← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

يعني أن الأم يجب عليها أن ترضع ولدها من زوجها الذي هي في عصمته بغير أجر؛ لأن عرف الناس جار بذلك إلَّا من استثناه، والرجعية في ذلك كالتي في العصمة؛ لأن أحكام الزوجية منسحبة (١) عليها فإن كانت الأم لا ترضع لعلو قدرها فليس ذلك عليها إلَّا إلا يقبل الصبي غيرها ونحو ذلك مما سيذكره، وكذلك المطلقة البائن لا يلزمها إرضاع ولدها من مطلقها، وعليه أن يستأجر له من ترضعه كما في ذات القدر (٢). قوله: (إِلَّا أَنْ لا يَقْبَلَ غَيْرَهَا أَوْ يُعْدِمَ الأَبُ أَوْ يَمُوتَ ولا مَالَ لِلصَّبِيِّ) يريد أن ما ذكره من أن الشريفة ذات القدر لا يجب عليها أن ترضع ولدها مشروط بأن يقبل (٣) غيرها ويكون الأب مؤسرًا (٤) أو ميتًا وللولد مال، فأما إن لَمْ يقبل الولد غيرها فإن ذلك يلزمها، وسواء كان الأب مليًّا أو عديمًا (٥)، وكذلك إن قبل غيرها، إلَّا أن الأب عديم أو ميت نصَّ عليه اللخمي (٦) وغيره، وقيد بما إذا كان الولد عديمًا أيضًا، وأمَّا إن كان له مال فقال في البيان: يستأجر له من ترضعه (٧) من ماله (٨). قال في المدونة: وإن مات الأب وللصبي مال فلها ألا ترضعه، وتستأجر له من ترضعه من ماله إلَّا أن لا يقبل غيرها فتجبر على أن ترضعه بأجرة (٩) من ماله، فإن لَمْ يكن للصبي مال لزمها إرضاعه (١٠). وفي الجلاب: إن لَمْ يكن للصبي مال فرضاعه في (١١) بيت المال (١٢).

стр. 1787

قوله: (وَاسْتَأْجَرَتْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لِبَانٌ (١)) يريد أن الأمَّ إذا وجب عليها رضاع ولدها وليس لها لبان (٢)، فإنها تستأجر للولد من يرضعه، وقاله مالك في الموازية. محمد: وبه قال القاضي إسماعيل. و(٣) أبو عمران وهو قولهم كلهم، وقال الماضي عبد الوهاب: ليس عليها ذلك (٤). واختاره اللخمي (٥) والتونسي (٦)، ونسبه ابن محرز للقاضي إسماعيل أيضًا، وعلى هذا فيكون له (٧) في المسألة قولان. قوله: (وَلَهَا إِنْ قَبِلَ غيرَهَا أُجْرَةُ المثْلِ ولَوْ وَجَدَ مَنْ يُرْضِعُهُ عِنْدَهُ مَجَّانًا) يريد أن للأمِّ إذا قبل الولد غيرها أن ترضعه بأجرة المثل إن شاءت أو تتركه لغيرها ترضعه بذلك، فإن وجد الأب من يرضع الولد بأقل من أجرة المثل (٨)؛ فإن كان ذلك عند الأم فلا مقال للأم بلا خلاف، فإما أن ترضعه بذلك أو تسلمه للظئر وليس لها طلب أجرة المثل، وأما (٩) إن كانت الظئر لا ترضعه عند أمه فهل يكون (١٠) كذا لو (١١) أرضعته عندها (١٢) أو لا، ويكون القول قولها في أجرة المثل؟ قولان، وهما لمالك في الموازية (١٣) وقعا (١٤) غير مقيدين واختلف في فهمهما، فقال بعضهم: محلهما (١٥) إذا

стр. 1788

كانت الظئر ترضعه عند غير (١) الأم ومنهم من جمع بينهما، فحمل الرواية بخيار الأب على ما إذا كانت ترضعه عند الأم، والرواية الأخرى على ما إذا كانت لا (٢) ترضعه عند الأم (٣)، ومنهم من أبقى القولين على إطلاقهما سواء كانت ترضعه عند الأمِّ أم لا. وحمل ابن يونس وغيره المدونة على أن القول قول الأم في أجرة المثل، وإن وجد الأب من ترضعه عندها بأقل من أجرة المثل (٤) وهو الذي أراد بقوله: (عَلَى الأَرْجَحِ فِي التَّأْوِيلِ) إلَّا أني لَمْ أر في كلام ابن يونس أنه وجد من ترضعه مجانًا أي: بغير شيء كما (٥) أشار إليه هنا، وإنما فيه أنه وجد من يرضعه بأقل من أجرة المثل كما سبق، وكأن الشيخ لَمْ ير فرقًا بينهما وفيه نظر. فصل [في حضانة الذكر والأنثى] (المتن) وَحَضَانَةُ الولد الذَّكَرِ لِلْبُّلُوغِ، وَالأُنْثَى كَالنَّفَقَةِ لِلأُمِّ، وَلَوْ أَمَةً عَتَقَ وَلَدُهَا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ. وَلِلأَبِ تَعَاهُدُهُ، وَأَدَبُهُ، وَبَعْثُهُ لِلْمَكْتَبِ، ثُمَّ أُمِّهَا، ثُمَّ جَدَّةِ الأُمِّ، إِنِ انْفَرَدَتْ بِالسُّكْنَى عَنْ أُمٍّ سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا، ثُمَّ الْخَالَةِ ثُمَّ خَالَتِهَا، ثُمَّ جَدَّةِ الأَبِ ثُمَّ الأَبِ، ثُمَّ الأُخْتِ، ثُمَّ الْعَمَّةِ، ثُمَّ هَلْ بِنْتُ الأَخِ أَوِ الأُخْتِ أَوِ الأَكْفَأُ مِنْهُنَّ وَهُوَ الأَظْهَرُ؟ أَقْوَالٌ. ثُمَّ الْوَصِيّ، ثُمَّ الأَخِ، ثُمَّ ابْنِهِ، ثُمَّ الْعَمِّ، ثُمَّ ابْنِهِ، لَا جَدٍّ لأُمٍّ. وَاخْتَارَ خِلَافَهُ، ثُمَّ الْمَوْلَى الأَعْلَى، ثُمَّ الأَسْفَلِ، وَقُدِّمَ الشَّقِيقُ، ثُمَّ لِلأُمِّ، ثُمَّ لِلأَبِ فِي الْجَمِيعِ. وَفِي الْمُتَسَاوِيَيْنِ بِالصِّيَانَةِ وَالشَّفَقَةِ. وَشَرْطُ الْحَاضِنِ الْعَقْلُ، وَالْكِفَايَةُ، لَا كَمُسِنَّةٍ. قوله (٦): (وَحَضَانَةُ الولد (٧) الذَّكَرِ لِلْبُّلُوغِ وَالأُنْثَى كَالنَّفَقَةِ لِلأُمِّ) المشهور أن الحضانة

стр. 1789

في الذَّكر (١) للاحتلام، وهو مذهب المدونة (٢)، ولابن شعبان حتى يحتلم الغلام صحيح العقل والبدن (٣). وفي المختصر: حتى يثغر، وقاله أبو مصعب. وفي الإناث حتى يتزوجن ويدخلن، وقاله في المدونة (٤)، وهو معنى قوله: (كالنفقة)، و"اللام" في قوله: (للأم) متعلقة بحضانة، وفي البلوغ متعلقة بمحذوف، والتقدير: وحضانةُ الذَّكر للأم مستمرة إلى البلوغ، والأنثى حتى يدخل بها الزوج. قوله: (وَلَوْ أَمَةً عَتَقَ وَلَدُهَا) يعني أن الحضانة ثابتة للأمِّ ولو كانت أمة وقد عتق الولد، وقاله في المدونة (٥)، واستشكله اللخمي (٦)، قال: لأن الغالب من (٧) الأمة أنَّها مقهورةٌ بأعمال ساداتها، وقد منعت الأم الحرة إذا تزوجت به (٨) لما يتعلق بها من حقوق الزوجية، فكيف بالأمة؟ (٩) قال في المدونة: ولأم الولد تعتق ما للحرة من الحضانة (١٠)، وهذا هو الأصح، وإليه أشار بقوله: (أَوْ أُمَّ وَلَدٍ). وقال ابن وهب: لا حضانة لها (١١). قوله: (وَللأَب تَعَاهُدُهُ وَأَدَبُهُ وَبَعْثُهُ لِلْمَكْتَب) هكذا قال في المدونة (١٢)، وزاد فيها: ولا يبيت إلَّا عندها. يريد: وكذلك غيره من الأَولياء الذين ينظرون في أمر الصبيِّ. قوله: (ثُمَّ أُمِّهَا) يريد أنَّ الحضانة تنتقل عن الأم إذا ماتت أو سقطت حضانتها لمانع إلى أمها؛ لأن شفقتها وحنانها على ولد ابنتها يقرب من شفقة الأمِّ وحنانها عليه.

стр. 1790

قوله: (ثُمَّ جَدَّةِ الأُمِّ) أي: فإن لَمْ تكن جدة أو كانت ومنع من حضانتها مانع انتقلت الحضانة إلَّا جدة الأم. قوله: (إِنِ انْفَرَدَتْ بِالسُّكْنَى عَنْ أُمٍّ سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا) وهو قيد في أمِّ الأم وجدة الأم، والمعنى أن كلّ واحدة منهما لا تستحق الحضانة إلَّا بشرط أن تنفرد بالطفل في مسكن غير مسكن الأم التي سقطت حضانتها بالتزويج أو غيره، وقد نصَّ مالك على ذلك في الموازية (١) وغيرها (٢)، وينبغي أن تكون الخالة والأخت ونحوهما كذلك. قوله: (ثُمَّ الخَالَةِ) أي: ثم تنتقل الحضانة من (٣) بعد جدة الأم لخالة الطفل، وهي أخت الأم. يريد: الشقيقة، ثم التي للأب. قوله: (ثُمَّ خَالَتِهَا) أي: خالة الخالة، وهي أخت جدة الطفل لأمه. اللخمي: وفي تقدمة ابن القاسم جدة الأم على الخالة نظر، وكذلك خالة الخالة على الجدة للأب وعلى الأخت. قال: والأظهر أن الأخت أعطف وأرأف بأخيها وأختها من خالة الخالة (٤). وفي الجواهر: اختلف هل خالة الخالة كالخالة عند فقدها أم لا؟ (٥) قوله: (ثمَّ جَدَّةِ الأَبِ، ثُمَّ الأَبِ) مذهب ابن القاسم ان الجدة للأب تلي (٦) خالة الخالة في الاستحقاق للحضانة (٧). قال (٨) في الموازية والجواهر وغيرهما. فإن لَمْ تكن جدة لأب انتقل الحق للأب وهو المشهور، وبه قال في المدونة (٩). وفي الموازية أن (١٠) جدة الأب لأبيه تلي الجدة للأب.

стр. 1791

وقال اللخمي: تُقدم أم الولد (١) وجدته على أبيه قولًا واحدًا، ثم حكي في غيرهما (٢) أربعة أقوال؛ قول مالك أنه يقدم على الخالة، وجعله في المدونة مقدمًا على الأخت إلى من بعدها (٣). ولم ير له في الواضحة مدخلًا إلَّا مع عدم جميع النساء. وعن ابن القاسم: تبدأ (٤) عليه الخالة، ويبدأ (٥) هو على أمه (٦). وحكى غيره خامسًا: أنه يقدم على من عدا الأم والجدة إن لَمْ يكن (٧) مسلمات وإلا قدمن عليه (٨). وعن مالك: أنه أول من الأم عند إثغار الذكر. وعن بعض الشيوخ أنه يخير بين أبويه كمذهب الشافعي، واستحسن ابن القصار وابن رشد وغيرهما استهام الأبوين على الذكر (٩). قوله: (ثُمَّ الأُخْتِ، ثُمَّ الْعَمَّةِ) أي: فإن لَمْ يكن للطفل أب انتقل الحقُّ إلى أخته، ثم إلى عمته، وقاله في الجواهر (١٠) ونحوه في الموازية (١١). قوله: (ثُمَّ هَلْ بِنْتُ الأَخِ أَوِ الأُخْتِ أَوِ الأَكْفَأُ مِنْهُنَّ وَهُوَ الأَظْهَرُ؟ أَقْوَالٌ) أي: فإن لَمْ يكن للطفل حاضن ممن ذكرنا أو كان إلَّا أنه سقط لمانع، وله بنت أخ وبنت أخت؛ فقد اختلف هل تكون بنت الأخ أحق أو بنت الأخت أو الأكفأ منهما أحق وهو الأظهر عند ابن رشد، قال في المقدمات: وتُقدم (١٢) بنت الأخ على بنت الأخت مراعاة للخلاف، وهما (١٣) في القياس سواء في المنزلة ينظر الإمام في ذلك فيقضي به لأحرزهما

стр. 1792

وأكفئهما (١). وعند ابن يونس أن بنت الأخت تقدم على بنت الأخ (٢). قوله: (ثُمَّ الْوَصِيِّ) المنصوص أنه مقدَّم على سائر العصبة، وقيل: لا حق له. ابن بشير: وينبغي أن يجري الأمر فيه على قولين؛ هل يكون مقدمًا أو غير مقدم (٣)؟ . قوله: (ثُمَّ الأَخِ، ثُمَّ ابْنِهِ، ثُمَّ الْعَمِّ، ثُمَّ ابْنِهِ) أي: فإن لَمْ يكن أحد ممن ذكرنا فالأخ، فإن لَمْ يكن فابنه؛ ثم العم ثم ابنه كذلك. قوله: (لا جَدٍّ لأُمٍّ) أي: فإنه لا حقَّ له في الحضانة، وقاله في المقدمات (٤). وقال اللخمي: لَمْ أر نصًّا له في الحضانة، وأرى له فيها حقًّا؛ لأن له حنانًا وعطفًا، ولهذا غلظت فيه الدية وسقط عنه القود، وقال ﵇ في الحسن (٥): "إنَّ ابني هذا سيد" (٦)، ولا خلاف أنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، وأن (٧) ابن الابن (٨) داخل في عموم (٩) قوله تعالى ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] (١٠) وإلى هذا أشار بقوله: (وَاخْتَارَ خِلافَهُ). قوله: (ثُمَّ المَوْلى الأَعْلَى ثُمَّ الأَسْفَلِ) أي: ثم ينتقل الحقُّ في ذلك (١١) للمعتق، وهو المراد بالمولى الأعلى، فإن لَمْ يكن فالمولى الأسفل وهو العتيق، وقاله في المدونة وهو

стр. 1793

المشهور. وقال ابن محرز: لا حقَّ في المولى الأعلى (١) في ذلك؛ إذ لا رحم له؛ وعليه فلا حق للأسفل من باب الأولى (٢). قوله: (وَقُدِّمَ الشَّقِيقُ، ثُمَّ لِلأُمِّ، ثُمَّ لِلأَبِ (٣) فِي الجَمِيعِ) نصَّ عبد الوهاب واللخمي (٤) وابن رشد (٥) على أن الأخت الشقيقة تقدم على التي للأم، والتي للأم تقدم على التي للأب، ولما كان هذا جاريًا في كلّ من يستحق الحضانة قال (٦) في الجميع. قوله: (وَفِي المُتَسَاوِيَيْنِ بِالصِّيَانَةِ وَالشَّفَقَةِ) أي: فإن استويا رتبة قُدم من له صيانة وشفقة على من ليس كذلك. قوله: (وَشَرْطُ الحاضِنِ الْعَقْلُ) أي: فلا حق في ذلك لمجنون. يريد: ولو كان غير مطبق، وعندي أن الحكم كذلك إذا كان يجن أحيانًا دون أحيان، وكذا من به طيش. قوله: (وَالْكِفَايَةُ) أي: فلا حقَّ في ذلك لزمن ولا لمريض (٧) أو كبير بلغ إلى حال لا يمكنه معه مقدار (٨) التصرف، ولهذا قال (لا (٩) كَمُسِنَّةٍ)، ونص في الموازية على أن المسنة لا حق لها (١٠). ابن القاسم في وثائقه: ويلزم عليه العمى والصمم والخرس (١١). (المتن) وَحِرْزُ الْمَكَانِ فِي الْبِنْتِ يُخَافُ عَلَيهَا وَالأَمَانَةُ وَأَثْبَتَهَا، وَعَدَمُ كَجُذَامٍ مُضِرٍّ وَرُشْدٌ، لَا إِسْلَامٌ، وَضُمَّتْ - إِنْ خِيفَ - لِمُسْلِمِينَ، وَإِنْ مَجُوسِيَّةً أَسْلَمَ زَوْجُهَا، وَلِلذَّكَرِ مَنْ يَحْضُنُ، وَلِلأُنْثَى الْخُلُوُّ عَنْ زَوْجٍ دَخَلَ. إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ وَسَكَتَ الْعَامَ،

стр. 1794

أَوْ يَكُونَ مَحْرَمًا أَوْ لَا حَضَانَةَ لَهُ كَالْخَالِ، أَوْ وَلِيًّا كَابْنِ الْعَمِّ، أَوْ لَا يَقْبَلُ الْوَلَدُ غَيرَ أُمِّهِ، أَوْ لَمْ تُرْضِعْهُ الْمُرْضِعَةُ عِنْدَ أُمِّهِ، أَوْ لَا يَكُونُ لِلْوَلَدِ حَاضِنٌ أَوْ غَيْرَ مَأمُونٍ، أَوْ عَاجِزًا، أَوْ كَانَ الأَبُ عَبْدًا وَهِيَ حُرَّةٌ، وَفِي الْوَصِيَّةِ رِوَايَتَانِ. (الشرح) قوله: (وَحِرْزُ المكَانِ فِي الْبِنْتِ يُخَافُ عَلَيْهَا) أي: ويشترط أيضًا في حقِّ الحاضن أن يكون منزله محرزًا بالنسبة إلَّا البنت التي يخاف عليها الفساد، واحترز بذلك من الصبي والبنت التي لا يخاف عليها الفساد (١)، فإنه لا يشترط في حقهما (٢) ذلك. قوله: (وَالأَمَانَةُ) أي: ويشترط في الحاضن الأمانة في نفسه ودينه، أي لئلا يدخل على المحضون الفساد؛ فإن عدمت صفة من هذه الصفات من الأقرب وهي في الأبعد انتقل الحق إليه، وقاله في المدونة. قوله: (وَأَثْبَتَهَا) أي: وأثبت الحاضن الأمانة إن نسب إلى خلافها، وهكذا ذكر ابن العطار وابن الهندي وغيرهما من الموثقين، وقال المتيطي: فيما قالوه نظر عندي، والواجب أن يحمل على الأمانة ولا يكلف بينة حتى يثبت عليه غير ذلك (٣). قوله: (وَعَدَمُ كَجُذَامٍ مُضِرٍّ) أي: ومما يشترط في الحاضن عدم الجذام والبرص ونحوهما مما يكون مضرًّا، واحترز بذلك من الخفيف؛ فإنه لا يمنع. قوله: (وَرُشْدٌ) هو معطوف على صدر المسألة؛ أي: ومما يشترط أيضًا في الحاضن الرشد؛ فلا حقَّ فيه لسفيه. اللخمي: وهذا إذا كان سفيهًا في عقله ذا طيش وقلة ضبط لا يحسن القيام (٤) بالمحضون ولا أدبه، أو كان سفيهًا في المال يبذر ما يقبضه قبل انقضاء الأمد (٥)، قال: وأمَّا إذا كان سفيهًا مولى عليه ذا صيانة وقيام بالمحضون فلا يسقط حقه من الحضانة (٦).

стр. 1795

قوله: (لَا إِسْلامٌ، وَضُمَّتْ إِنْ خِيفَ لِمُسْلِمِينَ وإِنْ مَجُوسِيَّةً أَسْلَمَ زَوْجُهَا) يريد أن الحاضنة (١) ليس من شرطها أن تكون مسلمة، بل يجوز أن تكون ذمية أو (٢) غيرها. قال في المدونة: وللذمية إذا طلقت أو المجوسية يسلم زوجها، وتأبى هي الإسلام فيفرق بينهما من الحضانة ما للمسلمة إن كانت في حرز، وتمنع (٣) أن تغذيهم بخمر أو خنزير، وإن خيف أن تفعل بهم ذلك ضمت إلى ناس (٤) من المسلمين، ولا ينتزعون منها إلَّا أن تبلغ الجارية وتكون عندها في غير حرز إليها (٥). انتهى (٦) وهذا هو المشهور، وبه قال سحنون في الجدة (٧) والخالة. وقال ابن وهب: لا حق للأم النصرانية؛ لأن الأم المسلمة (٨) إذا كان (٩) يثنى عليها ثناء سوء ينزعون منها (١٠)، فكيف بنصرانية؟ (١١) وهو أحسن وأحوط للولد. قوله: (وَللذَّكَرِ مَنْ يَحْضُنُ) أي: ومما يشترط في الحاضن الذكر أن يكون عنده من يحضن الطفل. اللخمي: من زوجة أو سرية (١٢). يريد: فإن لَمْ يكن ذلك فلا حق له. وعن مالك: إذا كانت له زوجة أو سرية أو غيرهما فهو أولى به من غيره. قوله: (وَللأُنْثَى الخُلُوُّ عَنْ زَوْجِ دَخَلَ) أي (١٣): ومن شرط حضانة الأنثى أن تكون خالية من زوج دخل بها. يريد: لاشتغالها حينئذ بالزوج، وقد قال عليه الصلاة

стр. 1796

والسلام للأم: "أنت أحق به ما لَمْ تنكحي" (١) إلَّا أن ظاهره أن مجرد العقد كاف. وقال مالك في المتيطية: أنه ليس للوالد أخذ الولد من الأم وإن تزوجت ودخل بها زوجها إذا كان الابن في كفاية (٢). قوله: (إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ وَسَكَتَ (٣) الْعَامَ) أي: فإن علم وليُّ المحضون أن الحاضنة قد تزوجت ودخل بها زوجها وسكت مع ذلك عامًا فصاعدًا فلا قيام له؛ لأن سكوته مع العلم في هذه المدة دليل على أنه قد أسقط حقه من ذلك. قوله: (أَوْ يَكُونَ مَحْرَمًا أَوْ لا حَضَانَةَ لَهُ كَالخَالِ أَوْ وَلِيًّا كَابْنِ الْعَمِّ) أي: وكذلك لا يسقط حقُّ الحاضنة كونها متزوجة بمن هو محرم للولد إذا لَمْ يكن (٤) له حضانة كالخال والجد للأم (٥)، أو وليًّا للولد كالعم وابنه والجد للأب، وقاله غير واحد من الأشياخ. وذهب ابن وهب إلَّا أن الزوج (٦) يسقط حقها مطلقًا، ولم يذكر ابن شاس (٧) وابن الحاجب (٨) عدم السقوط إلَّا إذا كانت متزوجة بجد الطفل. قوله: (أَوْ لا يَقْبَلُ الْوَلَدُ غَيْرَ أُمِّهِ، أَوْ لَمْ تُرْضِعْهُ المرضِعَةُ عِنْدَ أُمِّهِ، أَوْ لا يَكُونُ لِلْوَلَدِ حَاضِنٌ، أَوْ غَيْرَ مَأمُونٍ، أَوْ عَاجِزًا، أَوْ كَانَ الأَبُ عَبْدًا وَهِيَ حُرَّةٌ) أي: وكذا لا يسقط حق الحاضنة وإن كانت متزوجة بأجنبي إذا كان الولد مرضعًا أو هو لا يقبل غيرها، أو يقبل إلَّا أن الظئر لَمْ ترضعه عند أمه، أو لا يكون للولد من يحضنه أو له إلَّا أنه غير مأمون أو عاجز عن القيام بمصالح الولد، وقاله اللخمي (٩) وغيره، وقال بعض الشيوخ: وكذا إذا كان الأب عبدًا والأم حرة.

стр. 1797

ابن القاسم في الموازية (١): إلَّا أن يكون مثل العبد المقيم بأمور سيده، أو التاجر الذي له الكفاية فيكون أولى بولده، قال: وأمَّا العبد الذي يخرج في الأسواق ويبعث في الأسفار فلا (٢). ونحوه في النوادر. قوله: (وَفِي الْوَصِيَّةِ رِوَايَتَانِ) أي: وفي الأمِّ (٣) إذا كانت وصية على الولد فتزوجت، روايتان عن مالك، فقال مرّة: إن جعلت (٤) لهم بيتًا يسكنونه ولحافًا وطعامًا وما يصلحهم لَمْ ينزعوا منها إلَّا أن يخشى عليهم، وقال مرّة: ما آمن أن (٥) ينزعوا (٦) منها؛ لأنَّها إذا تزوجت غلبت على جل (٧) أمرها حتى تفعل ما ليس بصواب، ولأنهم يقولون: ليس لك أن تدخلي عليهم رجلًا، فما أخوفني إن تزوجت أن (٨) ينزعوا منها (٩). (المتن) وَأَلا يُسَافِرَ وَليٌّ حُرٌّ عَنْ وَلَدٍ حُرٍّ وَإِنْ رَضِيعًا، أَوْ تُسَافِرَ هِيَ سَفَرَ نُقْلَةٍ لَا تِجَارَةٍ، وَحَلَفَ سِتَّةَ بُرُدٍ وَظَاهِرُهَا بَرِيدَيْنِ إِنْ سَافَرَ لِأَمْنٍ، وَأَمِنَ فِي الطَّرِيقِ وَلَوْ فِيهِ بَحْرٌ إِلَّا أَنْ تُسَافِرَ هِيَ مَعَهُ، لَا أَقَلَّ، وَلَا تَعُودُ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَوْ فَسْخ الْفَاسِدِ عَلَى الأَرْجَحِ، أَوِ الإِسْقَاطِ إِلَّا لِكَمَرَضٍ، أَوْ لِمَوْتِ الْجَدَّةِ وَالأُمُّ خَالِيَةٌ، أَوْ لِتَأَيُّمِهَا قَبْلَ عِلْمِهِ، وَلِلْحَاضِنَةِ قَبْضُ نَفَقَتِهِ، وَالسُّكْنَى بِالاِجْتِهَادِ وَلَا شَيءَ لِحَاضِنٍ لِأَجْلِهَا. (الشرح) قوله: (وَأَلا يُسَافِرَ وَلِيٌّ حُرٌّ عَنْ وَلَدٍ حُرٍّ وَإِنْ رَضِيعًا أَوْ تُسَافِرَ هِيَ سَفَرَ نُقْلَةٍ لا تِجَارَةٍ وَحَلَفَ (١٠) سِتَّةَ بُرُدٍ وظَاهِرُهَا بَرِيدَيْنِ إِنْ سَافرَ لأَمْنٍ وأَمِنَ فِي الطرِيقِ، وَلَوْ فِيهِ بَحْرٌ إِلَّا

стр. 1798

أَنْ تُسَافِرَ هِيَ مَعَهُ لَا أَقَلَّ) أي: ومن شرط ثبوت الحضانة للمرأة ألا يسافر الولي الحر عن الطفل الحر ولو كان رضيعًا سفر نقلة لا تجارة أو خلف (١) ستة برد. وقوله: (أَوْ تُسَافِرَ هِيَ) أي: ومن شرط ثبوت ذلك للحاضنة إلا تسافر هي كذلك بالولد عن مكان الولي، وشمل قوله (ولي) الأب وغيره، واحترز بكونه (حرًّا) من العبد، فإن سفره لا يسقط حق الحضانة. قال في المدونة: كانت أمة أو حرة؛ لأن العبد لا قرار له ولا مسكن (٢). يريد: لأنه قد يباع أو يسافر به سيده (٣)، واحترز بكون الولد حرًّا مما إذا كان عبدًا، فإن وليه لا مقال له إذا سافر هو أو سافر السيد به؛ لأنه تحت نظر سيده. وقوله: (وَإِنْ رَضِيعًا) هو المشهور، وقيد بأنه (٤) يقبل غير أمه، ولابن القاسم: ليس له أخذه إلَّا بعد الفطام. ولمالك: لا تخرج بهم حتى يثغروا (٥). وفي المدونة: ليس للأم أن تنتقل بالولد من موضع الولي إلَّا ما (٦) قرب كالبريد ونحوه حيث يبلغه خبره (٧). ولها أن تقيم هناك (٨). وقوله: (سَفَرَ نُقْلَةٍ) أي: سفر انقطاع، فلا يسقط حقُّ الحاضنة (٩) سفر للتنزه (١٠) ولا للتجارة (١١)، كما قال. وقوله (١٢): (سِتَّةَ بُرُدٍ) أي: لا ما دون ذلك. ابن شعبان: وبه مضت الفتوى عند شيوخ المذهب (١٣). أبو إسحاق: وظاهر المدونة أن سفر بريدين

стр. 1799

يسقط حقها من ذلك، ونصَّ أصبغ على أن سفر بريدين مسقط، ولأشهب: الثلاثة برد بعيد. وقال مالك مرّة: حد البعيد (١) مرحلتان (٢). وقيل: ما كان على رأس بريد فبعيد. وروى ابن وهب في الموطأ: حتى يرتحل (٣) من المدينة، ومثله (٤) عن أشهب (٥). قوله: (وَحَلَفَ) أي: الولي أنه يريد الاستيطان في ذلك البلد. وقاله ابن الهندي وغيره، وقال بعض القرويين: هذا يحسن في المتهم، وأما المأمون فلا يمين عليه (٦). وقيد سفره بأن يكون لأمن وأن يكون الطريق آمنًا احترازًا مما إذا كان الطريق غير مأمون، والبلد أيضًا كذلك، فلا يسقط حق الحاضنة (٧)، وقاله غير واحد، قيل: ولا يشترط إلا يكون بين البلد الذي سافر إليه الولي وبلد (٨) الحاضنة بحر. قال (٩) ابن الهندي وغيره: وهو الأصح (١٠). وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ فِيهِ بَحْرٌ) أي: في الطريق. قوله: (إِلَّا أَنْ تُسَافِرَ هِيَ مَعَهُ) أي: إنما يسقط حق الحاضنة بسفر الولي إذا لَمْ تسافر معه، فأما إن سافرت معه فإن حقها (١١) لا يسقط. قوله: (لا أَقَلَّ) أي: لا أقلّ من ستة برد، فإن سافر (١٢) الولي إلى ذلك (١٣) لا يسقط

стр. 1800

حق الحاضنة، وقد تقدم الخلاف فيما دون الستة برد في فوق هذا بيسير. قوله: (وَلَا تَعُودُ بَعْدَ الطَّلَاقِ) هذا هو المشهور وهو مذهب المدونة (١). وقال ابن وهب: تعود (٢). وكذلك بعد موت الزوج الثاني، وهكذا الخلاف فيما إذا أسقطت حقها ثم أرادت القيام به، فليس لها ذلك خلافًا لابن وهب. قال في المقدمات: وهذا الخلاف إنما هو على مذهب من يرى أن الحضانة حق للحاضن، وأما على قول ابن الماجشون الذي يرى أن الحق في ذلك للمحضون فلها أخذه (٣) متى خلت من الزوج (٤). قوله: (أَوْ فَسْخِ الْفَاسِدِ عَلَى الأَرْجَحِ) يريد أن الحاضنة إذا تزوجت تزويجًا فاسدًا فسقط حقها (٥) لأجل ذلك، ونزع الولد منها بالدخول، ثم علم بفساد النِّكَاح ففسخ لذلك، فإن حقها لا يعود. ابن يونس: وهو الصواب (٦)، وإليه أشار بقوله: (على الأرجح). وذهب بعض الشيوخ إلى عود ذلك إذ (٧) المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًّا. قوله: (أَوِ الإِسْقَاطِ) قد تقدم بيانه والحلاف الذي فيه. قوله: (إِلَّا لِكَمَرَضٍ) يريد: أو سفر لحجة الفريضة؛ والمعنى: أن المرأة إذا مرضت مرضًا لا تقدر معه على القيام بالولد، ثم برئت أو سافرت للحج ثم عادت، فإن حقها من ذلك يعود إليها. وفي الموازية: إذا تزوجت الأم فأخذت الجدة الولد، ثم فارق الزوج الأم فإن للجدة أن ترده إليها، ولا مقال للأب (٨). وقال ابن محرز: إذا ماتت الجدة وطلقت الأم فهي أحق من الأب (٩). وإليه أشار بقوله: (أَوْ لِمَوْتِ الجَدَّةِ وَالأُمُّ

стр. 1801

خَالِيَّةٌ) أي: من زوج، وهي جملة حالية. وأما قوله: (أَوْ لِتَأَيُّمِهَا قَبْلَ عِلْمِهِ) فيريد به (١) أن المرأة إذا تزوجت ودخل بها الزوج، ثم طلقها أو مات عنها قبل علم الولي، فإنه لا مقال له في ذلك. قوله: (وَللْحَاضِنَةِ قَبْضُ نَفَقَتِهِ) أي (٢): نفقة المحضون. يريد: وكسوته وغطائه ووطائه، ولو قال الولي: هو (٣) يأكل عندي ويأوي (٤) إليك، لَمْ يكن له ذلك؛ لأنه مما يضر بالحاضنة وبالولد أيضًا؛ لأن الأطفال يأكلون في كلّ وقت، وقاله غير واحد. وعن (٥) سحنون في الخالة الحاضنة: يقول الأب: إنها تأكل ما أعطيه (٦)، وطلب الولد يأكل عنده ويعلمه (٧) أن له ذلك. قوله: (وَالسُّكْنَى بِالاجْتِهَادِ) أي: وللحاضنة السكنى وهو مذهب المدونة (٨) وهو (٩) المشهور خلافًا لابن وهب، وعلى الأول فقال سحنون: هي (١٠) على حسب الاجتهاد ونحوه لابن القاسم. وعن يحيى بن عمر: هي (١١) على قدر الجماجم (١٢). وقيل: لا شيء على المرأة في يسر الأب، وقيل: هي على الموسر من الأب والحاضنة، وقيل: لا شيء على الأم من السكنى. وقال اللخمي: إن كان الأب في مسكن يملكه أو بكراء ولو كان ولده معه لَمْ يزد عليه في الكراء فلا شيء عليه، وإن كان يزاد عليه أو يزاد عليها هي لأجل الولد

стр. 1802

فعليها هي الأقل مما يزاد عليه أو عليها هي لأجله، فإن كان ما (١) يزاد عليها أقلّ أخذته؛ لأنه القدر الذي أضر بها، وإن كان ما يزاد (٢) عليه غرمه؛ لأنه مما لَمْ يكن له بد من ذلك ولو (٣) كان عنده (٤)، وهذه إحدى المسائل التي اختلف فيها، هل هي على الحصص أو على الرؤوس؟ قوله: (وَلَا شَيْءَ لِحاضِنٍ لأَجْلِهَا) يريد أن الحاضن لا يستحق شيئًا لأجل الحضانة، وذكر أصحابنا في ذلك قولين، وأجراهما بعضهم على أن الحضانة هل هي حق للمحضون أو للحاضن؟ فمن رأى الأول أوجب للحاضن الأجرة عليها، ومن رأى الثاني لَمْ ير له أجرة عليها؛ لأنه لا يستقيم أن يكون من حقه أن يكلفه ويؤويه (٥) إلى نفسه، ويجب له بذلك حق. ابن عبد السلام؟ وقد يقال الجاري على الأصلين معًا سقوط الأجرة (٦)، وأما على أنَّها حق له فظاهر، وأما على أنَّها حق لها فلأن حقها إنما هو في حفظ الولد وضمه إليها، وقد وصلت إليه (٧) فأخذها مع ذلك الأجرة زيادة على حقها، وهو باطل، وقد يقال: على (٨) إنها إذا كانت حقًّا للولد وجبت لها الأجرة، ويكون الحق له عليها إنما هو لتحضنه بأجرة، ومنهم من يرى أن الحق للحاضنة والولد معًا، ويبقى عنده التردد في التساوي والتبعية، وإذا فرعنا على أنَّها تستحق الأجرة على الحضانة؛ فإنه ينظر في القدر الذي يشغلها النظر للولد من الأزمنة؛ فإن استغرقت جميع أزمانها (٩) وجبت لها النفقة كما تجب للحامل المطلقة، وإن استغرقت بعض الأزمنة فبحسب (١٠) ما يقدره أهل المعرفة من ذلك، وقيل: لها الأجرة في الوجهين بحسب

стр. 1803

الاجتهاد، استغرقت أزمانها أم لا، وهو مقتضى النظر، والله أعلم. قوله (لأجلها) أي: لأنَّها حق له ويسلمه لمن شاء وإن وجد من هو أحق؛ وهو ظاهر الكتاب قال فيه: إن المرأة إذا ... زوجها على أن يكون الولد عنده جاز ذلك وكان أحق بالولد؛ فظاهره فإن كان له جدة أو خالة إذا لَمْ يشترط ذلك وقيل إن أسلمه كان لمن بعده كالشفعة والله أعلم. نجز السفر الأول من شرح الختصر عُرس الدين خليل بن إسحاق بن يعقوب المالكي نفعنا الله به وببركة أمثاله بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه، وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا وشفيعنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا أثيرًا إلى يوم الدين صلاة تعظيمًا لحقه ومحبة له ورغبة ما دام الصلاة عليه إلى أن ينفخ نفخة الصعق، ورضي الله عن أصحابه الأكرمين الأطايب؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة أجمعين، والحمد لله رب العالمين. تمَّ الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وهدايته ورضوانه، وكان الفراغ من نسخه في نهار الثلاثاء في اليوم التاسع عشر من شهر ذي القعدة من شهور سنة تسع وستين وتسعمائة، والحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيدنا محمدٍ وسلم. كتبه العبد الفقير المعترف بالذنب والتقصير؛ الفقير محمد ابن الفقير خير الدين الشافعي، غفر الله له ولوالديه ولمن رأى فيه عيبًا وأزاله منه، ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم (١).

стр. 1804

(١) [بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله. عونك يا الله، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب] باب [في أحكام البيع] (٢) (المتن) بَابٌ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَإِنْ بِمُعَاطَاةٍ، أَوْ بِبِعْني فَيَقُولُ: بِعْتُكَ، أَوْ بابْتَعْتُ، أَوْ بعْتُكَ وَيَرْضَى الآخَرُ فِيهِمَا، وَحَلَفَ، وَإِلَّا لَزِمَ إِنْ قَالَ: أَبيعُهَا لك بِكَذَا. أَوْ أَنَا أَشْتَرِيهَا بِهِ، أَوْ تَسَوَّقَ بِهَا فَقَالَ: بكم؟ فَقَالَ: بِمَائَةٍ، فَقَالَ. أَخَذْتُهَا. وَشَرْطُ عَاقِدِهِ تمَيْيِزٌ إِلَّا بِسُكْرٍ، فَتَرَدُّدٌ. وَلُزُومِهِ تَكْليِفٌ، لَا إِنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ جَبْرًا حَرَامًا، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِلَا ثَمَنٍ وَمَضَى فِي جَبْرِ عَامِلٍ. وَمُنِعَ بَيْعُ مُسْلِمٍ، وَمُصْحَفٍ، وَصَغِيرٍ لِكَافِرٍ وَأُجْبرَ عَلَى إِخْرَاجِهِ وَإِنْ بِعِتْقٍ أَوْ هِبَةٍ وَلَوْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ عَلَى الأَرْجَحِ، لَا بِكِتَابَةٍ أَوْ رَهْنٍ وَأَتَى بِرَهْنِ ثِقَةٍ، إِنْ عَلِمَ مُرْتَهِنُهُ بِإِسْلَامِهِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ وِإلَّا عُجِّلَ، كَعِتْقِهِ. (الشرح) (يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِما يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَإِنْ بِمُعَاطَاةٍ) يريد: أنه لا (٣) يشترط في انعقاد البيع

стр. 1805

الإيجاب والقبول؛ بل ينعقد بذلك، وبما يشاركه في الدلالة على الرِّضا، كفعل المعاطاة، والقول والفعل الدالان (١) على ذلك. قوله: (أوَ بِبِعْنِي، فَيَقُولُ: بِعْتُكَ) أي: وكذا ينعقد البيع بقول المشتري للبائع: بعني هذه السلعة بكذا. فيقول له (٢): بعتك؛ لأنه مما يدلُّ على الرضا من كلّ منهما عرفًا (٣). قوله: (أَوْ بِابْتَعْتُ، أَوْ بِعْتُكَ، وَيَرضَى الآخَرُ فِيهِمَا) أي: وكذا ينعقد البيع بقول المشتري لرب السلعة: ابتعتها منك بكذا. فيرضى البائع، أو يقول البائع: بعتك (٤) بكذا، أو نحوه. فيرضى الآخر. والضمير المثنى بـ (فيهما) (٥) راجع إلى الصورتين. و (الآخر)، أي: إما (٦) للبائع في الصورة الأولى، أو المشتري في الصورة الثانية. قوله: (وَحَلَفَ، وإِلَّا لَزِمَ إِنْ قَالَ أنا أبيعها لك بِكَذَا أَوْ أَنَا أَشْتَرِيهَا بِهِ، أَوْ تَسَوقَ بِهَا فَقَالَ: بِكَمْ؟ فَقَالَ: بِمَائَةٍ، فَقَالَ: أَخَذْتُهَا) يريد: أن البائع أيضًا يلزمه في هذه المسائل الثلاث إن لَمْ يحلف (٧) من توجه عليه اليمين من بائع أو مبتاع، وقد نص ابن أبي زمنين على المسألتين (٨) الأوليين (٩)، يريد: فإن لَمْ يحلف في الوجهين لزم (١٠) البيع، ثم قال: وهذه الوجوه كلها مذهب ابن القاسم وطريق فتياه (١١). وحاصله: التفرقة بين أن تكون الصيغة بلفظ الماضي فيلزم، أو بالمضارع فيحلف؛

стр. 1806

وإلا لزم، وأشار بقوله: (أَوْ تَسَوَّقَ بها ... إلى آخره) إلَّا مسألة المدونة، وهي قوله فيها: فإن قيل: وإن (١) قلت لرجل: بعني سلعتك بعشرة. فقال: قد فعلت. فقلت (٢): لا أرضى (٣). قال (٤): قال مالك: (فيمن وقف سلعته للسوم، فقال (٥): بكم؟ فقال: بعشرة. فقلت (٦): رضيت. فقال: لا أرضى به (٧). أنه يحلف ما أراد البيع، وإن لَمْ يحلف لزمه، قال ابن القاسم: فكذلك مسألتك (٨). ولمالك في العتبية أن ذلك يلزمه ظاهره ولو حلف. وقال الأبهري: وإن كان ذلك قيمة السلعة، وكانت تباع بمثله لزمه البيع، وإن كان لا يشبه (٩) حلف ما أراد البيع، ولم يلزمه (١٠). ومعنى (تَسَوَّقَ بِهَا) وقفها للبيع في السوق. وأكثر الأشياخ يحمل هذا الخلاف على ظاهره، وقيده ابن رشد بما إذا كانت السلعة موقوفة للبيع، وأما لو وجد شخص آخر في غير السوق، والسلعة معه، فإنه يحلف، ولا يلزمه البيع باتفاق، وعلى هذا يتحصل في المسألة أربعة أقوال، يفرق في الرابع بين أن تكون موقوفة للبيع أم لا؟ (١١). قوله: (وَشَرْطُ عَاقِدِهِ: تَمْيِيزٌ إِلَّا بِسُكْرٍ، فَتَرَدُّدٌ) الضمير المضاف إليه (عاقده) (١٢) عائد على البيع المفهوم من السياق، والمراد بالعاقد: البائع والمشتري. والمعنى: وشرط صحة

стр. 1807

بيع عاقد البيع: التمييز، فلا ينعقد من غير مميز؛ كالصبي، والمجنون، والمغمى عليه. واختلف في السكران: فظاهر كلام ابن شعبان: أن بيعه وشراءه غير منعقد (١). وصرح بذلك في الذخيرة (٢). وفي البيان والإكمال: والأكثر على (٣) أن مذهب مالك وعامة أصحابه أن عقده لا تلزمه (٤). ولابن رشد في موضع آخر: لا يقال في بيعه: إنه غير منعقد على مذهب مالك؛ وإنما يقال: إنه غير لازم (٥). ولابن نافع: أن بيعه يلزمه كطلاقه (٦). ابن شاس: والجمهور على خلافه (٧). وإلى هذا الاضطراب أشار بقوله: (فتردد) وظاهر كلامه: أن الخلاف في السكران غير المميز؛ لأن تقدير كلامه: وشرط صحة عاقد (٨) البيع: التمييز. فلا يصح من غير المميز؛ إلَّا (٩) أن يكون سكران، ففيه تردد (١٠). وإلى هذا الظاهر ذهب ابن شعبان وعياض، وعليه فلا خلاف في لزوم بيع المميز وهو غير الطافح. وطريقة ابن رشد أن الخلاف في غير الطافح، ولا يلزم الطافح بلا خلاف (١١). قوله: (وَلُزُومِهِ تَكْلِيفٌ) أي: شرط لزوم البيع: أن يصدر من مكلف، فلو صدر من صبي، أو مجنون وقف على رضى الولي (١٢) أو رده. وظاهر كلامه: أن بيع السفيه لازم،

стр. 1808

لا يوقف على رضى وليه؛ لأنه مكلف، وليس كذلك؛ فإن تصريفه (١) غير لازم، وكذلك كلّ محجور عليه. قوله: (لا إِنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ جَبْرًا حَرَامًا، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِلا ثَمَنٍ) يريد: أن المكلف إنما يلزمه ما عقد على نفسه من ذلك إذا كان طائعًا، فأما إن أجبر على ذلك فلا يلزمه، واحترز بالجبر الحرام من جبر القاضي المديان (٢) على البيع للغرماء؛ فإنه يلزمه؛ لأنه جبر شرعي، وقد نص ابن القاسم على أن المضغوط (٣) في الخراج يبيع متاعه؛ أن يرد له بلا ثمن إذا كان بيعه إياه على عذاب وما أشبهه من الشدة، قال: لأن أخذ الثمن على ذلك ليس بأخذ (٤)، وعن السيوري أن المشتري من المضغوط مأجور؛ لأنه يخلصه من العذاب (٥)، وعن اللخمي فيمن اتهم بجناية، فحبس، وكلفه السلطان بغرم مال، ويخرجه، ولم يمكنه المدعي الخلاص إلَّا بذلك، فباع شيئًا من رباعه ليدفع له ثمنه، وكان ذلك نظرًا له إذا (٦) يخشى عليه أن ينفيه إذا خالفه، أو يتركه في السجن؛ أن البيع ماض (٧). ابن رشد: والمذهب على (٨) خلافه (٩)، يشير إلى ما تقدم عن ابن القاسم، ولا فرق في ذلك بين المسلم والذمي (١٠). ابن سحنون: وأجمع أصحابنا على أن بيع المكره (١١) غير لازم (١٢).

стр. 1809

قوله: (وَمَضَى فِي جَبْرِ عَامِلٍ) يريد: أن العامل إذا جبر (١) على بيع ماله فإنه يلزمه ذلك، وهو معنى قوله، (ومَضَى) يريد: وسواء كان السلطان يردُّ المال (٢) على من أخذه منه العامل، أو يأخذه لنفسه؛ لأن (٣) إغرا مه العمال ما أخذوه (٤) من الناس، حق فعله، لكن عليه أن يرده إلى أهله، فإن حبسه فهو ظالم في حبسه، قاله مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ (٥). قوله: (وَمُنِعَ بَيْعُ مُسْلِمٍ، وَمُصْحَفٍ، وَصَغِيرٍ لِكَافِرٍ) هذا مما لا خلاف فيه بالنسبة إلى المسلم والمصحف؛ لأن فيه انتهاك حرمة الإسلام بملكه (٦)) المصحف، وإذلال المسلم له، واستيلاؤه عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، واختلف إن وقع البيع هل يفسخ ويرد المبيع إلى ربه (٧)؟ أو يصح ويجبر على بيعه؟ . ابن رشد: والخلاف مقيد بما إذا علم البائع بأن المشتري كافر، وأما إن ظن أنه مسلم لَمْ يفسخ بلا خلاف ويباع عليه (٨). والمراد بالصغير هنا: الصغير الكافر. وقد جعل حكمه في المدونة من (٩) عدم بيع الكافر كالمسلم (١٠). وقال ابن المواز: لا يمنع الكافر من شرائه؛ لأنا لسنا على يقين من قبوله (١١) الإسلام (١٢). وفي العتبية: يفسخ إن وقع (١٣). وتأول بعضهم المدونة على الصغار الذين لا

стр. 1810

أب لهم، سواء كانوا موافقين لمشتريهم في الدين أم لا، وتأولها (١) غيره على من ليس موافقًا لمشتريه في الدين؛ كاليهودي مع النصراني لما بينهما من العداوة، وفي تهذيب الطالب عن مالك: إذا بيع من النصراني من يجبر على الإسلام، فإنه يباع عليه، إلَّا أن يتدين (٢) بدينه فيترك. عبد الحق: يعني: مثل المجوسي (٣). قوله: (وَأُجْبِرَ عَلَى إِخْرَاجِهِ وَإِنْ بِعِتْقٍ أَو هبةٍ) أي (٤): فإن وقع ما قلنا أنه يمتنع (٥)، فإن المشتري يجبر على إخراج ذلك عن (٦) ملكه، إما ببيع - وإنما تركه لوضوحه -، وإما بعتق، أو صدقة، أو هبة. قوله: (وَلَوْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ عَلَى الأَرْجَحِ) يريد: ان النصرانية تجبر (٧) في خروج عبدها المسلم عن ملكها ولو بهبة (٨) لمن تعتصره منه، وهو ولدها الصغير، يريد (٩) من زوجها المسلم، وهو قول ابن الكاتب، وأبي بكر بن عبد الرَّحمن، واختاره (١٠) ابن يونس (١١)، وقال ابن شاس: ليس لها أن تهبه له (١٢). قوله: (لا بكِتَابَةٍ) أي: لأن المكاتب لَمْ يخرج عن ملكه (١٣) خروجًا محققًا؛ لاحتمال عجزه، فهو عبَدٌ ما بقي عليه شيء، ولو (١٤) درهم. قوله: (أو رَهْنٍ، وَأَتَى بِرَهْنِ ثِقَةٍ) يريد: لأن الرهن باق على ملك الراهن، فإن وقع

стр. 1811

ذلك أخذ من المرتهن، وبيع على الكافر، وأتى برهن ثقة كما قال. يريد: إذا أراد (١) أخذ الثمن الذي بيع به العبد، وإن أراد تعجيله في الدين فله ذلك. قوله: (إِنْ عَلِمَ مُرْتَهِنُهُ بِإِسْلامِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ؛ وَإِلَّا عُجِّلَ) يعني: أن ما ذكر من أن الكافر لا يجبر على التعجيل، وله أن يأتي برهن ثقة مكان العبد المبيع، مقيد بما إذا كان المرتهن عالمًا بإسلام العبد؛ فرهنه على ذلك، أو لَمْ يُعَيِّن الرهن حين العقد، بل وقع على رهن مطلق، فأما إن لَمْ يعلم المرتهن بذلك حين الارتهان، أو حين (٢) عين العبد للرهنية (٣)، فإنه يباع، ويعجل حقه، وليس له أن يأتي برهن آخر، وحكى (٤) اللخمي عن سحنون نحو ذلك (٥)، وحكى ابن يونس عنه أن ثمن العبد يبقى تحت يد المرتهن، ولا يعجل، ولا يلزمه قبول رهن آخر، خشية أن تحول أسواقه عند الأجل (٦). قوله: (كَعِتْقِهِ) أي: إن الراهن إذا اعتقه لزمه تعجيل الدين الذي عليه، قاله ابن القاسم (٧). (المتن) وَجَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ. وَفِي خِيَّارِ مُشْتَرٍ مُسْلِمٍ يُمْهَلُ لاِنْقِضَائِهِ وَيُسْتَعْجَلُ الْكَافِرُ كَبَيْعِهِ إِنْ أَسْلَمَ، وَبَعُدَتْ غَيْبَةُ سَيِّدِهِ، وَفِي الْبَائِعِ يُمْنَعُ مِنَ الإِمْضَاءِ. وَفِي جَوَازِ بَيْعِ مَنْ أَسْلَمَ بِخِيَارٍ تَرَدُّدٌ. وَهَلْ يُمْنَعُ الصَّغِيرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ أَوْ مُطْلَقًا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ؟ تَأَوِيلَانِ. وَجَبْرُهُ تَهْدِيدٌ، وَضَرْبٌ. وَلَهُ شِرَاءُ بَالِغٍ عَلَى دِينِهِ، إِنْ أَقَامَ بِهِ، لَا غَيْرِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَالصَّغِيرِ عَلَى الأَرْجَحِ. (الشرح) قوله: (وَجَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ) هذا مذهب ابن القاسم، وقال أشهب وعبد الملك: لا يجوز، ويتعين الرجوع بالأرش. واختاره ابن حبيب، ومَنشَأ القولين: هل الرد

стр. 1812

بالعيب نقض بيع أو ابتداء بيع (١)؟ قوله: (وَفِي خِيَارِ مُشْتَرٍ مُسْلِمٍ يُمْهَلُ لانْقِضَائِهِ) يريد: أن الكافر إذا باع عبدًا كافرًا لمسلم، والخيار للمشتري، فأسلم العبد قبل انقضاء (٢) أمد الخيار؛ فإن المسلم يُمهل لانقضائه؛ لتعلق حقه بالتأخير. المازري: وهو ظاهر المدونة (٣). قوله: (وَيُسْتَعْجَلُ الْكَافِرُ) أي: فإن كان البائع كافرًا، أو كان المشتري الذي له الخيار كافرًا؛ استعجل باستسلام (٤) عبده ولم يمهل. قوله: (كَبَيْعِهِ إِنْ أَسْلَمَ، وَبَعُدَتْ غَيَبَةُ سَيِّدِهِ) يريد: أن العبد إذا أسلم وسيده الكافر غائب غيبة بعيدة (٥)؛ فإنه يباع عليه، ولا يمهل إلى مجيئه. قال في المدونة: وإن كان قريب الغيبة (٦) كتب إليه كي لا يكون قد أسلم قبل العبد (٧). قوله: (وَفِي الْبَائِعِ يُمْنَعُ مِنَ الإِمْضَاءِ) يريد: أن المسلم إذا باع عبده الكافر من كافر (٨)، على أن الخيار للبائع المسلم، ثم أسلم العبد في أمد الخيار؛ فإن المسلم يمنع من إمضاء البيع، وهو ظاهر المدونة؛ بناء على أن بيع الخيار منحل (٩)، وخرج المازري قولًا بالإمضاء على (١٠) القول بأن بيع الخيار منعقد (١١). قوله: (وَفِي جَوَازِ بَيْعِ مَنْ أَسْلَمَ بِخِيَارٍ ترَدُّدٌ) يريد: أن الكافر إذا أسلم عبده هل يجوز له (١٢) أن يبيعه على خيار أم لا؟

стр. 1813

المازري: وفيه نظر؛ لأن البيع بالخيار على ملك بائعه، وخراجه له، أو يقال (١): قد يحتاج إلى إثبات (٢) الخيار، للاستقصاء في الثمن، والعدول عن ذلك تضييق على الذمي، والضرر لا يندفع بالضرر (٣). قوله: (وَهَلْ يُمْنَعُ الصَّغِيرُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ، أَوْ مُطْلَقًا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ؟ تَأْوِيلانِ) قد تقدم قبل هذا بيسير (٤) أن الكافر يمنع من شراء صغار الكفار (٥) كما يمنع من شراء المسلم على مذهب المدونة (٦)، وأن الأشياخ اختلفوا في تأويلها على المذهبين (٧)، فانظره. قوله: (وجبرُهُ تَهْدِيدٌ، وَضَرْبٌ) لما ذكر أن الكافر إذا اشترى ما لا يجوز له شراءه من الأمور السابقة يجبر على بيعه، ذكر أن جبره لا يكون بالقتل؛ بل بالتهديد والضرب، وقاله اللخمي والمازري (٨). قال المازري: (٩) لأنه لَمْ يتدين بدين الإسلام، ثم ارتد عنه. انتهى (١٠). ويمكن حمل كلامه على جبر الكافر؛ كالصغير على الإسلام، وأنه يكون بالضرب والتهديد. وفيه على المازري لما تقدم (١١)، لكن (١٢) لَمْ أر ذلك إلَّا في جبر المجوسى على الإسلام إذا اشتراهم مسلم على القول به (١٣).

стр. 1814

قوله: (وَلَهُ شِرَاءُ بَالِغٍ عَلَى دِينِهِ إِنْ أَقَامَ بِهِ) أي: ويجوز للكافر شراء البالغ من أهل دينه إن أقام به لا غيره على المختار (١)، أي: ويجوز للكافر شراء البالغ من أهل دينه (٢)، كنصرانيين ويهوديين، وأما يهودي ونصراني فلا؛ لما بينهما من العداوة، وهو قول ابن وهب وسحنون (٣)، واختاره اللخمي (٤)، ولهذا قال: (لَا غَيْرِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ). وحكى سحنون عن (٥) بعض أصحاب مالك جواز ذلك، وهو قول ابن المواز، وظاهر قول مالك (٦). وأما قوله: (وَالصَّغِيرِ عَلَى الأَرْجَحِ) فيحتمل أن يكون معطوفًا على الممنوع، ويكون (٧) المعنى: وليس له شراء من ليس على دينه من البالغين، ولا شراء الصغير منهم، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون معطوفًا على الجائز، أي: وله شراء الصغير من غير دينه. وقد اختلف في الكتابي يشتري المجوسي، ومن ليس من أهل الكتاب على ثلاثة أقوال، حكاها (٨) المازري وغيره: الجواز، وهو ظاهر المدونة. والمنع، وعزاه (٩) اللخمي لابن عبد الحكم (١٠). والجواز في الكبار والمنع في الصغار، وهو مذهب (١١) العتبية (١٢). (المتن) وَشُرِطَ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ: طَهَارَةٌ لَا: كَزِبْلٍ وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ وَانْتِفَاعٌ لَا كَمُحَرَّمٍ أَشْرَفَ، وَعَدَمُ نَهْيٍ لَا كَكَلْبِ صَيْدٍ، وَجَازَ هِرٌّ وَسَبُعٌ لِلْجِلْدِ، وَحَامِلٌ مُقْرِبٌ، وَقُدْرَةٌ

стр. 1815

عَلَيْهِ، لَا كَآبِقٍ، وَإِبِلٍ أُهْمِلَتْ، وَمَغْصُوبٍ إِلَّا مِنْ غَاصِبِهِ، وَهَلْ إِنْ رُدَّه لِرَبِّهِ مُدَّةً؟ تَرَدُّدٌ. وَلِلْغَاصِبِ نَقْضُ مَا بَاعَهُ إِنْ وَرِثَهُ، لَا اشْتَرَاهُ. وَوُقِفَ مَرْهُونٌ عَلَى رِضَا مُرْتَهِنِهِ وَمِلْكُ غَيْرِهِ عَلَى رِضَاهُ. وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي. وَالْعَبْدُ الْجَانِي عَلَى رِضَا مُسْتَحِقِّهَا. وَحُلِّفَ إِنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ الرِّضَا بِالْبَيعِ. (الشرح) قوله: (وَشَرْطُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ) أي: فلا يجوز بيع النجس؛ سواء كانت نجاسته ذاتية؛ كالزبل (١)، والعذرة، والدم، والميتة. أو غير ذاتية؛ كالزيت النجس، والعسل، والسمن، ونحوه؛ ولهذا قال: (لا كَزِبْلِ وَزيتٍ تَنَجَّسَ) (٢) أي: وأما ما نجاسته عارضة، ويمكن زوالها (٣)؛ فلا خلاف في جواز بيعه. وقال ابن القاسم في زبل الدواب: لا أرى في بيعه بأسًا (٤). أشهب: والمبتاع أعذر من البائع (٥). وقال ابن عبد الحكم: ما أعذر (٦) الله واحدًا منهما، وأمرهما في الإثم واحد. وأما (٧) ما ذكره في الزيت النجس (٨)، هو مذهب الأكثر؛ بناء على أنه لا يطهر (٩)، وصرح المازري بمشهوريته. وأما من يرى أنه يطهر (١٠)؛ فإنه يجوز بيعه، وهي رواية (١١) مالك، وبها كان يفتي ابن اللباد (١٢)، وقيل: يجوز بيعه لغير مسلم (١٣).

стр. 1816

قوله: (وانتفاع، لا كَمُحَرَّمٍ أَشْرَفَ) أي: ومما يشترط في المبيع: أن يكون منتفعًا به، فلا يباع محرم الأكل إذا أشرف على الموت؛ لعدم النفع به حينئذ. واحترز بقوله: (أشرف) مما إذا كان مرضه خفيفًا، فإن بيعه جائز. وبقوله: (محرم) الأكل (١) من المباح، فإنه يجوز بيعه (٢) لو أشرف على الموت؛ لأن المنفعة حاصلة في الحال. وقيل: يجوز بيعه؛ ولو كان مُحَرَّمًا مشرفًا. قوله: (وَعَدَمُ نَهْيٍ، لا كَكَلْب صَيْدٍ) أي: ومما يشترط في المبيع أيضًا (٣): أن يكون غير منهي عنه، فلا يباع الكلب المنهي عن اتخاذه باتفاق، وأما كلب الصيد ونحوه (٤) مما يجوز اتخاذه؛ فقد اختلف فيه على خمسة أقوال: المنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، وهما لمالك (٥)، وقال سحنون في البيان (٦): أبيعه وأحج (٧) بثمنه (٨)، وروى ابن القاسم عن مالك (٩) كراهية بيعه (١٠)، وعن ابن القاسم أيضًا (١١) يجوز شراؤه ولا يجوز (١٢) بيعه (١٣)، وعن مالك يجوز (١٤) بيعه في الميراث والدين (١٥) والمغانم، ومكروه بيعه ابتداء (١٦). والأول هو المشهور، ولهذا كان الأحسن

стр. 1817

سكوت الشيخ عن التقييد بكلب الصيد، وشهَر بعضهم الثاني، وعلى هذا فكان الأحسن أن يقول: وفيبيع كلب الصيد خلاف، جريًا (١) على عادته. قوله: (وَجَازَ هِرٌّ، وَسَبُعٌ للجلد (٢) أي: وجاز بيع هر وسبع لأخذ جلده، وهكذا ذكر في المدونة مع زيادة، وفي كتاب الضحايا، ويجوز بيع المهر، وبيع الأسد والسباع والفهود والنمر والذئاب (٣) إن كان ذلك لتذكى لأخذ جلودها، فإذا ذكيت جاز بيع جلودها ولباسها والصلاة عليها (٤). قوله: (وَحَامِلٌ مُقْرِب) يريد: أن (٥) بيع الحامل القرب، أي: التي قاربت الوضع يجوز، وهذا هو الأصح عند ابن الحاجب (٦)، ومنع ذلك غيره، وظاهر كلامه في توضيحه أن هذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول كما هنا، ويحتمل أن يكون من باب الإضافة إلى الفاعل، والمعنى: أن الحامل المقرب يجوز لها أن تتصرف في مالها بالبيع ونحوه، فتصير كالمريض (٧). قوله: (وَقُدْرَهٌ عَلَيْهِ، لا كَآبِقٍ) أي: ومما يشترط في المبيع (٨) أن يكون مقدورًا عليه، فلا يجوز لأجل ذلك بيع الآبق؛ لعدم القدرة على تسليمه حينئذ. مالك: وبيعه (٩) حينئذ فاسد، وضمانه من بائعه، ويفسخ وإن قبضر. وفي معنى الآبق في عدم القدرة على تسليمه (١٠): الطيرفي الهواء، والسمك في البحر (١١)، والبعير الشارد (١٢).

стр. 1818

قوله: (وَإِبِلٍ أُهْمِلَتْ) يريد: أنه لا يجوز بيعها حينئذ لاستصعاب تحصيلها، وعدم معرفة ما فيها من العيوب، ونحوه لابن القاسم (١). قوله: (وَمَغْصُوبٍ إِلَّا مِنْ غَاصِبِهِ) أي: فلا يجوز بيعه إلَّا من غاصبه؛ لأن غير غاصبه لا يمكنه تخليصه (٢)، فليس مقدورًا على تسليمه. وقال ابن رشد وغيره: يجوز بيعه من غير غاصبه إن كان الغاصب مقرًا بالغصب، مقدورًا عليه بلا خلاف، ولا يجوز إن كان ممتنعًا من دفعه، وهو ممن لا تأخذه الإحكام، مقرًا أو منكرًا بلا خلاف، ويختلف إن كان منكرًا، وهو ممن تأخذه الإحكام، وعليه بالغصب البينة على قولين، جاريين على القولين في شراء ما فيه خصومة (٣). ابن رشد: والمشهور فيهما المنع (٤)؛ لأنه غرر، وظاهر المدونة الجواز لغير الغاصب (٥)، وتأولها أبو الحسن الصغير على معنى أن ربها باعها بعد أن تمكن من أخذها (٦)، وظاهر قوله (٧) هنا: (إلَّا من غاصبه) أن ذلك يجوز؛ سواء علم أنه عازم على ردها أم لا، وليس كذلك؛ لأنه إن علم أنه غير عازم على ردها له؛ وإن طلبها منه لَمْ يدفعها له؛ لَمْ يجز بلا خلاف. نعم، إن علم أنه عازم على ذلك فإنه يجوز بلا خلاف. واختلف (٨) إن أشكل أمره هل يجوز؟ وهو ظاهر قول مالك في العتبية، ورواية (٩) عيسى عن ابن القاسم، أو يمنع؟ وهو قول مطرف، ورواه على (١٠) عن مالك. ابن عبد السلام: وأكثر نصوصهم أنه لا يجوز حتى يقبضه ربه، ويبقى بيده مدة طويلة، حدها بعضهم بستة أشهر فأكثر؛ ولكن الذي في المدونة وغيرها (١١) جواز

стр. 1819

ذلك (١)، وإلى هذا أشار بقوله: (وهل إن رده (٢) لربه مدة تردد) يريد: مدة ستة أشهر ونحوها (٣). قوله: (وَللْغَاصِبِ نَقْضُ مَا بَاعَهُ إِنْ وَرِثَهُ، لا اشْتَرَاهُ) يريد: أن الغاصب إذا باع ما غصبه لشخص، ثم ورثه من ربه؟ فإن له نقض البيع بخلاف ما إذا اشتراه من ربه؛ لأنه (٤) تسبب في الشراء بخلاف الميراث، وعلى ذلك نص في المدونة (٥)، قال في مسألة الشراء: لأنه يحلل (٦) صنيعه (٧). وقال أصبغ: بل يفسخ - أي: البيع الأول - مطلقًا (٨). قوله: (ووقف مرهون (٩) على رضا مرتهنه) يريد: أن الراهن إذا باع الرهن بعد أن قبله (١٠) المرتهن؛ فإن جواز بيعه موقوف على رضا المرتهن، فإن أجازه جاز. قال في المدونة: وعجل للمرتهن حقه، شاء الراهن حقه (١١) أو أبى (١٢). محمد: وهذا إذا باعه بمثل الحق (١٣). وقال (١٤) مالك: وإن باعه بثمن مخالف فله نقض البيع، فإن باعه قبل أن يقبضه المرتهن فبيعه نافذ، فات أو لَمْ يفت. وقاله محمد (١٥). قوله: (وملك غيره على رضاه) أي: ووقف بيع ملك الغير على رضاه، ومعنى ذلك: أن من باع ملك غيره بغير إذنه فإن البيع موقوف على إجازة المالك، فإن أجازه

стр. 1820

جاز، وإلا رده (١). وقيل: يفسخ وإن أجازه. وهذه المسألة تعرف ببيع الفضولي. ولا فرق (٢) على ظاهر المذهب بين أن يكون المشتري عالمًا بالتعدي أم لا؟ وإليه أشار بقوله: (ولو علم المشتري) (٣) وقال أشهب: إذا علم بتعدي البائع لَمْ يصح البيع (٤). وقيد بعضهم الخلاف بما إذا لَمْ يكن عالمًا (٥)، وإلا لَمْ يصح البيع، ومنهم من يرى أنه لا فرق، ومنهم من يقول: إنما يلزم ذلك مع حضور المالك، أو قرب مكانه، وإن كان بعيد المكان لَمْ يلزم البيع (٦). قوله: (والعبد الجاني على رضا (٧) مستحقها) أي: مستحق الجناية، فإن أجازه (٨) البيع جاز، وإن رده فسخ إن لَمْ يدفع له السيد المشتري الأرش - كما سيذكره -. قوله: (وَحُلِّفَ إِد ادّعِيَ عَلَيْهِ الرِّضَا بِالْبَيعِ) أي: وحلف السيد إن ادعى عليه المجني عليه أنه إنما (٩) باع العبد رضًا منه بتحمل الجناية، فإن لَمْ يحلف غرم الأرش، ونحوه في المدونة (١٠). (المتن) ثُمَّ لِلْمُسْتَحِقِّ رَدُّهُ إِنْ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ السَّيِّدُ أَوِ الْمُبْتَاعُ الأَرْشَ. وَلَهُ أَخْذُ ثَمَنِهِ وَرَجَعَ الْمُبْتَاعُ بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ إِنْ كَانَ أَقَلَّ. وَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ، إِنْ تَعَمَّدَهَا. وَرُدَّ الْبَيْعُ فِي لأَضْرِبَنَّهُ مَا يَجُوزُ، وَرُدَّ لِمَالِكِهِ، وَجَازَ بَيْعُ عَمُودٍ عَلَيْهِ بِنَاءٌ لِلْبَائِع، إِنِ انْتَفَتِ الإِضَاعَةُ وَأُمِنَ كَسْرُهُ وَنَقَضَهُ الْبَائِعُ، وَهَوَاءٍ فَوْقَ هَوَاءٍ، إِنْ وُصِفَ البِنَاءُ. وَغَرْزُ جِذْعٍ فِي حَائِطٍ، وَهُوَ مَضْمُونٌ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ مُدَّةً، فَإِجَارَةٌ تَنْفَسِخُ بِانْهِدَامِهِ. وَعَدَمُ حُرْمَةٍ وَلَوْ لِبَعْضِهِ، وَجَهْلٍ بِمَثْمُونٍ أَوْ ثَمَنٍ، وَلَوْ تَفْصِيلًا، كَعَبْدَيْن رَجُلَيْنِ بِكَذَا. (الشرح)

стр. 1821

قوله: (ثُمَّ لِلْمُسْتَحِقِّ رَدُّهُ إِنْ لَمْ يَدْفَعْ له السَّيِّدُ أَوِ الْمُبْتَاعُ الأَرْشَ) أي: فإذا حلف السيد أنه ما قصد بالبيع حمل الجناية كان (١) للمستحق وهو المجني عليه أو ورثته (٢) رد البيع، وأخذ العبد، إلَّا أن يدفع له السيد أو المبتاع الأرش. قوله (٣): (وَلَه أَخْذُ (٤) ثمنه، ورجع المبتاع به أو بثمنه إن كان أقلّ)، أي: وللمستحق أخذ ثمن العبد من المبتاع، ثم يرجع المبتاع بالأرش على السيد، أو ثمن (٥) العبد إن كان أقلّ من الأرش (٦). يريد: وإن كان الثمن (٧) أكثر من الأرش لَمْ يرجع إلَّا بالأرش. وحاصله (٨): أنه يرجع بالأقل - كما قال في المدونة -، ويرجع على البائع بالأقل مما افتكه به، أو الثمن (٩). قوله: (وَللْمُشْتَرِي رَدُّهُ إِنْ تَعَمَّدَهَا) أي: وللمشتري رد العبد إن تعمد الجناية، أي: جنى متعمدًا؛ لأن ذلك عيب، وظاهره: أن الجناية إذا كانت خطأ ليس له رده، وهو ظاهر قول غير ابن القاسم في المدونة (١٠)، لكن حمله (١١) على التفسير، ومن الأشياخ من يحكي (١٢) في الخطأ قولين، هل هو عيب أم لا؟ قوله: (وَرُدَّ الْبَيع فِي لأَضْرِبَنَّهُ مَا يَجُوزُ، وَرُدَّ لِمَالِكِهِ) يريد: أن من حلف بحرية عبده ليضربنه ضربًا يجوز له، ثم باعه قبل أن يضربه؛ أن البيع ينقض، ويرد العبد لمالكه، وقاله في المدونة (١٣)، وقال ابن دينار فيها: يعتق عليه

стр. 1822

قال: (١) إذ لا تنقض صفقة (٢) مسلم إلَّا إلى عتق ناجز (٣)، أما إن حلف ليضربنه ضربًا كثيرًا لا يجوز له لَمْ يمكن من ذلك؛ لأنه معصية، وعتق عليه. وقاله في المدونة (٤). قوله: (وَجَازَ بَيْعُ عَمُودٍ عَلَيْهِ بِنَاءٌ لِلْبَائِعِ (٥) إِنِ انْتَفَتِ الإِضَاعَةُ وَأُمِنَ كَسْرُهُ) هذا نحو قوله في المدونة: ولا بأس بشراء عمود عليه بناء للبائع (٦). المازري: وشرط هذا البيع: ألا يتضمن (٧) إضاعة المال في هذا البناء، وأن يؤمن على العمود الإفساد (٨). وإلى هذا أشار بقوله: (إِنِ انْتَفَتِ الإِضَاعَةُ وَأُمِنَ كَسْرُهُ) أي: كسر العمود. اللخمي: وإزالة البناء على البائع (٩) وهو معنى قوله: (وَنَقَضَهُ الْبَائِعُ) وقال بعض الأشياخ: على البائع (١٠) إزالة ما على العمود دون (١١) نقض العمود (١٢) نفسه. قوله: (وَهَوَاءٍ فَوْقَ هَوَاءِ) أي: وجاز بيع هواء فوق هواء، يريد: ويبني البائع الأسفل، ويبني المشتري الأعلى. قوله (١٣): (إِنْ وُصِفَ الْبِنَاءُ) أي: بناء البائع والمشتري (١٤)؛ لأن الأغراض تختلف باختلاف ذلك؛ إذ إتقان البناء الأسفل مما يرغب فيه صاحب البناء الأعلى، وخفة البناء

стр. 1823

الأعلى مما يرغب فيه صاحب البناء الأسفل، لا (١) العكس فيهما. قوله: (وَغَرْزُ جِذْعٍ فِي حَائِطٍ) يريد: أن المعارضة على غرز جذع في حائط جائزة (٢) بالبيع وبالإجارة، وإنما لَمْ يخص كلامه بالبيعِ نظرا إلَّا التفصيل الذي ذكره في قوله: (وَهُوَ مَضْمُونٌ؛ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ مُدَّة، فَإِجَارَةٌ تَنْفسِخُ بِانْهِدَامِهِ) وأشار بذلك إلى ما قاله (٣) المازري: أنه إن ذكر مدة معينة كان حكمه حكم الإجارة، فينفسخ العقد بانهدام الجدار، فإن لَمْ يعين مدة - بل جعله على التأبيد - كان حكمه حكم المضمون، إن انهدم لزمه إعادة الجدار (٤)؛ ليغرز صاحب الخشب خشبه فيه (٥). قوله: (وَعَدَمُ حُرْمَةٍ، وَلَوْ لِبَعْضِهِ) هذا أيضًا من شروط (٦) المثمون وهو: ألا يكون محرمًا كالخنزير ونحوه، وسواء كانت الصفقة (٧) كلها حرامًا أو اشتملت على حرام وحلال وهو المشهور، وستأتي هذه المسألة. قوله: (وَجَهْلٍ بِمَثْمُونٍ، أَوْ ثَمَنٍ) أي: ومما يشترط في البيع: عدم الجهل بالثمن أو المثمون (٨)، فلا بد من كونهما معلومين للبائع والمبتاع؛ وإلا فسد البيع. وأشار بقوله: (وَلَوْ تَفْصِيلًا) إلى أنه لا فرق بين كون ذلك مجهو لا جملة، أو تفصيلًا كما إذا ابتاع عبدين لرجلين صفقة واحدة، بثمن واحد، ولم يعين لكل عبد منهما ما يخصه (٩)، وإليه أشار بقوله: (كَعَبْدَيْن لرَجُلَيْنِ بِكَذَا). ابن شاس: وفي الكتاب: وفي (١٠) صحة هذا البيع قولان، قال: وأشهرهما

стр. 1824

قول ابن القاسم: أنه لا يصح؛ لجهالة الثمن المختص (١) بعبد (٢) كلّ واحد منهما عنده (٣). وقال أشهب وسحنون: يصح البيع فيهما (٤). (الشرح) وَرِطْلٍ مِنْ شَاةٍ، وَتُرَابِ صَائِغٍ، وَرَدَّهُ مُشْتَرِيهِ وَلَوْ خَلَّصَهُ وَلَهُ الأُجْرَةُ، لَا مَعْدِنُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَشَاةٍ قَبْلَ سَلْخِهَا، وَحِنْطَةٍ فِي سُنْبُلٍ وَتِبْنٍ، إِنْ بِكَيْلٍ، (الشرح) قوله: (وَرَطْلٍ مِنْ شَاةٍ) يريد: قبل سلخها، وقد نص في المدونة على عدم الجواز (٥)، وقال أشهب: أكرهه، فإن جسها، وعرفها، وشرع في الذبح جاز (٦). وحكى ابن شعبان قولًا بالجواز من غير كراهة. فهي ثلاثة أقوال (٧). قوله: (وَتُرَابِ صَائِغٍ، وَرَدَّهُ مُشْتَرِيهِ وَلَوْ خَلَّصَهُ وَلَهُ الأُجْرةُ) يريد: أن تراب الصواغين لا يجوز بيعه؛ إذ لا يدري المشتري هل فيه شيء أم لا، قليل أم كثير؟ فإن وقع فسخ، فإن فات بذهاب عينه فقيمته يوم قبضه على غرره (٨) أن لو جاز بيعه، وإن لَمْ يفت رده المشتري لربه (٩) وأخذ ثمنه، إن (١٠) كان قد دفعه؛ وإلا (١١) فرق على المشهور بين كون المشتري قد خلصه أم لا، وقال ابن أبي زيد: له قيمته على غرره، وعلى المشهور (١٢) لو (١٣) خلصه فله أجره، ويجري فيها (١٤) قول: أنه لا

стр. 1825

أجر له (١). قوله: (لا مَعْدِنُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) أي: فإن بيع ترابهما جائزٌ، أما تراب الفضة فلم أر فيه خلافًا؛ لأنه يجوز بيع مَا فيه، واختلف في الذهب على قولين: المشهور منهما ما ذكر، نص عليه المازري (٢)، فمقابله لابن حمدون: لا يجوز بيعه (٣). قوله: (وَشَاةٍ قَبْلَ سَلْخِهَا) أي: وكذلك يجوز بيع الشاة المذبوحة قبل سلخها؛ قياسًا على بيع الحي الذي لا يراد إلَّا للذبح (٤). قوله: (وَحِنْطَةٍ فِي سُنْبُلٍ وَتَبْنٍ، إِنْ بِكَيْلٍ) أي: ومما يجوز أيضًا بيع الحنطة في سنبلها وتبنها، يريد: لأنه (٥) يمكن التوصل إلى معرفته بفرك بعض السنبل وتدرية بعض التبن، وجوازه مشروط بأن يكون بيعه وقع على الكيل، كما قال: وإن وقع على غيره لَمْ يجز، لقوة الغرر. [بيع الجزاف] (المتن) وَقَتٍّ جُزَافًا، لَا مَنْفُوشًا، وَزيتِ زيتُونٍ بِوَزْنٍ، إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ إِلَّا أَنْ يُخَيَّرَ، وَدَقِيقِ حِنْطَةٍ، وَصَاعٍ، أَوْ كُلِّ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ، وَإِنْ جُهِلَتْ، لَا مِنْهَا، وَأُرِيدَ الْبَعْضُ وَشَاةٍ، وَاسْتِثْنَاءَ أَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ. وَلَا يَأخُذُ لَحْمَ غَيرِهَا، وَصُبْرَةٍ وَثَمَرَةٍ، وَاسْتِثْنَاءَ قَدْرِ الثُلُثٍ، وَجِلْدٍ وَسَاقِطٍ بِسَفَرٍ فَقَطْ، وَجُزْءٍ مُطْلَقًا، وَتَوَلَّاهُ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الذَّبْحِ فِيهِمَا بِخِلَافِ الأَرْطَالِ، وَخُيِّرَ فِي دَفْعِ وَرَأْسٍ أَوْ قِيمَتِهَمَا وَهِيَ أَعْدَلُ، وَهَلْ التَّخْيِيرُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي؟ قَوْلَانِ. (الشرح) قوله: (وَقَتٍّ جُزَافًا، لا مَنْفُوشًا) أي: وكذلك يجوز بيع القت؛ وهو الحزم (جُزَافًا لا مَنْفُوشًا) أي: عند الدراس؛ لقوة الغرر حينئذ، وحكى القاضي (٦) في بيع الحزم
следующие страницы →