← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

له بالهبة، فالضمير المخفوض بالحرف (١) راجع إلى القبض السابق في كلامه، وفي شاهده راجع إلى الإهاب (٢) أو التَّصدقْ (٣)، أو إلى المُتصدَّق عليه. وفاعل جَدّ ضمير يعود على الموهوب له (٤)، وحذف من كلامه ما لا يصح الكلام (٥) بدونه، وهو موت الواهب قبل قبض الهبة. والمعنى: أن الموهوب له (٦) إذا طلب (٧) الهبة من الواهب فامتتع، فجد في طلبها منه، فلم يتمكن حتى مات الواهب؛ فإن الهبة لا تيطل، وكذلك إذا جحد الواهب الهبة، وأقام الموهوب له البينة، وسعى في تزكية شهود الهبة، فمات الواهب قبل التزكية. وقال عبد الملك: تبطل الهبة (٨). قوله: (أَوْ أعْتَقَ، أَوْ بَاعَ إِذَا أَشْهَدَ، وَأَعْلَنَ) فاعل أعتق، وما بعده ضمير يعود على الموهوب له. والمعنى: أن الموهوب له إذا أعتق العبد الموهوب له، أو باعه، أو وهبه لغيره، يريد: قبل قبض الهبة؛ فإنها تصح، ويصير فعله ذلك كالحوز، ولا خلاف في العتق. واختلف في البيع والهبة، فقال أصبغ: ليس بحوز. وقال مطوف: هو حوز. ورواه ابن وهب عن مالك؛ إلَّا أنه قيده بما إذا أشهد الموهوب له على فعله وأعلن - كما نبه عليه الشيخ -. روى (٩) ابن الماجشون: أن البيع حوز بخلاف الهبة؛ لأنها محتاجة إلى الحوز (١٠). قوله: (أَوْ لَمَ يَعْلَمْ بِهَا إلَّا بَعْدَ مَوْتهِ) أي: وكذلك تصح الهبة إن لَمْ يعلم بها الموهوب له إلَّا بعد موت الواهب. قوله: (وَحَوْزُ مُخْدَم وَمُسْتَعِيرٍ مُطْلقًا) ولو قال: أو أحاز. لكان أحسن؛ ليكون

стр. 2697

معطوفًا على قوله: (أو أعتق) وما بعده، ويحتمل أن يكون معطوفًا على (وصح إن قبض) أي: وكذلك يصح حوز المخدم، والمستعير للموهوب له وهو الظاهر؛ ولهذا عطفه بالوا ولا بأو. ابن شاس: وذلك حيازة له إذا أشهد. التونسي: ورأى (١) ابن القاسم أنهما حائزان (٢) للموهوب له، ولم يشترط علمهما (٣) بذلك، كما في المودع (٤)، وإليه أشار بالإطلاق، وسواء تقدمت الخدمة على الهبة أم لا، وقال عبد الملك: إن تقدم الإخدام لَمْ يكن المخدم حائزًا للموهوب، وإن أخدم ووهب معًا كان ذلك حيازة (٥). واعتبر بعض شيوخ عبد الحق، علم المخدم ورضاه، كما في فضلة الرهن. (المتن) وَمُودَعٍ، إِنْ عَلِمَ، لَا غَاصِبٍ وَمُرْتَهِنٍ، وَمُسْتَأجِرٍ، إِلَّا أَنْ يَهَبَ الإِجَارَةَ، وَلَا إِنْ رَجَعَتْ إِلَيْهِ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ بِأنَ آجَرَهَا، أَوْ أَرْفَقَه بِهَا، بِخِلَافِ سَنَةٍ، أَوْ رَجَعَ، مُخْتَفِيًا أَوْ ضَيْفًا فَمَاتَ، وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآخَرِ، مَتَاعًا، وَهِبَةُ زَوْجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجِهَا؛ لَا الْعَكْسُ، وَلَا إِنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ، إِلَّا لِمَحْجُورِهِ: إِلَّا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَينِهِ، وَلَوْ خَتَمَ. وَدَارَ سُكْنَاهُ، إِلَّا أَنْ يَسْكُنَ أَقَلَّهَا، وَيُكْرِيَ لَهُ الأَكْثَرَ، وَإِنْ سَكَنَ النِّصْف بَطَلَ فَقَطْ، وَالأَكَثَرَ بَطَلَ الْجَمِيعُ، وَجَازَتِ الْعُمْرَى كَأَعْمَرْتُكَ، أَوْ وَارِثَكَ، وَرَجَعَتْ لِلْمُعْمِرِ، أَوْ وَارِثِهِ، كَحُبُسٍ عَلَيْكُمَا، وَهُوَ لِآخِرِ كُمَا مِلْكٌ؛ لَا الرُّقْبَى كَذَوَيْ دَارَيْنِ قَالَا: إِنْ مُتَّ قَبلِي فَهُمَا لِي، وَإِلَّا فَلَكَ، (الشرح) قوله: (وَمُودَعٍ إنْ عَلِمَ) أي: إن علم صاحبها قد وهبها (٦)؛ ليكون حائزًا للموهوب، وقد نص عليه غير واحد من أصحابنا. قوله: (لَا غَاصِبٍ) أي: فإنه لا يكون حائزًا للموهوب له، وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة، قال فيها (٧): وليس حوز الغاصب حوزًا

стр. 2698

للموهوب له (١). ولو (٢) قلت: وَلِمَ (٣) والهبة ليست في يد الواهب (٤)؟ قالوا: لأن الغاصب لَمْ يقبض الموهوب له (٥)، ولا أمره الواهب بذلك (٦)، وبذلك (٧) قال أصبغ، وقال أشهب ومحمد: هو حوز (٨). قوله: (وَمُرْتَهِنٍ وَمُسْتَأْجِرٍ، إلَّا أَنْ يَهِبَ الإجَارَةَ) أي: وهكذا لا يكون حوز المرتهن والمستأجر (٩) حوزًا للموهوب له؛ لا أن يوهب (١٠) أيضًا الإجارة مع الرقبة، وحكاه محمد عن ابن القاسم، وحكى عن أشهب أن ذلك حوز له إذا أشهد (١١). قوله: (وَلَا إِنْ رَجَعَتْ إِليهِ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ، بِأْنَ (١٢) آجَرَهَا، أَوْ أرْفَقَه (١٣) بِهَا) يريد: أن الرقبة الموهوبة إذا حازها الموهوب له (١٤) مدة قريبة ثم رجعت إليه (١٥) بعد حوز الموهوب له، (١٦) بأن آجرها له، أو أرفقه بها، فإن تلك (١٧) الحيازة كلا حيازة (١٨)،

стр. 2699

ويبطل حقه منها. الباجي: ولا خلاف فيه (١). قوله: (بِخِلَافِ سَنَةٍ) أي: فإن رجوعها إليه بعدها لا يضر في إبطال الحيازة، وحكاه محمد عن مالك وأصحابه، وقال مطرف وابن الماجشون: يبطل، ورجح قياسًا على الرهن (٢). قوله: (أوْ رَجَعَ مُخْتَفِيًا، أَوْ ضَيْفًا فماتَ) أي: وكذلك لا يضر في إبطال الحيازة (٣) رجوع الواهب إلى ما (٤) وهبه (٥) خُفية (٦) من الموهوب له أو ضيفًا فمات فيه، ولا خلاف فيه سواء رجع إليه عن قرب أو بعد؛ بل قال (٧) عبد الملك: ولو رجع بعد يوم واحد (٨). قوله: (وَهِبَةُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلَآخِرَ (٩) مَتَاعًا) هذا معطوف على مرفوع (صح)، أي: وكذلك تصح هبة أحد الزوجين للآخر متاعًا (١٠)، والذي رواه ابن القاسم في العتبية والموازية: أن هبة أحدهما للآخر خادمًا عندهما حيازة (١١) لازمة. وروى أشهب أن ذلك ضعيف. وروى محمد عن ابن القاسم وابن وهب (١٢) وابن عبد الحكم: أن متاع البيت كالخادم قال: وبه أقول (١٣). انظر الكبير.

стр. 2700

قوله: (وَهِبَةُ زَوْجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجهَا، لَا العَكْسُ) أي: وكذلك تصح هبة الزوجة لزوجها دارًا هما ساكنان فيها وتتم الهبة (١)، بخلاف ما إذا وهبها الزوج ذلك، وهو مراده بالعكس، والفرق بينه: أن السكنى على (٢) للزوج، واليد له (٣) في ذلك، فسكناها تابعة لسكناه، وهذا الذي ذكره رواية ابن القاسم عن مالك (٤)، وروى عنه أشهب: أنَّها لا تصح هبة واحد منهما للآخر (٥)؛ لضعف الحوز (٦). ولم يحفظ هذا (٧) ابن القاسم (٨). قوله: (وَلَا إِنْ بَقِيت عِنْدهُ إلَّا لمِحْجُورَهِ) هذا معطوف على قوله: (لَا العَكْسُ) أي: بخلاف هبة الزوج لزوجته دار سكناهما؛ فإنها لا تصح؛ لبطلان الحوز. وكذلك إذا بقيت الهبة عند الواهب حتى مات؛ إلَّا أن تكون لمحجوره؛ فإنها تتم ولو بقيت تحت يده؛ لأنه يحوز له، وهذا إذا كانت الهبة مما تعرف بعينها؛ وإلا فإن الحوز لا يتم ولو ختم عليها بحضرة الشهود؛ إلا ان يجعل على يد غيره، وإليه أشار بقوله: (إِلَّا مَا لَا يُعْرَفَ بِعينِه (٩) وَلَوْ خُتِمْ) وهو رواية ابن القاسم عن مالك، وبه أخذ المصريون، وغيرهم. وذهب المدنيون: إلى أن الحوز يتم فيها بوضعها على يديه إذا حضرها (١٠) الشهود وختم عليها بخاتمه، قالوا: وتصح أيضًا وإن لَمْ يختمها الشهود، ولو ختموا عليها كان خيرًا وأحسن (١١). وروي - أيضًا - (١٢) عن مالك: أنه يجوز إذا أبرزه، وإن لَمْ

стр. 2701

يخرجه من يده، قيل: وبالأول جرى العمل (١). وهو مذهب الرسالة؛ لقوله فيها: وإنما يجوز له ما يعرف بعينه (٢). قوله: (وَدَارُ سُكْنَاهُ، إِلَّا أَنْ يَسْكُنَ أَقَلَّهَا وَيُكْرِىَ لَهُ الأَكْثَرَ، وَإنْ سَكَنَ النِّصْفُ بَطُلَ فَقَطْ، وَالأَكَثَرَ بَطَلَ الجَمِيعُ) يريد: أن الولي إذا وهب لمحجوره دار سكناه، فإن حكمها في اشتراط إخراجها عن يده حكم ما إذا وهبه ما لا يعرف بعينه، فلا بد من معاينة الشهود لها خالية من شواغل الولي، فإن لَمْ يخرج حتى مات فيها بطلت؛ لعدم الحوز، وإن أخرجها لمن حازها للمحجور ثم رجع إليها فسكنها أو بعضها حتى مات (٣)، فإن سكن الأقل وأكرى له الأكثر لَمْ يضر ذلك المحجور؛ لأن الأقل تبع للأكثر، وإن سكن النصف وأكرى له النصف الآخر، أُعْطِي كلّ نصف منها (٤) حكم نفسه، فيبطل ما سكن دون ما أكري، وإن سكن الأكثر بطل الجميع. مالك: وإذا كانت الدار ذات منازل فسكن بعضها حاز كلها. يريد: إذا كان ما سكن قليلًا (٥). ابن القاسم: ولو كانت دورًا فسكن واحدة ليست جلها؛ بل هي تبع، حاز ما سكن وما لَمْ يسكن؛ سواء كان الولد صغيرًا، أو كبيرًا حائزًا لنفسه، وعن مطرف وعبد الملك: إذا تصدق على صغار ولده أو كبارهم بدار، أو دور، فسكن البعض، وحاز للصغار ما بقي، أو حاز الكبار ما بقي؛ فإنه يبطل ما سكن، ويصح ما لَمْ يسكن، كان ما سكن قليلًا أو كثيرًا، من دار أو دور. قال ابن القاسم: إن سكن يسيرًا حاز (٦) ما سكن (٧) وما لَمْ يسكن، وإن سكن كثيرًا بطل الجميع، وأما على الكبار فإن سكن كثيرًا بطل ما سكن فقط، وحاز (٨) ما حيز قل

стр. 2702

أو كثر، وإن سكن يسيرًا حاز (١) الجميع. قال أصبغ: وأنا أقول إن كانت دورًا في سكن منها من دار صغُرَتْ أو كبرت فأشغلها أو جلها فهي باطلة، ويصح غيرها قل أو كثر مما حازه للصغار، أو حازه الكبار (٢)، وأما دار واحدة فإن سكن منها يسيرًا حازت (٣) كلها، وإن سكن أكثرها بطل ما سكن وأشغل، وحاز (٤) باقيها إذا حازه أو حيز عنه (٥). قوله: (وَجَازَتِ الْعُمْرى) أي: (في الدور وغيرها، وقد روى ابن القاسم عن مالك جوازها في الرقيق والحيوان، قال (٦): ولم أسمع من مالك (٧) في الثياب شيئًا، وهي عندي (٨) على ما شرط، ونص على أن الحلي عنده كذلك (٩). قوله: (كَأَعْمَرْتُكَ، أَوْ وَارِثَكَ) قال ابن عبد البر: وسواء عند مالك وأصحابه (١٠) ذكر ذلك بلفظ العمرى، أي كقوله: أعمرتك داري، أو الإعمار، أو السكني، أو الاغتلال (١١)، أو الإقفار، أو الإحفال (١٢)، ونحو ذلك من ألفاظ العطايا، وأكثر أهل العلم على أن الإعمار والعمرى مخالف للإسكان والسكنى (١٣). الباجي وهي: هبة

стр. 2703

منافع الملك، مدة حياة الموهوب له، أو مدة عمره، أو عمر عقبه، لا هبة الرقبة (١). قوله: (وَرَجَعَتْ لِلْمُعَمِّر، أَوْ وَارِثِهِ) يعني: أن المدة إذا انقضت رجعت (٢) الرقبة للمعمر وهو الواهب إن كان حيًا، أو لوارثه إن مات (٣)، وقاله في المدونة (٤). قوله: (كَحُبُسٍ عَلَيْكُمَا، وَهُوَ لآِخِرِكُمَا مِلْكٌ) التشبيه بين هذه والتي قبلها في الجواز. قال ابن القاسم: وإذا قال لرجلين: عبدي حبس عليكما، وهو لآخِركما ملك. قال مالك: فذلك جائز، وهو للآخِر ملك. وقاله أشهب (٥). قوله: (لَا الرُّقْبَى) أي: فإنها غير جائزة، نص عليه في المدونة (٦) وغيرها، والرُقْبى - بضم الراء، وسكون القاف -: مقصور من المراقبة (٧)، وقد نبَّه على حقيقتها بقوله: (كَذَوَيْ دَارين قَالَا: إِنْ مُتَّ قَبْلِي فُهَما لِي، وَإِلَّا فَلَكَ) أي: كصاحبي دارين قال كلّ واحد منها للآخر: إن مت قبلي فالداران معًا لي، وإن مت قبلك فهما معًا لك. وإنما منع مالك وأصحابه هذا؛ لأنه غرر ومخاطرة. (المتن) كَهِبَةِ نَخْلٍ واسْتثْنَى ثَمَرَتِهَا سِنِينَ، وَالسَّقْيُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ فَرَسٍ لِمَنْ يَغْزُو عليها سِنِينَ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ الْمَدْفُوعُ، وَلَا يَبِيعُهُ لِبَعْدِ الأَجَلِ. وَلِلأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، كَأُمٍّ فَقَطْ وَهَبَتْ ذَا أَبٍ، وَإِنِ مَجْنُونًا، وَلَوْ يَتِيمًا عَلَى الْمُخْتَارِ؛ إِلَّا فِيمَا أُرِيدَ بِهِ الآخِرَةُ، كَصَدَقَةٍ بلَا شَرْطٍ إِنْ لَمْ تَفُتْ، بِحَوَالَةِ سُوقٍ، بَلْ زَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ، وَلَمْ يُنْكَحْ، أَوْ يُدَايَنْ لَهَا، أَوْ يَطَأْ ثَيِّبًا، أَوْ يَمْرَضْ، كَوَاهِب إِلَّا أَنْ يَهَبَ عَلَى هَذِهِ الأحْوَالِ، أَوْ يَزُولَ الْمَرَضُ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ

стр. 2704

بِغَيْرِ مِيرَاثٍ، وَلَا يَرْكَبُهَا، أَوْ يَأْكُلُ غَلَّتِهَا، وَهَلْ إِلَّا أَنْ يَرْضَى الاِبْنُ الْكَبِيرُ بِشُرْبِ اللَّبَنِ؟ تَأوِيلَانِ. (الشرح) قوله: (كَهِبَةِ نَخْلِ، واسْتِثْنَى (١) ثَمَرَتِهَا سِنيِنَ، والسَّقْيُ عَلَى الْمَوْهُوِبِ لَهُ) أي: وكذلك لا يجوز أن يهب نخلًا لرجل ويستثني ثمرتها سنين بشرط أن يكون السقي على الموهوب له، وقاله في المدونة، يريد: لأنه يصير كمن باع (٢) نخلًا بسقيها سنين، والبائع يستغل الثمرة، ولا يدري المشتري ما يصير النخل (٣) إليه بعد المدة، فهو غرر، ونحوه في المدونة. والواو من قوله: (والسَّقْيُ عَلَى الْمَوْهُوِبِ له) واو الحال، فلو كان السقي على الواهب لجاز، وقاله فِي الموازية والمدونة (٤). قوله: (أَوْ فَرَسٍ لِمَنْ يَغْزُو عليها (٥) سِنِينَ وَيُنْفِقُ عَلَيهِ الْمَدْفُوعُ وَلَا يَبِيعُهُ، لِبَعْدِ (٦) الأَجَلِ) هكذا ساق هذه المسألة في المدونة بعد الأولى، قال ابن القاسم فيها بعد أن ذكر الأولى (٧): ولقد قال لي (٨) مالك فيمن دفع إلى رجل فرسه يغزو عليه سنتين، أو ثلاثًا وينفق عليه المدفوع إليه الفرس من عنده، ثم هو للمدفوع إليه بعد الأجل، واشترط عليه (٩) أن لا يبيعه قبل الأجل، أنه لا خير فيه. قال: وبلغني عنه (١٠) أنه قال: أرأيت إن

стр. 2705

مات الفرس قبل الأجل أتذهب نفقته باطلًا (١)، فهذا يدلك (٢) على مسألتك في النخل (٣). قوله: (وَلِلأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ الصغير (٤) الضمير في (اعتصارها) راجع إلى الهبة، ولا إشكال في اعتصار ما وهبه لولده؛ لقوله ﵇: "لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يعود فيها إلَّا الوالد"، وعنه ﵇ أنه قال: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية، أو يهب هبة، ثم يرجع فيها؛ إلَّا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل، فإذا شبع قاء، ثم يعود في قيئه". قوله: (كَأُمِّ فَقَطْ وَهَبَتْ ذَا أَبٍ) يعني: وكذلك الأم تعتصر ما وهبت لولدها إذا كان له أب حي (٥)، وهذا كقوله في المدونة: وللأم أن تعتصر ما وهبت لولدها الصغير في حياة أبيه. وزاد فيها: ما لَمْ يحدثوا دينًا، أو ينكحوا، أو يحدثوا فيها حدثًا (٦).، فإن لَمْ يكن لهم أب فليس لها أن تعتصر؛ لأنه يتيم، ولا يعتصر من يتيم (٧)، ويعد ذلك كالصدقة عليه (٨). ولا فرق في اعتصارها من ولدها بين أن يكون الولد والأب (٩) غنيين، أو معدمين، أو أحدهما غنيًّا دون الآخر. قال اللخمي: ويختلف إذا كانا فقيرين قياسًا على اعتصار الأب من ولده الفقير (١٠). ونبَّه بقوله: (فقط) على أن غير الأم من جد أو جدة، ونحوه، ونحوهما (١١) ليس لهما اعتصار، وهو المشهور، وبه قال ابن القاسم وابن وهب. وروى

стр. 2706

أشهب عن مالك (١) ومثله (٢) في الموازية: أن الجد والجدة يعتصران كالأبوين، وقاله ابن عبد الحكم (٣). قوله: (وَإِنَ مَجْنُونًا) يعني: أن الأم تعتصر ما وهبته لولدها في حياة أبيه، ولو كان الأب مجنونًا، قال في المدونة: وإن وهبتهم، والأب مجنون جنونًا مطبقًا، فهو كالصحيح في وجوب (٤) الاعتصار لها (٥). قوله: (وَلَوْ يَتِيمًا عَلَى الْمُخْتَارِ) هكذا استحسن اللخمي (٦)، وقال ابن المواز: إذا وهبته في حياة أبيه ثم مات الأب قبل بلوغ الولد، لَمْ يكن لها أن تعتصر؛ لأن بموت الأب قبل البلوغ انقطع الاعتصار، فلا يعود بعد ذلك (٧). قوله: (إِلَّا فِيما أُرِيدَ بِهِ الآَخِرَةُ) لأنه إذا أراد بذلك وجه الله صارت صدقة على ما تقدم، والصدقة لا تعتصر، وسواء كان الواهب أبًا أو أمًّا. وقاله ابن الماجشون (٨)، وقال مطرف وابن وهب: ومن وهب (٩) هبة لوجه (١٠) الله له الاعتصار فيها. ابن رشد: وبالأول جرى العمل (١١). قوله: (كصَدَقَةٍ بِلَا شَرْطٍ) يريد: إذا تصدق بصدقة ولم يشترط (١٢) فيها الرجوع فليس له الاعتصار. واختلف إذا شرط الرجوع فيها، هل له ذلك؟ أم لا؟

стр. 2707

والذي حكاه الباجي وابن الهندي: أن له ذلك (١). قوله: (إِنْ لَمْ تَفُتْ بحَوَالَةِ سُوقٍ) ظاهره أن الهبة يفوت اعتصارها بحوالة الأسواق (٢)، والذي حكاه الباجي عن مطرف، وعيد الملك، وأصبغ: أن ذلك غير مفيت (٣). ابن راشد (٤): ولا يختلف فيه (٥). قوله: (بل زيدٍ، أَوْ نَقْصٍ) أي: (٦) وكذا يفوت اعتصارها (٧) إذا دخل الشيء الموهوب زيادة ككبر الصغير، وسمن الهزيل، ونحو ذلك، أو نقصان كالهرم ونحوه من العيوب، وقاله أصبغ. الباجي: وهو الظاهر من قول مالك وابن القاسم، وقال مطرف وابن الماجشون: لا تفوت (٨). واختار اللخمي: عدم الفوات في النقص بخلاف الزيادة. قوله: (وَلَمْ يُنكَحْ) يعني: أن من شرط صحة الاعتصار - أيضًا - أن لا يكون الولد قد تزوج؛ سواء كان الولد ذكرًا أو أنثى. قوله: (أَوْ يُدَايِنْ لَهَا) أي: وكذلك يمنع الاعتصالمر إذا تداين (٩) الولد لأجل الهبة. واحترز بقوله: (لها) مما إذا تداين لا (١٠) لأجل الهبة؛ فإن ذلك لا يمنع. وفي البيان قول نسبه لعبد الملك: أن التداين مطلقًا يمنع الاعتصار، وإن لَمْ يكن لأجل الهبة (١١).

стр. 2708

قوله: (أَوْ يَطَأ ثَيِّبًا) يريد: أو بكرًا؛ وإنما خص الثيب بالذكر (١)؛ لأن الحكم في البكر يؤخذ منها من باب أولى وأحرى (٢)؛ لأن افتضاض البكر نقص، وقد سبق حكمه؛ ولهذا أطلق في المدونة (٣)، وجعل وطء الأمة مفيتًا لاعتصارها. وفي ابن يونس: إذا وطئ، - أي الولد - الأمة فات الاعتصار، وإن لَمْ تكن بكرًا، ولم (٤) تحمل، وقاله مالك، وابن القاسم، وأشهب، وابن وهب. وقال المخزومي: إن الوطء لا يفيت الاعتصار. وقاله ابن الماجشون (٥). ابن القاسم (٦): ويصدق الابن (٧) في دعواه الوطء. قال (٨) يحيى بن عمر: إذا غاب عليها الولد (٩). قوله: (أَوْ يَمْرَضَ كَوَاهِبٍ) أي: وكذا يمتنع الاعتصار إذا مرض الولد؛ لتعلق حق ورثته بالهبة، وكذا إذا مرض الواهب، وهو الأب أو الأم؛ لأن اعتصارهما حينئذٍ إنما هو للورثة لا لأنفسهما، وهذا هو المشهور في الفرعين. وروى أشهب أن مرض الأب لا يمنع، بخلاف مرض الولد (١٠). قوله: (إِلَّا أَنْ يَهَبَ عَلَى هَذِه الأَحْوَالِ) هذا نحو قول اصبغ في العتبية: وإذا وهبه والابن متزوج، أو مديان، أو مريض، فله أن يعتصر في تلك الحال، وكذلك عنه في الواضحة. وقال ابن الماجشون: ليس له أن يعتصر، كما لو تقدمت العطية على (١١) هذه الحوادث (١٢). ابن عبد السلام: والأقرب صحة الاعتصار؛ لأن الموهوب له (١٣) لَمْ

стр. 2709

يدخل أحدًا في عهدته (١) بسبب الهبة (٢). قوله: (أَوْ يَزُولَ الْمَرَضُ عَلَى المُخْتَار) اختلف إذا مرض الابن ثم زال مرضه، هل يعود الاعتصار لزوال مانعه؟ وهو قول ابن القاسم، وأشهب، والمغيرة، وابن دينار، وابن الماجشون. وعن مالك في الواضحة: أن الاعتصار لا يعود (٣). وذهب سحنون إلى أن الاعتصار يعود (٤) بزوال مرض الأب دون الابن (٥). واختار اللخمي الأول (٦). قوله: (وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ) هذا لقوله ﵇ لعُمر في الفرس الذي تصدق به (٧): "لا تبتعه ولو بدرهم". قال (٨) اللخمي: ومشهور المذهب أن النهي محمول على الندب (٩) وحمله الداودي على التحريم (١٠)، وظاهر المدونة الكرا هة (١١). قوله: (وَلَا يَرْكَبُهَا، وَلَا يَأكُلُ غَلتِها) أي: ولا يركب المتصدق الدابة التي تصدق بها، ولا يأكل شيئًا من غلتها. وقاله في المدونة (١٢). واختلف هل ذلك مطلقًا، وأن (١٣) الأب لا ينتفع بشيء مما تصدق به على ولده؟ أو هو مقيد بالولد الصغير؟ وأما إذا كان الولد كبيرًا، ورضي بذلك فلا يمتنع، وقاله محمد (١٤) وإلى هذا أشار بقوله: (وَهَلْ إِلَّا أَنْ

стр. 2710

يَرْضَى الاِبْنُ الكَبِيرُ بِشُرْب اللَّبَنِ؟ تَأْوِيلَانِ). وفي الرسالة: ولا بأس أن يشرب من لبن ما تصدق به (١). وظاهره خلاف المدونة (٢). وفي المعونة (٣): إلَّا أن يشرب يسيرًا، أو يركب فرسًا مما يقل خطره (٤). وحمل بعضهم الرسالة على ما إذا كان اللبن لا ثمن له، وحملها غيره (٥) على ما قال محمد: إذا رضي الولد الكبير. (المتن) وَيُنْفِقُ عَلَى أَبٍ افْتَقَرَ مِنْهَا، وَتَقْوِيمُ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ لِلضَّرُورَةِ، وَيَسْتَقْضِي مِنْ نَفْسِهِ لولده، وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ، وَلَزِمَ بتَعْيِينِهِ، وَصُدِّقَ وَاهِبٌ فِيهِ، إِنْ لَمْ يَشْهَدْ عُرْفٌ بِضِدِّهِ وَإِنِ لِعُرْسٍ، وَهَلْ يَحْلِفُ، أَو إِنْ أَشْكَلَ؟ تَأْوِيلَانِ. فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ، إِلَّا بشَرْطٍ، وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآخَرِ، وَلِقَادِمٍ عِنْدَ قُدُومِهِ وَإِنِ فَقِيرًا لِغَنِيٍّ، وَلَا يَأْخُذُ هِبَتَهُ، وَإِنْ قَائِمَةً، وَلَزِمَ وَاهِبَهَا، لَا الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ، إِلَّا لِفَوْتٍ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ، وَلَهُ مَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَأُثِيبَ مَا يُقْضَى عَنْهُ بِبَيعٍ، وَإِنِ مَعِينًا، إِلَّا كَحَطَبٍ، فَلَا يَلزَمُ أَخْذُه، (الشرح) قوله: (وَيُنْفِقْ عَلَى أَبٍ افْتَقَرَ مِنْهَا) يريد: وكذلك الأم. قال في المدونة: وأما الأب والأم إذا احتاجا فينفق علَيهما مما تصدق به على الولد (٦). قوله: (وَتَقْوِيمُ جَارِيَةٍ، أَوْ عَبْدٍ للضَّرُورَةِ، ويستقضي من نفسه لولده) قال في المدونة: ومن تصدق على ابنه الصغير بجارية فتبعتها نفسه فلا بأس أن يقومها على نفسه ويشهد، ويستقضي (٧) للابن (٨). وفرض المسألة في العتبية في العبد، قال (٩) ابن رشد:

стр. 2711

وهو في الجارية أعذر (١). قوله: (وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ) يريد: لأن هبة الثواب تشبه البيع، فجاز شرط الثواب كالثمن. قوله: (وَلَزِمَ بِتَعْييِنهِ) أي: فإذا صرح (٢) بتعيين الثواب لزم، وليس لأحدهما الرجوع بعد ذلك، وإن لَمْ يقبض الثواب؛ كالبيع بعد انعقاده (٣)، فإن دخلا على الثواب من غير تعيين جاز ذلك عند ابن القاسم، وأصبغ (٤). الباجي: وهو أولًا؛ لأن العرف كالشرط. ومنعه ابن الماجشون؛ لأنه يصير كبائع سلعة بقيمتها (٥)، وهو جَهْلٌ بالثمن (٦). قوله: (وَصُدِّقَ وَاهِبٌ فِيهِ، إِنْ لَمْ يَشْهَدْ عُرْفٌ بِضِدِّهِ، وَإِنْ لِعُرْسٍ) يريد: أن الواهب إذا قال: إنما وهبت للثواب، وخالفه الموهوب له في ذلك، فإن القول قول الواهب في الثواب؛ إلَّا أن يشهد العرف بضده، أي: يشهد للموهوب له. وقاله ابن الجلاب، وزاد: فإن أشكل ذلك فالقول قول الواهب مع يمينه (٧). واختلف هل يلزم من شهد له العرف باليمين (٨)؟ أم لا؟ على قولين، أو إنما ذلك إذا أشكل الأمر (٩)؛ وإلَّا هذا أشار بقوله: (وَهَلْ يَحلْفُ؟ أَوْ إِنْ أُشْكلَ؟ تَأْوِيلَانِ). قوله: (فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ، إِلَّا بِشَرْطٍ) يريد: أن تصديق الواهب في الثواب إنما هو في غير المسكوك كالدنانير والدراهم؛ لأن العرف قاضٍ في ذلك بنفي الثواب. قاله في المدونة. قال: وإن رأى أنه وهبها للثواب فلا شيء له؛ إلَّا أن يشترطه، ويثاب عرضًا أو طعامًا (١٠).

стр. 2712

وفي الموازية عن مالك مثله (١)، وبه قال أشهب: إذا اشترط الثواب فيهما (٢) فالهبة مردودة (٣). وفي المختصر: لا ثواب إلَّا أن يكون لذلك وجه. قوله: (وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ) يريد: إلا بشرط، أو قيام قرينة على إثبات الثواب. قال في المدونة: مثل أن يكون للمرأة جارية فارهة يطلبها منها زوجها، وهو موسر، فأعطته إياها، تريد بذلك استغزار صلته (٤) وعطيته (٥)، والرجل يهب لامرأته ما يرى أنه أراد استغزار (٦) ما عندها، فإن أثابته وإلا رجع في هبته. مالك (٧): وإذا اشترط أحدهما الثواب على الآخر لزمه ذلك (٨). قوله: (وَلقَادِمٍ عْندَ قُدُومِهِ وَإِنْ فَقِيرًا لِغَنِي وَلَا يَأْخُذُ هِبَتَهُ وَإِنْ قَائِمَةً (٩))، هذا كقول (١٠) مالك في المدونة: وإن قدم غني من سفره فأهدى له جاره المسكين الفواكه والرطب وشبهه ثم قام يطلب الثواب، وقال: إنما أهديت له رجاء أن يكسوني، أو ليصنع بي خيرًا، فلا شيء فيه لغني أو فقير. ابن القاسم: ولا له (١١) أخذ هديته؟ وإن كانت قائمة بعينها. وقاله أشهب (١٢). وعن بعضهم: له أخذها ما لَمْ تفت. وقال ابن عبد الحكم: يجب الثواب في المهدى للمسافر (١٣)

стр. 2713

اللخمي (١): وهو أبين (٢). قوله: (وَلَزِمَ وَاهِبَهَا لَا المَوْهُوبِ القِيمَةُ، إِلَّا لِفوتٍ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ) أي: ولزم الواهب قبول القيمة إذا دفعها له الموهوب له (٣)، يريد: سواء (٤) كانت قائمة أو فائتة، وهو المشهور. وقال مطرف: له أن يمتنع من قبول القيمة مع قيام (٥) الهبة؛ لأنه لو أراد (٦) قيمتها أو أكثر لباعها في السوق (٧). فعلى الأول: تفوت بالقبض بالنسبة إلى الواهب، ويلزمه أخذ القيمة. وفي كتاب الشفعة من المدونة في الهبة (٨): تفوت بالزيادة والنقصان (٩). وعن أشهب: بالنقصان فقط (١٠). وعن مطرف: لا تفوت إلَّا بذهاب عينها أو العتق، ونحوه. وعلى قول محمد: تفوت (١١) بمجرد الهبة (١٢). قوله: (لَا الْمَوهُوبَ لَهُ) أي: فإنه لا يلزمه دفع القيمة، وله ردُّ الهبة، إلَّا أن تفوت بزيادة أو نقص. وهو قول ابن القاسم (١٣) في المدونة (١٤). الباجي: وهو المشهور (١٥). ولابن القاسم: بحوالة سوق (١٦). وعن مالك: بالقبض. وعن ابن القاسم: بالنقصان فقط. واختلف متى تكون القيمة؟

стр. 2714

فعن مالك: يوم القبض. وقاله في المدونة (١)، وعنه (٢): يوم الهبة (٣). قوله: (وَلَهُ مَنعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ) أي: للواهب منع الهبة حتى يقبض الثواب. وهذا مذهب المدونة (٤). وقال محمد: ليس له منعها؛ لأنَّها مبنية على المكارمة (٥). قوله: (وَأُثِيبَ بما يُقضَى عَنْهُ بِبَيْعٍ، وَإِنْ معينًا، إِلَّا كَحَطَبٍ، فَلَا يَلزَمُ أَخْذُه) يعني: أنه يثاب في هذا الفصل بكل ما يقضى عنه في البيع، وَإِنْ معينًا من الدنانير، والدراهم، والدور، والأرضين، والثياب، والعروض، والحيوان وغير ذلك، إلا الحطب، والتبن (٦)، ونحوه، فإن الواهب لا يلزمه أخذه (٧) عند ابن القاسم. ولأشهب: أن الدنانير والدراهم تتعين. ولسحنون: أن الواهب يلزمه قبول ما فيه وفاء بالقيمة (٨). (المتن) وَلِلْمَأْذُونِ، وَلِلأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ: الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ. وَإِنْ قَالَ: دَارِي صَدَقَةٌ. بِيَمِينٍ مُطْلَقًا، أَوْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ يُعَيَّنْ وَلَمْ يُقْضَ عَلَيهِ، بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ، وَفِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قَوْلَانِ، وَقُضِيَ بَينَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فِيهَا بِحُكْمِنَا. (الشرح) قوله: (وَللْمَأْذُونِ، ولِلأَبِ في مَالِ وَلَدِهِ الهِبَةُ لِلثَوَابِ) أي: وللعبد المأذون (٩) الهبة للثواب (١٠)، وكذلك الأب في مال ولده. وقاله في المدونة (١١).

стр. 2715

قوله: (وَإِنْ قَالَ: دَارِي صَدَقةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا، أَوْ بِغَيِرهَا وَلم يُعَينْ، ولَمْ يُقْض عَلَيْهِ (١) بخِلَافِ الْمُعَيَّن) أشار بهذا إلى ثلاثة فروع: الأول: أن يقول: داري صدقة على المساكين، أَو على رجل بعينه في يمين (٢). فيحنث، وإليه أشار بقوله: (صَدَقَةٌ مُطْلَقًا) أي: كانت على المساكين، أو على رجل معين في يمين (٣). الثاني: أن يقول ذلك في غير يمين؛ لكن على غير معين، وإليه أشار بقوله: (أَوْ بِغَيرِهَا) أي: بغير يمين، ولم يعين. وذكر أن الحكم في ذلك كله (٤) عدم القضاء عليه بإخراج ذلك، وهو كذلك في المدونة، وإليه أشار بقوله (٥): (بِخِلَافِ الْمُعَيَّن) أي: في غير يمين؛ فإنه يقضى عليه. وقاله - أيضًا - في المدونة (٦). وهو الثالث في التقسيم والله أعلم (٧). قوله: (وَفِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ، قَوْلَانِ) أي: فإن قال: داري صدقة على المسجد الفلاني. فقيل: يجبر على إخراجها. وهو قول ابن زرب (٨). قال: إذ لا فرق بين رجل بعينه ومسجد بعينه. وقيل: يؤمر من غير جبر. وهو قول أحمد بن عبد الله (٩). قوله: (وَقُضِيَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍ فِيهَا بِحُكْمِنَا) قال في المدونة: ويقضى بين المسلم والذمي في هبة أحدهما للآخر بحكم المسلمين، وإن كانا ذميين، فامتنع الواهب من دفع الهبة، لَمْ أعرض لهما، وليس هذا من التظالم الذي أمنعهم منه (١٠). وظاهره: ولو ترافعوا إلينا. وقيل: معناه: إذا لَمْ يترافعوا إلينا، وأما إن ترافعوا حكمنا بينهم؛ لأن هباتهم ليست من التظالم (١١).

стр. 2716

باب [في أحكام اللقطة] (المتن) بَابٌ اللُّقْطَةُ مَالٌ مَعْصُومٌ عَرَضَ لِلضَّيَاعِ، وَإِنْ كَلْبًا، وَفَرَسًا، وَحِمَارًا، وَرُدَّ بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ، وَبِهِ، وَعَدَدِهِ، بِلَا يَمِينٍ، وَقُضِيَ لَهُ عَلَى ذِي الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ، وَإِنْ وَصَفَ ثَانٍ وَصْفَ أَوَّلٍ، وَلَمْ يَبِنْ بِهَا حَلَفَا، وَقُسِمَتْ، كَبَيَّنَتَينِ لَمْ يُؤَرِّخَا، وَإِلَّا فَلِلأَقْدَمِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى دَافِعٍ بِوَصْفٍ، وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِغَيْرِهِ، وَاسْتُؤْنِيَ فِي الْوَاحِدَةِ، إِنْ جَهِلَ غَيرَهَا لَا غَلِطَ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلَمْ يَضُرَّهُ جَهْلُهُ بِقَدْرِهِ، (الشرح) (اللُّقْطَة، هي بضم اللام وسكون القاف ما يُلتقط، ويفتح القاف (١) الرجل الملتقط. قوله: (مَالٌ مَعْصُوَمٌ عَرَضَ لِلضَّيَاعِ) فمال، جنس يشمل المعصوم وغيره، كان معرضًا للضياع أم لا، فأخرج بقوله: (معصوم) ما ليس كذلك مثل مال العربي، وشبهه، وبقوله: (عرض للضياع) المال الذي بيد حافظ. قوله: (وَإِنْ كَلْبًا، وَفَرَسًا، وَحِمَارًا) إذ التعريف (٢) صادق على جميع ذلك، والمراد بالكلب هنا الكلب المأذون في اتخاذه، وأما غيره، ففي المدونة": لا شيء على قاتله، فكيف يلتقط؟ وفيها: فإن وجد الخيل، والبغال، والحمير فليعرفها، فإن جاء ربها أخذها، وإن لَمْ يأت تصدق بها" (٣). قوله: (وَرُدَّ بِمعْرِفَةِ مَشْدُوَدٍ فِيهِ، وَبِهِ، وَعَدَدِهِ (٤) بِلَا يَمِينٍ) إنما ذكر هذا، وعدل عن عبارة غيره، وهي ورد (٥) في معرفة العفاص، والوكاء، ونحوه في الحديث؛ للاختصار. والعفاص: الخرقة المربوطة (٦)، والوكاء: الخيط الذي يربط به، قاله ابن القاسم (٧). وقال أشهب: العفاص: الرباط (٨)،

стр. 2717

والوكاء: ما فيه اللقطة (١). الباجي: والأول أصح (٢). وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أن عفاص اللقطة: الخرقة المربوط فيها (٣). والمراعى عند ابن القاسم، وأشهب فيما يصفه معرفة المشدود فيه، والمشدود (٤) به، وهما العفاص، والوكاء، والعدد كما قال (٥)، وعند أصبغ، معرفة الأولين خاصة (٦). ولا يلزمه (٧) مع ذلك يمين في مشهور المذهب، وهو ظاهر قول (٨) ابن القاسم، خلافًا لأشهب (٩). أما إن قامت له بينة بذلك فلا إشكال، ولوضوحه لَمْ يتعرض له (١٠). قوله: (وَقُضِيَ لَهُ عَلَى ذِي العَدَدِ، والْوَزن) يريد: أن من وصف اللقطة بالأمور الثلاثة فإنه يقضى له جها على من وصف العدد، والوزن، وأحرى إذا وصف أحدهما فقط، فإن وصف واحد العفاص والوكاء، وواحد العدد والسّكة، فقيل: من وصف العفاص والوكاء أولى. وقيل: يقتسمانها (١١). اللخمي (١٢): والأول أبين (١٣). قوله: (وَإِنْ وَصَفَ ثَانٍ وَصْفَ أَوَّلٍ، وَلَمْ يَبِنْ بها حَلَفَا، وَقُسِمَت) أي: فإن وصف شخص اللقطة بما يأخذها به، ثم وصفها ثان بما وصفها به الأول، ولم يذهب الأول بها،

стр. 2718

فإنهما يتحالفان، ويقسمانها (١)، ومن نكل منهما قضى لصاحبه عليه، فإن ذهب بها الأول قبل وصف الثاني، فسيأتي (٢). قوله: (كَبَيِّنَتَيْنِ لَمْ يُؤَرِّخَا وَإِلَّا فلْلأَقْدَمِ) أي: وكذلك تقسم اللقطة بين شخصين إذا أقاما بينتين، ولم يؤرخا (٣)، يريد وتكافأتا. قوله: (وإلا) أي: وإن أرّخا فهي للأقدم تأريخًا، وانظر هذا مع قول ابن القاسم وأشهب (٤) فإن أشهب قال: إذا دفع الملتقط اللقطة لمن أقام بينة أنَّها له، ثم أقام آخر بينة أنَّها له فهي لأولهما ملكًا بالتاريخ، فإن لَمْ يكن تأريخ فهي لأعدلهما (٥)، فإن تكافآتا كانت لمن هي في يده، وهو الأول بعد يمينه أنَّها له، ولم يعلم (٦) لصاحبه فيها حقًّا (٧)، فإن نكل حلف الثاني وأخذها، فإن نكل فهي للأول بلا يمين (٨). ابن يونس: ويحتمل على قول (٩) ابن القاسم، أنَّها تقسم بينهما عند تكافؤ البينتين، وإن حازها الأول؛ لأنه مال قد عرف أصله. ولعل الشيخ اختار طرفًا من قول كلّ واحد منهما. قوله: (وَلَا ضَمانَ عَلَى دَافَعٍ بَوَصْفٍ، وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِغَيْرِهِ) يريد: أن الملتقط إذا دفع اللقطة لمن وصفها بما يسوغ له أخذها به، فلا ضمان عليه، وإن أقام غيره بينة أنَّها له؛

стр. 2719

لأنه قد فعل ما أمر به في الحديث (١) وهو مذهب ابن القاسم، وأشهب، وسواء عندهما دفعها بوصف، أو ببينة، بل البينة أحرى (٢)؛ ولهذا سكت عن ذكرها اكتفاء بما ذكر، وكذلك اكتفى (٣) بقوله: (وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِغَيره) عما إذا وصفها الثاني بعد دفعها للأول؛ لأنه إذا لَمْ يضمن مع قيام البينة للثاني فلأن لا يضمن إذا وصفها الثاني (٤) من باب أحري، وقال أشبهب: إذا أخذها الأول بوصفه، فأقام الثاني بينة أنَّها له أخذها من الأول. وقال ابن الماجشون: يضمن الملتقط، إذا قال: دفعتها بالوصف (٥) لمن لا أعرفه، ولم يشهد (٦)؛ لأنه فرط (٧). واختلف هل هو خلاف؟ أم لا؟ قوله: (واسْتُؤْنِيَ فِي الوَاحِدَةِ، إِنْ جَهِلَ غَيْرَهَا) أي: إذا وصف واحدة من صفات اللقطة، وجهل غيرها من الصفات، فإنه يستأنى بدفعها إليه، وقال أصبغ (٨)، فإن عرف وصفين، دفعت له ناجزًا، وقاله أشهب، وهو الأصح (٩). وقال ابن عبد الحكم: لو عرف منها تسعة أعشار الصفة، وأخطأ العُشر (١٠) لَمْ تدفع له، إلَّا في معنى (١١) واحد أن يذكر عددًا فيوجد أقلّ منه (١٢)؛ لاحتمال أن يكون قد احتيل (١٣) عليه. الباجي: ولا يبعد أن يكون ابن عبد الحكم يوافق أصبغ؛ لأنه إنما منع من دفعها إليه إذا أخطأ بأن وصف شيئًا بغير صفته (١٤)، أي فيكون ابن

стр. 2720

عبد الحكم (١) تكلم على ما إذا أخطأ، وأصبغ تكلم على ما إذا جهل، وقد حكى في المقدمات فيما إذا وصف البعض، وجهل البعض، أو غلط فيه ثلاثة أقوال، الأول: أنه لا شيء له، الثاني: أنه يستأنى (٢)، فإن لَمْ يأت أحد بأثبت مما أتى به دفعت إليه، الثالث: إن ادّعى الجهل استؤنى به، وإن غلط لَمْ يكن له شيء، ابن رشد: وهو أعدل الأقاويل عندي (٣). وإليه أشار بقوله: (لَا غَلِطَ عَلى الأَظْهَرِ) لكن ظاهره أن الغلط يضر في كلّ صورة، وابن رشد جعل غلطه في القدر بالزيادة (٤) لا يضر، وفي غلطه بالنقصان قولان (٥)، ونحوه لابن زرقون، فانظره. قوله: (وَلَمْ يَضُرَّه (٦) جَهْلُهُ بِقَدْرِهِ) أي: بقدر الشيء الملتقط، وظاهره كان جهله بزيادة أو نقصان، يريد إذا عرَّف العفاص، والوكاء، كما تقدم. (المتن) وَوَجَبَ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ: لَا إِنْ عَلِمَ خِيَانَتَهُ هُوَ فَيَحْرُمُ، وَإِلَّا كُرِهَ عَلَى الأَحْسَنِ، وَتَعْرِيفُهُ سَنَةً، وَلَوْ كَدَلْوٍ، لَا تَافِهًا، بِمَظَانِّ طَلَبِهَا بِكَبَابِ مَسْجِدٍ، فِي كُلِّ يَوْمَينِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ، أَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا، إِنْ لَمْ يُعَرِّفْ مِثْلُهُ وَبِالْبَلَدَيْنِ إِنْ وُجِدَثْ بَينَهُمَا، وَلَا يُذْكَرُ جِنْسُهَا عَلَى الْمُخْتَارِ، وَدُفِعَتْ لِحَبْرٍ، إِنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةِ ذِمَّةٍ، وَلَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهَا، أَوِ التَّصَدُّقُ، أَوِ التَّمَلُّكُ وَلَوْ بِمَكَّةَ ضَامِنًا فِيهِمَا، كَنِيَّةِ أَخْذِهَا قَبْلَهَا وَرَدِّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ، إِلَّا بِقُرْبٍ: فَتَأوِيلَانِ. (الشرح) قوله: (وَوَجَبَ أخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ لَا إِنْ عَلِمَ (٧) خِيَانَتَهُ هُوَ (٨) فيحرُمُ، وَإِلَّا كُرِهَ عَلَى الأَحْسَن) يريد: أن الالتقاط على ثلاثة أقسام: قسم يجب وهو ما إذا كان الشيء الملتقط في موضع يخاف عليه الخونة لو ترك وكان أمينا (٩)؛ لأن الملتقط حينئذ قادر على حفظ

стр. 2721

مال أخيه، فيتعين ذلك عليه، ولا خلاف فيه. وقسم يحرم، وهو ما إذا علم الملتقط خيانة نفسه، بأنه أخذها أكلها على صاحبها فيحرم عليه (١)؛ لاستلزامه إتلاف المال المعصوم، وقسم يكره وهو ما إذا لَمْ يخف عليها الخونة، ولا علم خيانة نفسه، وقد اختلف في هذا القسم على ثلاثة أقوال، وكلها روايات (٢) لمالك: الكراهة، والإباحة مطلقًا (٣)، الاستحباب فيما له بال (٤)، وفي المقدمات: اختلف في أخذ اللقطة على ثلاثة أقوال، فقيل: الأفضل تركها من غير تفصيل، وقيل: الأفضل أخذها وتعريفها، وهو أحد قولي مالك، وقيل: إن كان مما له بال فأخذه أفضل، وإلا فتركه أولى، وأحسن، وهو أحد روايتي ابن القاسم عن مالك (٥). قوله: (وَتَعْرِيفُهُ سَنَةً، وَلَوْ كَدَلْوٍ) أي: وكذا يجب تعريف الشيء الملتقط مدة سنة، من حين التقاطه، ولو (٦) كالدلو (٧)، والمخلاة، ونحوهما، واختلف في ذلك هل يعرف سنة كالكثير؟ أو أيامًا مدة (٨) مظنة طالبها؟ والأول ظاهر رواية ابن القاسم في المدونة (٩)، والثاني رواية فيها. قوله: (لَا تَافِهًا) أي فإنه لا يُعرَّف، والتافه: هو الذي لا بال له؛ بحيث يعلم أن صاحبه لا يطلبه لقلته، كالعصيّ، والسوط وشبههما، قال في المقدمات (١٠): وهولمن وجده إن شاء أكله، وإن شاء تصدق به (١١)؛ لقوله ﵇ في التمرة التي وجدها: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها"، وقال أشهب في مثل العصا، والسوط: يعرفه

стр. 2722

فإن لَمْ يفعل، فأرجو أن يكون خفيفًا (١). قوله: (بِمَظَانِّ طَلَبِهَا) يريد: أن التعريف إنما يكون في المواضع التي يظن بها أن أرباب اللقطة يطلبونها فيها، والباء متعلقة بتعريفه سنة. قوله: (بِكَبَابِ مَسْجِدٍ) أي: باب مسجد، وجامع ونحوه، وقاله في المدونة وهو بدل مما قبله (٢)، وإنما قال بَابَ مَسْجدٍ؛ لأن التعريف في نفس (٣) المسجد منهي عنه. قوله: (في كُلِّ يَوْمَيْنَ، أَوْ ثَلَاثَةٍ) هو أيضًا متعلق بتعريفه، أي ويجب تعريف الشيء الملتقط في كلّ يومين، أو ثلاثة، أي مرّة (٤) في كلّ يوم (٥) وقاله مالك (٦). ابن عبد السلام: "وينبغي أن يكون أكثر من ذلك في أول تعريفه (٧) "، وأشار بقوله: (بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَنْ يَثَقُ، أَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا، إِنْ لَمْ يُعَرِّفْ مِثْلُهُ) إلى أن الملتقط مخير بين ثلاثة أمور، إما أن يعرفها بنفسه؛ لقوله ﵇: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأنُكَ بها (٨) ". وإما أن يدفعها إلى من يثق به يعرفها، وقد أجاز ابن القاسم ذلك في العتبية وإما أن يستأجر على تعريفها منها (٩)، وقاله ابن شعبان (١٠). اللخمي: يريد إذا لَمْ يلتزم تعريفها أو كان مثله لا يعرف (١١). وإليه أشار بقوله: (إِنْ لَمْ يُعَرفْ مْثلُهُ) فإن كان مثله يلي ذلك بنفسه لَمْ يستأجر عليها إلَّا من مال نفسه؛ لأنه بالتقاطه كالملتزم لتعريفها. قوله: (وَبِالْبَلَدَيْن إِنْ وُجدَتْ بَيْنَهُمَا) أي: فإن وجدت اللقطة بين بلدين عرَّفت

стр. 2723

فيهما؛ لأنَّها لو عُرفت في أحدهما دون الآخر، فقد يكون صاحبها في التي لَمْ تعرف فيها أو يطلبها في التي لَمْ يعرفها فيها دون الأخرى. قوله: (وَلَا يذكُرُ جِنْسَهَا عَلَى المُخْتَار) قال (١) اللخمي: اختلف عن مالك هل يسمي جنس اللقطة إذا عرفها أم لا (٢)؛ وأن لا تسمى (٣) أحسن، وتلفق (٤) مع غيرها (٥). قوله: (وَدُفِعَتْ لحَبْرٍ إِنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةِ ذِمَّةٍ) يريد أن اللقطة إذا وجدت في قرية من قرى أهل الذِّمة فإنها تدفع إلى حبر من أحبارهم، وقاله ابن القاسم (٦). قوله: (وَلَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهَا) أي: وللملتقط حبس اللقطة بعد السنة، ويبقيها أمانة لربها. قوله: (أَو التَّصَدُّقُ، أَو التَّمَلُّكُ) أي: وكذا يجوز له بعد السنة أن يحبسها أو (٧) يتصدق باللقطة، أو يتملكها، وظاهره أنه مخير فيها، وبه صرح ابن الجلاب (٨). ابن عبد السلام: ونصوص المذهب على مرجوحية (٩) التمليك، وربما وقع النهي عن ذلك؛ لأن المراد من التمليك أن يتصرف فيها (١٠). قيل: والكرا هة على ظاهر المدونة؛ لقوله فيها: لا آمره بأكلها كثرت أو قلت (١١). ابن عبد البر: وتحصيل المذهب جواز أكلها بعد السنة (١٢) للغني والفقير (١٣)،

стр. 2724

وقال ابن القصار (١): يكره له أكلها غنيا كان أو فقيرا (٢). وحكى اللخمي عن ابن شعبان الجواز وإن كان غنيًا بمثلها (٣). وعن ابن وهب: إن كان فقيرًا وهي قليلة جاز له أكلها (٤). قوله: (وَلَوْ بِمَكَّةَ) يريد أنه يجوز له التملك، أو التصدق، ولو كانت اللقطة بمكة المشرفة، وحكاه ابن القصار عن مالك، وعن بعض الأشياخ: أن لقطتها لا تستباح بعد التعريف سنة، وعليه أن يعرفها أبدًا؛ لقوله ﵇: "لا تحل ساقطتها إلَّا لمنشد (٥) " (٦). قوله: (ضَامِنًا (٧) فِيهِمَا) أي: في التصدق والتملك. قوله: (كَنِيَّةِ أَخْذِهَا قَبْلَهَا) يعني ان الملتقط إذا نوى قبل السنة أكل اللقطة فإنه يضمنها، يريد إذا ضاعت عنده، وظاهره أنه يضمن بمجرد النية، وفيه نظر؛ فإن أبا الحسن الصغير قال: المشهور أن النية بمجردها لا توجب شيئًا، إلَّا أن يقارنها فعل. قوله: (وَرَدَّهَا بَعْدَ أخْذِهَا لِلحِفْظِ، إلَّا بِقُرْبٍ فَتَأْوِيَلَانِ) أي: وكذلك يضمن إذا رد اللقطة بعد أن أخذها وحازها بنية الحفظ إلَّا أن يردها بالقرب ففي ضمانه وعدمه تأويلان لأشياخ المدونة قال فيها: ومن التقط نقطة فبعد أن حازها وبان بها ردها بموضعها أو بغيره ضمنها، فأما إن ردها في موضعها مكانه من ساعته فلا شيء عليه (٨). واختلف الأشياخ في ذلك، فقال ابن رشد: لا يضمن في الثانية (٩) بخلاف الأولى، وأنه ضمنه في الأولى؛ لأنه أخذها بنية التعريف (١٠) فلزمه حفظها، وفي الثانية لَمْ

стр. 2725

يأخذها بنية التعريف، والقرب والبعد في ذلك سواء (١). وقال غيره: إنما ضمنه في الأول لأنه لَمْ يردها بالقرب؛ وإنما ردها (٢) بعد أن حازها وبان بها، ولم يضمنه في الثانية؛ لأنه ردها بالقرب، وإليه نحا اللخمي. انظر الكبير (٣). (المتن) وَذُو الرِّق كَذَلِكَ، وَقَبْلَ السَّنَةِ فِي رَقَبَتِهِ. وَلَهُ كلُ مَا يَفْسُدُ ولا ضمان وَلَوْ بِقَرْيَةٍ، وَشَاةٍ بِفَيْفَاءَ، كَبَقَرٍ بِمَحَلِّ خَوْفٍ، وَإِلَّا تُرِكَتْ كَإِبِلٍ. وَإِنْ أُخِذَتْ عُرِّفَتْ، ثُمَّ تُرِكَتْ بِمَحَلِّهَا، وَكِرَاءُ بَقَرٍ وَنَحْوِهَا فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَضْمُونًا، وَرُكُوبُ دَابَّةٍ لِمَوْضِعِهِ، وَإِلَّا ضَمِنَ، وَغَلَّتُهَا دُونَ نَسْلِهَا، وَخُيِّرَ رَبُّهَا بَينَ فَكِّهَا بِالنَّفَقَةِ أَوْ إِسْلَامِهَا، وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَهَا فَمَا لِرَبِّهَا إِلَّا الثَّمَنُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهَا بِيَدِ الْمِسْكِينِ، أَوْ مُبْتَاعٍ مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُهَا. وَللْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَيهِ إِنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا؛ إِلَّا أَنْ يَتَصَدَّق بِهَا عَنْ نَفْسِهِ. وَإِنْ نَقَصَتْ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا أَوْ قِيمَتِهَا. (الشرح) قوله: (وذَوُ الرِّقِّ كَذَلِكَ، وقَبْلَ السَّنَةِ فِي رَقَبَتِهِ) لعله إنما عدل عن لفظ الرقيق إلى ذي الرق ليشمل المعتق بعضه، وإلى أجل، ومراده أن العبد إذا التقط لقطة واستهلكها بعد السنة فهي في ذمته (٤) كالحر، وقبل السنة في رقبته، وقاله في المدونة (٥)، وليس لسيده أن يسقطها عنه؛ لأن ربها لَمْ يسلطه عليها. قوله: (وَلَهُ أكْلُ مَا يَفْسُدُ ولا ضمان (٦)، وَلَوْ بِقَرْيَةٍ) يريد أن من وجد شيئًا مما يفسد إن أقام كالفاكهة واللحم، فإنه يأكله، ولو كان في قرية، وهو ظاهر المدونة (٧)، وقاله في المقدمات (٨)، فإن أكله فلا شيء عليه (٩)، وفي الواضحة: إن تصدق به فلا غرم عليه،

стр. 2726

وإن أكله غرمه لانتفاعه به تافها أو غير تافه (١). وقيل: يغرمه تصدق به أو أكله (٢). قوله: (وشَاة بفَيفَاءَ) أي: وكذلك له أكل الشاة إذا وجدها في الصحاري والمواضع التي لا عمارة فيها، وهو مراده بالفيفاء وهي واحدة الفيافي، قال في المدونة: وإذا وجد الشاة في الفيافي فإن له أكلها؛ أي ولا يضمنها، فإن وجدها في غير فيفاء فليس له أكلها (٣). ولسحنون: إذا وجدها في فلاة فأكلها أو تصدق بها ضمنها لصاحبها إن جاء (٤). واختاره ابن عبد البر (٥). قوله: (كَبَقَرٍ بِمَحلِّ خَوْفٍ، وَإِلَّا تَرِكَتَ كَإِبِل)، قال في المدونة: ومن وجد ضالة الغنم بالقرب من العمران عرف بها في أقرب القرى إليه ولا يأكلها وإن كانت في فلوات الأرض فله أكلها ولا يعرف بها ولا يضمن لربها شيئًا؛ لقول النبي ﷺ : "لك أو لأخيك أو للذئب". وضألة البقر إن كانت في موضع يخاف عليها فهي كذلك، وإن كانت بموضع يؤمن عليها من السباع والذئاب فهي كالإبل (٦) أي: إذا وجدت (٧) قاله في المدونة (٨). قوله: (وَإِنْ أُخِذَتْ (٩) عُرِّفَتْ ثُم تُرِكَتْ بِمَحَلِّهَا) هو كقول مالك في المدونة: فإن وجدت ضالة الإبل بفلاة تركها، فإن أخذها عرفها سنة، وليس له أكلها ولا بيعها، فإن لَمْ يجد ربها فليخلها بالموضع الذي وجدها فيه (١٠).

стр. 2727

قوله: (وَكِرَاءُ بَقَرٍ وَنَحِوهَا فيِ عَلَفِهَا، كِرَاءً مَضْمُوَنًا) أي: وله أن يكري البقر ونحوها كراء مضمونًا في علوفتها للمصلحة؛ إذ لا بد من النفقة عليها، ويشترط أن يكون ما تُكْرى فيه من العمل مضمونًا، وإلا أدى إلى خروج اللقطة عن ملك مالكها، ولعل الشيخ قصد بقوله: (مضمونًا) هذا، والله أعلم. قوله: (وَرُكُوبُ دَابَّةٍ لِمَوْضِعِه) أي: وكذا له أن يركب الدابة إلى موضعه؛ لتعذر قودها عليه، أو للضرورة التي تعتريه في ذلك. قوله: (وَإِلَّا ضَمِنَ) أي: وإن ركبها لغير موضعه أو بعد وصوله إليه ضمنها إن هلكت، يريد ويضمن قيمة منفعتها إن لَمْ تهلك؛ لأن ذلك محض عداء (١). قوله: (وَغَلَّتُهَا دُونَ نَسْلِهَا) أي: وكذلك له غلتها دون أولادها، وقاله مالك في رواية ابن وهب (٢). قوله: (وَخُيِّرَ رَبُّهَا بَيْنَ فَكِّهَا بِالنَّفَقَةِ، أَوْ إِسْلَامِهَا) يريد: أن رب اللقطة إذا وجدها (٣) بيد ملتقطها؛ وقد كان أنفق عليها نفقة فليسبى له أخذها مجانًا، ولكن يخير بين أن يأخذها ويدفع نفقتها، وبين أن يسلمها ولا شيء له ولا عليه، وقاله في المدونة (٤) سلمها له أن يأخذها فليس له ذلك وقاله أشهب، قال في المدونة: والملتقط أحق من الغرماء بالنفقة (٥).

стр. 2728

قوله: (وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَهَا فَما لِرَبِّهَا إلَّا الثَّمَن (١)، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَدَهَا بيَدِ المِسْكِينِ، أَوْ مُبتَاعٍ مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُهَا) يريد: أن الملتقط إذا باع اللقطة بعد السنة فليس لربها إلَّا الثمن الذي بيعت به، بخلاف ما إذا وجدها ربها (٢) بيد المساكين، أو بيد من ابتاعها منهم فإن له أن يأخذها (٣)، وقال أشهب: إن باعها بإذن الإمام مضى ذلك، وإلا فلربها نقض بيعه وأخذها، وإن لَمْ يقدر عليها فلا شيء له إلَّا الثمن، إن باعها خوفًا من الضيعة (٤). انظر الكبير (٥). قوله: (وَلِلْمُلْتَقِطْ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ إِنْ أَخْذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا، إِلَّا أَنْ يَتَصَدَّقْ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ) أي: وللملتقط أن يرجع على المسكين باللقطة إن وجدها، أو ما بقي منها إن أخذ منه صاحبها قيمتها، إلَّا أن يكون الملتقط تصدق بها عن نفسه، فلا يرجع على المسكين بشيء. قوله: (وَإِنْ نَقِصَتْ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا، فَلِرَبِّهَا أخْذُهَا أَوْ قِيمَتِهَا) يريد: أن اللقطة إذا نقصت عند الملتقط بعد أن نوى تملكها، فإن ربها مخير إذا وجدها على تلك الحال بين أن يأخذها ولا شيء له، أو يضمنه قيمتها يوم التمليك، واختلف إذ نقصت بسبب الاستعمال، فقيل: يخير ربها كما تقدم، وقيل: يخير بين أن يضمته قيمتها أو يأخذها وقيمة ما نقصها، وقيل: ليس له إلَّا ما نقصها (٦). (المتن) وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ نُبِذَ كِفَايَةً. وَحَضَانَتُهُ. وَنَفَقَتُهُ، إِنْ لَمْ يُعْطَ مِنَ الْفَيْءِ، إِلَّا أَنْ يَمْلِكَ كَهِبَةٍ، أَوْ يُوجَدَ مَعَهُ أَوْ مَدْفُونٌ تَحْتَهُ، إِنْ كَانَتْ مَعَهُ رُقْعَةٌ. وَرُجُوعُهُ عَلَى أَبِيهِ إِنْ طَرَحَهُ عَمْدًا، وَالْقَوْلُ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً، وَهُوَ حُرٌّ، وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِي قُرَى الْمُسْلِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَكنْ فِيهَا إِلَّا بَيْتَانِ، إِنِ الْتَقَطَهُ

стр. 2729

مُسْلِمٌ، وَفِي قُرَى الشِّرْكِ مُشْرِكٌ. وَلَمْ يُلْحَقْ بِمُلْتَقِطِهِ وَلَا غَيْرِهِ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِوَجْهٍ، وَلَا يَرُدُّهُ بَعْدَ أَخْذِهِ إِلَّا أَنْ يَأخُذَهُ لِيَرْفَعَهُ لِلْحَاكِمِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَالْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ. وَقُدِّمَ الأَسْبَقُ، ثُمَّ الأَوْلَى؛ وَإِلَّا فَالْقُرْعَةُ، وَيَنْبَغِي الإِشْهَادُ، وَلَيْسَ لِمُكَاتَبٍ وَنَحْوِهِ الْتِقَاطٌ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ. (الشرح) قوله: (وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلِ نُبِذَ كِفَايَةً) يريد: إن التقاط المنبوذ من الأطفال واجب على الكفاية؛ لأن صون النفس واجب، وكان على الكفاية؛ لأن بالواحد (١) يحصل الغرض من ذلك. قوله: (وَحَضَانَتُهُ) أي: وكذلك تجب حضانه المنبوذ على من أخذه؛ لأنه التزم ذلك بأخذه. قوله: (وَنَفقَتُهُ إنْ لَمْ يُعْطَ مِنَ الْفَيءِ) أي: وكذا تجب نفقته على من أخذه إن لَمْ يعط من الفيءِ الموقوف لمصالح المسلمين (٢)، فإن أعطي شيء من ذلك لَمْ يجب عليه في ماله. قوله: (إِلَّا أَنْ يَمْلِكَ كَهِبَةٍ) أي: وكذا (٣) تسقط نفقته (٤) عنه إن ملكه أحد شيئًا بهبة، أو صدقة، أو حبس عليه حبسًا، أو وجد معه شيئًا ملفوفا في ثيابه، وإليه أشار بقوله: (أَوْ يُوَجَدْ مَعَهُ). قال ابن شاس: وأما المدفون في الأرض تحته فليس هو معه (٥)، إلَّا أن توجد معه رقعة مكتوبة أنه له (٦)، هال هذا أشار بقوله: (أوْ مَدْفُونٌ تَحتهُ إِنْ كَانتْ مَعَهُ رُقْعَةٌ) فإن لَمْ توجد معه رقعة فهو لقطة؛ ولهذا قال ابن شعبان: إنما وجد قريبًا منه من مال، أو دابة، أي وليس ثم ما يدلُّ على أنه ترك له، فهو لقطة (٧). قوله: (وَرُجُوعُهُ عَلَى أبِيهِ إِنْ طَرَحَهُ (٨) عَمْدًا) أي: ووجب رجوع الملتقط على أبى

стр. 2730

الطفل، إذا ثبت أنه طرحه عمدًا، وقاله في تضمين الصناع من المدونة (١)، وزاد إذا كان الأب مليًا، قال: وإن لَمْ يطرحه، فلا شيء عليه. وقال أشهب: لا شيء على الأب بحال (٢). قوله: (وَالْقَوْلُ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ (٣) حِسْبَةً) أي: فإن قال: إنما أنفقت لأرجع، وقال الأب: إنما أنفقت حسبة، أي تبرعًا (٤)، ولم يقم دليل لواحد منهما، فإن المنفق مصدق، وقاله ابن شاس (٥). قوله: (وَهُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهْ لِلْمُسْلِمِينَ) أي: هو كقول مالك في الموطأ: الأمر (٦) عندنا في المنبوذ أنه حر، وولاؤه لجماعة المسلمين (٧)، يرثونه ويعقلون عنه (٨) لا أنه ولاء عتاقة ولا يكون للملتقط اتفاقا (٩). قوله: (وَحُكمَ بِإِسْلَامِهِ فِي قُرَى المْسْلِمِينَ) يريد: أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين فإنه يحكم بإسلامه، ولا خلاف فيه؛ لأن الغالب في بلاد الإسلام أنه ابن مسلم؛ ولقوله ﵇: "كل مولود يولد على الفطرة"، الحديث. قوله: (كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا بَيْتَانِ، إِن الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ) أي: وكذلك يحكم بإسلام اللقيط إذا وجد في بلد ليس فيها إلَّا بيتان من المسلمين، إن التقطه مسلم، أي: وإن التقطه كافر فهو كذلك عند ابن القاسم (١٠)، ولا يحكم بإسلامه. وقال أشهب: يحكم

стр. 2731

بإسلامه مطلقًا، التقطه مسلم أو مشرك (١). قوله: (وَفي قُرَى الشِّرْكِ مُشْرِكٌ) أي: فإن وجد في قرى المشركين فهو مشرك، سواء وجده مسلم أو مشرك، وهو مذهب ابن القاسم (٢). وقال أشهب، بشرط أن يلتقطه مشرك، فإن التقطه مسلم فهو مسلم (٣)، تغليبًا (٤) لحكم الإسلام؛ (٥). قوله: (وَلم يُلْحَقْ بِمُلْتَقِطِهِ، وَلَا غَيْرِهِ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) أي: إن استلحقه مسلم فإن كان هو الملتقط لحق به بالبينة بلا خلاف، وبغير بينة عند أشهب، خلافًا لابن القاسم (٦). وإن كان غير الملتقط، فقال أشهب: يلحقه؛ لأنه مجهول النسب (٧). وقيل: لا يلحقه إلَّا ببينة؛ لأن الولاء قد ثبت للمسلمين. وقيل: لا يلحقه إلَّا أن يكون لا يعيش له أولاد، ويقول: طرحته لذلك، ويعلم ذلك من قوله، وإل هذا الأخير أشار بقوله: (أو بِوَجْهِ) وإن استلحقه ذمي فلا يلحقه إلَّا ببينة (٨). قال (٩) ابن شاس: ويكون على دينه إلَّا أن يسلم على (١٠) ذلك، ويعقل الإسلام فيكون مسلمًا (١١). وإِن استلحقته امرأة فلا يلحقها عند ابن القاسم، وإن أتت بما يشبه من العذر (١٢). وقال أشهب: تصدق مطلقًا (١٣). وقال محمد: إن قالت من زنا صدقت، وحُدَّت لبعد التهمة، وأما ذات الزوج فلا حتى

стр. 2732

يدعيه هو فيلحق به (١). قوله: (وَلَا يَرُدُّهُ بَعْدَ أَخذِهِ، إِلَّا أَنْ يَأخُذَهُ لِيَرْفَعَهُ لِلْحَاكِمِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَالْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ) إنما لَمْ يكن له أن يرده بعد أخذه؛ لأن فرض الكفاية يتعين بالشروع فيه، والذي ذكره في صدر (٢) المسألة هو قول مالك في الموازية، وقال أشهب: إلَّا أن يكون أخذه ليرفعه للحاكم، ولم يقصد تربيته، ولا التزمها (٣)، فلم يقبله (٤). الباجي: يعني (٥) إذا كان موضعا مطروقًا، ويوقن أن غيره يأخذه. يريد؛ لأنه إذا لَمْ يكن مطروقًا فقد عرَّضه للتلف، وظاهره أن قول أشهب، وتقييد الباجي وفاق للمذهب، ولا بُعد فيه (٦)، والواو من قوله: (والموضع مطروق) واو الحال. قوله: (وَقُدِّمَ الأَسْبَقُ، ثُمَّ الأَوْلَى، وَإِلَّا فَالْقُرْعَةُ) يريد: إذا ازدحم اثنان أو أكثر، كلّ منهم يريد أن يأخذ اللقيط عنده، فإن من سبق إليه وأخذه يكون أحق به، ولو كان غيره أولى فإن لَمْ يسبق إليه أحدهم جعل عند الأكفأ منهم، والأقوى على كفالته، فإن عدم ذلك كله أقرع بينهم فأيهم خرج له أخذه، وقال أشهب: إذا تساويا أو تقاربا فالأول أحق، فإن خيف ضياعه عنده، فالثاني أحق به (٧)، إلَّا أن يكون طال مكثه عند الأول، وليس الصبي في ضرر، فالأول أحق (٨). قوله: (وَيَنْبَغِي الإِشْهَادُ) يعني: أنه ينبغي لمن التقط لقيطًا أن يشهد عليه عند التقاطه أنه التقطه خوف الاسترقاق، وظاهر هذا التعليل وجوب الإشهاد، والأكثر في (ينبغي) حملها على الاستحباب. قوله: (وَلَيسَ لِمُكَاتَبٍ وَنَحْوهِ الْتِقَاطٌ بِغَيْرٍ إِذْنِ السَّيِّدِ) يريد: بنحو المكاتب القِن،

стр. 2733

ومن فيه شائبة رق (١)، وإن لم يكن له ذلك؛ لأنه يشتغل به عن سيده، وذلك يؤدي إلى تعطيل حق سيده، أما إذا أذن السيد في ذلك فلا كلام. (المتن) وَنُزِعَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيرِهِ، وَنُدِبَ أَخْذُ آبِقٍ لِمَنْ يَعْرِفُ، وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهُ، فَإِنْ أَخَذَهُ رَفَعَهُ لِلإِمَامِ. وَوقِفَ سَنَةً، ثُمَّ بِيعَ وَلَا يُهْمَلُ، وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ، وَمَضَى بَيعُهُ وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ، وَلَهُ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ. وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ. (الشرح) قوله: (وَنُزِعَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيْرِهِ) أي من غير المسلم، والمعنى أن من وجد في قرى المسلمين، أو في قرية فيها بيتان (٢) فصاعدًا (٣) من المسلمين بيد غير مسلم، فإنه يحكم بانتزاعه منه خشية أن يربيه على دينه، أو يطول الأمد (٤) فيسترقه، وقاله مطرف وأصبغ (٥). قوله: (وَنُدِبَ أَخْذُ آبِقٍ لِمَنْ يَعْرِفُ، وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذْهُ) يريد: أن من وجد آبقا فإنه يستحب له أخذه، إذا كان لمن (٦) يعرفه، وإلا فليتركه، وقاله في المدونة (٧). قوله: (فَإِنْ أَخَذَهُ رُفِعَ لِلإِمَامِ، وَوُقِفَ سَنَةً ثُمَّ بِيعَ) أي: فإن اخذه وهو لَمْ يعرف صاحبه رفعه للإمام فيوقفه عنده سنة ثم يبيعه، ونحوه في المدونة (٨)، قال فيها: لَمْ أزل أسمع أن الآبق يحبس على ربه (٩) سنة ثم يباع، وينفق عليه، أي في الإيقاف (١٠)، فإن جاء صاحبه وإلا باعه، وأخذ من ثمنه ما أنفق، وحبس بقية الثمن لربه في بيت المال. وقال مالك: والآبق (١١) إذا اعترف ربه

стр. 2734

في يديك (١)، ولم تعرفه فأرى أن ترفعه للإمام، إذا لَمْ يُخف ظلمه (٢). قوله: (وَلَا يُهْمَلْ) أي: ولا يهمل أمره بعد البيع، بل يكتب الحاكم اسمه وحليته (٣)، وبلده، ومن هو سيده (٤)، ثم يجعلها عنده، فإن جاء من يطلبه قابله بما عنده، فإن ظهر أنه سيده، دفع له بقية الثمن بعد إسقاط النفقة، وإلا فلا، ونحوه لسحنون. ويحتمل أن يكون مراده بالإهمال إطلاقه بعد السنة؛ لقوله في المدونة: وأمر مالك ببيع الأباق بعد السنة (٥)، ولم يأمر بإطلاقهم يعملون ويأكلون. وقال أشهب: إطلاقه أنفع لربه؛ لأنه قد يجده، وإذا حبس وأنفق عليه فقد تستغرق نفقته ثمنه. قوله: (وَأَخَذَ نَفَقَتُهُ) قد تقدم بيانه. قوله: (وَمَضَى بَيْعُهُ، وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ: كُنْتُ أعتقته) يريد: إلَّا ببينة على عتقه، قال في المدونة: ولو قال ربه بعد البيع كنت أعتقته بعد ما أبق، أو قبل أن يأبق (٦) لَمْ يقبل قوله على نقض البيع، إلَّا ببينة؛ لأنه لو باعه هو نفسه، ثم قال كنت أعتقته بعد ما أبقى أو قبله، لَمْ يقبل قوله إلَّا ببينة (٧). قوله: (وَلَهُ عِتْقُه وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ) هذا كقوله في المدونة: ويجوز لسيد الآبق عتقه، وتدبيره، وهبته لغير ثواب، ولا يجوز له بيعه، ولا هبته للثواب، يريد؛ لأن هبة الثواب

стр. 2735

بيع، وبيعه ممنوع للغرر (١). ويجوز له التصدق به، والوصية (٢). قوله: (وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدَودُ) قال في المدونة إذا زنى الآبق، أو سرق، أو قذف أقيم عليه الحد في ذلك كله (٣). (المتن) وَضَمِنَهُ إِنْ أَرْسَلَهُ إِلَّا لِخَوْفٍ مِنْهُ، كَمَنِ اسْتَأْجَرَهُ فِيمَا يَعْطَبُ فِيهِ، لَا إِنْ أَبَقَ مِنْهُ؛ وَإِنِ مُرْتَهَنًا، وَحَلَفَ، وَاسْتَحَقَّهُ سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ، وَيَمِينٍ. وَأَخَذَهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا دَعْوَاهُ إِنْ صَدَّقَهُ، وَليُرْفَعْ لِلإِمَامِ، إِنْ لَمْ يَعْرِفْ مُسْتَحِقَّهُ، إِنْ لَمْ يُخَفْ ظُلْمُهُ. وَإِنِ أَتَى رَجُلٌ بِكِتَابِ قَاضٍ، أَنَّهُ قَدْ شهِدَ عِنْدِي: أَنَّ صَاحِبَ كِتَابِي هَذَا فُلَانٌ، هَرَبَ مِنْهُ عَبْدٌ، وَوَصَفَهُ فَلْيُدْفَعْ إِلَيْهِ بِذَلِكَ. (الشرح) قوله: (وَضَمِنَهُ إِنْ أَرْسَلَهُ) يريد: أن من أرسل آبقًا بعد أن أخذه فإنه يضمنه، وقاله في المدونة (٤). ابن يونس: قال ابن عبد الحكم: لو خلاه بعد أن أخذه لعذر (٥) كأن خاف أن يقتله، أو يضربه فلا شيء عليه. وظاهر كلام الشيخ أنه وفاق (٦)، ولهذا قال (إِلَّا (٧) لَخْوفٍ مِنْهُ). ابن عبد الحكم: وإن أرسله لشدة النفقة ضمن. وقال أشهب إن أرسله (٨) في حاجة فأبق، وهي مما يأبق في مثلها (٩) ضمن (١٠). قوله: (كَمَن اسْتَأْجَرَهُ فِيمَا يَعْطَبُ فِيهِ) قال في المدونة: ومن استأجر آبقًا فعطب في عمله، ولم يعلم أنه آبق ضمنه لربه. وقيده في موضع آخر، بما إذا استأجره في عمل يعطب في مثله فهلك فيه. كما ذكر الشيخ (١١)،
следующие страницы →