← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وقال غير ابن القاسم: العامل مدع، ولا يكونان شريكين (١). عبد الحق: وإن قال: -رب الثوب- أنا أضمنه ولا آخذ الثوب، فإن طاع الصانع أن يعطيه قيمته أبيض، فلا يمين على واحد منهما، وإن أبى من ذلك، تحالفا (٢)، وهذا مذهب ابن القاسم (٣)، وإليه أشار بقوله: (وإن اختار تضمينه، فإن دفع الصانع قيمته أبيض فلا يمين، وإلا حلفا واشتركا) انظر الكبير. قوله: (لا إن تخالفا في لت السويق، وأبى من دفع ماه اللات؛ فمثل سويقه) أي: فإنهما إذا تخالفا في ذلك، وأبى رب السويق من دفع ما قال الذي لت (٤)، فإنه يأخذ منه مثل سويقه؛ لوجود المثل هنا، وعدم وجوده في الثوب، ولت السويق معناه: تسقيته بالسمن، أو نحوه من الأدهان. والمسألة في المدونة في لته بالسمن، وجعل فيها الاختلاف تارة في الإذن وعدمه (٥)، وتارة في مقدار ما لته به، فقال (٦) ابن القاسم: ومن لت سويقا بسمن، وقال لربه: أمرتني أن ألته بعشرة دراهم، وقال ربه: لم آمرك أن تلته بشيء، قيل لصاحب السويق: إن شئت فاغرم له ما قال وخذ (٧) السويق ملتوتا، فإن أبى، قيل للات: اغرم له مثل سويقه غير ملتوت، وإلا فأسلمه إليه بلتاته ولا شيء لك، وقال غيره: إذا امتنع رب السويق أن يعطيه ما لته به، قضى على اللات (٨) بمثل سويقه غير ملتوت (٩). واختلف هل قول الغير خلاف؟ وإليه ذهب عبد الحق (١٠) واللخمي (١١) وغيرهما، أو وفاق؟ وإليه ذهب ابن أبي زيد. قال فيها: وإن قال اللات:

стр. 2627

أمرتني أن ألته بعشرة ففعلت، وقال ربه: بل أمرتك بخمسة وبها لتته؛ فاللات مصدق مع يمينه إن أشبه أن يكون فيه سمن بعشرة؛ لأنه مدعي عليه الضمان، ولو قال ربه: كان لي فيه (١) لتات متقدم لم يصدق؛ لأنه ائتمن الذي أسلمه إليه، فالقول قول اللات مع يمينه، وهذا في جميع ما ذكرنا إذا أسلم إليه السويق وغاب عليه (٢)، فأما إن لم يسلمه (٣) إليه ولم يغب عليه، فرب السويق مصدق في قوله أمرتك بخمسة؛ إذ لم يأتمنه، وإن قال أهل النظر: فيه سمن بعشرة، فإن لم يدع ربه أنه تقدم له فيه سمن، فاللات مصدق، وإن قال: كان لي فيه لتات صدق؛ إذ لم يسلمه إليه، ولو أسلمه (٤) لم يصدق ربه أنه تقدم له فيه لتات (٥). قوله: (وله، وللجمال بيمين في عدم قبض الأجرة؛ وإن بلغا الغاية، إلا لطول؛ فلمكتريه بيمين) (٦) هو معطوف على قوله: (والقول للأجير أنه وصل كتابا ... إلى آخره)، والمعنى: أن الأجير إذا طلب أجرة، فقال الآجر: دفعته لك (٧)؛ فالقول قول الأجير مع يمينه، وكذلك الجمال إذا قال له: لم أقبض الأجرة، وإن وصلا إلى المكان الذي تكاريا إليه، إن كانت الأحمال بيده، قال في المدونة: أو بعد أن أسلمها بيوم أو يومين وما قرب، ثم قال: فإن تطاول، فالمكتري (٨) مصدق مع يمينه، إلا أن يقيم بينة. ابن يونس: يريد لأن من شأن الأكرياء انتقاد أكريتهم ببلوغهم الغاية المكتري إليها (٩)، أو بعد يوم أو يومين (١٠)، وما قرب من ذلك، فإذا بعد صاروا مدعين لغير العرف (١١)، والمكتري يدعي العرف؛ فكان القول قوله، إلا أن يكون المكري لم يسلم

стр. 2628

المتاع إلى ربه؛ فيكون القول قول المكري (١) مع يمينه. قوله: (وإن قال: بمائة لبرقة، وقال: بل لإفريقية، حلفا وفسخ؛ إن عدم السير، أو قل، وإن نقد) أي: وإن قال المكري: أكريتك بمائة إلى برقة، وقال المكتري: بل إلى إفريقية، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان؛ إن لم يسر شيئا من المسافة، أو سار شيئا قليلا لا ضرر على الجمال في رجوعه بسببه، وقاله في المدونة (٢)، قال: وسواء انتقد الكراء، أم لا، وقال غيره: إن انتقد الجمال، وكان يشبه ما قال، فالقول قوله، لأنه مدعى (٣) عليه (٤)، انظر كلام ابن المواز (٥) في الكبير. قوله: (وإلا فكفوت المبيع) أي: وإن كان اختلافهما فيما (٦) بعد أن بلغ نهاية سفره أي: سفر الجمال وهو برقة في مثاله (٧) أو جله، فهو بمنزلة ما إذا قبض المشترى السلعة وفاتت بيده؛ فإن القول قوله، وكذلك يكون القول قول المكتري؛ لأنه القابض للمنفعة (٨). (المتن) وَلِلْمُكْرِي (٩) فِي الْمَسَافَةِ فَقَطْ، إِنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ فَقَطْ، أَوْ أَشْبَهَا وَانْتَقَدَ. وَإنْ لَمْ يَنْتَقِدْ حَلَفَ الْمُكْتَرِي وَلَزِمَ الْجَمَّالَ مَا قَالَ، إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَى فَلَهُ حِصَّةُ الْمَسَافَةِ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي، وَفُسِخَ الْبَاقِي، وَإنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا. وَفُسِخَ بِكِرَاءِ الْمِثْلِ فِيمَا مَشَى، (الشرح) احترز بقوله: (في المسافة فقط)، مما إذا اختلفا فيها وفي الثمن معا، وبقوله: (إن أشبه قوله فقط)، مما إذا أشبه قولهما معا، أو قول المكترى فقط، وهذا الذي ذكره هنا موافق

стр. 2629

لتحصيل ابن يونس، فإنه قال بعد أن ذكر كلام ابن القاسم وغيره في المدونة: وتلخيص هذه المسألة وبيانها على مذهب ابن القاسم، أن ينظر، فإن أشبه قول المكري (١) خاصة فالقول قوله، انتقد أو لم ينتقد، وإن أشبه قول المكترى فالقول قوله، نقد الكراء أو لم ينقده، وإن أشبه ما قالا جميعا نظرت، فإن انتقد الكراء فالقول قوله -يعني المكري-، وإن لم ينتقد فالقول قول المكترى، وإذا كان القول قول المكري فإنه يحلف ويكون له جميع الكراء، وإن كان القول قول المكترى حلف ولزم الجمال ما قال، إلا أن يحلف على ما ادعى فيكون له حصة مسافة برقة على دعوى المكترى ويفسخ عنه الباقي، وإن لم يشبه قول واحد منهما، تحالفا وتفاسخا، وكان له كراء المثل فيما مشى، وأيهما نكل قضي للآخر عليه، انظر كلامه في المقدمات، وتحصيله في الكبير. (المتن) وإِنْ قَالَ: أَكْرَيْتُكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِائَةٍ وَبَلَغَاهَا، وَقَالَ: بَلْ لِمَكَّةَ بِأَقَلَّ، فَإِنْ نَقَدَهُ فَالْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ وَحَلَفَا وَفُسِخَ، وإِنْ لَمْ يَنْقُدْ فَلِلْجَمَّالِ فِي الْمَسَافَةِ وَلِلْمُكْتَرِي فِي (٢) حِصَّتِهَا مِمَّا ذُكِرَ بَعْدَ يَمِينِهِمَا، وَانْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي فَقَطْ فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ، (الشرح) أي: وإن قال الجمال للمكتري: أكريتك إلى المدينة بمائة درهم وقد وصلا إليها، وقال هو: بل أكريتنى بخمسين إلى مكة، فإن نقده الخمسين فالقول قول الجمال فيما يشبه؛ لأنه ائتمنه، وحلف المكترى في الخمسين الأخرى، وحلف الجمال أنه لم يكره إلى مكة بمائة، ويفسخ العقد، وإن لم ينقده شيئا فالقول للجمال في المسافة، وللمكتري في حصتها من الكراء الذي يذكر بعد أيمانهما، قال في المدونة: يفض الكراء على ما يدعيه المكتري. قال ابن القاسم وغيره: وذلك إذا أشبه ما قالاه، أو ما قال المكتري، فإن أشبه ما قال المكري (٣) خاصة فالقول قوله، ويحلف على دعوى المكترى (٤)، وإلي هذا أشار بقوله: (وإن أشبه قول المكري فقط، فالقول له بيمين).

стр. 2630

(المتن) وإِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا، وإِلَّا سَقَطَتَا. وإِنْ قَالَ: أَكْتَرَيْتُ عَشْرًا بِخَمْسِينَ، وَقَالَ: خَمْسًا بمِائَةٍ حَلَفَا وَفُسِخَ. وإِنْ زَرَعَ بَعْضًا وَلَمْ يَنْقُدْ فَلِرَبِّهَا مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي، إِنْ أشْبَهَ وَحَلَفَ، وإِلَّا فَقَوْلُ رَبِّهَا إِنْ أَشْبَهَ. وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا، وَوَجَبَ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى، وَفُسِخَ الْبَاقِي مُطْلَقا. وَإِنْ نَقَدَ فَتَرَدُّدٌ. (الشرح) قوله: (وإن أقاما بينتين، قضي بأعدلهما) مثله في المدونة (١). قوله: (وإلا سقطتا) أي: وإن لم تكن إحداهما أعدل من الأخرى سقطتا، وصارا كمن لا بينة لهما، وقال (٢) ابن القاسم في المدونة (٣)، وقاله غيره: أقضي ببينة كل واحد إذا كانت عادلة؛ لأن كل واحد ادعى خصلة (٤) أقام عليها بينة، فأقضى بأبعد المسافتين، وبأكثر الثمنين، وليس هذا من التهاتر، وسواء نقد أو لم ينقد. قوله: (وإن قال: اكتريت (٥) عشرا بخمسين، وقال: خمسا بمائة؛ حلفا وفسخ) أي: وإن قال المكترى: اكتريت (٦) الدار أو الأرض عشر سنين بخمسين، وقال رب الأرض: إنما أكريتك خمس سنين بمائة؛ فإنهما يتحالفان ويتفاسخان، قال في المدونة: وذلك إذا كان بحضرة الكراء، ثم قال: وإن كان قد زرع سنة أو سنتين ولم ينقد، فلربها فيما مضى ما أقر به المكتري إن أشبه تغابن الناس ويحلف، وإن لم يشبه قبل قول ربها إن أشبه مع يمينه، وإن لم يشبه فله كراء المثل فيما مضى، ويفسخ باقي المدة على كل حال، قال: وإنما فسخنا بقية الخمس سنين وإن أقر بها رب الأرض؛ لدعواه في كرائها أكثر من دعوى المكترى، وهذا إذا لم ينتقد (٧)، انظر الكبير. قوله: (وإن زرع بعضا ولم ينقد، فلربها ما أقر به المكتري إن أشبه وحلف، وإلا فقول

стр. 2631

ربها إن أشبه (١)، وإن لم يشبها حلفا ووجب كراء المثل فيما مضي، وفسخ الباقي مطلقا) أي: فإن كانت المسألة بحالها، إلا أن المكتري قد زرع بعض السنين، ولم ينقد شيئا من الكراء، فلرب الأرض ما أقر به المكتري فيما مضى إن أشبه قوله مع يمينه، وظاهره سواء أشبه قول الآخر (٢) أم لا، وإن لم يشبه قول المكترى، فالقول قول رب الأرض إن أشبه (٣)، يريد: مع يمينه، وإن لم يشبه قول واحد منهما حلفا معا (٤)، ووجب لرب الأرض كراء المثل فيما مضى، ويفسخ الباقي (٥) مطلقا، أي. في جميع الصور. وتردد الأشياخ في قول الغير في المدونة: إذا انتقدا، أهو وفاق، أو خلاف؟ وإليه أشار بقوله: (وإن نقد، فتردد). * * *

стр. 2632

باب [في أحكام الجعل] (المتن) بَابٌ صِحَّةُ الجُعْلِ بِالْتِزَامِ أَهْلِ الإِجَارَةِ جُعْلًا عُلِمَ، يَسْتَحِقُّهُ السَّامِعُ بِالتَّمَامِ كَكِرَاءِ السُّفُنِ، إِلَّا أنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى التمَامِ فَبِنِسْبَةِ الثانِي، وَإِنِ اسْتُحِقَّ وَلَوْ بِحُرِّيَّةٍ، بِخِلافِ مَوْتِهِ بِلا تَقْدِيرِ زَمَنٍ، إِلَّا بِشَرْطِ تَرْكٍ مَتَى شَاءَ، وَلا نَقْدٍ مُشْتَرَطٍ فِي كُلِّ مَا جَازَت فِيهِ الإِجَارَةُ، بِلا عَكْسٍ، وَلَوْ فِي الْكَثِيرِ، إِلَّا كَبَيْعِ سِلَعٍ كَثِيرَةٍ لا يَأْخُذُ شَيْئًا إِلَّا بِالْجَمِيعِ، وَفِي شَرْطِ مَنْفَعَة الْجَاعِلِ قَوْلانِ. (الشرح) قوله: (صِحَّة الجُعلِ بالتِزامِ أهل الإِجارةِ) يريد: أن من شرط (١) صحته أن يكون الملتزم له ممن تصح منه الإجارة، كان جاعلًا، أو مجعولًا له، إلا أنه لم ينص على شروط عاقد الإجارة، وإنما شبهه بعاقد البيع، فقال: صحة الإجارة بعاقد وأجر كالبيع، وعلى هذا كان الأليق أن يقول: صحة الجعل بعاقد كالبيع؛ إذ التشبيه بالأصل أولى منه بالفرع، ولعلَّه إنما شبهه (٢) بالإجارة؛ تنبيها منه على أنها أصل للجعالة. قوله: (جُعلًا) معمول لقوله (بالتزام). قوله: (عُلِمَ) أي: يشترط في الجعل أن يكون معلومًا، فلا يصح بالمجهول؛ لأن الجعالة كالإجارة، والجعل كالأجرة (٣). قوله: (يستَحِقُّه السَّامِعُ (٤) أي: سواء كان من شأنه طلب الأُبَّاق، أم لا، وهو قول ابن القاسم في العتبية، فإذا قال: من يأتيني بعبدي الآبق فله كذا، فجاء به من لم يسمعه لم يكن له شيء، إلا أن يكون شأنه طلب الأباق. وقال عبد الملك وأصبغ وغيرهما: يستحقه سواء سمعه أم لا، ورواه ابن حبيب عن مالك (٥). قوله (بالتَّمامِ) أي: يستحقه (٦) بتمام العمل، ولعله (٧) فيما لا يحصل للجاعل فيه نفع

стр. 2633

إلا بتمام العمل، وإلا فمتى حصل له ذلك ولو لم يتم العمل، فينبغي أن يكون له مقدار ما (١) انتفع به، كما سيذكره بقوله (٢): (كَكِرَاء السُّفُنِ، إلا أن يَستأجِرَ على التَمامِ فبِنِسبَةِ الثَّاني) هو مثال لما يكون حكمه حكم الجعالة، أي: وكذلك ما أشبهه، كمشارطة الطبيب على البرء والمعلم لحفظ القرآن والحافر على استخراج الماء بتعريف شدة الأرض وبعد الماء والمغارسة كلها مترددة بين الجعل والإجارة (٣)، وقوله: (إلا أن يستأجر على التمام) (٤)، هو مستثنى مما فهم من قوله أنه: يستحقه (٥) بالتمام، أي: فإن ترك العمل قبل تمامه فلا شيء له، إلا أن يستأجر ربه من يتم له ذلك العمل، يريد: أو يجاعل من يتم له العمل (٦)؛ إذ لا فرق في هذا بين الجعل والإجارة، فيكون للأول نسبة ما أخذ الثاني، وقاله مالك في العتبية فإذا جاعله على إتيان خشبة (٧) بعشرة، فجاء بها إلى نصف الطريق ثم ترك، فجاعل (٨) غيره ثانيًا بعشرين؛ فإن الأول يكون له عشرون نسبة جعل الثاني (٩)، وقال ابن يونس (١٠): ينبغي أن يعطى نصف جعله الأول وهو خمسة؛ لأن المغابنة جائزة في الجعل وغيره، ونحوه للتونسي (١١)، ولابن القاسم قول: أن للأول قيمة عمله يوم عمل، ولابن كنانة يوم عمل الثاني كانت القيمة مثل الجعل أو أقل أو أكثر (١٢). قوله: (وَإن استُحِقَّ ولو بِحُرِّيةٍ) يريد: أن المجعول له يستحق الجعل على الجاعل إذا

стр. 2634

أتى بالعبد ولو استحق بحرية إذا لم يقبضه الجاعل؛ لأنه هو الذي أدخله في العمل، ولا إشكال في لزوم ذلك إذا استحق برق، ولا شيء على المستحق عند ابن القاسم، وقال محمد: يرجع عليه الجاعل بالأقل من ذلك، أو من جعل مثله (١). ابن رشد: وهذا إذا أخذ المستحق العبد، وأما إن أجاز البيع وأخذ الثمن؛ فالجعل (٢) على الجاعل اتفاقًا (٣). واختلف إن استحق (٤) بحرية، فقال ابن القاسم: له الجعل أيضًا على الجاعل، وقال أصبغ لا شيء له على الجاعل (٥). قوله: (بِخِلافِ مَوتِهِ) أي: فإن المجعول له لا يستحق على الجاعل شيئًا، يريد: إذا لم يوصله لربه؛ لأن العمل لم يتم له، كما لو هرب منه، وأما إن قبضه منه ثم مات، فإن له عليه جعله كاملًا. قوله: (بِلا تقدِيرِ زَمَنٍ (٦)، إلا بشرطِ تركٍ متى (٧) شَاءَ) أي: فلا يجوز ضرب الأجل في الجعالة؛ لأن ذلك مما يزيد في غرر الجعل، وليس كالإجارة؛ إذ قد (٨) ينقضي الأجل قبل تمام العمل، فيذهب عمله باطلًا، أو (٩) يأخذ ما لا يستحقه (١٠)، إلا أن يشترط عليه أنه يترك عمله (١١) متى شاء، قال في المدونة: ومن قال لرجل بع هذا الثوب في هذا اليوم ولك درهم، لم يصح (١٢)، إلا أن يشترط أنه يترك متى شاء (١٣)، قال: لأنه إن مضى اليوم

стр. 2635

ولم يبع ذهب عمله باطلًا، وإن باعه (١) في نصفه أخذ الجعل كاملًا وسقط عنه بقية عمل (٢) اليوم، فهذا خطر، والجعل لا يكون مؤجلًا، إلا أن يكون متى شاء أن يردَّه ردَّه (٣)، يريد: لخفة الغرر. قوله: (وَلا نَقدٍ مُشتَرطٍ) هو معطوف على قوله: بلا تقدير زمن (٤)، واحترز بهذا مما إذا نقد من غير شرط، فإن ذلك جائز؛ إذ لا محذور فيه، بخلاف المشترط، إذ قد لا يتم العمل لعدم وجدان الآبق، أو هروبه بعد أن وجده وقبل وصوله، فيكون تارة جعلًا، وتارة سلفًا. قوله: (في كُلِّ مَا جَازَت فِيهِ الإِجارةُ، بِلا عَكسٍ) هذا متعلق بقوله: صحة الجعل، والمعنى: أن الجعل يجوز في كل ما جازت فيه الإجارة، ولا ينعكس، أي: ليس كل ما جاز فيه الجعل تجوز فيه الإجارة، وقاله في المدونة (٥). وجعل في المقدمات الأعمال (٦) ثلاثة أقسام: قسم يصح فيه الجعل والإجارة، وقسم لا يصحان فيه -وقد ذكرنا أمثلتهما في الكبير-، ثم قال (٧): وقسم تصح فيه الإجارة دون الجعل، كخياطة الثوب، وخدمة الشهر، وبيع السلع الكثيرة، والسلعة الواحدة التي تباع من جاعل ويعلم أن الثمن فيها (٨) موجود، أو على أن تباع ببلد آخر، وما أشبه ذلك مما يبقى للجاعل فيه منفعة وإن لم يتم المجعول له العمل (٩). فانظر هذا القسم مع الكلية التي ذكرها الشيخ. قوله: (وَلَو في الكثِيرِ) يريد: أنه ليس من شرط الجعل أن يكون في القليل. ابن رشد: وإن كان عبد الوهاب وغيره قد قاله فليس بصحيح، والصحيح أنه جائز في

стр. 2636

القليل والكثير مما لا يحصل للجاعل (١) فيه منفعة إلا بتمام العمل (٢). وقد أجاز في المدونة الجعل على شراء القليل والكثير من السلع وغيرها، ومنع ذلك في بيع ما كثر دون ما قلّ (٣)، وتأولها ابن يونس، وعياض، وجماعة من القرويين وغيرهم على أن عرف الجعل عندهم في البيع أنه لا يأخذ شيئًا حتى يبيع جميع (٤) السلع (٥)، وإليه أشار بقوله: (إِلا كبيعِ سِلعٍ لا يأخُذُ شيئًا إلا بالجميعِ). ابن يونس، وغيره: ولو كان على أن ما باع فله بحسابه، فإنه جائز، وتأولوا أيضًا إطلَاقه في الشراء، على معنى أن عرفهم فيه أنه مهما اشترى شيئًا أخذ بحسابه، ولو كان لا يأخذ شيئًا إلا بعد شراء الجميع لما جاز، فاختلاف الحكم إنما هو لاختلاف الغرض (٦)، ولو اتَّحد الغرض (٧) لاتَّحد الحكم. قوله: (وَفي شرطِ مَنفَعَةِ الجاعِلِ (٨): قولانِ) هو كقوله في المقدمات (٩): واختلف هل من شروط صحته أن يكون للجاعل فيه منفعة، أو لا (١٠)؟ على قولين (١١). (المتن) وَلِمَنْ لَمْ يَسْمَع جُعْلُ مِثْلِهِ إِنِ اعْتَادَة، كَحَلِفِهِمَا بَعْدَ تَخَالُفِهِمَا، وَلِرَبِّهِ تَرْكُهُ، وإِلَّا فَالنَّفَقَةُ، وَإِنْ أفْلَتَ فَجَاءَ بِهِ آخَرُ فَلِكُلٍّ نِسْبَتُة، وَإِنْ جَاءَ بِهِ ذُو دِرْهَمٍ وَذُو أَقَلَّ اشْتَرَكَا فِيهِ، وَلِكِلَيْهِمَا الْفَسْخُ. وَلَزِمَتِ الْجَاعِلَ بِالشُّرُوعِ، وَفِي الْفَاسِدِ جُعْلُ الْمِثْلِ، إِلَّا بِجُعْلٍ مُطْلَقًا فَأُجْرَتُهُ. (الشرح)

стр. 2637

قوله: (ولمَن لم يسمَع جُعلُ مِثلِهِ، إنِ اعتادَهُ) أي: أن (١) من أتى بالآبق، ولم يسمع قول سيده: من أتى بعبدي فله كذا، فإنه يستحق جعل مثله، إن كان من عادته طلب الأُبَّاق، ومفهومه أنه لو لم يكن له بذلك عادة، فلا شيء له من الجعالة، وقد تقدم لابن الماجشون وغيره أنه يستحقه. قوله: (كَحَلِفِهِما بعد تخالُفِهما) يعنى: وكذلك يكون له جعل مثله، إذا ادعى أنه علم بقول السيد: من جاءني بعبدي فله كذا، أو أنه سمع ذلك، وأنه لم يأت به إلا لطلب الجعل لا حِسبَةً، إلى غير ذلك (٢)، ونازعه السيد في ذلك، وحلفا على ذلك. قوله: (وَلربِّهِ تركُهُ) يريد: إذا أتى به قبل التزام ربه (٣) الجعل؛ لأن قيمته قد تزيد على رقبته، فلو كلف دفع الجعل الزائد على قيمة (٤) العبد (٥)؛ لحصل له الضرر. قوله: (وإلَّا فالنفَقَةُ) هذا راجع إلى قوله: إن اعتاده، والمعنى: أن من جاء بالآبق، ولم يسمع قول سيده، ولم يكن من عادته طلب الأُبَّاق؛ فإنه لا يستحق شيئًا من ذلك إن أتى به، إلا النفقة لا غير (٦). قوله: (وإن (٧) أفلَتَ فجَاءَ بِهِ آخَرُ، فلِكُلٍّ نِسبَتهُ) أي: فإن أتى رجل بالآبق فأفلت منه، ثم أخذه غيره فأتى (٨) به لسيده؛ فإن الجعل المسمى يكون بينهما على قدر سفر كل واحد منهما. وهذا إذا أفلت من الأول قريبًا من مكان سيده، قال مالك في العتبية: وأما إن أفلت بعيدًا، فالجعل للثاني فقط (٩). اللخمي: وكذا إذا أفلت فلحق بالموضع الذي جاء به الأول منه أو بقربه، فلا شيء للأول (١٠).

стр. 2638

قوله: (وإن جَاءَ بِهِ ذُو دِرهِمٍ، وَذُو أَقَلَّ، اشتَركَا فِيهِ) يريد: أن سيد الآبق إذا جعل لرجل درهمًا في مجيئه به، ولآخر (١) نصف درهم، فجاءَا به معًا؛ فإنهما يشتركان في الجعل، إلا أنه لم يبين هل تقع الشركة في الأكثر من الجعلين، أو الأقل (٢)؟ ومذهب ابن القاسم في المدونة أنهما يشتركان في الأكثر (٣)؛ لأن الجاعل قد رضي بذلك، فإذا كان كذلك اقتسما الدرهم على ثلاثة أثلاث، يأخذ صاحب الأكثر الثلثين. وذهب ابن نافع، وابن عبد الحكم: إلى أن لكل واحد منهما نصف جُعله، فيكون لهما هنا على الجاعل ثلاثة أرباع الدرهم، واختاره ابن المواز (٤) واللخمي وغيرهما (٥). قوله: (وَلكلَيهِما الفَسخُ) هذا هو المشهور، وقيل: إنها لازمة لهما، كالإجارة، وقيل: تلزم الجاعل (٦)، دون المجعول له. قوله: (وَلَزِمَت الجاعِلَ بِالشُّروع) هذا مما لا أعلم فيه خلافًا. قوله: (وَفي الفَاسِد: جُعل المِثلِ، إلا بِجُعلٍ مُطلَقًا؟ فَأُجرَتُهُ) ابن رشد (٧): اختلف في حكم الجعل الفاسد، فقيل: يُرَدُّ إلى حكم نفسه، فيكون فيه جعل المثل إن تمَّ العمل، وإلا فلا شيء فيه، وقيل: يُردُّ إلى حكم الإجارة، فيكون فيه أجرة المثل، تم العمل أم لا، وقيل: يُردُّ إلى حكم نفسه في مسائل، وإلى حكم الإجارة في مسائل (٨). ولم يبين ذلك، وقال في البيان: إن (٩) قال له (١٠) إن وجدته فلك كذا، وإن لم تجده فلك نفقتك، فهذا

стр. 2639

يرجع إلى أجرة مثله (١)؛ لأنه جعل له في الوجهين وليس بحقيقة الجعل، وإن لم يُسَمِّ شيئًا إلا في الإتيان به، ولا شيء له إن لم يأت به (٢)، قال: وهو أظهر الأقوال، واختاره ابن حبيب وحكاه عن مالك ومطرف وعبد الملك -وهو الذي اقتصر عليه هنا- وفي المسألة قولان آخران (٣): الأول في العتبية: إن وجده فله جعل مثله، وإلا فله أجرة مثله، والثاني في المدونة (٤): في الذي يقول إن جئتني بعبدي فلك نصفه، قال: إن أتى به فله إجارة (٥) مثله، وإلا فلا شيء له. ابن رشد: ولا وجه (٦) لهما في القياس (٧). * * *

стр. 2640

باب [في أحكام إحياء الموات] (المتن) بَابٌ مَوَاتُ الأَرْضِ مَا سَلِمَ عَنْ الاِخْتِصَاصِ بِعِمَارَةٍ، وَلَوِ انْدَرَسَتْ، إِلَّا لإِحْيَاءٍ، وَبِحَرِيمِهَا كَمُحْتَطَبٍ، وَمَرْعًى يُلْحَقُ غُدُوًّا وَرَوَاحًا، لِبَلَدٍ وَمَا لا يُضَيقُ عَلَى وَارِدٍ، وَلا يَضُرُّ بِمَاءٍ لِبِئْرٍ، وَمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلنخْلَة، وَمَطْرَحِ تُرَابٍ، وَمَصَبِّ مِيزَابٍ لِدَارٍ، وَلا تَخْتَصُّ مَحْفُوفَةٌ بِامْلاكٍ، وَلِكُلٍّ الاِنْتِفَاعُ مَا لَمْ يَضُرَّ، وَبِإقْطَاعِ وَلا يُقطِعُ مَعْمُورَ الْعَنْوَةِ مِلْكًا، وَبِحِمَى إِمَامٍ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ، قَل مِنْ بَلَدٍ عَفَا لِكَغَزْوٍ، وَافْتَقَرَ لإِذْنٍ وإِنْ مُسْلِمًا إِنْ قَرُبَ، وَإِلَّا فَلِلإِمَامِ إِمْضَاؤُهُ أَوْ جَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا، بِخِلافِ الْبَعِيدِ، وَلَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. (الشرح) (مَوَاتُ الأَرْضِ مَا سَلِمَ عَنْ الاخْتِصَاص (١)) الموات بفتح الميم هي (٢): الأرض التي لا مالك لها (٣)، ولا ينتفع بها (٤)، قاله الجوهري (٥). وعرفه اصطلاحًا بما ذكر. قال (٦) بعض الأشياخ: وهو أحسن ما قيل في هذا الباب. وهو للغزالي، إلا أنه قال: عن الاختصاصات. فجمع (٧) إشعارًا منه بتعدد وجوه الاختصاص، لكن لما كانت الألف واللام يفيد الاسم معها (٨) العموم، استغنى عن الجمع. والاختصاص على وجوه، أشار إلى الأول (٩) بقوله (بِعِمَارَةٍ ولَوِ انْدَرَستْ) أي: والاختصاص يكون بعمارة (١٠) وهو واضح؛ إلا أن العمارة تارة تكون ناشئة عن ملك ببيع أو هبة أو صدقة أو نحو ذلك. ولا خلاف أن الاختصاص يثبت بذلك، ولو اندرست تلك العمارة، مثل أن يشترى

стр. 2641

عرصة أو توهب له أو نحوه (١)، يبنيها (٢) ثم ينهدم ذلك البنيان وتعود عرصة كما كانت ولا يزول ملكه عنها (٣) إلا على (٤) ما خرجه في البيان في مسألة الصيد (٥) إذا ندَّ من ربه، وقد حصَّل في المسألة (٦) خمسة أقوال (٧). وإن كانت العمارة ناشئة عن إحياء: وهي أن يأتي الرجل إلى موات من (٨) الأرض فيعمره، ثم ينهدم ويعود كما كان، فاختلف هل يزول اختصاصه بزوال البناء المذكور، ويخرج عن ملك الباني (٩)، وهو قول ابن القاسم (١٠). وإليه أشار بقوله: (إِلَّا لإِحْيَاءٍ). أو لا يخرج عن ملك (١١) الأول بذلك، ولا يجوز لغيره أن يحييها إلا برضاه، وهو قول سحنون، وعنه أيضًا: أنه فرق بين الأرض القريبة من العمران أنها تكون له، ولو عمرها غيره، وبين البعيدة تكون لمن عمرها ثانيًا (١٢). قال ابن رشد: وهو صحيح عندي على معنى ما في المدونة: أن ما قرب لا يحيا إلا بقطيعة من الإمام، فكأنه صار ملكًا (١٣). قوله: (وَبِحَرِيمِهَا كَمُحْتَطَبٍ، وَمَرْعَىً يُلْحَقُ غُدُوّا وَرَوَاحًا، لِبَلَدٍ) أي: ويثبت الاختصاص (١٤) بحريم العمارة وغيرها مما ذكره، فليس لأحد أن ينشئ فيها ما يضر بأهلها من بناء أو غيرها (١٥)، فحريم البلد: المواضع التي يؤخذ منها الحطب لنفع أهله،

стр. 2642

والتي ترعى فيها مواشيها مما تدركه غدوًا ورواحًا. سحنون: وما كان من العمارة على يوم ولا تدركه المواشي في غدوها ورواحها، فأراه بعيدًا. وعنه: يجتهد ويشاور أهل الرأي (١). قوله: (وَمَا لا يُضَيِّقُ عَلَى وَارِدٍ، وَلا يَضُرُّ بماء لِبئْرٍ (٢)) هذا (٣) إشارة إلى حريم البئر، وليس له حد مخصوص، إلا ما لا (٤) يضر بمائها، ولا يضيق على دواب وارديها وقاله في المدونة، وغيرها (٥). ابن غلاب (٦) عن سحنون: حريم البئر، والأرض، والدار، والوادي في أرض غير مملوكة عشرون ذراعًا. وقيل: ستون (٧). وقال ابن نافع: حريم البئر العادية (٨) خمسون (٩)، والتي ابتدئ عملها خمسة وعشرون (١٠). وعكس ذلك أبو مصعب (١١)، وزاد: وحريم بئر الزرع خمسمائة ذراع، وحريم النهر ما لا يضر أيضًا بمن يرده (١٢).

стр. 2643

قوله: (وَمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ للِنَخْلَة (١)) يعني، وحريم النخلة ما فيه مصلحة لها، وقد سأل ابن غانم مالكًا عن حريمها فقال: قدر ما يرى أن فيه مصلحتها. قال: وقد سئل عن ذلك أهل العلم به فقالوا: من اثني عشر ذراعًا من نوأحيها كلها إلى عشرة أذرع قال وذلك حسن (٢) وسئل عن الكرم أيضًا وعن كل شجرة أهل العلم بها فقالوا (٣) لكل شجرة قدر مصلحتها (٤). قوله: (ومَطْرَحِ ترابٍ، ومَصَبٍّ مِيزَابٍ لِدَارٍ) أي: وأما حريم الدار: فهو ما يرتفق به أهلها من مطرح تراب، ومصب ميزاب ونحو ذلك، وهذا في الدار المحفوفة بالموات. وأما الدار (٥) المحفوفة بالأملاك فقد أشار إليها بقوله: (وَلَا تَخْتَصُّ مَحْفُوفَةُ بأَمْلاكٍ، ولكُل الاِنْتِفَاعُ مَا لَمْ يَضُرَّ) ومراده بذلك أن الدار إذا كانت مكتنفة بالأَملاك لا اختصاص (٦) لمالكها بشيء عن غيره، ولكن لكل واحد أن ينتفع بملكه وحريمه، ما لم يضر بالآخر. قوله (وَبِإِقْطَاعٍ) هو معطوف على قوله (وبِحَرِيمِهَا) ومراده أن الاختصاص أيضًا يثبت بإقطاع (٧) الإمام الأرض له، وهو تمليك، فله أن يبيع، ويهب، ويتصدق ويورث عنه وليس من الإحياء (٨)، وإنما هو تمليك مجرد، رواه يحيى بن يحيى عن ابن القاسم (٩). اللخمي: وهو ظاهر المذهب. قوله: (وَلَا يَقْطِعُ مَعْمُورَ (١٠) الْعَنْوَةِ ملْكًا) أي: ولكن يقطعه انتفاعًا (١١)، يريد وله أن

стр. 2644

يقطع البور والمعمور من غير أرض العنوة. قال في البيان: وهو ظاهر ما في كتاب الداودي، ومثله عن مالك من رواية ابن القاسم، قال: لا أرى للإمام أن يقطع أحدًا من أرض العنوة (١). قوله: (وبِحِمَى إِمَامٍ مُحْتَاجًا (٢) إِليْهِ (٣) قَلَّ مِنْ بَلَدٍ عَفَا لِكَغَزْوٍ) أي: وكذلك يثبت الاختصاص لحمى الإمام بشرط: أن يكون الحمى مما يحتاج إليه وأن يكون قليلًا في بلد العفاء، التي لا عمارة فيها بغرس ولا بناء مما فضل عن منافع أهلها من المسارح والمراعي، وأن يكون للجهاد ونحوه. قوله: (وَافْتَقَرَ لإذْنٍ وَإنْ مُسلمًا إنْ قَرُبَ، وإلَّا فَلِلإمَامِ إمْضَاؤُهْ أوْ جَعْلهِ مُتعدِّيًا) أي: وافتقر الإحياء إلأ إذن الإمام فيما قرب من العمارة، وإن كان المحيي مسلمًا، وهذا هو المشهور، وقال أشهب: لا يحتاج إلى إذنه (٤). فلو فرعنا على المشهور فأحيا ولم يأذن له، فقال مالك، وابن القاسم: للإمام إمضاء فعله أو جعله متعديًا (٥)، فيعطيه قيمة بنائه منقوضًا، ولا يبعد أن يعطى قيمته قائمًا لأجل الشبهة، كما قال أشهب. وقيل: أن الإمام يخير في أربعة أوجه، إن رأى أن يقره له، أو للمسلمين ويعطيه قيمته منقوضًا (٦) أو يأمره بقلعه، أو يقطعه (٧) لغيره ويكون (٨) للأول قيمته منقوضًا. قوله (بِخِلَافِ الْبَعِيدِ) أي: فإنه لا يفتقر إلى إذن. ابن رشد: وهو المشهور (٩). ونسبه

стр. 2645

في النوادر لما لك، وابن القاسم، ومطرف، وعبد الملك (١)، وأصبغ، وسحنون (٢) وعن ابن نافع (٣): لا بد فيه من إذن الإمام (٤). قوله (وَلَوْ ذِمِّيَا بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَب) أي: فيجوز للذمي أن يحيي ما بعد بغير إذن الإمام في غير جزيرة العرب قال ابن القاسم: ويملكه كالمسلم لعموم الخبر (٥)، إلا أن يحيي بجزيرة العرب فله قيمة ما عمّر ويخرج عنه (٦). وعن ابن القصار: ليس للذمي إحياء في دار (٧) المسلمين (٨). وقيل: إن عمّر فيما بعد فهو له، وفيما قرب ولو بعد إذن الإمام فيعطى قيمته. (المتن) وَالإِحْيَاءُ بِتَفْجِيرِ مَاءٍ وَبِإِخْرَاجِهِ وَبِنَاءٍ، وَبِغَرْسٍ وَبِحَرْثٍ وَتَحْرِيكِ أَرْضٍ، وَبِقَطْعِ شَجَرٍ، وَبِكَسْرِ حَجَرِهَا وَتَسْوِيَتِهَا، لَا بِتَحْوِيطٍ وَرَعْي كَلإٍ، وَحَفْرِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ. وَجَازَ بِمَسْجِدٍ سُكْنَى لِرَجُلٍ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ، وَعَقْدُ نِكَاحٍ، وَقَضَاءُ دَيْنٍ، وَقَتْلُ عَقْرَبٍ، وَنَوْمٌ بِقَائِلَةٍ، وَتَضْيِيفٌ بِمَسْجِدِ بَادِيَةٍ، وَإِنَاءٌ لِبَوْلٍ إِنْ خَافَ سَبْعًا، كَمَنْزِلٍ تَحْتَهُ، وَمُنِعَ عَكْسُهُ، كَإِخْرَاجِ رِيحٍ، وَمُكْثٍ بِنَجِسٍ، وَكُرِهَ أَنْ يَبْصُقَ بِأَرْضِهِ وَيحَكَّهُ وَتَعْلِيمُ صَبِيٍّ، وَبَيْعٌ وَشِرَاءٌ، وَسَلُّ سَيْفٍ، وَإِنْشَادُ ضَالَّةٍ، وَهَتْفٌ بِمَيِّتٍ، وَرَفْعُ صَوْتٍ كَرَفْعِهِ بِعِلْمٍ، وَوَقِيدُ نَارٍ، وَدُخُولُ كَخَيْلٍ لِنَقْلٍ، وَفَرْشٌ، أَوْ مُتَّكَأٌ، وَلِذِي مَأْجَلٍ، وَبِئْرٍ، وَمِرْسَالِ مَطَرٍ، كَمَاءٍ يَمْلِكُهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ، إِلَّا مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ. وَالأَرْجَحُ بِالثَّمَنِ، (الشرح) قوله (وَالإحْيَاءُ بِتَفْجِيرِ مَاءٍ وَبِإِخْرَاجِهِ وَبنَاء (٩)، وَبغَرْسٍ وَبِحَرْثٍ وَبِتَحْرِيكِ أَرْضٍ،

стр. 2646

وَبِقَطْع شَجَر (١)، وَبِكَسْرِ حَجَرِهَا وتَسْوِيَتِهَا) يعني أن الإحياء يحصل بأحد أمور سبعة: وهي تفجير الماء في الأرض بحفر بئر، أو فتق عين، أو إخراج الماء في (٢) غامرها، أو البناء فيها أو غرسها بالأشجار، أو حرثها، أو تحريكها بالحفر ونحوه، أو قطع غياضها وشجرها أو كسر حجرها، وتسوية قرونها، وتعديلها. عياض: وهذه الأماكن يحصل الإحياء بها باتفاق. قال: وأما التحجير وحفر بئر الاشية، ورعي كلأ الأرض فليس بإحياء عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب (٣)، وإلى الأول أشار بقوله (لَا (٤) بِتَحْويطٍ وَرَعْيِ كَلإٍ، وحَفْرِ بِئْر مَاشِيَةٍ) والمراد بالتحجير، أن يضرب الرجل حدودًا بإزاء ما يريده من الموات يريد: منع الناس منه، وهو مراده بالتحويط هنا. قوله (وَجَاز بمَسْجِدٍ سكْنَى لرجل تَجَرَّدَ لِلْعِبادَةِ) يريد، أن سكنى المسجد لا يجوز إلا لرجل تجرد للعبادة، وقيام الليل، وأما غير ذلك فلا. قوله (وعَقْدُ نِكَاحٍ) أي: وجاز فيه أيضًا عقد النكاح، واستحسنه جماعة، ورأوا أنه مخالف لعقد البيع (٥). قوله: (وَقَضَاءُ دَيْنٍ) أي: وهكذا استخف فيه أهل المذهب قضاء الدين. قوله (وَقَتْلُ عَقْرَبٍ) أي: وكذا يجوز قتل العقرب في المسجد، ونص عليه اللخمي (٦) وغيره. قوله (وَنْوَمٌ بِقَائِلةٍ) ابن شاس: وخفف يعني الجلوس في المسجد والنوم فيه نهارًا للمقيم (٧) والمسافر، والمبيت للمار (٨). قوله (وتَضْييفٌ بِمَسْجدِ بادَيةٍ) ابن حبيب: وأرخص مالك أن يطعم الضيف في

стр. 2647

مساجد (١) البادية، وذلك شأن الساجد (٢). قوله (وَإِنَاءٌ لِبَوْلٍ إنْ خَافَ سَبْعَا) أشار بهذا إلى ما وقع لابن رشد في الأجوبة فإنه أجاز لمن التجأ إلى المبيت في (٣) السجد وخاف إن خرج لصًا أو سبعًا أن يتخذ معه آنية ليبول فيها (٤). قوله (كَمَنْزِلٍ تَحْتَهُ) أجاز مالك للرجل (٥) أن يجعل السفل مسكنًا والعلو مسجدًا (٦) أو ليسكن تحته كما قال هنا ابن حبيب وعن مالك ولا يجوز للرجل (٧) أن يجعل السفل مسجدًا (٨) ويسكن العلو وإليه أشار بقوله (وَمُنِعَ عَكْسُهُ) ابن حبيب: لأنه إذا جعل السفل مسجدًا فقد صار لما فوقه حرمة المسجد (٩). قوله (كَإِخْرَاجِ رِيحٍ) أي: وكذا يمنع إخراج الريح فيه. اللخمي: لحرمة المسجد والملائكة (١٠). قوله (وَمكث بِنَجِسٍ (١١)) قال في مختصر ما ليس في المختصر (١٢): ويجب على من رأى في ثوبه دمًا وهو في الصلاة أن ينحيه عن المسجد ولا يجعله فيه وقد قيل يجعله فيه ويتركه بين يديه ويغطي الدم (١٣) والأول أظهر، ولهذا اقتصر هنا عليه. قوله: (وكُرِهَ أَنْ يَبْصُقَ بِأَرْضِهِ ويحكه (١٤)) هكذا روي عن مالك (١٥).

стр. 2648

قوله: (وَتَعْلِيمُ صَبِي) لم ينص مالك على الكراهة ولا غيرها، وإنما قال فيما روى عنه ابن حبيب: ولا يعلم فيه الصبيان ولا يمكنون من دخوله. وهو محتمل للمنع والكراهة. قوله (وَبَيْعٌ وَشِراءُ) أي: ويكره فيه أيضا البيع والشراء، وحكاه ابن حبيب عن مالك. قوله (وَسَل سَيْفٍ، وَإِنْشَادُ ضَالةٍ) هذا لما رواه عبد الرزاق أن رسول الله ﷺ نهى أن يسل السيف في المسجد وعنه ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك" وظاهر هذا المنع. قوله (وَهَتْفٌ بِمَيِّتٍ) هكذا حكاه ابن حبيب عن مالك (١) ومعنى الهتف (٢) أن يقول الرجل على باب المسجد عند انصراف الناس عنه، أخوكم فلان قد مات بصوت يجهر به، على سنة الجهر، وأما ما يفعله المدير (٣) عندنا بمصر فهو من النعي (٤) المنهي عنه. قوله (وَرَفْعُ صَوْتٍ كَرَفعِهِ بِعِلْمٍ) أي ويكره رفع الصوت فيه، ولو بالعلم وغيره وإنما قال: (كَرَفْعِهِ بِعِلْمٍ) ولم يقل ورفع صوت ولو بعلم، تنبيهًا على أن رفع الصوت بالعلم مكروه على كل حال في المسجد وغيره، وما حكاه من الكراهة حكاه ابن حبيب عن مالك (٥). بعض الأشياخ: والمشهور كراهة رفع الصوت بالعلم في المسجد (٦)، خلافًا لابن مسلمة (٧). قوله: (وَوَقِيدُ (٨) نَارٍ) هكذا حكاه ابن حبيب عن مالك (٩)، وذكره في الجواهر (١٠).

стр. 2649

قوله: (ودُخُولُ كَخَيْلٍ لِنَقْلٍ (١)) قال في الجواهر عن ابن حبيب، وكره مالك أن يدخل المسجد بالخيل والبغال والحمير لمن ينقل عليها إليه (٢)، وكان لا يرى بأسًا بالإبل لكون أبوالها طاهرة. (٣) قوله: (وَفَرْشٌ، أو مُتَّكَأٌ) يعني أنه يكره للرجل أن يتخذ في المسجد فراشًا يجلس عليه (٤)، أو وسادة يتكئ عليها وهكذا ذكره ابن حبيب عن مالك (٥). قوله: (وَلِذي مَأْجَلٍ، وَبِئْرِ وَمِرْسَالِ (٦) مَطَرٍ كَماءٍ يَمْلِكُهُ مَنْعُهُ وبَيْعُهُ) أشار إلى أن الماء ينقسم إلى أقسام: الأول: أن يكون قد حل (٧) في أرضه من مطر أو سيل أو فيض (٨) عين، ومثله ما إذا كان المطر يجري من أرضه (٩) إلى أرض غيره، وهو مراده بمرسال (١٠) مطر. الثاني: ماء البئر التي في ملكه. الثالث: الماء الذي يملكه في آنيته وذكر أن له منع ذلك جميعًا وبيعه وهو المشهور، وقال يحيى بن يحيى: أربع لا أرى أن تمنع: النار والماء والحطب والكلأ. (١١) قوله: (إلَّا مَنْ خِيِفَ عَلَيْهِ وَلَا ثَمَنَ مَعُهَ) وإنما لم يكن له المنع هنا لوجوب ذلك عليه، واختلف هل له أخذ العوض عن ذلك أم لا؟ ، ففي المدونة: وكل من حفر في أرضه أو داره بئرًا، فله منعها وبيع مائها وله منع المارة منها إلا بالثمن إلا قومًا لا ثمن معهم، وإن تركوا إلى أن يردوا ماء غيره هلكوا، فلا يمنعون (١٢) فظاهره: أنهم يأخذون

стр. 2650

ذلك بغير ثمن (١). ابن يونس: والأولى ألا يأخذوا ذلك إلا بالثمن، وإليه أشار بقوله: (وَالأَرْجَحُ بِالثَّمَنِ). (المتن) كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعٍ خِيفَ عَلَى زَرْعِ جَارِهِ بِهَدْمِ بِئْرِهِ، وَأَخَذَ يُصْلِحُ وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، كَفَضْلِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ بِصَحْرَاءَ هَدَرًا إِنْ لَمْ يُبَيِّنِ الْمِلْكِيَّةَ. وَبُدِئَ بِمُسَافِرٍ وَلَهُ عَارِيَّةُ آلَةٍ، ثُمَّ حَاضِرٍ، ثُمَّ دَابَّةِ رَبِّهَا بِجَمِيعِ الرِّكب، وَإِلَّا فَبِنَفْسِ الْمَجْهُودِ. وَإِنْ سَالَ مَطَرٌ بِمُبَاحٍ سُقِيَ الأَعْلَى، إِنْ تَقَدَّمَ لِلْكَعْبِ، وَأمِرَ بِالتَّسْوِيَةِ، وَإِلَّا فَكَالحَائِطَيْنِ، وَقُسِمَ لِلْمُتَقَابَلَيْنِ كَالنِّيلِ، وَإِنْ مُلِكَ أَوَّلًا قُسِمَ بِقِلْدٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَأُقْرِعَ لِلتَّشَاحِّ فِي السَّبْقِ، وَلَا يَمْنَعُ صَيْدَ سَمَكٍ، وَإِنْ مِنْ مِلْكِهِ، وَهَلْ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَقَطْ؟ أوْ إِلَّا أَنْ يَصِيدَ الْمَالِكُ؟ تَأْوِيلَانِ. ولا كَلأ بِفُحْصٍ، وَعَفَاءٍ لَمْ يَكْتَنِفْهُ زَرْعُهُ بِخِلافِ مَزجِهِ وَحِمَاة. (الشرح) قوله: (كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعِ خِيفَ عَلَى زَرْعِ جَارِه بِهَدْم بِئْرِهِ وَأَخذ يُصْلِحُ وأجبر عليه) يريد، أن من له بئر زرع وفي مائه فضل عن سقى زرعه، فإن له منع ذلك من غيره ويأخذ منه ثمنه، إلا أن يكون له جار وله زرع خيف عليه الهلاك من العطش فإنه يجب عليه أن يدفع لجاره ذلك الفضل، بشرط أن يكون بئره قد تهدم أو نزح (٢) نحو ذلك وأن يكون قد أخذ في إصلاحها، يريد وأن يكون قد زرع على أصل الماء احترازًا مما إذ (٣) زرع لا على أصل (٤) ماء، فإن جاره لا يجب عليه (٥) دفع ذلك، لأنه خاطر وعرّض زرعه للهلاك، واختلف هل عليه في ذلك ثمن أم لا؟ والثاني مذهب المدونة (٦)، وحكى القولين (٧) عن مالك في المقدمات (٨). ابن يونس: والأولى أن يأخذ ذلك بالثمن، فقوله: (كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعِ) إشارة إلى أن الأرجح في هذا أيضا دفع الثمن

стр. 2651

كالذي قبله. قوله (١): (وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ) أي: على دفع الماء في الفرعين معًا. قوله: (كَفَضْلِ بِئْرِ مَاشِيةٍ بِصَحْرَاءَ هَدَرًا، إنْ لَمْ يُبَينْ الملكِيَّة) يعني، أنه يجبر على دفع فضل ماء بئر الماشية بغير ثمن، وقاله في الواضحة والمجموعة (٢) واحترز بقوله (بصحراء) مما إذا حفرها في ملكه، فإن له منع مائها وبيعه، كما إذا بيّن أن الماء ملكه (٣) وأشهد على ذلك. قوله: (وَبُدِئَ بمُسَافرٍ وَلَهُ عَارِيَةُ آلَةٍ ثُمَّ حَاضِرٍ ثُمَّ دَابَّةِ رَبِّهَا) يريد أن ما فضل عن رب البئر يدخل فيه المسافر والمقيم، إلا أن المسافر مقدم (٤) عليه؛ لشدة حاجته وله على الحاضر عارية الرشاء والدلو والحوض ونحو ذلك، ثم دابة المسافر ثم الحاضر ثم دابته، ولهذا قال (ثم دابة ربها) (٥)، أي تليه في التبدئة. قال في المقدمات: يبدأ أولًا بأهل الماء فيأخذون لأنفسهم حتى يرووا ثم المارة حتى يرووا، ثم دواب أهل الماء حتى يرووا، ثم دواب المارة حتى يرووا (٦) ثم مواشي أهل الماء، ثم الفضل لسائر الناس المسلمين (٧)، وقال أشهب: دواب المسافرين قبل دواب أهل الماء (٨). قوله: (بِجَمِيعِ الرِّيِّ) هذا إشارة إلى قوله في المقدمات: حتى يرووا (٩). قوله: (وَإِلا فَبِنَفْسِ (١٠) المْجَهُود) يريد: أن التبدئة المذكورة مشروطة بما إذا كان في الماء فضل وإلا فإنه يبدأ بأنفس المجهودين. ابن رشد (١١): ودواب من كان الجهد عليه

стр. 2652

أكثر بتبدية (١) صاحبه فإن استووا في الجهد (٢) تساووا هذا مذهب أشهب، وعلى ما ذهب إليه ابن كنانة إذا استووا في الجهد (٣) فأهل الماء أحق بالتبدئة لأنفسهم، ودوابهم، وإن قل الماء جدًّا وخيف على بعضهم بتبدئة بعض (٤) أخذ أهل الماء قدر ما يذهب عنهم الخوف (٥)، فإن فضل شيء أخذ المسافرون لأنفسهم (٦) بقدر ما يذهب عنهم الخوف (٧) فإن فضل شيء أخذه أهل الماء لدوابهم (٨) بقدر ما يذهب عنهم الخوف (٩). قال: ولا اختلاف عندي في هذا الوجه وهذا الذي تحصل عندي من قول أشهب وابن كنانة (١٠). قوله: (وَإنْ سَالَ مَطَرٌ بِمُباحٍ سُقِيَ الأَعْلَى، إِنْ تَقَدَّم لِلْكَعْب) يريد، أن ما يسيل من المطر في أرض مباحة إلى قوم لهم جنان، فإن الأعلى يسقي به إلى الكعبين، ثم يرسله لمن هو دونه فيسقي به كذلك، ثم يرسله حتى يكتفوا، وقد جاء كذلك في الحديث. واحترز بالمباح مما إذا سال في أرض مملوكة للغير، فإنه له منعه وبيعه كما تقدم، واختلف إذا بلغ الماء إلى الكعبين هل يرسل الماء جميعه إلى الأسفل؟ وهو قول ابن القاسم، أو لا يرسل إليه (١١) إلا ما زاد على الكعبين؟ وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن وهب. وابن رشد: والأول أظهر، وليس في الماء حق لمن لم ينته الماء إليه متى (١٢)

стр. 2653

احتاج الأعلى إلى (١) السقي، وعلى رواية ابن زياد (٢) لا يأخذ جميعه بل يأخذ منه في ساقيته بقدر ما يكون إلى الكعبين، ثم من تحته كذلك حتى يتم الماء (٣)، وأما إن لم يكن في الماء فضل ولا يتأتى به السقي إلا لواحد، فلا حق للأسفل إلا فيما فضل عن الأعلى. قوله: (إِنْ تَقَدَّمَ) يشير إلى أن ما ذكره من تبدئة الأعلى مقيد بما إذا كان إحياؤه مقدمًا عَلى إحياء الأسفل، وأما إذا تقدم الأسفل فإنه أحق، وقاله سحنون (٤). قوله: (وَأُمِرَ بِالتَّسْوِيَةِ، وَإِلَّا فكَالحائِطَيْنِ) يريد أن الأعلى يؤمر بتسوية أرضه إن كان بعضها أعلى من بعض، وقاله سحنون، فإن تعذر عليه التسوية سقى الأعلى، ثم الأسفل وعد كأنهما حائطان، وقاله الباجي (٥). قوله: (وَقُسِمَ لِلْمُتَقَابِلَيْنِ) يريد، أن الحائطين إذا كانا متقابلين (٦) فإن الماء يقسم بينهما، وقاله سحنون وزاد: إن كان بعض الأسفل مقابلًا لبعض الأعلى حكم لمقابل الأعلى (٧) ولمقابل الأسفل بحكم الأسفل (٨). قوله: (كَالنِّيلِ) يريد، أن حكم النيل حكم المطر، وقاله ابن وهب. قوله: (وَإِنْ مُلِكَ أولًا قُسِمَ بقلد، أَوْ غَيْرِهِ) أي: فإن ملك الماء أولًا بأن يكون جماعة قد اجتمعوا في إجرائه إلى أرضهم، فإن الأعلى لا تبدئة له هنا على الأسفل؛ لأنهم قد ملكوا الماء قبل وصوله إلى أرضهم بحسب أعمالهم، فيقسم الماء بينهم بقلد أو غيره من الآلات التي (٩) تعرف بها الأوقات ونحوها. ابن شاس: ومن صفة القِلد أن يؤخذ قِدر (١٠) فيخرق في

стр. 2654

أسفلها ثقب (١)، وتملأ بماء ويكون قَدر أقلهم (٢) نصيبًا مقدار ما يجري ماؤه على ذلك الخرق، فيملأ ولا يزال صاحب الحصة من الماء يأخذ ماء العين كله، ويصرفه فيما شاء إلى أن يفنى ماء القدر (٣)، ثم يملأ للذي يليه مرة أو مرتين أو أكثر بقدر حصته (٤) ثم ذكر صفتين أخريين انظرهما في الكبير. قوله: (وَأُقْرعَ لِلتَّشَاحِّ فِي السَّبْقِ (٥)) أي: فإن تشاح الأشراك في التبدئة؛ أقرع بينهم فمن خرج سهمه أجرى له، ثم للذي يليه إلى آخرهم، حكاه ابن شاس (٦). قوله: (وَلَا يَمْنَعُ صَيْدَ سَمَكٍ، وَإِنْ ملكه (٧)) لا إشكال في ذلك إذا كان في مكان غير مملوك، وأما إن كان في أرض مملوكة (٨) فليس له -أيضا- في رواية ابن القاسم أن يمنع غيره من ذلك، وقال سحنون: له المنع، وقال أشهب: إن طرحها فتوالدت فله المنع، وإلا فلا إلا أن يضر به من يصيد. ولمطرف وعبد الملك نحو قول سحنون (٩). قوله: (وَهَلْ فِي أَرْضِ الْعَنْوةِ فَقَطْ؟ أَوْ إِلَّا أَنْ يَصِيدَ الْمَالِكُ؟ تَأْوِيلان) هذا تفريع على رواية ابن القاسم في المدونة، فرأى ابن كنانة (١٠) أنه إنما لا (١١) يمنع ذلك لكون الأرض ليست لهم، إنما هم متولون لها إذ أرض مصر أرض خراج، وأما لو كانت الأرض لإنسان وملكه فله منع الناس (١٢). وإليه أشار بقوله: (وَهَلْ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَقَطْ؟ ) أي: وهل عدم المنع ذلك مقصور على أرض العنوه فقط؟ وقال بعض القرويين: إنما لا يمنع

стр. 2655

النأس منها إذا كان هو لا يصيد ذلك، إذ لا يجوز له بيع ذلك؛ لأن بيعه غرر، وإليه أشار بقوله: (أَوْ إِلَّا أَنْ يَصيدَ (١) الْمَالِكُ؟ ) ولو قال: أو إن لم يصد (٢) المالك لكان أحسن، فتأمله (٣). قوله: (ولا كَلأ بِفَحْصٍ وَعَفاء لَمْ يَكْتَنِفهُ زَرعُه) الكلأ -بقصر الهمزة- هو ما ينبت من المرعى الغير مزدرع (٤)، والفحص هو الأرض التي ترك صاحبها زراعتها (٥) ولم يبورها لأجل الرعي. والعفاء: هو الذي أعفى من الزراعة. ابن رشد: ولا خلاف أن الكلأ إذا كان في أرض غير مملوكة إن الناس كلهم فيه سواء. واختلف إذا سبق إليه أحد، فنزله وصار (٦) يرعى ما حوله أو حفر بئرًا، فقال ابن القاسم: هو وغيره سواء فيه، ورواه عن مالك في المدونة، وقال أشهب: هو أحق بقدر حاجته وإن لم يحفر حوله (٧) بئرًا. قال ابن رشد: ومعناه إن (٨) انتجع إليه وقصده من بعد، وأما إذا مَرَّ (٩) به فلا يكون أحق به (١٠) بمجرد سبقه. وأوَّله بعضهم على أنه أحق به، لأن رعيه إحياء، وظاهر قول المغيرة أنه أحق إن حفر بئرًا لا بمجرد النزول (١١). قال (١٢): وهو أعدل الأقوال، وأولاها بالصواب، ثم قال: وإن كان مملوكًا فهو على أربعة أقسام: أحدها: أن يكون قد حظر عليها (١٣) بالحيطان، ولا خلاف أن صاحبها أحق

стр. 2656

بما (١) فيها من الكلأ. والثاني: ألا تكون محظورة، إلا أنها حماه ومروجه التي يبورها (٢) للمرعى فذهب ابن القاسم (٣): أن له المنع والبيع فإن لم يحتج إليه ولا وجد من يشتريه جبر على أن يخلي بين الناس وبينه، ولا يباح له منعه، وقيل: له المنع إن احتاج، وهو قول أشهب. الثالث: فدادينه وفحوص أرضه التي (٤) لم يبورها للمرعى، فقال ابن القاسم وأشهب: له المنع إن احتاج، والبيع إن لم يحتج (٥). والرابع: العفاء والمسرح من أرض قريبة، ولا خلاف أنه ليس له بيعه ولا منع الناس عما فضل عن حاجته (٦)، إلا أن يكون عليه في تخلص الناس إليه بدوابهم ومواشيهم ضرر من زرع يكون له حواليه، فيفسد عليه بالإقبال والإدبار. قوله: (بِخِلَافِ مَرْجِهِ وحِمَاهُ) أي: فإن له المنع منه إن احتاج إليه (٧) والبيع إن لم يحتج، وهذا هو القسم الثاني (٨) من كلام ابن رشد (٩). والمرج هو واحد المروج، وهو الموضع الذي يرعى فيه الدواب (١٠). * * *

стр. 2657

باب [في أحكام الوقف] (المتن) بَابٌ صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ، وَإِنْ بِأُجْرَةٍ، وَلَوْ حَيَوَانًا وَرَقِيقًا، كَعَبْدٍ عَلَى مَرْضَى لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرَهُ. وَفِي وَقْفِ كَطَعَامٍ تَرَدُّدٌ، عَلَى أَهْلٍ التمليك كَمَنْ سَيُولَدُ. وَذِمِّيٍّ وِإنْ لَمْ تَظْهَرْ قُرْبَةٌ أَوْ يَشْتَرِطْ تَسْلِيمَ غَلَّتِهِ مِنْ نَاظِرِهِ لِيَصْرِفَهَا، أَوْ كَكِتَاب عَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ صَرْفِهِ فِي مَصْرِفِهِ وجرَّد. وَبَطَلَ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَحَرْبِيٍّ، وَكَافِرٍ لِكَمَسْجِدٍ، أَوْ عَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ، أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ قَبْلَ عَامٍ، أَوْ جُهِلَ سَبْقُهُ لِدَيْنٍ إِنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورِهِ، أَوْ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ بِشَرِيكٍ، (الشرح) (صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوَكٍ) الوقف والحبس واحد، قاله في المقدمات (١). وهذا الذي ذكره هو مذهب الجمهور، وهو ظاهر. انظر الدليل عليه في الكبير (٢). قوله: (وَإِنْ بِأُجْرَةٍ) يريد: أن الموقوف ليس من شرطه أن تكون رقبته مملوكة للواقف؛ بل يجوز وقف الرقبة، ووقف المنفعة، مثل أن يكتري أرضًا سنينَ؛ ليتخذها (٣) مسجدًا يوقفه في تلك المدة. قوله: (وَلَوْ حَيَوَانًا وَرَقِيقًا) هو مذهب المدونة (٤) وغيرها. وحكى ابن القصار قولًا بمنع ذلك (٥). وقيل: يكره ذلك في الرقيق دون الدواب. وقيل: يجوز في الخيل، ويكره فيما عداها. قوله: (كَعَبْدٍ عَلَى مَرْضَى لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرَهُ) أي: وكذا يصح وقف العبد على المرضى إذا لم يقصد بذلك ضرر العبد (٦)، وأما إن قصد ذلك فلا يصح. قوله: (وَفِي وَقْفِ كَطَعَامٍ تَرَدُّدٌ) يريد: أنه اختلف هل يجوز وقف الطعام أم لا؟

стр. 2658

والذي في الجواهر: المنع (١). قال: لأن منفعته في استهلاكه (٢)، وإنما يكون الوقف مع بقاء الذوات؛ لينتفع بها مع بقاء عينها، ولعله يريد (٣) أن الواقف اشترط بقاء عينها (٤)؛ وإلا ففي البيان أنَّ وقف الدراهم والدنانير وما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه مكروه، فإن وقع كان لآخر العقب إن كان معينًا (٥). وفي المدونة: جواز وقف الدنانير والدراهم للسلف. والطعام مثله (٦)؛ ولهذا قال: كطعام. أي: من المثليات التي لا تعرف بعينها. قوله: (علَى أَهْلِ التمليك (٧)) يريد: أن من شرط الموقوف عليه أن يكون أهلًا للتمليك، فإن لم يكن مما يقبل الملكية لم يصح الوقف عليه (٨). قوله: (كَمَنْ سَيُوَلَدْ) أي: سواء كان جنينًا أو غيره. وحكى ابن العطار (٩)، وابن زرب، والباجي صحة الوقف على الجنين. ابن العطار: وزعم بعضهم أن الوقف على الحمل لا يجوز، وهو جائز بدليل جوازه على الأعقاب (١٠). قوله: (وَذِمِّيٍّ) يريد: لأن الوقف عليه صدقة، وقد جاء جواز ملك الصدقة (١١) له، فالوقف كذلك. قوله: (وَإنْ لَمْ تظهَر قُرْبَةٌ) يريد: أن الوقف لا يشترط فيه ظهور القربة؛ لأنه من باب

стр. 2659

الهبات (١)؛ ولهذا يصح الوقف على الغنى. قوله: (أَوْ يَشْتَرْط تَسليم غَلَّتِهِ مِنْ نَاظِرِهِ ليَصْرِفَهَا) يشير إلى أن من وقف وقفًا وجعل له ناظرًا، وشرط مع ذلك أن يسلم غلته من الناظر المذكور ليصرفها في مصرفها؛ فإن الوقف يصح، وهو قول مالك، وابن عبد الحكم، واختاره اللخمي (٢)، وقال ابن القاسم وأشهب: لا يصح (٣). والأول هو الصحيح، وفي كلامه إشارة إلى أن الجواز (٤) لا يبطل بتسليم الغلة؛ لأن من (٥) شرط صحة الوقف خروجه عن يد واقفه، وتركه الانتفاع به قبل فلسه وموته ومرض موته (٦)؛ وذلك حاصل هنا، فإن لم يُحَزْ (٧) عنه حتى فلس أو مات بطل الوقف. واختلف إذا كان يصرفه في مصرفه، فقيل: يبطل. وقيل: يصح. وهما روايتان (٨)، وفرق في المدونة بين أن تكون له غلة؛ كالدور والحوانيت ونحوهما فيبطل، وإن كان سلاحًا أو فرسًا فيوقف في السبيل، أو كتابًا لمن ينظر فيه أو يقرأ أو ينسخ منه ونحو ذلك ثم يعيده؛ فيصح؛ لأن خروج ذلك من يده حوزٌ له، وعوده إلى يده إنما كان بعد صحة الحوز (٩)، وإلى هذا أشار بقوله: (أَوْ كَكِتَابٍ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ صَرْفِهِ في مَصْرِفِهِ. وجرَّد) اللخمي هذا القسم عن الخلاف؛ قال: ويختلف إذا لم يأت وقت إنفاذ السلاح (١٠) للجهاد، وما طلب الآخر الكتاب للقراءة حتى مات المحبس، هل يبطل الحبس أم لا؟ (١١) قوله: (وَبَطَل عَلى مَعْصِيَةٍ) أي: وبطل الوقف على معصية، كما إذا اشترط أن

стр. 2660

يصرف في شرب الخمر، أو يعطي لأهل الفساد والفسق، ونحو ذلك. قوله: (وَحَرْبِيٍّ) قال أصبغ: ولا تجوز الوصية للحربي؛ لأن ذلك قوة لهم على حربهم (١)، الوقف كالوصية. قوله: (وَكَافِرٍ لِكَمَسْجِدٍ) أي: وكذلك يبطل وقف الكافر على مسجد ونحوه، وقد قال مالك في نصرانية بعثت بدينار (٢) إلى الكعبة: يرد إليها (٣). قوله: (أَوْ عَلَى بَنِيه دُوَنَ بَنَاتِهِ) أي: وكذلك يبطل وقفه إذا جعل على ذكور بنيه دون بناته، ورواه (٤) ابن القاسم عن مالك (٥). وفي رواية ابن زياد كراهة إخراجهن من الحبس إذا تزوجن (٦). قوله: (أَوْ عَادَ لسُكْنَى مَسْكَنِهِ قَبْلَ عَامٍ) يريد: أن من حبس دار سكناه على صغير ونحوه فحيزت عنه مدة، ثم عاد إليها قبل عام فسكنها، فإن الحبس يبطل، لبطلان حوزه. وحكاه ابن يونس وغيره. وحد الحيازة: سنة عند ابن عبدالحكم (٧). فلو عاد إلى سكناها بعد سنة لم يبطل الوقف بذلك (٨). قوله: (أَوْ جُهِلَ سَبْقُهُ لِدَيْنٍ إنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورِهِ) يريد: أن من حبس شيئًا ثم طرأ (٩) عليه دين ولم يعلم سبقية التحبيس للدين ولا الدين له؛ فإنه يبطل، ويباع في الدين إن أراد الغريم ذلك. قوله: (إنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورِهِ) هو قيد في المسألة الأولى، ويحتمل أن يكون قيدًا فيها وفي هذه أيضًا. قوله: (أَوْ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ بِشَرِيكٍ) إنما يبطل على نفسه لأن فيه تحجيرًا عليه وعلى

стр. 2661

وارثه بعد الموت، وسواء كان ذلك على نفسه خاصة أو مع شريك، وهو المشهور. وقال ابن شعبان: إن حبس على نفسه وعلى غيره صح ودخل معهم (١). (المتن) أَوْ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لَهُ، أَوْ لَمْ يَحُزْهُ كَبِيرٌ وُقِفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَفِيهًا، أَوْ وَلِيُّ صَغِيرٍ، أَوْ لَمْ يُخَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ كَمَسْجِدٍ قَبْلَ فَلَسِهِ وَمِوْتِهِ وَمَرَضِهِ، إِلَّا لِمَحْجُورِهِ إِذَا أَشْهَدَ، وَصَرَفَ الْغَلَّةَ لَهُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ، اوْ عَلَى وَارِثٍ بِمَرَضِ مَوْتِهِ إِلَّا مُعَقَّبًا خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ؛ فَكَمِيرَاثٍ لِلْوَارِثِ، كَثَلَاثَةِ أَوْلَادٍ، وَأَرْبَعَةِ أَوْلَادِ أَوْلَادٍ، وَعَقَّبَهُ، وَتَرَكَ أُمًّا وَزَوْجَةً، فَيَدْخُلَانِ فِيمَا لِلأَوْلَادِ، وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ لِوَلَدِ الْوَلَدِ: وَقْفٌ، وَانْتَقضَ الْقَسْمُ بِحُدُوثِ وَلَدٍ لَهُمَا، كَمَوْتِهِ عَلَى الأَصَحِّ، لَا الأُمِّ وَالزَّوْجَةِ فَيَدْخُلانِ، وَدَخَلتا فِيمَا زِيدَ لِلْوَلَدِ. (الشرح) قوله: (أَوْ عَلَى أنَّ النَّظَرَ لَهُ) هكذا في الموازية (٢) وفي المختصر الكبير، حكاه ابن شاس. قوله: (أَوْ لَمْ يَحُزْهُ كَبِيرٌ وُقِفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَفِيهًا) يريد: أن الموقوف عليه إذا كان كبيرًا ولم يحز ما وقف عليه حتى مات الوا قف أو فلس أو مرض؛ فإن الوقف يبطل، وسواء كان رشيدًا أو سفيهًا، قال ابن الهندي: وحيازة السفيه صحيحة؛ لأن القصد بها خروج ذلك عن يد المحبس (٣). وقيل: لا تعتبر حيازته (٤). ابن راشد (٥): وهذا إذا كان له ولي؛ وإلا فينبغي أن يتفق على حيازته إن لم يكن له ولي (٦). قوله: (أَوْ وَلِيُّ صَغِيرٍ) أي: وكذلك يبطل الوقف إذا كان على صغير ولم يحزه له وليه حتى مات الواقف، ونحو ذلك (٧). قوله: (أَوْ لَمْ يُخَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ كَمسْجِدٍ) أي: فإن كان الوقف على نحير معين

стр. 2662

كالمساجد ونحوها، فحيازة ذلك: أن يخلي بين الناس وبينه، فإن لم يفعل حتى عرض له شيء من الأمور الثلاثة بطل ذلك (١). قوله: (قَبْلَ فَلَسِهِ وَمَوْتِهِ وَمَرَضِهِ (٢)) وهو راجع إلى هذا الفرع وما قبله. والظرف متعلق بـ (يحزه) (٣)، والضمير في فلسه وما بعده عائد على الواقف. قوله: (إلَّا لِمَحْجُورِهِ إذَا أَشْهَدَ وَصَرفَ الغَلَّةَ لَهُ) لما ذكر أن الوقف لابد من حوزه عن واقفه إذا كان على معين أخرج هذا الفرع من ذلك؛ وهو ما إذا (وقف) على محجوره؛ كالأب على ولده الصغير ونحو ذلك؛ فإن حيازته له صحيحة، ولا يبطل ذلك بكون الموقوف لم يخرج من تحت يد واقفه؛ لكن يشترط أن يشهد على التحبيس، وأن يصرف الغلة في مصرفها من منافع محجوره، لا منافع نفسه، فإن صرفها في منافع نفسه (٤) بطل على المشهور. وقيل: لا يبطل. قوله: (أَوْ لَمْ يكُنْ دار (٥) سُكْنَاهُ) هو راجع إلى قوله: أو عاد لسكنى مسكنه قبل عام، أي: فلو كانت الدار التي حبسها على الصغير ونحوه غير دار سكناه إلا أنه سكنها بعد أن حيزت للصغير أقل من عام؛ فإن الوقف لا يبطل؛ لعدم اختلال الحوز (٦) بذلك. قوله: (أَوْ عَلَى وَارِثٍ بمَرَض مَوْتِهِ) أي: وهكذا يبطل الوقف إذا كان على وارث في المرض الذي مات فيه الواقف؛ لأنه كالوصية، ويرجع ميراثًا؛ فلو صحَّ الواقف من مرضه ذلك ثم مات بعد ذلك؛ فإن الوقف لا يبطل. ومراده هنا بالمرض: المخوف الذي يحجر فيه على المريض. قوله: (إلَّا (٧) مُعقَّبًا خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ فكَمِيرَاثٍ لِلْوَارِثِ) يريد: أن عدم صحة الوقف على الوارث مقيد بما إذا لم يكن معقبًا، وأما إذا كان معقبا (٨) كقوله: على أولادي

стр. 2663

وأولادهم وعقبهم؛ فإنه حينئذ يصح، ويكون ما ناب الوارث كميراث يقسم للذكر مثل حظ الأنثيين موقوفًا بأيديهم، وتدخل فيه (١) الأم والزوجة وغيرهما من الورثة. ويتضح (٢) العمل في ذلك بما ذكر من (٣) قوله: (كثَلاثَةِ أوْلادٍ وَأَرْبَعةِ أَوْلادِ أَوْلادٍ وعَقبهُ وَتَرَكَ أمّا وَزَوْجَةٌ فَيدْخُلَانِ فِيما لِلأوْلَادِ، وَأَرْبَعَة أَسْبَاعِهِ لوَلَدِ الْوَلَدِ: وَقْفٌ) أي: فإذا وقف في مرضه على ثلاثة أولاد وأربعة أولاد أولاد وعقبهم، ومات عن السبعة، وترك معهم أمّا وزوجة (٤)، يريد (٥) والثلث يحمل جميع ذلك؛ لأنه وصية، وإن لم يحمله فما خرج منه (٦) عمل فيه ما يذكره. وقوله (٧): (فَتدْخُلَان) أي الأم والزوجة فيما ينوب أولاد الصلب؛ لأن الموقوف يقسم على سبعة أسهم منها أربعة لأولاد الولد وقف، قال سحنون ومحمد (٨): إذا كانت حالتهم واحدة؛ وإلا فعلى قدر الحاجة. والمشهور أن الذكر والأنثى فيه سواء. وعن عبد الملك، وهو ظاهر ما في العتبية عن ابن القاسم: أنه لا يقدم محتاج على غيره، ويأخذ أولاد الأعيان ثلاثة، فتدخل معهم الأم والزوجة، فيأخذان (٩) السدس والثمن؛ لأنهم (١٠) إنما يأخذون ذلك على وجه الإرث، لهذا إذا كان في أولاد الأعيان أنثى لكان لها مثل نصف (١١) نصيب الذكر (١٢).

стр. 2664

قوله: (وَانْتُقِضَ الْقَسْمُ بِحِدُوثِ وَلَدٍ لَهُمَا) يريد: أن القسم ينتقض بحدوث ولد للفريقين، أي: للولد أو ولد الولد، وتصير القسمة حينئذ من ثمانية، بعد أن كانت من سبعة، ولا خلاف في ذلك. قوله: (كَمَوْتِهِ عَلَى الأَصَحِّ) أي: كموت واحد (١) من الفريقين، فينتقض ذلك على الأصح. والقولان لابن القاسم، وبالأول قال سحنون وابن المواز (٢)، وعليه فيقسم ذلك على ستة أقسام (٣)، فإن كان الميت أحد ولد (٤) الأعيان فإن ولد الولد الأربعة يأخذون أربعة أسهم، ويأخذ الولدان الباقيان من ولد الأعيان السهمين الباقيين يقسمان على ورثة الواقف، تأخذ الأم سدسها، والزوجة ثمنها، ثم يقسم باقيها (٥) على ثلاثة، يأخذ الولدان الباقيان سهمين، ويُحْيي الذي مات بالذكر، فما نابه يكون لورثته موقوفًا بأيديهم على الفرائض، فتدخل فيه زوجة الواقف إن كانت أُمّ الميت، ومن كان من ولد الولد ولد الميت أو غيره ممن هو وارث له. ابن يونس (٦): فيصير بيد ولد الولد نصيب بمعنى الوقف من جدّه في القسم الأول والثاني، ونصيب بمعنى الميراث من أبيه؛ فلو مات ثان من ولد الأعيان انتقض القسم، وقسم كله على خمسة أسهم على ما تقدم، وإن مات الثالث (٧) رجع الجميع لولد الولد حبسًا. وانظر تفريع ذلك على القول بعدم نقض القسمة في الكبير، وسيأتي ما إذا مات ولد الولد أو أحدهم. قوله: (لَا الأُمِّ والزَّوْجَةِ) أي: فإن موتهما لا ينتقض له (٨) القسم، قال في المدونة (٩): ويكون ما بأيديهما لورثتهما موقوفًا، وكذلك يورث نفع ذلك عن وارثهما أبدًا ما بقي

стр. 2665

من ولد الأعيان أحد (١). قوله: (فَيَدْخُلَانِ) أي الأم والزوجة فيما توفر عمّن مات من ولد الأعيان. قوله: (وَدَخَلتا فيما زِيدَ لِلْوَلَدِ) أي (٢): ودخلت الأم والزوجة فيما زيد لولد الأعيان بسبب موت أحد ولد الولد أو موتهم كلهم، فإذا مات أولاد واحد منهم ولم يمت من ولد الأعيان أحد قسم حينئذٍ جميع (٣) ذلك على ستة (٤) عدد الباقين، فيأخذ ولد الأعيان الثلاثة النصف، والثلاثة الباقون من ولد الولد النصف الآخر (٥)، فإذا انقرض ولد الولد ولم يبق منهم أحد رجع جميع الحبس كميراث ينتفع (٦) به أولاد الأعيان انتفاع الملك، وتدخل فيما زيد لولد الأعيان الأم والزوجة، وكذا روي عن ابن القاسم وسحنون (٧)، ولسحنون (٨) أيضًا في العتبية أنهما لا يدخلان (٩). ابن رشد (١٠): والأول هو الصحيح (١١). وقال التونسي: هو الصواب (١٢). وقاله اللخمي (١٣). * * *
следующие страницы →