← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

قال: والذي مضي به القضاء (١) والفتيا عندنا لزوم اليمين للمدعي أنه ما استحلفه قبل ذلك أو يرد عليه (٢) اليمين أنه قد استحلفه على هذه الدعوى ثم لا يحلف له مرة أخرى (٣)، وكذا إذا أقام (٤) عليه (٥) عدولًا يشهدون بما ادعاه هل له تحليفه أنه لا يعلم فسقهم؟ أم لا (٦)؟ ثم استظهر الوجوب وإليه أشار بقوله: (قال)؛ أي: المازري (٧). قوله: (وَأَعْذَرَ بِأَبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةٌ) يريد: أن القاضي لا يحكم على المدعى عليه حتى يعذر إليه بقوله أبقيت لك حجة، فإن قال: نعم، أنظره باجتهاده ثم يحكم عليه كقوله (٨): لا حجة لي. وسيذكره بعد هذا. (المتن) وَنُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ إِلَّا الشَّاهِد بِمَا فِي الْمَجْلِسِ، وَمُوَجّهَهُ، وَمُزَكِّيَ السِّرِّ، وَالْمُبَرِّزِ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ، وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ، وَأَنْظَرَ لَهَا بِاجْتِهَادِهِ، ثُمَّ حَكَمَ كَنَفْيِهَا، وَلْيُجِبْ عَنِ الْمُجَرِّحِ، وَيُعَجِّزُهُ، إِلَّا فِي دَمٍ، وَحُبُسٍ، وَعِتْقٍ، وَنَسَبٍ، وَطَلَاقٍ، وَكَتَبَهُ. وَإِنْ لَمْ يُجِبْ حُبِسَ، وَأُدِّبَ ثُمَّ حَكَمَ بِلَا يَمِينٍ. وَلِمُدَّعَى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنِ السَّبَبِ، وَقُبِلَ نِسْيَانُهُ بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ أَنْكَرَ مَطْلُوبٌ الْمُعَامَلَةَ فَالْبَيِّنَةُ؛ ثُمَّ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ لَا حَقَّ لَكَ عَلَيَّ؛ وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِعَدْلَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا. وَلَا تُرَدُّ، كَنِكَاحٍ. (الشرح) قوله: (وَنُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ) أي: اثنين فصاعدًا (٩) يرسلهما القاضي في ذلك

стр. 2767

ونحوه (١). قوله: (إِلَّا الشَّاهِدُ بِمَا فِي الْمَجْلِسِ، وَمُوَجَّهَهُ، وَمُزَّكِّي السِّرِّ، والْمُبَرِّزِ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ، وَمَنْ يُخْشَي مِنْهُ) يريد: أن الحاكم يعذر إلى الحكم إلى من شهد عليه (٢) إلا في خمس مسائل (٣): الشاهد على المقر في مجلس القاضي بمحضره (٤)، فإنه لا يعذر إليه فيه؛ لأنه قد سمع إقراره معه، وهذا مذهب الأكثر به (٥) مضي العمل. وقال ابن الفخار يعذر إليه فيه (٦): ومن وجهه الحاكم من قبل نفسه؛ لأنه لا يوجه إلا من يعلم دينه وأمانته. الثالثة (٧): المزكي في السر. والمبرز في العدالة (٨) المبرز (٩)، لكن يعذر إليه فيه (١٠) بالعداوة (١١)؛ لأن العمل مضي على ذلك (١٢). وذكر هذه الأربعة (١٣) صاحب التحرير، وزاد خامسة: وهي من قبل القاضي شهادته بالتوسم (١٤). وكأن الشيخ إنما لم يذكر هذا؛ لأنه شبيه بمن وجهه من قبل نفسه (١٥).

стр. 2768

وأشار بقوله: (وَمَنْ يُخْشَي مَنْهُ) إلى ما نقل عن القاضي ابن بشير (١) أنه حكم على وزير غائب (٢) فقال له أخبرني بمن شهد علي، فقال له ابن بشير: مثلك لا يخبر بمن شهد عليه (٣). وحكى المتيطي، وغيره في هذا قولين (٤). قوله (٥): (وَأَنْظَرَ لَهَا بِاجْتِهَادِهِ، ثُمَّ حَكَمَ كَنَفْيهَا) (٦) إذ قال (٧): لا حجة لي، وقد مر بيانه. قوله: (وَليُجِبْ عَنْ الْمُجَرِّحِ) يريد: أن الطالب إذا سأل القاضي عمن جرح بينته (٨)، فعليه أن يخبره به؛ لأنه قد تكون بينه وبين الطالب عداوة، أو بينه وبين المطلوب قرابة، وحكى المتيطي (٩) وغيره قولين فيما إذا كان الطالب مما يتقى شره، هل يخبر بالمجرح؟ أم لا؟ وقد تقدم، ما للقاضي ابن بشير (١٠). قوله: (وَيُعَجِّزُه، إلَّا في دَمٍ، وَحُبُسٍ وَعِتْقٍ، وَنَسَبٍ، وَطَلَاقٍ) قال غير واحد من (١١) الشيوخ: يصح (١٢) التعجيز إلا في خمس مسائل، وهي المذكورة هنا، وبه قال ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وقد اختلف فيه (١٣). واختلف أيضًا الموثقون في حد أجل (١٤) الإعذار، ففي وثائق ابن القاسم: أن الأصول يتلوم فيها الشهرين والثلاثة ثم

стр. 2769

يعجزه، وفي غيرها ثمانية أيام، ثم ستة أيام (١) ثم أربعة ثم ثلاثة وذلك سبعة وعشرون يومًا وفي إثبات الديون ثلاثة أيام، وفي البينات وحل العقود ثلاثون يومًا، وللقاضي جمعها، وتفريقها، وبه جرى العمل. وفي الوثائق المجموعة، في الأصول ثمانية ثم ستة، ثم أربعة، ثم ثلاثة وذلك واحد (٢) وعشرون يومًا، (٣)، والآجال في الأصول أوسع من الديون والحقوق، وهي تختلف باختلاف أحوال المضروب لهم (٤). وفي مفيد الحكام: أن ذلك موكول إلى اجتهاد الحاكم خمسة عشر يومًا، ثم ثمانية، ثم ثلاثة تلومًا، هذا في الأموال، وفي غيرها ثمانية، ثم ستة، ثم أربعة، ثم ثلاثة (٥). قوله: (وَكَتَبَهُ) هو إشارة إلى ما قاله ابن رشد (٦): ينبغي للقاضي إذا كان للخصم بينة بعيدة، أن يكتب في قضيته أنه ذكر أن له بينة بعيدة، ومتى حضر شهوده (٧) كان على حجته. وقاله بعض القرويين. قوله: (وإنْ لَمْ يُجِبْ حُبِسَ، وأُدِّبَ، ثُمَ حُكِمَ بِلَا يَمِينٍ) أي: فإن لم يجب المدعى عليه بإقرار، ولا بإنكار؛ بل سكت عندما (٨) ادعى عليه المدعي، فإنه يؤمر بالجواب، فإن امتنع حبس حتى يقر أو ينكر، ورواه أشهب (٩)، واستصوبه محمد بن رشد (١٠): وبه جرى العمل، ويؤدب (١١). ابن سهل: وأفتى فقهاء قرطبة في مثل هذا بالضرب حتى

стр. 2770

يقر أو ينكر، فإن تمادى على إنكاره حكم عليه بغير يمين (١). قوله: (ولِمُدَّعَى عَلَيهِ السُّؤَالُ عَنِ السَّبَبِ) يريد: أن المدعي إذا قال: لي عند هذا عشرة دنانير مثلًا، فإن للمدعي عليه أن يقول له: بين لي من أي وجه ترتب لك عليَّ؛ من سلف، أو بيع، أو نحوه (٢)، وهو المراد بالسؤال عن السبب، ولا بد أن يبين ذلك لخصمه، نص عليه أشهب. وفي المجموعة: فإن بين ذلك طلب الآخر بالجواب، وإن أبى وقال: لا أعلم السبب، ولا أخبر به لم يطالب خصمه بالجواب (٣)، يريد؛ لأنه لو ذكر السبب، لأمكن أن يكون فاسدًا، لا يترتب بسببه غرامة البتة (٤)، أو غرامة ما دون العشرة مثلًا (٥)، أو يكون عند المدعى عليه ما يدفع به (٦) دعواه. قوله: (وَقُبِلَ نِسْيَانُهُ بِلَا يَمينٍ) أي: فإن قال المدَّعَي: نسيت سبب الحق الذي أدعي (٧) به، قبل قوله بلا يمين، وقاله أشهب (٨)، واستظهر المتأخرون اليمين. الباجي: وإِن أنكر المطلوب المعاملة كلف الطالب البينة (٩). وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ أَنكَر مَطْلوبٌ المُعَامَلَة فالبَيِّنةُ) أي: على الطالب. قوله: (ثُمَّ لا تُقْبَل بَيِّنَةٌ بالقَضَاءِ) أي: فإن أثبت المدعي المعاملة بعد أن أنكرها المطلوب، ثم أقام المطلوب بينته (١٠) أنه قضى ذلك (١١) الدين (١٢)

стр. 2771

لم تقبل بينته (١)؛ لأنه قد أكذبها (٢)؛ بقوله (٣): لم أعامله لأنه (٤) مستلزم لعدم الدين، و (٥) لعدم القبض (٦) الذي شهدت به البينة، فلا تسمع بينته (٧). قوله: (بِخِلَافِ لَا حَقَّ لَكَ عَليَّ) أي: فإن بينته بالقضاء تسمع بعد ذلك، إذ ليس في كلامه أولًا ما يكذبها. قوله: (وَكُلُ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِعَدْلَيْنِ؛ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا وَلَا تُرَدُّ كَنِكَاحٍ) يريد: أن كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين فلا تلزم المدعى عليه بمجردها يمين، ولا ترد؛ لأنه بتقدير أن ينكل المدعى عليه عن اليمين، ولا يتم الحكم بمجرد النكول (٨)، ولا بد مع (٩) ذلك من يمين المدعي، وقد علمت أن نكول المدعى عليه مع يمين المدعي لا يجري (١٠) إلا فيما يجري (١١) فيه الشاهد واليمين، أما لو أقام بذلك شاهدًا (١٢)، فإن اليمين حينئذ تتوجه، ومثل النكاح في ذلك الطلاق، والعتق، والرجعة، والولاء، والقتل العمد، والنسب. (المتن) وَأَمَرَ بِالصُّلْحِ ذَوِي الْفَضْلِ وَالرَّحِمِ: كَأَنْ خَشِيَ تَفَاقُمَ الأَمْرِ، وَلَا يَحْكُمُ لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَنُبِذَ حُكْمُ جَائِرٍ، أَوْ جَاهِلٍ لَمْ يُشَاوِرْ؛ وَإِلَّا تُعُقِّبَ، وَمَضَى غَيْرُ الْجَوْرِ، وَلَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ، وَنَقَضَ -وَبَيَّنَ السَّبَبَ

стр. 2772

مُطْلَقًا- مَا خَالَفَ قَاطِعًا، أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ، كَاسْتِسْعَاءِ مُعْتَقٍ، وَشُفْعَةِ جَارٍ، وَحُكْمٍ عَلَى عَدُوٍّ، أَوْ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ، أَوْ مِيرَاثِ ذِي رَحِمٍ، أَوْ مَوْلًى أَسْفَلَ، أَوْ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ، أَوْ جَعْلِ بَتَّةٍ وَاحِدَةً، أَوْ أَنَّهُ قَصَدَ كَذَا فَأَخْطَأَ بِبَيّنَةٍ، أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ، أَوْ كَافِرَيْنِ، أَوْ صَبِيَّيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ كَأَحَدِهِمَا؛ إِلَّا بِمَالٍ فَلَا يُرَدُّ، إِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا أُخِذَ مِنْهُ، إِنْ حَلَفَ. (الشرح) قوله: (وَأَمَرَ بالصُّلْحِ ذَوِي الفَضْلِ وَالرَّحِمِ، كَأَنْ خَشِيَ تَفَاقُم الأَمْرِ) يريد: أن القاضي يأمر ذوي الفضل والرحم بالصلح إذا ترافعوا إليه فيما يقع بينهم؛ إذ هو أقرب لتأليف نفوسهم. وأشار بقوله: (كَأَنْ خَشِي تَفَاقُمَ الأمْرِ) إلى أن القاضي (١) إذا ظهر له وجه الحكم لا يأمر بالصلح، إلا أن يرى لذلك وجهًا، مثل ما ذكره (٢)، مثل أن يرى أن الحكم يوقع فتنة وعداوة لا تنقطع (٣)، وهو مراده بتفاقم الأمر، أي: تعاظمه. قوله: (وَلَا يَحْكُمُ لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ عَلَى المُخْتَار) يريد: أن الحاكم لا يجوز له أن يحكم لمن لا تجوز شهادته له، كابنه، ويتيمه الذي يلي ماله، وزوجته ونحوهم، وإليه ذهب أشهب، ومطرف، ومحمد؛ نظرًا للتهمة، واختاره اللخمي، كما أشار إليه، قال: ولا فرق بين الحكم والشهادة (٤). وأجاز ذلك أصبغ، إذا لم يكن من أهل التهمة. وفرق ابن الماجشون فقال: يمتنع حكمه لزوجته ويتيمه، بخلاف غيرهم (٥). قوله: (وَنُبِذَ حُكْمُ جَائِرٍ أو جَاهِلٍ لمْ يُشَاوِرْ) لا خفاء أن أحكام الجائر، وهو الظالم، في حكمه الخارج عن الحق تعمدًا (٦) تُنبذ أحكامه (٧) -أي: تُطْرح-. واختلف في أحكام

стр. 2773

الجاهل، فقيل: نتعقب (١)، فما لم يكن منها (٢) جورًا مضى دون غيره. وحكى المازري رواية (٣): أن أحكامه (٤) كلها تنقض وترد (٥)، وإن كان ظاهرها الصواب؛ لأنه وقع منه من غير قصد. وقيد بعضهم الأول بما إذا كان يشاور أهل العلم؛ وإلا فتنقض أحكامه جميعها؛ لأنه حكم حينئذ (٦) بالحدس والتخمين. ابن عبد السلام: وهو الصحيح (٧). وإليه أشار بقوله: (أَوْ جَاهِلٍ لَمْ يُشَاورْ). قوله: (وَإِلَّا تُعَقِّبَ، وَمَضَى غَيْرَ الجَوْرِ) أي: وإن كان يشاور أهل العلم نظر في حكمه، فيمضي منه، ما لم يكن جورًا (٨) دون غيره. قوله: (وَلَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ العَدْل العَالِمِ) أي: لا ينظر فيه المتولي بعده؛ لأن تعقب الأحكام: هو اختبارها (٩)؛ لينظر ما وافق الحق منها وما خالفه (١٠)، وقد نص على أن أحكام العدل العالم لا تتعقب غير واحد (١١). قوله: (وَنَقَضَ -وبَيَّنَ السَّبَبَ مُطَلَقَا- مَا خَالَفَ قَاطِعَا، أَوْ جَليَّ قَياسٍ، كَاسْتِسْعَاءِ مُعْتَقٍ، وَشُفْعَةِ جَارٍ، وَحُكْمٍ عَلَى عَدُوٍّ، أَوْ بِشَهَادَة كَافِرٍ، أَوْ مِيرَاثِ ذِي رَحِمٍ، أَوْ مَوْلًى أسْفَلَ، أَوْ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ، أَوْ جَعْل بتةٍ وَاحِدةً، أَوْ أنَّهُ قَصَدَ كَذَا فَأَخْطَأ بِبَيِّنَةٍ) يريد: أن المتولي بعد العدل العالم لا (١٢) ينقض من أحكامه (١٣) ما خالف قطعيا من نص كتاب،

стр. 2774

أو سُنَّة، أو جلي قياس، قال القرافي (١): أو إجماع (٢). قال ابن الماجشون (٣): ويرد ما اختلف الناس فيه مما (٤) في كتاب، أو سنة، (٥)؛ كاستسعاء العبد المعتق بعضه، وشفعة الجار، أو بعد القسمة (٦). واستبعد المازري نقض الحكم في ذلك؛ لأن مسلمًا وغيره رووا حديث الإستسعاء، وكذا ورد في الشفعة للجار أحاديث تقتضيها (٧)، ولا إشكال في نقض حكمه على عدوه (٨)، أو بشهادة يهودي، أو نصراني ونحوهما. قال ابن الماجشون: لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال تعالى أيضًا: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٩)، ولا بد أن يقيد هذا بأن يكون المحكوم (١٠) عليه مثل الشاهد، وأن القاضي يعلم (١١) بكفر الشاهد قبل الحكم، كما وقع في الرواية؛ وإلا فسيأتي ما إذا ظهر كفر الشاهدين، أو أحدهما بعد الحكم. ابن حبيب عن ابن الماجشون: وينقض ما حكم به من الميراث للعمة والخالة، والمولى الأسفل (١٢). واختلف إذا سبق له علم شيء بين الخصمين قبل ولايته، أو قبل أن يجلس مجلسه، ثم حكم بما عنده من العلم، هل ينقض كما أشار إليه هنا؟ قال ابن راشد (١٣): وهو

стр. 2775

الأصل (١). قال التونسي: وينقضه هو وغيره (٢). أو لا ينقض ذلك، كما نقله ابن القصار (٣) عن بعض الأصحاب؟ ابن عبد السلام: وهو الظاهر. فلو حكم بما أقر به الخصم في مجلسه، فلا نقض. وقد قال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ، وسحنون: يحكم القاضي بما سمع في مجلسه ابتداءً (٤). ابن الماجشون: وهو عمل أهل المدينة، ولا أعلم لمالك غيره (٥). ابن راشد: ومذهب ابن القاسم خلافه، وأنه لا يجوز؛ ولذلك يلزمه إحضار العدول بمجلسه، وقد فهم هذا من قوله: (بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ) (٦) وهو مفهوم من تقييده النقض بما سبق من ذلك قبل مجلسه (٧). وفي الموازية: لا ينقضه غيره، وينقضه هو ما دام قاضيًا (٨). وحكى ابن عبد الحكم عن مالك وابن القاسم (٩): أنه إذا رفع إليه رجل امرأته، وكان قد طلقها ألبتة فجعلها له طلقة واحدة، ولم يمنعه من نكاحها؛ لكونه يرى ألبتة واحدة، وزوجها له قبل زوج، أن حكمه ينقض، ويفرق بينهما. وقال ابن عبد الحكم:

стр. 2776

لا ينقض إلا ما كان خطأ محضًا (١)، وحكى ابن محرز: أن القاضي إذا قصد الحكم (٢) بشيء، وعلم ذلك منه ببينة حضرته، ثم عدل عنه على سبيل الخطأ، فإن حكمه ينقض (٣). قوله: (أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بَعبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، أَوْ صبِيَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْن) أي: وكذا ينقض حكم القاضي، إذا كان مستندًا فيه إلى شهادة شاهدين بعد الفحص (٤) عن حالهما، ثم ظهر أنهما عبدان، أو صبيان، أو كافران، ولا خلاف فيه؛ لبطلان الشهادة. واختلف في نقضه بالفاسقين، وفي الشهادة (٥) من المدونة، وهو أحد قولي مالك: أنه ينقض، وبه قال ابن القاسم. وفي كتاب الحدود فيها: أنه لا ينقض، وبه قال أشهب، وسحنون (٦)، وهو قول مالك -أيضًا-. وخرج بعضهم هذا القول في العبد، ورد المازري: بأن الفسق مظنون، فلا يؤمن فيه الغلط، والرق مقطوع به، كَنَصٍّ (٧) ظهر بعد الإجتهاد (٨). قوله: (كَأَحَدِهِمَا إلَا بِمَالٍ فَلا يُرَدُّ، إنْ حَلَفَ، وَإِلَّا أُخِذَ مِنْه إِنْ حَلَفَ) أي: وكذلك ينقض الحكم إذا ظهر أن أحد الشاهدين عبدٌ، أو نحوه؛ إلا أن يكون المحكوم (٩) به مالًا؛ فإنه يصير موقوفًا، فإن حلف الطالب أخذه، وإن نكل أخذ منه إن حلف المطلوب .. ونحوه في باب الرجم في المدونة، وعلى هذا ففاعل حلف الأول ضمير يعود على الطالب، والثاني على المطلوب. (المتن) وَحَلَفَ فِي الْقِصَاصِ خَمْسِينَ مَعَ عَاصِبِهِ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ، وَغَرِمَ شُهُودٌ عَلِمُوا؛ وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ الإِمَامِ، وَفِي الْقَطْعِ حَلَفَ الْمَقْطُوعُ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ. وَنَقَضَهُ هُوَ فَقَطْ

стр. 2777

إِنْ ظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ، أَوْ خَرَجَ عَنْ رَأْيِهِ، أَوْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ، وَرَفَعَ الْخِلَافَ، لَا أَحَلَّ حَرَامًا، وَنَقْلُ مِلْكٍ، وَفَسْخُ عَقْدٍ، وَتَقَرُّرُ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ حُكْمٌ، لَا، لَا أُجِيزُهُ، أَوْ أَفْتَى، وَلَمْ يَتَعَدَّ لِمُمَاثِلٍ، بَلْ إِنْ تَجَدَّدَ؛ فَالاجْتِهَادُ كَفَسْخٍ بِرَضْعِ كَبِيرٍ، وَتَأْبِيدِ مَنْكُوحَةِ عِدَّةٍ، وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَدْعُو لِصُلْحٍ، إِنْ ظَهَرَ وَجْهُهُ، وَلَا يَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ؛ إِلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ كَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ، أَوْ إِقْرَارِ الْخَصْمِ بِالْعَدَالَةِ، وَإِنْ أَنْكَرَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ إِقْرَارَهُ بَعْدَهُ لَمْ يُفِدْهُ، وَإِنْ شَهِدَا بِحُكْمٍ نَسِيَهُ أَوْ أَنْكَرَهُ أَمْضَاهُ، وَأَنْهَى لِغَيْرِهِ بِمُشَافَهَةٍ إِنْ كَانَ كُلٌّ بِوِلايَتِهِ، وَبِشَاهِدَيْنِ مُطْلَقًا. وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ خَالَفَا كِتَابَهُ. (الشرح) قوله: (وَحَلَفَ فيِ القِصَاصِ خَمسِينَ يمينًا مَعَ عَاصِبهِ) أي: فإن كانت المسألة بحالها، فإن ظهر أن أحد الشاهدين عبدٌ ونحوه؛ إلا أن الحكم به في قصاص في النفس، فإن ولى الدم يحلف مع واحد من عصبته، أو أكثر خمسين يمينا (١)، ولا يكفي في ذلك حلفه على انفراده؛ إذ لا يحلف في العمد (٢) أقل من رجلين (٣). قوله: (وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ) أي: وإن نكل ولي الدم المستحق عن اليمين التي توجهت عليه، ردت شهادة الشاهد الثاني؛ لأن ولي الدم لما نكل لم يبق من يرجع إليه (٤) اليمين (٥). قوله: (وَغَرِمَ شُهُوُدٌ عَلِمُوا) أي: علموا أن الذي شهد معهم عبد، أو كافر، أو صبي، أو فاسق، وقيل: إنما يغرموا بشرط أن يعلموا أن الشاهد كذلك، وأنه لا تقبل شهادته. قوله: (وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ الإمَامِ) أي: فإن لم يعلم الشهود بالعبد، ونحوه فالدية (٦)

стр. 2778

على عاقلة الإمام، وقيل: هدر. قوله: (وَفَي القَطْع حَلَفَ المقطُوعُ أَنَّها بَاطِلَةٌ) أي: فإن نكل القاطع حلف المقطوع أنها -أي الشهادة- (١) باطلة، واستحق دية يده، فإن لم يحلف فلا شيء له، وكل هذا إذا ظهر (٢) خلل الشهادة بعد الاستيفاء. قوله: (وَنَقَضَهُ هُوَ فَقْط إِنْ ظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ، أَوْ خَرَجَ عَنْ رَأْيه، أَوْ رَأْي مُقَلِّدِهِ) يريد (٣) أن الحكم في هذه الثلاث مسائل لا ينقضه إلا الحاكم الذي حكم به دون غيره فيها (٤). وذكر ابن محرز، وغيره: أن نقضه لحكمه في الأولى (٥) هو قول ابن القاسم (٦). ابن راشد: وهو المشهور (٧). وقال سحنون: لا يجوز له ذلك (٨). وصوبه ابن محرز، وعياض، وغيرهما (٩). وقال مطرف، و (١٠) ابن الماجشون: له نقضه ما دام واليًا (١١)، فأما إذا عزل ثم تولى مرة أخرى، فظهر له الصواب في غير ما قضى به أولًا؛ فإنه لا ينقضه (١٢). والقولان الأولان متأولان (١٣) على المدونة (١٤). ابن رشد: واختلف إذا حكم باجتهاده، ثم رأى خلافه، والمشهور من المذهب (١٥)

стр. 2779

أنه له نقضه ما دام على ولايته (١). ولا بد من تقييد كلامه هنا بهذا. عياض: وعندي أن القاضي (٢) إذا التزم مذهبًا يحكم به بتقليده (٣) لا باجتهاده، فحكم حكمًا يرى أنه مذهب (٤) صاحب المذهب المقلد (٥) فغلط فيه، فإن له هو (٦) نقضه، دون غيره (٧). قوله: (وَرَفَعَ الخِلَافَ) أي: إن حكم الحاكم (٨) يرفع الخلاف. ابن عبد الحكم: وإذا حكم بخلاف مضى كائنًا ما كان (٩). بعض الأشياخ: ويصير ذلك كالمتفق عليه، ويتناول الظاهر والباطن (١٠). قوله: (لَا أَحَلَّ حَرَامًا) أي: ولا يحل حرامًا (١١)، وهذا ظاهر (١٢)؛ لقوله ﵇: "فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار"، وهو عام في الأموال، والفروج، وغير ذلك، وهو مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: إنه يحل الفروج، فلو شهد رجلان بالزور على رجل أنه طلق امرأته ثلاثًا، ففرق الحاكم بينهما، وانقضت عدتها، جاز لأحدهما عنده (١٣) تزويجها. ولا يحل له ذلك على مذهب الجمهور، وحكى ابن عبد البر عن كثير من أصحابنا كقول أبي حنيفة (١٤). انظر الكبير. قوله: (وَنَقْلُ مِلْكٍ، وفَسْخُ عَقْدٍ، وتَقَرُّر نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ حُكْمٌ لَا أُجِيزُه، أو أُفْتيَ) لا

стр. 2780

خلاف أن ما صدر عن القاضي من نقل الأملاك، وفسخ العقود؛ أنه (١) حكم، وأن ما أفتى به ليس بحكم؛ كقوله في نكاح رفع إليه: لا أجيزه. واختلف إذا رفع إليه (٢) فأقره ولم يفسخه، فقال ابن القاسم: هو حكم لا ينقض. واختاره ابن محرز، وروى (٣) ابن الماجشون أنه ليس بحكم (٤). قوله: (وَلَمْ يَتَعَدَ لمُمَاثِلٍ، بَلِ إنْ تَجدَّدَ فَالإجْتِهَادُ، كَفَسْخٍ بِرَضاع كَبِيِرٍ، وَتَأْبِيد مَنْكُوحَة عِدَّةِ، وَهِي كَغَيْرِها في المُسْتَقْبَلِ) يريد: أن حكم الحاكم لا يكون كليًّا؛ بل جزئيًا (٥) لا يخرج عن الصورة التي هي محل الحكم، ولا يتعداها إلى مماثلها؛ لأن مستند الحكم البينة، وهي لا تشهد إلا بمعاينته (٦)؛ وذلك جزئي؛ ولهذا إذا فسخ نكاحٌ بين زوجين بسبب أن أحدهما رضع أم الآخر وهو كبير، فإن الفسخ ماض لا ينقضه أحد؛ إلا أنه (٧) إذا عاد فتزوجها بعد ذلك، فرفع أمرهما إلى القاضي نفسه (٨)، أو إلى غيره ممن ولي بعده لم يمنعه ذلك أن يجتهد ويبيحها (٩) إذا أداه اجتهاده إلى أن رضاع الكبير لا ينشر الحرمة، ومثله من تزوج امرأة في عدتها، ورفع إلى حاكم مالكي يرى مع الفسخ تأبيد التحريم، وفسخ نكاحها (١٠)؛ فإن حكمه لا يتعدى الفسخ، فإذا نكحها بعد ذلك، ورفع أمرهما إلى آخر لا يرى تأبيد التحريم، أو رفع لذلك القاضي نفسه الذي حكم بالفسخ بنفسه، وكان (١١) قد تغير اجتهاده إلى عدم تأبيد التحريم، لم يكن القضاء الأول مانعًا من ذلك،

стр. 2781

ويكون حكم هاتين المرأتين حكم من لم يتقدم عليهما حكم في رضاع كبير، ولا نكاح في عدة، وهو معنى قوله: (وَهِيَ كَغَيْرِهَا في المُسْتَقْبَلِ). قوله: (وَلَا يَدْعُو لِصُلحٍ إنْ ظَهَرَ وَجْهُهُ) يريد: أن القاضي إذا ظهر له وجه الحكم لا يأمر الخصمين بالصلح؛ لأن الحق قد تعين (١) في جهة المطلوب، والصلح في الغالب لا بد فيه من حطيطة، فأمره بالصلح هضم (٢) في المعنى لبعض الحق المتعين. قوله: (وَلَا يَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ إِلَّا في التَّعْدِيل والجَرْح) (٣) أي: لا يحكم بعلمه في أمر من الأمور إلا في التعديل والجرح (٤)؛ لأن القاضي يشاركه غيره فيهما، فلا تهمة عليه (٥)، وأنه لو لم يحكم بعلمه في العدالة لافتقر إلى معدَّلَيْن آخرين وهكذا، فيتسلسل (٦) وانقطاعه؛ بأن يكون الشاهد ظاهر العدالة (٧) نادر، وتوقف الأحكام على مثل ذلك تضييع لها. انظر الكبير. قوله: (كَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ) أي: كذلك يعتمد الحاكم (٨) على ما اشتهر عنده من عدالة الشاهد أو جرحته، قاله في المدونة، والعتبية، وغيرهما (٩). قوله: (أو إِقْرَارِ الخَصْمِ بالعَدَلَةِ) أي: وهكذا يستند (١٠) في حكمه على عدالة الشاهد إذا أقر له الخصم المشهود عليه بها، من غير أن يطلب منه تزكيته (١١). وقال أصبغ: لا يحكم إلا بعد تزكية الشاهد، ولو رضي الخصم بعدالته (١٢).

стр. 2782

وقيد بعض الأشياخ ما ذكره (١) هنا: بما إذا أقر الخصم بعدالة الشاهد، بعد أدائه الشهادة، وأما لو أقر قبل أدائها ففي لزومها له نظر، فقد قالوا: إذا قال أحد الخصمين كل ما شهد به فلان عليَّ حق فشهد عليه أنه لا يلزمه؛ لأنه يقول: ظننت أنه لا يشهد إلا (٢) بالحق (٣). قوله: (وَإِنْ أَنْكَرَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ إِقْرَارُهُ بَعْدَهُ لَمْ يُفِدْ) يعني: أن الحاكم إذا حكم على أحد الخصمين بشيء مستندًا في ذلك لإقرارَهُ، ثم أنكر المحكوم عليه إقراره بعد الحكم عليه لم يفده إنكاره الآن، ومضي على ذلك المشهور، نص عليه اللخمي (٤). وقال المازري: هو المعروف بشرط أن يكون باقيًا على ولايته. وجعلا مقابله ما في الجلاب: وهو أن الحاكم إذا ذكر أنه حكم بقضية لم يقبل إلا ببينة على حكمه. المازري: والأول (٥) هو الأصل (٦). قوله: (وَإِنْ شِهَدا بِحُكْمٍ نَسِيَهُ أَوْ أنْكَرَهُ أَمْضَاهُ) يريد: أن القاضي إذا نسى ما حكم به أو أنكر أن يكون حكم فشهد به شاهدان فإنه يمضيه، ويعتمد على شهادتهما فيه، والذي ذكره في النسيان هو الأصح، وهو قول مالك (٧). وحكى أبو عمران (٨): أنه لا يمضيه (٩). ومسألة الإنكار هذه حكاها أصبغ عن ابن وهب عن مالك، وزاد: سواء كان معزولًا أم لا (١٠).

стр. 2783

قوله: (وَأَنْهَى لِغَيرهِ مُشَافَهَة إنْ كَانَ كُلُّ بِوِلَايَتِهِ) المراد: بالإنهاء: التبليغ. والمراد (١): أن القاضي إذا أراد أن يبلغ حكمه إلى حاكم آخر (٢) فله ذلك؛ إما بالإشهاد -وسيأتي-، وإما بالمشافهة، بأن يكون قاضيان في بلد واحد، لكل واحد جهة منها (٣)، أو يكونا (٤) متجاوري العمل فيقف كل منهما في طرف عمله (٥)، ثم يخبر (٦) أحدهما الآخر بما كاتبه عنده من شهادة أو من حكم (٧) نريد من تبليغ حكمه إليه، فلو كان أحدهما في غير محل عمله، أو كانا معًا في غير محلهما (٨)، فإن ذلك لا يسمع، أما في جانب المسمع؛ فلأنه حين الإخبار (٩) معزول (١٠) عن الحكم فهو غير موضع حكم (١١)، فهو كما إذا قال بعد العزل: كنت قضيت بكذا. وقال أهل طليطلة: يجوز أن يخبر بغير بلده (١٢)، وينفذه الآخر (١٣)، حكاه ابن سهل (١٤). وأما في جانب السامع؛ فلأنه إذا رجع لمحل ولايته (١٥)، وحكم بما سمع في غيره (١٦)

стр. 2784

يكون قد (١) حكم بعلمه (٢)، وظاهر ما في كتاب ابن سهل عن أصبغ: أن له أن يحكم به، وأجراه مجرى تنفيذ الأحكام في غير ولايته. وأما كونهما معًا في غير عملهما فظاهر (٣). قوله: (وَبِشَاهِدَيْن مُطْلَقًا) أي: وكذلك يكون الإنهاء بشاهدين (٤)، من حاكم إلى حاكم أنه قضى بكذا، أو على كتابه إذا أشهدهما عليه -كما سَيُذكر-؟ ومراده بالإطلاق: أنه لا فرق في الحكم الذي يشهدان به بين أن يكون مما يثبت في الأصل بشاهدين كالنكاح (٥)، أو بشاهد وامرأتين كالأموال (٦)، أو بامرأة كالاستهلال (٧)، أو مما لا يثبت إلا بأربعة؛ كالزنا. وعن سحنون: إن كان بزنا فلا يشهد على النقل إلا أربعة، وإن كان مما يجوز فيه شهادة النساء فيجوز النقل فيه بشاهد وامرأتين (٨). قوله: (وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ خَالفَا كِتَابَهُ) يريد: أن القاضي إذا جاءه كتاب من عند قاضٍ آخر مع شاهدين؛ فإنه يعتمد على ما شهد به الشاهدان، وإن خالفا ما في الكتاب، وقيد ذلك في الجواهر بما إذا طابقت شهادتهما الدعوى، قال: ولو شهدا بما فيه وهو مفتوح، جاز (٩). (المتن) وَنُدِبَ خَتْمُهُ، وَلَمْ يُفِدْ وَحْدَهُ، وَأَدَّيَا، وَإِنْ عِنْدَ غَيرِهِ وَأَفَادَ، إِنْ أَشْهَدَهُمَا أَنَّ مَا فِيهِ حُكْمُهُ، أَوْ خَطُّهُ، كَالإِقْرَارِ، وَمَيَّزَ فِيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنَ اسْمٍ وَحِرْفَةٍ وَغَيْرِهِمَا فَنَفَّذَهُ الثَّانِي، وَبَنَى كَأَنْ نُقِلَ لِخُطَّةٍ أُخْرَى وَإِنْ حَدًّا، إِنْ كَانَ أَهْلًا أَوْ قَاضِيَ

стр. 2785

مِصْرٍ، وَإِلَّا فَلَا، كَأَنْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ مَيِّتًا، وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ فَفِي إِعْدَائِهِ أَوْ لَا حَتَّى يُثْبِتَ أَحَدِيَّتَهُ قَوْلَانِ. (الشرح) قوله: (وَنُدِبَ خَتْمُهُ) أي: ختم الكتاب الذي يرسله القاضي إلى مثله، وقاله ابن شاس (١)، وغيره (٢). قوله: (وَلَمْ يُفِدْ وَحْدَهُ) يريد: أن الكتاب وحده من غير شهادة المرسل لا يفيد. ابن القاسم: ولا بد من شهود (٣) بأن هذا الكتاب، كتاب فلان القاضي. وزاد أشهب: ويشهدون (٤) أنه أشهدهم (٥) بما فيه (٦). قوله: (وَأَدَّيا، وَإِنْ عِندَ غَيْرِهِ) يريد: أن الشاهدين على الحكم يؤديان الشهادة عند المكتوب إليه، وغيره (٧). ابن شاس: وإن لم يكتب القاضي في كتابه إلى من يصل إليه من القضاة، فكذلك يشهدان (٨)، وإن مات المكتوب إليه، والكاتب (٩). قال أبو إسحاق (١٠): ولا ينبغي أن يسمى المكتوب إليه؛ وإنما يقول قاضي فلانة (١١).

стр. 2786

قوله: (وَأَفَادَ، إِنْ أَشْهَدَهُمَا أَنَّ مَا فِيه حُكْمُهُ، أَوْ خَطُّهُ) أي: فإن دفع القاضي الكتاب لهما وأشهدهما أن ما فيه حكمه، أو خطه، فإنه يفيد، بمعنى: أنه يعمل بما فيه؛ لأنه أشهدهما عليه، وقد أديا ذلك (١) من غير معارض. وقيل: لا يفيد. وهما روايتان (٢). قوله: (كَالإِقْرَارِ) أي: كما إذا دفع شخص للشاهدين ورقة، وقال: اشهدا عليَّ بما فيها (٣)، وأنا عالم بما فيها. قال ابن شاس: وهي إحدى الروايتين (٤)، وقد حكى عبد الوهاب -أيضًا- روايتين فيمن دفع إلى الشهود كتابًا مطويًا (٥)، وقال: اشهدوا عليَّ بما فيه (٦). ووجه الجواز: أن الإقرار بالمجهول صحيح. قوله: (وَمَيَّز فِيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ اسْمٍ وَحِرْفَةٍ وَغَيْرِهِمَا) يريد: أن القاضي لا بد أن يميز في كتابه إلى القاضي الثاني ما يتميز به، فيذكر فيه المحكوم عليه باسمه (٧)، واسم أبيه، وجده، وحليته، ومسكنه، وصناعته، وتجارته، وشهرته؛ بحيث يتميز بذلك عن غيره (٨)، فإن لم يكن عنده بتلك البلدة على هذه الأوصاف إلا رجل واحد أمر بالكشف عنه، ثم وجه (٩) الحكم عليه، فإن شاركه آخر (١٠) فسيذكره.

стр. 2787

قوله: (فَنَفَّذَه (١) الثَّانِي، وَبَنَى كَأنْ نُقِلَ لِخُطَّةٍ أُخْرَى (٢)) أي: فإن كان القاضي الأول قد استوفى جميع الحجج، وثبت عنده عدالة شهود الحق الذي أرسل به (٣)، فإن القاضي الثاني ينفذه، وإن كان الأول قد اقتصر على سماع البينة وأشهد على ذلك، فإن الثاني يبني ويكمله بتعديل البينة، والحكم بمقتضاها. قوله: (كَأَنْ نُقِلَ لِخِطَّةٍ أُخْرَى) أي: فإنه يبنى على ما مضى له. قوله: (وَإِنْ حَدًا، إِنْ كَانَ أَهْلًا، أَوْ قَاضِي مِصْرٍ، وَإِلَّا فَلَا) يريد: أن الثاني ينفذ ما جاءه عن الأول من الحقوق المالية، وغيرها؛ كالقصاص، والحدود وغيرهما (٤)؛ ولهذا قال: وإن حدَّا. وشرط في ذلك أن يكون الكاتب أهلًا للقضاء، وقاله في الجواهر، أو (٥) يكون من قضاة الأمصار الجامعة (٦). ابن عبد السلام: أن يكون القاضي اجتمعت فيه شروط الولاية وأوصافها (٧)، فإن لم يكن من قضاة الأمصار، ولا هو أهل للقضاء فلا يقبل (٨) كتابه، وقاله غير واحد من أصحابنا. قوله: (كَأَنْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ مَيِّتًا) أي: وإن وجد بذلك البلد اثنان فأكثر كل منهما يشارك الآخر في جميع ما ذكر، فإنه لا يحكم حتى يتبين له المطلوب بالبينة العادلة التي تعرف أنه (٩) المحكوم عليه بعينه. ابن شاس: ولو كان أحد المتداعيين (١٠) قد مات لم يستحق على الحي منهما شيء مما

стр. 2788

في الكتاب، حتى تشهد البينة أنه الذي استحق عليه؛ إلا أن يطول زمن الميت، ويعلم أنه ليس هو المراد بالشهادة لبعده، فيلزم الحي (١). قوله: (وَإِنْ لَم يُمَيِّزْ فَفِي إعْدَائِه (٢)، أَوْ لا حَتَّى يُثْبِتَ أَحَدِيَّتَهُ قَوْلَانِ) أي: وإن ترك القاضي التميز في كتابه، ولم يذكر إلا اسم (٣) المطلوب، واسم أبيه وحده، فهل للقاضي الثاني إعداء الطالب على صاحب الاسم المكتوب، إلى (٤) أن يثبت المطلوب (٥) أن بالبلد من يشاركه في الاسم (٦) المذكور، وهو قول ابن القاسم في المدونة (٧)، أو ليس له (٨) إعداؤه عليه (٩) حتى يثبت الطالب (١٠) أحديته (١١) أي انفراده، وأنه ليس ثم في البلد من يشاركه في ذلك، وهو ظاهر قول أشهب (١٢). (المتن) وَالْقَرِيبُ كَالْحَاضِرِ، وَالْبَعِيدُ كَإِفْرِيقِيَّةَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِيَمِينِ الْقَضَاءِ، وَسَمَّى

стр. 2789

الشُّهُودَ، وَإِلَّا نُقِضَ، وَالْعَشَرَةُ أَوِ الْيَوْمَانِ مَعَ الْخَوْفِ، يُقْضَى عَلَيْهِ مَعَهَا فِي غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ، وَحَكَمَ بِمَا يتَمَيَّزُ غَائِبًا بِالصِّفَةِ كَدَيْنٍ، وَجَلَبَ الْخَصْمَ بِخَاتَمٍ، أَوْ رَسُولٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى؛ وَلَا أَكْثَرَ: كَسِتِّينَ مِيلًا، وَإِلَّا بِشَاهِدٍ، وَلَا يُزَوِّجُ امْرَأَةً لَيْسَتْ فِي وِلايَتِهِ. وَهَلْ يراعى حَيْثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؟ وَبِهِ عُمِلَ، أَوِ الْمُدَّعَى؟ وَأُقِيمَ مِنْهَا. وَفِي تَمْكِينِ الدَّعْوَى لِغَائِبٍ بِلَا وَكَالَةٍ تَرَدُّدٌ. (الشرح) قوله: (والْقَرِيبُ كَالْحَاضِرِ) يعني: أن القريب الغيبة كالحاضر. ابن رشد: والوجه (١) في ذلك أن القاضي إذا ثبت عنده قرب غيبته مع الأمن وهو من أهل عمله فإنه يكتب إلى قاضي البلد الذي هو فيه، أو إلى عدلين من عدول ذلك البلد ويعلمه بمن قام عليه، وما ثبت عنده، وتسمية الشهود، والذي قبلهم، وتسمية المعدلين (٢) لهم، فإذا ثبت عنده إقراره بأن (٣) لا مدفع له، أو ادعى مدفعًا، وعجز عنه قضى عليه (٤) في الربع (٥)، وغيره بلا خلاف (٦)، ولا يحكم عليه بشيء قبل الإعذار إليه، انتهى. وقال ابن الماجشون: العمل عندنا أن تسمع البينة، حضر الخصم، أو غاب، ثم يعلم بهم (٧)، فإن كان (٨) له مدفع، وإلا قضى عليه (٩)، ولم يرها سحنون إلا في الغيبة البعيدة جدًّا، أو يتوارى المطلوب، أو يتعذر فيقضى عليه (١٠). وقيل: يقضى على الغائب قربت غيبته، أو بعدت إلا أن تقرب جدًّا.

стр. 2790

قوله: (والْبَعيدُ جدًّا كَإِفْرِيقيّة يُقْضَى عَلَيْهِ بِيَمِينِ الْقَضَاءِ) أي: وإن كانت الغيبة بعيدة جدًّا كإفريقية، أي من المدينة، أو مكة، أو كالأندلس من خراسان، قضى عليه في كل شيء من الديون، والحيوان، والعروض، والعقار، والأصول، وقاله ابن رشد (١)، وغيره (٢). قوله: (بيمين القضاء) أي: بيمين الطالب يمين القضاء (٣) فيحلف على عدم الإبراء، والإستيفاء، والاعتياض، والاحتيال والتوكيل على الاقتضاء فيه وفي بعضه. وقيل: إنه عليه (٤) إلى الآن. واختلف هل هذه اليمين واجبة، أو استظهار على قولين حكاهما المازري (٥)، وظاهر ما هنا (٦) الوجوب. قوله: (وَسَمَّي الشُّهُودَ) يريد: أنه لا بد من تسمية الشهود في الحكم على الغائب، لعل أن يجد سبيلًا إلى رد القضية بتجريح الشهود، على القول بأن الحجة ترجى له، وهو المشهور. ابن رشد: وإن لم يسم (٧)، فالقضية مردودة تفسخ ويستأنف الحكم فيها، وقاله أصبغ (٨)، وإليه أشار بقوله: (وإلا نقض)، وعن سحنون عدم لزوم ذلك، إلا أنه قال: وهو أحسن. وهو يأتي على قول عبد الملك: إن الغائب لا ترجى له حجة (٩). قوله: (وَالْعَشَرَةُ أَوِ الْيَوْمَانِ مَعَ الْخَوْفِ يُقْضَى عَلَيْهِ مَعَهَا فِي غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ) ابن رشد (١٠): ويحكم عليه فيما عدا الأصول (١١)، وفيها قولان، وقال في باب القسم من

стр. 2791

المدونة، سمعت من يذكر عن مالك أنه لا يقضى على الغائب في الدور، وهو رأيي إلا في الغيبة البعيدة مثل الأندلس، وطنجة وما بَعُدَ، فليقض عليه (١)، وما علمت في هذا خلافًا، وقاله مالك (٢). وأنكره ابن الماجشون، قال: إنما ذلك رأي أهل العراق، وعلماء المدينة على خلافه، وبه قال سحنون، وحيث قضي عليه (٣) فلا يعذر، وترجى له الحجة، ومثله عن سحنون وروي عنه -أيضًا- أنها لا ترجى له الحجة (٤)، وهذه هي الغيبة المتوسطة. قوله: (وَحَكَمَ بِمَا يَتَمَيَّزُ غَائِبًا بَالصَّفَةِ، كَدَيْنٍ) يريد: أن المحكوم به إذا كان مما يتميز بالصفة في غيبته؛ كالعبد، والدابة ونحوهما؛ فإنه لا يطلب حضوره؛ بل تميزه البينة بالصفة، ويصير حكمه حكم الدين، وهو المشهور. ولابن كنانة خلافه، قال: إن كان العبد لا يدعي الحرية، ولا يدعيه أحد، حكم فيه بالصفة؛ وإلا فلا يحكم فيه بذلك (٥). وإن كان الشيء لا يتميز، فلا يطلب (٦) حضوره؛ بل تقول البينة غصب منه كذا، قيمته كذا (٧). قوله: (وَجَلَبَ الخَصْمَ بِخَاتَمٍ، أَوْ رَسُولٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ العَدوَى، ولَا أَكثر كَسِتِّينَ مِيلًا، وَإِلا بشَاهِدٍ) أي: وجلب الخصم مع الطالب إما بخاتم القاضي، أو برسوله، أو بورقته (٨) ونحو ذلك، إن كان الخصم على مسافة العدوى. وقاله ابن عبد الحكم، ولم يحدد (٩). وقال غيره: القرب (١٠) أن يأتي ويرجع فيبيت في منزله. وقال الباجي: ثلاثة أميال،

стр. 2792

فإن زادت على مسافة العدوى كستين ميلًا، لم يجلبه (١). وقاله سحنون، إلا أن يشهد شاهد بذلك، فيكتب إما أن يحضر، أو يرضى خصمه، وقاله (٢) ابن عبد الحكم (٣). وفي (٤) وثائق ابن هشام: لا يشخص من البعد (٥) خصما، ولا شاهدًا. قوله: (وَلَا يُزَوِّجُ امْرَأَةً لَيْسَت في وِلَاتَيهِ) يريد: أن القاضي لا يجوز له أن يزوج امرأة خارجة عن ولايته، وقاله ابن شاس (٦)؛ لأنه إذا خرج عن محل ولايته، صار معزولًا عن الحكم في ذلك الموضع، فكذلك إذا خرج المحكوم عليه عن ولايته (٧). قوله: (وَهَلْ يراعى (٨) حَيْثُ المُدَّعَى عَلَيْهِ؟ وَبِهِ عُمِلَ، أَوِ المُدَّعَى؟ وَأُقِيمَ منْهَا) يريد: أنه اختلف إذا كانت الدعوى في بلد، والمدعى عليه في غيرها، هل يراعى (٩) حيث يكون المدعى عليه؟ وبه قال مطرف، قال: وبه جرى العمل (١٠) بالمدينة، وبه حكم ابن بشير (١١) بالأندلس. وقاله أصبغ، وسحنون، أو إنما تكون الدعوى حيث يكون المدَّعَى فيه (١٢)، وقاله عبد الملك، وأقامه فضل من المدونة (١٣). قوله: (وَفي تَمكِينِ الدَّعْوَى لِغَائِبٍ، بِلَا وَكالَةٍ تَرَدُّدٌ) (١٤)؛ والمنع من ذلك لابن عبد

стр. 2793

الحكم، فقال: إن كان للغائب ببلد الحكم مال، أو حميل، أو وكيل، سمعت الدعوى؛ لغائب بلا وكالة (١) وإلا نقلت الشهادة (٢). ابن عبد السلام: ولا يظهر (٣) لاشتراط حضور الوكيل فائدة؛ المدعى عليه إن كان له مالٌ عند الوكيل فالمال وحده كافٍ، وإن لم يكن له عنده مال فلا معنى لنزاعه معه، اللهم إلا أن يكون الوكيل مفوضًا يلزم الموكل (٤) إقراره، فحينئذ يظهر لذلك فائدة (٥). * * *

стр. 2794

باب [في أحكام الشهادة] (المتن) بَابٌ الْعَدْلُ حُرٌّ، مُسْلِمٌ، عَاقِل، بَالِغ بِلَا فِسْقٍ وَحَجْرٍ وَبِدْعَةٍ، وَإِنْ تَأَوَّلَ، كَخَارِجِيٍّ، وَقَدَرِيٍّ، لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً، وَكَثِيرَ كَذِبٍ، أَوْ صَغِيرَةَ خِسَّةٍ وَسَفَاهَةٍ، وَلَعِبَ نَرْدٍ، ذُو مُرُوءَةٍ بِتَرْكِ غَيْرِ لَائِقٍ مِنْ حَمَامٍ، وَسَمَاعِ غِنَاءٍ، وحِرْفَةٍ دَنِيّةٍ، وَدِبَاغَةٍ، وَحِيَاكَةٍ اخْتِيَارًا، وَإِدَامَةِ شِطْرَنْج، وَإِنْ أَعْمَى فِي قَوْلٍ، أَوْ أَصَمَّ فِي فِعْلٍ، لَيْسَ بِمُغَفَّلٍ، إِلَّا فِيمَا لَا يَلْبِسُ وَلَا مُتَأَكِّدِ الْقُرْب كَأَبٍ وَإِنْ عَلَا، وَزَوْجِهِمَا وَوَلَدٍ، وَإِنْ سَفَلَ، كَبِنتٍ وَزَوْجِهِمَا وَشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أَبٍ وَاحِدَة كَكُلٍّ عِنْدَ الآخَرِ، أَوْ عَلَى شَهَادَتِهِ، أَوْ حُكْمِهِ، بِخِلافِ أَخٍ لِأَخٍ، إِنْ بَرَّزَ، وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِخِلافِهِ، كَأَجِيرٍ، وَمَوْلًى، وَمُلاطِفٍ، وَمُفَاوِضٍ فِي غَيْرِ مُفَاوَضَةٍ، وَزَائِدٍ، أَوْ نَاقِصٍ، وَذَاكِرٍ بَعْدَ شَكٍّ، وَتَزْكِيَةٍ وَإِنْ بِحَدٍّ مِنْ مَعْرُوفٍ، إِلَّا الْغَرِيبَ: بِأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا، مِنْ فَطِنٍ عَارِفٍ لَا يُخْدع، مُعْتَمِدًا عَلَى طُولِ عِشْرَةٍ، لَا سَمَاعٍ مِنْ سُوقِهِ أَوْ مَحَلَّتِهِ إِلَّا لِتَعَذُّرٍ. (الشرح) (الْعَدْلُ: حُر، مُسْلِمٌ، عَاقِلٌ، بَالِغٌ بِلا فِسْقٍ وحجر) يريد: أن العدل المقبول الشهادة من اجتمعت فيه هذه الشروط، وما يأتي بعدها، وقد ذكر من ذلك ما يكون وجوده شرطًا وعدمه مانعًا، وما يكون وجوده مانعًا وَعَدَّه شرطا (١)، واحترز بالحر من العبد ومن فيه شائبة (٢) رق، لأن ذلك أثر كفر، وبالمسلم من الكافر فإنه لا تجوز شهادته على المسلم بإجماع، ولا على مثله خلافًا لأبي حنيفة (٣)، وبالعاقل والبالغ من المجنون والصبي؛ لأنهما غير مكلفين، وبلا فسق من الفاسق فإنه لا تقبل شهادته؛ لأن فسقه لا تؤمن معه شهادة الزور، ولعله يريد بالفسق فسق الجوارح، وأما فسق الاعتقاد (٤) وهو البدعة (٥) فسيذكره، ويشترط أيضًا في قبول شهادته انتفاء الحجر -أيضًا-، فلا تقبل

стр. 2795

شهادة مولى عليه، وقاله أشهب. ابن رشد: والذي يأتي على المشهور من قول مالك وأصحابه أن المولى عليه لا تنفذ أفعاله (١)، وروى عن مالك جواز شهادته (٢). قوله: (وبِدْعَةٍ، وَإِنْ تَأَوَّلَ كَخَارِجِيٍّ، وقَدَرِيٍّ (٣)) أي: وكذا يشترط في الشهادة انتفاء البدعة، فلا تقبل شهادة مبتدع، ثم إنه نبه على أنه لا فرق في ذلك بين المتأول كالخارجي والقدري، وبين الجاهل الذي يقلد غيره في ذلك. قوله: (لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً) ليس المراد بالمباشر (٤) أنه لم تصدر منه كبيرة البتة، وإنما المراد ألا يكون متلبسًا بها تلبسًا لا يعرف له بعده توبة، وأما إذا تاب وحسنت توبته فتقبل شهادته (٥). قوله: (وكَثيرَ كَذِبٍ) إنما عطفه على الكبيرة، وإن كان من الكبائر (٦)؛ لأن انتفاءه أهم ما يطلب من الشاهد، ولما أشار إليه من أن القادح منه هو الكثير، وأما الكذبة الواحدة فلا، ولهذا قال في الرسالة: ولا تجوز شهادة مجرب في كذب (٧). قوله: (أَوْ صَغِيرَةَ (٨) خِسَّةٍ) أي: كسرقة لقمة أو التطفيف بحبة، وأما الصغيرة التي ليست كذلك فلا تقدح وغاير بين الكبيرة والصغيرة على رأي الأكثر، وإلا فالمنع على مذهب (٩) من يرى أنها كلها كبائر، وانظر قوله: (وسَفَاهَةٍ) على ماذا يعطف فإنه يحتمل أن يكون معطوفًا على (كبيرة) (١٠) أو على (حجر) أو نحو ذلك (١١).

стр. 2796

قوله: (ولَعِبَ نَرْدٍ) أي: وكذا يشترط في العدل ألا يباشر لعب نرد، ابن عبد الحكم: ولا أعلم من يلعب بها في وقتنا إلا أهل السفه ومن ترك المروءة؛ والمروءة من الدين فلا تقبل شهادة (١) من تركها (٢). قوله: (ذُو مُرُوءَةٍ) هو معطوف على قوله: (حُر، مُسْلِمٌ) (٣) والمعنى: أن العدل يشترط فيه أن يكون ذا مروءة، ثم نبه بقوله: (بِتَرْكِ غيرِ لائِقٍ مِنْ حَمَامٍ، وسَمَاعِ غِنَاءٍ، وحِرْفَةِ دَنِيِّةٍ (٤)، ودِبَاغَةٍ (٥)، وحِيَاكَةِ اختِيَارًا، وَإِدَامَةِ شِطْرَنْج) على أن المروءة هي الارتفاع عن الأمور التي لا تليق وإن لم تكن حرامًا كلعب بالحمام وسماع غناء وحرفة دنيئة (٦) كالدباغة والحياكة (٧) ونحوهما على تفسير المدونة، وقيد لعب الحمام في كتاب الرجم من المدونة بما إذا كان يقامر عليها (٨)، وأطلق في موضع آخر (٩)، واختلف هل يحمل المطلق على المقيد أم لا؟ وقال ابن محرز: المراد بالمروءة: التصون والسمة الحسنة، وحفظ اللسان وتجنب السخف والفجور (١٠) والارتفاع عن كل خلق رديء يرى أن من تخلق به لا يحافظ معه على دينه، وإن لم يكن في نفسه جرحة كالإدمان على لعب الحمام والشطرنج وإن لم يقامر عليها فلم يقيد لعب الحمام بالمقامرة عليه (١١) ولم يعتبر هنا الإدمان إلا في الشطرنج وما ذكره في الحرف الدنية ونحوه في الجواهر (١٢).

стр. 2797

ونبه بقوله: (اخْتِيَارًا) على أن من اضطر لفعلها لفاقة نزلت به أو نحوها أو أكره على فعلها لا تكون قادحة، يريد: أو قصد بذلك كسر نفسه، وقد نص عليه بعض أصحابنا، وإنما اشترط الإدمان في الشطرنج دون غيرها، لأنه كذلك في كتاب الشهادات من المدونة (١) لاختلاف الناس في إباحتها، وفي كتاب (٢) الرجم والسرقة منها ايشترط ذلك (٣). واختلف هل هو خلاف أو وفاق، فيحمل المطلق على المقيد. وحكى ابن يونس وابن أبي زيد قولين أحدهما (٤): أن من لعبها لا تجوز شهادته، وإن لم يكن مدمنًا، وقال ابن عبد الحكم: إن أكثر من لعبها حتى شغلته عن الصلاة في الجماعة طرحت شهادته، وإلا جازت (٥). وقيل: إن لعبها مع الأوباش على الطرقات كان ذلك قادحًا في شهادته وإلا جازت (٦)، وإن لعبها في الخلوة مع الأمثال والنظراء من غير إدمان، ولا في حال يلهي عن العبادات والمهمات الدينية والدنيوية فلا يقدح. قوله: (وإِنْ أَعْمَى فِي قَوْلٍ أَوْ أَصَمَّ فِي فِعْلٍ) يعني: أنه لا يشترط في الشاهد أن يكون سميعًا بصيرًا، بل تجوز شهادة (٧) الأعمى في الأقوال، والأصم في الأفعال. قوله: (لَيْسَ بِمُغَفَّلٍ إِلا فِيما لا يَلْبِسُ) هذا شروع منه في موانع الشهادة، وهو

стр. 2798

التغفل، فلا تقبل شهادة المغفل إلا في أمر لا يلبس كقوله: رأيت هذا قتل هذا أو فقأ عينيه أو قطع يديه أو نحو ذلك من الأفعال، ونحو: سمعت هذا طلق زوجته فلانة أو شتم فلانًا ونحوه من الأقوال، ونحوه للمازري وابن شاس (١). قوله: (ولا مُتَأَكِّدِ الْقُرْبِ كَأَبٍ وإِنْ عَلا، (٢) وزَوْجِهِما، ووَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ كَبِنْتٍ وزَوْجِهِمَا (٣)) هذا هو المانع الثاني: وهو القرب المتأكد لا مطلق القرب، والمراد بالأب الجنس ليشمل الأب والأم (٤) وآباءهما وهم (٥): الأجداد والجدات وأصولهما وأصول أصولهما، ولهذا قال (وإِنْ عَلا). وقوله: (وزَوْجهِمَا) أي: زوج الأب وزوج الأم. وقوله: (ووَلَدٍ، وإِنْ سَفَلَ كبِنْتٍ) أي: وإن سفلت، وحكى بعضهم عن مالك قبول شهادة الولد لأبيه دون العكس، وأنكره المازري وغيره من أشياخنا. قوله: (وزَوْجِهِمَا) أي: الابن والبنت، وهو ظاهر، وقد اختلف في شهادة الرجل لزوج ابنته وزوج ابنه على ثلاثة أقوال: المنع لابن القاسم، وهو الذي اقتصر عليه هنا، والجواز لسحنون (٦). وحكى ابن محرز (٧): إن كان مبرزًا جاز وإلا فلا (٨). قوله: (وشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أَبٍ، وَاحِدَةٌ ككُلٍّ عِنْدَ الآخَرِ، أو عَلَى شَهَادَتِهِ، أَوْ حُكْمِهِ) ابن رشد: شهادة الأب عند ابنه أَو الابن عند أبيه أو شهادة كل واحد منهما مع الآخر أو شهادة كل واحد منهما على شهادة الآخر، وعلى حكمه مع حكمه، الحكم فيها كلها سواء، والاختلاف فيها واحد، فقيل: ذلك جائز، وهو قول سحنون، لأنه أجاز شهادة

стр. 2799

الأب على قضاء ابنه بعد عزله، وأجاز شهادته عنده بشرط التبريز (١). قال (٢): وينبغي أن يكون هذا الشرط عنده (٣) في بقيتها، وهو قول مطرف، لأنه أجاز شهادة كل واحد منهما على شهادة (٤) الآخر بهذا الشرط (٥)، وقيل: لا تجوز وهو قول أصبغ، لأنه لم يجز شهادة كل واحد منهما على شهادة الآخر، وكذلك يأتي على مذهبه في بقيتها، وفرق ابن الماجشون بين شهادته معه وشهادته على شهادته، وبين شهادته على حكمه بعد عزله، فأجازها في الأولين وردها في الآخر، وذلك تناقض (٦). فقول الشيخ: (وَاحِدَةٌ) أي: شهادة واحدة من غير شرط (٧) هو جار على مذهب أصبغ، لأن مراده لا تجوز، أي: فلا يجوز جعلهما شهادتين، بل يجعلان معًا شهادة واحدة (٨)، وتبطل الشهادة الأخرى كما تبطل في بقية ذلك. قوله: (بِخِلافِ أَخٍ لأَخٍ، إِنْ بَرَّزَ، ولَوْ بِتَعْدِيلٍ) أي: فإنها جائزة، وقيده مالك في المدونة (٩) بما إذا لم يكن في عيال أخيه، وإلا فإنها تبطل (١٠)، وأشار بقوله: (إِنْ يَرَّزَ، ولَوْ بِتَعْدِيلٍ) إلى أن شرط جواز شهادته لأخيه بأن (١١) يكون مبرزًا في العدالة و (١٢) الأموال والتعديل كذلك واحد (١٣)، وقاله في المدونة (١٤) وحملها الأكثرون على ظاهرها، وقال بعضهم: المراد بالتعديل تعديل من يشهد لأخيه، فلا يجوز له

стр. 2800

تعديله؛ لأنه يتشرف بعدالة أخيه، وهو معنى قوله: (وتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بخِلافةِ) وإلى هذا القول ذهب أشهب وغيره، وهو الظاهر، وعلى الأول يجرح من جرحه، ولابن الماجشون يعدله ولا يجرحه، واختاره ابن حبيب. ابن القاسم في المستخرجة: ويعدل الأخ أخاه، وقال أشهب: لا يعدله (١). لأن شرف أخيه شرف له، وفي الرسالة: وتجوز شهادة الأخ العدل لأخيه (٢). فلم يشترط تبريزًا ولا غيره (٣)، وإليه ذهب بعضهم، وفي البيان: لا خلاف في جواز شهادته له في الأموال ما لم يكن في عيال المشهود له قيل: مطلقًا، وقيل: بشرط التبريز. واختلف في شهادته له في جراح العمد، والمشهور المنع خلافًا لأشهب، وألزمه ابن رشد جوازها له في القتل والحدود (٤). قوله: (كَأَجِيرٍ ومَوْلًى، ومُلاطِفٍ، ومُفَاوِضٍ فِي غيرِ مُفَاوَضَةٍ، وزَائِدٍ أَوْ نَاقِصٍ، وذَاكِرٍ بَعْدَ شَكٍّ وَتَزْكِيَةٍ) هذه النظائر راجعة إلى قيد التبريز، والمراد أنه يشترط في ثماني مسائل، الأط: شهادة الأخ لأخيه كما مر، الثانية: شهادة الأجير لمستأجره إذا لم يكن في عياله، الثالثة: شهادة المولى لمن أعتقه، الرابعة: شهادة الصديق الملاطف لصديقه، الخامسة: شهادة الشريك المفاوض لشريكه في غير مال المفاوضة، السادسة: من زاد في شهادته أو نقص بعد أن شهدها، وذكر هذه الستة ابن رشد في كتابه، قال: وهو مذهب ابن القاسم (٥)، السابعة: إذا شك في شهادته ثم تذكرها، وزاد في المقدمات ثامنة، وهي شهادة المزكي في تزكيته تلك (٦). قوله: (وإِنْ بِحَدٍّ) يعني: أن المبرز تجوز تزكيته (٧) لمن شهد في حد من الحدود إذا

стр. 2801

طلب منه القاضي تزكيته، وقال أشهب وعبد الملك (١): لا تجوز تزكيته (٢) في الدماء (٣). ابن زرقون: ولم يصحب هذا القول عمل (٤). قوله: (مِنْ مَعْرُوفٍ إِلا الْغَرِيبَ) مراده: أن من ليس بغريب إذا شهد عند الحاكم شهادة فطلب منه تزكية فلا يزكي (٥) إلا من هو معروف عند القاضي من أهل بلده، فلا يقبل في تزكيته غير ذلك بخلاف الغريب الذي ليس من أهل البلد، فيقبل في (٦) تزكيته من ليس بمعروف عند القاضي، إذا كان ثم من (٧) يعرفه بالعدالة ويخبر به القاضي، وقاله في المدونة (٨). قوله: (بِأَشْهَدُ (٩) أنّه عَدْلٌ رِضًا) يريد: أن المزكي لا بد أن يقول في تزكية من يزكيه: أشهد أنه عدل رضًا. ويكتفي بذلك، واختاره مالك وأصحابه، وعن مطرف وعبد الملك: يقول هو عندي عدل رضا. وليس عليه أن يقول: هو عدل ورضًا في علم الله تعالى، ولا أرضاه لي وعلي (١٠)، وروي (١١) عن مالك وبه قال أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ وسحنون (١٢). واختلف إذا اقتصر على أحد اللفظين، فقيل: لا يجزئه، وهو ظاهر كلامه هنا، ابن عبد البر في الكافي (١٣)، وهو تحصيل مذهب مالك (١٤).

стр. 2802

وقال ابن زرقون: المعلوم من المذهب خلافه وأنه إذا اقتصر على أحدهما أجزأ وهو المعلوم، ولمالك وسحنون وغير هما، واختار اللخمي التفصيل، فقال: إن اقتصر على أحدهما (١) ولم يسأل على الآخر (٢) فهو تعديل، وإن سئل وتوقف كان توقفه ريبة في العدالة، فلا يجزئ (٣). وقال في المجموعة: فإن قال: لا أعرف إلا خيرا فليس بتزكية حتى يقول: أعلمه رضًا، وأراه (٤) عدلًا، وقال ابن نافع عن مالك: أراه عدلًا رضًا، وعن مالك وابن كنانة: أعرفه أو أعلمه عدلًا رضًا (٥) جائز الشهادة (٦). قوله: (مِنْ فَطِنٍ عَارِفٍ لا يُخْدَعُ، مُعْتَمِدًا عَلَى طُولِ عِشرَةٍ) يريد: أن التزكية لا تقبل إلا ممن هو عارف فطن لا يخدع؛ لأنَّ التصنع كثير، ووجوهه مختلفة (٧) فلا يقبل كل مزك؛ إذ ليس كل من تجوز شهادته تقبل تزكيته (٨)، بل لا بد أن يكون مطلعًا على عورات الناس (٩) مع اعتماده على طول المعاشرة، وقال سحنون: تقبل تزكية كل من يعرف باطنه، كما يعلم ظاهره ممن صحبه طويلًا وعامله في السفر والحضر (١٠). قوله: (لا سَماعٍ مِنْ سُوقِهِ، أَوْ مَحَلَّتِهِ) أي: فإن المزكي لا يكفيه في تعديل غيره اعتماده

стр. 2803

على سماع من غيره، ولا بد أن يكون معتمدًا على ما تقدم. قوله (١): (من أهل سوق المزكي أو محلته)؛ لأن تزكية غير (٢) هؤلاء له ريبة، قاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، إلا أنهم قيدوه بما إذا كان غير مشهور العدالة، قالوا (٣): إلا أن يكون معدلوه أهل برازة في العدالة والفضل (٤)، وإليه أشار بقوله: (إِلا لِتَعَذُّرٍ (٥)). (المتن) وَوَجَبَتْ إِنْ تَعَيَّنَ كَجَرْحٍ، إِنْ بَطَلَ حَقٌّ، وَنُدِبَ تَزْكِيَةُ سِرٍّ مَعَهَا مِنْ مُتَعَدِّدٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الاِسْمَ، أَوْ لَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ، بِخِلَافِ الْجَرْحٍ، وَهُوَ المُقَدَّمُ، وَإِنْ شَهِدَ ثَانِيًا فَفِي الاِكْتِفَاءِ بِالتَّزْكيَةِ الأولَى تَرَدُّدٌ. وَبِخِلَافِهَا لِأحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الآخَرِ، أَوْ أَبَوَيْهِ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيلٌ لَهُ، وَلَا عَدُوٌّ على عدو وَلَوْ عَلَى ابْنِهِ، أَوْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَلْيُخْبِرْ بِهَا، كَقَوْلِهِ بَعْدَهَا، تَتَّهِمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالْمَجَنونِ: مُخَاصِمًا لَا شَاكِيًا. وَاعْتَمَدَ فِي إِعْسَارٍ بِصُحْبَةٍ، وَقَرِينَةِ صَبْرِ ضَرر الزَّوْجَينِ، وَلَا إِنْ حَرَصَ عَلَى إِزَالَةِ نَقْصٍ فِيمَا رُدَّ فِيهِ: بِفِسْقٍ، أَوْ صِبًا، أَوْ رِقٍّ، أَوْ عَلَى التَّأَسِّي، كَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَى فِيهِ، أَوْ مَنْ حُدَّ فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَلَا إِنْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ، كَمُخَاصَمَةِ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، أَوْ شَهِدَ وَحَلَفَ، (الشرح) قوله: (ووَجَبَت، إِنْ تَعَيَّنَ (٦)) يشير بهذا إلى ما قاله مالك (٧): إن من علم عدالة شخص يجب عليه تزكيته؛ لأنه من جملة الحقوق إلا أن يجد غيره فهو في سعة، ورخص في ذلك ابن نافع، لأن العدالة غير مقطوع بها بخلاف سائر الحقوق. قوله: (كَجَرْحٍ، إِنْ بَطَلَ حَقٌّ) يريد: وكذلك يجب على من علم من شخص جرحة أن يجرحه إذا خاف إن سكت أن يحق بشهادة المجروح باطل أو يفوت حق.

стр. 2804

قوله: (ونُدِبَ تَزْكيَةُ سِرٍّ مَعَهَا) أي: مع تزكية العلانية، وقاله الباجي (١) وغيره، ولا شك أن الجمع في التزكية بين السر والعلانية أولط، فإن اقتصر على العلانية وحدها؛ جاز، وقاله في المدونة (٢) خلافا لعبد الملك (٣)، واستحسنه اللخمي (٤)، وأما تزكية السر فلا خلاف أنها كافية. قوله: (مِنْ مُتَعَدِّدٍ) يريد: أن التزكية إنما تكون من اثنين فصاعدًا، وقال بعضهم: لا خلاف أن الشاهد الواحد يجزئ في السر، وأن الاختيار اثنان، وأما في العلانية فلا يقبل إلا اثنان، وعن ابن كنانة أنها لا تكون إلا من ثلاثة فصاعدًا. قوله: (وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الاسْمَ، أَوْ لَمْ (٥) يَذْكُرِ السَّبَبَ) هكذا عن (٦) ابن كنانة وسحنون أنه يقبل تعديل الشاهد لمن لا يعرف اسمه، وأشار بقوله: (أَوْ لَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ) إلى انه لا يجب على المزكي أن يذكر سبب التعديل، لأن التزكية لا تكون إلا بعد طول الصحبة، واختبار الأفعال الكثيرة، وذكر ذلك يطول. قوله: (بِخِلافِ الْجَرْحِ) أي: فإنه لا بد فيه من ذكر السبب، وفي ذلك أقوال حكاها اللخمي وابن (٧) شاس، ثالثها: لمطرف، إن كان عالمًا بوجه التجريح لم يجب ذكر السبب وإلا وجب، ورابعها لأشهب: إن كان المجرَّح بفتح الراءِ غير مبرز في العدالة لم يجب على من جرحه ذكر السبب وإلا وجب (٨). قوله: (وهُوَ الْمُقَدَّمُ) يريد: أن من شهدت له بينة بالعدالة، وجرحته بينة أخرى، فإن بينة الجرح مقدمة؛ لأنها علمت ما لم يعلم المعدلون، واختاره ابن رشد وغيره، وقيل: يصار إلى التجريح. ولمطرف وابن وهب أن بينة التعديل أولى، ابن رشد: وهذا الخلاف

стр. 2805

إذا لم يقيد المجرحون الجرحة وإلا (١) فلا خلاف في تقديم الجرح (٢)، انظر الكبير. قوله: (وإِنْ شَهِدَ ثَانِيًا فَفِي الاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكيَةِ الأُولَى تَرَدُّدٌ) أي: فإن شهد شهادة (٣) فزكي فيها، ثم شهد ثانيًا فهل يكتفى بالتزكية الأولى أو لا بد من تزكية أخرى؟ تردد الأشياخ في ذلك (٤)، فذهب أشهب إلى الاكتفاء، وقال سحنون: لا بد من التزكية كلما شهد حتى يكثر تعديله، وتشتهر تزكيته، روى مطرف وابن الماجشون عن مالك: يكتفى بالأول ما لم يغمز (٥) فيه بشيء أو يرتاب منه، وقيل: إن زكاه من هو مشهور بالعدالة في تزكيته اكتفى، وقيل: إن المشهور بالعدالة يكتفى فيه (٦) بالتزكية الأولى حتى يجرح بأمر بين، والذي ليس بمعروف يتوقف فيه على تعديل (٧)، فاعتبر في هذا القول حال المزكَّى بفتح الكاف، وفيما قبله اعتبر حال المزكِّي بالكسر وهما معا منسوبان إلى ابن كنانة، ولابن القاسم إن كانت الشهادة الثانية قريبة من الأولى، اكتفى بالتزكية الأولى، وإن طال ما بينهما لم يكتف بها، وكشف عنه ثانيًا طلب ذلك المشهود عليه أم لا، والسنة طول، وقال أشهب: إن شهد بعد خمس سنين ونحوها سأل عنه العدل الأول، فإن مات عُدِّلَ أخرى وإلا لم يقبل (٨). قوله: (وبِخِلافِهَا لأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الآخَرِ، أوْ أَبَوَيْهِ) هذا معطوف على قوله: (بخِلافِ أَخٍ لأَخٍ) أي: بخلاف شهادة أخ لأخ، وبخلافها لأحد ولديه على الآخر أو لأَحد أبويه على الآخر؛ فإنها أيضا جائزة (٩)، وحكى ابن محرز في ذلك قولين، وصوب
следующие страницы →