّ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى، لَا حَدِيثُ الرَّامِي. وَلَزِمَ الْعَقْدُ كَالإِجَارَةِ. (الشرح) قوله: (وَلا اسْتِوَاءُ الجُعْلِ) أي: بل يجوز أن يكون متفاوتًا، أو من جهة أحدهما كما تقدَّم. قوله: (أَوْ مَوْضِعُ الإِصَابَةِ، أَوْ تَسَاوِيها) أي: وكذا لا يشترط ذلك. ابن شاس: بل يجوز أن يشترط كون أحدهما لا يحتسب له إلا بما أصاب في الدائرة خاصة، ويحتسب للآخر بما أصاب في الجلد كله وغير ذلك مما يشبه فجميعه صحيح لازم، ويختص بالرمي عن القوس دون غيره (٣). قوله: (وَإِنْ عَرَضَ لِلسَّهْمِ عَارِضٌ أَوِ انْكَسَرَ) أي: عرض له في طريقه عارض من بهيمة أو إنسان أو طير أو نحو ذلك فعطل سيره، أو انكسر هو أو القوس. قوله: (أَوْ لِلْفَرَسِ ضَرْبُ وَجْهٍ، أَوْ نَزْعُ سَوْطٍ) أي: وكذلك إذا عرض عذر للفرس

стр. 1203

بأن ضرب وجهه أو نزع السوط من يد (١) الفارس. قوله: (لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا) أي: بشيء من ذلك؛ لظهور عذره. قوله: (بِخِلافِ تَضْيِيعِ السَّوْطِ) أي: فإن الفارس فيه يعد مسبوقًا؛ لأنَّ ذلك من قِبَلِه (٢)، وكذلك انقطاع اللجام ونحوه، وهذا قول محمَّد، وكذلك ما أشار إليه بقوله: (أَوْ حَرَنَ الْفَرَسُ) أي: فلا يعذر الفارسُ بذلك. محمَّد (٣): وكذلك لو نفر (٤) من السرادق فلم يدخله ودخله الآخر؛ عُد الممتنع مسبوقًا (٥). قوله: (وَجَازَ فِيمَا عَدَاهُ مَجَّانًا) أي: وجاز السباق فيما عدا ما ذكر مجانًا؛ أي: بغير جعل وقيده في الجواهر (٦) بما إذا كان ذلك مما ينتفع به في نكاية العدو ونفع للمسلمين، كالمسابقة بين السفن والطير إذا كان لإيصال الخبر بسرعة لتحقق النفع به، قال: ويجوز على الأقدام، وفي رمي الحجارة، ويجوز الصراع (٧)، كل ذلك إذا قصد به الانتفاع والارتياض للحرب بلا عوض جاز (٨). قوله: (وَالافْتِخَارُ عِنْدَ الرَّمْي، وَالرَّجَزُ، وَالتَّسْمِيَةُ، وَالصِّيَاحُ) يريد أنه يجوز التفاخر عند الرمي والرجز والتسمية والإعلان بالأصوات ونحو ذلك. قوله: (وَالأَحَبُّ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى؛ لا حَدِيثُ الرَّامِي) أي: والأولى من ذلك أن يذكر الله تعالى عند ذلك لا حديث الرامي (٩). قوله: (وَلَزِمَ الْعَقْدُ كَالإِجَارَةِ) أي: فليس لأحدهما حله عن نفسه إلا برضا الآخر كالحكم في عقد الإجارة، ونحوه (١٠) في الجواهر (١١)، والله أعلم.

стр. 1204

[بابٌ في خصائص النبي ﷺ -] (المتن) بَابٌ خُصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِوُجُوبِ الضُّحَى، وَالأَضْحَى، وَالتَّهَجُّدِ وَالْوِتْرِ بِحَضَرٍ، وَالسِّوَاكِ وَتَخْيِيرِ نِسَائِهِ فِيهِ، وَطَلاقِ مَرْغُوبَتِهِ، وَإِجَابَةِ الْمُصَلِّي، وَالْمُشَاوَرَةِ، وَقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ الْمُعْسِرِ، وَإِثْبَاتِ عَمَلِهِ، وَمُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ الْكَثِيرِ، وَتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، وَحُرْمَةِ الصَّدَقَتَيْنِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، وَأَكْلِهِ كَثُومٍ، أَوْ مُتَّكِئًا، وَإمْسَاكِ كَارِهَتِهِ، وَتَبَدُّلِ أَزْوَاجِهِ، وَنِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ وَالأَمَةِ، وَمَدْخُولَتِهِ لِغَيْرِهِ، (الشرح) (خُصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِوُجُوبِ الضُّحَى، وَالأَضْحَى، وَالتَّهَجُّدِ) أي أنَّه ﵇ خُصَّ عن غيره بوجوب الأضحى وصلاة الضحى والتهجد؛ أي: الصلاة في الليل، ولم يجب شيء من ذلك على غيره. قوله: (وَالْوِتْرِ بِحَضَرٍ) احترز بذلك منه في السفر فإنَّه لا يجب عليه، نصَّ عليه القرافي (١). قوله: (وَالسِّوَاكِ) هو واضح. قوله: (وَتَخْيِيرِ نِسَائِهِ فِيهِ) أي: فإنَّه يجب عليه ﷺ أن يخيرهنَّ، بين اختيار زينة الدنيا وبين اختياره هو. قوله: (وَطَلاقِ مَرْغُوبَتِهِ) يريد أنَّه ﵇ إذا وقع بصرُه على امرأةٍ ورغب فيها وجب على زوجها أن يطلقها؛ لينكحها ﵇. قوله: (وَإِجَابَةِ المُصَلِّي) أي: ومما خُصَّ به ﵇ أنَّه إذا خاطب مَن هو في صلاةٍ وجب عليه إجابته (٢).

стр. 1205

قوله: (وَالمُشَاوَرَةِ) أي: وكذا يجب عليه في خاصة نفسه ﷺ مشاورة ذوي الأحلام (١). يريد: في غير الشرائع. قوله: (وَقَضَاءِ دَيْنِ المَيِّتِ المُعْسِرِ) أي: وكذا يجب عليه قضاء (٢) دين من مات من المسلمين معسرًا (٣) وهو واضح (٤). قوله: (وَإِثْبَاتِ عَمَلِهِ، وَمُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ الْكَثِيرِ، وَتَغْيِيرِ المُنْكَرِ) أي: ومما يختص بوجوبه عليه ﷺ أنَّه إذا عمل عملًا أثبته، وقال (٥) القاضي أبو بكر (٦): وكذا المكث والثبات للعدو الكثير وتغيير المنكر. قوله: (وَحُرْمَةِ الصَّدَقَتَيْنِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، وَأَكْلِهِ كَثُومٍ، أَوْ مُتَّكِئًا، وَإِمْسَاكِ كَارِهَتِهِ، وَتَبَدُّلِ أَزْوَاجِهِ، وَنِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ أَوِ الأَمَةِ) أي: ومما يختص (٧) بكونه حرامًا عليه الصدقتان: الواجبة والتطوع، وفي حرمة ذلك على آله خلاف تقدَّم. ومما يحرم عليه أيضًا دون غيره أكل الثوم ونحوه من الأطعمة الكريهة الرائحة لمناجاة الملائكة، وكذا يحرم عليه الأكل متَّكئًا، وإمساك من كرهت نكاحه ﵇ لشر سبق لها (٨) وتبدل أزواجه (٩)، ونكاح الكتابية والأمة كما قال.

стр. 1206

وأمَّا قوله: (وَمَدْخُولَتِهِ لِغَيْرِهِ) فيشير به إلى أنَّه ﵇ إذا نكح امرأة ودخل بها فإن نكاحها يحرم على غيره (١)؛ لأنها من أمهات المؤمنين ولا يجوز لأحد تزويجها (٢). (المتن) وَنَزْعِ لأْمَتِهِ حَتَّى يُقَاتِلَ، وَالْمَنِّ لِيَسْتَكْثِرَ، وَخَائِنَةِ الأَعْيُنِ، وَالْحُكْمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَارِبِهِ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ وَنِدَائِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَاتِ وَبِاسْمِهِ، وَإبَاحَة الْوِصَالِ وَدُخُولِ مَكَّةَ بِلَا إِحْرَامٍ وَبِقِتَالٍ، وَصَفِيِّ الْمَغْنَمِ وَالْخُمُسِ، وَيُزَوَحُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَنْ شَاءَ، وَبِلَفْظِ الْهِبَةِ وَزَائِدٍ عَلَى أَرْبَعٍ وَبِلَا مَهْرٍ وَوَلِيٍّ وَشُهُودٍ. وبِإِحْرامٍ وَبِلَا قَسْمٍ وَيَحْكُمُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَيَحْمِي لَهُ وَلَا يُورَثُ. (الشرح) قوله: (وَنَزْعِ لَأْمَتِهِ حَتَّى يُقَاتِلَ) أي: ومما يحرُم عليه دون غيره نزع لأْمَته حتى يقاتل؛ ومعنى ذلك أنَّه (٣) إذا لبسها لا يخلعها حتى يفرغ من القتال. قوله: (وَالمَنِّ لِيَسْتَكْثِرَ، وَخَائِنَةِ الأَعْيُنِ، وَالحُكْمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَارِبِهِ) أي. ومما يحرم عليه (٤) أيضًا أن يدفع أقل (٥) ليأخذ أكثر منه، ومثل ذلك خائنة الأعين؛ وهو أن يظهر خلاف ما يضمر أو ينخدع عما يجب، والحكم بينه وبين محاربه. قوله: (وَرَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ وَنِدَائِهِ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ (٦)) أي: وكذلك يحرُم رفعُ

стр. 1207

الصوت عليه دون غيره؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، أي: وكذا يحرم على الغير أن يناديه من وراء الحجرة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ. . .﴾ الآية [الحجرات: ٤]. قوله: (وَبِاسْمِهِ) أي: وكذا يحرم على الغير أن يناديه باسمه (١)، وإنما كانت الصحابة ﵃ ينادونه: يا رسول الله. قوله: (وَإِبَاحَةِ الْوِصَالِ، وَدُخُولِ مَكَّةَ بِلا إِحْرَامٍ وَبِقِتَالٍ) أي: ومما يختص به (٢) ﵇ بإباحته له دون غيره الوصال (٣)؛ لقوله: "إني لست كأحدكم؛ إني أبيتُ عند ربي يطعمني ويسقيني" (٤)، وكذلك دخوله مكة غير محرم (٥) ودخولها بقتال (٦).

стр. 1208

قوله: (وَصَفِيِّ المَغْنَمِ وَالخُمْسِ) يقال: صفيه وصفاؤه (١)، الجوهري: وهو ما يختار منه قبل قسمه (٢)، والمعنى أنَّه يباح له ﵇ دون غيره (٣) أن يأخذ (٤) من المغنم ما يختاره (٥) لينفق منه على أهله وعياله، وكذلك يباح له الاستبداد (٦) بالخمس أو خمس الخمس دون غيره (٧). قوله: (وَيُزَوِّجُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَنْ شَاءَ، وَبِلَفْظِ الْهِبَةِ، وَزَائِدٍ عَلَى أَرْبَعٍ، وَبِلا مَهْرٍ، وَوَلِيٍّ، وَشُهُودٍ وَبِإِحْرَامٍ، وَبِلا قَسْمٍ) أي: ومما يباح له ﵇ دون غيره أن يتزوج نفسه ومن شاء نكاحها (٨).

стр. 1209

القاضي أبو بكر: ومن المباحات له (١): الزيادة على أربع نسوة، وينعقد نكاحه بالهبة أي (٢): بلفظ الهبة منها، وبغير مهر، وبغير ولي، وبغير صداق، وفي حالة الإحرام (٣). يريد: وبلا شهود، ولا يجب عليه القسم بين زوجاته، بل يباح له تفضيل بعضهن على بعض في المبيت والنفقة. قوله: (وَيَحْكُمُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ (٤)، وَيَحْمِي (٥) لَهُ) أي: ومما يختص بإباحته ﵇ أن يحكم له ولولده ويحمي (٦) له (٧) للأمن مما يخشى فيه حكم الشخص لنفسه؛ إذ لا فرق عنده بين الحكم لنفسه والحكم لغيره (٨)؛ بخلاف غيره، بل ربما ترك بعض حقه الذي يختص به. قوله: (وَلا يُورَثُ) أي: فيباح له أن يوصي بجميع ماله للفقراء ويمضي ذلك بعد موته (٩)؛ وغيره (١٠) لا يمضي مما أوصى به إلا الثلث بعد موته، والله أعلم.

стр. 1210

بابٌ (١) [في النكاح] (المتن) بَابٌ نُدِبَ لِمُحْتَاجٍ ذِي أُهْبَةٍ نِكَاحُ بِكْرٍ وَنَظَرُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ بعلْمٍ، وَحَلَّ لَهُمَا حَتَّى نَظَرُ الْفَرْجِ كَالْمِلْكِ، وَتَمَتُّعٌ بِغَيْرِ دُبُرٍ، وَخُطْبَةٌ بِخِطْبَةٍ وَعَقْدٍ، وتقْليلْها، وَإِعْلانُهُ، وَتَهْنِئَتُهُ، وَالدُّعَاءُ لَهُ، وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ غَيْرِ الْوَلِيِّ بِعَقْدِهِ، (الشرح) قوله: (نُدِبَ لِمُحْتَاجٍ ذِي أُهْبَةٍ نِكَاحُ بِكْرٍ) يعني أن نكاح البكر مندوبٌ لمن تاقتْ (٢) نفسه إليه إذا كان مستطيعًا. يريد: ولم يخشَ العنت (٣). أبو محمَّد: وقد حضَّ ﵇ على نكاح الأبكار وقال: "فَإِنَّهُنَّ أَطْيَبُ أَفْوَاهًا وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا وَأَطْيَبُ أَخْلاقًا" (٤). ومعنى "أنتق" أي: أقبل للولد. قوله: (وَنَظَرُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ بِعِلْمٍ) قال القاضي أبو بكر: ولينظر إلى المخطوبة قبل العقد، ثمَّ قال: ولا ينظر إلا إلى وجهها وكفيها، وإليه أشار بقوله: (فقط)، ويحتاج في رواية ابن القاسم إلى (٥) إذنها، وكره فيها أن يستغفلها (٦)، ولهذا قال: (بعلمٍ) أي: لا ينظر إليها إلا بعلمٍ منها. قوله: (وَحَلَّ لهمَا حَتَّى نَظَرُ الْفَرْجِ كَالْمِلْكِ) يريد: أن كلًّا من الزوجين يجوز له أن ينظر جميع الآخر حتى الفرج، وكذلك الرجل مع أَمَته وهي معه، وهو المراد بالملك. قوله: (وَتَمَتُّعٌ بِغَيْرِ دُبُرٍ) أي: ويجوز لكل من الزوجين، وكذلك السيد في أمته أن

стр. 1211

يستمتع بالآخر بكل وجه من وجوه الاستمتاع ما عدا الوطء في الدُّبر فإنَّه لا يحل (١)، ونسب لمالك تحليله في كتاب السر (٢)، وهو مجهول عند الأشياخ لا يعرف (٣)، وحاشا أن يكون له كتاب سر لما عُلِم من دينه وأمانته وورعه (٤)، وبعضهم يثبته رواية عن مالك وليس بظاهر. قوله: (وَخُطْبَةٌ بِخِطْبَةٍ وَعَقْدٍ) أي: ومما يندب أيضًا الخُطْبة بضم الخاء عند الخِطْبة بالكسر وعند العقد، وقاله في الجواهر (٥) وغيرها (٦)، ونصَّ مالك في كتاب محمَّد على أنها مستحبة، قال: وهي من الأمر القديم (٧)، وليست بواجبة عند جمهور الفقهاء خلافًا لداود (٨). وصفةُ الخطبة عند استدعاء النكاح أن يحمد الله ويثني عليه ويصلي على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام كما في الصلاة (٩)، ثمَّ يقول ما رواه الترمذي: " ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ. . .﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] " (١٠)، ثمَّ

стр. 1212

يقول (١): أمَّا بعد؛ فإن فلانًا رغب فيكم وانطوى إليكم وفرض لكم من الصداق كذا وكذا فأنكحوه، وأما عند العقد فيقول بعد (٢) قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] (٣) زوجتك فلانة (٤) بنتي (٥) أو أختي أو ابنة فلان أو أنكحتكها (٦) أو نحوه. قوله: (وَتَقْلِيلُهَا) أي: ومما يندب تقليل الخطبة، هكذا نصَّ عليه مالك في الموازية والنوادر وغيرهما (٧)، قال مالك: هي في النكاح مستحبة، وما قلَّ منها أفضل (٨). قوله: (وَإِعْلانُهُ) أي: ومما يستحب إعلان النكاح؛ لقوله ﵇: "أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالغربال" (٩). قوله: (وَتَهْنِئَتُهُ وَالدُّعَاءُ لَهُ) أي: تهنئة العروس والدعاء له عقيب العقد أو الدخول، والمستحب (١٠) أن يقال له (١١): "بَارَكَ الله لَكَ وَبَارَكَ عَلَيكَ وَجَمَعَ بَيْنكُمَا فِي خَيْرٍ" (١٢)،

стр. 1213

وقد ورد ذلك في الحديث. ابن حبيب: ويقال له: بالرِّفاء والبنين (١)، بارك اللهُ لك (٢). قوله: (وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ) يريد: عند عقد النكاح كما قال (٣) آخِرًا (٤)، وإلا فلا بدَّ من ذلك قبل الدخول. قوله: (غَيْرِ الْوَلِيِّ) أي: لأنه لا تفيد شهادته بالتزويج لاتهامه على إرادته الستر على وليته. قوله: (بِعَقْدِهِ) متعلق بقوله: (وإشهاد)، والضمير فيه (٥) عائد على النكاح، والباء فيه بمعنى (عند) كما تقدم. (المتن) وَفُسِخَ إِنْ دَخَلَا بِلاهُ. وَلَا حَدَّ إِنْ فَشَا وَلَوْ عَلِمَ. وَحَرُمَ خِطْبَةُ رَاكِنَةٍ لِغَيْرِ فَاسِقٍ وَلَوْ لَمْ يُقَدَّرْ صَدَاقٌ. وَفُسِخَ إِنْ لَمْ يَبْنِ وَصَرِيحُ خِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ وَمُوَاعَدَتُهَا كَوَلِيِّهَا كَمُسْتَبْرَأَةٍ مِنْ زِنًى، وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا بِوَطْءٍ وَإِنْ بِشُبْهَةٍ وَلَوْ بَعْدَهَا وَبِمُقَدِّمَتِهِ فِيهَا أَوْ بِمِلْكٍ كَعَكْسِهِ، لَا بِعَقْدٍ أَوْ بِزِنًى أَوْ بِمِلْكٍ عَنْ مِلْكٍ أَوْ مَبْتُوتَةٍ قَبْلَ زَوْجٍ كَالْمُحَرَّمِ، وَجَازَ تَعْرِيضٌ كَفِيكِ رَاغِبٌ. وَالإِهْدَاءُ، وَتَفْوِيضُ الْوَلِيِّ الْعَقْدَ لِفَاضِلٍ، وَذِكْرُ الْمَسَاوِئ، وَكُرِهَ عِدَةٌ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَتَزْوِيجُ زَانِيَةٍ أَوْ مُصَرَّحٍ لَهَا بَعْدَهَا. وَنُدِبَ فِرَاقُهَا. وَعَرْضُ رَاكِنَةٍ لِغَيْرٍ عَلَيْهِ. (الشرح) قوله. (وَفُسِخَ إِنْ دَخَلا بِلَاهُ (٦)) أي: فإن دخلا بلا إشهاد فسخ النكاح.

стр. 1214

قوله: (ولا حَدَّ إِنْ فَشَا ولَوْ عَلِمَ) لا خلاف في عدم حدّ الزوجين إذا كان النكاح فاشيًا وكانا جاهلين، ولا في ثبوته إذا لم يكن فاشيًا ولم يعذرا بجهل، واختلف إذا انتفى أحد الأمرين، فنص هنا على أنهما لا يحدان إذا كان فاشيًا ولو كانا عالمين، ونحوه في المقدمات (١)، والواضحة، وقاله ابن الماجشون وأصبغ، ولابن القاسم: إذا لم يعذرا بالجهالة فإنهما يحدان، وإن كان أمرهما فاشيًا (٢). قوله: (وَحَرُمَ خِطْبَةُ رَاكِنَةٍ) هذا لقوله ﵇: "لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُم عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ" (٣). مالك: وتفسير ذلك فيما نرى (٤) أن يخطب الرجل المرأة فتركن إليه ويتفقان (٥) على صداق وقد تراضيا، فتلك التي نهي أن يخطبها الرجل على خطبة أخيه، ولم يعنِ (٦) بذلك إذا خطب الرجل المرأة ولم يوافقها أمره ولم تركن إليه ألا يخطبها (٧) أحد، فهذا باب فساد يدخل على الناس (٨)، ولهذا قال: (راكنة). قوله: (لِغَيْرِ فَاسِقٍ) احترازًا (٩) مما إذا ركنت لفاسق فإن خطبتها لا تحرم، ولهذا قال ابن القاسم: ومعنى النهي في رجلين صالحين، فأما إن ركنت إلى فاسق فينبغي للولي أن يحضها على تزويج الصالح (١٠) الذي يعلمها الخير ويعينها عليه (١١). وحكي عن (١٢) بعض الأشياخ: إباحة خطبة الراكنة للفاسق.

стр. 1215

قوله: (وَلَوْ لَمْ يُقَدَّرْ صَدَاقٌ) هكذا روي عن ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم ومطرف وابن الماجشون، قالوا: لأنَّ الصداق ليس شرطًا في صحة النكاح؛ إذ ينعقد بغير تسميته في نكاح التفويض، وشهر ذلك غير واحد من أصحابنا، ولابن نافع مثل ما في الموطأ أن له أن يخطب ما لم يتفقا على صداق (١). قولهْ (وَفُسِخَ إِنْ لَمْ يَبْنِ) أي: فإن خطب وعقد (٢) ولم يدخلْ فُسِخَ، وهو المشهور عن مالك (٣)، فإن دخل مضى النكاحُ وبئس ما صَنَعَ. ابن زرقون: وعنه أنَّه يفسخ على كل حال، وعنه أنَّه لا يفسخ أصلًا وإن كان عاصيًا (٤). ابن القاسم: ويؤدب من خطب على خطبة أخيه، حكاه في النوادر والعتبية (٥). قوله: (وَصَرِيحُ خِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ) أي: وكذا (٦) يحرُم التصريح بخطبة المرأة المعتدة، ونصَّ عليه غير واحد؛ لأنَّ الله تعالى لما خصص التعريض بعدم الجناح وجب أن يكون التصريح بخلافه، والتصريح هو التنصيص على النكاح والإفصاح بذكره. قوله: (وَمُوَاعَدَتُهَا) أي: وكذا يحرُم عليه (٧) مواعدة المعتدة بالنكاح. يريد: للنهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وذلك أن يعد كل واحد (٨) منهما صاحبه بالتزويج، فهي مفاعلة لا تكون إلا بين اثنين، فإن لم يحصل (٩) منهما معًا بل وعد أحدهما صاحبه بذلك دون أن يعده صاحبه فإنما يكره ذلك فقط، نصَّ عليه في المقدمات (١٠). ابن حبيب: ولا يجوز أن يواعد وليَّها بغير (١١) عليها وإن

стр. 1216

كانت تملك أمرها (١)، وإليه أشار بقوله: (كَوَلِيِّهَا) لكن ينبغي أن يقيد كلام الشيخ هنا بالولي المجبِر كالسيد وب أمته، والأب في ابنته البكر، فقد نصَّ ابن المواز وغيره على أن مواعدة غير المجبر مكروهة (٢)، وحكم المستبرأة من الزنى في حرمة التصريح بخطبتها أو مواعدتها أو وليّها حكم (٣) المعتدة، وإليه أشار بقوله: (كَمُسْتَبْرَأَةٍ مِنْ زِنًى). وأشار بقوله: (وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا بِوَطْءٍ) (٤) إلى أنَّ الخطبة إذا وقعت أو (٥) المواعدة في العدة وتزوجها ولم يعثر (٦) على ذلك حتى وطئ؛ فإن المرأة يتأبد تحريمُها عليه، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، وروى أشهب عن مالك أنها لا تحرم عليه (٧). قوله: (وَإِنْ بِشُبْهَةٍ) أي: بشبهة نكاح. ابن الحاجب: والمعتدة من نكاح أو شبهة إن وطئت بنكاح أو شبهة حرمت عليه للأبد على المشهور؛ لقضاء عمر من غير مخالف (٨). قوله: (وَلَوْ بَعْدَهَا) أي: وكذلك يتأبد التحريم وإن لم يطأ إلا بعد انقضاء العدة، وهكذا روى أشهب في المدونة عن مالك، وروى عنه (٩) ابن وهب فيها عدم التأبيد (١٠). قوله: (وَبِمُقَدِّمَتِهِ (١١) فِيهَا) أي: وكذلك يتأبد التحريم (١٢) إن قَبَّل أو باشر في العدة، وقاله في المدونة (١٣)، وروى عيسى عن ابن القاسم أنها لا تحرم بذلك (١٤).

стр. 1217

قوله: (أوْ بِمِلْكٍ) هو معطوف على قوله: (بوطء نكاح (١)) المفهوم مما تقدم؛ أي: وكذا يتأبد تحريم المعتدة إذا وطئت في عدتها بملك كما إذا طلقت الأمة أو مات عنها زوجها فوطئها سيدها أو مشتريها قبل انقضاء العدة، وقيل: لا يتأبد. قوله: (كَعَكْسِهِ) أي: كما إذا وطئت الأمة في استبرائها من سيدها أو غيره بنكاح أو غيره، فإن تحريمها يتأبد على الزوج، وقيل: لا يتأبد. قوله: (لا بِعَقْدٍ) أي: فإنها لا تحرم به إن وقع في العدة من غير وطء، وهذا (٢) قول مالك في المدونة (٣)، فإذا فرق بينهما قبل الدخول كان له أن يخطبها بعد العدة، وذكر عبد الوهاب أنها تحرم به ولم يعزه (٤)، ونقله اللخمي عن مالك (٥). قوله: (أَوْ بِزِنًى) أي: إذا زنى بها في العدة فإنها لا تحرم على الزاني، بل يجوز له أن يتزوجها إذا حلت؛ لأنه لم يرد بالزنى تعجيل شيء. قوله: (أَوْ بِمِلْكٍ عَنْ مِلْكٍ) أي: كما إذا كانت الأمة مستبرأة من ملك (٦) فيطؤها المالك الثاني فإنها لا تحرم عليه بذلك. ابن رشد: باتفاق، لكن لا يطؤها (٧) حتى يستبرئها من الماء الفاسد. قوله: (أَوْ مَبْتُوتَةٍ قَبْلَ زَوْجٍ) يشير بهذا إلى أن (٨) من طلق امرأته ثلاثًا ثمَّ تزوجها في عدتها فإنها (٩) لا تحرم عليه بذلك (١٠)، وهو قول ابن القاسم (١١) وغير واحد من أصحاب مالك؛ لأنه لم يمنع منها لأجل العدة بل لكونها لم تتزوج بعده بزوج، ولهذا

стр. 1218

احترز عنه بقوله: (قبل زوج). الباجي: ولابن نافع أنها تحرم أبدًا قياسًا على الأجنبي (١). قوله: (كَالمُحَرَّمِ) يريد أن من (٢) تزوج خامسة فوطئها فإن نكاحه يفسخ ولا يتأبد تحريمها عليه بذلك الوطء، بل يجوز له إذا حلت للأزواج أن يتزوجها إذا طلق إحدى الأربع أو ماتت، وكمن (٣) وطئ أخت أمته الموطوءة بملك أو نكاح، أو أخت زوجته بالملك (٤). قوله: (وَجَازَ تَعْرِيضٌ كَفِيكِ رَاغِبٌ) لما ذكر أن صريح خطبة المعتدة حرامٌ نبَّه على أن التعريض لها بذلك جائز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٥]، والتعريض هو القول المفهم لمقصود الشيء تحريمًا (٥) عليه من غير تنصيص، قال القاضي أبو بكر (٦): والذي مال إليه مالك من ذلك أن يقول: إني بك لمعجب، ولك محب، وفيك راغب، قال: وهو عندي أقوى التعريض، والذي أراه أن يقول: إن الله سبحانه سائق (٧) إليك خيرًا، وأبشري، وأنت (٨) نافقة (٩). قوله: (وَالإِهْدَاءُ) أي: وجاز الإهداء للمعتدة، وهكذا روى ابن حبيب عن مالك (١٠). اللخمي (١١): لأنها كالتعريض (١٢). قوله: (وَتَفْوِيضُ الْوَلِيِّ الْعَقْدَ لِفَاضِلٍ) أي: وكذا يجوز للوليِّ أن يفوض العقد للرجل الصالح. عبد الملك في الواضحة: وكذلك إلى الشريف، وكان يفعل فيما مضى، وقد

стр. 1219

فوض في ذلك إلى عروة فخطب واختصر، فقال: الله حق (١) ومحمد رسوله، وقد خطب فلان فلانة، وقد زوجته إيَّاها على بركة الله وشرطه (٢). قوله: (وَذِكْرُ المَسَاوِئ) يعني أنَّه تجوز الغيبة في ذكر مساوئ الخاطب (٣) للحذر ولقوله ﵇ لزينب: "أمَّا معاوية فصعلوك لا مال له، وأمَّا أبو جهم فلا يضع العصا عن (٤) عاتقه" (٥). نقله ابن شاس (٦). قوله: (وَكُرِهَ عِدَةٌ مِنْ أَحَدِهِمَا) هذا مما لا خلاف فيه، قاله (٧) ابن رشد (٨)، وأمَّا المواعدة منهما جميعًا (٩) فهي حرام كما تقدَّم. قوله: (وَتَزْوِيجُ زَانِيَةٍ) أي: وكذا يكره تزويج المرأة الزانية. مالك: ولا أراه حرامًا، وقال ابن حبيب: لا يجوز تزويج المرأة الزانية المجاهرة (١٠). قوله: (أَوْ مُصَرَّحٍ لَهَا بَعْدَهَا) أي: ومما يكره أيضًا تزويج المرأة المصرح لها بالخطبة في العدة وعقد عليها بعدها؛ لأنَّ ذلك ليس نكاحًا في العدة. قوله: (وَنُدِبَ فِرَاقُهَا) أي: فراق الزانية أو (١١) المصرح لها. ابن حبيب: ويستحب لمن تحته امرأة تزني أن يفارقها، فإن ابتلي بحبها حبسها (١٢). وقيل: يجب عليه فراق المصرح لها، حكاه في المنتقى (١٣).

стр. 1220

قوله: (وَعَرْضُ رَاكِنَةٍ لِغَيْرٍ عَلَيْهِ) يشير إلى ما رواه عيسى عن ابن وهب أنَّه يستحب لمن عقد على امرأة راكنة لغيره أن يعرض تلك المرأة على الخاطب أولًا، قال: فإن حلله (١) رجوت له في ذلك مخرجًا، وإن أبى فليفارقها، فإن نكحها الأوّل وإلا فلهذا أن يأْتَنِف نكاحها ولا يقضى عليه بالفراق (٢). (المتن) وَرُكْنُهُ وَلِيٌّ وَصَدَاقٌ وَمَحَلٌّ وَصِيغَةٌ بِأَنْكَحْتُ وَزَوَّجْتُ، وَبِصَدَاقٍ وَهَبْتُ، وَهَلْ كُلُّ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ كَبِعْتُ؟ تَرَدُّدٌ. وَكَقَبِلْتُ. وَبِزَوِّجْنِي فَيَفْعَلُ. وَلَزِمَ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ. وَجَبَرَ الْمَالِكُ أَمَةً وَعَبْدًا بِلَا إِضْرَارٍ، لَا عَكْسُهُ، وَلَا مَالِكُ بَعْضٍ، وَلَهُ الْوِلايَةُ وَالرَّدُّ. وَالْمُخْتَارُ وَلَا أُنْثَى بِشَائِبَةٍ وَمُكَاتَبٍ، بِخِلافِ مُدَبَّرٍ وَمُعْتَقٍ لِأَجَلٍ إِنْ لَمْ يَمْرَضِ السَّيِّدُ وَيَقْرُبِ الأَجَلُ. ثُمَّ أَبٌ، وَجَبَرَ الْمَجْنُونَةَ وَالْبِكْرَ وَلَوْ عَانِسًا إِلَّا لِكَخَصِيٍّ عَلَى الأَصَحِّ، وَالثَّيِّبَ إِنْ صَغُرَتْ أَوْ بِعَارِضٍ أَوْ بِحَرَامٍ، وَهَلْ إِنْ لَمْ تُكَرِّرِ الزِّنَى؟ تَأْوِيلانِ. (الشرح) قوله: (وَرُكْنُهُ: وَلِيٌّ، وَصَدَاقٌ، وَمَحَلٌّ، وَصِيغَةٌ) أي: ركنُ النكاح. وذكر أن له أربعة أركان، ونحوه في الجواهر (٣)، وجعل ابن محرز الوليّ والشهود والصداق شروطًا. الركن الأوّل: الوليّ: والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، والعضل لغة (٤): المنع من تزويج المرأة، فلو كان عقدها على نفسها جائزًا لم تكن معضولة بمنع الوليّ، وفي الحديث: "لا تُنكِح المرأةُ المرأةَ ولا المرأةُ نفسَها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" (٥)، قال الدارقطني: وهذا حديثٌ (٦) حسنٌ صحيحٌ. وعنه

стр. 1221

عليه الصلاة والسلام: "لا نكاح إلا بولي" (١). الركن الثاني: الصداق: لقوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل" (٢) فلا يجوز إسقاطه رأسًا، نعم لا يلزم التنصيص عليه في العمد بل يستوي كونه مذكورًا فيه أو مسكوتًا عنه غير منفي كما في نكاح التفويض، ولا خلاف في اعتباره في النكاح، وإنما الخلاف في قدره. الركن الثالث: المحل: وهو المرأة الخلية من الموانع التي تقتضي (٣) تحريمها بالزوج (٤). والركن الرابع: الصيغة: وهو اللفظ الذي ينعقد به النكاح من (٥) الوليّ والزوج (٦) أو وكيله، وقد أشار إلى بيان ذلك بقوله: (بِأَنْكَحْتُ وَزَوَّجْتُ) أي: والصيغة من الوليّ تكون بأنكحت وزوجت، ولا خلاف في ذلك. الباجي: ولا ينعقد النكاح عند المغيرة وابن دينار بغير ذلك (٧). قوله: (وَبِصَدَاقٍ وَهَبْتُ) أي: وينعقد بوهبتُ مع تسمية صداق، وهكذا روى ابن حبيب (٨) عن مالك، وحكاه القاضي أبو محمَّد ابن رشد، واضطرب فيه قول مالك (٩)،

стр. 1222

واختلف هل ينعقد بكل لفظ (١) يقتضي التمليك المؤبد كالبيع ونحوه؟ فحكى عبد الوهاب انعقاده بذلك (٢)، وهو قول الأكثر خلافًا للمغيرة وابن دينار، ونحوه في المقدمات (٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَهَلْ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الحَيَاةِ كَبِعْتُ؟ تَرَدُّدٌ) ولا (٤) ينعقد بلفظ الإجارة والعارية والرهن والوصية لاقتضاء الأولَيْنِ التوقيت والثالث التوثق دون التمليك (٥)، وعدم لزوم الرابع. قوله: (وَكَقَبِلْتُ) هذه الصيغة من جهة (٦) الزوج وهي أن يقول: قبلت ونحوه بعد قول الوليّ: أنكحتك أو زوجتك، وإنما أدخل كاف التشبيه بها كلامه تنبيهًا على عدم اختصاص هذه اللفظة بذلك، بل وكذلك: رضيتُ واخترتُ، ونحوهما مما يدلّ على القبول. قوله: (وَبِزَوِّجْنِي فَيَفْعَلُ) يريد أن الترتيب المتقدم وهو أن يكون كلام الوليّ متقدمًا على كلام الزوج ليس بشرط؛ بل لو بدأ (٧) الزوج بذلك ثمَّ أجابه الوليّ بما يقتضي ذلك صحَّ (٨). قوله: (وَلَزِمَ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ) أي: فلو قال الخاطب: لا أرضى، فقد لزمه النكاح، وقاله في الجواهر (٩). قوله: (وَجَبَرَ المَالِكُ أَمَةً وَعَبْدًا بِلا إِضْرَارٍ) لما كان الوليُّ على ضربين -مجبِر وغير مجبِر- شرع في بيانه وذكر أنَّ المجبر الأب بها المجنونة والبكر الصغيرة ونحوهما مما (١٠) سيأتي، والسيد في أمته وعبده، وغير المجبر ما عداهما، فالسيد يجبر أمته

стр. 1223

وعبده على النكاح إذا لم يقصد بذلك الإضرار كما إذا زوجهما لمن لا يليق بهما (١) في العادة. قوله: (لا عَكْسُهُ) أي: فليس للعبد أو الأمة أن يجبر السيد على التزويج إذا طلباه وأبى من ذلك، وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا قصد السيد عدم الإضرار، وإلا فإنَّه يؤمر بالبيع أو التزويج، وفي كتاب محمَّد: أنَّه لا يقضى عليه (٢) ولو قصد بذلك الإضرار (٣). قوله: (وَلا مَالِكُ بَعْضٍ) أي: وكذلك المالك للبعض ليس له الجبر على التزويج إذا امتنع منه، وسواء قل الجزء الرقيق أو كثر (٤)، كان الجزء الآخر لغيره أو حرًّا، نعم إذا اتفق المالكان على الجبر فلهما ذلك. قوله: (وَلَهُ الْوِلايَةُ وَالرَّدُّ) يريد: أن مالك البعض وإن لم يكن له جبر فله الولاية والرد؛ إذ لا يلزم من نفي الأخص الذي هو الجبر نفي الأعم الذي هو الولاية (٥) والرد، بل تبقى له الولاية في الأمة ورد تزويج من تزوج (٦) بها (٧) ورد نكاح العبد إذا تزوج بغير إذنه. قوله: (وَالمُخْتَارُ وَلا أُنْثَى (٨) بِشَائِبَةٍ وَمُكَاتَبٍ بِخِلافِ مُدَبَّرٍ وَمُعْتَقٍ لأَجَلٍ إِنْ لَمْ يَمْرَضِ السَّيِّدُ وَيَقْرُبِ الأَجَلُ) يريد أن اللخمي يختار في الأنثى التي فيها شائبة من حرية عدم الجبر، وكذلك المكاتب، وفي المدبر والمعتق لأجل الجبر إلا أن يمرض السيد أو يقرب الأجل الذي علق العتق عليه، وقد اختلف هل للسيد جبر من فيه عقد حرية؛ لأنه الآن على الرق، أو لا للشبهة التي لهم (٩) من الحرية بالعقد الذي عقد لهم (١٠)، أو له

стр. 1224

ذلك فيمن له انتزاع ماله دون غيره كالمكاتب والمدبر إذا مرض السيد وأم الولد والمعتق إلى أجل إذا قرب الأجل، أو له (١) جبر الذكور دون الإناث؟ أربعة أقوال حكاها اللخمي (٢). قوله: (ثُمَّ أَبٌ) قد تقدَّم أن الوليَّ المجبِر هو الأب في ابنته البكر ونحوها والسيد في أمته، وتقدم الكلام على حكم إنكاح (٣) السيد، والكلام الآن في حكم إنكاح (٤) الأب. قوله: (وَجَبَرَ المَجْنُونَةَ) يريد: ولو كانت ثَيبًا، وذلك هو النظر لها، وهذا إذا كانت لا تفيق، فإن كانت تفيق أحيانًاا نتظرت إفاقتها (٥). قوله: (وَالْبِكْرَ) لا خلاف في ذلك إذا كانت صغيرة، قاله الباجي، قال: وأما البالغ غير المعنسة فلا يختلف أصحابنا أنَّه يملك عليها الإجبار أيضًا؛ لأنها بكر (٦) لا يفتقر عقد نكاحها إلى نطقها مع القدرة عليه فكان له إجبارها كالصغيرة (٧). ابن عبد السلام: وقفت في بعض الفتاوى المنسوبة للسيوري أن الأب لا يجبرها، ومال إليه اللخمي (٨)، وأشار بقوله: (وَلَوْ عَانِسًا) إلَّا أن الأب يجبر البكر (٩) البالغة ولو كانت معنسة، وهي رواية محمَّد عن مالك، وروى ابن وهب عنه أنَّه لا يجبرها (١٠)، وبرواية محمَّد القضاء، وعليها العمل، قاله المتيطي (١١). قوله: (إِلا لِكَخَصِيٍّ عَلَى الأَصَحِّ) يريد أن ما تقدم من أن الأب يجبر البكر مشروط

стр. 1225

بعدم الضرر، فأما إذا كان في ذلك ضرر كتزويجها من مجبوب أو خصي أو عنين فلا (١)، وقيل: يلزمها ذلك إذا كان على وجه النظر علمت به أم لا. قوله: (وَالثَّيِّبَ إِنْ صَغُرَتْ) أي: وكذلك يجبر الصغيرة الثيب كما يجبر البكر، وهو قول أشهب في الموازية (٢)، وقال أبو التمام: لا يجبرها (٣). ولسحنون (٤): إن بلغت بعد الطلاق لم يجبر (٥)، وإلا فله الجبر (٦). قوله: (أَوْ بِعَارِضٍ) أي: وكذلك يجبر الأب من أزيلت بكارتها بعارض من عود (٧) أو وثبة أو سقطة وما أشبه ذلك من غير جماعٍ. ابن عبد السلام: ولا أعلم في ذلك خلافًا. قوله: (أَوْ بِحَرَامٍ) أي: وكذلك يجبر الأب من أزيلت بكارتها بحرام كالزنى والاغتصاب، والقول بإجبارها في الزنى هو مذهب المدونة (٨)، ولابن الجلاب عدم الجبر (٩)، وقيل: إن تكرر منها لم تجبر وإلا أجبرت، وهو قول (١٠) عبد الوهاب (١١) التزمه لمخالفه في مجلس المناظرة عند (١٢) ولي العقد (١٣)، واختلف هل هو تفسير للمدونة أو خلاف؟ وإليه أشار بقوله: (وَهَلْ إِنْ لَمْ تُكَرِّرِ الزِّنَى؟ تَأْوِيلانِ).

стр. 1226

(المتن) لَا بِفَاسِدٍ وَإِنْ سَفِيهَةً وَبِكْرًا رَشَدَتْ أَوْ أَقَامَتْ بِبَيْتِهَا سَنَةً وَأَنْكَرَتْ. وَجَبَرَ وَصِيٌّ أَمَرَهُ أَبٌ بِهِ، أَوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجَ، وَإِلَّا فَخِلافٌ. وَهُوَ فِي الثَّيِّبِ وَلِيٌّ. وَصَحَّ إِنْ مُتُّ فَقَدْ زَوَّجْتُ ابْنَتِي بِمَرَضٍ. وَهَلْ إِنْ قَبِلَ بِقُرْبِ مَوْتِهِ؟ تَأْوِيلانِ. ثُمَّ لَا جَبْرَ فَالْبَالِغُ، إِلَّا يَتِيمَةً خِيفَ فَسَادُهَا وَبَلَغَتْ عَشْرًا، وَشُووِرَ الْقَاضِي، وَإِلَّا صَحَّ إن دَخَلَ وَطَالَ. وَقُدِّمَ ابْنٌ، فَابْنُهُ، فَأَبٌ، فَأَخٌ، فَابْنُهُ، فَجَدٌّ، فَعَمٌّ، فَابْنُهُ، وَقُدِّمَ الشَقيقُ عَلَى الأَصَحِّ وَعَلَى الْمُخْتَارِ، فَمَوْلًى، ثُمَّ هَلِ الأَسْفَلُ وَبِهِ فُسِّرَتْ؟ أَؤ لَا؟ وَصُحِّحَ. فَكَافِلٌ، وَهَلْ إِنْ كَفَلَ عَشْرًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ مَا يُشْفِقُ؟ تَرَدُّدٌ. وَظاهِرها شَرْطُ الدَّنَاءَةِ، (الشرح) قوله: (لا بِفَاسِدٍ) أي: وأمَّا من تزوجت تزويجًا فاسدًا ودخل بها الزوج وأزال بكارتها ثمَّ فسخ نكاحها أو طلقها الزوج، أو مات عنها، فليس للأب عليها ولاية إجبار إذا بلغت. قوله: (وَإِنْ سَفِيهَةً) لأنه لا يلزم من ولاية المال والنظر فيه ولاية النكاح، فحكم السفيهة وغيرها في ذلك سواء وهو المعروف، وحكى المتيطي قولًا بأنّه يجبرها (١). قوله: (وَبِكْرًا رَشَدَتْ) هو معطوف على قوله: (لا بفاسد) أي: وكذلك لا يجبر الأب بكرًا رشدتْ، وشهره المتيطي (٢)، وقيل: له الجبر، وصوبه ابن عبد البر (٣). قوله: (أَوْ أَقَامَتْ بِبَيْتِهَا سَنَةً) اختلف في من أقامت ببيتها (٤) مدة ثمَّ فارقها قبل المسيس، هل يرتفع عنها إجبار الأب أم لا؟ ومذهب المدونة أنَّه يرتفع إن طالت المدة وشهدت مشاهد النساء، قال: وأرى السنة طولًا (٥)، وهو مثل قول الشيخ هنا إلا أنَّه اشترط في المدونة مع ذلك (٦) أن تكون شهدت مشاهد النساء، ورأي عبد الوهاب في

стр. 1227

ذلك أن الطول إنما يتحدد بالعرف (١). ابن عبد السلام: والأصل الرجوع إلى العرف، وانظر قوله: (وأَنْكَرَتْ) ما معناه (٢). قوله: (وَجَبَرَ وَصِيٌّ) أي: وصي الأب. يريد: إن (٣) وصى وصيه بالنكاح فيتنزل منزلة الأب في الإجبار على النكاح. قوله: (أَمَرَهُ أَبٌ بِهِ) أي: أمره بالنكاح وهو كقول صاحب الرسالة: ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها (٤). قوله: (أَوْ عَيَّنَ الزَّوْجَ) أي (٥) قال له (٦): زَوِّجْها من فلان، وقاله اللخمي (٧). قوله: (وَإِلا فَخِلافٌ) أي: وإن لم يعين الأب الزوج ولا أمر الوصي بالإنكاح (٨) ففي جبر الوصي لها وعدم جبره خلاف، حكاه اللخمي (٩) وغيره. قوله: (وَهُوَ فِي الثَّيِّبِ وَلِيٌّ) أي (١٠): كأحد الأولياء وهو مذهب المدونة (١١)، انظر الكلام على حكم نكاح الوصي (١٢) في الشرح (١٣) الكبير. قوله: (وَصَحَّ: إِنْ مُتُّ فَقَدْ زَوَّجْتُ ابْنَتِي بِمَرَضٍ) أي: وصحَّ النكاحُ إذا قال الأبُ في مرضه: إن متُّ فقد زوجتُ ابنتي فلانة من فلانٍ أو من ابنِ أخي ونحو ذلك.

стр. 1228

أصبغ: وهو مجمع على إجازته، وهو من وصايا المسلمين (١). وقيد سحنون ذلك بما إذا قبل الزوج النكاح (٢) بالقرب (٣)، وقال ابن بشير: مذهب المدونة (٤) الصحة مطلقًا (٥)، وإلى هذا الاختلاف (٦) أشار بقوله: (وَهَلْ إِنْ قَبِلَ بِقُرْبِ مَوْتِهِ؟ تَأْوِيلانِ). قوله: (ثُمَّ لا جَبْرَ فَالْبَالِغُ) أي: ثمَّ لا جبر لغير الأب والسيد والوصي من الأولياء فلا يزوجون إلا البالغ خاصة بكرًا كانت أو ثيبًا بإذنها، ولو كانت سفيهة، ومعنى (فالبالغ) أي: فولاية غير (٧) هؤلاء الثلاثة مقصورة على البالغ لا تتعداها (٨) إلا لمن ذكر في قوله: (إِلا يَتِيمَةً خِيفَ فَسَادُهَا وَبَلَغَتْ عَشْرًا، وَشُووِرَ (٩) الْقَاضِي) وقد اختلف في تزويج اليتيمة قبل البلوغ، فالرواية المشهورة منع ذلك، وعبر عنه بعضهم بالأصح وبعضهم بالأظهر. عبد الوهاب: وهو الذي نفتي به، وإليه رجع مالك (١٠). وفي كتاب محمَّد جوازه (١١) برضاها إن بلغت عشر سنين وهي ذات حاجة تتكفف الناس (١٢). اللخمي: وهو أحسن (١٣)، وقال ابن عبد الحكم (١٤): رجع مالك إلى الرواية الأوّلى، وحكى ابن الجلاب الروايتين، وزاد أخرى: أنَّه جائز ولها الخيار في الإمضاء والفسخ إذا بلغت (١٥). ابن بشير: لم يختلف المتأخرون أنها تزوج إن خيف عليها

стр. 1229

الفساد (١). ابن عبد السلام: وهو الذي عليه العمل ببلادنا اليوم (٢) بزيادة بلوغها عشر سنين ومشاورة القاضي (٣). قوله: (وَإِلا صَحَّ، إِنْ دَخَلَ وَطَالَ) أي: وإن زوجت ولم يخف عليها الفساد (٤) أو قبل بلوغها عشر سنين ولم يشاور القاضي في تزويجها صحَّ النكاح؛ أي: مضى إن دخل وطال وهو المشهور، قاله المتيطي (٥). وروى ابن حبيب عن مالك وأصحابه أنَّه يفسخ وإن ولدت الأولاد (٦). وفي البيان: عن ابن القاسم أنَّه لا يفسخ (٧)، وظاهره دخل بها أم لا، وقيل: تخير إذا بلغت ما لم يطل الأمر بعد الدخول. قوله: (وَقُدِّمَ ابْنٌ، فَابْنُهُ) يريد أن المقدم من أولياء الثيّب (٨) الابن، وهو المشهور، قاله ابن بشير (٩)، وقيل: الأب مقدم عليه، وهما روايتان منشؤهما (١٠) النظر إلى قوة التعصيب، وهي للابن في الميراث والولاء، والنظر إلى العطف والحنان والأنساب وذلك للأب، وابن الابن بمنزلة أبيه في عدمه، ولهذا قال: (فابنه) فقدمه على الأب، وعلى الرواية الأخرى يقدم الأب عليه. قوله: (فَأَبٌ) أي (١١): فإن لم يكن ولد ولا ولد ابن فالأب مقدم على غيره. قوله: (فَأَخٌ، فَابْنُهُ) أي: فإن لم يكن أب فالأخ مقدم (١٢) ثمَّ (١٣) ابن الأخ.

стр. 1230

قوله: (فَجَدٌّ) هذا هو المشهور، وقال المغيرة: يقدم الجدُّ وأبوه وإن علا (١) على الأخ وابنه (٢). وعن (٣) مالك: أن للأخ أن يزوج الثيّب مع وجود الأب (٤). اللخمي: وهو قول مرغوب عنه (٥)، والمعروف من قوله: أنَّه إن عقد الأخ مضى (٦) لا أن له ذلك ابتداء (٧). قوله: (فَعَمٌّ فَابْنُهُ) أي (٨): فإن لم يكن أحد (٩) ممن تقدَّم ذكرهم فالعم، فإن لم يكن فابنه. قوله: (وَقُدِّمَ الشَّقِيقُ عَلَى الأَصَحِّ) يريد أنَّ الشقيق من الأخ وابنه والعم وابنه مقدم على غير الشقيق على أصح القولين (١٠)، والخلاف منصوص في الأخوين، ففي المدونة من رواية عليٍّ: هما سواء (١١)، ولمالك وابن القاسم وغيرهما في كتاب ابن حبيب أن الشقيق أولى. اللخمي: ويجري في أبنائهما وفي العمين أحدهما شقيق والآخر لأب وفي أبنائهما نحو (١٢) ذلك، واختار تقديم الشقيق ابن القاسم وسحنون وغيرهما من أصحاب مالك المصريين والمدنيين قياسًا على الإرث والولاء، ولهذا جزم سحنون بعدم صحته في (١٣) الرواية الأخرى (١٤). ولهذا قال: على الأصح. اللخمي: وتقديم
следующие страницы →