← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

بإسلامه مطلقًا، التقطه مسلم أو مشرك (١). قوله: (وَفي قُرَى الشِّرْكِ مُشْرِكٌ) أي: فإن وجد في قرى المشركين فهو مشرك، سواء وجده مسلم أو مشرك، وهو مذهب ابن القاسم (٢). وقال أشهب، بشرط أن يلتقطه مشرك، فإن التقطه مسلم فهو مسلم (٣)، تغليبًا (٤) لحكم الإسلام؛ (٥). قوله: (وَلم يُلْحَقْ بِمُلْتَقِطِهِ، وَلَا غَيْرِهِ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ) أي: إن استلحقه مسلم فإن كان هو الملتقط لحق به بالبينة بلا خلاف، وبغير بينة عند أشهب، خلافًا لابن القاسم (٦). وإن كان غير الملتقط، فقال أشهب: يلحقه؛ لأنه مجهول النسب (٧). وقيل: لا يلحقه إلَّا ببينة؛ لأن الولاء قد ثبت للمسلمين. وقيل: لا يلحقه إلَّا أن يكون لا يعيش له أولاد، ويقول: طرحته لذلك، ويعلم ذلك من قوله، وإل هذا الأخير أشار بقوله: (أو بِوَجْهِ) وإن استلحقه ذمي فلا يلحقه إلَّا ببينة (٨). قال (٩) ابن شاس: ويكون على دينه إلَّا أن يسلم على (١٠) ذلك، ويعقل الإسلام فيكون مسلمًا (١١). وإِن استلحقته امرأة فلا يلحقها عند ابن القاسم، وإن أتت بما يشبه من العذر (١٢). وقال أشهب: تصدق مطلقًا (١٣). وقال محمد: إن قالت من زنا صدقت، وحُدَّت لبعد التهمة، وأما ذات الزوج فلا حتى

стр. 2732

يدعيه هو فيلحق به (١). قوله: (وَلَا يَرُدُّهُ بَعْدَ أَخذِهِ، إِلَّا أَنْ يَأخُذَهُ لِيَرْفَعَهُ لِلْحَاكِمِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَالْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ) إنما لَمْ يكن له أن يرده بعد أخذه؛ لأن فرض الكفاية يتعين بالشروع فيه، والذي ذكره في صدر (٢) المسألة هو قول مالك في الموازية، وقال أشهب: إلَّا أن يكون أخذه ليرفعه للحاكم، ولم يقصد تربيته، ولا التزمها (٣)، فلم يقبله (٤). الباجي: يعني (٥) إذا كان موضعا مطروقًا، ويوقن أن غيره يأخذه. يريد؛ لأنه إذا لَمْ يكن مطروقًا فقد عرَّضه للتلف، وظاهره أن قول أشهب، وتقييد الباجي وفاق للمذهب، ولا بُعد فيه (٦)، والواو من قوله: (والموضع مطروق) واو الحال. قوله: (وَقُدِّمَ الأَسْبَقُ، ثُمَّ الأَوْلَى، وَإِلَّا فَالْقُرْعَةُ) يريد: إذا ازدحم اثنان أو أكثر، كلّ منهم يريد أن يأخذ اللقيط عنده، فإن من سبق إليه وأخذه يكون أحق به، ولو كان غيره أولى فإن لَمْ يسبق إليه أحدهم جعل عند الأكفأ منهم، والأقوى على كفالته، فإن عدم ذلك كله أقرع بينهم فأيهم خرج له أخذه، وقال أشهب: إذا تساويا أو تقاربا فالأول أحق، فإن خيف ضياعه عنده، فالثاني أحق به (٧)، إلَّا أن يكون طال مكثه عند الأول، وليس الصبي في ضرر، فالأول أحق (٨). قوله: (وَيَنْبَغِي الإِشْهَادُ) يعني: أنه ينبغي لمن التقط لقيطًا أن يشهد عليه عند التقاطه أنه التقطه خوف الاسترقاق، وظاهر هذا التعليل وجوب الإشهاد، والأكثر في (ينبغي) حملها على الاستحباب. قوله: (وَلَيسَ لِمُكَاتَبٍ وَنَحْوهِ الْتِقَاطٌ بِغَيْرٍ إِذْنِ السَّيِّدِ) يريد: بنحو المكاتب القِن،

стр. 2733

ومن فيه شائبة رق (١)، وإن لم يكن له ذلك؛ لأنه يشتغل به عن سيده، وذلك يؤدي إلى تعطيل حق سيده، أما إذا أذن السيد في ذلك فلا كلام. (المتن) وَنُزِعَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيرِهِ، وَنُدِبَ أَخْذُ آبِقٍ لِمَنْ يَعْرِفُ، وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهُ، فَإِنْ أَخَذَهُ رَفَعَهُ لِلإِمَامِ. وَوقِفَ سَنَةً، ثُمَّ بِيعَ وَلَا يُهْمَلُ، وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ، وَمَضَى بَيعُهُ وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ، وَلَهُ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ. وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ. (الشرح) قوله: (وَنُزِعَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيْرِهِ) أي من غير المسلم، والمعنى أن من وجد في قرى المسلمين، أو في قرية فيها بيتان (٢) فصاعدًا (٣) من المسلمين بيد غير مسلم، فإنه يحكم بانتزاعه منه خشية أن يربيه على دينه، أو يطول الأمد (٤) فيسترقه، وقاله مطرف وأصبغ (٥). قوله: (وَنُدِبَ أَخْذُ آبِقٍ لِمَنْ يَعْرِفُ، وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذْهُ) يريد: أن من وجد آبقا فإنه يستحب له أخذه، إذا كان لمن (٦) يعرفه، وإلا فليتركه، وقاله في المدونة (٧). قوله: (فَإِنْ أَخَذَهُ رُفِعَ لِلإِمَامِ، وَوُقِفَ سَنَةً ثُمَّ بِيعَ) أي: فإن اخذه وهو لَمْ يعرف صاحبه رفعه للإمام فيوقفه عنده سنة ثم يبيعه، ونحوه في المدونة (٨)، قال فيها: لَمْ أزل أسمع أن الآبق يحبس على ربه (٩) سنة ثم يباع، وينفق عليه، أي في الإيقاف (١٠)، فإن جاء صاحبه وإلا باعه، وأخذ من ثمنه ما أنفق، وحبس بقية الثمن لربه في بيت المال. وقال مالك: والآبق (١١) إذا اعترف ربه

стр. 2734

في يديك (١)، ولم تعرفه فأرى أن ترفعه للإمام، إذا لَمْ يُخف ظلمه (٢). قوله: (وَلَا يُهْمَلْ) أي: ولا يهمل أمره بعد البيع، بل يكتب الحاكم اسمه وحليته (٣)، وبلده، ومن هو سيده (٤)، ثم يجعلها عنده، فإن جاء من يطلبه قابله بما عنده، فإن ظهر أنه سيده، دفع له بقية الثمن بعد إسقاط النفقة، وإلا فلا، ونحوه لسحنون. ويحتمل أن يكون مراده بالإهمال إطلاقه بعد السنة؛ لقوله في المدونة: وأمر مالك ببيع الأباق بعد السنة (٥)، ولم يأمر بإطلاقهم يعملون ويأكلون. وقال أشهب: إطلاقه أنفع لربه؛ لأنه قد يجده، وإذا حبس وأنفق عليه فقد تستغرق نفقته ثمنه. قوله: (وَأَخَذَ نَفَقَتُهُ) قد تقدم بيانه. قوله: (وَمَضَى بَيْعُهُ، وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ: كُنْتُ أعتقته) يريد: إلَّا ببينة على عتقه، قال في المدونة: ولو قال ربه بعد البيع كنت أعتقته بعد ما أبق، أو قبل أن يأبق (٦) لَمْ يقبل قوله على نقض البيع، إلَّا ببينة؛ لأنه لو باعه هو نفسه، ثم قال كنت أعتقته بعد ما أبقى أو قبله، لَمْ يقبل قوله إلَّا ببينة (٧). قوله: (وَلَهُ عِتْقُه وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ) هذا كقوله في المدونة: ويجوز لسيد الآبق عتقه، وتدبيره، وهبته لغير ثواب، ولا يجوز له بيعه، ولا هبته للثواب، يريد؛ لأن هبة الثواب

стр. 2735

بيع، وبيعه ممنوع للغرر (١). ويجوز له التصدق به، والوصية (٢). قوله: (وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدَودُ) قال في المدونة إذا زنى الآبق، أو سرق، أو قذف أقيم عليه الحد في ذلك كله (٣). (المتن) وَضَمِنَهُ إِنْ أَرْسَلَهُ إِلَّا لِخَوْفٍ مِنْهُ، كَمَنِ اسْتَأْجَرَهُ فِيمَا يَعْطَبُ فِيهِ، لَا إِنْ أَبَقَ مِنْهُ؛ وَإِنِ مُرْتَهَنًا، وَحَلَفَ، وَاسْتَحَقَّهُ سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ، وَيَمِينٍ. وَأَخَذَهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا دَعْوَاهُ إِنْ صَدَّقَهُ، وَليُرْفَعْ لِلإِمَامِ، إِنْ لَمْ يَعْرِفْ مُسْتَحِقَّهُ، إِنْ لَمْ يُخَفْ ظُلْمُهُ. وَإِنِ أَتَى رَجُلٌ بِكِتَابِ قَاضٍ، أَنَّهُ قَدْ شهِدَ عِنْدِي: أَنَّ صَاحِبَ كِتَابِي هَذَا فُلَانٌ، هَرَبَ مِنْهُ عَبْدٌ، وَوَصَفَهُ فَلْيُدْفَعْ إِلَيْهِ بِذَلِكَ. (الشرح) قوله: (وَضَمِنَهُ إِنْ أَرْسَلَهُ) يريد: أن من أرسل آبقًا بعد أن أخذه فإنه يضمنه، وقاله في المدونة (٤). ابن يونس: قال ابن عبد الحكم: لو خلاه بعد أن أخذه لعذر (٥) كأن خاف أن يقتله، أو يضربه فلا شيء عليه. وظاهر كلام الشيخ أنه وفاق (٦)، ولهذا قال (إِلَّا (٧) لَخْوفٍ مِنْهُ). ابن عبد الحكم: وإن أرسله لشدة النفقة ضمن. وقال أشهب إن أرسله (٨) في حاجة فأبق، وهي مما يأبق في مثلها (٩) ضمن (١٠). قوله: (كَمَن اسْتَأْجَرَهُ فِيمَا يَعْطَبُ فِيهِ) قال في المدونة: ومن استأجر آبقًا فعطب في عمله، ولم يعلم أنه آبق ضمنه لربه. وقيده في موضع آخر، بما إذا استأجره في عمل يعطب في مثله فهلك فيه. كما ذكر الشيخ (١١)،

стр. 2736

قوله: (لَا إِنْ أَبَقَ مِنْهُ، وَإِنِ مُرْتَهَنًا، وَحَلَفَ) يعني: فإن أبق منه بعد أن أخذه، فلا شيء عليه، ولو كان مرهونًا، قال في المدونة: ولا يضمنه المرتهن، ويصدق في إباقه (١). واختلف هل يحلف أن العبد أبق؛ أم لا؛ والروايتان في المدونة (٢). قال (٣) عياض: والذي كتب شيوخنا (٤) ويحلف، وهي في أصل ابن عتاب، وابن سهل، وهي رواية الدباغ (٥)، وعليها واختصر (٦) أبو محمد، واختصر البراذعي (٧)، وابن يونس، لا يحلف. قوله: (وَاسْتَحَقَّهُ سَيِّدُهُ بشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَأخَذَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا دَعْوَاهُ إِنْ صَدَّقَهُ) يريد: أن رب الآبق إذا أقام شاهدًا، أنه له حلف، واستحقه وإن لَمْ يكن إلَّا دعواه فقط، فإن صدقه (٨) العبد أنه سيده أخذه، وقاله في المدونة (٩)، قال عبد الحق: والذي يحلف مع شاهده يأخذ العبد من غير استيناء، بخلاف ما إذا أخذه بدعواه (١٠) وتصديق العبد (١١) فلا يأخذه، إلا بعد الاستيناء، والتلوم باجتهاد الحاكم، وأيضًا - فإن الذي يأخذه بالشاهد واليمين، إذا هلك عنده لا يضمنه، أي: إذا استحق، والذي يأخذه بدعواه يضمنه (١٢).

стр. 2737

قوله: (وَلْيُرْفَعْ لِلإِمَامِ إِنْ لَمْ يَعْرِفْ (١) مُسْتَحِقَّهُ إِنْ لَمْ يُخَفْ ظُلْمُهُ) قال في المدونة: والآبق إذا اعترفه (٢) ربه عند رجل، ولم يعرفه (٣) فأرى أن يرفعه للإمام إن لَمْ يخف ظلمه (٤). وقال أشهب: إن أقر له (٥) العبد فإنه (٦) في سعة من دفعه إليه، ودفعك إليه بأمر الإمام أحب إليّ، وإن جحد أن يكون سيده فلا تدفعه إليه، فإن فعلت ضمنت (٧). قوله: (وَإِنْ أَتَى رَجُلٌ بِكِتَابِ قَاضٍ أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ عِنْدِي أَنَّ صَاحِبَ كِتَابيِ هَذَا فُلَانًا هَربَ مِنْهُ عَبْدٌ، وَوَصَفَهُ فَلْيُدْفَعْ إِلَيْهِ بِذَلِكَ) هكذا قال في المدونة، ومراده بكتاب قاض إلى قاض، أو نحوه ممن يلي أمور الناس في ذلك الموضع (٨). * * *

стр. 2738

باب [في الأقضية] (المتن) بَابٌ أَهْلُ الْقَضَاءِ، عَدْلْ، ذَكَرٌ، فَطِنٌ، مُجْتَهِدٌ إِنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ، وَزِيدَ لِلإِمَامِ الأَعْظَمِ: قُرَشِيٌّ، فَحَكَمَ بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ، وَنَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى، وَأَبْكَمَ، وَأَصَمَّ، وَوَجَبَ عَزْلُهُ. وَلَزِمَ الْمُتَعَيِّنَ أَوِ الْخَائِفَ فِتْنَةً إِنْ لَمْ يَتَوَلَّ، أَوْ ضَيَاعَ الْحَقِّ الْقَبُولُ، وَالطَّلَبُ. وَأُجْبِرَ وَإِنْ بِضَرْبٍ، وَإِلَّا فَلَهُ الْهَرَبُ، - وَإِنْ عُيِّنَ -. وَحَرُمَ لِجَاهِلٍ، وَطَالِبِ دُنْيَا. (الشرح) (أهْلُ الْقَضَاء، عَدْلٌ، فَطِنٌ، مُجْتَهِدٌ، إِنْ وُجِدَ، وَإِلَّا فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ) يريد: أن المستحق للقضاء، والمتأهل له من اجتمع فيه أربعة أوصاف: الأول: العدالة فيخرج الصبي، والمجنون، والفاسق، والكافر، والعبد القِن (١)، ومن فيه شائبة من شوائب الرِّق، وعلى هذا فقوله: (عدل) وصف مركب من خمسة شروط وهي، الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، وعدم الفسق. الوصف الثاني: (ذكر)، فلا تولى امرأة؛ لقوله ﵇: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وحكي عن ابن القاسم، إجازة ذلك (٢). ابن زرقون (٣): وأظنه يريد الإطلاق. قال المازري: والإجماع على أنَّها لا تولى الإمامة الكبرى (٤).

стр. 2739

الثالث: الفطنة، فلا يولى المغفل (١)، وهو واضح. الرابع: الاجتهاد إن أمكن وجوده، وإلا فمقلد، وقاله المازري (٢). قوله: (وَزِيدَ لِلإِمَامِ الأَعْظَمِ قُرَشِيٌّ) يريد: أنه يزا د في حق الإمام الأعظم كونه قرشيًّا، وقد تقدم في باب الأضحية، أن الإمام هو العباسي، أو من يقيمه (٣). قوله: (فَحَكَمَ بِقَوْلِ مُقَلِّدِهِ) أي: فإذا لَمْ يوجد مجتهد، وولي مقلد، فإنه يحكم بقول إمامه الذي قلده في مذهبه، وهو ظاهر؛ لأنه لو حكم بغيره أدى ذلك إلى الطعن فيه بالحيف، والحكم بالتشهى. وقال الطرطوشي: لا يلزمه المصير إلى ذلك، قال (٤): ولا يلزم أحدًا (٥) من المسلمين أن يقلد في النازلة والحكم من يعتزي (٦) إلى مذهبه، فمن كان مالكيًا لَمْ يلزمه المصير في أحكامه إلى قول مالك، ونحو ذلك؛ بل أين (٧) ما أداه إليه اجتهاده من الإحكام صار إليه، قال: فإن شرط عليه (٨) أن يحكم بمذهب معين لا بغيره، فالعقد (٩) صحيح، والشرط باطل، كان موافقًا لمذهب المشترط، أو مخالفًا له (١٠). قوله: (وَنَفَذَ حُكْمُ أعْمَى، وَأَبْكَمَ، وَأَصَمَّ، وَوَجَبَ عَزْلُهُ) يعني: أن هذه الأوصاف

стр. 2740

الثلاثة التي هي العمى، والبكم والصم توجب العزل إذا وجدت، سواء تقدمت، أو طرأت وليس عدمها من شروط الصحة، بل عدم وجودها (١) من باب الاستحباب، ولهذا ينفذ حكم هؤلاء إلى حين العزل، وإن لَمْ يكن حين الحكم كذلك، وظاهر ما في وثائق ابن القاسم (٢)، أن العمى (٣)، وما معه، من شروط الصحة. والمذهب خلافه، وذكر عياض، أن المازري حكى عن مالك: جواز كون الأعمى حاكمًا، ورد بأنه لَمْ يصح عنه ذلك (٤). قوله: (وَلَزِمَ المُتَعَيِّنَ، أَوْ الخَائِفَ فِتْنَةً إِنْ لَمْ يَتَوَلَّ، أَوْ ضَيَاعَ الحَقِّ، القَبُولُ، والطَّلَبُ، وَأُجْبِرَ وَإِنْ بِضرْبٍ) المراد بالمتعين من انفرد بشرائط القضاء، وذكر أن قبول الولاية وطلبها يلزمه في ثلاثة أحوال، الأول: أن يكون متعينًا، فلا يجوز له الامتناع من ذلك (٥) قيل أيجبر بالضرب والسجن، قال: نعم. ونحوه لابن شعبان (٦). الثاني: أن يخاف على نفسه إن لَمْ يقبل حصول فتنة. الثالث: أن يعلم أنه إن لَمْ يقبل يضيع حقوق الناس بتولية غيره. قوله: (وَإِلَّا فَلَهُ الهَرَبُ، وَإِنْ عُيِّن) أي: وإن لَمْ يتعين بل كان غيره صالحًا للولاية - أيضًا - ولم يخف حصول الفتنة، ولا ضياع الحقوق فإنه لا يلزمه ذلك، ويجوز له الهرب، والاستخفاء (٧)، وإن عينه الإمام. قوله: (وَحَرِمَ لِجاهِلٍ، وَطَالِبِ دُنْيَا) أي؛ لأن الجاهل ربما أَدَّاه جهله إلى مخالفة ما هو متفق عليه، والوقوع في الأمور المعضلة (٨)، وطالب الدنيا ربما أداه ذلك إلى الحيف؛ ليحصل غرضه (٩) الفاسد.

стр. 2741

(المتن) وَنُدِبَ لِيُشَهِّرَ عِلْمَهُ كَوَرعٍ، غَنِيٍّ، حَلِيمٍ، نَزْهٍ، نَسِيبٍ، مُسْتَشِيرٍ: بِلَا دَيْنٍ وَحَدٍّ، وَزَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ، وَبِطَانَةِ سُوءٍ، وَمَنْعُ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ، وَالْمُصَاحِبِينَ لَهُ، وَتَخْفِيفُ الأَعْوَانِ، وَاتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يُقَالُ فِي سِيرَتِهِ، وَحُكْمِهِ، وَشُهُودِهِ، وَتَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيهِ، إِلَّا فِي مِثْلِ: اتَّقِ اللهَ فِي أَمْرِي، فَلْيَرْفُقْ بِه، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ إِلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ، مَنْ عَلِمَ مَا اسْتُخْلِفَ فِيهِ، وَانْعَزَلَ بِمَوْتِهِ، لَا هُوَ بِمَوْتِ الأَمِيرِ، وَلَوِ الْخَلِيفَةُ. وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَهُ لأَنَّهُ قَضَى بِكَذَا. (الشرح) قوله: (وَنُدِبَ ليَشْتَهِرَ (١) عِلْمَهُ) يريد: أن من كان عالمًا، وقد خفي علمه عن الناس، لكونه غير معروف فإنه يستحب له طلب القضاء؛ ليشهره للناس فيفتي المسترشد، ويعلم الجاهل. قوله: (كَوَرع غَنِيٍّ، حَلِيمٍ، نَزْهٍ، نَسِيبٍ، مُسْتَشِيرٍ) أي: ومما يستحب في القاضي أن يكون ورعًا، غنيًا، حليمًا، نزهًا، نسيبًا، مستشيرًا (٢)، فاحترز بالورع من غيره، وبالغني من الفقير؛ لأن الفقير تتطرق إليه مقالة السوء، وتكثر فيه، وبالحليم من غيره، ويعني به ما لَمْ ينتهك (٣) حرمة الشرع، وانظر ما الفرق بين النزه، والورع، والنسيب: هو المعروف النسب، من ألفاظ المبالغة كسميع، عليم، وبصير ومستشيرًا، أي لأولي العلم؛ لأن ذلك أعون له على حصول الصواب. قوله: (بَلا دَيْنٍ) أي: لأن المديان منحط الرتبة لا سيما عند أرباب الديون. قوله: (وَحَدٍّ) أي: أن لا يكون محدودًا في قذف، أو زنا، وجوز أصبغ حكمه فيما حد فيه، ومنعه سحنون، قياسًا على الشهادة (٤). قوله: (وَزَائِدٍ في الدَّهَاءِ) أي: ولا يستحب كونه زائدًا في الدهاء؛ أي الفطنة، والحذاقة؛ لأن ذلك مما يحمله على الحكم بالفراسة وتعطيل (٥) الطرق الشرعية (٦) من

стр. 2742

البينة، والأيمان. قوله: (وَبِطَانَةُ سُوءٍ) أي: وأن يكون خاليًا من بطانة السوء؛ لأن السلامة من ذلك رأس كل خير. قوله: (وَمَنْعِ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ، وَالمُصَاحَبِينَ له) يريد لغير حاجة، وإنما استحب له منعهم؛ لأن من كثرت ملازمته له، اعتقد فيه أنه لا يستوفي الحكم عليه، وأن القاضي يميل معه فيمتنع الناس من طلب حقوقهم معه (١)؛ ولأنه يتكبر بالراكبين معه، وتعظم نفسه عنده. قوله: (وَتَخْفِيفُ الأَعْوَانِ) أي: ويستحب له أن يخفف من الأعوان ما استطاع، قالوا لأنهم إنما يعيشون غالبًا من تخبيب الخصوم (٢). وتخبيب الخصوم أي من خدع الخصوم، قال الجوهري: الخِب والخَب الرجل الخداع؛ تقول منه خببت يا رجل تخب خبا مثل علمت تعلم علما، وقد خبب غلامي فلان؛ أي خدعه (٣). قوله: (واتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرهُ بِمَا يُقَالُ فِي سِيرَتِهِ وَحُكْمِهِ وَشُهُودِهِ) هكذا قال ابن (٤) عبد الحكم؛ لأنه إذا أخبره بما يقال في سيرته وحكمه وشهوده (٥) تجنب ما يكره من ذلك، وإذا أخبره بما يكره من شهوده أو من بعضهم عزله (٦). وقد كان لعمر ﵁ من يخبره بذلك كله. قوله: (وَتَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ منَ الخُصوم، إِلَّا فِي مِثْلِ: اتَّقِ الله فِي أَمْرِي فَلْيَرْفُقْ بِهِ) أي وكذا يستحب له أن يؤدب من أساء عليه، قال (٧) ابن عبد السلام (٨): وظاهر قول

стр. 2743

مالك أن هذا على الوجوب (١). مطرف وابن الماجشون: وإذا قال أحد الخصمين للآخر: يا فاجر أو يا ظالم فليضربه على ذلك، إلا أن يكون القائل من أهل المروءة فليتجاف عنه، وإن لمز أحدهما الآخر (٢) بما يكره فليؤدبه وهو أمثل من العفو (٣). ابن عبد السلام: ولا يعد تكذيبهما الآخر في الدعوى ولو كان بلفظ كذبت من ذلك، وصرح بذلك الفقهاء. وأشار إلى أن إساءته على الحاكم أخف من ذلك (٤). ابن عبد الحكم: وإذا قال أحدهما للقاضي: اتق الله في أمري، فليقل له: رزقني الله تقواه، وما أمرت (٥) إلا بخير، وعلينا وعليك أن نتقي (٦) الله، وهذا هو الرفق به (٧). قوله: (وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ، إِلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ) أي: إذا ولى الخليفة قاضيًا، وسكت عن استخلافه وعدمه، فليس له الاستخلاف، إلا إذا كان عمله واسعًا فليستخلف في الجهات البعيدة من يكفيه بعض (٨) تعب الخصوم، وهذا هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: لا يجوز إلا بإذن الخليفة (٩). قوله: (مَنْ عَلِمَ مَا اسْتُخْلِفَ فِيهِ) أي: إنما يستخلف شخصًا عالمًا بما استخلفه فيه القاضي، ونبه بهذا على أن خليفة القاضي ليس من شرطه (١٠) أن يعلم جميع أبواب

стр. 2744

الفقه؛ بل ما استخلف فيه فقط، إلا أن يفوض (١) إليه الحكم العام فيشترط علمه بالجميع كالأصل. قوله (وَانْعَزَل بِمَوْتِهِ، لَا هُوَ بِمَوْتِ الأَمِيرِ، وَلَوِ الْخَلِيفَةَ) يريد أن نائب القاضي ينعزل بموت القاضي، ولا ينعزل هو، أي القاضي بموت الأمير، ولو كان الخليفة، وانعزال النائب بموت القاضي صحيح إن استناب بمقتضى الولاية، وأما إن استناب رجلًا معينًا بإذن الأمير، أو الخليفة، فينبغي أن لا يعزل النائب بموت القاضي، وقاله ابن عبد السلام (٢). والفرق بين انعزال النائب بموت القاضي، وعدم انعزال القاضي بموت الأمير أو الخليفة أن الأمير أو الخليفة إنما قدَّما القاضي للمصلحة العامة للمسلمين، والقاضي إنما قدم النائب لمصلحة نفسه، فأشبه الوكيل. قوله (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَهُ لأَنَّهُ قَضَى بِكَذَا) أي ولا تقبل شهادة القاضي بعد عزله أنه قضى بكذا؛ لأنها شهادة على فعل نفسه، وقاله في المدونة (٣). (المتن) وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ أَوْ خَاصٍّ بِنَاحِيَةٍ، أَوْ نَوْعٍ. وَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ ثُمَّ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ، وَإِلَّا أُقْرِعَ. كَالإِدِّعَاءِ، وَتَحْكِيمُ غَيْرِ: خَصْمٍ وَجَاهِلٍ وَكَافِرٍ، وَغَيْرِ مُمَيِّزٍ، فِي مَالٍ، وَجَرْحٍ، لَا حَدٍّ، وَلِعَانٍ، وَقَتْلٍ، وَوَلاءٍ، وَنَسَبٍ، وَطَلَاقٍ، وَعِتْقٍ. وَمَضَى إِنْ حَكَمَ صَوَابًا، وَأُدِّبَ، وَفِي صَبِيٍّ، وَعَبْدٍ، وَامْرَأَةٍ، وَفَاسِقٍ، ثَالِثُهَا إِلَّا الصَّبِيَّ، وَرَابِعُهَا وَالفَاسِقٍ. وَضَرْبُ خَصْمٍ لَدَّ، وَعَزْلُهُ لِمَصْلَحَةٍ. وَلَمْ يَنْبَغِ إِنْ شُهِرَ عَدْلًا بِمُجَرَّدِ شكِيَّةٍ وَلْيُبَرَّأْ عَنْ غَيْرِ سُخْطٍ وَخَفِيفُ تَعْزِيرٍ بِمَسْجِدٍ، لَا حَدٌّ. وَجَلَسَ بِهِ بِغَيْرِ عِيدٍ، وَقُدُومِ حَاجٍّ، وَخُرُوجِهِ، وَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ، وَاتِّخَاذُ حَاجِبٍ وَبَوَّابٍ. (الشرح) قوله (وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍ أَوْ خَاصٍ بِنَاحِيَةٍ أَوْ نَوْعٍ) يعني، أنه يجوز أن ينصب في البلد الواحد قاضيان فأكثر، كل مستقل، أو مختص بناحية من البلد، أو بنوع من الأنواع. قوله (وَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ) أي أن الطالب إذا اختار التحاكم عند قاض أجيب إلى ذلك

стр. 2745

وإن خالفه المطلوب؛ لأن الحق له. المازري: وإن اتفق الخصمان (١) كل واحد (٢) منهما طالب ومطلوب، وطلب كل منهما التحاكم عند قاض غير الذي أراده الآخر، فإن (٣) لكل منهما أن يطلب صاحبه عند من شاء (٤)، وحكي عن بعضهم: أنه لا يراعى الطالب وإنما يراعى أقربهما مكانًا، فإن استوى المكانان، أو كان كل منهما طالبًا، فأشار المازري إلى أنه يرجح من جاء رسوله أولًا، فإن استووا أقرع بينهما إن اتفقا على القرعة، وإلا فلا بد من حاكم يقرع بينهما جبرًا (٥)، وإلى هذا أشار بقوله: (ثُمَّ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ (٦) وَإلَّا أُقْرِعَ) قوله: (كالإدعاء) أي كاختلافهما في موجب الإبتداء؛ وهو أن يقول كل واحد منهما للآخر: أنا هو المدعي، وأنت المدعي عليه؛ فإن تبدئة المدعي هو الواجب إن قامت له بينة، أو ما يصدقه وإلا أقرع بينهما (٧). قوله: (وَتَحْكِيمُ غَيْرِ خَصْمٍ، وَجَاهِلٍ، وكَافِرٍ، وَغَيْرِ مُمَيِّزٍ فِي مَالٍ وَجَرْحٍ) أي: وكذا يجوز تحكيم غير الخصم ومن معه؛ بأن يتفق الخصمان على من يحكم (٨) بينهما في واقعة، وليس مُولًّى (٩) من جهة الإمام ولا غيره، ونص عليه المازري فيه (١٠) وغيره (١١)، فلو حكَّم أحدهما خصمه لم يمض، وقيل: يمضي. وقيل: إن كان المُحَكم غير القاضي لم يمض وإلا مضى (١٢). وأشار اللخمي والمازري إلى بطلان حكم الجاهل بلا خلاف؛

стр. 2746

لأن ذلك غرر ومخاطرة (١). وكذلك لا يمضي حكم الكافر، وغير المميز باتفاق، حكاه ابن رشد (٢) في الكافر، والمجنون (٣)، والموسوس وهما المراد بغير المميز (٤)، وسيأتي الكلام على الصبي (٥)، والتحكيم إنما يجوز في المال والجرح. قوله (لَا حَدٍّ وَلِعَانٍ، وَقَتْلٍ، وَوَلَاءٍ وَنَسَبٍ، وَطَلَاقِ، وَعِتْقٍ) أي: فإن التحكيم في ذلك لا يجوز، وقد نص عليه الأشياخ (٦). قوله (وَمَضَي إِنْ حَكَمَ صَوابًا، وَأُدِّبَ) أي: فإن حكم فيما ذكرنا بأن (٧) قتل، أو حد أو اقتص (٨) ثم رفع إلى الإمام، فإنه يؤدبه، ويزجره عن العودة إلى مثل ذلك ويمضي من ذلك ما كان صوابًا، ونص عليه كله أصبغ (٩). قوله (وَفِي صَبِيٍّ، وَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ، وَفَاسِقٍ ثَالِثُهَا إِلَّا الصَّبِيَّ، وَرَابِعُها وَالفَاسِقٍ) أي (١٠): وفي صحة حكم صبي وعبد إلى آخره، وذكر في ذلك أربعة أقوال، وحكاها اللخمي، والمازري، الأول لأصبغ: الصحة، الثاني: لمطرف عدمها، الثالث لأشهب: يصح إلا في الصبي لأنه غير مكلف، ونسب لأصبغ مثله، وإلى هذه الأقوال أشار بقوله: (ثالثها إلا الصبي)، والرابع لعبد الملك يصح إلا في الصبي والفاسق (١١).

стр. 2747

قوله: (وَضَرْبُ خَصْمٍ لَدَّ) أي: وكذا يجوز له ضرب الخصم إذا لدَّ، أي امتنع من دفع ما عليه، وقاله في المدونة (١)، وكان سحنون يضربه، وربما سجنه، وقال ابن المواز: يعاقبه بالسوط والسجن (٢). قوله: (وَعَزْلُهُ لِمَصْلَحَةٍ) أي: وكذا يجوز عزل القاضي لمصلحة، مثل أن يري الخليفة، أو الأمير غيره أقوى (٣) منه، أو أصلح منه (٤)، أو أراد نقله إلى بلد آخر أو إلى (٥) خطة أخرى. قوله: (وَلَمْ يَنْبَغِ إِنْ شُهِرَ عَدْلًا بِمُجَرَّدْ شِكِيَّةٍ) أي: ولم ينبغ العزل للخليفة، أو الأمير بمجرد الشكية إن شهر القاضي بالعدالة، والرضا، وقال (٦) مطرف: وإن وجد منه بدلًا؛ لأن في ذلك فسادا للناس (٧) في قضاتهم (٨). قال: وإن لم يكن مشهورًا بالعدالة والرضا، فليعزله إن وجد منه بدلًا، وتضافرت (٩) الشكية عليه، فإن لم يجد منه بدلًا كشف عليه (١٠)، فإن كان على ما يجب إبقاؤه (١١) أبقاه، وإن كان على غير ذلك عزله. وقال أصبغ: يجوز عزله بمجرد الشكية، ولو كان مشهورًا بالعدالة (١٢). ومنهم من يجعل الخلاف إنما هو (١٣) فيمن لم تتحقق (١٤) عدالته، وإلا فلا خلاف في عدم عزله بمجرد الشكوى، والأول أصح.

стр. 2748

قوله (وَلْيُبَرَّأْ عَنْ غَيْرِ سُخْطٍ) أي: فإن عزله عن غير سخط، فليبرئه ويبين ذلك للناس، وإن كان (١) عزله عن سخط فليظهر أمره للناس وجرحته، لئلا يولى عليهم بعد ذلك. قوله: (وَخَفِيفُ تَعْزِيرٍ بِمَسْجِدٍ، لَا حَدٍّ) أي: وجاز خفيف تعزيز (٢) في مسجد، بخلاف الحد فإنه لا يقام فيه؛ لأن فيه امتهانًا (٣) للمسجد لأنه قد ينشأ عنه خروج دم، أو شيء ينجس المسجد، وأما التعزيز (٤) الخفيف فلا. قوله (وَجَلَسَ بِهِ) أي: وجلس القاضي للحكم في المسجد. اللخمي: اختلف في الموضع الذي يجلس فيه للقضاء على ثلاثة أقوال، ففي المدونة: القضاء في المسجد من الحق، والأمر القديم (٥). وفي الواضحة: كان من مضي من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد خارجًا إما عند (٦) موضع الجنائز، وإما عند رحبة دار مروان. قال (٧) مالك: وإني لأستحب ذلك في الأمصار من غير تضييق على الناس ليصل إليه اليهودي والنصراني، والحائض، والضعيف، وقال أشهب: لا بأس أن يقضي في منزله، وحيث أحب (٨). والأقرب في هذا الزمان الكراهة؛ لكثرة التساهل، ورفع الأصوات في المسجد. قوله (بِغَيْرِ عِيدٍ، وَقُدُومِ حَاجٍ، وَخُرُوِجهِ، وَمَطَرٍ وَنَحْوهِ) هذا متعلق بقوله: (وجلس به) يعني: أن القاضي إذا جلس للحكم بين الناس فليكن في غير هذه الأوقات؛ لأن جلوسه فيها مضر. قال محمد (٩) بن عبد الحكم: لا ينبغي له أن يجلس أيام النحر، ولا

стр. 2749

يوم الفطر، ولا ما قاربه مما يضر بالناس في حوائجهم مما لا بد لهم منه مثل يوم التروية، ويوم عرفة، وما أشبه ذلك مما جرى عليه أمر (١) الناس (٢)، وكذلك المطر، والوحل، واليوم الذي يخرج فيه عامة الناس إلى الحج؛ لكثرة من يخرج، وكذلك يوم يقدم الحاج من الحج (٣) إن كان الناس يجتمعون فيه من البلد، كما يجتمعون فيه بمصر. انظر الكبير (٤). قوله: (وَاتِّخَاذُ حَاجِبٍ، وَبَوَّابٍ) هو معطوف على الجائز، والمعني أنه يجوز له أن يتخذ على بابه (٥) حاجبًا، وبوابًا (٦)، نقله ابن شاس (٧) وغيره. (المتن) وَبُدِئَ بِمَحْبُوسٍ، ثُمَّ وَصِيٍّ، وَمَالِ طِفْلٍ، وَمُقَامٍ، ثُمَّ ضَالٍّ. وَنَادَى بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ يَتِيمٍ وَسَفِيهٍ، وَرَفْعِ أَمْرِهِمَا إِلَيْهِ، ثُمَّ فِي الْخُصُومِ. وَرَتَّبَ كَاتِبًا عَدْلًا شَرْطًا كَمُزَكٍّ، وَاخْتَارَهُمَا، وَالْمُتَرْجِمُ مُخْبِرٌ، كَالْمُحَلِّفِ، وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ، أَوْ شَاوَرَهُمْ. وَشُهُودًا، وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ، وَلَمْ يَشْتَرِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ كَسَلَفٍ وَقِرَاضٍ، وَإِبْضَاعٍ، وَحُضُورِ وَلِيمَةٍ، إِلَّا النِّكَاحَ. وَقَبُولُ هَدِيَّةٍ وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا، إِلَّا مِنْ قَرِيبٍ وَفِي هَدِيَّةِ مَنِ اعْتَادَهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ، وَكَرَاهَةِ حُكْمِهِ فِي مَشْيِهِ، أَوْ مُتّكِئًا، وَإِلْزَامِ يَهُودِيٍّ حُكْمًا بِسَبْتِهِ، وَتَحْدِيثِهِ بِمَجْلِسِهِ لِضَجَرٍ، وَدَوَامِ الرِّضَا فِي التَّحْكِيمِ لِلْحُكْمِ قَوْلَانِ. وَلَا يَحْكُمُ مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنِ الْفِكْرِ، وَمَضَى. (الشرح) قوله: (وَبُدِئَ (٨) بِمَحْبُوسٍ، ثُمَّ وَصِيٍّ، وَمَالِ طِفْلٍ، وَمُقَامٍ ثُمَّ ضَالٍ) يعني: أن القاضي ينبغي له أول ولايته (٩) أن يبدأ بالمحبوسين، فيطلق من يستحق الإطلاق دون

стр. 2750

غيره، ثم ينظر في الأوصياء، ومال الأطفال؛ إذ لا رافع لوقائعها إليه، ثم في المقامين (١) على الأيتام (٢)؛ لأن من يكون له عليهم مطالبة قد لا يعرب (٣) عن نفسه، ثم في اللقطة، والضوال، ثم بين الخصوم، وهكذا قال المازري عاطفًا على ذلك بحرف الترتيب، كما فعل (٤) الشيخ إلا في: (وَمَالِ طِفْلٍ، وَمُقَامٍ) فإنه هنا بالواو، وعند المازري بثم كما تقدم (٥). قوله: (وَنَادَى بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ يَتِيمٍ وَسَفِيهٍ، وَرَفْعِ أَمْرِهِمِا إِلَيْهِ) هذا كقول أصبغ: إن القاضي (٦) ينبغي له إذا قعد أن يأمر بالنداء في الناس أن كل يتيم لم يبلغ، ولا وصي له ولا وكيل (٧)، وكل سفيه مستوجب للولاية فقد منعت الناس متاجرته، و (٨) مداينته، ومن علم مكان واحد من هؤلاء فليرفعه إلينا؛ لنولي عليه فمن داينه بعد، أو باعه، أو ابتاع منه فهو مردود (٩). وقد تقدم معنى قوله: (ثم في الخصوم) ومعنى العطف بـ (الواو) وبـ (ثم) (١٠). ثم قال (وَرَتَّبَ كَاتِبًا عَدْلًا شرطًا (١١)) يريد: أنه يرتب له من يكتب عنه (١٢) من العدول؛ ليضبط ما يقع في مجلسه وما يحكم فيه (١٣) قال في المدونة: ولا يستكتب أهل الذمة في شيء من أمور الإسلام (١٤)، ولا يتخذ من المسلمين إلا العدول المرضيين، وقد قال مطرف وعبد الملك، وأصبغ: لا يكون كاتبه إلا من أهل

стр. 2751

العدالة والرضا (١). وقد أشار إلى هذا بقوله: (شَرْطًا) أي إن العدالة شرط في كاتب القاضي، وظاهر ما نقله المتيطي عن محمد: أنها مستحبة (٢). المازري: وينبغي أن ينظر القاضي فيما كتبه كاتبه (٣)، لاحتمال أن يزيد، وينقص غلطًا، أو سهوًا، أو تعمدًا للرشوة (٤)، وإن كان غير ثقة فلا بد من اطلاع القاضي فيما يكتبه (٥) ويجلس قريبًا منه، بحيث يشاهد ما يكتبه عنه (٦). قوله: (كَمُزَّكٍ) يحتمل أن يكون مراده أن كونه عدلًا شرط، أو أنه يكون عدلًا، والمراد بالمزكي، أن يكون عينًا للقاضي (٧)، قال أشهب: ينبغي له (٨) أن يتخذ رجلًا صالحًا مأمونًا منتبهًا، أو رجلين بهذه الصفة، يسألان له عن الشهود في السر، في مساكنهم، وأعمالهم (٩)، وليسأل ثلاثة، أو أربعة فأكثر، لا واحدًا أو اثنين (١٠). قوله: (وَاخْتَارَهُمَا) أي: الكاتب والمزكي، باعتبار كونهما أعدل الموجودين. قوله: (وَالْمُتَرْجِمْ مُخْبِرٌ، كَالمُحَلِّفِ) أي: فيقبل كل منهما على انفراده؛ لأنه من باب الخبر، لا الشهادة، وقيل: هو من باب الشهادة، فلا يقبل فيه الواحد. وقال سحنون: لا

стр. 2752

يقبل ترجمة النساء، ولا الرجل الواحد، ولا من لا تجوز شهادته (١). وقال ابن شاس يشترط فيه العدد (٢). وقال أبو إسحاق: إن ترجم عنه واحد أجزأ. وقال مالك يترجم له واحد مسلم ثقة، والاثنان أحب إلي، ولا يقبل كافرًا، ولا عبدًا، ولا مسخوطًا، ويقبل ترجمة المرأة إذا كانت عدلة (٣). وقيد في البيان: عدم ترجمة الكافر ومن معه بوجود العدول، وأما لو اضطر إليهم لعمل على قولهم (٤). قوله (وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ أَوْ شَاوَرَهُمْ) ظاهره أن إحضارهم من باب الوجوب، والذي نص عليه أشهب، ومحمد أنه مستحب، فقالا: ولا يجب أن يقضي إلا بمحضرهم ومشاورتهم. وقال مطرف وابن الماجشون: لا ينبغي له أن يحضر الفقهاء عنده، ولكن يستشيرهم إذا قام من مجلسه (٥) وقيده اللخمي: بما إذا لم يكن مقلدًا وأما المقلد فلا يسعه أن يقضي إلا بحضرتهم (٦). قوله (وَشُهُودًا) هو معطوف على قوله معمول (٧) (وأحضر العلماء) وإنما جرده عن الألف، واللام خشية أن يتوهم كونه معطوفًا على الضمير في شاورهم، والمعنى أنه لا يحكم إلا بمحضر الشهود؛ ليحفظوا إقرار الخصوم خشية الإنكار. قوله (وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ) هذا هو المشهور؛ لأن إفتاءه في مسائل الخصومات مما

стр. 2753

يعين الخصوم على الفجور، لأنهم إذا عرفوا مذهب القاضي تحيلوا في التوصل إلى مذهبه، أو إلى الانتقال عنه، ولا يمنع من الإفتاء في الصلاة، والطهارة، والحج، والصوم، ونحو ذلك من العبادات، ولا يجيب من يسأله في الخصومات إلا أن يكون من المتفقهين. وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يجيب ويفتي في كل ما يسأل عنه مما عنده فيه علم (١). قوله: (وَلَمْ يَشْتَرِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ) أي: وليس له أن يشتري في مجلس قضائه لما فيه من شغل باله (٢) -وأيضًا- فإن البائع ربما هضم له (٣) من ثمن سلعته شيئًا حياءً من القاضي، ومن جلسائه وقد حكى الأشياخ عدم الجواز عن أصحاب مالك. وفهم من قوله: (بمَجْلِسِ قَضَائِهِ) أن له ذلك في غيره (٤)، وقد نقل المازري ذلك عن أصحاب مالك (٥)، وفي كلام ابن شاس: أنه لا يجوز مطلقا. ونحوه لابن عبد الحكم (٦). قوله (كَسَلَفٍ، وَقِرَاضٍ، وَإِبْضَاعٍ) أي: وكذلك ليس للقاضي أن يتسلف من أحد، أو يسلفه، أو يقارض، أو يبضع مع أحد بضاعة خوف المحاباة فيما يقع بينه وبينه من ذلك، أو يستحيي منه فيما لا محاباة فيه كالعارية ونحوها، وفي النوادر عن ابن عبد الحكم: لا بأس أن يتسلف من إخوانه، وأن يستعين بهم في حوائجه (٧). قوله: (وَحُضُورِ وَلِيَمَةٍ، إِلَّا النِّكَاحْ) أي: ولا يحضر من الولائم إلا وليمة النكاح خاصة، ثم إن شاء أكل، أو ترك من غير كراهة. ابن شاس: وإن كانت الوليمة لغير النكاح، فأجيز له الحضور، وكره إلا ما كان من جهة ولده، أو والده ونحو ذلك (٨).

стр. 2754

وفي النوادر عن أشهب: لا بأس أن يجيب الدعوة العامة وليمة، أو صنيعًا لفرح (١)، فأما أن يدعى مع عامة لغير فرح، فلا يجيب، وكأنه دعي خاصةً؛ إذ لعله إنما (٢) صنع ذلك لأجل القاضي (٣). قوله (وَقَبُولُ هَدِيَّةٍ، وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا) أي: وكذلك ليس له قبول هدية ولو كافأ عليها أضعافها. وحمل الأشياخ قول ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهة قبول الهدية، وهو مذهب مالك، وأهل السنة على المنع، وسواء كان المهدي ممن له عند القاضي خصومة أم لا (٤)، وقاله مطرف وابن الماجشون (٥). وقال ابن عبد الحكم: له أن يقبل ممن لا خصومة له عنده. وقال أشهب: لا (٦) يقبلها من غير من يخاصم (٧) عنده إلا أن يكافئه عليها (٨). قوله (إِلَّا مِنْ قَرِيبٍ) أي: كولده، ووالده، وأخيه، وابن أخيه، وعمه، وابن عمه، وخاله وخالته وعمته، وأخته وجدته (٩) وبنيهنَّ (١٠)، وكل من لا يدخل عليه به مظنة لشدة (١١) الخلة، والميل (١٢) بينهما، وكذلك ذكر محمد بن سحنون (١٣) عن أبيه، ونحوه في الموازية (١٤).

стр. 2755

قوله (وَفِي هَدِّيةِ مِنْ اعْتَادَهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ، وَكَرَاهَةِ حُكْمِهِ فِي مَشْيِهِ أَوْ مُتَّكِئًا، وَإِلْزَامُ يَهُودِيِّ حُكْمًا بِسَبْتِهِ، وَتَحْدِيثِهِ بِمَجْلِسِهِ لِضَجرٍ، وَدَوَامِ الرِّضَا فِي التَّحْكيمِ لِلْحُكْمِ قَوْلَانِ) يريد: أن في كل فرع من هذه الفروع الستة قولين، الأول: في جواز قبول القاضي الهدية ممن كانت عادته ذلك قبل الولاية، وعدم جوازه (١) والجواز لابن عبد الحكم. وقال مطرف وعبد الملك (٢): لا ينبغي له ذلك وهو محتمل للمنع والكراهة (٣). الثاني: في كراهة حكمه في مشيه، وجوازه قولان (٤)، والأول: لسحنون ومطرف وابن الماجشون وهو أحد القولين عن أشهب وله -أيضًا- قول بالجواز (٥). الثالث: اختلف هل له أن يحكم وهو متكئ؟ أم لا؟ والأول لأشهب وسحنون، وقاله في الموازية (٦)، وقال اللخمي: لا يفعل؛ لأن فيه استخفافًا بجلسائه (٧). الرابع: هل للمسلم مخاصمة اليهودي في يوم سبته؟ أو لا يمكن من ذلك؟ نقله المازري (٨). الخامس: هل يجوز له أن يتحدث في مجلس قضائه لضجرٍ نزل به؟ أم لا؟ والأول لأشهب؟ وابن عبد الحكم (٩)، ومنعه مطرف وابن الماجشون، ابن حبيب (١٠)، وهو ظاهر (١١) قوله في المدونة: وإذا دخله همٌّ، أو ضجر فليقم (١٢). وقال اللخمي: الأول أحسن، وهو أحب إلينا من قيامه (١٣). السادس: اختلف هل يشترط في

стр. 2756

لزوم الحكم للخصمين في التحكيم دوام الرضا إلى حين نفوذ الحكم؟ أم لا؟ فذهب سحنون إلى أن كل واحد منهما له أن يرجع قبل النفوذ. وقال ابن الماجشون: ليس لهما رجوع، وإن لم يحكم. وقال أصبغ: يشترط دوام الرضا إلى أن ينشبا في (١) الخصومة، فإذا شرع ونشبا (٢) فليس (٣) لهما ذلك (٤). قوله: (وَلَا يَحْكُمْ مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنِ الْفِكْرِ) أي: كالغضب، والجوع، (٥)، وكل ما يشوش على الخاطر ويشغل الفكر (٦)، وقد قال ﵇: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان"، وقد تقدم قوله في المدونة: وإذا دخله همٌّ، أو ضَجَرٌ فليقم (٧). قوله: (وَمَضَي) أي: فإن حكم مع ما يدهش عن الفكر مضى حكمه، وفرق ابن حبيب بين القليل، والكثير (٨). (المتن) وعزر شَاهِدَا بزُورٍ فِي الْمَلإِ بِنِدَاءٍ، وَلَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، أَوْ لِحْيَتَهُ، أَوْ يُسَخِّمُهُ، ثُمَّ فِي قَبُولِهِ تَرَدُّدٌ. وَإِنْ أَدَّبَ التَّائِبَ فَأَهْلٌ. وَمَنْ أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ، أَوْ مُفْتٍ أَوْ شَاهِدٍ، لَا بِشَهِدْتَ بِبَاطِلٍ، كَلِخَصْمِهِ كَذَبْتَ، وَلِيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَإِنْ مُسْلِمًا وَكَافِرًا وذميًّا. وَقُدِّمَ الْمُسَافِرُ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ، ثُمَّ السَّابِقُ، قَالَ: وَإِنْ بِحَقَّيْنِ بِلَا طُولٍ، ثُمَّ أُقْرِعَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْرِدَ وَقْتًا أَوْ يَوْمًا لِلنِّسَاءِ، كَالْمُفْتِي، وَالْمُدَرِّسِ. وَأُمِرَ مُدَّعٍ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ بِالْكَلَامِ؛ وَإِلَّا فَالْجَالِبُ، وَإِلَّا أُقْرِعَ فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ، قَالَ: وَكَذَا وله شَيْءٌ، وَإِلَّا لَمْ يُسْمَعْ، كَأَظُنُّ. (الشرح)

стр. 2757

قوله: (وَعَزَّرَ شَاهِدا بِزُورِ فِي الْمَلأِ بِنِدِاءٍ، وَلَا يَحْلِقْ رَأْسَهُ، أَوْ لِحْيَتَهُ، أَوْ يُسَخِّمَهُ) يريد: أنه إذا ثبت عنده أن أحدًا من الشهود شهد بالزور فإنه يعزره على رؤوس الأشهاد بنداءٍ. قال (١) ابن عبد الحكم (٢): أرى أن يطاف به، ويشهر في المسجد وفي الحلق؛ وحيث ما يعرف به جماعات الناس، ويضرب ضربًا موجعًا، ولا يحلق رأسه ولا لحيته (٣). مالك ويطاف به (٤) في الأسواق والجماعات ويسجن، ولا أرى الحلق والتسخيم (٥). ورأى ابن العربي أن يسود وجهه (٦). قوله: (ثُمَّ فِي قَبُولِهِ تَرَدُّدٌ) أي: ثم في قبول شهادة الشاهد الذي عزره القاضي بعد ذلك تردد وظاهره سواء كان ظاهر العدالة، أم لا، وفي ذلك طريقان، الأولى (٧): أن من كان ظاهر العدالة حين شهد بالزور فيقبل (٨) اتفاقًا وإلا فقولان: القبول، وهو قول ابن القاسم. أبو محمد (٩): أظنه لمالك. وعدمه، وهو ظاهر المدونة (١٠)، ونقله في النوادر عن ابن القاسم (١١)، وعكس ابن رشد فقال: إن كان ظاهر العدالة، فقولان وإلا لم يقبل اتفاقًا (١٢). قوله: (وَإِنْ أَدَّبَ التَّائِبَ فَأَهْلٌ) أي: اختلف إذا جاء شاهد الزور تائبًا معتذرًا، هل يؤدب أم لا؟ فقال اللخمي عن ابن القاسم: لو أدب لكان أهلًا لذلك (١٣). وقال

стр. 2758

سحنون: لا يعاقب (١). وإلى الأول أشار بما ذكر هنا. قوله: (وَمَنْ أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ) هو معطوف على قوله: (وعزر شاهدًا بزور) والمعنى: أن القاضي يعزر أحد الخصمين إذا أساء على الآخر الأدب، ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون: وإذا قال أحدهما لخصمه يا فاجر، يا ظالم زجره القاضي وضربه على مثل هذا، إلا أن تكون فلتة (٢) من ذي مروءة فليتجاف عن ضربه (٣). قوله: (أَوْ مُفْتٍ، أَوْ شَاهِدٍ) أي: وكذا يعزر من أساء على مفتي أو شاهد يريد كقوله لهما: تفتون أو تشهدون علي، لا أدري من أكلم، يريد بذلك التوبيخ. وقاله ابن كنانة، وابن غالب (٤). وقال سحنون: إذا تناول الخصم الشاهد بما لا يصلح، كقوله شهدت علي بزور أو بما يسألك الله عنه، أوْ ما أنت من أهل العدل، ولا من أهل الدين فلا يمكن من أهل الفضل، والقدر، والعدل، ويؤدب بالإجتهاد على قدر القائل والمقول له. وعن ابن كنانة: إذا قال الخصم للشاهد: شهدت على بالزور (٥)، فإن عني إنما شهدت به على باطل، فلا يعاقب، وإن كان إنما قصده أذاه الشهرة به، نكله الإمام (٦) بقدر حال الشاهد، والمشهود عليه (٧)، وإلى هذا أشار بقوله: (لَا بِشَهِدْتَ بِبَاطِلٍ) أي: فإنه لا يؤدب، وانظر ما قال سحنون، هل يخالف قول ابن كنانة هذا. أو يحمل قول سحنون على أنه أراد بذلك أذى الشاهد، وشهرته، وأما إن قصد أنه شهد عليه بباطل فلا، ويتفق القولان (٨). قوله: (كَلِخَصْمِهِ كَذَبْتَ) أي فإنه لا أدب عليه في ذلك. ابن عبد السلام: ولا يعد الفقهاء تكذيب أحد الخصمين فيما ادعى عليه، وشبه ذلك من السباب، ولو كان

стр. 2759

بصيغة كذبت وشبهها من التصريح (١). قوله: (وَلْيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَإِنْ مُسْلِمًا وَكَافِرًا وذميًّا) أي: وإن مسلمًا وكافرًا، والمراد المساواة في الجلوس والقيام، والنظر لهما والكلام معهما (٢)، ورفع الصوت عليهما. أشهب وسحنون: ولا ينظر إلى أحدهما بوجه أطلق مما يلقى به الآخر (٣). ولمالك قول آخر برفع المسلم على الكافر. والأول ظاهر المذهب (٤). قوله: (وَقَدَّمَ الْمُسَافِرُ، وَمَا يَخْشَى فَوَاتُهُ) يريد: إذا تزاحم المدّعون في التقدم قدم المسافر؛ لضرره (٥) بفوات الرفقة، وكذلك ما يخشى عليه الفساد والتغيير لو قدم غيره (٦) عليه، وقيد المازري ذلك بما إذا لم يكثروا جدًّا؛ قال: وأما إن كثروا كثرة يحصل للمقيمين بسببهم الضرر فيصار إلى القرعة (٧). قوله: (ثُمَّ السَّابِقُ، قَالَ: وَإِنْ بِحَقَّيْنِ بِلَا طُولٍ، ثُم أُقْرِعَ) أي: ثم يلي المسافرين، وما يخشى فواته السابق، لتقدم حقه على غيره، قيل: وينبغي أن يوكل من يعرف له الأول فالأول. بعض الشافعية: وإنما يبدأ (٨) بالأول (٩) في حق واحد. واختار المازري تقديمه ولو في حقين إذا كان لا يطول ولا يضر بالجماعة، وإليه أشار بقوله قال يعني المازري (١٠) وإن بحقين بلا طول (١١).

стр. 2760

وقوله (ثُمَّ أُقْرِعَ) أي: فإن (١) لم يعرف الأول أقرع بين المدعين. قوله: (وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْرِدَ وَقْتًا، أَوْ يَوْمًا لِلنِّسَاءِ) أي: وينبغي للحاكم أن يفرد للنساء وقتًا مخصوصًا بهن، أو يومًا؛ لأن ذلك أستر لهن. قوله (٢) (كَالْمُفْتِي، والْمُدَرِّسِ) أي في تقديم السابق، فإن لم يعرف فالقرعة بينهم (٣). قوله: (وَأَمَرَ مُدَّعٍ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ بِالْكَلَامِ) أي: فإذا وقف الخصمان بين يديه، وعرف المدعي وهو من تجرد قوله عن مصدق، أمره بالكلام أولًا، ويأمر الآخر بالسكوت حتى ينتهي المدعي، ثم يأمره بالسكوت، ويستنطق المدعى عليه، (٤). قوله: (وَإِلَّا فَالْجَالِبْ) أي: فإن لم يتبين له المدعي من غيره، ولم يتفقا على المدعي منهما فالجالب منهما (٥) يقدم؛ لأن (٦) قرينة الحال تدل على صدقه. قوله (وَإِلَّا أُقْرِعَ) أي: فإن لم يعلم الجالب من غيره، ولم يصطلحا على تقديم أحدهما أقرع بينهما، وقاله ابن شعبان (٧). وقال ابن عبد الحكم: إذا لم يعرف الجالب، بدأ بأيهما شاء (٨). وفي الجواهر: إذا لم يعرف المدعي من غيره أمرهما (٩) بالانصراف فمن أبى إلا المحاكمة فهو المدعي (١٠)، وقاله أصبغ (١١). قوله (فَيَدَّعِي بِمَعْلُوَمٍ مُحَقَّقٍ، قَالَ: وَكَذَا وله شَيْءٌ، وَإِلَّا لَمْ يُسْمَعْ كَأَظُنُّ) احترز

стр. 2761

بالمعلوم من المجهول وبالمحقق من المظنون كأظن، وأنا ظان، وفي ظني ونحوه، فإن ذلك لا يسمع كما قال وأحرى إذا شك. المازري: وعندي أنه لو قال: لي عليه شيء وصورنا أن الطالب أيقن بعمارة ذمة المطلوب بشيء وجهل مبلغه، وأراد أن يجاوبه المطلوب عن ذلك؛ إما بإقرار بما ادعى به عليه من التفصيل، وذكر المبلغ، وإما بالإنكار له (١) من أصله ألزم الجواب (٢). وإليه أشار بقوله: قَالَ (٣) (وَكَذَا وله شَيْء) (٤). (المتن) وَكَفَاهُ بِعْتُ، وَتَزَوَّجْتُ، وَحُمِلَ عَلَى الصَّحِيحِ؛ وَإِلَّا فَلْيَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنِ السَّبَبِ، ثُمَّ مُدَّعَى عَلَيْهِ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِمَعْهُودٍ، أَوْ أَصْلٍ بِجَوَابِهِ؛ إِنْ خَالَطَهُ بِدَيْنٍ، أَوْ تَكَرُّرِ بَيْعٍ، وَإِنْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ؛ لَا بِبَيّنَةٍ جُرِّحَتْ إِلَّا الصَّانِعَ، وَالْمُتَّهَمَ، والضَّيْفَ وَفِي مُعَيَّنٍ، وَالْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا، وَالْمُسَافِرَ عَلَى رُفْقَتِهِ، وَدَعْوَى مِرِيضٍ أَوْ بَائِعٍ عَلَى حَاضِرِ الْمُزَايَدَةِ، فَإِنْ أَقَرَّ فَلَهُ الإِشْهَادُ عَلَيهِ، وَلِلْحَاكِمِ تَنْبِيهُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ قَالَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ فَلا بَيِّنَةَ، إِلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ، أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا، أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الأَوَّلُ، وَلَهُ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ أَوَّلًا، قَالَ وَكَذَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ، وَأَعْذَرَ إِلَيْهِ بِأَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ؟ (الشرح) قوله (وَكَفَاهُ بِعْتُ، وَتَزَوَّجْتُ، وَحُمِلَ عَلَى الصَّحِيحِ) أي: وكفى المدعي أن يقول: بعت، واشتريت، وتزوجت من غير احتياج إلى بيان شروط الصحة ولا يُسأل عن ذلك، ويحمل على الصحة؛ لأنها الأصل في بياعات المسلمين وأنكحتهم (٥). قوله: (وَإِلَّا فَلْيَسْأَلْهُ الحْاكِمُ عَنْ السَّبَبِ) الذي نص عليه الأشياخ أن الذي يُسأل

стр. 2762

عن السبب هو المدعى عليه؛ بقوله (١) (وإلا) يحتمل أنه يريد وإن لم ينتبه المدعى عليه لذلك فإن الحاكم يقوم مقامه في ذلك فيسأله من أي وجه يستحقه عليه، فإن بين وجهه أوقف (٢) المطلوب عليه، ولزمه الإقرار أو الإنكار. قوله: (ثُمَّ مُدَّعى عَلَيْهِ تَرَجَّحَ قوله بِمَعْهُودٍ، أَوْ أَصْلٍ بِجَوَابِهِ) أي: فإذا فرغ المدعي من كلامه، وما يطلب منه، أمر الحاكم (٣) المدعى عليه، وهو الذي ترجح قوله بأمر معهود، أو أصل بالجواب عن ما ذكره المدعي. المازري: وظاهر الروايات أن القاضي هو الذي يسأل المدعى عليه، وإن لم يأمره المدعي بالسؤال (٤). قوله (إِنْ خَالَطَهُ بِدَيْنٍ، أَوْ تَكَرُّرِ بَيْعٍ) ظاهره أن أمر (٥) المدعى عليه بالجواب مشروط بأن يثبت المدعي الخلطة بينه، وبين المدعى عليه، والذي يذكره الأشياخ أن الخلطة شرط في توجيه اليمين عليه. والأمر في ذلك قريب (٦)، ثم نبه على أن الخلطة (٧) تارة تكون بدين، وهو المراد بكلامه هنا، وتارة تكون على الصناع والمنتصبين للتجارة في الأسواق والودائع ونحو ذلك (٨)، قال ابن القاسم: والخلطة أن يبايع إنسان إنسانًا بالدين مرة، أو يتسلف منه ولو مرة، أو يبايعه بالنقد مرارًا. وقاله أصبغ، وقال سحنون: لا تكون الخلطة إلا بالبيع والشراء. ابن نافع: لا خلطة أصلا، وبه العمل (٩). قوله: (وَإِنْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ، لَا بِبَيَّنَةٍ جُرِّحَتْ) يريد: أن الخلطة تثبت بشهادة امرأة واحدة، وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى (١٠)، وقاله ابن كنانة، والشاهد الواحد

стр. 2763

من باب الأولى. وقال محمد: لا تثبت إلا بشاهد ويمين (١). المازري: والمشهور أن البينة المجرحة كالعدم (٢)، فإذا أقام المدعي بينة فردها المدعى عليه لعداوة أو جرحة لا يتوجه عليه اليمين (٣). قوله: (إِلَّا الصَّانِعَ، والْمُتَّهَمَ، وَالضَّيْفَ وَفِي مُعَيَّنٍ، والْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا، والْمُسَافِرْ عَلَى رِفْقَتِهِ، وَدَعْويَ مَرِيضٍ أَوْ بَائِعٍ عَلَى حَاضِرِ الْمُزَايَدَةِ) يريد: أن الدعوى على الصانع ومن معه لا تحتاج إلى خلطة، أما الصناع؛ فلأنهم نصبوا أنفسهم للناس فلا تحتاج الدعوى عليهم إلى إثبات خلطة، نص عليه يحيى بن عمر (٤). وأما الدعوى على المتهم بالسرقة، فنص أصبغ على أن الدعوى عليه لا تحتاج إلى إثبات خلطة (٥)، وكذلك قال بعض الأشياخ في الدعوى على الضيف، وكذا نص على ذلك ابن شاس في (٦) الدعوى في سلعة معينة (٧)، وقاله غير واحد من القرويين، وقال بعض الأشياخ: لابد في ذلك من الخلطة. وقال ابن يونس عن بعض مشايخه: لا بد في المعين من الخلطة إلا في مثل أن يعرض سلعته في السوق، وسيأتي. وأما دعوى الودائع على من يستودع مثله، وهو مراده (بأَهْلِهَا) فقيده أصبغ وغيره بكون المودع غريبًا، وقيده اللخمي بثلاثة قيود: الأول: أن يكون المدعي (٨) يملك مثل ذلك. والثاني: أن يكون هناك ما يوجب الإيداع، وأن يكون المودع ممن يودع مثل ذلك (٩)، وأما دعوى المسافر على بعض رفقته أنه دفع له مالًا ونحوه فلا يحتاج فيه إلى إثبات (١٠) خلطة؛ لأنه قد يعرض له ما يحوجه إلى الإيداع من خوف أو غيره.

стр. 2764

ونص عليه أصبغ (١)، وأما دعوى المريض أن له عند غيره كذا وكذا (٢) فقد نص عليه أصبغ (٣) أيضًا، وأما الدعوى (٤) على حاضر المزايدة فقال ابن يونس عن بعض الأشياخ: إن الرجل إذا عرض سلعته في السوق للبيع فأتى رجل فقال له: قد بعتها مني. أنه يجب له عليه اليمين بغير خلطة؛ لأنه عرضها لما ادعي عليه فيه (٥). قوله: (فَإِنْ أَقَرَّ فَلَهُ الإِشْهَادُ عَلَيْهِ، وَلِلْحَاكِمِ تَنْبِيهُهُ عَلَيْهِ) أي: فإن أقر المدعى عليه فللمدعي الإشهاد عليه؛ لئلا ينكر، وللحاكم أن ينبه المدعي على الإشهاد، وليس من تلقين الحجة لأحد الخصمين؛ لأن الإشهاد مع ما فيه من تحصين الحق فيه قطع النزاع، وتقليل الخصام، وهو من شأن الحكام (٦). قوله: (وَإِنْ أَنْكَرَ قَالَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَخْلَفَهُ فَلَا بَيِّنَةَ إِلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ، أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا، أَوْ مَعَ يَمِين لَمْ يَرَهُ الأَوَّلُ) أي: وإن أَنكر المدعى عليه، قال الحاكم للمدعي: ألك بينة، فإن قال: نعم، أمره بإحضارها، وسمعها وأعذر فيها لخصمه، فإن لم يأت بدافع حكم عليه، وإن ادعى مدفعًا أجله في إثباته، فإن لم يأت به قضي عليه، وترك هذا لوضوحه، وإن قال المدعي: لا بينة لي. وهو المراد بقوله: (فإن نفاها) فإن الحاكم يقول له (٧): ليس لك عليه إلا اليمين، فإن استحلفه فلا بينة له عليه (٨) بعد ذلك، إن أتى بها، إلا أن يكون له عذر في عدم القيام بها من نسيان، أو عدم تقدم علم، أو ظن أنها ماتت (٩) أو نحو ذلك، أو يكون أتى بشاهد عند من لا يقضي بشاهد ويمين فحكم عليه، ثم وجد شاهدًا ثانيًا وقال لم أعلم به فليقضِ بهذا الآخر (١٠)، ولا بد من

стр. 2765

يمينه مع (١) نسيان البينة، ونحوها (٢) قاله ابن الماجشون (٣). وقال (٤) فيما إذا أتى بشاهد عند من لا يقضي بشاهد ويمين فحكم عليه، ثم وجد شاهدًا (٥) ثانيًا: إنما يكون له القيام بها (٦) عند هذا (٧) القاضي دون غيره، وهو قول محمد. وقيل: لا يقبلها (٨) مطلقًا لا عنده، ولا عند غيره (٩) وما ذكر من أن بينته لا تسمع إذا لم يكن له عذر في القيام بها، هو الأشهر (١٠). وروى ابن نافع عن مالك، وبه قال أشهب: أنها تسمع وله القيام بها (١١). قوله: (وَلَهُ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَلَّفْهُ أَوَّلًا قَالَ: وَكَذَا أَنَّهُ غير عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ) أي: وللمدعي عليه تحليف المدعي أنه لم يحلفه أولًا على ذلك، وأنه لا يعلم بفسق شهوده (١٢) ونبه بهذا على ما ذكره المازري من أنه اختلف، إذا قال له: احلف أنك (١٣) لم تستحلفني على هذه الدعوى فيما مضي (١٤).

стр. 2766

قال: والذي مضي به القضاء (١) والفتيا عندنا لزوم اليمين للمدعي أنه ما استحلفه قبل ذلك أو يرد عليه (٢) اليمين أنه قد استحلفه على هذه الدعوى ثم لا يحلف له مرة أخرى (٣)، وكذا إذا أقام (٤) عليه (٥) عدولًا يشهدون بما ادعاه هل له تحليفه أنه لا يعلم فسقهم؟ أم لا (٦)؟ ثم استظهر الوجوب وإليه أشار بقوله: (قال)؛ أي: المازري (٧). قوله: (وَأَعْذَرَ بِأَبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةٌ) يريد: أن القاضي لا يحكم على المدعى عليه حتى يعذر إليه بقوله أبقيت لك حجة، فإن قال: نعم، أنظره باجتهاده ثم يحكم عليه كقوله (٨): لا حجة لي. وسيذكره بعد هذا. (المتن) وَنُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ إِلَّا الشَّاهِد بِمَا فِي الْمَجْلِسِ، وَمُوَجّهَهُ، وَمُزَكِّيَ السِّرِّ، وَالْمُبَرِّزِ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ، وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ، وَأَنْظَرَ لَهَا بِاجْتِهَادِهِ، ثُمَّ حَكَمَ كَنَفْيِهَا، وَلْيُجِبْ عَنِ الْمُجَرِّحِ، وَيُعَجِّزُهُ، إِلَّا فِي دَمٍ، وَحُبُسٍ، وَعِتْقٍ، وَنَسَبٍ، وَطَلَاقٍ، وَكَتَبَهُ. وَإِنْ لَمْ يُجِبْ حُبِسَ، وَأُدِّبَ ثُمَّ حَكَمَ بِلَا يَمِينٍ. وَلِمُدَّعَى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنِ السَّبَبِ، وَقُبِلَ نِسْيَانُهُ بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ أَنْكَرَ مَطْلُوبٌ الْمُعَامَلَةَ فَالْبَيِّنَةُ؛ ثُمَّ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ لَا حَقَّ لَكَ عَلَيَّ؛ وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِعَدْلَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا. وَلَا تُرَدُّ، كَنِكَاحٍ. (الشرح) قوله: (وَنُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ) أي: اثنين فصاعدًا (٩) يرسلهما القاضي في ذلك

стр. 2767

ونحوه (١). قوله: (إِلَّا الشَّاهِدُ بِمَا فِي الْمَجْلِسِ، وَمُوَجَّهَهُ، وَمُزَّكِّي السِّرِّ، والْمُبَرِّزِ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ، وَمَنْ يُخْشَي مِنْهُ) يريد: أن الحاكم يعذر إلى الحكم إلى من شهد عليه (٢) إلا في خمس مسائل (٣): الشاهد على المقر في مجلس القاضي بمحضره (٤)، فإنه لا يعذر إليه فيه؛ لأنه قد سمع إقراره معه، وهذا مذهب الأكثر به (٥) مضي العمل. وقال ابن الفخار يعذر إليه فيه (٦): ومن وجهه الحاكم من قبل نفسه؛ لأنه لا يوجه إلا من يعلم دينه وأمانته. الثالثة (٧): المزكي في السر. والمبرز في العدالة (٨) المبرز (٩)، لكن يعذر إليه فيه (١٠) بالعداوة (١١)؛ لأن العمل مضي على ذلك (١٢). وذكر هذه الأربعة (١٣) صاحب التحرير، وزاد خامسة: وهي من قبل القاضي شهادته بالتوسم (١٤). وكأن الشيخ إنما لم يذكر هذا؛ لأنه شبيه بمن وجهه من قبل نفسه (١٥).

стр. 2768

وأشار بقوله: (وَمَنْ يُخْشَي مَنْهُ) إلى ما نقل عن القاضي ابن بشير (١) أنه حكم على وزير غائب (٢) فقال له أخبرني بمن شهد علي، فقال له ابن بشير: مثلك لا يخبر بمن شهد عليه (٣). وحكى المتيطي، وغيره في هذا قولين (٤). قوله (٥): (وَأَنْظَرَ لَهَا بِاجْتِهَادِهِ، ثُمَّ حَكَمَ كَنَفْيهَا) (٦) إذ قال (٧): لا حجة لي، وقد مر بيانه. قوله: (وَليُجِبْ عَنْ الْمُجَرِّحِ) يريد: أن الطالب إذا سأل القاضي عمن جرح بينته (٨)، فعليه أن يخبره به؛ لأنه قد تكون بينه وبين الطالب عداوة، أو بينه وبين المطلوب قرابة، وحكى المتيطي (٩) وغيره قولين فيما إذا كان الطالب مما يتقى شره، هل يخبر بالمجرح؟ أم لا؟ وقد تقدم، ما للقاضي ابن بشير (١٠). قوله: (وَيُعَجِّزُه، إلَّا في دَمٍ، وَحُبُسٍ وَعِتْقٍ، وَنَسَبٍ، وَطَلَاقٍ) قال غير واحد من (١١) الشيوخ: يصح (١٢) التعجيز إلا في خمس مسائل، وهي المذكورة هنا، وبه قال ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وقد اختلف فيه (١٣). واختلف أيضًا الموثقون في حد أجل (١٤) الإعذار، ففي وثائق ابن القاسم: أن الأصول يتلوم فيها الشهرين والثلاثة ثم

стр. 2769

يعجزه، وفي غيرها ثمانية أيام، ثم ستة أيام (١) ثم أربعة ثم ثلاثة وذلك سبعة وعشرون يومًا وفي إثبات الديون ثلاثة أيام، وفي البينات وحل العقود ثلاثون يومًا، وللقاضي جمعها، وتفريقها، وبه جرى العمل. وفي الوثائق المجموعة، في الأصول ثمانية ثم ستة، ثم أربعة، ثم ثلاثة وذلك واحد (٢) وعشرون يومًا، (٣)، والآجال في الأصول أوسع من الديون والحقوق، وهي تختلف باختلاف أحوال المضروب لهم (٤). وفي مفيد الحكام: أن ذلك موكول إلى اجتهاد الحاكم خمسة عشر يومًا، ثم ثمانية، ثم ثلاثة تلومًا، هذا في الأموال، وفي غيرها ثمانية، ثم ستة، ثم أربعة، ثم ثلاثة (٥). قوله: (وَكَتَبَهُ) هو إشارة إلى ما قاله ابن رشد (٦): ينبغي للقاضي إذا كان للخصم بينة بعيدة، أن يكتب في قضيته أنه ذكر أن له بينة بعيدة، ومتى حضر شهوده (٧) كان على حجته. وقاله بعض القرويين. قوله: (وإنْ لَمْ يُجِبْ حُبِسَ، وأُدِّبَ، ثُمَ حُكِمَ بِلَا يَمِينٍ) أي: فإن لم يجب المدعى عليه بإقرار، ولا بإنكار؛ بل سكت عندما (٨) ادعى عليه المدعي، فإنه يؤمر بالجواب، فإن امتنع حبس حتى يقر أو ينكر، ورواه أشهب (٩)، واستصوبه محمد بن رشد (١٠): وبه جرى العمل، ويؤدب (١١). ابن سهل: وأفتى فقهاء قرطبة في مثل هذا بالضرب حتى

стр. 2770

يقر أو ينكر، فإن تمادى على إنكاره حكم عليه بغير يمين (١). قوله: (ولِمُدَّعَى عَلَيهِ السُّؤَالُ عَنِ السَّبَبِ) يريد: أن المدعي إذا قال: لي عند هذا عشرة دنانير مثلًا، فإن للمدعي عليه أن يقول له: بين لي من أي وجه ترتب لك عليَّ؛ من سلف، أو بيع، أو نحوه (٢)، وهو المراد بالسؤال عن السبب، ولا بد أن يبين ذلك لخصمه، نص عليه أشهب. وفي المجموعة: فإن بين ذلك طلب الآخر بالجواب، وإن أبى وقال: لا أعلم السبب، ولا أخبر به لم يطالب خصمه بالجواب (٣)، يريد؛ لأنه لو ذكر السبب، لأمكن أن يكون فاسدًا، لا يترتب بسببه غرامة البتة (٤)، أو غرامة ما دون العشرة مثلًا (٥)، أو يكون عند المدعى عليه ما يدفع به (٦) دعواه. قوله: (وَقُبِلَ نِسْيَانُهُ بِلَا يَمينٍ) أي: فإن قال المدَّعَي: نسيت سبب الحق الذي أدعي (٧) به، قبل قوله بلا يمين، وقاله أشهب (٨)، واستظهر المتأخرون اليمين. الباجي: وإِن أنكر المطلوب المعاملة كلف الطالب البينة (٩). وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ أَنكَر مَطْلوبٌ المُعَامَلَة فالبَيِّنةُ) أي: على الطالب. قوله: (ثُمَّ لا تُقْبَل بَيِّنَةٌ بالقَضَاءِ) أي: فإن أثبت المدعي المعاملة بعد أن أنكرها المطلوب، ثم أقام المطلوب بينته (١٠) أنه قضى ذلك (١١) الدين (١٢)
следующие страницы →