← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

كلام الشيخ سواء كانت الشاة (١) حية أو مذبوحة أنه لا يجوز، وظاهر المدونة يخالفه لتقييده المنع بما إذا كانت حية. قوله: (وَلذِي دَيْنٍ مَنْعُهُ مِنْهُ) أي: ولصاحب الدين أن يمنع المديان من الصلح في العمد، وظاهره على أي وجه كان، سواء أحاط الدين (٢) بماله أم لا، وليس كذلك، وإنما يمتنع إذا أحاط الدين بماله كما قال في المدونة (٣)، واختلف هل ذلك سواء دفع المال للمجني عليه أم لا (٤)، وإليه ذهب جماعة، حكاه عياض. ابن يونس: لأن في ذلك إتلاف ماله كهبته وعتقه لأن له (٥) عتق نفسه من القتل ونحوه، وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: إنما له (٦) ذلك إذا لم يكن دفع المال إذ لهم أن يفلسوه ويحجروا عليه، وأما إذا دفعه قبل قيامهم فإن ذلك يمضي ولا رد لهم. قوله: (وإنْ رُدَّ مُقَوَّمٌ بِعَيْبٍ أوِ اسْتُحِق رُجِعَ بِقِيمَتِهِ كَنِكَاحٍ، وَخُلْعٍ) هذه مسألة المدونة، وفرضها فيها فيمن صالح عن دم عمدًا أو خالع على عبد ثم قال (٧): فذلك جائز، فإن وجد به عيبًا يرد من مثله في البيوع فرده رجع بقيمة العبد صحيحًا إذ ليس للدم أو الطلاق قيمة تعلم يرجع بها، قال (٨): وكذلك النكاح في هذا (٩)، ابن يونس (١٠): وإنما لم يقل هنا أنه يرجع بصداق المثل أو خلع المثل (١١) لأن النكاح طريقته المكارمة لا المكايسة، والمرء قد يتزوج بأضعاف صداق المثل وبعشر صداق المثل أو أقل أو أكثر، فلا قيمة للبُضع محققة يرجع إليها (١٢)، وكذلك في الخلع إذ ليس من عادة الناس ألا

стр. 2207

يخالعوا إلا بصداق المثل بل يخالعون على أضعافه، وعلى عشره، وبغير شيء، فلما كان الأمر كذلك كان الرجوع إلى قيمة ما تراضوا به وتصالحوا عليه أولًا. ولهذه المسائل الثلاثة نظائر أربعة يرجع فيها بقيمة ما استحق وهي العبد المقاطع به و (١) المكاتب، والعبد المعتق عليه وهو في ملك الغير المعين (٢)، والعبد المصالح به في دم عمد على الإنكار وعرض العمرى (٣). قوله: (وَإِنْ قتَلَ جَمَاعَةٌ أو قتلوا (٤) جَازَ صُلْحُ كُلٍّ، وَالْعَفْوُ عَنْهُ) (قتل) مبني للفاعل (وقُتلوا) مبني للمفعول، والمعنى: أن الجماعة إذا قتلوا غيرهم (٥)، أي: واحدًا أو متعددًا، أو قُتلوا أي (٦) قتلهم غيرهم واحدًا أو متعددًا فإن لهم أن يصالحوا أولياء المقتولين على شيء يدفعونه لهم، وللأولياء أو غيرهم أن يعفوا عنهم أو عن البعض ويصالحوا البعض أو يعفوا عن البعض ويقتلوا البعض، وقال (٧) في المدونة: وإذا قطع جماعة يد رجل أو جرحوه عمدًا فله صلح أحدهم والعفو عمن شاء والقصاص ممن شاء وكذلك الأولياء في النفس (٨). قوله: (وإنْ صَالَحَ مَقْطُوعٌ، ثُم نُزِيَ فَماتَ فَلِلْوَليِّ لا لَهُ رَدُّهُ، وَالْقَتْلُ بِقَسَامَةٍ كَأخْذِهِمُ الدِّيَةَ في الخطأ (٩) يشير به إلى قوله في المدونة: ومن قطعت يده عمدًا (١٠) فصالح القاطع على مال أخذه منه، ثم نُزِيَ منها فمات فللأولياء أن يقسموا ويستحقوا الدية على القاتل أو يقتلوا ويردوا المال ويبطلوا الصلح، وإن أبوا أن يقسموا كان لهم المال الذي أخذوه في قطع اليد، وكذلك لو كانت موضحة خطأ فلهم أن يقسموا ويستحقوا الدية على

стр. 2208

القاتل (١) ويرجع الجاني فيأخذ ماله ويكون في العقل كرجل من قومه (٢) وإلى هذه الثانية أشار بقوله: (كأخذهم الدية في الخطأ) ثم قال في المدونة: فلو قال قاطع اليد للأولياء حين نكلوا عن القسامة وزادت الجناية نفسًا فاقتلوني وردوا المال فليس ذلك له. وإليه أشار بقوله: (فللولي لا لَهُ) ثم قال في المدونة: ولو لم يكن صالح قبل ذلك وشاء الأولياء قطع اليد ولا يقتسمون فذلك لهم وإن شاءوا اقتسموا وقتلوا (٣)، فقوله: (لا لَهُ) أي: لا للقاطع، ومراده أن القاطع إذا قال للأولياء عند نكولهم عن القسامة: قد عادت الجناية (٤) نفسًا فردوا المال واقتلوني أنه ليس له ذلك كما تقدم من نص (٥) المدونة (٦)، يريد: لأن النفوس لا تباح إلا بالأمر الشرعي، ولا يكفي فيها رضاه. قوله: (وإنْ وَجَبَ لمرِيضٍ عَلى رَجُلٍ جَرْحٌ عَمْدًا فَصَالَحَ فِي مَرَضِهِ بِأَرْشِهِ أَوْ غَيرهِ، ثُم مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ جَازَ وَلَزِمَ) هكذا نص عليه في المدونة (٧). وقوله: (فَصَالَحَ) على أقل من الدية أو من أرش تلك الجناية قريبا من قوله هنا: (بأرْشِهِ أَوْ غَيره) (٨). وقوله: (وَلَزِمَ) أي: ولزم ذلك الصلح لمن عفا عن دمه في مرضه (٩)، قال في المدونة: وإن لم يدَّعِ مالًا (١٠). قوله: (وَهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ إِنْ صَالَحَ عَلَيْهِ، لا مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ؟ تأويلان) يعني: وهل صلح المريض جائز مطلقًا؟ أي سواء صالح على الجرح الذي حصل أو عليه أو على ما يؤول إليه وهو ظاهر الكتاب (١١)، أو إنما ذلك إذا صالح عن الجرح فقط، وهو ظاهر كلام

стр. 2209

ابن القاسم في العتبية (١)، عياض: وعنه أيضا أي (٢) عن ابن القاسم أن الصلح يمتنع إلا بعبد البرء (٣) وعدم خشية السريان (٤) لأني أخاف أن يأتي على النفس (٥). (المتن) وإنْ صالَحَ أَحَدُ وَلِيَّيْنِ فَلِلآخَرِ الدُّخُولُ مَعَهُ، وَسَقَطَ الْقَتْلُ عَنِ الْجَانِي كَدَعْوَى صُلْحه فَأنْكَرَ، وَإِنْ صَالَحَ مُقِرٌّ بِخَطَإ بِمَالِهِ لَزِمَهُ، وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ مَا دَفَعَ؟ تَأوِيلانَ. لا إِنْ ثَبَتَ وَجَهِلَ لُزُومَهُ، وَحَلَفَ، وَرُدَّ، إِنْ طُولِبَ بِهِ مُطْلَقًا، أَوْ طَلَبَهُ وَوُجِدَ، وَإنْ صَالَحَ أَحَدُ وَلَدَيْنِ وَارِثَينِ، وَإنْ عَنْ إِنْكَارٍ، فَلِصَاحِبِهِ الدُّخُولُ، كَحَقٍ لَهُمَا فِي كِتَابٍ، أَوْ مُطْلَقٍ، إلَّا الطَّعَامَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ. إلَّا أَنْ يَشْخَصَ، وَيُعْذِرَ إِلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ، أَوِ الْوَكَالَةِ فَيَمْتَنِعُ، وَإنْ لَم يَكُنْ غَيْرُ الْمُقْتَضَى، أَوْ يَكُونَ بِكِتَابَيْن، وَفِيمَا لَيْسَ لَهُمَا، وَكُتِبَ فِي كِتَابٍ: قَوْلانِ. (الشرح) قوله: (وإِنْ صَالَحَ أَحَدُ وَليَّيْنِ فَلِلآخَرِ الدُّخُولُ مَعَهُ، وَسَقَطَ الْقَتْلُ عَنِ الجْانِي (٦) يريد: أن الدم إذا كان مستحقا لوليين فصالح أحدهما القاتل على شيء أخذه منه، فإن للولي الآخر أن يدخل معه في ذلك ويسقط القتل عن الجاني، وقاله في المدونة (٧)، وقال الغير فيها: إن صالح عن (٨) حصته (٩) على أكثر من الدية أو على عرض قل أو كثر فليس له غيره، ولم يكن (١٠) لصاحبه على القاتل إلا بحساب ديته، ولا سبيل إلى

стр. 2210

القتل (١)؛ إذ لو عفا الأول جاز عفوه ولا يدخل أحدهما على الآخر في هذا القول إذ ليس دم العمد بمال وهو كعبد بينهما فيبيع أحدهما حصته بما شاء ولا يدخل عليه الآخر فيه (٢). قوله: (كَدَعْوَى صُلْحه فَأنكرَ) أي: يسقط القتل، والضمير في صلحه راجع إلى القتل (٣)، قال في المدونة: وليس عليه قتل، ولك عليه اليمين أنه ما صالحك (٤)، يريد: لأنه أقر بالعفو وادعيت (٥) عليه المال، فالقول قوله، لأنه مدعى عليه، فإن نكل حلف المستحق وأخذ المال الذي ادعاه. قوله: (وإنْ صَالَحَ مُقِرٌّ بِخَطَإٍ بِمالِهِ لَزِمَهُ) يريد: أن من أقر بقتل خطأ فصالحه الولي على مال وظن أن ذلك يلزمه فليس له رجوع في الصلح ويلزمه، ونحوه (٦) في المدونة، قال فيها: فالصلح جائز (٧) وقد اختلف قول مالك (٨) في الإقرار بالقتل خطأ (٩)، فقيل: على المقر في ماله (١٠)، وقيل: على العاقلة بقسامة (١١)، وإلى الأول أشار بقوله: (وَهَلْ مُطْلَقًا) أي: يلزمه الصلح فيما دفع وفي غيره وإليه ذهب أبو عمران لأنه قال: يلزم بالعقد أي الصلح (١٢). وأشار بقوله: (أَوْ مَا دَفَعَ؟ تَأوِيلان) إلى ما قاله ابن محرز أنه إنما يلزمه فيما (١٣) دفع فقط (١٤)،

стр. 2211

فلا يلزم إلا بالقبض (١). قوله: (لا إِنْ ثبتَ، وَجَهِلَ لزومَهُ) أي: لا إن ثبت القتل ببينة وجهل عدم لزوم ذلك له فصالحه (٢) على مال (٣) من عنده، فإن ذلك لا يلزمه ونحوه في المدونة (٤)، ابن يونس: قال جماعة من أصحابنا: وعليه اليمين أنه ظن أن الدية تلزمه، وإليه أشار بقوله: (وَحَلَفَ) ثم نبه على أن هذا الذي صالح إما أن يكون قد طولب بالصلح أو كان هو الطالب له أولا، فإن كان مطلوبا به فإنه يرجع فيما دفع إن كان قائما، وفي مثله أو قميته إن كان فائتا، وإليه أشار بقوله: (وَرُد، إِنْ طُولِبَ بِهِ مُطْلَقًا) وإن كان هو الطالب للصلح أولا فلا رجوع له إلا إذا وجد ما دفع بأيدي الأولياء، وإليه أشار بقوله: (أَوْ طَلَبَهُ وَوُجِدَ) أي: فإن فات فلا شيء له قِبَلَهُم (٥). قوله: (وإن صَالَحَ أَحَدُ وَلَدَيْنِ (٦) وَارِثَيْنِ، وَإنْ عَنْ إِنْكَارٍ، فَلِصَاحِبهِ الدُّخُولُ كَحَقٍّ لهما في كتَابٍ أَوْ مُطْلَقٍ) يريد أن من مات وترك ولدين فادعى أحدهما عَلى شخص بمال لأبيهما فأقر له أو أنكر فصالحه على حظه من ذلك بدنانير أو الدراهم أو عَرْض فلأخيه الدخول معه فيما أخذ، قال في المدونة: أو ذكر (٧) حق لهما بكتاب أو بغيره، إلا أنه من شيء كان بينهما فباعاه (٨) في صفقة بمال أو بعرض أو بما يكال أو يوزن غير الطعام والإدام (٩)، إلى أن قال: فإن ما قبض منه أحدهما يدخل فيه الأخر وكذلك إن كانوا

стр. 2212

جماعة (١)، واختلف الأشياخ لِمَ استثنى الطعام والإدام، فقال في كتاب ابن أبي زمنين وغيره: إنما استثنى هنا الطعام من بيع لأن إذنه له في الخروج لاقتضاء نصيبه مقاسمة، والمقاسمة فيه كبيعه قبل استيفائه، وفي قسمة الأَسَدِيَّة لمالك خلاف هذا، وهو أصل متنازع فيه: هل القسمة بيع أو تمييز حق، وذكره عياض (٢) وقال عبد الحق في النكت (٣): يحتمل أن يكون (٤) إنما هو لما ذكر من بيع أحدهما نصيبه أو صلحه عنه (٥)؛ لأنه إذا أدى إليهما طعاما أو إدام ما لم يجز لأحدهما بيع نصيبه أو مصالحته للغريم (٦) منه؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه ونحوه لأبي عمران (٧) وغيره (٨)، ونقل ابن يونس القولين. ابن محرز: يحوز إن كان الطعام من قبض لا من بيع ولذلك استثناه لأن القسمة بيع (٩)، وإلى هذا أشار بقوله: (إِلا الطعَامَ فَفِيهِ ترَدُّدٌ). قوله: (أَوْ مُطْلَقٍ) أي: في غير كتاب، قوله: (إِلا أَنْ يَشْخَصَ، وَيُعْذِرَ إِلَيه فِي الخرُوجِ أَو الْوَكَالَةِ فيمْتَنِعُ) أي: إلا أن يكون الذي عليه الحق غائبا فيشخص إليه المقتضي بعد الإعذار إلى شريكه في الخروج أو الوكالة (١٠) فيمتنع فإنه لا يدخل معه فيما اقتضى لأنه لو رفعه للإمام لأمره بالخروج أو التوكيل، فإن فعل وإلا خلى بينه وبين اقتضائه (١١) ثم لا يدخل عليه فيما اقتضى، وهكذا قال في المدونة، قال فيها: وإن شخص دون إعذار إليه دخل معه فيما أخذ من (١٢) جميع حقه أو بعضه (١٣).

стр. 2213

قوله: (وإنْ لم يَكُنْ غَيْرُ المقْتَضى أَوْ يَكُونَ بِكِتَابيْنِ، وَفيما لَيْسَ لهما (١)، وَكُتِبَ فِي كِتَاب قَوْلانِ) قال في المدونة: والحق إن كان بكتابين كان لكل واحد ما اقتضى ولم يدخل عليه فيه شريكه (٢)، فقوله: (وإنْ لم يَكُنْ غَيْرُ المقتضى) أي: مع الشروط المتقدمة فلا دخول له عليه. الشيخ: ثلاث مسائل لا دخول له فيها على شريكه المقتضي حيث أعذر وامتنع من الأمرين وإن لم يكن عند المديان غير الذي أخذ وهي الثانية كان الحق بكتابين وهي الثالثة (٣). ابن يونس: عن أبي محمد في الرجلين يبيعان سلعتهما (٤) من الرجل ولا شركة بينهما (٥) في ذلك ويكتبان دينهما عليه بكتاب واحدٍ، والكتابة في الكتاب الواحد لا توجب الشركة بينهما في الدين (٦)، ويكون لكل واحد منهما ما اقتضى، ولا يدخل عليه فيه (٧) صاحبه. ابن يونس: وفيه نظر، لأن الكتابة لما كانت تفرق ما أصل مشتركًا بينهما فيكونان كما إذا كتباه بكتابين كقسمة الدين فكذلك ينبغي أن تجمع الكتابة ما كان أصله مفترقًا وعليه يدل ظاهر الكتاب وهذا معنى قوله: (وفيما ليس لهما وكتب في كتاب) أي: ليس أصله مشتركًا بينهما، وكتب في كتاب قولان. (المتن) وَلا رُجُوعَ إِنِ اخْتَارَ مَا عَلَى الْغَرِيمِ وإن هَلَكَ، وإن صَالَحَ على عَشَرَةٍ مِنْ خَمْسِين، فَلِلآخَرِ إِسْلامُهَا، وأَخْذُ خَمْسَةٍ مِنْ شَرِيكِهِ، ويرْجِعُ بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَيَأخُذُ الآخَرُ خَمْسَةً، وإن صَالَحَ بِمُؤَخَّرٍ عَنْ مُسْتَهْلَكٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِدَرَاهِمَ، كَقِيمَتِهِ فَأَقَلَّ، وذَهَبِ كَذَلِكَ، وَهُوَ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ كَعَبْدٍ آبِقٍ، وإن صَالَحَ بِشِقْصٍ عَنْ مُوَضحَتَي عَمْدٍ وَخطَإٍ، فَالشُّفْعَةُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الشِّقْصِ، وَبِدِيةِ الْمُوَضِّحَةِ. وَهَلْ

стр. 2214

كَذَلِكَ إِنِ اخْتَلَفَ الْجُرْحُ؟ تَأْوِيلانِ. (الشرح) قوله: (وَلا رُجُوعَ، إِنِ اخْتَارَ مَا عَلَى الْغَرِيمِ وإنْ هَلَكَ) هذا كقوله في المدونة: وإن اختار إتباع الغريم ويسلم له ما اقتضى لم يدخل معه بعد ذلك فيما قبض، وإن تَوِيَ ما على الغريم لأن ذلك كمقاسمة الدين فصار كذكر حق بكتابين (١). القاضي (٢): وتوي بكسر الواو وفتح التاء هلك، وقيل: بفتح الواو، والأول أفصح. قوله: (وَإنْ صَالَحَ عَلى عَشَرَةٍ مِنْ خَمْسِين (٣) فَلِلآخَرِ إِسْلامُهَا، وأَخْذُ (٤) خمْسَةٍ مِنْ شَرِيكِهِ، ويرْجعُ بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ، ويأخُذُ الآخَرُ خَمْسَةً) يريد: إذا كان لهما عند شخص مائة من شيء أصله لهما، وهو في كتاب واحد أو بغير كتاب، فصالح أحدهما الغريم على عشرة من جميع حقه، وهو معنى قوله: (من خمسيه (٥) ولم يشخص أصلا) بل كان الذي عليه الدين حاضرًا أو شخص إليه ولم يعذر إلى شريكه فإن شريكه يكون مخيرًا في إسلامها له، أي: ويتبع الغريم بخمسين أو يأخذ من شريكه خمسة من تلك العشرة، ويرجع بما بقي له وهو (٦) خمسة وأربعون، ويرجع الذي صالح على الغريم بالخمسة التي أخذها منه صاحبه، وقاله ابن القاسم في المدونة (٧)، وقال غيره أن للذي لم يصالح أن يأخذ من شريكه خمسة، ثم يرجع هو على الغريم بخمسين جميع حقه، فإذا قبضها دفع للمصالح الخمسة التي أخذها منه، وقيل (٨): إن اختار الذي لم يصالح أن يدخل مع المصالح في العشرة، فإني أجعل دينهما كأنه ستون، فيكون له خمسة أسداس العشرة، وللمصالح سدسها، ثم يرجع المصالح بخمسة أسداسها على الغريم، ورجع عليه الآخر بما بقي له، وهو (٩) واحد وأربعون وثلثان، انظر الكبير.

стр. 2215

قوله: (وإن صَالَحَ بِمُؤَخَّرٍ عَنْ مُسْتَهْلِكٍ لم يجزْ إِلا بِدَرَاهِمَ، كَقِيمَتِهِ فأقَلَّ، وَذَهَبٍ كَذَلِكَ، وَهُوَ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ كَعَبْدٍ آبِقٍ) يريد: أن من استهلك شيئًا من العروض أو الحيوان أَو الطعام ونحوه (١) لغيره فصالحه عنه على شيء مؤخر لم يجز لأنه فسخ دين في دين إلا بدراهم مقدارها (٢) كقيمة المستهلك فأقل، وكذلك بالذهب (٣) أي: مثل قيمة المستهلك فأقل (٤) وهو مما يباع بالذهب في ذلك البلد، كعبد آبق، ونحوه في المدونة (٥). قوله: (وإنْ صَالَحَ بِشِقْصٍ عَنْ مُوَضحَتَيْ عَمْدٍ وَخَطَإٍ، فَالشفْعَةُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الشَّقْصِ وَبِدِيَةِ المْوَضحَةِ) يريد: أن من جنى على رجل موضحتين إحداهما عمد والأخرى خطأ، فصالحه عليهما معًا بشقص من داره أو غيرها مما فيه الشفعة فإن ذلك جائز، وللشفيع أن يأخذ ذلك الشقص من المجني عليه بنصف قيمته وبدية موضحته، وقاله في المدونة (٦)، قال في التنبيهات: قيل في تأويل قول ابن القاسم في قيمة الشقص (٧) عليهما: إن نصف الشقص للخطأ، ونصفه للعمد كيف كان الجرح أو الجناية، اتفقا أو اختلفا، وقاله ابن عبد الحكم (٨). وقيل: يعتبر حال الجرحين (٩)، وتكون قيمة الشقص على قدرهما (١٠) وإنما تكون نصفين إذا استويا كالموضحتين أو قطع يدين، ويقسم في اليد والنفس مثلا على قدر دياتهما، وعليه أكثر القرويين (١١)، وإليه وما قبله أشار بقوله: (وَهَلْ كَذَلِكَ إِنِ اخْتَلَفَ الْجرْحُ؟ تَأْوِيلانِ) عبد الحق: قيل على قول ابن القاسم لا يكون

стр. 2216

بموضحة العمد نصف الشقص، بل يأخذ بخمسين وبثلثي قيمة الشقص (١)، وقيل: المجهول كله يجعل له نصف الشقص كانت قيمته موضحة عمدًا أو أكثر، وعن ابن القاسم (٢) أنه يأخذ قيمة الشقص إلا أن يكون أقل من خمسين دية الخطأ فلا ينقض (٣). * * *

стр. 2217

باب [في أحكام الحوالة] (المتن) بَابٌ شَرْطُ الْحَوَالَةِ: رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ فَقَطْ، وَثُبُوتُ دَيْنِ لازِمٍ، فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِعَدَمِهِ وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ صَحَّ، وَهَل إلَّا أَنْ يُفَلَّسَ أَوْ يَمُوتَ؟ تأْوِيلانِ. وَصِيغَتُهَا، وَحُلُولُ الْمُحَال بِهِ وَإِنْ كِتَابَةً، لا عَلَيْهِ. وَتَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ قَدْرًا وَصِفَةً، وَفِي تَحَوُّلِهِ على الأَدْنَى تَرَدُّدٌ، وَأَنْ لا يَكُونَا طَعَامين مِنْ بَيْعِ، لا كَشْفُهُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، (الشرح) قوله: (شَرْطُ الحْوَالَةِ رِضَا المُحِيلِ وَالمُحَالِ فَقَطْ) يريد: أن لجواز الحوالة شروطًا منها رضا رب الدين ورضا من له (١) الدين، وهما المحيل والمحال، وأما المحال عليه فلا يشترط رضاه، ولهذا قال فقط، وهو المشهور، وحكى ابن شعبان قولا باشتراط رضاه، والأول أظهر. قوله: (وَثبوتُ دَيْنٍ لازِمٍ) أي: ومن شروط الحوالة أيضًا أن يكون على المحال عليه دين للمحيل لأن حقيقتها أن تكون على أصل دين، لأنها نقل الدين من ذمة إلى ذمة تبرأ بها الأولى، واحترز بقوله لازم من الدين غير اللازم، فإن الحوالة لا تصح به، فإن لم يكن للمحيل (٢) على المحال عليه دين فهي حمالة عند أصحابنا قاله الباجي (٣). قوله: (فَإِنْ أَعْلَمَهُ بِعَدَمِهِ وَشَرَطَ الْبراءَةَ صَحَّ) أي: فإن أعلم المحيل المحال بعدم الدين، أي: بأن المحال عليه لا دين عليه للمحيل، وإنما ذلك على غير دين، وشَرَطَ المحيلُ على المحال (٤) أنه بريء من الدين ورضى المحال بذلك صحت الحوالة، ولا رجوع له على المحيل، وهو قول ابن القاسم، وروى ابن وهب في المدونة أنه لا يرجع إلا في الموت والفلس (٥)، وروى مطرف أنه بالخيار، وقال أشهب وعبد الملك: أن

стр. 2218

الشرط باطل، وهي (١) حمالة لا يطالبه إلا في غيبة الغريم أو عدمه حتى يسمي الحوالة (٢)، ولمالك وابن القاسم أن الشرط لا ينفعه إلا في ذي السلطان، وسيّئ القضاء، وهكذا حكى ابن زرقون هذه الأقوال (٣)، وظاهره أن رواية ابن وهب محمولة عنده على الخلاف، وأن مذهب ابن القاسم عدم الرجوع مطلقًا، ولو فلس الغريم أو مات وهو تأويل سحنون وابن رشد، وتأوله أبو محمد على الوفاق، وعلى أنه إذا مات المحال عليه أو فلس يرجع على المحيل (٤)، وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وَهَل إِلا أَن يُفَلَّسَ أَوْ يَمُوتَ؟ تَأْوِيلانِ) وقد جمع أبو عمران بين كلاميهما، قال: لأن في جواب ابن القاسم اشتراط البراءة، وليس ذلك في جواب ابن وهب، فإن قول (٥) ابن القاسم يوافق رواية ابن وهب، ورواية ابن وهب توافق قول ابن القاسم (٦)، واختلف إذا لم يشترط البراءة، واشترط (٧) مع ذلك أن يطالب (٨) من شاء منهما هل يوفى له بذلك وهو قول ابن القاسم أو لا، إلا أن يكون الغريم ذا سلطان أو سيّئ القضاء ونحوه، وهو أيضا قول ابن القاسم، أو يبطل الشرط، وهي حمالة لا يطالبه إلا في عدم الغريم أو غيبته، وهو قول عبد الملك، وبه قال أشهب، ورواه عن مالك (٩). قوله: (وَصِيغَتُهَا) أي: ومن شروط الحوالة أيضا أن تكون وقعت بلفظها، ولهذا قال في العتبية عن ابن القاسم: أن من أمر رجلا أن يأخذ من رجل كذا وأمر الآخر بالدفع أن ذلك ليس بحوالة، قال: وإنما الحوالة أن يقول: أحلتك بحقك على هذا أو أبرأ إليك منه، وكذا إذا قال: خذ من هذا حقك وأنا بريء من دينك (١٠)، بعض

стр. 2219

الأشياخ: وكذلك إذا قال (١): أَتْبع فلان بحقك ونحوه. قوله: (وَحُلُولُ المحَالِ بِهِ) أي: من شروط الحوالة أيضا أن يكون الدين الذي أحال به قد حل دون ما على المحال عليه لأنه لا يشترط حلوله. وأشار بقوله: (وإن كِتَابةً، لا عَلَيْهِ) إلى أن الكتابة يفرق فيها بين المحال بها والمحال عليها، وأن الأولى يشترط بالكتابة (٢) حلولها دون الثانية وهو قوله في المدونة ونسب ابن شاس لابن القاسم اشتراط حلولهما (٣)، وكلام ابن يونس بخلافه، فإنه قال: قال ابن القاسم: وإن أحالك مكاتبك بالكتابة على مكاتب له وله عليه مقدار ما على المكاتب الأعلى فلا يجوز ذلك إلا أن تبت أنت (٤) عتق الأعلى فيجوز (٥)، ابن يونس: يريد: وإن لم تحل كتابة الأعلى فيجوز بشرط تعجيل العتق، كما لا تجوز الحمالة (٦) بالكتابة إلا بشرط تعجيل العتق (٧)، ثم قال عن ابن القاسم: ولا تجوز حمالة الكتابة إلا على تعجيل العتق (٨)، وأما الحوالة فإن أحالك على من لا دين له قِبَله لم يجز لأنها حمالة، وإن كان له عليه دين قد حل أو لم يحل جازت الحوالة إن كانت الكتابة قد حلت ويعتق مكانه وكذلك إن حل عليه نجم فلا بأس أن يحيلك به على من له عليه دين حل أو لم يحل، ويبرأ (٩) المكاتب من ذلك النجم، وإن كان آخر نجومه كان حرا مكانه، وإن لم يحل نجم لم يجز أن يحيلك به على من له عليه دين (١٠) حال، لأن ذلك ذمة بذمة، وربا بين المكاتب وسيده، وكذلك إن لم تحل الكتابة لم تجز الحوالة بها، وإن حل الدين لأنه فسخ دينا لم يحل في دين حل أو لم يحل، وقال غيره: تصح الحوالة ويعتق مكانه، وظاهره أنه خلاف، وإليه ذهب

стр. 2220

بعضهم، وقال بعض القرويين: إنما يختلف قول ابن القاسم وغيره إذا سكتا (١) عن شرط تعجيل العتق أو عن بقائه مكاتَبًا، فعند ابن القاسم يفسخ ما لم يفت بالأداء، وعند غيره يحكم بتعجيل العتق، وأما لو أحاله وشرط تعجيل العتق (٢) فلا يختلفان أن ذلك جائز، وكذلك لو شرط ألا يعتق لا يختلفان أن ذلك لا يجوز، وإن وقع الأمر مبهما اختلفا (٣). قوله: (وَتَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ قَدْرًا وَصِفَةً) أي: ومن شرط الحوالة أن يكون الدينان متساويين في القدر كمائة ومائة، وفي الصفة كمحمدية، ومحمدية، يريد: وأن يكونا متجانسين كذهب وذهب أو فضة وفضة. قوله: (وَفي تَحَوُّلِهِ عَلى الأَدْنَى تَرَدُّدٌ) يريد: أنه اختلف هل يجوز أن يتحول على الأدنى بالأعلى أم لا، فذهب في الجواهر إلى جوازه، فقال: إذا كان بين الدينين تفاوت لا يفتقر في أدائه عنه إلى الرضا بل يجبر على قبوله جاز كأداء (٤) الجيد على الرديء، فيتحول عن الأعلى إلى الأدنى، وعن الأكثر إلى الأقل (٥)، وذهب أيضا إلى جوازه اللخمي والمازري ومنعه ابن رشد وصاحب التنبيهات (٦)؛ لأنه مع التخالف يصير بيعا على وجه المكايسة فيدخله ما نهي عنه من الدين بالدين، قاله في المقدمات (٧). قوله: (وَأَنْ لا يَكُونَا طَعَامين مِنْ بَيْعٍ) أي: ويشترط أيضا في الدينين ألا يكونا طعامين من سلم، قال في المقدمات: أو أحدهما من سلم (٨) ولم يحل الدين المحال به على مذهب ابن القاسم ونحوه للقاضي، فإن كانا معا من بيع لم يجز سواء (٩) حلا أولم يحلا

стр. 2221

لئلا يدخله بيع الطعام قبل قبضه (١)، وأجاز ذلك أشهب بشرط اتفاق الطعامين واستواء رؤوس أموالهما، وإن كانا من قرض جاز ذلك (٢)، وإن كان أحدهما من قرض والآخر من سلم فعند مالك وأصحابه إلا ابن القاسم الجواز إن حل المحال به، وعند ابن القاسم إن حلا معا (٣). قوله: (لا كَشْفُهُ عَنْ ذِمَّةِ المُحَالِ عَلَيْهِ) أي: فإن المحال لا يلزمه الكشف عن ذمة المحال عليه هل هو غني أو فقير، وحكاه المازري عن مالك (٤). (المتن) وَيَتَحَوَّلُ حَقُّ الْمُحَالِ على الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَفْلَسَ أَوْ جَحَدَ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُحِيلُ بِإفْلاسِهِ فَقَطْ، وَحَلَفَ على نَفْيِهِ، إِنْ ظُن بِهِ الْعِلْمُ، فَلَوْ أَحَالَ بَائِعٌ على مُشْتَرٍ بِالثمَنِ، ثُمَّ ردَّ بِعَيْبٍ، أَوِ اسْتُحِق لَمْ تَنْفَسِخْ، وَاخْتِيرَ خِلافُهُ. وَالْقَوْلُ لِلْمُحِيلِ، إِنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ نَفْي الدَّيْنِ لِلْمُحَالِ عَلَيهِ، لا فِي دَعْوَاهُ وَكَالَةً أَوْ سَلَفًا. (الشرح) قوله: (ويتَحَوَّلُ حَقُّ المُحَالِ عَلى المحال عَلَيْهِ، وإنْ أَفْلَسَ أَوْ جَحَدَ) وقد علمت أن الحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة تبرأ بها الأولى وتصير الثانية مشغولة به، وهو معنى قوله: (ويتَحَوّلُ حَقُّ المحال) أي: من ذمة المحيل على المحال عليه. قوله: (وَإِنْ أَفْلَسَ أَوْ جَحَدَ) أي: فلا رجوع للمحال على المحيل، وتكون المصيبة منه بحصول البراءة بإتباع ذمة المحال عليه، ومسألة الفلس في المدونة كما قال هنا، وقيدها المغيرة، فقال: إلا أن يشترط المحال (٥) الرجوع على المحيل إذ أفلس المحال عليه فيكون له شرطه (٦)، ونص في الجواهر على أن حكم الجحود (٧) حكم الفلس (٨). قوله: (إِلا أَنْ يَعْلَمَ المُحِيلُ بِإِفْلاسِهِ فَقَطْ) أي: إلا أن يكون المحيل عالما بإفلاس

стр. 2222

المحال عليه دون المحال، فإن المحال يرجع عليه بذلك (١)، قال (٢) في المدونة: لأن المحال إنما أبرأ (٣) الغريم على أن يسلم له ذمة ملية، فإذا غره من عدمها فقد دلس له بعيبها (٤) فوجب له الرجوع بما دفع عوضا عنها وهي ذمة غريمه (٥)، قال مالك: ولو لم يغرك أو كنتما (٦) عالمين بفلسه كانت الحوالة لازمة لك (٧)، وعن هذا احترز بقوله: (فَقَطْ). قوله: (وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ، إنْ ظُن بِهِ الْعِلْمُ) أي فإن ادعى المحال على المحيل أنه كان عالما بإفلاس المحال عليه من غير أن يقيم عليه بينة، ولا أقر به، فإنه يحلف على نفيه العلم بذلك، قال مالك: إن كان ممن يتهم، الباجي أن يكون ممن يظن به أنه يرضى مثل ذلك (٨). قوله: (فَلَوْ أَحَالَ بَائِعٌ عَلَى مُشْتَرٍ بِالثمَنِ، ثم رُدَّ بِعَيْبٍ أَوِ اسْتُحِقَّ، لم تَنْفَسِخْ) أي: فلو باع رجل سلعة ولم يقبض ثمنها حتى أحال رجلا به فاستحقت أو ردها المبتاع بعيب، فإن الحوالة لا تنفسخ وهو قول ابن القاسم، وروي أيضا عن مالك، وذهب أشهب في الموازية إلى أنها تنفسخ، واختاره ابن المواز، وأكثر المتأخرين قال: وبه قال أصحاب مالك كلهم غير ابن القاسم (٩)، وإليه أشار بقوله: (وَاختِيرَ خِلافُهُ) وعلى الأول فإن المبتاع يدفع الثمن للمحال ثم يرجع به على البائع. قوله: (وَالْقَوْل لِلْمُحِيلِ، إِنِ ادُّعيَ عَلَيْهِ نَفْيُ الدَّيْنِ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ) يريد: أن المحال عليه إذا مات، فقال المحال: أحلتني على غير دين فأنا أرجع عليك، وقال المحيل: بل

стр. 2223

على دين فإن القول قول المحيل، وانظر هل عليه يمين (١) قياسا على ما إذا ادعى عليه العلم بإفلاس أم لا. قوله: (لا في دَعْوَاهُ وَكَالَةً أَوْ سَلَفًا) يريد: أن من قبض من رجل دينا لغيره وادعى أن رب الدين أحاله به، يريد: وقد جرى بينهما لفظ الحوالة، وقال ربه: إنما وكلتك لتقبضه لي أو تسلفه (٢) مني، فإن المحيل لا يقبل قوله تغليبا للفظ الحوالة، وهذا هو الأصح، وهو قول عبد الملك في الوكالة (٣)، اللخمي: وأرى أنه حوالة حتى يقوم دليل على الوكالة مثل أن يكون هذا (٤) ممن يتصرف لصاحب الدين أو يكون من عادته التوكيل على القضاء (٥)، ومقابل الأصح أن القول قول المحيل، وهو قول ابن القاسم في العتبية في السلف، اللخمي: والمسألتان سواء (٦)، وعلى هذا فليس في كل مسألة منصوص إلا قولًا واحدًا، وخرج فيها قولا من الأخرى (٧)، فالذي ذكره هنا في السلف غير منصوص، بل مخرج من قول عبد الملك في مسألة الوكالة. تمت. * * *

стр. 2224

باب [في أحكام الضمان] (المتن) بَابٌ الضَّمَانُ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ. وَصَحَّ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ: كَمكَاتَبٍ، وَمَأْذُونٍ أَذِنَ سَيدُهمَا، وَزَوْجَةٍ، وَمَرِيضٍ بِثُلُثٍ، وَاتُّبعَ ذُو الرِّقِّ بِهِ إِنْ عَتَقَ، وَلَيْسَ لِلسَّيدِ جَبْرُه عَلَيْهِ، وَعَنِ الْمَيّتِ وَالْمُفْلِسِ، وَالضَّامِنِ، وَالْمُؤَجَّلِ حَالًا، إِنْ كَانَ مِمَّا يُعَجَّل، وَعَكْسُهُ إِنْ أَيْسَرَ غَرِيمُهُ أَوْ لَمْ يُوسِرْ فِي الأَجَلِ، وَبِالْمُوسِرِ أَوْ بِالْمُعْسِرِ، لا بالْجَمِيعِ بِدِينٍ لازِمٍ، أَوْ آيِلٍ إلَيْهِ، لا كِتَابَةٍ بَلْ كَجعْلٍ، وَدَايِنْ فُلانًا، وَلَزِمَ فِيمَا ثَبَتَ وَهَلْ يُقَيَّدُ بِمَا يُعَامَلُ بِهِ؟ تَأوِيلانِ. (الشرح) (الضَّمانُ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالحق) هكذا فسره عبد الوهاب في تلقينه (١)، وهو ظاهر التصور، وأورد عليه أنه غير جامع لخروج ضمان الوجه، وضمان الطلب، وغير مانع؛ لأن من باع شخصا بدين ثم باع آخر بدين فإنه يصدق عليه ذلك أنه شغل ذمة أخرى، وأيضا فإن الحق في كلامه يشمل البدني أيضا، وأن من ابتاع سلعة فأشرك فيها غيره فإن فيها شغل ذمة أخرى بالحق، وكذلك لو ولاه وليس بضمان، وأجيب بأن ضمان الوجه تشغل فيه الذمة على المشهور، وأطلق الضمان على الطلب مجازا، و (الـ) في كلامه للعهد، فمراده بالحق الحق الأول، وأن الحقوق البدنية خرجت بقوله: (شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى) لأن الذمم لا تشغل بالحقوق البدنية، وإنما تشغل بالحقوق المالية (٢)؛ لأن الشاغل في الشركة والتولية مختلف؛ لأن البائع شغل ذمة المبتاع وهو شغل ذمة من أشركه أو وَلَّاه. قوله: (وَصَحَّ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ) يريد: أنه يشترط في الضمان أن يكون ممن يصح منه التبرع احترازا من الصغير والمجنون والعبد على (٣) غير المأذون له، والمريض فيما زاد على الثلث. قوله: (كَمُكَاتَبٍ وَمَأْذُونٍ إِنْ أَذِنَ سَيِّدُهُمَا) أي: وهكذا المدبر وأم الولد وغيرهما، وقاله في المدونة (٤)، قال فيها: وإن كان على المأذون دين يغترق ماله لم تجز كفالته، وإن

стр. 2225

أذن له السيد، وقال غيره: لا يجوز ذلك للمكاتب، وإن أذن سيده؛ لأنه داعية إلى رقّه (١)، ولعبد الملك جواز ذلك بغير إذن سيده. (وَزَوْجَةٍ وَمَرِيضٍ بِثُلُثٍ) قوله: (بِثُلُثٍ) قيد في المسألتين معًا، ومراده أن الزوجة والمريض لا يجوز ضمانهما إلا في الثلث، قال في المدونة: إن حمله الثلث جاز وإن كره (٢) الزوج؛ لأن ذلك ليس بضرر، وإن جاوز الثلث فللزوج ردّ الجميع وإجازته؛ لأنه ليس بضرر إلا أن تزيد على الثلث كالدينار وما خف، فيمضي الثلث مع ما زاد (٣)، وقال المغيرة: يرد ما زاد (٤). قوله: (وَاتُّبعَ ذُو الرِّقِّ به إِنْ عَتَقَ) يريد: ما لم يسقطه سيده قبل عتقه، قال في المدونة: فإن ردّه سيده لم يلزمه ذلك إن عتق، وإن لم يرده حتى عتق لزمه ذلك علمه السيد قبل عتق العبد أم لا (٥). قوله: (وَلَيْسَ لِلسيِّدِ جَبْرُهُ عَلَيْهِ) أي: وليس للسيد أن يجبر العبد على الضمان، وهذا هو المشهور، وقاله في المدونة، وزاد فيها: ولا يلزمه إن جبره (٦)، ومقابل المشهور رواية أبي زيد (٧) عن ابن القاسم أنه يجبره؛ لأنه يجوز له انتزاع ماله، وعن عبد الملك أن له جبره إلا أن يكون على العبد دين يحيط بماله (٨). قوله: (وَعَنِ الميِّتِ وَالْمْفلِسِ) أي: ويصح الضمان عن الميت والمفلس، ولا خلاف في ذلك إن كان الميت موسرًا، واختلف إذا كان معسرًا، فذهب الجمهور إلى صحته، ولزومه إن وقع. قوله: (وَالضَّامِنِ) أي: وكذا يصح عن الضامن بما ضمنه، قال في المدونة: ومن

стр. 2226

أخذ من الكفيل كفيلا لزمه ما لزم الكفيل (١). قوله: (وَالْمؤَجَّلِ حَالًا، إِنْ كَانَ ممَّا يُعَجَّلُ) أي: وكذا يصح أن يضمن المؤجل حالا إذا كان الحق مما يجوز له تعجيله، وهكذا قيد ابن يونس به المدونة، قال (٢): وأما إذا كان عرضا أو حيوانا من بيع فلا يجوز؛ لأن فيه حُطَّ عَنِّي الضمان وأَزِيدك تَوَثُّقا (٣)، فإن كان الدين عينا أو عرضا من قرض جاز، وإن كان من بيع وكان قصد الغريم بتعجيله منفعة الطالب جاز، وإن أراد إسقاط الضمان عن نفسه؛ لم يجز. قوله: (وَعَكْسُهُ إِنْ أَيْسَرَ غَرِيمُهُ) أي: وهكذا يصح أن يضمن المال (٤) الحال مؤجلا، أي: يضمنه بشرط تأجيله، وذكر اللخمي أن ذلك يصح بشرط أن يكون الغريم موسرا (٥) كما قال هنا ليسلما من سلف جر منفعة، بخلاف ما إذا كان معسرا كما سيذكره. قوله: (أَوْ لَمْ يُوسِرْ في الأَجَلِ) أي: وهكذا يصح ضمان الحال مؤجلا إذا كان من هو عليه لا يوسر في الأجل، وإنما يوسر بعد انقضائه، ولا خلاف فيه، فلو كان يوسر قبل انقضاء الأجل لم يصح، وقاله ابن القاسم (٦)؛ لأن الزمن الذي تأخّر عن يساره يعد فيه صاحب الحق مسلفا؛ لأنه أخر ما عجل، وانتفع بالحميل الذي أخذه عن غريمه (٧)، وذهب أشهب إلى جوازه (٨). قوله: (وَبِالمُوسَرِ أَوِ المُعْسَرِ لا بالجْمِيعِ) يريد: أن الغريم إذا كان موسرا بالبعض دون البعض فإنه يصح الضمان عنه بأحدهما فقط، ولا يصح أن يضمنه بالمجموع، مثاله لو كان عليه مائتا درهم وهو موسر بمائة فضمنه بإحدى المائتين لا غير، أي لا

стр. 2227

بالجموع؛ لأن فيه السلف بزيادة إذ تأخيره بالمائة الموسر بها سلف، وانتفع بالضامن في المائة المعسر بها، وقاله اللخمي (١) وصاحب البيان. قوله: (بِدَيْنٍ لازِمٍ، أَوْ آيِلٍ إِلَيْه) أي: وصح الضمان من أهل التبرع بسبب دين لازم أو آيل للزوم، يريد: وسواء كان معلومًا أو مجهولًا. قوله: (لا كِتَابةٍ) أي: لأنها ليست بدين لازم؛ لأن المكاتب لو عجز عنها صار رقّا، والضامن إذا لم يلزم الأصل بشيء لم يسقط (٢) عنه الضمان، وهذا هو المعروف، ولابن عبد الحكم: لا بأس بالضمان في الكتابة (٣). قوله: (بَلْ كَجُعْلٍ) لما ذكر إن التحمل بالكتابة لا يصح؛ لأنها دين غير لازم (٤) خَشِي أن يعتقد بأن التحمل بالجعل كذلك لكونه غير (٥) لازم في الحال على المشهور (٦) فثص على أن حكمه حكم الدين اللازم (٧)، ولأنه وإن لم يكن لازما الآن فهو آيل إلى اللزوم، وعلى هذا فتقدير كلامه أولا وآخرا، وصح الضمان إن كان المضمون دينا لازما أو آيلا إلى اللزوم كجعل لا كتابة، ولو قدم قوله: (كَجُعْلٍ) على قوله: (لا كتابة)، وحذف حرف الإضراب لكان أخصر وأحسن، وممن يقول بصحة (٨) الضمان في الجعل المازري، كقوله: إن جئتني بعبدي الآبق فلك عشرة دنانير، فقال: هذا تصح الحمالة به أيضا قبل المجيء بالآبق، فإن جاء به لزم الحميل ما تحمل به، وإن لم يأتِ به سقطت الحمالة (٩). قوله: (وداين فلانا ولزم فيما ثبت) يريد أن الحمالة إنما تصح أيضا إذا قال داين فلانا

стр. 2228

فما داينته به أو بائعه (١) فأنا ضامن له، قال في المدونة: ويلزمه إذا ثبت مبلغه، وقال غيره: إنما يلزمه من ذلك ما يشبه أن يداين به المحمول عنه (٢)، وجعله ابن يونس وابن رشد تفسيرا (٣)، وقال المازري: وهو الأظهر، ومن الأشياخ من جعله خلافا، وإليه أشار بقوله (٤): (وَهَلْ يقيدُ بِمَا يُعَامَلُ بِهِ؟ تَأْوِيلانِ). (المتن) وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْمُعَامَلَةِ، بِخِلافِ احْلِفْ وَأَنَا ضَامِن بِهِ، إِنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِن ضَامِنِهِ، وَإِنْ جُهِلَ، أَوْ مَنْ لَهُ، وَلو بغَيرِ إِذْنِهِ كَأَدَائِهِ رِفْقًا لا عَنَتًا فَيُرَدُّ كَشِرَائِهِ، وَهَلْ إِنْ عَلِمَ بَائِعُهُ وَهُوَ الأَظْهَرُ؟ تَأوِيلانِ. لا إِنِ ادُّعِيَ على غَائِبٍ فَضَمِنَ ثُمَّ أَنْكَرَ، وَقَالَ لِمُدَّعٍ على مُنْكِرٍ: إِنْ لَمْ آتِكَ بِهِ لِغَدٍ فَأَنَا ضَامِن وَلَمْ يَأْتِ بِهِ، إِنْ لَمْ يُثْبُتْ حَقُّهُ بِبَيّنَةٍ، وَهَلْ بِإِقْرَارِهِ؟ تَأوِيلانِ. كقَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَجلْنِي الْيَوْمَ فَإِنْ لَمْ أُوَفِّكَ غَدًا فَالَّذِي تَدَّعِيهِ عَلَيَّ حَقٌّ، (الشرح) قوله: (وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ المُعَامَلَةِ، بِخِلافِ احْلِفْ وَأَنَا ضَامِنٌ به) قال في المدونة ولو لم يداينه حتى أتاه الحميل، فقال: لا تفعل، فقد بدى لي، فذلك له بخلاف قوله: (احْلِفْ وَأَنَا ضَامِنٌ) ثم رجع قبل اليمين، هذا لا ينفعه رجوعه؛ لأنه حق وجب (٥). ابن يونس: والفرق بينهما أن الذي قال: احلف، إنما تدعى لحق أن المدعي يقول: أنا قد ادعيت أن لي عليه (٦) كذا وكذا، وقد أحل هذا نفسه محل المدعى عليه (٧)، فكما لو قال المدعى عليه: احلف لي وأنا أغرم لك، لم يكن له رجوع فذلك هذا، والذي قال عامله وأنا ضامن كقول العامل نفسه: عاملني وأنا أعطيك حميلا، فكما كان لهذا أن

стр. 2229

يرجع؛ لأنه لم يدخله في شيء، فكذلك لا يلزم من قال: عامل فلانا (١)، وقيل: إن ذلك عدة، فله أن يرجع؛ إذ لا يقضى عليه بالعدة، وحكى المازري عن بعض أصحابه (٢) أنه إنما يرجع إذا أطلق، وأما إذا قيد، فقال: عامله بمائة دينار، فلا رجوع له (٣)، قال: وأنكر غيره هذه التفرقة، وروى (٤) أنه له الرجوع مطلقا، وخرج بعضهم فيها الأربعة الأقوال التي في العدة (٥)، وثالثها: إن كانت على سبب لزمت وإلا فلا. ورابعها: تلزم إن دخلت في السبب وإلا فلا (٦). قوله: (إِنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ضَامِنِهِ) هذا شرط في المضمون، وهو أن يكون مما يمكن استيفاؤه من الضامن احترازا من الحقوق البدنية والجراح والقتل؛ إذ لا يمكن استيفاؤها من الضامن، ومثله ضمان العين. قوله: (وَإِنْ جُهِلَ) أي: أن الضامن يصح وإن جهل المضمون؛ لأن ذلك كالهبة وهبة المجهول جائز (٧)، وقد تقدم أنه يصح أن يقول: داينْ فلانًا وأنا بما داينته به ضامن، وهو مجهول، ولو استغنى الشيخ بتلك عن هذه لاكتفى. قوله: (أَوْ مَنْ لَهُ) أي: وهكذا يصح الضمان وإن جهل من له الحق وهو المضمون له، إذ لا تشترط معرفته، وكذلك لا يشترط رضاه (٨)، ولهذا قال: (ولو بِغَيْرِ إِذْنِهِ) أي: فيصح الضمان بغير إذنه ويلزمه ما تحمل به، لأن المقصود براءة ذمة الغريم مما عليه. قوله: (كَأَدَائِهِ رِفْقًا لا عَنَتًا فَيردُّ كَشِرَائِهِ) أي: وكذا يجوز (٩) أن يؤدي الدين عن

стр. 2230

الغريم بغير إذنه إن فعله رفقا (١) بالمطلوب، قال في المدونة: وأما إن أراد الضرر بطلبه وإعناته، أو أراد سجنه لعدمه لعداوة بينه وبينه منع من ذلك، وكذلك إذا اشتريت دينا عليه تعنيتا لم يجز البيع ورد إن علم بها (٢)، وظاهرها عند ابن يونس وغيره (٣) أن قصد المشتري وحده الإضرار كافٍ في فسخ المعاوضة، وكذلك قال بعض المتأخرين، وقيل (٤): لا بد من علم البائع بالضرر الذي قصد المشتري، وإلا لم يفسخ، ويباع الدين على المشتري فيرتفع الضرر (٥). ابن رشد (٦): وهو أظهر، وإليه أشار بقوله: (وَهَلْ إِنْ عَلِمَ بَائِعُهُ وَهُوَ الأَظْهَرُ؟ تَأوِيلانِ). قوله: (لا إِن ادُّعِيَ عَلَى غَائِبٍ فَضُمِنَ ثُمَّ أَنكَرَ، وقَالَ لمدَّع عَلَى مُنكرٍ: إِنْ لم آتِكَ بِهِ لِغَدٍ فَأنا ضَامِنٌ وَلم يَأْتِ بِهِ، إِنْ لم يَثْبُتْ حَقُّهُ بِبَيَّنةٍ) أي: فلا يلزمه ما تحمّل به إلا أن يثبت ذلك ببينة، وهذه المسائل في المدونة (٧)، قال فيها: ومن ادّعى على رجل حقا فأنكره، فقال له رجل: أنا به كفيل إلى غد، فإن لم آتك به غدا فأنا ضامن للمال، وسمى عدده، فإن لم يأت به في الغد فلا يلزمه شيء حتى يثبت الحق ببينة (٨) فيكون حميلا بذلك، وسواء أقرّ المدعى عليه بهذا المال الآن أو أنكره إذا كان اليوم معدما. عياض: وظاهره (٩) أن إقرار المنكر بعد: (لا يلزم الكفيل به شيء إلا ببينةٍ)، وهو نص ما في

стр. 2231

كتاب محمد، ومثله ما في سماع عيسى في العتبية (١)، وعليه حمل بعضهم الكتاب، واستدلَّ أيضا بقوله: (بايع فلانا فما بايعته بشيء فأنا له ضامن (٢)، ثم قال: لزم الغريم، وقيل: إن إقراره كقيام البينة، وهو دليل الكتاب أيضا من قوله (٣): فلم يأت به من الغد فذلك شرط ثبوت حقه ببينته، ومثله في سماع عيسى وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وَهَلْ بِإقْرَاره؟ تَأْوِيلانِ) ثم قال في المدونة: قال ابن القاسم: وإن أنكر المدعى عليه، ثم قال للطالب: أجلني اليوم فإن لم أوفك غدا فالذي تدعيه قِبَلِي حقٌ، فهذه مخاطرة، ولا شيء عليه إن لم يأت به إلا أن يقيم عليه (٤) بذلك بينة (٥)، وإلى هذا أشار بقوله: (كَقَوْلِ المُدَّعَى عَلَيْهِ أَجلْنِي الْيَوْمَ، فَإنْ لم أُوَفِّكَ غدًا فَالذِي تَدَّعِيهِ عَلي حَقٌّ) أي: فلا يلزمه شيء حتى يثبت حقه ببينة، وأما مسألة الغائب فأشار إليها في المدونة بقوله: ومن قال: لي على فلان ألف درهم، فقال له رجل: أنا به كفيل، فأتى فلان فأنكرها لم يلزم (٦) الكفيل شيء حتى يثبت ذلك ببينة (٧)، ابن المواز: لا بإقرار المطلوب الآن (٨)، ولو كان إقراره بذلك قبل الحمالة لزم الحميل (٩) الغرم. (المتن) وَرَجَعَ بِمَا أَدَّى وَلَوْ مُقَوَّمًا إِنْ ثَبتَ الدَّفْعُ بِبَيّنَةٍ، وَجَازَ صُلْحُهُ عَنْهُ بِمَا جَازَ لِلْغَرِيمِ عَلَى الأَصَحِّ، وَرَجَعَ بِالأَقَلِّ مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ. وإنْ بَرِئَ الأَصْلُ بَرِئَ، لا عَكْسُهُ، وَعُجِّلَ بِمَوْتِ الضَّامِنِ، وَرَجَعَ وَارِثُهُ بَعْدَ أَجَلِهِ أَوِ الْغَرِيمِ إِن تَرَكَهُ. وَلا يُطَالَبُ

стр. 2232

إِنْ حَضَرَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا، أَوْ لَمْ يَبْعُدْ إِثْبَاتُهُ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ لَهُ فِي مَلائِهِ، وَأَفَادَ شَرْطُ أَخْذِ أَيّهِمَا شَاءَ وَتَقْدِيمِهِ، أَوْ إِنْ مَاتَ، كَشَرْطِ ذِي الْوَجْهِ أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ التَّصْدِيقَ فِي الإِحْضَارِ، وَلَهُ طَلَبُ الْمُسْتَحِقِّ بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ أَجَلِهِ، لا بِتَسْلِيمِ الْمَالِ إِلَيْهِ، وَضَمِنَهُ إِنِ اقْتَضَاهُ، لا أُرْسِلَ بِهِ. (الشرح) قوله: (وَرَجَعَ بِمَا أَدَّى (١) وَلَوْ مُقَوَّمًا، إِنْ ثَبَتَ الدَّفْعُ بِبَينةٍ) أي: ورجع الضامن على الغريم بما أدّى عنه إن ثبت الدفع (٢) ببينة أو بإقرار صاحب الدين؛ لأن الحق سقط حينئذ، ولا يكفي في ذلك إقرار الغريم؛ لأن الضامن في أدائه كالوكيل عنه، ويرجع بمثل المقوم لا بقيمته؛ لأنه كالسلف وهو المشهور، وقاله ابن القاسم وأشهب ونحوه في الواضحة، وفي سماع أبي زيد أن المطلوب بالخيار إن شاء دفع مثله (٣) أو قيمته، وهذا ما لم يشتر (٤) العرض (٥) لذلك، فإن اشتراه له ولم يحاب في ثمنه فلا خلاف أنه يرجع بثمنه الذي اشتراه به، ولا يرجع بالزيادة إن حابى، ولا إشكال أنه يرجع بمثل ما أدّى (٦) إن كان مثليا (٧). قوله: (وَجَازَ صُلْحُهُ عَنْهُ بِمَا جَازَ لِلْغَرِيمِ على الأَصَحِّ) يريد: أن الضامن يتنزل في صلحه منزلة الغريم، فما جاز للغريم أن يدفعه عوضا عن ما عليه جاز للضامن وما لا فلا، فلو ضمنه في عروض له عليه من سلم لم يجز أن يصالح عنها قبل الأجل بأدنى صفة أو قدرًا (٨)؛ لئلا يدخله: ضع وتعجل، ولا بأكثر لئلا يدخله: حط عني (٩) الضمان وأزيدك، ويجوز أن يصالح بعد الأجل عن دنانير طيبة بدنانير أدنى

стр. 2233

منها؛ لأنه يعلم أن الغريم إنما يدفع الأدنى، وكذلك العكس؛ لأنه إنما يدفع ما عليه، وقيل: يجوز صلحه عنه مطلقًا؛ لأنه مكارمة، وقيل: يمنع صلحه مطلقًا للجهالة فيما يرجع به، وقيل: يجوز أن يصالح بمقوم لا بمثلي؛ لأن المقوم يرجع فيه إلى القيمة وهي من جنس الدين، وحكى في البيان رابعا بالجواز فيما تجوز فيه النسيئة في المبايعة لا فيما لا تجوز، كأن يؤدي دنانير عن دراهم أو قمحا عن تمر (١)، ولا خلاف في جواز الصلح إذا دفع الضامن من الصنف الذي على الغريم. قوله: (وَرَجَعَ بِالأقَل مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ) يريد: إذا صالح بمقوم، لأن الرجوع بالأقل من الدين أو القيمة إنما يكون في ذلك، لأن المثلي لا يدخله تقويم هنا. قوله: (وَإِنْ بَرِئَ الأَصْلُ بَرِئَ لا عَكْسُهُ) يريد: أن الغريم إذا برئ من الدين بأن يكون الطالب قد وهب له أو دفعه له عنه أحد (٢) أو نحو ذلك فإن الضامن يبرأ؛ لأن طلب الضامن متفرع عن ثبوت الدين على الغريم، فإذا ارتفع الأصل ارتفع فرعه بخلاف العكس، فإن الطالب إذا أبرأ الضامن لا يبرأ بذلك الغريم (٣)، وقاله في المدونة (٤): أي لأن الدين مرتب في ذمة الغريم كما (٥) كان، وإنما يسقط عن الضامن من التحمل، قال (٦) الباجي: وإذا وهب الطالب حقه للغريم برئ الحميل ولو وهب الحق للحميل لم يبرأ الغريم، وعليه أن يؤدي (٧) للمتحمل له (٨). قوله: (وَعُجِّلَ بمَوْتِ الضَّامِنِ، وَرَجَعَ وَارِثُهُ بَعْدَ أَجَلِهِ) يريد: أن الحق وإن كان مؤجلًا فإنه يعجل (٩) بموت الضامن، ولربه أن يعجله من تركته إن شاء ويرجع وارثه على الغريم بعد الأجل، وذكر في المدونة أن له التعجيل، ولو كان الغريم حاضرًا

стр. 2234

مليًّا (١)، وفي المذهب رواية أن الحق يؤخذ من تركته، ولا يدفع للطالب بل يوقف إلى الأجل، فإن لم يكن الأصل مليًّا أخذه الطالب، وإلا أخذه الورثة، وهي رواية ابن وهب (٢) وبها قال عبد الملك (٣)، وحكى اللخمي والمازري عن ابن نافع قولًا بالفرق بين أن تكون تركة الحميل مأمونة فلا يأخذ الدين منها معجلا، ولا يوقف وإلا وقف (٤). قوله: (أَوِ (٥) الْغَرِيمِ إِنْ ترَكَهُ) يريد: أن الحق أيضًا يعجل بموت الغريم إن تركه مُقَوَّمًا (٦)، قال في الجواهر: فإن كان الدين مؤجلا فمات الأصل (٧) يعجل للطالب حقه من ماله، فإن لم يترك مالا لم يطالب الكفيل بشيء حتى يحل الأجل (٨). قوله: (وَلا يُطَالَبُ، إِنْ حضَرَ (٩) الْغَرِيمُ مُوسرًا) يريد: أن الحميل لا يطالب والغريم حاضر ملي، وهذا هو المشهور، وإليه رجع مالك، وكان يقول: له أن يأخذ من شاء (١٠) منهما، والقولان في المدونة، وأشار بقوله: (أَوْ لم يَبْعُدْ إِثْبَاتُهُ عَلَيْهِ) إلى أن الغريم إذا غاب وله مال يعدى فيه ولم يبعد إثباته على الغريم (١١) ولا النظر فيه، فإنه يكون بمنزلة الحاضر المليّ فيؤخذ الحق من ماله، وهذا تقييد الغير في المدونة. ابن رشد في الأجوبة: وهو تفسير لا خلاف، وكذلك حمله من أدركناه من الشيوخ، وبه جرى العمل (١٢). قوله: (وَالْقَوْلُ لَهُ في مَلائِهِ) يريد: أن الطالب إذا قام يطلب حقّه من الحميل (١٣)

стр. 2235

وادّعى أن الغريم معدم، وقال الحميل: بل هو مليّ، فإن الحميل يصدق، يريد: إلا أن يقيم ربّ الدّين بينة بعدمه بعض الأشياخ: وهذا القول هو الأظهر (١)، وعزاه ابن زرقون لابن القاسم، وحكى في المقدمات عن سحنون أن الطالب يصدق إلا أن يقيم الحميل بينة بما (٢) على (٣) الغريم، ونسبه ابن زرقون أيضا لابن القاسم (٤). قوله: (وَأَفَادَ شَرْطُ أَخْذِ أَيهما شَاءَ) يريد: أن الطالب إذا اشترط أن يأخذ بحقه من شاء من الضامن أو الغريم فله ذلك. ابن رشد: وهو المشهور عن ابن القاسم (٥)، وقيل: لا يفيده، وهو قول أشهب وابن كنانة وعبد الملك، ومثله عن ابن القاسم أيضًا، والقولان عن مالك. قوله: (وَتَقْدِيمِهِ) أي: وكذا يفيده شرط تقديم الحميل على الغريم، قال في المقدمات: واختلف إن شرط على الحميل أن حقّه عليه، وأنه أبرأ الغريم، فظاهر قول ابن القاسم: أن الشرط جائز، ولا رجوع له على الغريم، وروى ابن وهب عن مالك أنه لا رجوع له (٦) عليه إلا أن يموت الحميل أو يفلس، وروى مطرف عن مالك أن له الرجوع إن شاء، وقال ابن الماجشون أنه شرط باطل (٧)، وقيل بإعمال الشرط في السيئ المطالبة أو ذي السلطان، ونسب لابن القاسم، وقيل بإعماله مطلقًا إن كان (٨) في أصل البيع، وإن كان بعده نفعه في سيئ القضاء وذي السلطان، وعزاه ابن رشد أيضا لابن القاسم (٩). قوله: (أوْ إِنْ مَاتَ) يحتمل أن يكون المشترط هنا هو الحميل، أي اشترط على

стр. 2236

صاحب الدين أنه لا يرجع عليه إلا عند موت الغريم، ولا خلاف في إعمال هذا الشرط، ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى رواية ابن وهب، والمعنى (١) وأفاد شرط تقديمه مطلقًا، ولا رجوع له على الغريم، أو لا رجوع له عليه إلا أن يموت، ولهذا حمل بعضهم رواية ابن وهب على التفسير لقول ابن القاسم، قال: ومعنى ما ذهب إليه ابن القاسم أنه لا رجوع للطالب على الغريم الأول إلا أن يموت أو يفلس (٢). قوله: (كشَرْطِ ذِي الْوَجْهِ) أي: وأفاد الكفيل (٣) شرط سقوط الدين عنه في ضمان الوجه، قال في الموازية: وإذا قال حميل الوجه لست (٤) من المال في شيء. محمد: وقال: لا أضمن إلا الوجه، فهذا لا يضمن إلا الوجه، غاب الغريم أو حضر، أو مات أو أفلس (٥)، وقال ابن زرقون: ينبغي أن ينظر إلى البساط، فإن قيل له: تضمن فلانا أو تضمن المال عنه، فقال: لا أضمن إلا وجهه فهذا حكمه (٦) حكم ضمان الوجه المطلق، ويلزمه المال إن لم يأتِ به، وإن قيل له: تضمن وجه فلان، فإن لم يأتِ به غرمت ما عليه، فقال: لا أضمن إلا وجهه، فكما قال محمد (٧)، وقاله ابن رشد (٨). قوله: (أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ، التَّصْدِيقَ فِي الإِحْضَارِ) يعني: أن رب الدين إذا اشترط على حميل الوجه التصديق (٩) في إحضار الغريم إذا غاب فإن ذلك يفيده، وذلك واضح. قوله: (وَلَهُ طَلَبُ المُسْتَحِقِّ بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ أَجَلِهِ) أي وللضامن أن يطالب المستحق -وهو رب الدين- بتخليصه من الغريم عند أجله، وظاهر كلامه سواء طلب الكفيل بما على الغريم أم لا، وقال في الجواهر: للكفيل طلب (١٠) الأصل على تخليصه إذا طلب،

стр. 2237

وليس له ذلك قبل أن يطلبه (١)، وقال غيره (٢): إذا توجه لرب الدين الطلب فسكت عنه أو نصّ على تأخيره فللحميل ألا يرضى بذلك التأخير، ويقول لرب الدين: إما أن تطلب حقك وإما أن تسقط عني الحمالة (٣)، وهذا أقرب إلى ظاهر كلامه إلا أنه مقيد بما إذا كان الغريم مليا، فإن كان معدما فلا كلام له (٤). قوله: (لا بتَسْلِيمِ المْالِ إليه) أي: ولا يلزم تسليم المال للضامن إذا طلبه من الغريم ليؤديه لطالبه، قاله في المدونة في السلم الثاني (٥). ابن شاس: إذ لو هلك لكان من الأصل (٦). قوله: (وَضَمِنَهُ إِنِ اقْتَضَاهُ لا أُرْسِلَ بِهِ) يريد: أن الغريم إذا دفع الحق إلى الكفيل فإن كان ذلك على الاقتضاء ضمنه الكفيل قامت بهلاكه بينة أم لا عينا كان أو عرضا أو حيوانا لأنه متعدٍ وإن كان على الرسالة لم يضمنه (٧)، وهو من الغريم حتى يصل إلى الطلب، قاله في المدونة (٨)؛ لأنه أمين له. (المتن) وَلَزِمَهُ تَأخِيرُ رَبِّهِ، الْمُعْسِرَ أَوِ الْمُوسِرَ، إِنْ سَكَتَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ إِنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْهُ مُسْقِطًا، وَإِنْ أَنْكَرَ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ وَلَزِمَهُ. وَتَأَخر غَرِيمِهِ بِتَأْخِيرِهِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ، وَبَطَلَ إِنْ فَسَدَ مُتَحَمَّلٌ بِهِ، أَوْ فَسَدَتْ، بِكَجُعْلٍ وإن مِنْ غَيرِ رَبِّهِ كَمَدِينهِ، وَإِنْ بضَمَانِ مَضْمُونِهِ، إلَّا فِي اشتِرَاءِ شَيءٍ بَينَهُمَا، أَوْ بَيعِهِ، كَقَرضِهِمَا على الأَصَحِّ. فَإِنْ تَعَدَّدَ حُمَلاءُ أتْبِعَ كُل بِحِصَّتِهِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، كَتَرَتُّبِهِمْ. (الشرح)

стр. 2238

قوله: (وَلَزِمَهُ تَأْخِيرُ رَبِّهِ، المُعْسِرَ أوِ المُوسِرَ، إِن سَكت أَوْ لم يَعلَمْ، إِنْ حلف (١) أنه لَمْ يُؤَخِّرْهُ مُسْقِطًا وَإِنْ أَنكَرَ حَلَفَ أنّه لم يُسْقِطْه وَلَزِمَهُ) هكذا حمل في البيان هذه المسألة، وفيه تقديم وتأخير واختصار فيه، وإذا أخّر الطالب الغريم فلا يخلو إما أن يكون مليا أو معدما، فإن كان معدما فلا كلام للحميل باتفاق، وإن كان مليا فلا يخلو من ثلاثة أوجه. الأول: أن يعلم فسكت حتى يحل الأجل، فالحمالة فيه لازمة، وقاله في المدونة (٢)، ويدخله الخلاف المعلوم في السكوت، هل هو كالإقرار أم لا. والثاني: ألا يعلم حتى يحل الأجل الذي أنظره إليه، فإن صاحب الحق يحلف أنه ما أخّره ليبرئ الحميل من حمالته، فإن نكل عن اليمين سقطت الحمالة. والثالث: أن يعلم فينكر فلا يلزمه تأخير الطلب، ويقال له: إما أن تسقط الكفالة وإلا فاحلف أنك ما أخّرته إلا على أن يبقى الكفيل على كفالته، فإن حلف لم يلزمه التأخير، وإن نكل لزمه، والكفالة ثابتة (٣) على كل حال، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة (٤)، وإن كان قد سكت فيها عن اليمين، وقال غيره في المدونة (٥): أنها (٦) ساقطة على كل حال، وقيل: أنها لازمة بكل حال (٧). قوله: (وَتَأخرُ غَرِيمِهِ بِتَأْخِيرهِ، إِلا أنْ يَحْلِفَ) يريد: أن الطالب إذا أخّر الحميل بعد حلول الدين فذلك تأخير للغريم إلا أن يحلف ما كان ذلك تأخيرا للغريم، وقاله في المدونة، ثم قال: ويكون له طلبه، فإن نكل لزمه تأخيره. قوله: (وَبَطَلَ، إِنْ فَسَدَ مُتَحَمَّلٌ بِهِ) يريد: أن الضمان يفسد لفساد (٨) الدين، وهو المراد بالمتحمل به، كما إذا أعطاه دينارا بدينارين إلى شهر أو دراهم بدنانير إلى شهر أو

стр. 2239

بالعكس، ويتحمل له رجل بذلك، وذهب ابن القاسم في المدونة والعتبية إلى البطلان كما قال، ورواه عن مالك (١)، وبه قال ابن عبد الحكم ونحوه في الموازية (٢)، ومذهب الغير في المدونة الصحة (٣)، وبه قال سحنون في نوازله أن الحمالة لازمة للحميل على كل حال، ولو فسد البيع، وقيل: إن الحميل يلزمه ذلك فيما دفع الطالب إن علم بالفساد وإلا فلا، مثاله أن يعطي دينارا في دينارين، ويتحمل الضامن بذلك مع علمه فعليه الدينار الذي دفع الطالب (٤) فقط، وإن لم يعلم فلا شيء عليه. قوله: (أو فَسَدَتْ بِكَجُعْلٍ (٥) وإن مِنْ غير رَبهِ (٦) كَمَدِينهِ (٧)) أي: وهكذا يبطل الضمان إذا فسدت الحمالة مثل أن يأخذ الضامن جعلا على ذلك، وسواء كان من رب المال أو من المدين أو غيرهما، وقال ابن القاسم ومطرف وعبد الملك وابن وهب وأصبغ: إن علم بذلك الطالب سقطت الحمالة وإلا رد الجعل والحمالة تامة (٨)، واختلف في رب الدين يعطي المديان شيئا على إن أعطاه حميلا بدينه (٩) فأجازه مالك وابن القاسم وأشهب وغيرهم، وعن أشهب أنه لا يصح، وعنه أيضا كراهته (١٠). قوله: (وإن بِضَمانِ مَضْمُونهِ) أي: ولأجل أن الضمان بجعل ممتنع (١١) امتنع أن يضمنه مضمونه (١٢)؛ لأن كل واحد منهما ضمن صاحبه بجعل وهو ضمان صاحبه له.

стр. 2240

قوله: (إِلا في اشْتِرَاء شَيْءٍ بَيْنَهُما) أي: أن هذه المسألة (١) وإن كان ظاهرها الضمان بجعل فإنها جائزة، وهو المنصوص لعمل الماضين، وهو مقيد بما إذا استويا في مقدار الضمان مثل أن يشتريا سلعة بمائة (٢) بينهما بالسوية، ويضمن كل منهما الآخر (٣) فيما عليه، أما لو كان على أحدهما الثلثان، وعلى الآخر الثلث وضمن كل منهما الآخر بما (٤) عليه لم يجز إلا أن يتحمل صاحب الثلث بمقدار ما تحمل به الآخر، ذكره في النكت. قوله: (أَوْ بَيْعِهِ) كما إذا باعا سلعة على أن كل واحد منهما ضامن للآخر في ذلك، وقد حكى ابن كنانة منعه. ابن رشد وغيره: والصحيح خلافه، وقد أجاز في السلم الثاني أن يسلم إلى رجلين على أن كل واحد منهما حميل بالآخر (٥)، ومنع في البيوع الفاسدة أن يبيع الرجلان سلعتهما لرجل على أن كل واحد منهما حميل بالآخر (٦)، وجعله بعضهم خلاف قول ابن رشد، والصواب خلافه (٧). قوله: (كَقَرْضِهِما على الأَصَحِّ) أي: وكذا يجوز أن يقترضا (٨) شيئا من رجل على أن يكون كل واحد منهما ضامنا لصاحبه، وإليه ذهب ابن أبي زمنين وابن العطار وابن عبد السلام، وهو الأصح عندي، وذهب ابن الفخّار إلى عدم جوازه (٩). قوله: (فَإنْ تَعَدَّدَ حُمَلاءُ اتُّبعَ كُلٌّ بِحِصَّتِهِ) معناه أن يتحمل رجلان فأكثر بما على رجل، يريد: وليس بعضهم حميلا عن بعض يبينه ما بعده، ولا إشكال أن كل واحد لا يطالب إلا بمقدار ما تحمل به من الدين عند تعذر الأخذ من الغريم.

стр. 2241

قوله: (إِلا أَنْ يَشْتَرِطَ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ) أي: إلا أن يشترط في أصل عقد (١) الكفالة أن بعضهم حميل عن بعض، فحينئذ يكون له إن غاب أحدهم (٢) أو أعدم أن يأخذ من وجده (٣) مليا بجميع حقه، قال في المدونة: وإن لقيهم أملياء لم يأخذ من كل واحد إلا ما عليه؛ إذ لا يتبع الكفيل في حضور المكفول به (٤) وملائه، ولو شرط أيهم شئت أخذت بحقي، ولم يقل بعضهم كفيل ببعض، فله أخذ أحدهم بجميع الحق، وإن كانوا حضورا أملياء، ثم لا رجوع للغارم على أصحابه بشيء إذ لم يؤدِّ بالحمالة عنهم ولكن عن الغريم (٥). قوله: (كَتَرَتُّبِهِمْ) يشير به إلى ما رواه ابن وهب في المدونة عن مالك فيمن كتب حقه على رجلين واشترط أن يأخذ حيهما عن ميتهما أو مليهما عن معدمهما، ثم قال: فذلك كحمالة أحدهما على الآخر (٦). (المتن) وَرَجَعَ الْمُؤَدِّي بِغَيْرِ الْمُؤَدَّى عَنْ نَفْسِهِ بِكُل مَا على الْمَلْقِى، ثُمَّ سَاوَاهُ، فَإنِ اشْتَرَى سِتَّةٌ بِسِتمِائَةٍ بِالْحَمَالَةِ فَلَقِيَ أَحَدَهُم أَخَذَ مِنْهُ الْجَمِيعَ، ثمَّ إِنْ لَقِيَ أَحَدَهُمْ أَخَذَهُ بِمِائَةٍ، ثُمَّ بِمِائَتَيْنِ، فَإنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثًا أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ وَبِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ، وإنْ لَقِيَ الثالِثُ رَابِعًا أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَبِمِثْلِهَا، ثم بِاثْنَي عَشَرَ وَنصفٍ، وَبِسِتَّةٍ وَرُبُع. وَهَلْ لا يَرجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ أَيْضًا إِذَا كَانَ الْحَقُّ على غَيْرِهِمْ أَوْ لا وَعَلَيْهِ الأكثَرُ؟ تأوِيلانِ. وَصَحَّ بِالْوَجْهِ. (الشرح) قوله: (وَرَجَعَ المؤدِّي بِغَيْرِ المؤدي عَنْ نَفْسِهِ بِكُل مَا عَلَى الملقِي، ثُمَّ سَاوَاهُ) (المؤَدِّي) هو الدافع، وقوله: (بِغَيْرِ المُؤَدَّى) أي: الشيء الذي دفعه عن نفسه، والمعنى أن أحد الحملاء إذا دفع الدين للطالب بعضه عن نفسه وبعضه عن بقية الحملاء فإنه لا يرجع

стр. 2242

بما أداه عن نفسه، ويرجع على من لقيه بكل ما أداه عنه، ثم ما بقي له ساواه في غرامته، مثاله (١): إذا اشترى ثلاث سلعةً بثلاثمائة درهم (٢) وهم حملاء، فإذا لقي البائع أحدهم أخذه بجميع الثمن مائة عن نفسه ومائتان بالحمالة له (٣) عن صاحبيه، فإذا لقي الدافع أحدهما أخذ منه المائة التي أدّاها عنه بالحمالة، ثم يقول: لقد بقي لي (٤) مائة أديتها عن صاحبنا وأنت معي حميل بها فساوني فيها، فيأخذ منه خمسين. قوله: (فَإِنِ اشْتَرَى سِتَّةٌ بِسِتِّمائَةٍ بِالْحَمَالَةِ فَلَقِيَ أَحَدَهُمْ أَخَذَ مِنْهُ الجْمِيعَ، ثُم إِنْ لَقِيَ أَحَدَهُمْ أَخَذَهُ بِمائَةٍ ثُم بِمائَتَيْنِ، فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثًا أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ وَبِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ، وَإِنْ لَقِيَ الثَّالِثُ رَابِعًا أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَبِمِثْلِهَا، ثُمَّ بِاثْنَيْ عَشَرَ وَنصْفٍ وَسِتةٍ وَرُبُعٍ) هذه مسألة الحملاء الستة في المدونة (٥)، فقوله: (سِتة بِسِتِّمائَةٍ) أي: اشتروا سلعة (٦) بستمائة دراهم، وقوله: (بِالْحَمَالَةِ) أي: على أن بعضهم حميل عن بعض بجميع المال. وقوله: (فَلَقِيَ أَحَدَهُمْ) أي: فلقي صاحب الدين أحدَ الحملاء، (أَخَذَ مِنْهُ الجَمِيعَ) أي: جميع الستمائة درهم (٧)، مائة عن نفسه بطريق الأصالة، وخمسمائة بطريق الحمالة عن أصحابه الخمسة، (ثُم إِنْ لَقِيَ أَحَدَهُمْ) أي: إن لقي الدافع أحد الخمسة الباقين أخذ منه ثلاثمائة، مائة منها عن نفسه بطريق الأصالة ومائتين بطريق الحمالة؛ لأنه يقول: أنا قد دفعت ستمائة، مائة منها عن خاصة نفسه لا رجوع لي بها (٨)، وخمسمائة عنك وعن أصحابك فتنوبك مائة عن نفسك، فيأخذها ثم يقول له: بقيت لي أربع مائة أنت حميل بها معي بها فساوني فيها، فيأخذ أيضًا منه مائتين، ولهذا قال: (أَخَذَهُ بِمائَةٍ، ثُم بِمائَتَيْنِ).

стр. 2243

قوله: (فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثًا) أي: لقي أحد الغارمين ثالثا من الحملاء الباقين أخذ منه خمسين عن نفسه، وخمسة وسبعين بطريق الحمالة؛ لأنه يقول: خرج من يدي ثلاثمائة (١)، مائة عن نفسي ومائتان دفعتهما بطريق الحمالة عنك وعن أصحابك الثلاثة، ينوبك منها خمسون وتبقى مائة وخمسون أنت معي فيها شريك بالحمالة، فيأخذ منه (٢) خمسة وسبعين، وإليه أشار بقوله: (لأَخَذَ منه بِخَمْسِينَ) (٣) ثم بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ، فإِنْ لَقِيَ الثَّالِثُ رَابِعًا قال له: خرج من يدي خمسون عن نفسي وخمسة وسبعون عنك وعن صاحبيك بطريق الحمالة، ينوبك منها عن نفسك (٤) خمسة وعشرون وتبقي لي خمسون وأنت شريك معي فيها بالحمالة، فيأخذ أيضا منه خمسة وعشرين، فلهذا قال: (أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَمثْلِهَا). قوله (٥): (ثُمَّ بِاثنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ وَسِتَّةٍ وَرُبُعٍ) فيشير بها إلى أن هذا الرابع إذا لقي خامسا أخذ منه اثني عشر ونصفا وستة وربعا؛ لأنه يقول: خرج من يدي خمسة وعشرون عن نفسي وخمسة وعشرون عنك وعن صاحبك ينوبك منها اثني عشر ونصف عن نفسك (٦)، فيأخذها منه، ثم يقول: بقي لي اثنا عشر ونصف، أنت شريكي فيها بالحمالة، فيأخذ منه ستة وربعا، ولهذا قال: (ثم باثني عشر ونصف وستة وربع)، فإذا لقي هذا الخامس السادس أخذ منه ما أدّى عنه، وهو ستة وربع، ولم يذكر الشيخ هذا لوضوحه. قوله: (وَهَلْ لا يَرْجعُ بِما يَخُصُّهُ أَيْضًا إِذَا كَانَ الْحق عَلَى غيرهِمْ أَوْ لا وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ؟ تَأَوِيلانِ) قد علمت مما تقدم أن من دفع شيئا عن نفسه لا يرجع به، وذلك بشرط (٧) أن يكونوا حملاء غرماء إن اشتروا سلعة كما علمت، واختلف إذا كان الدين على غيرهم

стр. 2244

فدفع بعضهم جميعه، ثم لقي الآخر، هل يقاسمه بالسواء في الغرم، وإليه ذهب ابن لبابة والتونسي وغيرهما، أو إنما يقاسمه بعد إسقاط ما يخصه كالأول، وإليه ذهب كثير (١) من الأندلسيين ونحوه في الموازية (٢)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ؟ تَأْوِيلانِ) على المدونة (٣). قوله: (وَصَحَّ بِالْوَجْهِ) أي: وصح الضمان بالوجه، والمراد به إحضار الغريم الذي عليه الدين وقت احتياج الطالب له، ولا خلاف فيه. (المتن) وَلِلزَّوْجِ رَدُّهُ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَبَرِئَ بِتَسْلِيمِهِ لَهُ وإنْ بِسِجْنٍ، أَوْ بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ إِنْ أَمَرَهُ بِهِ، إِنْ حَلَّ الْحَقُّ، وَبِغَيْر مَجْلِسِ الْحَاكِمِ إِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ، وَبِغَيْرِ بَلَدِهِ إِنْ كَانَ بِهِ حَاكِمٌ وَلَوْ عَدِيمًا، وَإِلَّا أُغْرِمَ بَعْدَ خَفِيفِ تَلَوُّمٍ، إِنْ قَرُبَتْ غَيْبَةُ غَرِيمِهِ كَالْيَوْمِ. وَلا يَسْقُطُ بِإِحْضَارِهِ إِنْ حُكِمَ بِهِ، لا إِنْ أَثْبَتَ عَدَمُهُ أَوْ مَوْتَهُ فِي غَيْبَتِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ بَلَدِهِ. وَرَجَعَ بِهِ وَبالطَّلَبِ، وإنْ فِي قِصَاصٍ، كَأنَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ، أَوِ اشْتَرَطَ نَفْيَ الْمَالِ، أَوْ قَالَ: لا أَضْمَنُ إِلَّا وَجْهَهُ، وَطَلَبَهُ بِمَا يَقْوَى عَلَيْهِ، وَحَلَفَ مَا قَصَّرَ، وَغَرِمَ إِنْ فَرَّطَ أَوْ هَرَّبَهُ، وَعُوقِبَ. (الشرح) قوله: (وَللزَّوْجِ، رَدُّهُ مِنْ زَوْجَتِهِ) يريد: أن الزوجة إذا تكلفت بوجه شخص فإن لزوجها رد ذلك، لأنه يقول: قد تحبس فيمنع (٤) منها، وتخرج للخصومة وليس ذلك عليه (٥)، وقاله ابن عبد الحكم (٦). قوله: (وَبَرِئَ بِتَسْلِيمِهِ له) يريد: أن ضامن الوجه يبرأ بتسليم الغريم للطالب، يريد: في مكان تأخذه فيه الأحكام، وقاله في المدونة، وزاد فيها: وإن أسلمه إليه في موضع لا سلطان فيه أو في حال فتنة أو مفازة أو بمكان يقدر الغريم على الامتناع منه، لم يبرأ

стр. 2245

الحميل حتى يدفعه إليه بموضع يصل إليه وبه سلطان فيبرأ (١). قوله: (وَإِنْ بِسِجْنٍ) هذا كقوله في المدونة: وإذا حبس المحمول بعينه فدفعه الحميل إلى الطالب وهو في السجن برئ؛ لأن الطالب يقدر على أخذه في السجن ويحبس له في حقه بعد تمام ما يحبس فيه (٢). قوله: (أَوْ بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ، إِنْ أَمَرَهُ بِهِ) أي: وهكذا يبرأ الحميل إذا أسلم الغريم نفسه للطالب بشرط أن يكون الحميل قد أمره أن يسلم نفسه له؛ لأنه يصير كوكيله، وقاله ابن المواز (٣)، والظاهر أنه تقييد للمدونة، وقال ابن عبد الحكم: إذا قال له الغريم: جئتك عن حمالة فلان تسقط (٤) الحمالة، وليس له أن يقول له: لا أقبل. اللخمي: وهو أحسن (٥). قوله: (إِنْ حَلَّ الحْقُّ) أي: إنما يبرأ الحميل بتسليم الغريم إن حل أجل (٦) الدين الذي على الغريم فلا يبرأ بتسليمه له قبله " إذ لا فائدة للطالب في تسليمه حينئذ، وقاله المازري (٧) وغيره. قوله: (وَبِغَير مَجْلِسِ الْحاكِمِ إِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ) أي: ويبرأ بتسليمه له بغير مجلس الحاكم إن لم يشترطه، فإن اشترط إحضاره عند الحاكم فلا يبرأ إلا بإحضاره عند الحاكم (٨) في مجلس الاشتراط قاله في الكافي، قوله: (وبغير بلده إن كان به حاكم) أي وهكذا يبرأ الحميل إذا أسلم الغريم بغير بلد الاشتراط (٩) إن كان به حاكم، وحكى ابن عبد الحكم في ذلك قولين، المازري: وهو عندي يلاحظ مسألة الشروط التي لا تفيد (١٠).
следующие страницы →