← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

قوله: (إِلا أَنْ يَشْتَرِطَ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ) أي: إلا أن يشترط في أصل عقد (١) الكفالة أن بعضهم حميل عن بعض، فحينئذ يكون له إن غاب أحدهم (٢) أو أعدم أن يأخذ من وجده (٣) مليا بجميع حقه، قال في المدونة: وإن لقيهم أملياء لم يأخذ من كل واحد إلا ما عليه؛ إذ لا يتبع الكفيل في حضور المكفول به (٤) وملائه، ولو شرط أيهم شئت أخذت بحقي، ولم يقل بعضهم كفيل ببعض، فله أخذ أحدهم بجميع الحق، وإن كانوا حضورا أملياء، ثم لا رجوع للغارم على أصحابه بشيء إذ لم يؤدِّ بالحمالة عنهم ولكن عن الغريم (٥). قوله: (كَتَرَتُّبِهِمْ) يشير به إلى ما رواه ابن وهب في المدونة عن مالك فيمن كتب حقه على رجلين واشترط أن يأخذ حيهما عن ميتهما أو مليهما عن معدمهما، ثم قال: فذلك كحمالة أحدهما على الآخر (٦). (المتن) وَرَجَعَ الْمُؤَدِّي بِغَيْرِ الْمُؤَدَّى عَنْ نَفْسِهِ بِكُل مَا على الْمَلْقِى، ثُمَّ سَاوَاهُ، فَإنِ اشْتَرَى سِتَّةٌ بِسِتمِائَةٍ بِالْحَمَالَةِ فَلَقِيَ أَحَدَهُم أَخَذَ مِنْهُ الْجَمِيعَ، ثمَّ إِنْ لَقِيَ أَحَدَهُمْ أَخَذَهُ بِمِائَةٍ، ثُمَّ بِمِائَتَيْنِ، فَإنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثًا أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ وَبِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ، وإنْ لَقِيَ الثالِثُ رَابِعًا أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَبِمِثْلِهَا، ثم بِاثْنَي عَشَرَ وَنصفٍ، وَبِسِتَّةٍ وَرُبُع. وَهَلْ لا يَرجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ أَيْضًا إِذَا كَانَ الْحَقُّ على غَيْرِهِمْ أَوْ لا وَعَلَيْهِ الأكثَرُ؟ تأوِيلانِ. وَصَحَّ بِالْوَجْهِ. (الشرح) قوله: (وَرَجَعَ المؤدِّي بِغَيْرِ المؤدي عَنْ نَفْسِهِ بِكُل مَا عَلَى الملقِي، ثُمَّ سَاوَاهُ) (المؤَدِّي) هو الدافع، وقوله: (بِغَيْرِ المُؤَدَّى) أي: الشيء الذي دفعه عن نفسه، والمعنى أن أحد الحملاء إذا دفع الدين للطالب بعضه عن نفسه وبعضه عن بقية الحملاء فإنه لا يرجع

стр. 2242

بما أداه عن نفسه، ويرجع على من لقيه بكل ما أداه عنه، ثم ما بقي له ساواه في غرامته، مثاله (١): إذا اشترى ثلاث سلعةً بثلاثمائة درهم (٢) وهم حملاء، فإذا لقي البائع أحدهم أخذه بجميع الثمن مائة عن نفسه ومائتان بالحمالة له (٣) عن صاحبيه، فإذا لقي الدافع أحدهما أخذ منه المائة التي أدّاها عنه بالحمالة، ثم يقول: لقد بقي لي (٤) مائة أديتها عن صاحبنا وأنت معي حميل بها فساوني فيها، فيأخذ منه خمسين. قوله: (فَإِنِ اشْتَرَى سِتَّةٌ بِسِتِّمائَةٍ بِالْحَمَالَةِ فَلَقِيَ أَحَدَهُمْ أَخَذَ مِنْهُ الجْمِيعَ، ثُم إِنْ لَقِيَ أَحَدَهُمْ أَخَذَهُ بِمائَةٍ ثُم بِمائَتَيْنِ، فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثًا أَخَذَهُ بِخَمْسِينَ وَبِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ، وَإِنْ لَقِيَ الثَّالِثُ رَابِعًا أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَبِمِثْلِهَا، ثُمَّ بِاثْنَيْ عَشَرَ وَنصْفٍ وَسِتةٍ وَرُبُعٍ) هذه مسألة الحملاء الستة في المدونة (٥)، فقوله: (سِتة بِسِتِّمائَةٍ) أي: اشتروا سلعة (٦) بستمائة دراهم، وقوله: (بِالْحَمَالَةِ) أي: على أن بعضهم حميل عن بعض بجميع المال. وقوله: (فَلَقِيَ أَحَدَهُمْ) أي: فلقي صاحب الدين أحدَ الحملاء، (أَخَذَ مِنْهُ الجَمِيعَ) أي: جميع الستمائة درهم (٧)، مائة عن نفسه بطريق الأصالة، وخمسمائة بطريق الحمالة عن أصحابه الخمسة، (ثُم إِنْ لَقِيَ أَحَدَهُمْ) أي: إن لقي الدافع أحد الخمسة الباقين أخذ منه ثلاثمائة، مائة منها عن نفسه بطريق الأصالة ومائتين بطريق الحمالة؛ لأنه يقول: أنا قد دفعت ستمائة، مائة منها عن خاصة نفسه لا رجوع لي بها (٨)، وخمسمائة عنك وعن أصحابك فتنوبك مائة عن نفسك، فيأخذها ثم يقول له: بقيت لي أربع مائة أنت حميل بها معي بها فساوني فيها، فيأخذ أيضًا منه مائتين، ولهذا قال: (أَخَذَهُ بِمائَةٍ، ثُم بِمائَتَيْنِ).

стр. 2243

قوله: (فَإِنْ لَقِيَ أَحَدُهُمَا ثَالِثًا) أي: لقي أحد الغارمين ثالثا من الحملاء الباقين أخذ منه خمسين عن نفسه، وخمسة وسبعين بطريق الحمالة؛ لأنه يقول: خرج من يدي ثلاثمائة (١)، مائة عن نفسي ومائتان دفعتهما بطريق الحمالة عنك وعن أصحابك الثلاثة، ينوبك منها خمسون وتبقى مائة وخمسون أنت معي فيها شريك بالحمالة، فيأخذ منه (٢) خمسة وسبعين، وإليه أشار بقوله: (لأَخَذَ منه بِخَمْسِينَ) (٣) ثم بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ، فإِنْ لَقِيَ الثَّالِثُ رَابِعًا قال له: خرج من يدي خمسون عن نفسي وخمسة وسبعون عنك وعن صاحبيك بطريق الحمالة، ينوبك منها عن نفسك (٤) خمسة وعشرون وتبقي لي خمسون وأنت شريك معي فيها بالحمالة، فيأخذ أيضا منه خمسة وعشرين، فلهذا قال: (أَخَذَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَمثْلِهَا). قوله (٥): (ثُمَّ بِاثنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ وَسِتَّةٍ وَرُبُعٍ) فيشير بها إلى أن هذا الرابع إذا لقي خامسا أخذ منه اثني عشر ونصفا وستة وربعا؛ لأنه يقول: خرج من يدي خمسة وعشرون عن نفسي وخمسة وعشرون عنك وعن صاحبك ينوبك منها اثني عشر ونصف عن نفسك (٦)، فيأخذها منه، ثم يقول: بقي لي اثنا عشر ونصف، أنت شريكي فيها بالحمالة، فيأخذ منه ستة وربعا، ولهذا قال: (ثم باثني عشر ونصف وستة وربع)، فإذا لقي هذا الخامس السادس أخذ منه ما أدّى عنه، وهو ستة وربع، ولم يذكر الشيخ هذا لوضوحه. قوله: (وَهَلْ لا يَرْجعُ بِما يَخُصُّهُ أَيْضًا إِذَا كَانَ الْحق عَلَى غيرهِمْ أَوْ لا وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ؟ تَأَوِيلانِ) قد علمت مما تقدم أن من دفع شيئا عن نفسه لا يرجع به، وذلك بشرط (٧) أن يكونوا حملاء غرماء إن اشتروا سلعة كما علمت، واختلف إذا كان الدين على غيرهم

стр. 2244

فدفع بعضهم جميعه، ثم لقي الآخر، هل يقاسمه بالسواء في الغرم، وإليه ذهب ابن لبابة والتونسي وغيرهما، أو إنما يقاسمه بعد إسقاط ما يخصه كالأول، وإليه ذهب كثير (١) من الأندلسيين ونحوه في الموازية (٢)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ؟ تَأْوِيلانِ) على المدونة (٣). قوله: (وَصَحَّ بِالْوَجْهِ) أي: وصح الضمان بالوجه، والمراد به إحضار الغريم الذي عليه الدين وقت احتياج الطالب له، ولا خلاف فيه. (المتن) وَلِلزَّوْجِ رَدُّهُ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَبَرِئَ بِتَسْلِيمِهِ لَهُ وإنْ بِسِجْنٍ، أَوْ بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ إِنْ أَمَرَهُ بِهِ، إِنْ حَلَّ الْحَقُّ، وَبِغَيْر مَجْلِسِ الْحَاكِمِ إِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ، وَبِغَيْرِ بَلَدِهِ إِنْ كَانَ بِهِ حَاكِمٌ وَلَوْ عَدِيمًا، وَإِلَّا أُغْرِمَ بَعْدَ خَفِيفِ تَلَوُّمٍ، إِنْ قَرُبَتْ غَيْبَةُ غَرِيمِهِ كَالْيَوْمِ. وَلا يَسْقُطُ بِإِحْضَارِهِ إِنْ حُكِمَ بِهِ، لا إِنْ أَثْبَتَ عَدَمُهُ أَوْ مَوْتَهُ فِي غَيْبَتِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ بَلَدِهِ. وَرَجَعَ بِهِ وَبالطَّلَبِ، وإنْ فِي قِصَاصٍ، كَأنَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ، أَوِ اشْتَرَطَ نَفْيَ الْمَالِ، أَوْ قَالَ: لا أَضْمَنُ إِلَّا وَجْهَهُ، وَطَلَبَهُ بِمَا يَقْوَى عَلَيْهِ، وَحَلَفَ مَا قَصَّرَ، وَغَرِمَ إِنْ فَرَّطَ أَوْ هَرَّبَهُ، وَعُوقِبَ. (الشرح) قوله: (وَللزَّوْجِ، رَدُّهُ مِنْ زَوْجَتِهِ) يريد: أن الزوجة إذا تكلفت بوجه شخص فإن لزوجها رد ذلك، لأنه يقول: قد تحبس فيمنع (٤) منها، وتخرج للخصومة وليس ذلك عليه (٥)، وقاله ابن عبد الحكم (٦). قوله: (وَبَرِئَ بِتَسْلِيمِهِ له) يريد: أن ضامن الوجه يبرأ بتسليم الغريم للطالب، يريد: في مكان تأخذه فيه الأحكام، وقاله في المدونة، وزاد فيها: وإن أسلمه إليه في موضع لا سلطان فيه أو في حال فتنة أو مفازة أو بمكان يقدر الغريم على الامتناع منه، لم يبرأ

стр. 2245

الحميل حتى يدفعه إليه بموضع يصل إليه وبه سلطان فيبرأ (١). قوله: (وَإِنْ بِسِجْنٍ) هذا كقوله في المدونة: وإذا حبس المحمول بعينه فدفعه الحميل إلى الطالب وهو في السجن برئ؛ لأن الطالب يقدر على أخذه في السجن ويحبس له في حقه بعد تمام ما يحبس فيه (٢). قوله: (أَوْ بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ، إِنْ أَمَرَهُ بِهِ) أي: وهكذا يبرأ الحميل إذا أسلم الغريم نفسه للطالب بشرط أن يكون الحميل قد أمره أن يسلم نفسه له؛ لأنه يصير كوكيله، وقاله ابن المواز (٣)، والظاهر أنه تقييد للمدونة، وقال ابن عبد الحكم: إذا قال له الغريم: جئتك عن حمالة فلان تسقط (٤) الحمالة، وليس له أن يقول له: لا أقبل. اللخمي: وهو أحسن (٥). قوله: (إِنْ حَلَّ الحْقُّ) أي: إنما يبرأ الحميل بتسليم الغريم إن حل أجل (٦) الدين الذي على الغريم فلا يبرأ بتسليمه له قبله " إذ لا فائدة للطالب في تسليمه حينئذ، وقاله المازري (٧) وغيره. قوله: (وَبِغَير مَجْلِسِ الْحاكِمِ إِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ) أي: ويبرأ بتسليمه له بغير مجلس الحاكم إن لم يشترطه، فإن اشترط إحضاره عند الحاكم فلا يبرأ إلا بإحضاره عند الحاكم (٨) في مجلس الاشتراط قاله في الكافي، قوله: (وبغير بلده إن كان به حاكم) أي وهكذا يبرأ الحميل إذا أسلم الغريم بغير بلد الاشتراط (٩) إن كان به حاكم، وحكى ابن عبد الحكم في ذلك قولين، المازري: وهو عندي يلاحظ مسألة الشروط التي لا تفيد (١٠).

стр. 2246

قوله: (وَلَوْ عَدِيمًا) أي: إنما تكفل (١) بإحضاره، وهو قد أحضره، وهو المشهور، وبه قال في المدونة (٢)، وروى ابن الجهم عن مالك أنه لا يبرأ (٣)، وبه قال ابن لبابة (٤). قوله: (وَإِلا أغرِمَ بَعْدَ خَفِيفِ تَلَوُّمٍ، إِنْ قربَتْ غَيبةُ غَرِيمِهِ كَالْيَوْمِ) أي: وإن لم تحمل براءة الحميل بوجه من الوجوه المذكورة غرم ما على الغريم، وهو المشهور، وعن ابن (٥) عبد الحكم: لا غرامة عليه؛ لأنه لا (٦) يلتزم إلا إحضاره وهو لا يقتضي التزام المال (٧)، وعلى المشهور لا بد من تلوم خفيف كما قال، وهو مذهب المدونة (٨) والموازية (٩) والعتبية (١٠)، وقال ابن وهب: إذا غاب الغريم غرم (١١) الحميل دون تلوم (١٢). قوله: (وَإِنْ قَرُبَتْ غَيبةُ غَرِيمِهِ) يريد: أن التلوم مشروط بأن تكون غيبة الغريم قريبة، فإن بعدت فلا تلوم، وقاله في المدونة (١٣)، وقوله: (كَالْيَوْمِ) قال (١٤) في المدونة: كاليوم وشبهه (١٥). وفي الموازية: مثل اليوم (١٦) واليومين، وفي العتبية: والثلاثة (١٧).

стр. 2247

المازري: وقيل: هي يومان، وقيل: هي ثلاثة، قال: والأصح في هذا عندي مراعاة الضرر (١). قوله: (وَلا يَسْقُطُ بِإِحْضَاره، إِنْ حُكِمَ بِه) أي: ولا يسقط الغرم عن الحميل بإحضار الغريم إن حكم بالغرم حاكم؛ لأنه حكم مضى فلا ينقض وهو المشهور، وقاله في المدونة (٢)، وعن سحنون: إذا أحضره سقط؛ لأنه إنما يغرم لغيبته، وقد وجد، والحكم يدور مع العلة وجودا وعدما (٣). قوله: (لا إِنْ أثبَتَ (٤) عَدَمُهُ) أي: لا إن أثبت الحميل فقد الغريم، فإنه لا غرم عليه حينئذ، وقاله اللخمي، قال (٥): لأن يمين الغريم على العدم استظهار (٦)، وقال المازري: يجري فيه قولان؛ لأن الفقد إنما يثبت ببينة، ثم يحلف الغريم على ذلك (٧)، أي: فهل يغرم لتعذر هذه (٨) اليمين، أو لا لأنها استظهار. قوله: (أَوْ مَوْتهُ) أي: أو (٩) أثبت الحميل موت الغريم فإنه لا غرم عليه. وقوله: (في غَيبتِهِ) راجع إلى مسألة العدم والموت. قوله: (وَلَوْ بِغَيْر بَلَدَهِ وَرَجَعَ بِهِ) انظره مع قوله: (في غيبته)، وإنما مراده أن يشير إلى ما وقع من الخلاف، والتفصيل في هذه المسألة ونصها عند ابن زرقون: ولو مات الغريم سقطت الحمالة بالوجه، وقاله في المدونة، وقال: وهذا إذا مات في بلده قبل أن يلزم الغريم إحضاره قبل الأجل أو بعده (١٠)، ومثله عن ابن القاسم، قال: لأنه وإن

стр. 2248

حل الأجل فلم يطلب (١) به فلا شيء عليه (٢)، وأما إن مات بغير البلد فقال أشهب: لا أبالي مات غائبا أو بالبلد فإنه يبرأ الحميل (٣) وهو مذهب المدونة؛ لأن فيها إذا غرم الحميل ثم قامت بينة أن الغريم كان ميتا قبل الحكم على الحميل ارتجع ماله؛ لأنه لو علم أنه كان ميتا حين أخذ به الحميل لم يكن عليه شيء؛ لأنه إنما تحمل بنفسه وقد ذهبت (٤). الباجي: وقال ابن القاسم: يغرم الحميل إن كان الدين حالا قربت غيبته أو بعدت، وإن كان مؤجلا فمات قبله بمدة طويلة أو (٥) خرج إليه لجاء به قبل الأجل ولا شيء عليه، وإن كان على مسافة لا يمكنه أن يجيء به إلا بعد الأجل ضمن (٦)، ابن القاسم: وإن كنت قلتُ لكم شيئا غير هذا فاطرحوه (٧)، ثم قال: وعن ابن القاسم في العتبية: إن مات قبل الأجل بمدة لو كلفه أن يأتي به في الأجل أو بعده بيسير لم يغرم الحميل، قال: وهو تفسير (٨)، وعن ابن القاسم أيضا إذا بقي ما لو أقبل (٩) الغريم عند محلّ الأجل فلا شيء عليه (١٠). قوله: (وَبِالطَّلَبِ، وإنْ فِي قِصَاصٍ) هو معطوف على قوله: (صَحَّ بِالْوَجْهِ) أي: وهكذا يصح الضمان بالطلب، وإن كان على المطلوب قصاص وضمنه بسببه؛ لأنه لا يلزمه غرم فيه، وقاله عياض (١١) وغيره. قوله: (كَأَنَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ) ابن شاس: وإذا قال: أنا حميل بطلبه أو على أن أطلبه لم

стр. 2249

يلزمه سوى ذلك (١). قوله: (أَوِ اشْتَرَطَ نَفْيَ الْمَالِ) أي: ومن حالة (٢) الطلب (٣) أن يشترط الحميل على رب الدين أنه لا شيء عليه من الال؛ إذ لم يبق لذلك فائدة غير طلب الغريم. قوله: (أَوْ قَالَ لا أَضْمَنُ إِلا وَجْهَهُ) أي: لا أضمن إلا إحضاره، وقاله ابن المواز (٤)، ولم يفرق ابن رشد (٥) بين قوله: "أنا ضامن وجهه أو لا أضمن إلا وجهه"، وقال ابن زرقون: ينبغي أن ينظر إلى البساط (٦)، وقد قدمناه. قوله: (وَطَلَبَهُ بِما يَقْوَى عَلَيْهِ) هذا كقول ابن القاسم في العتبية: يعتبر في هذا ما يقوى الكفيل عليه فيكلفه، وما لا يقوى عليه فلا يكلفه (٧)، وفي الجواهر: إذا أعجزه أو غاب عنه إلى موضع بعيد وليس من شأنه السفر إلى مثله لم يكن عليه شيء (٨). وقال اللخمي: إذا لم يعلم موضعه، وحيث توجه كان عليه أن يطلبه في البلد، وفيما قرب منه واختلف إذا عرف مكانه، فقال أصبغ: يطلبه على مسيرة اليوم واليومين، وحيث لا مضرة عليه فيه (٩)، وقال عبد الملك (١٠): يخرج لطلبه قرب أو بعد ما لم يتفاحش، وأما ما يكون من أسفار الناس فليرسل إليه أو يخرج أو يؤدي عنه (١١)، ابن حبيب: والشهر ونحوه من أسفار الناس (١٢).

стр. 2250

قوله: (وَحَلَفَ مَا قَصَّرَ) هكذا قال ابن الهندي أي حميل الطلب (١) يحلف بالله أنه ها قصَّر في طلب الغريم ولا دلّس فيه ولا يعلم له مستقر (٢). قوله: (وَغَرِمَ إِنْ فرَّطَ أَوْ هَرَّبَهُ، وَعُوقِبَ) يريد: أن حميل الطلب إذا تمكن من إحضار الغريم ففرط حتى هرب أو أنذره فهرب فإنه يغرم ها عليه، وقاله غير (٣) ابن القاسم في المدونة، أبو الحسن الصغير: وهو تفسير وتتميم. قوله: (وَعُوقِبَ) هكذا قال في العتبية. (المتن) وَحُمِلَ فِي مُطْلَقِ أَنَا حَمِيلٌ، أَو زَعِيمٌ، أَو أَذِينٌ، أَو قَبِيلٌ، أَو عِنْدِي، وَإِليَّ، وَشِبْهِهِ على الْمَالِ على الأَرْجَحِ وَالأَظْهَرِ، لا إِنِ اخْتَلَفَا، وَلَمْ يَجِبْ وَكِيلٌ لِلْخُصُومَةِ، وَلا كَفِيلٌ بِالْوَجْهِ بِالدَّعْوَى، إلَّا بِشَاهِدٍ. وَإِنِ ادَّعَي بَيِنَةً بِكَالسُّوقِ وَقَفَهُ الْقَاضِي عِنْدَهُ. (الشرح) قوله: (وَحُمِلَ فِي مُطْلَقِ أَنَا حَمِيلٌ، أو زَعِيمٌ، أَو أَذين، أو قَبِيلٌ، أو عِنْدِي وَإِليَّ، وَشِبْهِهِ عَلَى الْمَالِ) يريد: بشبهه مثل علي وأنا غريم أو زعيم أو قبلي (٤). قال في المدونة: إن أراد الوجه لزمه وإن أراد المال لزمه (٥)، فإن لم يدّع أنه أراد شيئا، فقال بعض الأشياخ: اختلف هل يحمل على الوجه، وإليه ذهب بعض الأشياخ، المازري قال: لكونه أقل الأمرين، والأصل براءة الذمة أو على المال (٦). واختاره ابن يونس وابن رشد في المقدمات (٧)، وإلى هذا أشار بقوله: (عَلَى الأَرْجَحِ وَالأَظْهَرِ) قالا (٨): ولقوله ﵇: "الزعيم غارم". ابن يونس: ولأن حميل الوجه إن لم

стр. 2251

يأتِ به غرم المال (١) فالأصل في الحمالة المال؛ لأنه هو المطلوب حتى يشترط الوجه أو يقتضيه لفظه، وحكي ابن رشد القولين نصًّا (٢). ابن يونس: وأما إن اختلفا فقال الطالب: شرطت عليك الحمالة بالمال، وقال الكفيل: بل بالوجه فينبغي أن يكون القول قول الحميل؛ لأن الطالب يدعي اشتغال ذمته فعليه البيان، وإليه أشار بقوله: (لا إِنِ اخْتَلَفَا) أي: فلا يحمل على المال ويحمل على الوجه. قوله: (وَلَمْ يَجِبْ وَكِيلٌ لِلْخُصُومَةِ وَلا كَفِيلٌ بِالْوَجْهِ بِالدَّعْوَى) يريد: أن من ادعي على رجل حقًّا وسأل له أن يوكل له وكيلًا للخصومة أو كفيلًا بوجهه حتى يقيم البينة عليه، لم (٣) يجب على المطلوب ذلك بمجرد الدعوى، وقاله في المدونة (٤). وقال غيره فيها (٥): إذا ثبتت الخلطة بينهما فله عليه كفيل بنفسه ليوقع البينة على عينه (٦). قوله: (إِلا بِشَاهِدٍ) هكذا وقع (٧) في بعض النسخ بأداة الاستثناء، ويقع في بعضها بلا (٨) النافية، والأول أظهر، ولهذا قال في المدونة: إلا أن يقيم شاهدًا فله أن يأخذ كفيلًا وإلا فلا (٩)، وقاله أبو الحسن (١٠)، ثم قال: وقد يكون فيه تأويل، قال: والصواب أنه لا يأخذ منه كفيلا بالمال بالشاهد إلا أن يحلف وهو غير (١١) ظاهر؛ لأن الذي يلزم

стр. 2252

بالشاهد واليمين الغرم (١). قوله: (وَإِنِ ادَّعَى بَيِّنةً بكَالسُّوقِ وَقَفَهُ الْقَاضِي عِنْدَهُ) يعني: وإن ادّعى الطالب أن له بينة يحضر بها في السوق أو المكان القريب، قال في المدونة: أو من بعض القبائل (٢)، فإن القاضي يوقف المطلوب عنده، فإن جاء بها وإلا خلى سبيله (٣). * * *

стр. 2253

باب (في الشركة) (المتن) بَابٌ الشَّرِكَةُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا. وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ، وَلَزِمَتْ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا، كَاشْتَرَكْنَا: بِذَهَبَينِ أَوْ وَرِقَينِ اتَّفَقَ صَرْفُهُمَا، وَبِهِمَا مِنْهُمَا، وَبِعَيْنٍ، وَبِعَرْضٍ، وَبِعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا، وَكُلٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أُحْضِرَ، لا فَاتَ، إِنْ صَحَّتْ، إِنْ خَلَطَا وَلَوْ حُكْمًا، وَإِلَّا فَالتالِفُ مِنْ رَبِّهِ، وَمَا ابْتِيعَ بِغَيْرِهِ فَبَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْمُتْلِفِ نِصْفُ الثَّمَنِ، وَهَلْ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالتلَفِ فَلَهُ وَعَلَيْهِ، أَوْ مُطْلَقًا إِلًا أَنْ يَدَّعِيَ الأَخْذَ لَهُ؟ تَرَدُّدٌ. (الشرح) قوله: (الشَّرِكَةُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسهِمَا) الشركة: بكسر الشين وتسكين الراء، وهي تحصل بين (١) اثنين أو جماعة في العين و (٢) غيره، وتجوز بالكتاب والسنة والإجماع (٣)، ورسمها هنا بما قال، أي: إذن كل واحد لصاحبه أن يتصرف مع نفسه، قوله: (إِذْنٌ) كالجنس يشمل الشركة والوكالة، ومع أنفسهما قيد تخرج به الوكالة، ولا يكون شريكًا لصاحبه حتى يشاركه في رقاب الأموال على الإشاعة كما سيأتي، قال في المدونة (٤): وهي من العقود الجائزة لكل واحد أن ينفصل عن شريكه متى أراد، ولا يلزمه البقاء معه على الشركة إلا المزارعة، ، فحكى فيها قولين: الأول: أنها تلزم (٥) بالعقد، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن سحنون (٦) وابن كنانة، وابن الماجشون وسحنون أن القول (٧) الثاني: لا تلزم بالعقد، وهو معنى قول ابن القاسم (٨) في المدونة، ونص رواية أصبغ عنه (٩)، وخرج اللخمي قولًا بلزومها وشهره في

стр. 2254

مفيد (١) الحكام (٢) ونحوه لابن يونس. قوله: (وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ (٣) التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُلِ) يريد: أن من جاز له (٤) أن يوكل ويتوكل جاز له أن يشارك، وأما (٥) من لا يجوز له ذلك فلا تجوز له الشركة كالعبد غير المأذون له وغيره من المحجور عليهم. قوله: (وَلَزِمَتْ بِما يَدُلُّ عُرْفًا كَاشْتَرَكنَا) يريد: أنها لا تختص بلفظ بل تنعقد بكل ما يدل عليها عرفًا من قول كاشتركنا أو فعل كخلط (٦) المالين والعمل بهما. قوله: (بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرِقَيْنِ اتَّفَقَ صَرْفُهُما) هو متعلق بقوله: (وَإِنَّمَا تَصِحُّ) أي (٧): إنما تصح الشَّرِكَةُ (بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرَقَيْنِ) إلى آخره، أي: ذهب من هذا ومن الآخر ذهب مثله، أو من هذا ورق ومن الآخر ورق مثله، ولو أخرج هذا ذهبًا والآخر ورقًا لم يجز على المشهور (٨)؛ لأنه صرف وشركة، وذلك ممنوع، وأجازه أشهب وسحنون، ومثله في الموازية عن مالك، وعنه كراهته، ولا بد من اتفاق صرف الذهبين أو الورقين. قوله: (وَبِهِما مِنْهُما) أي: وكذا تصح الشركة بالذهب والورق من الشريكين بأن يخرج هذا ذهبًا وورقًا، والآخر (٩) ذهبًا وورقًا، ولا خلاف فيه. قوله: (وَبِعَيْنٍ وَبعَرْضٍ) أي: يخرج هذا عينًا ذهبًا أو ورقًا، وهذا عرضًا، ولهذا أعاد (١٠) حرف الجر (١١). قوله: (وَبِعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا) أي: سواء كانا متفقين أو مختلفين، وقاله في المدونة، وعن

стр. 2255

مالك في الموازية: في المختلفين ليس من عمل الناس، وأرجو ألا يكون به بأس، وحمله ابن رشد (١)، والظاهر الوفاق لقوله: أرجو ألا يكون به بأس، ولو كان ممنوعًا لكان به البأس. قوله: (وَكُلٌّ بالْقِيمَةِ) أي: بقيمة عرض كل واحد منهما. قوله: (يَوْمَ أحضِرَ) أي: يوم أحضر الاشتراك به، فإذا كان عرض أحدهما يساوي عشرين، وعرض الآخر يساوي عشرة فالمال بينهما على ثلاثة أجزاء عند القسمة (٢)، وقاله في المدونة (٣). قوله: (لا فَاتَ) أي: لا يوم الفوت (٤)، وهذا الذي قدّمه مشروط بصحة الشركة، ولهذا قال: (إن صحّت)، واحترز به مما إذا وقعت فاسدة فإن المشهور أن يكون رأس مال كل واحد منهما ما بيع به عرضه لا قيمته (٥) يوم أحضره؛ لأن العرض في الشركة الفاسدة (٦) لم يزل على ملك ربه وفي ضمانه إلى يوم البيع وقيل إن القيمة يوم الإحضار (٧) كالصحيحة، وليس بمنصوص، وإنما خرّجه التونسي مما إذا أخرج أحدهما ذهبًا: والآخر ورقًا، فإن المشهور فسادها، وهو قول ابن القاسم مع أنه قال: إذا اشترى كل واحد سلعة، وعرفها (٨) فيقسمان الربح على حسب رأس المال (٩)، وخرّجه الشيخ على القول بأن المستثنى من أصل إذا فسد ألحق بصحيح نفسه، وقيل: بصحيح أصله. قوله: (إِنْ خَلَطَا وَلَوْ حُكْمًا) يريد: أن الشركة لا تحصل بينهما إلا إذا خلطا المالين ولو حكما، وحينئذ يكون ما تلف منهما معًا، قال في المدونة: وإذا أخرج كل

стр. 2256

واحد ذهبه (١) وصره على حدة، وجعل الصرّتين بيد أحدهما أو في تابوته أو في خرجه فالذاهبة منهما (٢)، ولا إشكال في الخلط الحسي، قال في المدونة: وإن بقيت صرة كل واحد منهما بيده فضياعها منه حتى يخلطا أو يجعلا الصرتين عند أحدهما (٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَإِلا فَالتَّالِفُ مِنْ رَبِّهِ) ثم قال في المدونة: وإن بقيت كل صرة بيد ربها حتى ابتاع بها أحدهما أمة على الشركة، وتلفت الصرة الأخرى، والمالان متفقان، فالصرة من ربها (٤)، والأمة بينهما (٥)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَمَا ابْتِيعَ بِغَير فبيْنَهُمَا) أي: ما اشتري بغير المال التالف بين الشريكين. ابن يونس: يريد بعد أن يدفع لشريكه نصف ثمنها؛ لأنه إنما اشتراها على الشركة، وإليه أشار بقوله: (وَعَلى الْمُتْلِفِ نِصْفُ الثمَنِ) قال في المدونة: وقال غيره: لا تنعقد بينهما شركة حتى يخلطا (٦) خلطًا حسيًّا لا يتميز معه أحد المالين، وهو قول سحنون. المتيطي: ولم يختلف ابن القاسم وغيره أن الضائعة من ربها، وحمل اللخمي قوله (في الضائعة) على معنى أنها ضاعت قبل الشراء أو (٧) قبل الجمع، وفيها: حق توفية من وزن أو انتقاد، قال: وأما لو وزن كلٌّ صرته (٨) وقلبت وخليت عند صاحبها على وجه الشركة، فإن مصيبتها منهما كالجارية (٩). قوله: (وَهَلْ إِلا أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّلَفِ فَلَهُ وَعَلَيْهِ؟ أَوْ مُطْلَقًا إِلا أَنْ يَدَّعِيَ الأَخْذَ؟ تَرَدُّدٌ) وهل ما ذكره من أن الشريك الذي تلف ماله، يشارك الآخر فيما ابتاعه بماله مقيد بما إذا لم يعلم بالتلف حين الشراء، وأما لو علم فيكون ما اشتراه له خاصة، فيكون له ربحه، وعليه خسارته، أو يشاركه فيه مطلقًا، فاختلف الأشياخ في ذلك، وإلى الأول ذهب في

стр. 2257

المقدمات (١)، وقال ابن يونس عن بعض أصحابه: إذا اشترى بعد التلف عالمًا به فشريكه مخير إن شاء شاركه أو يترك له ذلك إلا أن يقول: إنما اشتريتها لنفسي فتكون له خاصة، ولما كان هذا متفقًا عليه أخرجه من محل التردد. بقوله (٢): (إِلا أَنْ يَدَّعِيَ الأَخْذَ لِنَفْسِهِ) أي: فإنها له بلا نزاع. (المتن) وَلَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا إِنْ لَمْ يَبْعُدْ وَلَمْ يتجَرْ لِحُضُورِهِ. لا بِذَهَبٍ وَبِوَرِقٍ، وَبِطَعَامَيْنِ، وَلَوِ اتَّفَقَا. ثُمَّ إِنْ أَطْلَقَا التَصَرُّفَ -وَإِنْ بِنَوْعٍ- فَمُفَاوَضَةٌ. وَلا يُفْسِدُهَا انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِشَيءٍ، وَلَهُ أَنْ يتَبَرَّعَ إِنِ استئلف بِهِ أوْ خَفَّ، كَإِعَارَةِ آلَةٍ وَدَفْعِ كِسْرَةٍ، وَيُبْضِعَ، وَيُقَارِضَ وَيُودعَ لِعُذْرٍ، وَإِلَّا ضَمِنَ، وَيُشَارِكَ فِي مُعَيَّنٍ، وَيُقِيلَ، وَيُوَلِّيَ، وَيَقْبَلَ الْمَعِيبَ وَإِنْ أبَى الأخَرُ، وَيُقِرَّ بِدَيْنٍ لِمَنْ لا يُتهَمُ عَلَيْهِ. وَيَبِيعَ بِالدَّيْنِ، لا الشِرَاءُ بِهِ، كَكِتَابَةٍ. وَعِتْقٍ على مَالٍ، وإذْنٍ لِعَبْدٍ فِي تِجَارَةٍ وَمُفَاوَضَةٍ. (الشرح) قوله: (وَلَوْ غَابَ أَحَدُهُمَا إِنْ لَمْ يَبْعُدْ وَلَمْ يُتجَرْ لِحضُوره) أي: وصحّت الشركة ولزمت بالعقد، ولو كان أحد المالين غائبًا، و (٣) قد اختلف في جوازها مع غيبة أحد المالين، والذي عليه مالك وابن القاسم في المدونة -وهو المشهور- الجواز، وذهب سحنون إلى المنع. اللخمي: والأول أحسن، وقيده بقيدين: الأول: ألا تكون الغيبة بعيدة جدا (٤). الثاني: ألا يتجر بالمال الحاضر إلا بعد حضور المال الغائب، ولهذا قال: (إن لم يبعد ولم يتجر لحضوره). قوله: (لا بِذَهَبٍ وَبِوَرِقٍ) أي: وإنما أعاد الحرف (٥) مع قوله: (وَبِوَرِقٍ) (٦) لينبه على أن الذهب وقع من جانب والورق من الجانب الآخر، وقد تقدم أن مذهب المدونة وهو المشهور منعه، خلافًا لأشهب وسحنون، وروى ابن وهب كراهته (٧)، ولو لم يكرر

стр. 2258

الحرف مع قوله: (وَبِوَرِقٍ) لأوهم المنع، ولو أخرج هذا ذهبًا أو ورقًا (١)، وهذا مثله، والأمر بخلافه. قوله: (وَبِطَعَامَيْنِ، وَلَوِ اتَّفَقَا) أي (٢): لا تجوز الشركة بالطعامين، ولو اتفقا في الصفة، وقاله مالك في المدونة، وأجازها ابن القاسم في المتفق صفة وجودة من نوع واحد على الكيل، ورجع مالك إلى المنع (٣)، وفي البيان والمقدمات قول بالجواز، ولو اختلف الطعامان (٤). قوله: (ثُمَّ إِنْ أَطْلَقَا التصَرُّفَ وإنْ بِنَوْعٍ، فَمُفَاوَضَةٌ) الشركة على ثلاثة أقسام: شركة أبدان، وشركة وجوه وسيأتيان (٥) وشركة أموال، وهي أيضا على ثلاثه أقسام: شركة مضاربة، وهي القراض وشركة عنان وسيأتيان، وشركة مفاوضة، وهي التي أراد هنا. ومعنى قوله: (أَطْلَقَا التَّصَرُّفَ) أي: جعل كل واحد منهما (٦) لصاحبه أن يتصرف في الغيبة والحضرة (٧) في البيع والشراء والكراء (٨) والاكتراء، قال في المدونة: والمفاوضة على وجهين: إما في جميع الأشياء، وإما في نوع واحد من المتاجر كشراء الرقيق يتفاوضان فيه (٩)، وإليه أشار بقوله: (وَإِن بِنَوْعٍ). قوله: (وَلا يُفْسِدُهَا انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِشَيءٍ) يريد: أن المتفاوضين إذا كان لأحدهما مال على انفراده يعمل فيه لنفسه، فإن الشركة لا تفسد بذلك، وقيل (١٠) لا خلاف فيه. قوله: (وَلَهُ أَنْ يَتَبَرع إِن استئلف به) (١١) أي: ولأحدهما أن يتبرع من مال الشركة

стр. 2259

بشرط أن يكون ذلك استئلافًا للتجارة؛ لأنه يعود بنفع على المال، وقاله (١) في المدونة، وقيل: يمنع (٢)؛ لأنه سلف بزيادة، اللخمي: والأول أحسن (٣). قوله: (أَوْ خَفَّ، كَإِعَارةِ آلَةٍ وَدَفْعِ كسْرَةٍ) أي: لما جرت به العادة لخفته كإعارة ماعون وإعطاء كسرة وشرب ماء ونحوه، وفي (٤) المدونة: كإعارة غلام ليسقي (٥) له دابته أو نحوه. قوله: (وَيُبْضِعَ وَيُقَارِضَ ويودع لعذر وإلا ضمن) هذا كقوله في المدونة: ولإحدى (٦) المتفاوضين أن يبضع ويقارض (٧) دُونَ إِذْنِ الآخَرِ وأما إيداعه (٨)، فإن كان لعذر (٩) كنزوله ببلد فيرى أن يودع إذ منزله (١٠) الفنادق، وما لا أمن فيه فذلك له، وأما إن أودع لغير عذر ضمن (١١)، رقال في موضع آخر بعده: لا يجوز له أن يقارض إلا بإذن شريكه، فأما أن يشارك في سلعة بعينها شركة (١٢) غير مفاوضة فذلك جائز (١٣)، وإليه أشار بقوله: (ويُشَارِكَ فِي مُعَين). قوله: (وَيقيلَ، ويُوَلِّي) أي: ولأحد الشريكين أن يُقيل من سلعة باعها (١٤) أو شريكه ويوليها لغيره كبيعه، قال في المدونة: ما لم تكن محاباة، ثم قال: وإقالته لخوف عدم

стр. 2260

الغريم من النظر (١). قوله: (وَيَقْبَلَ الْمَعِيبَ وَإِنْ أَبَى الآخَرُ) هو كقوله في المدونة أيضا: وإن اشترى أحدهما عبدًا فوجد (٢) به عيبًا فرضيه هو أو شريكه لزم ذلك الآخر، ثم قال: فإن ردّه مبتاعه ورضي شريكه لزم رضاه؛ لأن مشتريه لو ردّه ثم (٣) اشتراه شريكه، وقد علم بذلك (٤) لزم ذلك مشتريه. (٥) قوله: (وَيُقَرَّ بِدَيْنٍ لِمَنْ لا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ) أي: ولأحدهما أن يقر بدين من شركتهما لمن لا يتهم عليه، ويلزم شريكه ذلك، فأما من يتهم عليه كأبويه أو ولده أو جده أو جدته أو زوجته أو صديق ملاطف لم يلزم ذلك شريكه، وقاله في المدونة (٦)، وخرج اللخمي قولًا بصحة ذلك من أحد القولين في (٧) المفلس إذا أقر لمن يتهم عليه (٨). قوله: (٩) (وَيبِيعَ بِالدَّيْنِ) أي: وهكذا يجوز لأحدهما أن يبيع إلى أجل، وهو مراده بالدين، وهذا هو المشهور، وهو مذهب المدونة، ومثله عن سحنون في العتبية، وفي الموازية أن ذلك لا يجوز، ورواه أصبغ عن ابن القاسم، وفي سماع ابن القاسم عن مالك كراهية ذلك. قوله: (لا الشِّرَاءُ بِهِ) أي: بالدين، فإنه لا يجوز إلا بإذن الآخر ونحوه في المدونة (١٠). قوله: (كَكِتَابَةٍ وَعِتْقٍ عَلَى مَالٍ، وَإِذْنٍ لِعَبْدٍ فِي تِجَارَةٍ) قال في المدونة: وعبد المتفاوضين ليس لأحدهما أن يأذن له في التجارة ولا يكاتبه ولا يعتقه على مال إلا بإذن

стр. 2261

شريكه، إلا أن يأخذ مالًا من أجنبي على عتقه، مثل قيمته فأكثر، فيجوز وهو كبيعه (١). قوله: (وَمُفَاوَضَةٍ) هو معطوف على قوله: (كَكِتَابَةٍ) أي: وليس لأحدهما أن يشارك غيره شركة مفاوضة بغير إذن شريكه، وقاله في المدونة، وأما إن شاركه في سلعة بعينها غير شركة مفاوضة فجائز (٢). (المتن) وَاسْتَبَدَّ آخِذُ قِرَاضٍ، وَمُسْتَعِيرُ دَابَّةٍ بِلا إِذْنٍ، وَإِنْ لِلشَّرِكَةِ، وَمُتَّجِرٌ بِوَدِيعَةٍ بِالرِّبْحِ وَالْخُسْرِ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ شَرِيكُهُ بِتَعَدِّيهِ فِي الْوَدِيعَةِ، وَكُلٌّ وَكِيلٌ، فَيُرَدُّ على حَاضِرٍ لَمْ تتَوَلَّ: كَالْغَائِب إِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ، وَإِلَّا انْتُظِرَ. وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَتَفْسُدُ بِشَرْطِ التَّفاوُتِ. وَلِكُلٍّ أَجْرُ عَمَلِهِ لِلآخَرِ، وَلَهُ التَّبَرُّعُ، وَالسَّلَفُ، وَالْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَالْقَوْلُ لِمُدَّعي التَّلَفِ وَالْخُسْرِ، وَلآخِذٍ لائِقٍ لَهُ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ وَحُمِلَ عَلَيْهِ فِي تَنَازُعِهِمَا، وَلِلاِشْتِرَاكِ فِيمَا بِيَدِ أَحَدِهِمَا، إِلَّا لِبَيِّنَةٍ على كَإِرْثِهِ، (الشرح) قوله: (وَاسْتبَدَّ آخِذُ قِرَاضٍ ... إلي آخره)، يريد: أن أحدهما إذا أخذ قراضًا فإنه يختصّ بربحه ولا خسارة على الآخر فيه، قال (٣) في المدونة؛ لأن المقارضة ليست من التجارة، وإنما هو أجير (٤) آجر نفسه فلا شيء لشريكه في ذلك (٥)، وكذلك في الموازية (٦) عن مالك، وقال أشهب: ما ربحه في القراض (٧) فهو داخل بينهما في الشركة، وقال بعض القرويين الأشبه أن يكون القراض له وللعامل الأجرة في نصيب الذي أخذ القراض؛ لأنه يقول لم أتطوع بالعمل إلا ظنًا أنه يعمل في المال، فإذا شغل (٨) نفسه فيما انتفع به فيجب أن أرجع أنا بأجرة مثلي فيما عملته مما يجب عليه عمله. قوله: (وَمُسْتَعِيرُ دَابَّةٍ بِلا إِذْنٍ، وَإِنْ لِلشَرِكَةِ) هو كقوله في المدونة: وإن استعار بغير

стр. 2262

إذن شريكه ما حمل عليه لنفسه أو لمال الشركة فتلف فضمانه (١) من المستعير ولا شيء على شريكه، وقال غيره: لا يضمن الدابّة في العارية إلا أن يتعدّى (٢). أبو محمد: وهو تفسير قول ابن القاسم. قوله: (وَمُتَّجِرٌ بِوَدِيعَةِ بالرِّبْحِ وَالْخُسْرِ) أي: وكذا يستبدّ بربح الوديعة أحدهما إذا تَجر بها بغير إذن صاحبه يدَل عليه قوله: (إِلا أَنْ يَعْلَمَ شَرِيكُهُ بِتَعَدِّيهُ فِي الْوَدِيعَةِ) أي: فيكون الربح بينهما والضمان عبيهما، وقاله في المدونة، وقال غيره فيها: وإن رضي الشريك وعمل معه فإنما له أجر مثله فيما عمل، وإن رضي ولم يعمل معه فلا شيء عليه (٣)، ولا ضمان عليه (٤). قوله: (بِالرِّبْحِ وَالْخُسْر (٥)) متعلق بقوله: (وَاسْتبَدَّ) وهو راجع إلى المسائل الثلاث، والمراد بالخسر الخسارة. قوله: (وَكُلٌّ وَكِيلٌ، فَيردُّ عَلَى حَاضِرٍ لَمْ يَتَوَلَّ، كَالْغَائِبِ إِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ، وَإِلا انْتُظِرَ) يريد: أن كل واحد منهما وكيل عن صاحبه في بيعه وشرائه وكرائه واكترائه، وغير ذلك، فإذا باع أحدهما شيئًا، ثم اطلع المبتاع على عيب به فله رده على من حضر من الشريكين، وإن لم يكن قد تولى بيعه في الأصل، أما إن كان البائع (٦) حاضرًا فكلام المبتاع معه، لأنه أقعد بحال متاعه، وإن كان غائبًا بعيد الغيبة فالكلام مع الشريك (٧) الحاضر، وإن قربت غيبته انتظر (٨)، انظر الكبير (٩). قوله: (وَالربْحُ وَالْخُسْرُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ) يريد: أن ربح مال الشركة وخسارتها يوزع على قدر المالين، فإذا كان لهذا ثلثان، ولهذا ثلث فالربح بينهما على الثلث والثلثين،

стр. 2263

وكذلك (١) الخسارة. قوله: (وَتَفْسُدُ بِشَرْطِ التَّفَاوُتِ) يعني: فإن عقد الشركة على شرط التفاوت في الربح فسدت كما إذا أخرج هذا ألفًا، وهذا ألفين، واشترطا أن يكون الربح بينهما نصفين، فإن عثر على ذلك قبل الشروع فسخت، وإن عملا رجع صاحب الألفين بفاضل الربح فيأخذ ثلثيه (٢) ويرجع الآخر عليه بفاضل عمله فيأخذ سدس أجرة المجموع، وإليه أشار بقوله: (وَلكُلٍّ أَجْرُ عَمَلِهِ لِلآخَرِ) وقيل: لا أجر لصاحب الثلث في الزيادة، واختار اللخمي التفصيل، إن خسر فلا شيء له، وإن رت فله الأقل من أجرة المثل وما (٣) ينوب ذلك الجزء من الربح (٤). قوله: (وَلَهُ التَّبرع، وَالسَّلَفُ، وَالْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ) أي: أما بعد العقد فيجوز لأحد الشريكين أن يتبرع على الآخر بزيادة في الربح أو العمل أو يسلفه شيئًا، أو يهبه شيئًا ونحو ذلك إذ لا محذور فيه، لأنه ليس لأجل الشركة. قوله: (وَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي التَّلَفِ وَالخُسْرِ) يريد: أن من بيده شيء من الشريكين من مال الشركة فهو فيه أمين، فإذا قال (٥): تلف أو بعضه أو خسر فهو مصدق، وقال في الجواهر: ما لم يظهر كذبه، وإن اتهم استحلف (٦). قوله: (وَلآخِذ لائِقٍ لَهُ) أي: وكذا يكون القول قول من ادّعى منهما أنه ابتاع شيئًا لنفسه لا للشركة (٧) إذا كان مما يشبه أن يشتري له من مأكول أو ملبوس، وأما إذا ابتاع شيئًا من الرقيق أو العروض فإن لشريكه الدخول فيه، وقاله ابن القاسم. قوله: (وَلْمُدَّعِي النِّصْفِ) أي: القول قول من ادّعي على (٨) نصف المال من

стр. 2264

الشريكين يحتمل أن يريد بكلامه إذا مات أحدهما، وقال اللخمي: ومن قال (١): المال بيننا (٢) نصفين فإنه يصدق، وإلا فقوله: (وَحُمِلَ عَلَيْهِ فِي تَنَازُعِهِمَا) يغني (٣) عن (٤) ذلك، ولكن هذا ظاهره يوافق قول أشهب لا ابن القاسم، قال في الموازية عن ابن القاسم في شريكين أرادا المفاصلة، فقال أحدهما: لك الثلث، ولي الثلثان، وقال الآخر: المال بيننا نصفان، (٥) فلمدعي الثلثين النصف، ولمدعي النصف الثلث، ويقسم السدس بينهما نصفين، وقال أشهب: المال بينهما نصفان بعد أيمانهما؛ لأن كل واحد منهما (٦) حائز (٧) النصف فله حجة (٨)، ويحتمل أن يكون قوله: (وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ) أي: في الربح. وقوله: (وَحُمِلَ عَلَيْهِ فِي تَنَازُعِهِمَا) أي: في المال أو (٩) العكس، وقد أطال ابن يونس الكلام على هذه المسألة فانظره. قوله: (وَالاشْتِرَاكِ فِيما بِيد أَحَدِهِمَا إِلا بِبَيِّنةٍ عَلَى كَإِرْثهِ) يريد: أن أحد المتشاركين المتفاوضين إذا ادّعى شيئًا في المال مما (١٠) بيده أنه له خاصّة، وقال شريكه: بل هو بيننا من المال المشترك، فإنّ القول قول من ادّعى الاشتراك، قال في المدونة: إلا ما قامت عليه البينة أنه لأحدهما بإرث أو هبة أو صدقة، أو كان له قبل التفاوض وأنه لم يفاوض (١١) عليه فيكون له خاصّة، والمفاوضة فيما سواه قائمة (١٢).

стр. 2265

(المتن) وَإِنْ قَالَتْ لا نَعْلَمُ تَقَدُّمَهُ لَهَا إِنْ شُهِدَ بالْمُفَاوَضَةِ، وَلَوْ لَمْ يُشْهَدْ بِالإِقْرَارِ بِهَا على الأَصَحّ، وَلِمُقِيمِ بَيِّنَةٍ بِأخْذِ مِائَةٍ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ، إِنْ أَشْهَدَ بِهَا عِنْدَ الأَخْذِ، أَوْ قَصُرَتِ الْمُدَّةُ: كَدَفْعِ صَدَاقٍ عَنْهُ فِي أَنهُ مِنَ الْمُفَاوَضَةِ، إِلَّا أَنْ يَطُولَ كَسَنَةٍ، وَإِلَّا بِبَيِّنَةٍ بِكَإِرْثه، وَإِنْ قَالَتْ لا نَعْلَمُ. وَإِنْ أَقَرَّ وَاحِدٌ بَعْدَ تَفَرُّقٍ أَوْ مَوْتٍ فَهُوَ شَاهِدٌ فِي غَيْرِ نَصِيبِهِ. وَأُلْغِيَتْ نَفَقَتُهُمَا وَكِسْوَتُهُمَا، وَإِنْ بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيِ السِّعْرِ، كَعِيَالِهِمَا، إِنْ تَقَارَبَا، وَإِلَّا حَسَبَا كَانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِهِ، (الشرح) قوله: (وَإِنْ قَالَتْ: لا نَعْلَمُ تَقَدُّمَهُ لها) يريد: أن البينة إذا قالت: نعلم أنه ورثه ولكن لا نعلم هل ذلك مقدّم على الشركة أو مؤخر، فإن من شهدت له يختصّ بذلك، ولا يدخل في الشركة؛ لأن الأصل بقاء ذلك على ملك (١) ربه حتى يدل دليل على انتقاله. قوله: (إِنْ شُهِدَ بِالْمُفَاوَضَةِ، وَلَوْ لَمْ يُشْهَدْ بِالإِقْرَارِ بِهَا عَلَى الأَصَحِّ) يعني: أنه اختلف إذا شهد (٢) الشهود بالمفاوضة فقط، ولم يشهدوا أنه أقر عندهم بها هل يكتفي بذلك إذا كانوا عالمين بما يشهدون به أو لا، بل حتى يقول الشهود: أقر عندنا بالمفاوضة وأشهدنا بها، والأول أصح، وإليه ذهب ابن سهل، وإلى الثاني ذهب ابن العطار وابن دحون وابن الشقاق. قوله: (وَلِمُقِيمِ بَيِّنَةٍ بِأَخْذِ (٣) مِائَةٍ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ (٤)، إِنْ أشهد (٥) بِهَا عِنْدَ الأَخْذِ، أَوْ قَصُرَتِ المُدَّةِ) أي: والقول قول من أقام بيّنة أن صاحبه قال: أخذت (٦) مائة من مال الشركة وأنها باقية في ذمّة شريكه إن شهدت بها بينة (٧) حين الأخذ، سواء طال ذلك أم لا، أولم يشهد بها حين الأخذ إلا أن المدة قصرت (٨)، فإن طالت الدة في هذا فلا يلزم الشريك

стр. 2266

شيء، وفي المدونة: إذا مات أحدهما فأقام الحي بيّنة أن مائة من الشركة كانت عند الميت فلم توجد ولا عَلم سقوطها (١)، فإن كان موته قريبًا من أخذها فيما يظن أن مثله (٢) لم يشغلها في تجارة فهي في حصته، وأما إن (٣) تطاول وقته لم يلزمه (٤). قوله: (كَدَفْعِ صَدَاقٍ عَنْهُ فِي أنَّهُ مِنَ الْمُفَاوَضَةِ إِلا أَنْ يَطُولَ كَسَنةٍ) أي: وكذلك يكون القول لمن دفع صداقًا عن صاحبه في أنه من مال المفاوضة إلا أن يطول الأمر في ذلك، وعن سحنون في أخوين مشتركين شركة مفاوضة دفع أحدهما عن أخيه صداق امرأته ولم يذكر أنه من ماله ولا من مال أخيه، ثم مات الدافع، فقام ورثته يطلبون ذلك، فقال: إن دفع وهما متفاوضان ثم أدام سنين كثيرة ولا يطلب أخاه فهذا ضعيف، وإن كان بحضرة (٥) ذلك فهو بينهما شطران (٦)، ومجاسب (٧) به (٨)، فانظر كيف جعل الطول السنين الكثيرة، وجعله (٩) الشيخ السنة ونحوها (١٠). قوله: (وَإِلا بِبَيِّنةٍ بِكَإِرْثه (١١)، وإنْ قَالَتْ: لا نَعْلَمُ) أي: إلا أن تقول البيّنة: أن المائة من ميراث حصل أو هبة أو صدقة أو نحوه، ولو قالت البينة: لا نعلم أكان الدفع قبل المفاوضة أم بعدها. قوله: (وَإِنْ أَقَرَّ وَاحِدٌ بَعْدَ تَفَرُّقٍ أَوْ مَوْتٍ فَهوَ شَاهِدٌ فِي غَيْر نَصِيبِهِ) يريد: أن الشريكين إذا افترقا فأقر واحد منهما بدين عليهما، أو مات واحد منهما فأقرّ الحي منهما

стр. 2267

بدين؛ فإنه يلزمه ما أقرّ به من نصيبه (١)، وهو في نصيب الآخر شاهد لربّ الدّين يحلف معه ويستحق، وقاله ابن القاسم. قال (٢) سحنون: يلزمهما (٣) ما أقر به أحدهما في أموالهما بعد افتراقهما، وظاهره ولو مع الطول، وفي اللخمي: إن أقر بعد طول الافتراق لم يقبل، ويختلف إذا أقرّ بقرب ذلك وادعى أنه نسي (٤). قوله: (وَأُلْغِيَتْ نَفَقَتُهُمَا وَكِسْوَتُهُما) يعني: أن نفقة المتفاوضين وكسوتهما من المال ملغاة، يريد: إذا كان المال بينهما متناصفًا، وإن كان لواحد منهما الثلث والباقي للآخر لم ينفق صاحب الثلث من ذلك إلا قدر جزئه (٥)، ولم يجز أن ينفق بقدر عياله إذا كان لهما عيال ليحاسب صاحبه في المستقبل؛ لأنه أخذ (٦) من المال أكثر مما يأخذه صاحبه، وأشار بقوله: (وَإِنْ بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَي السِّعْرِ كَعِيَالِهِمَا، إِنْ تَقَارَبَا) يشير إلى قوله في المدونة: ويلغيان نفقتهما كانا في بلد واحد أَو بلدين، وإن اختلف سعرهما (٧) كانا ذوي عيال، أو لا عيال لهما (٨)، يريد: إذا كانت نفقتهما (٩) متساوية أو متقاربة كما قال هنا، وقاله ابن القاسم. قوله: (وَإِلا حَسَبَا) أي: وإن لم تكن نفقتهما متساوية (١٠) فإن كل واحد منهما يحسب نفقته ونفقة عياله على حدة، قال في المدونة: وإن كان لأحدهما عيال وولد وليس للآخر أهل ولا ولد حسب كل واحد ما أنفق (١١)، وإليه أشار بقوله: (كَانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِهِ) أي: بالعيال عن الآخر، وإذا اختلف سعر البلدين ولكل منهما عيال، فقال ابن يونس (١٢):

стр. 2268

ينبغي أن تحسب النفقة؛ إذ نفقة العيال ليست من التجارة، وقال اللخمي: ظاهر المذهب أنه لا التفات إلى اختلاف السعر (١). (المتن) وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً لِنَفْسِهِ فَلِلآخَرِ رَدُّهَا، إِلَّا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ، وَإِنْ وَطِئَ جَارِيةً الشِّرِكَةِ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَحَمَلَتْ قُوِّمَتْ، وَإِلَّا فَلِلآخَرِ إِبْقَاؤُهَا أَوْ مُقَاوَاتُهَا، وَإِنِ اشْتَرَطَ نَفْيَ الاِسْتِبْدَادِ فَعِنَانٌ. وَجَازَ لِذِي طَيْرٍ وَذِي طَيْرَةٍ أَنْ يتفِقَا على الشِّرِكَةِ فِي الْفِرَاخِ. وَاشْتَرِ لِي وَلَكَ، فَوَكَالَةٌ. وَجَازَ وَانْقُدْ عَنِّي، إِنْ لَمْ يَقُلْ وَأَبِيعُهَا لَكَ، وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا إِلَّا أَنْ يَقُولَ: وَاحْبِسْهَا، فَكَالرَّهْنِ، وَإِنْ أَسْلَفَ غَيْرُ الْمُشْتَرِي جَازَ، إِلَّا لِكَبَصِيرَةِ الْمُشْتَرِي، وَأُجْبِرَ عَلَيْهَا، إِنِ اشْتَرَى شَيْئًا بِسُوقِهِ، لا لِكَسَفَرٍ أَو قِنْيَةٍ، وَغَيْرُهُ حَاضِرٌ لَمْ يتكَلَّمْ مِنْ تُجَّارِهِ، وَهَلْ وَفِي الزُّقَاقِ لا كَبَيْتهِ؟ قَوْلانِ. (الشرح) قوله: (وَإِنِ اشْتَرَى جَارِيةً لِنَفْسِهِ، فَلِلآخَرِ رَدُّهَا، إِلا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ) اعلم أن أحدهما إذا ابتاع جارية من المال فله ثلاثة أوجه، أشار بهذا الكلام إلى اثنين منهما (٢)، والثالث يأتي بعدهما، فالأول إذا ابتاعها (٣) لنفسه، ابن يونس: يريد: ولم يطأها بعد فللشريك الآخر أن يمضي له ذلك أو يردها للشركة، وقاله في المدونة (٤)، والوجه الثاني أن يبتاعها للوطء بإذن شريكه (٥)، فلا شك أن شريكه قد أسلفه نصف ثمنها وأن ربحها له وعليه نقصها، وهو معنى قوله: (إِلا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ) أي فليس لشريكه فيها بعد ذلك خيار. قوله: (وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ الشِّرْكَةِ بِإِذْنِهِ، أَوْ بغَيْرِ إِذْنِهِ وَحَمَلَتْ قُوِّمَتْ) هذا هو الوجه الثالث، وهو أن يبتاع الجارية للتجارة، ثم يطأهَا، فإن كانت بإذن شريكه وقد اشتراها للوطء (٦)، وحملت فإنها تقوّم عليه، وكذلك إن ابتاعها للتجارة (٧)، ووطئها بإذن

стр. 2269

شريكه، فإن وطئها بغير إذن شريكه فحملت فالمشهور الفرق بين المليّ والمعدم (١)، وعلى هذا فقوله: (أو بِغَيْرِ إِذْنِهِ (٢)) أي: وهو مليّ بثمنها. قوله: (وَإِلا فَلِلآخَرِ إِبْقَاؤُهَا، أَوْ مُقَاوَاتُهَا) أي: فإن لم تكن قد حملت فللشريك (٣) إبقاؤها على الشركة أو مقاومتها (٤)، يعني: أن كل واحد منهما يزيد فيها حتى تقف على ثمن (٥) فيأخذها صاحب العطاء بذلك، وهو ظاهر قول مالك في المدونة، وتممّه ابن القاسم، فقال: وإن شاء الشريك أنفذها لشريكه الذي وطئها بالثمن الذي ابتاعها به، فإن لم ينفذها بالثمن له، ، وقال: لا أقاويه (٦) لكن أردّها في الشركة لم يكن له ذلك (٧)، وقال غيره لشريكه ذلك، ويمضيها (٨) له (٩) بالثمن الذي اشتراها به (١٠)، واختار اللخمي جواز إبقائها على الشركة إن فعل الشريك ذلك جهلًا معتقدًا الجواز، وإلا فإن وطئها عالمًا بالتحريم فلا يجوز إبقاؤها على الشركة إلا أن تكون بيد الشريك الآخر، بشرط كونه مأمونًا. قوله: (وَإِنِ اشْتَرَطَ نَفْيَ الاسْتِبْدَادِ فَعِنَانٌ) هذه هي شركة العِنان مأخوذة من عِنان الفرس أو من "عنَّ" إذا عرض، ويقال بفتح العين وكسرها، وفسرها هنا كما في الجواهر بما إذا اشترط كل واحد (١١) من الشريكين على صاحبه ألا يفعل شيئًا حتى يشاركه فيه، وقال في المقدمات: هي الاشتراك في شيء خاص (١٢)، وحكى الاتفاق على جوازها

стр. 2270

ونحوه لابن عبد الحكم، وقيل: هي الشركة في كل شيء إلا (١) في نوع خاصّ كالبُر (٢) ونحوه، وقيل: إلا في فرد خاصّ كالثوب ونحوه. قوله: (وَجَازَ لِذِي طَيْرٍ وَذِي طَيْرةٍ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشِّرْكةِ فِي الْفَرَاخِ) أي: أنه يجوز لصاحبي طيرين ذكر و (٣) أنثى أن يتفقا على أن يزوجا الذكر الأنثى، ويكون ما حصل من الفراخ بينهما -وهو ظاهر- (٤) إذا كانت مئونتهما عليهما وإلا فلا، إلا أن يتطوع بذلك بعد العقد فلا بأس به. قوله: (وَاشْتَرِ لِي وَلَكَ، فَوَكَالَةٌ) يريد: أن قول الرجل للآخر اشترِ هذا الشيء لي ولك وكالة، أي: في النصف الذي ابتاعه له، يريد: وكالة مقصورة على الشراء لذلك لا تتعدى إلى غيره، وليس له بيعه إلا بإذن شريكه. قوله: (وَجَازَ: وَانْقُدْ عَنِّي، إِنْ لَمْ يَملْ: وَأَبِيعُهَا لَكَ) فإن قال (٥): اشترها لي ولك وانقد عني ما يخصني من الثمن جاز إن لم يقل (٦): وأنا أبيعها لك (٧)، فإن قال ذلك لم يجز، قال في الموطأ: لأن ذلك سلف يسلفه إياه على أن يبيعها له (٨). قوله: (وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا، إِلا أَنْ يَقُولَ: وَاحْبِسْهَا، فكَالرَّهْنِ) يعني: أن المشتري إذا نقد الثمن على الوجه الذي ذكره (٩) فليس له حبس السلعة حتى يقبض ثمنها إلا أن يقول له الآمر (١٠): واحبسها، فتصير حينئذ كالرهن. قوله: (وَإِنْ أسْلَفَ غيرُ الْمُشْتَرِي جَازَ) أي: فإن كان السلف (١١) من غير المشتري

стр. 2271

فإن ذلك جائز، واختلف قول مالك فيمن أسلف رجلًا ليشاركه، وذلك على وجه المعروف والرفق به (١)، فمرة أجازه ومرة كرهه، واختار ابن القاسم جوازه، وإن كان أسلفه لبصيرته في التجارة وتشاركا على ذلك لم يجز (٢)؛ لأنه سلف جرّ نفعًا (٣)، وإليه أشار بقوله: (إِلا لِكَبَصِيرَةِ الْمُشْتَرِي). قوله: (وَأُجْبِرَ عَلَيْهَا، إِنِ اشْتَرَى شَيْئًا بِسُوقِهِ، لا (٤) لِكَسفر أَوْ قِنْيَةٍ، وَغَيْرُهُ حَاضِرٌ لَمْ يَتكَلَّمْ مِنْ تُجَّارهِ) يريد: أن من اشترى شيئًا من طعام، أو غيره في سوقه الذي يباع فيه عادة لا (٥) لأجل سفره به أو قنيته وغيره ممن هو من أهل ذلك حاضر معه لم يتكلم، وأراد أن يدخل معه فيه، أجبر له المشتري على ذلك وهذه المسألة تعرف بشركة الجبر، وبها قضى عمر واتفق عليها مالك وأصحابه، وقال أشهب: إنما ذلك في الطعام خاصة (٦)، وأما إن لم يكن اشترى ذلك للتجارة وإنما هو (٧) لسفره به أو لقنيته فلا جبر، ويصدق أنه ابتاعه لغير التجارة مع يمينه، إلا أن يظهر كذبه لكثرة ما ابتاع من ذلك، فلو لم يكن غيره من تجّار ذلك حاضرًا معه أو كان وزايده (٨) حتى أخذه فلا كلام له، وكذا إن لم يكن من تجاره (٩) خلافًا لعبد الملك. قوله: (وَهَلْ وَفي الزُّقَاقِ لا كبيته قولان (١٠)) أي: وهل ولو (١١) ابتاع ذلك في الزقاق ويكون كما لو ابتاعها (١٢) في السوق، وهو قول ابن حبيب أولًا، ويختص به مشتريه،

стр. 2272

وهو قول أصبغ وغيره، قال في البيان: وأما ما ابتاعه الرجل في حانوته أو داره، فلا شركة لأحد ممن حضره (١) فيه باتفاق (٢)، ولهذا أخرجه من محل الخلاف، ودلّت كاف التشبيه على أن الحانوت ونحوه كالبيت. (المتن) وَجَازَتْ بِالْعَمَلِ إِنِ اتَّحَدَ، أَوْ تَلازَمَ، وَتَسَاوَيَا فِيهِ، أَوْ تَقَارَبَا، وَحَصَلَ التَّعَاوُنُ، وَإِنْ بمَكَانَيْنِ، وَفِي جَوَازِ إِخْرَاجِ كُلٍّ آلَةً وَاسْتِئْجَارِهِ مِنَ الآخَرِ، أَوْ لا بُدَّ مِنْ مِلْكٍ أَوْ كِرَاءٍ؟ تَأْوِيلانِ. كَطَبِيبَينِ اشْتَرَكَا فِي الدَّوَاءِ، وَصَائِدَيْنِ فِي الْبَازينِ. وَهَلْ وَإِنِ افْتَرَقَا؟ رُوِيَتْ عَلَيْهِمَا. وَحَافِرَيْنِ بِكَرِكَازٍ، وَمَعْدِنٍ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُة بَقِيَّتَه، وَأَقْطَعَهُ الإِمَامُ وَقُيِّدَ بِمَا لَمْ يَبْدُ، وَلَزِمَهُ مَا يَقْبَلُهُ صَاحِبُهُ وَضَمَانُهُ وَإِنْ تَفَاصَلا. وَأُلْغِيَ مَرَضُ كَيَوْمَيْنِ وَغَيْبَتُهُمَا، لا إِنْ كَثُرَ، وَفَسَدَتْ بِاشْتِرَاطِهِما كَكَثِيرِ الآلَةِ، وَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالصَّحِيحَةِ؟ تَرَدُّدٌ. (الشرح) قوله: (وَجَازَتْ بِالْعَمَلِ، إِنِ اتَّحَدَ) هذه شركة العمل (٣)، واتفق عندنا على جوازها بشروط منها اتحاد العمل، فلو اشترك خياط وحداد ونحوهما من مختلفي الصنعة لم يجز لما في ذلك من الغرر، إذ تنفق (٤) صنعة هذا دون هذا، فيأخذ من صاحبه ما لا يستحقه، ويلحق بهذا (٥) ما إذا كان العمل متلازمًا مثل النسج والخدمة، ولهذا قال: (أَو تَلازَمَ (٦)). اللخمي: وليس ذلك (٧) كالصنعتين المختلفتين؛ لأنهما هنا إما أن يعملا جميعًا أو يتعطلا جميعًا، فلم يكن هنا غرر (٨). قوله: (وَتَسَاوَيَا فِيهِ أَوْ تَقَارَبَا) أي: ومن شروط ذلك أيضًا أن يتساويا في العمل أو

стр. 2273

يتقاربا فيه، فلو اختلف عملهما فسدت الشركة إلا إذا كان (١) الربح على قدر التفاوت، فيكون بينهما على قدر (٢) ذلك. وقوله (٣): (وَحَصَلَ التَّعَاوُنُ) أشار بهذا (٤) إلى الشرط الثالث، وهو أن يحصل لهما التعاون بالاشتراك، فإن لم يحصل لهما تعاون (٥) فلا، وقاله في العتبية. ابن رشد: لأن شركة الأبدان لا تجوز إلا فيما يحتاج الاشتراك فيه إلى التعاون؛ لأنهما متى اشتركا (٦) على أن يعمل كل واحد منهما على حدة كان (٧) من الغرر البَيِّن (٨). قوله: (وَإِنْ بِمَكَانَيْنِ) يريد: أنه لا يشترط في شركة العمل اتحاد المكان، وفي المدونة: لا يجوز إلا أن يعملا في حانوت واحد، فإن عملا في قريتين أو حانوتين لم يجز (٩)، وأجاز ذلك في العتبية إذا اتحدت الصنعة (١٠) عياض: وحمله شيوخنا على أنهما يتعاونان في الموضعين، واتفاق صنعتهما في الموضعين سواء (١١)، فهو وفاق؛ إذ ليس المقصود من الجلوس في موضع واحد إلا التعاون. قوله: (وَفي جَوَازِ إِخْرَاجِ كلٍّ آلَةً وَاسْتِئْجَاره مِنَ الآخَرِ (١٢)، أَوْ لا بُدَّ مِنْ مِلْكٍ أَوْ كِرَاءٍ؟ تَأْوِيلانِ) يعني: أنه (١٣) اختلف هل يخرج كل واحد من الشريكين آلة مساوية

стр. 2274

للآلة الأخرى (١) أو لا بد من اشتراكهما فيهما (٢) بملك أو كراء من غيرهما ليضمناها، والأول مذهب سحنون، وتأوّل بعضهم المدونة عليه، وتأولها غيره على الثاني، واختلف أيضا هل يجوز لأحدهما أن يخرج جميع الآلة من عنده، ويؤاجر نصفها لصاحبه، أو لا بد من اشتراكهما فيهما (٣) بملك أو كراء من غيرهما، عياض وغيره: والأول ظاهر المذهب، ابن عبد السلام: وهو المشهور، والثاني لابن القاسم وغيره، وعليهما (٤) تأولت المدونة أيضا (٥)، ولهذا جمع الشيخ المسألتين، وأخبر أن الخلاف فيهما متأوّل على المدونة. قوله: (كَطَبِيبَيْنِ اشْتَرَكَا في الدَّوَاءِ) يريد: إذا كان طبّهما واحدًا كطبانعيين (٦) أو جراحين أو كحالين، فلو اختلف طبّهما لم تجز، قاله اللخصي (٧) وابن يونس وغيرهما. قوله: (وَصَائِدَيْنِ فِي الْبَازينِ (٨)، وَهَلْ وَإِنِ افْتَرَقَا؟ رُوِيتْ عَلَيْهِمَا) يعني: وكذلك يجوز أن يشتركا في الصيد ببازيهما (٩)، قال في بعض روايات المدونة: إذا كان طلبهما وأخذهما واحدًا لا يفترقان (١٠)، وفي بعضها ما ظاهره جواز الافتراق (١١)، وقاله في الواضحة، وإلى هذا أشار بالتأويلين (١٢)، وفي المدونة عن ابن القاسم: لا بأس أن يشتركا في حفر القبور والمعادن والآبار والعيون والبنيان، وفي طلب الكنوز والدفائن

стр. 2275

والرِّكاز (١)، وإلى (٢) هذا أشار بقوله: (وَحَافِرَيْنِ بِكَرِكَازٍ، وَمَعْدِنٍ). قوله: (وَلَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُهُ (٣) بَقِيَّتَهُ) هذا (٤) إشارة لقوله في المدونة: ومن مات منهما بعد إدراك النيل لم يُورث حظه من المعادن، والسلطان يقطعه لمن يشاء (٥)، وقال سحنون: إذا مات بعد إدراك النيل فإنه يُورث عنه؛ لأنه لم يُدرك (٦) إلا بنفقة، وقال أشهب: ورثته أحق به، وإن لم يدرك نيله (٧)، وظاهر قوله هنا (بقيته) أنهما أخرجا شيئًا من ذلك اقتسماه (٨)، وبقيت (٩) منه بقية، وظاهر قوله في المدونة: إنما أدرك (١٠) النيل فقط (١١)، وتأوّلها القابسي على ما قال هنا، قال (١٢): ولم يتكلم ابن القاسم على أنهما لم يخرجا شيئًا. قوله: (وَأَقْطَعَهُ الإِمَامُ) هكذا قال في المدونة (١٣)، سحنون: وإن لم يكن هذا (١٤) سنة فلا ينبغي، أي: إن كان هذا (١٥) من الشارع وعمل (١٦) به صح ما قال وإلا فلا، ولهذا حمل بعضهم كلامه في المدونة على أنه ما (١٧) لم يُدرك نيلًا (١٨)، وإليه أشار بقوله: (وَقُيِّدَ

стр. 2276

بِما لَمْ يَبْدُ). قوله: (وَلَزِمَهُ مَا (١) يَقْبَلُهُ صَاحِبُهُ وَضَمانُهُ وَإِنْ تَفَاصَلا) يريد: أن أحد الشريكين؛ أي (٢): شريكي العمل إذا قبل شيئًا ليعمل (٣) لزم صاحبه عمله، ولزمه أيضا ضمانه ولو (٤) افترقا، قاله في المدونة (٥). قوله: (وَأُلْغِيَ مَرَضُ كَيَوْمَيْنِ وَغَيْبَتُهُما، لا إِنْ كَثُرَ) أي: إذا مرض أحد شريكي العمل يومًا أو يومين أو غاب مثل ذلك وعمل شريكه، فإن المرض يلغي أو الغيبة، ويكون ما عمله الآخر بينهما، قال في المدونة: إلا (٦) ما تفاحش من ذلك وطال (٧)، فإن العامل يكون أحق به، ولهذا قال هنا: (لا إن كثر). قوله: (وَفَسَدَتْ باشْتِرَاطِهِما (٨) كَكَثِيرِ الآلَةِ) أي: فإن اشتركا (٩) على أن من مرض منهما (١٠) مرضًا كثيرًا أَو غاب غيبة بعيدة يكون ما عمل الآخر بينهما فإن الشركة تفسد، وقاله في المدونة (١١)، وكذلك إذا تطوع أحدهما بآلة لها خطب وبال، قال في المدونة: ولم تجز الشركة حتى يشتركا في ملكهما أو يكري أحدهما من صاحبه نصفها (١٢)، قال: وإن تطوع (١٣) أحد القصّارين على صاحبه بشيء تافه (١٤) من الماعون لا قدر له في الكراء

стр. 2277

مثل قصرية ومدقّة جاز (١)، وعن (٢) هذا ومثله احترز بقوله: (كَكَثيرِ الآلَةِ). قوله: (وَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالصَّحِيحَةِ ترَدُّدٌ) يعني: انه اختلف إذا فسدت الشركة ومرض أحدهما يومين أو غاب وعمل الآخر، هل يلغى ذلك كما في الشركة الصحيحة (٣)، وإليه ذهب بعض القرويين، أو لا يلغى، وإليه ذهب بعضهم، واقتصر اللخمي عليه. (المتن) وَبِاشْتِرَاكِهِمَا بِالذِّمَمِ أَنْ يَشْتَرِيَا بِلا مَالٍ، وَكَبَيْعِ وَجِيهٍ مَالَ خَامِلٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ، وَكَذِي رَحًى وَذِي بَيْتٍ، وَذِي دَابَّةٍ لِيَعْمَلُوا، إِنْ لَم يتَسَاوَ الْكِرَاءُ وَتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ، وَتَرَادُّوا الأَكرِيَةَ، وَإِنِ اشْتُرِطَ عَمَلُ رَبّ الدَّابَّةِ فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَعَلَيْهِ كِرَاؤُهُمَا. وَقُضِيَ على شَرِيكٍ فِيمَا لا يَنْقَسِمُ أَنْ يُعَمِّرَ أَو يَبِيعَ، كَذِي سُفْلٍ إِنْ وَهَي وَعَلَيْهِ التَّعْلِيقُ وَالسَّقْفُ، وَكَنْسُ مِرْحَاضٍ لا سُلَّمٌ، وَبعَدَمِ زِيَادَةِ الْعُلُوّ، إِلَّا الْخَفِيفَ، وَبِالسَّقْفِ لِلأَسْفَلِ، وِبالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ، لا مُتَعَلِّقٍ بِلِجَامٍ، وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُم رَحًى إِذَا أَبَيَا، فَالْغَلَّةُ لَهُمْ، وَيَسْتَوْفِي مِنْهَا مَا أَنْفَقَ، وَبالإِذْنِ فِي دُخُولِ جَارِهِ لإصْلاحِ جِدَارٍ وَنَحْوِهِ، (الشرح) قوله: (وَبِاشْتِرَاكِهِما بِالذِّمَمِ) هذه شركة الذمم وهي فاسدة، ولهذا عطفها على قوله: (وَفَسَدَتْ باشْتِرَاطِهِ كَكَثيرِ الآلَةِ). قوله: (أَنْ يَشْتَرِيا (٤) بِلا مَالٍ (٥)) هكذا فسرها عبد الوهاب، فقال: هي أن يشتركا على الذمم بغير مال ولا صنعة حتى إذا اشتريا شيئًا كان في ذمّتهما، وإذا باعاه اقتسما ربحه ونحوه في الجواهر (٦)، وفسدت على هذا لكونها من باب تحمل عني وأتحمل عنك، وأسلفني وأسلفك، وذلك ضمان بجعل وسلف جر منفعة (٧).

стр. 2278

قوله: (وَكَبَيْعِ وَجِيهٍ مَالَ خَامِلٍ بِجُزْءٍ منْ رِبْحِهِ) هكذا قال بعض أهل العلم، ومعنى هذا؛ أن يكسد عند شخص بضاعة لعدم وجاهته وكثرة خموله، فيأتي إلى الرجل الوجيه فيتفق معه على أن يبيعها له على أن يكون له جزء من ربحها، وفسدت على هذا الوجه لكونها إجارة مجهولة، وفيها تدليس على الغير، لأن كثيرًا من الناس يرغب في الشراء من أملياء (١) السوق لاعتقادهم أنهم لا يتجرون إلا في الجيد، وأن فقراءهم بالعكس. قوله: (وَكَذِي رَحًى وَذِي بَيْتٍ وَذِي دَابَّةٍ ليَعْمَلُوا، إِنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْكِرَاءُ وَتَسَاوَوْا في الْغَلَّةِ، وَترَادّوا الأَكرِيَةَ) أشار بهذا إلي قول ابن القاسم في المدونة: وإذا اشترك ثلاثة أتى أحدهم برحى والآخر بدابة والثالث (٢) بالبيت على أن يعملوا بأيديهم والكسب بينهم أثلاثًا، فعملوا على ذلك وجهلوا أنه لا يجوز، فما أصابوا يقسم بينهم أثلاثا إن كان كراء البيت والرحى والدابة معتدلا وتصح الشركة (٣) ثم قال: وإن كان كراء ما أخرجوه مختلفًا قسم المال بينهم (٤) أثلاثًا (٥)، لأن رؤوس أموالهم عمل أيديهم (٦)، وقد تكافلوا (٧) فيه، ويرجع من له فضل الكراء على صاحبيه فيترادان (٨) فيما بينهم، ولم يتراجعوا في عمل أيديهم لتساويهم فيه (٩). قوله: (وَإِنِ اشْتُرِطَ عَمَلُ رَبِّ الدَّابَّةِ فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَعَلَيْهِ كِرَاؤُهُمَا) أي: فإن اشترط صاحب البيت والرحى العمل على رب الدابة فعمل على ذلك فالغلة كلها له، وعليه كراؤهما (١٠)، قال في المدونة: لأن عمله كأنه رأس المال، ثم قال (١١): وعليه أجر الرحى

стр. 2279

والبيت وإن لم يصب (١) شيئًا (٢). قوله: (وَقُضِيَ عَلَى شَرِيكٍ (٣) فِيما لا يَنْقَسِمُ (٤) أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ) يريد: أن الشريك إذا ادّعى (٥) شريكه إلى إصلاح ما لا ينقسم من رَبع أو غيره فأبى من ذلك، فإن الممتنع يقضى عليه إما بالإصلاح أو بالبيع ممن يصلح، فإن لم يفعل وإلا باع الحاكم عليه (٦) بقدر ما يعمر به. قوله: (كَذِي سُفُلٍ، إِنْ وَهَي) أي: فإن كان لأحدهما السفل وعلوه للآخر، فإنه يقضي على صاحب السفل إذا وهَى وخيف على العلو السقوط بسببه أن يعمره أو يبيع لمن يعمر؛ لأن لصاحب العلو الانتفاع بالسفل وعليه دخلا، فيجبر له على ذلك. قوله: (وَعَلَيْهِ التَّعْلِيقُ وَالسَّقْفُ، وَكَنْسُ مِرْحَاضٍ) أي: وكذا على صاحب السفل إذا وهى تعليق العلو إذا احتاج إلى ذلك؛ لأن التعليق بمنزلة البناء (٧)، وقد علمت أن عليه البناء، وهذا هو المعروف، وقيل: التعليق على صاحب العلو، واستحسنه اللخمي (٨)، وعلى صاحب السفل أيضا السقف الساتر على بيته؛ لأن السفل لا يسمى بيتًا إلا به، ولا خلاف فيه (٩) وكنس مرحاض على صاحب السفل، ورمي ما فيه لأنه له وإنما لصاحب العلو الارتفاق به (١٠) وهو قول ابن القاسم وأشهب، وقال ابن وهب (١١) وأصبغ: ذلك على الجميع على قدر الجماجم (١٢)، وقيل: إن كان محفورًا في

стр. 2280

رقبة الدار فكالأول وإلا فكالثاني (١). قوله: (لا سُلَّمٌ) أي: فإنه على صاحب العلو؛ لأنه الذي ينتفع به، وقاله ابن القاسم في مختصر ابن عبد الحكم، وحكي أبو محمد بن أبي زيد أنه على صاحب السفل كالسقف. قوله: (وَبِعَدَمِ زِيادَةِ الْعُلُوِّ، إِلا الخفِيفَ) أي وقضى بعدم زيادة العلو إذا أراد ربه أن يزيد فيه زيادة كثيرة تضر بجدار صاحب السفل بخلاف الخفيف (٢) الذي لا يضر به، فإنه لا يمنع منه. قوله (وَبِالسَّقْفِ للأسفل) أي: وكذا يقضى بالسقف الأسفل (٣) لصاحب السفل (٤) إذا تنازعاه، قال بعضهم: وهو مجمع عليه. قوله: (وَبِالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ، لا مُتَعَلِّقٍ بِلِجَامٍ) أي: وقضي بالدابة للراكب إذا تنازع مع من هو آخذ بلجامها، يريد: مع عدم البينة وإلا فهي لمن أقامها. قوله: (وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَ (٥) رَحًى إِذَا أَبَيَا فَالْغَلَّةُ لَهُمْ، ويسْتَوْفي مِنْهَا مَا أَنْفَقَ) أي: إذا كان بين ثلاثة رحًى مشتركة (٦) فأقامها أحدهم بعد أن امتنع صاحباه من عمارتها، فإن الغلة لهم، ويستوفي هو منها ما أنفق على العمارة، وقاله ابن القاسم وعبد الملك، وعن ابن القاسم أيضا: الغلة كلها لمقيمها، وعليه أجرة نصيبهما خرابًا (٧)، وعنه أنه يكون شريكًا في الغلة بما زادته عمارته، فإذا كانت أجرتها عشرة وبعد العمارة خمسة عشر فله ثلث الغلة بالعمارة، وقسم الباقي بينهم أثلاثًا، ثم من أراد أن يدخل معه دفع ما ينوبه من قيمة ذلك يوم دفعه (٨)، وبهذا القول قال ابن دينار.
следующие страницы →