← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

طلب منه القاضي تزكيته، وقال أشهب وعبد الملك (١): لا تجوز تزكيته (٢) في الدماء (٣). ابن زرقون: ولم يصحب هذا القول عمل (٤). قوله: (مِنْ مَعْرُوفٍ إِلا الْغَرِيبَ) مراده: أن من ليس بغريب إذا شهد عند الحاكم شهادة فطلب منه تزكية فلا يزكي (٥) إلا من هو معروف عند القاضي من أهل بلده، فلا يقبل في تزكيته غير ذلك بخلاف الغريب الذي ليس من أهل البلد، فيقبل في (٦) تزكيته من ليس بمعروف عند القاضي، إذا كان ثم من (٧) يعرفه بالعدالة ويخبر به القاضي، وقاله في المدونة (٨). قوله: (بِأَشْهَدُ (٩) أنّه عَدْلٌ رِضًا) يريد: أن المزكي لا بد أن يقول في تزكية من يزكيه: أشهد أنه عدل رضًا. ويكتفي بذلك، واختاره مالك وأصحابه، وعن مطرف وعبد الملك: يقول هو عندي عدل رضا. وليس عليه أن يقول: هو عدل ورضًا في علم الله تعالى، ولا أرضاه لي وعلي (١٠)، وروي (١١) عن مالك وبه قال أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ وسحنون (١٢). واختلف إذا اقتصر على أحد اللفظين، فقيل: لا يجزئه، وهو ظاهر كلامه هنا، ابن عبد البر في الكافي (١٣)، وهو تحصيل مذهب مالك (١٤).

стр. 2802

وقال ابن زرقون: المعلوم من المذهب خلافه وأنه إذا اقتصر على أحدهما أجزأ وهو المعلوم، ولمالك وسحنون وغير هما، واختار اللخمي التفصيل، فقال: إن اقتصر على أحدهما (١) ولم يسأل على الآخر (٢) فهو تعديل، وإن سئل وتوقف كان توقفه ريبة في العدالة، فلا يجزئ (٣). وقال في المجموعة: فإن قال: لا أعرف إلا خيرا فليس بتزكية حتى يقول: أعلمه رضًا، وأراه (٤) عدلًا، وقال ابن نافع عن مالك: أراه عدلًا رضًا، وعن مالك وابن كنانة: أعرفه أو أعلمه عدلًا رضًا (٥) جائز الشهادة (٦). قوله: (مِنْ فَطِنٍ عَارِفٍ لا يُخْدَعُ، مُعْتَمِدًا عَلَى طُولِ عِشرَةٍ) يريد: أن التزكية لا تقبل إلا ممن هو عارف فطن لا يخدع؛ لأنَّ التصنع كثير، ووجوهه مختلفة (٧) فلا يقبل كل مزك؛ إذ ليس كل من تجوز شهادته تقبل تزكيته (٨)، بل لا بد أن يكون مطلعًا على عورات الناس (٩) مع اعتماده على طول المعاشرة، وقال سحنون: تقبل تزكية كل من يعرف باطنه، كما يعلم ظاهره ممن صحبه طويلًا وعامله في السفر والحضر (١٠). قوله: (لا سَماعٍ مِنْ سُوقِهِ، أَوْ مَحَلَّتِهِ) أي: فإن المزكي لا يكفيه في تعديل غيره اعتماده

стр. 2803

على سماع من غيره، ولا بد أن يكون معتمدًا على ما تقدم. قوله (١): (من أهل سوق المزكي أو محلته)؛ لأن تزكية غير (٢) هؤلاء له ريبة، قاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، إلا أنهم قيدوه بما إذا كان غير مشهور العدالة، قالوا (٣): إلا أن يكون معدلوه أهل برازة في العدالة والفضل (٤)، وإليه أشار بقوله: (إِلا لِتَعَذُّرٍ (٥)). (المتن) وَوَجَبَتْ إِنْ تَعَيَّنَ كَجَرْحٍ، إِنْ بَطَلَ حَقٌّ، وَنُدِبَ تَزْكِيَةُ سِرٍّ مَعَهَا مِنْ مُتَعَدِّدٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الاِسْمَ، أَوْ لَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ، بِخِلَافِ الْجَرْحٍ، وَهُوَ المُقَدَّمُ، وَإِنْ شَهِدَ ثَانِيًا فَفِي الاِكْتِفَاءِ بِالتَّزْكيَةِ الأولَى تَرَدُّدٌ. وَبِخِلَافِهَا لِأحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الآخَرِ، أَوْ أَبَوَيْهِ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيلٌ لَهُ، وَلَا عَدُوٌّ على عدو وَلَوْ عَلَى ابْنِهِ، أَوْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَلْيُخْبِرْ بِهَا، كَقَوْلِهِ بَعْدَهَا، تَتَّهِمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالْمَجَنونِ: مُخَاصِمًا لَا شَاكِيًا. وَاعْتَمَدَ فِي إِعْسَارٍ بِصُحْبَةٍ، وَقَرِينَةِ صَبْرِ ضَرر الزَّوْجَينِ، وَلَا إِنْ حَرَصَ عَلَى إِزَالَةِ نَقْصٍ فِيمَا رُدَّ فِيهِ: بِفِسْقٍ، أَوْ صِبًا، أَوْ رِقٍّ، أَوْ عَلَى التَّأَسِّي، كَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَى فِيهِ، أَوْ مَنْ حُدَّ فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَلَا إِنْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ، كَمُخَاصَمَةِ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، أَوْ شَهِدَ وَحَلَفَ، (الشرح) قوله: (ووَجَبَت، إِنْ تَعَيَّنَ (٦)) يشير بهذا إلى ما قاله مالك (٧): إن من علم عدالة شخص يجب عليه تزكيته؛ لأنه من جملة الحقوق إلا أن يجد غيره فهو في سعة، ورخص في ذلك ابن نافع، لأن العدالة غير مقطوع بها بخلاف سائر الحقوق. قوله: (كَجَرْحٍ، إِنْ بَطَلَ حَقٌّ) يريد: وكذلك يجب على من علم من شخص جرحة أن يجرحه إذا خاف إن سكت أن يحق بشهادة المجروح باطل أو يفوت حق.

стр. 2804

قوله: (ونُدِبَ تَزْكيَةُ سِرٍّ مَعَهَا) أي: مع تزكية العلانية، وقاله الباجي (١) وغيره، ولا شك أن الجمع في التزكية بين السر والعلانية أولط، فإن اقتصر على العلانية وحدها؛ جاز، وقاله في المدونة (٢) خلافا لعبد الملك (٣)، واستحسنه اللخمي (٤)، وأما تزكية السر فلا خلاف أنها كافية. قوله: (مِنْ مُتَعَدِّدٍ) يريد: أن التزكية إنما تكون من اثنين فصاعدًا، وقال بعضهم: لا خلاف أن الشاهد الواحد يجزئ في السر، وأن الاختيار اثنان، وأما في العلانية فلا يقبل إلا اثنان، وعن ابن كنانة أنها لا تكون إلا من ثلاثة فصاعدًا. قوله: (وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الاسْمَ، أَوْ لَمْ (٥) يَذْكُرِ السَّبَبَ) هكذا عن (٦) ابن كنانة وسحنون أنه يقبل تعديل الشاهد لمن لا يعرف اسمه، وأشار بقوله: (أَوْ لَمْ يَذْكُرِ السَّبَبَ) إلى انه لا يجب على المزكي أن يذكر سبب التعديل، لأن التزكية لا تكون إلا بعد طول الصحبة، واختبار الأفعال الكثيرة، وذكر ذلك يطول. قوله: (بِخِلافِ الْجَرْحِ) أي: فإنه لا بد فيه من ذكر السبب، وفي ذلك أقوال حكاها اللخمي وابن (٧) شاس، ثالثها: لمطرف، إن كان عالمًا بوجه التجريح لم يجب ذكر السبب وإلا وجب، ورابعها لأشهب: إن كان المجرَّح بفتح الراءِ غير مبرز في العدالة لم يجب على من جرحه ذكر السبب وإلا وجب (٨). قوله: (وهُوَ الْمُقَدَّمُ) يريد: أن من شهدت له بينة بالعدالة، وجرحته بينة أخرى، فإن بينة الجرح مقدمة؛ لأنها علمت ما لم يعلم المعدلون، واختاره ابن رشد وغيره، وقيل: يصار إلى التجريح. ولمطرف وابن وهب أن بينة التعديل أولى، ابن رشد: وهذا الخلاف

стр. 2805

إذا لم يقيد المجرحون الجرحة وإلا (١) فلا خلاف في تقديم الجرح (٢)، انظر الكبير. قوله: (وإِنْ شَهِدَ ثَانِيًا فَفِي الاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكيَةِ الأُولَى تَرَدُّدٌ) أي: فإن شهد شهادة (٣) فزكي فيها، ثم شهد ثانيًا فهل يكتفى بالتزكية الأولى أو لا بد من تزكية أخرى؟ تردد الأشياخ في ذلك (٤)، فذهب أشهب إلى الاكتفاء، وقال سحنون: لا بد من التزكية كلما شهد حتى يكثر تعديله، وتشتهر تزكيته، روى مطرف وابن الماجشون عن مالك: يكتفى بالأول ما لم يغمز (٥) فيه بشيء أو يرتاب منه، وقيل: إن زكاه من هو مشهور بالعدالة في تزكيته اكتفى، وقيل: إن المشهور بالعدالة يكتفى فيه (٦) بالتزكية الأولى حتى يجرح بأمر بين، والذي ليس بمعروف يتوقف فيه على تعديل (٧)، فاعتبر في هذا القول حال المزكَّى بفتح الكاف، وفيما قبله اعتبر حال المزكِّي بالكسر وهما معا منسوبان إلى ابن كنانة، ولابن القاسم إن كانت الشهادة الثانية قريبة من الأولى، اكتفى بالتزكية الأولى، وإن طال ما بينهما لم يكتف بها، وكشف عنه ثانيًا طلب ذلك المشهود عليه أم لا، والسنة طول، وقال أشهب: إن شهد بعد خمس سنين ونحوها سأل عنه العدل الأول، فإن مات عُدِّلَ أخرى وإلا لم يقبل (٨). قوله: (وبِخِلافِهَا لأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الآخَرِ، أوْ أَبَوَيْهِ) هذا معطوف على قوله: (بخِلافِ أَخٍ لأَخٍ) أي: بخلاف شهادة أخ لأخ، وبخلافها لأحد ولديه على الآخر أو لأَحد أبويه على الآخر؛ فإنها أيضا جائزة (٩)، وحكى ابن محرز في ذلك قولين، وصوب

стр. 2806

الإجازة (١). قوله: (إِنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لَهُ)، أي: كشهادته للبر على العاق والصغير على الكبير وما أشبه ذلك (٢). قوله: (وَلا عَدُوٌّ على عدو وَلَوْ عَلَى ابْنِهِ) هذا هو المانع الثالث من موانع الشهادة، وهو العداوة، والمراد بها الدنيوية لا الدينية، لجواز شهادة المسلم على الكافر (٣)، فلا تقبل شهادة عدو على عدوه، ولا على ابن عدوه، ولهذا قال: (وَلَوْ عَلَى ابْنِهِ) وهو قول ابن القاسم (٤)، وصوبه ابن يونس، وعن (٥) محمد جوازها إن كان الأب حيًّا والابن في ولايته، وقيل: تجوز ما لم يكن في ولايته، وقيل: لا يجوز بحال في حياة الأب، وتجوز بعد موته، وهذا الخلاف مقيد بما إذا لم يدخل على الأب معرة بتلك الشهادة، وإلا لم تجز اتفاقًا. قوله: (أَوْ (٦) مُسْلِمٍ وكَافِرٍ) قد سبق أن العداوة الدينية إذا جاوزت القدر الواجب تمنع جواز الشهادة، فلهذا إذا طرأت عداوة بين مسلم وكافر لأمر حدث امتنعت شهادته، أي: شهادة المسلم عليه حينئذ. عياض: وهو الصحيح (٧)، وقد اختلف في ذلك. قوله: (وَلْيُخْبِرْ بِهَا) قال مالك: وإذا شهد وجب عليه أن يخبر الحاكم بأنه عدوه، قال سحنون: لا يخبره (٨). قوله: (كَقَوْلِهِ بَعْدَهَا تتهمني وتُشَبِّهُنِي بِالْمَجَنونِ مُخَاصِمًا، لا شَاكِيًا) أي: وكذلك لا تقبل شهادة الشاهد إذا قال بعدها للمشهود عليه: تتهمني إلى آخره، وقد اختلف النقل

стр. 2807

عن أصبغ في هذه المسألة، فحكى عنه ابن عبد السلام أن شهادته لا تطرح إلا أن تثبت العداوة من قبل، ونقل المازري عنه ردها، وعللها بكون الشاهد أقر على نفسه بعداوة المشهود عليه، ونقل ابن سهل هذا عن ابن الماجشون، ونقل عن أصبغ أيضًا: أنها لا تبطل إذا كان ذلك منه على جهة الشكوى، لا على جهة طلب المخاصمة فتبطل إن كانت على جهة الخصومة (١)، ولما كان هذا النقل كالجامع بين النقلين، اعتمده الشيخ ﵀، (مخاصمًا) حال من الهاء في قوله (بعدها لا شَاكِيًا) كذلك (٢). قوله: (وَاعْتَمَدَ فِي إِعْسَارٍ بِصُحْبَة، وقَرِينَةِ صَبْرِ ضَرر الزَّوْجَيْنِ) يريد: أن الشاهد يعتمد في شهادة الإعسار على طول الصحبة، والقرينة القوية كصبر المشهود عليه على ضرر الجوع وألمه (٣)، وتحمل مشاقه مما لا يكون إلا مع الفقر، وأما ضرر الزوجين فهو (٤) وإن كان يمكن فيه القطع؛ لكونه من الجيران والأقارب إلا أنه نادر (٥)، ولابن القاسم جوازه في الضرر (٦) وبالسماع من الأهل والجيران. قوله: (وَلا إِنْ حَرِصَ عَلَى إِزَالَةِ نَقْصٍ فِيما رُد فِيهِ بِفِسْقٍ أَوْ صِبًا أَوْ رِقٍّ) هذا هو المانع الرابع، وهو أن يحرص الشاهد على إزالة نقص حصل له من شهادة رد فيها بأن يكون شهد بها حال فسقه أو صباه أو رقه أو كفره فحكم القاضي بردها، ثم زال ذلك المانع عنه، فأداها ثانيًا، فإنها لا تقبل منه؛ لأنه يتهم أن يكون حرص على قبولها بعد ردها لما جبلت عليه الطبائع البشرية من الحرص على دفع المعرة، واحترز بقوله: (فِيمَا رُدَّ فِيهِ بِفِسْقٍ) مما إذا شهد بها ولم ترد حتى زال المانع فإنها تقبل إذا أداها بعد زوال المانع، وقاله ابن القاسم، وهو قياس قول مالك وأصحابه، فلو قال القاضي: لا أجيز شهادة هؤلاء لما رفعت إليه فليس ذلك برد لها، وتقبل. بعد ذلك؛ لأنَّ كلامه فتيا لا حكم (٧).

стр. 2808

قوله: (أَوْ عَلَى التَّأَسِّي كشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِيهِ أَوْ مَنْ حُدَّ فِيمَا، حُدَّ فِيهِ) يريد: أن الحرص كما يكون مقصودًا به إزالة النقص الداخل على الشخص، كذلك يكون مقصودًا به التأسي بغيره، فيتهم ولد الزنى إذا شهد بالزنى على إشاعة هذه الفاحشة؛ ليكثر من يشاركه في صفته تلك، ليستتر في الناس ويزول عنه التعيير (١)، ولا خلاف في ذلك في المذهب، وأما شهادته فيما حد فيه وتاب منه، فالمشهور أيضًا أنها لا تقبل، وقيل: تقبل. وهو قول مالك من رواية ابن نافع، وبه قال هو وابن كنانة (٢) وهو ظاهر المدونة (٣). واحترز بقوله: (فيما حد فيه) مما إذا شهد في غير ذلك بعد توبته فإنها تقبل (٤). قوله: (ولا إِنْ حَرِصَ عَلَى الْقَبُولِ كَمُخَاصَمَةِ مَشْهُودٍ عَلَيهِ مُطْلَقًا) هذا هو المانع الخامس، وهو الحرص على (٥) الشهادة، وأراد (٦) أن الحرص تارة يكون باعتبار القبول، ويكون تارة باعتبار الأداء، وتارة باعتبار التحمل، فأما الوجه الأول وهو أن يحرص على القبول كما إذا خاصم الشاهد المشهود عليه في حق الآدمي أو حق الله تعالى، وهو مراده بالإطلاق (٧)، فإن شهادته لا تقبل عليه، وهو قول ابن القاسم خلافًا لابن الماجشون ومطرف وأصبغ، واختاره اللخمي وابن رشد (٨).

стр. 2809

وقوله: (أوْ شَهِدَ وَحَلَفَ) يريد سواء كان في حق الله تعالى أو حق آدمي (١)، وهو قول ابن شعبان، وأخذ ابن رشد من العتبية خلافه إلا أن يكون الشاهد من العوام، فإنهم يتسامحون في ذلك. (المتن) أَوْ رَفَعَ قَبْلَ الطَّلَبِ فِي مَحْضِ حَقِّ الآدَمِيِّ. وَفِي مَحْضِ حَقِّ اللَّهِ تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِالإِمْكَانِ، إِنِ اسْتُدِيمَ تَحْرِيمُهُ، كَعِتْقٍ، وَطَلَاقٍ، وَوَقْفٍ، وَرَضَاعٍ، وَإِلَّا خيِّرِ. كَالزِّنَا، بِخِلَافِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ، كَالْمُخْتَفِي، وَلَا إِنِ اسْتُبْعِدَ كَبَدْوِيٍّ لِحَضَرِيٍّ، بخِلَافِ إِنْ سَمِعَهُ، أَوْ مُرَّ بِهِ، وَلَا سَائِلٍ فِي كَثِيرٍ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَسْأَلْ، أَوْ يَسأَلِ الأَعْيَانَ، وَلَا إِنْ جَرَّ بِهَا نَفْعًا، كَعَلَى مُوَرِّثِهِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَا، أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ، إِلَّا الْفَقِيرَ، أَوْ بِعِتْقِ مَنْ يُتَّهَمُ فِي وَلَائِهِ، أَوْ بِدَيْنٍ لِمَدِينِهِ، بِخِلَافِ الْمُنْفِقِ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، وَشَهَادَةِ كُل لِلآخَرِ، وَإِنْ بِالْمَجْلِسِ وَالْقَافِلَةِ، بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فِي حِرَابَةٍ، لَا الْمَجْلُوبُونَ، إِلَّا كَعِشْرِينَ، وَلَا مَنْ شَهِدَ لَهُ بِكَثِيرٍ وَلِغَيْرِهِ بِوَصِيَّةٍ، وَإِلَّا قُبِلَ لَهُمَا، وَلَا إِنْ دَفَعَ كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ، أَوِ الْمُدَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ. (الشرح) ثم أشار إلى الوجه الثاني وهو الحرص على أداء الشهادة بقوله: (أَوْ رَفَعَ قَبْلَ الطَّلَبِ فِي محض حَقِّ الآدَمِيِّ، وفي محض حَقِّ اللهِ تعالى تَجِبُ الْمُبادَرَةُ بالإِمْكَانِ، إِنِ اسْتُدِيمَ تَحْرِيمُهُ كَعِتْقٍ وطَلاقٍ ورِضَاعٍ ووَقْفِ وإِلا خُير كَالزِّنَا) وحاصل مَا ذكره في هذا الوجه أن الحقوق ثلاثة أنواع: الأول: أن يتمحض الحق للآدمي، كشهادته عليه بدين ونحوه، فلا يؤديها قبل، السؤال، فإن فعل كان ذلك قادحًا فيما قاله (٢) سحنون: لا يكون ذلك جرحة إلا في حق الله تعالى، وقيل هو (٣) جرحة في الشهادة نفسها لا يصلح له أداؤها،

стр. 2810

قاله في الإكمال (١). الثاني: أن يكون الحق لله وهو (٢) مما يستدام فيه التحريم فتقبل فيه الشهادة مع المبادرة إلى الأداء (٣)؛ إذ تجب المبادرة (٤) بها، وتأخير القيام بها من غير عذر جرحة كمن شهد على غيره بعتق عبده أو أمته أو بطلاقه أو مخالعته لزوجته أو أنه رضع معها أو وقف وقفًا. قال ابن شاس: معناه (٥) على غير معينين (٦)، وكذا شهادته بالعفو عن القصاص وشبه ذلك، ووقع لأشهب أن الشهادة لا تبطل بعدم المبادرة كان الحق مما يستدام فيه التحريم أم لا (٧). وأشار بقوله: (وإِلا خُيِّرَ كَالزِّنَا) إلى النوع الثالث، وهو أن يكون الحق أيضًا لله تعالى إلا أنه لا يستدام فيه التحريم؛ لكون المعصية قد انقضت كالزنى وشرب الخمر، ولا يجب الرفع بها، يريد: إلا أن يكون المشهود عليه مشهورًا بالفسق مجاهرًا به، فالرفع أولى. قوله: (بِخِلافِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ، كَالْمُخْتَفِي) أشار بهذا إلى (٨) الوجه الثالث، وهو الحرص على تحمل الشهادة، وأما الحرص على التحمل فإنه لا يضر ولا يقدح (٩)، مثل: أن يجلس مختفيًا في زاوية أو نحوها قصدًا لتحمل الشهادة على المقر من غير أن

стр. 2811

يشهده (١) على نفسه ب في أقر به، والمشهور أن ذلك غير قادح به، وبه قال أشهب وعيسى بن دينار، وعامة أصحاب مالك، وعن مالك أيضًا أنه لا يشهد حتى يقول المشهود عليه: اشهد علي (٢). قوله: (ولا إِنِ اسْتُبْعِدَ كَبَدَوِيٍّ لِحَضَرِيٍّ) هذا هو المانع السادس وهو الاستبعاد لتطرق التهمة من جهة الشهود في الشهادة، ومخالفة العادة كشهادة البدوي على القروي، وهكذا قال ﷺ : "لا تقبل شهادة البدوي على القروي"، وفي رواية: "على صاحب القرية"، اللخمي والمازري: والحديث مقيد ومقتصر (٣) على موضع تحقق فيه (٤) التهمة، قالا (٥): وذلك إذا كتب خطه في الوثيقة أو الصداق (٦) وهما في الحضر وعدولهما عن شهادة (٧) الشهود الحاضرين المبرزين للشهادة في مثل ذلك (٨) إلى شهادة (٩) غيرهم ريبة، قالا (١٠): فأما لو قال: مرا بي فسمعتهما يتقارران أو كانوا في سفر (١١) فلا تهمة تقتضي الرد (١٢). وإلى هذا أشار بقوله (١٣): (إِنْ سَمِعَهُ، أَوْ مَرَّ بِهِ) ابن وهب: اختلف في شهادة

стр. 2812

الحضري على البدوي (١)، فرأى (٢) قوم أنها لا تجوز، وأنا أرى أنها جائزة إلا أن يدخلها ما دخل شهادة البدوي على الحضري (٣) من التهمة والظنة (٤). قوله: (ولا سَائِلٍ فِي كَثِيرٍ) لما كانت هذه المسألة مناسبة لما قبلها ذيلها (٥) بها، لأنَّ المانع فيها أيضًا الاستبعاد؛ لأن العادة لم تجر في الغالب بإشهاد هؤلاء وترك الأغنياء المشهورين (٦)، ونحوه للمازري (٧). واحترز بالكثير من اليسير فإنها تقبل فيه وقاله في المدونة (٨)، وأشار اللخمي إلى أنه ينبغي أن يتقيد (٩) بما إذا قصد الإشهاد، وأما لو قال: مررت بهما يتنازعان (١٠) فأقر له بكذا، فإنها تقبل كالفرع الأول. قوله: (بِخِلافِ مَنْ لَمْ يَسْألْ) أي: فإن شهادته مقبولة، بعض القرويين: وكذلك من لم يسأل، لكنه إن أُعطي؛ قَبِل، أو كَان سائلًا للإمام، يريد: أو كان يسأل الأعيان أو الأغنياء فقط أو الرجل (١١) الشريف، ولهذا قال: (بخلاف من لم يسأل أو يسأل الأعيان)، ولا فرق هنا بين القليل والكثير، وهو الصحيح، وقال ابن كنانة: لا يقبل في الكثير (١٢) كالخمسمائة دينار (١٣). قوله: (ولا إِنْ جَرَّ بِهَا نَفْعًا كَعَلَى مُوَرِّثهِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَا، أوْ قَتْلِ الْعَمْدِ) هذا هو المانع

стр. 2813

السابع من موانع قبول الشهادة، وهو أن يجر بشهادته نفع نفسه كشهادته على موروثه المحصن أنه زنى أو أنه قتل رجلا عمدًا، لأنه يتهم أن يريد (١) بذلك قتله ليأخذ ميراثه فلا تقبل شهادته، واحترز بالمحصن من البكر وبالعمد من الخطأ، فإنه لا يتهم في ذلك. قوله: (إِلا الْفَقِيرَ) أي: إلا أن يكون الموروث فقيرًا فلا ترد (٢) شهادته عليه لانتفاء التهمة، وقاله أشهب في الولد يشهد على أبيه الفقير بالزنى وهو محصن، ويرجم الأب، وحمله ابن رشد على أنه ممن يعذر بجهل في شهادته عليه بذلك، وأما إن لم يجهل ولم يعذر (٣) فلا تقبل شهادته عليه (٤)، لأنه عاق، وعن ابن اللباد (٥) عدم قبول الشهادة، وإن كان الأب فقيرًا لأنه يتهم بإسقاط نفقته الواجبة عليه وهو إنما يكون في الأب والأم فقط، ولا يتهم إلا إذا كان الأب عاجزًا عن الكسب، وقال ابن لبابة: شهادته بما يقتضي قتله جائزة وإن كان مليًّا، قال: ولا يتهم العدو بأخذ الميراث ولا بطرح النفقة (٦)، ابن رشد: وله (٧) وجه في المبرز (٨). قوله: (أَوْ بِعِتْقِ مَنْ يُتَّهَمُ فِي وَلائه) مثل أن يشهد أن أباه أعتق فلانًا، وهو ممن يتهم بكونه يريد بذلك أن يجر ولاءه لنفسه، وقيد ذلك في المدونة بأن يكون العبد ممن يرغب في ولائه، وأن يكون في الورئة من لا حق له في الولاء كالبنت والزوجة (٩)، وأن تكون التهمة حاصلة الآن بكونه لو مات الآن ورثه. قوله: (أَوْ بِدَيْنٍ لِمَدينِهِ) أي: لأن رب الدين إذا شهد لمديانه بدين أو بمال فإنه (١٠)

стр. 2814

يتهم أن يقصد بذلك قبضه منه (١)، فلا تقبل شهادته له (٢)، فإن شهد له بغير مال؛ جاز، قاله غير واحد من الأشياخ، وأجاز أشهب شهادته له مطلقًا، ولو كان المديان معدمًا، وأشار بعضهم إلى التفرقة فقال (٣): إن كان المديان معدمًا فلا تقبل وإلا قبلت (٤). قوله: (بخِلافِ الْمُنْفِقِ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ) أي: فإن شهادته لمن هو في نفقته جائزة، وقاله ابن حبيب (٥) خلافًا لبعض القروين إذا كان من أقاربه (٦) كالأخ ونحوه (٧) فإن شهد من هو في نفقة شخص للمنفق عليه (٨) ففي المدونة لا يجوز ذلك (٩)؛ لأنه يتهم أنه متى لم يشهد له ترك نفقته. قوله: (وشَهَادَةِ كُلٍّ لِلآخَرِ وإن (١٠) بِالْمَجْلِسِ) أي: وبخلاف شهادة كل واحد من الشاهدين لصاحبه وإن في مجلس واحد فإنها جائزة (١١)، يريد: سواء كان المشهود عليه بالحق واحدًا أم لا؟ وهو المشهور، وقاله بعضهم (١٢)، وقيل: لا تجوز، وإليه رجع سحنون (١٣)، وقال مطرف وابن الماجشون: إن شهد بعضهم لبعض في مجلس واحد

стр. 2815

على رجل واحد (١)؛ لم يجز، وإن كان شيئًا بعد شيء، وإن (٢) تقارب ما بين الشهادتين؛ جازت، وكذلك إن كان على رجلين؛ جاز أيضًا، وسواء كان في مجلس أو مجلسين (٣)، ورأى اللخمي أنها ترد كانت في مجلس أو مجلسين على رجل أو رجلين بلفظ أو كتابة للتهمة على اشهدْ لي وأشهدُ لك، قال: إلا أن يطول ما بينهما (٤). قوله: (والْقَافِلَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي حِرَابَةٍ لا المجلوبون (٥) إِلا كَعِشْرِينَ) هكذا قال في كتاب الحرابة من المدونة وأن (٦) المحارب تجوز عليه شهادة من حاربه، وزاد إن كانوا عدولًا، قال: إذ لا سبيل إلى غير ذلك سواء (٧) شهدوا بقتل أو أخذ مال أو غيره، ولا تقبل شهادة أحد منهم لنفسه، وإنما يشهد بعضهم لبعض كما أشار إليه الشيخ (٨). وأما المجلوبون (٩) فلا تقبل شهادة بعضهم لبعض إلا أن يكونوا عشرين فأكثر، وأباه سحنون في العشرين، ابن سهل: الفرق بين مسألة المحاربين وهذه، أن هؤلاء (١٠) تدركهم حمية البلد، فلذلك ردت شهادتهم (١١). قوله: (ولا مَنْ شَهِدَ لَهُ بِكَثِيرٍ ولِغَيْرهِ بِوَصِيَّةٍ) الباء في قوله: (بِوَصِيَّةٍ) للظرفية، والمعنى: أن شهادة من شهد لنفسه ولغيره في وصية لا تجوز بشرط أن يكون ما شهد به

стр. 2816

لنفسه كثيرًا، إلا أنه يتهم وترد له ولغيره على المشهور، وفي الجلاب رواية بالجواز لغيره فقط (١). قوله: (وإِلا قُبِلَ لَهُمَا) أي: وإن كان الذي شهد به لنفسه يسيرًا فإن شهادته تقبل لهما معًا، وهو قول ابن القاسم، ورواه مطرف عن مالك، وروى ابن وهب عنهم عدم القبول له ولغيره، وعنه أيضًا وبه قال عبد الملك أنها تقبل لغيره دونه، وفي المقدمات رابع أنها تقبل له ولغيره إن في ن معه شاهد غيره (٢)، انظر الكبير. قوله: (ولا إِنْ دَفَعَ كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ) هذا هو المانع الثامن؛ وهو أن يدفع بشهادته ضررًا عن نفسه، كما إذا شهد رجلان أن فلانًا قتل فلانًا خطأ، فشهد عدلان من العاقلة التي وجبت عليها الدية بشهادة الأولين (٣) بفسق شاهدي القتل، فلا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يتهمان أن يردا (٤) بشهادتهما ما ترتب عليهما من الدية، وظاهره أنهما لا تجوز شهادتهما (٥)، ولو كان مقدار ما ينوبهما من الدية يسيرًا، أو كانا فقيرين بحيث (٦) لا يلزمهما شيء. قوله: (أو الْمُدَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ) المدان بضم الميم وتخفيف الدال من عليه الدين، فلا تقبل شهادته لرب الدين، وقيده الباجي بما إذا حل الدين أو قرب حلوله، وأما لو بعد فإنها تجوز على مذهب سحنون، لا على مذهب ابن وهب، واحترز بالمعسر من الموسر الذي لا يعسر بدفع الدين (٧)، فإن شهادته له تقبل، قاله ابن القاسم ومطرف وأشهب وعبد الملك (٨).

стр. 2817

(المتن) وَلَا مُفْتٍ عَلَى مُسْتَفْتِيهِ، إِنْ كَانَ مِمَّا يُنَوَّى فِيهِ، وَإِلَّا رَفَعَ. وَلَا إِنْ شَهِدَ بِاسْتِحْقَاقٍ، وَقَالَ: أَنَا بِعْتُهُ لَهُ، وَلَا إِنْ حَدَثَ فِسْقٌ بَعْدَ الأَدَاءِ، بِخِلَافِ تُهْمَةِ جَرٍّ، وَدَفْعٍ وَعَدَاوَةٍ. وَلَا عَالِمٍ عَلَى مِثْلِهِ، وَلَا إِنْ أَخَذَ منَ الْعُمَّالِ، أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ الْخُلَفَاءِ وَلَا إِنْ تَعَصَّبَ، كَالرِّشْوَةِ، وَتَلْقِينِ خَصْمٍ، وَلَعِبِ بِنَيْرُوزٍ، وَمَطْلٍ، وَحَلِفٍ بِطَلَاق، وَعِتْقٍ، وَبِمَجِيءِ مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلاثًا بِلا عُذْرٍ، وَتِجَارَةٍ لِأَرْضِ حَرْبٍ، وَبِسُكْنَى مَغْصُوبَةٍ، أَوْ مَعَ وَلَدٍ شِرِّيبٍ، وَبِوَطْءِ مَنْ لَا تُوطَأُ، وَبِالْتِفَاتِهِ فِي الصَّلَّاةِ، وَبِاقْتِرَاضِهِ حِجَارَةً مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعَدَمِ إِحْكَامِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَالزَّكَاةِ لِمَنْ لَزِمَتْهُ، وَبَيعِ نَرْدٍ، وَطُنْبُورٍ، وَاسْتِحْلافِ أَبِيهِ وَقُدِحَ فِي الْمُتَوَسِّطِ بِكُلٍّ، وَفِي الْمُبَرَّزِ بِعَدَاوَةٍ وَقَرَابَةٍ وَإِنْ بِدُونِهِ كَغَيْرِهِمَا عَلَى الْمُخْتَارِ. (الشرح) قوله: (وَلا مُفْتٍ عَلَى مُسْتَفْتِيهِ، إِنْ كَانَ مِمَّا يُنَوَّى فِيهِ) يريد: أن المفتي لا تقبل شهادته على المستفتي فيما ينوى فيه، قال عيسى عن ابن القاسم: وإذا سأله عن أمر ينوى فيه، ولو أقر به عند الحاكم أو قامت عليه به بينة حكم عليه به، فيفتيه، فإنه لا شيء عليه، لأنه لا يشهد بذلك، ولو طلب بالشهادة، ابن المواز: ولو شهد لم يقبل (١)، قال: وأما ما أقر به عند الفقيه من طلاق واحد أو عتق أو حق لأحد من الناس (٢)، ثم أنكر فليشهد عليه إذا كان ليس له رجوع عنه (٣)، وقال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم مثله (٤)، وإليه أشار بقوله: (وإِلا رَفَعَ). قوله: (ولا إِنْ شَهِدَ باسْتِحْقَاقٍ، وقَالَ أَنَا بِعْتُهُ لَهُ) أي: وكذا لا تقبل شهادته له باستحقاق دابة أو أرض أَو دار أو نحو ذلك لرجل إذا قال مع ذلك: أنا بعته له، لأنه يتهم في ذلك، والواو من قوله: (وقَالَ أَنَا بِعْتُهُ لَهُ) واو الحال، أي: ولا تجوز شهادته له في حال ذكره ذلك. قوله: (ولا إِنْ حَدَثَ فِسْقٌ بَعْدَ الأَدَاءِ) أي: وكذا لا تقبل شهادة الشاهد إذا حدث

стр. 2818

فسقه بعد أدائها، يعني: أنها ترد؛ لأنَّ ظهور الفسق الآن يؤذن بأنه فاسق حين الأداء (١)، وسواء كان مما يستتر به كالزنى وشرب الخمر والسرقة أو لا كالجرح والقتل، قاله ابن القاسم ومطرف وأصبغ، وقال ابن الماجشون: إلا بنحو الجراح والقتل فلا ترد (٢). قوله: (بِخِلافِ تُهمَةِ جَرٍّ، ودَفْعٍ وعَدَاوَةٍ) أي: فإن حدوث مثل ذلك بعد الأداء لا يبطل الشهادة، وقاله أصبغ فيمن شهد لامرأة، وأثبتها القاضي ولم يحكم لها (٣) حتى تزوجها الشاهد أنه يحكم بشهادته (٤)، وهذا إذا لم يعلم له سبب؛ كما إذا قامت عليه بينة أنه كان خطب المرأة قبل الأداء، ونحو ذلك. قوله: (وَلا عَالِمٍ عَلَى مِثْلِهِ) أي: على عالم آخر وكذا غيرهما، وقد قال ابن وهب: لا تجوز شهادة القارئ على القارئ، وغيرهما من العلماء، وعلل ذلك بأنهم أشد الناس تحاسدًا وتباغضًا، وقاله سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه (٥). قوله: (وَلا إِنْ أَخَذَ مِنَ الْعُمَّالِ، أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُمْ بِخِلافِ الْخُلَفَاءِ) لأن أخذه منهم وأكله عندهم مما يزري به ويحط من (٦) قدره، ويؤدي إلى إسقاط مروءته، وأما أخذه من الخلفاء، وأكله عندهم فإنه لا يبطل شهادته. قوله: (ولا إِنْ تَعَصَّبَ كَالرشْوَةِ، وتَلْقِينِ خَصْمٍ) التعصب هو: الحمل والحيف. والرشوة هو: الجعل الذي يأخذه على ما لا ينبغي له. وتلقين الخصم هو: أن يعلمه ما يستعين به على غريمه (٧) ويظهر به عليه. قوله: (وَلَعِبٍ بِنَيْرُوزٍ) أي: لأن ذلك من فعل الجاهلية، ولأنه مما يحط من مقدار الشخص (٨) لا سيما إذا لعب مع الأرذال ونحوهم.

стр. 2819

قوله: (وَمَطْلٍ) يريد: إذا كان مليًّا؛ لأنَّ مطله حينئذ ظلم كما في الحديث (١)، فلا تقبل شهادته. قوله: (وحَلِفٍ بِطَلاقٍ وعِتْقِ) لقوله ﵊: "الطلاق والعتاق من أيمان الفساق (٢)، فسماه فاسقًا (٣). قوله: (وبِمَجِيءِ مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلاثًا بِلا عُذْرٍ) هكذا نقل (٤) سحنون واحترز بقوله: (بِلا عُذْرٍ) مما إذا كان لعذر فإنه لا يقدح في شهادته. قوله: (وتِجَارَةٍ لأَرْضِ حَرْبٍ) ابن يونس: قال سحنون: ومن ركب البحر إلى أرض الروم لطلب الدنيا، فهي جرحة في شهادته (٥)، ونهي عن التجارة إلى بلاد السودان (٦). وقال غيره من القرويين: ليست التجارة إليها جرحة فيه. وقال أبو إسحاق (٧): إن خرج إليها عالمًا أن أحكام الشرك تجري عليه فهي جرحة، وإن جهل هذا القدر وظن أنه لا جرح عليه في ذلك فإنه يعذر ولا تكون ذلك جرحة فيه. قوله: (وبِسُكْنَى مَغْصُوبَةٍ، أَوْ مَعَ وَلَدِ شِرِّيبٍ) أي: دار مغصوبة، وإنما لم تجز شهادته؛ لكونه في كل وقت مخاطبًا بردها إلى ربها فهو متمادٍ على مخالفة المأمور، وكذلك سكناه مع ولد شريب، أي: يكثر من شرب الخمر؛ لأن سكوته على ذلك مع القدرة على إزالته دليل على عدم مروءته. قوله: (وبِوَطْءِ مَنْ لا تُوطَأُ) قال سحنون: إذا اشترى أمة فوطئها قبل أن يستبرئها فذلك جرحة وترد شهادته، وعليه الأدب إذا كان لا يجهل مكروه ذلك، وكذلك لو وطئ صغيرة لم تحض قبل أن يستبرئها إذا كان مثلها يُوطأ (٨)، وكذلك إذا وطئ من لا

стр. 2820

توطأ لمانع شرعي كالحيض والنفاس وغير ذلك (١) من الموانع الشرعية. قوله: (وبِالْتِفَاتِهِ فِي الصَّلاةِ) أي: لأن ذلك يؤذن بعدم اعتنائه (٢) بها، واستخفافه بقدرها، وهو مخل بالمروءة التي هي من عمود (٣) الدين. قال ابن كنانة: ومن لا يقيم صلبه من الركوع والسجود فلا تقبل شهادته إذا فعله من غير سهو ولا عذر ولو في (٤) نافلة (٥). قوله: (وَبِاقْتِرَاضِهِ حِجَارَةً مِنَ الْمَسْجِدِ) يريد: إذا لم يجهل حكم ذلك، وأما لو جهل عدم جوازه فلا، وقاله سحنون (٦). قوله: (وعَدَمِ إِحْكَامِ الْوُضُوءِ والْغُسْلِ وَالزَّكَاةِ، لِمَنْ لَزِمَتْهُ) قال في النوادر عن ابن كنانة: لا تقبل شهادة من لم يحكم الوضوء والصلاة (٧). وقال سحنون: وفي الكثير المال القوي على الحج إذا لم يحج فهي جرحة في شهادته (٨). وكذلك إذا كان لا يعرف الزكاة في كم تجب من المال (٩) من مائتي درهم، ولا من عشرين دينارًا إذا كان ممن تلزمه الزكاة، وعن مطرف من عرف بتضييع الوضوء والزكاة فلا تقبل شهادته ولا يعذر في ذلك بجهل، وقاله ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ (١٠). قوله: (وبَيْعِ نَرْدٍ، وطُنْبُورٍ) هكذا نقل ابن أبي زيد عن سحنون، قال في كتاب ابنه، ولا تجوز شهادة من يبيع النرد والمزامير والعيدان والطنابير ونحو ذلك (١١).

стр. 2821

قوله: (واسْتِحْلافِ أَبِيهِ) ابن القاسم في العتبية: ولا يعذر بالجهالة (١) في ذلك. أصبغ عنه: وكذلك جده (٢). وفي الشهادة من نوازل سحنون، قال أصبغ عن ابن القاسم: من استحلف أباه في حق له عليه سقطت شهادته، وإن جهل أنه عقوق (٣). ابن سهل (٤). قوله: (وقُدِحَ فِي الْمُتوَسِّطِ بِكُلٍّ) (٥) يريد أن الشاهد إذا شهد بشيء، وأعذر الحاكم إلى المشهود عليه في الشاهد، فإنه يسمع في المتوسط القدح بكل قادح من تجريح وعداوة وقرابة (٦). قوله: (وفي الْمُبَرِّزِ بِعَدَاوَةٍ وقَرَابَةٍ) أي: وأما العدل المبرز فإنه يسمع فيه القدح بالقرابة والعداوة، وهذا هو المعروف، وعن مالك لا يباح القدح بعداوة ولا قرابة ولا غيرهما (٧)، واستبعدها ابن رشد (٨). قوله: (وإِنْ بِدُونِهِ) أي: وإن كان القدح ممن هو دون الشاهد في العدالة، وبه صرح في البيان (٩). قوله: (كَغَيْرهِمَا عَلَى الْمُخْتَارِ) أي: وكذا يقبل القدح في المبرز أيضًا بغير العداوة والقرابة، وإليه ذهب مطرف وابن الماجشون، واختاره اللخمي، وعن أصبغ عدم

стр. 2822

قبوله، وعن ابن عبد الحكم أن المجرح إن كان مثل الشاهد أو أعدل قُبِل وإلا فلا (١). (المتن) وَزَوَالُ الْعَدَاوَةِ وَالْفِسْقِ، بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَنِّ بِلَا حَدٍّ، وَمَنِ امْتَنَعَتْ لَهُ لَمْ يُزَكِّ شَاهِدَهُ ولَمْ يُجَرِّحْ شَاهِدًا عَلَيْهِ، وَمَنِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ فَالْعَكْسُ، إِلَّا الصِّبْيَانَ، لَا نِسَاءً فِي كَعُرْسٍ، فِي جُرْحٍ، أَوْ قَتْلٍ. وَالشَاهِدُ حُرٌّ، مُمَيّزٌ، ذَكَرٌ تَعَدَّدَ، لَيْسَ بِعَدُوٍّ وَلَا قَرِيب، وَلَا خِلافَ بَيْنَهُمْ، وَفُرْقَةَ إِلَّا أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا، وَلَمْ يَحْضُرْ كَبِيرٌ أَوْ يُشْهَدْ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ. وَلَا يَقْدَحُ رُجُوعُهُمْ، وَلَا تَجْرِيحُهُمْ. (الشرح) قوله: (وزَوَالُ الْعَدَاو والْفِسْقِ، مما يغلب (٢) عَلَى الظَّنِّ بِلا حَدٍّ) يريد: ان المعتبر في زوال العداوة والفسق ما يغلب (٣) على الظرريأن ما كان عنده من ذلك قد ذهب بقرائن تدل على ذلك مثل أن يصطلحا، ويطول الأمد وهما على الصحبة، واختلف إذا لم يطل الزمان هل تزول بذلك العداوة، ويقبل أحدهما على الآخر، وهو قوله في الموازية (٤) أو لا، وهو قول ابن الماجشون، ونقله اللخمي والمازري وغيرهما (٥). قوله: (بِلا حَدٍّ) أي: لا تحديد في ذلك بزوال الفسق، يريد (٦): لأن زوال الفسق قد يظهر عن قرب، وقد يظهر عن بعد لاختلاف حال الظان والمظنون في الفطنة والغرر (٧)، وقيل: لا بد من سنة، وقيل: ستة أشهر. قوله: (ومَنِ امْتَنَعَتْ لَهُ لَمْ يُزَكِّ شَاهِدَهُ ولَمْ يجرح شَاهِدًا عَلَيْهِ) يريد: أن من امتنعت بشهادته له لشخص من ذوي قرابته المانعة من شهادته مثلًا (٨)، ونحوها فإنه لا يجوز له أن يزكي من شهد له، ولا أن يجرح من شهد عليه؛ لأنه في المعنى كشهادته له، لأنه في الأولى قد جر له منفعة، وفي الثانية: دفع عنه مضرة.

стр. 2823

قوله: (ومَنِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ فَالْعَكْسُ) أي: كالعدو ونحوه (فَالْعَكْسُ) أي: من مسألة القريب كما أن القريب لا يزكي شاهد قريبه، فكذلك العدو، ولا يجرح شاهد عدوه، وكما أن القريب لا يجرح من شهد على قريبه، فكذلك العدو لا يزكي من شهد على عدوه وهو واضح. قوله: (إِلا الصِّبْيَانَ) أي: فإن شهادتهم لا يشترط فيها ما يشترط في شهادة البالغين، ولا انتفاء جميع الموانع السابقة، نعم قد يعتبر (١) بعض الشروط، وانتفاء بعض الموانع على ما ستقف عليه، فالمشهور جواز شهادتهم بعضهم على بعض في القتل والجراح، وهو قول مالك، ومنعها مطرف (٢) وابن عبد الحكم على خلاف عن مطرف سيأتي. قوله: (لا نِسَاءً فِي كَعُرْسٍ) أي: فإن شهادة بعضهن على بعض غير مقبولة وهو الأصح، وقيل: تقبل، والفرق بينها وبين ما قبلها على المشهور (٣) أن اجتماع الصبيان مندوب إليه لتعليمهم الرمي والثقاف والصراع (٤) والكر والفر وغير ذلك مما يدربهم على حمل السلاح بخلاف اجتماع النساء، واجتماعهن في الحمام والمآتم (٥)، كاجتماعهن في العرس. قوله: (في جَرْحٍ، أَوْ قَتْلٍ) أي: إلا الصبيان، فإنه تقبل شهادة بعضهم على بعض في الجراحات والقتل فقط وهو قول ابن القاسم وهو المشهور (٦)، وقال أشهب تقبل في الجراح دون القتل وعلى الأول فقال غير واحد من أصحاب مالك لا تجوز حتى يشهد العدول على رؤية البدن مقتولًا (٧)، وإن في (٨) قبلت لشدة مخالطة بعضهم بعضًا مع الندب الذي تميز الصبيان على إمساك السلاح، وذلك مظنة الجراح، فلو لم تقبل شهادتهم

стр. 2824

لأهدرت دماؤهم (١). قوله: (وَالشَّاهِدُ حُرٌّ) هذا شروع منه ﵀ فيما يشترط في شهادة الصبيان، وهو ظاهر لأن كبار العبيد لا تقبل شهادتهم، فأحرى صغارهم وهو المعروف. وحكى عبد الوهاب في شرح الرسالة لبعض الأصحاب عدم اشتراط الحرية. قوله: (مُمَيِّزٌ) أي: فإن غير المميز لا يثبت على ما يعاينهُ من الأمور، ولا تنضبط له الأحوال، ولا يحرص على (٢) ما يصدر منه من الأقوال. قوله: (ذَكَرٌ) أي: فلا تقبل في ذلك شهادة الإناث وهو المشهور، وبه قال مالك وابن القاسم في المدونة (٣)، وقال ابن الماجشون وأشهب وسحنون مثله (٤)، ولم يشترط ذلك المغيرة، وهو ظاهر (٥) أحد قولي ابن القاسم (٦). قوله: (تَعَدَّدَ) أي: اثنان فصاعدًا قياسًا على الكبير، فلا تجوز شهادة واحد منهم على انفراده عند مالك وابن القاسم، ولا قسامة معه (٧)، وقال ابن نافع (٨): يقسم بشهادتة في العمد (٩). قوله: (لَيْسَ بِعَدُوٍّ، ولا قَرِيبٍ) كذا قال ابن القاسم واختاره جماعة لما علم من ميلهم في العادة إلى القريب ومجانبة العدو والبغض له، ونقل ابن يونس جوازها عن ابن

стр. 2825

المواز، وقال عبد الملك: تمنع بالقرابة فقط (١). قوله: (ولا خِلافَ بَيْنَهُمْ) ظاهره كانا (٢) اثنين فأكثر، ولا إشكال فيما إذا كانا اثنين لعدم كمال النصاب، وأما إذا كانوا جماعة فلا بد من تقييد الخلاف بما تبطل به (٣) شهادة الكبار، كأن شهد اثنان (٤) منهم أن فلانًا شجه فلان، قال آخرون (٥): بل فلان لغيره، والبطلان فيه لمالك (٦)، انظر: الكبير. قوله: (وفُرْقَة إِلا أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا) أي: وكذا يشترط في جواز شهادتهم عدم تفرقهم لأن ذلك مظنة تخبيبهم وتعليمهم (٧) إلا أن يشهد عليهم العدول قبل الفرقة، فإن ذلك لا يضر. قوله: (ولَمْ يَحْضُرْ كَبِيرٌ) أي: رجل أو امرأة، وعن سحنون في أحد قوليه عدم بطلانها (٨) فإن كان الكبير كافرًا أو عبدًا أو فاسقًا فقولان حكاهما ابن حبيب (٩). قوله: (أَوْ يُشْهَدْ عَلَيْهِ، أَوْ لَهُ (١٠)) أي: وكذا يشترط في شهادة الصبي أن لا يشهد لكبير ولا عليه فلو شهد لصغير على كبير أو لكبير على صغير بقتل أو جرح لم تقبل خلافًا لمطرف وابن الماجشون (١١)، وقال ابن المواز تقبل على صغير أنه قتل كبيرًا بخلاف العكس (١٢).

стр. 2826

قوله: (وَلا يَقْدَحُ رُجُوعُهُمْ، ولا تَجْرِيحُهُمْ) أي: سواء رجعوا قبل الحكم أو بعده، لأن الظاهر أن الذي شهدوا به (١) أولا هو الواقع دون الثاني، نعم لو بلغوا وعدلوا (٢) ثم رجعوا قبل الحكم فيها (٣)، فإن رجوعهم يقبل، قاله في الموازية (٤). (المتن) وَلِلزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ بِوَقْتٍ وَرُؤيا اتَّحَدَا. وَفُرِّقُوا فَقَطْ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا، وَلِكُلٍّ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ، وَنُدِبَ سُؤَالُهُمْ كَالسَّرِقَةِ مَا هِيَ؟ وَكَيْفَ أُخِذَتْ؟ وَلِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ -كَعِتْقٍ، وَرِجْعَةٍ، وَكِتَابَةٍ- عَدْلَانِ، وَإِلَّا فَعَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا بِيَمِينٍ كَأَجَلٍ، وَخِيَارٍ، وَشُفْعَةٍ، وَإِجَارَةٍ، وَجَرْحِ خَطَإٍ أَوْ مَالٍ، وَأَدَاءِ كِتَابَةٍ وَإِيصَاءٍ بِتَصَرُّفٍ فِيهِ، أَوْ بِأَنَّهُ حُكِمَ لَهُ كَشِرَاءِ زَوْجَتِهِ، وَتَقَدُّمِ دَيْنٍ عِتْقًاء، وَقِصَاصٍ فِي جَرْحٍ. (الشرح) قوله: (وللزِّنَا واللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ) يعني: أنه يشترط في ثبوت الزنى واللواط أربعة شهود، والإجماع على اعتبار ذلك فيه لقوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) وقوله تعالى: (فإن لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم) مما يرفع حد القذف (٥)، وشذت طائفة، فأجازوا في ذلك ثلاثة وامرأتين ويردهم القرآن. قوله: (بِوَقْتٍ، ورُؤْيَا اتَّحَدَا) يريد: أن قبول شهادتهم في ذلك شروط باتحاد الزمان، وهو مراده بالوقت واتحاد رؤية الزنى، أي: يشهدون بزنى واحد في وقت واحد (٦)، وهذا هو المشهور، وقال أشهب: لا يضر افتراقهم (٧)، ونحوه لأبي الفرج، فإنه لو شهد

стр. 2827

ثلاثة، وسألوا القاضي الانتظار حتى يأتوا برابع (١) كان معهم وجب عليه انتظارهم، فإذا اجتمع الشهود حد المشهود عليه، وإلا حد الثلاثة (٢). قوله: (وفُرِّقُوا فَقَطْ) أي: وفرقوا في شهادة الزنى فقط، قاله ابن القاسم (٣)، وقال أشهب: لا يفرقون إلا لريبة في شهادتهم (٤). قوله: (أنّه أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا) يريد: أن الأربعة الشهداء يشهدون أنه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، ولا بد من هذه الصفة المخصوصة، ولا خلاف فيها. قوله: (وَلكُلٍّ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ) أي: قصدًا لتحمل الشهادة إذ لا تصح بدون ذلك. المازري: وهو ظاهر المذهب، ابن عبد السلام: ومنع ذلك بعضهم فيما أشار إليه بعض الأشياخ، ورأى أنه لا ينظر (٥) إلا بنظر الفجاءة، لأن النظر حرام، وتحمل الشهادة فيه غايته أداء الشهادة والأداء غير واجب، فكذلك وسيلته (٦). قوله: (ونُدِبَ سُؤَالُهُمْ) أي: عن كيفية الزنى، وكونه زنى واحدًا في وقت واحد، وأن فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة. قوله: (كَالسَّرِقَةِ مَا هِيَ؟ وكَيْفَ أُخِذَتْ؟ ) أي: وهكذا يستحب للإمام أن يسأل شهود السرقة عن نوعها، وصفتها وكيف أخذها السارق، ومن أين، وإلى أين ذهب جها؟ ونحو ذلك، وقال سحنون: وذلك إذا كانوا ممن يجهل (٧). قوله: (ولِمَا لَيْسَ بِمالٍ ولا آل إلَيهِ كَعِتْقٍ، ورَجْعَةٍ، وكِتَابَةٍ، عَدْلانِ) هذا معطوف على قوله: (وللزَّنَا واللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ) أي: ولهذه الأمور عدلان، بمعنى أنه لا يقبل فيهما إلا عدلان لا عدل وامرأتان، ومراده بشبه العتق وما ذكر معه النكاح والطلاق والإسلام

стр. 2828

والردة والبلوغ والولاء والعدة والجرح والتعديل والعفو على القصاص وثبوته في النفس والأطراف، وثبوت النسب والموت والكتابة والتدبير، وكذلك الوكالة والوصية عند أشهب وعبد الملك (١). قوله: (وإِلا فَعَدْلٌ، وامْرَأَتَانِ) أي: وإن كانت الشهادة بمال أو بآئل إليه (٢) جاز فيها عدل وامرأتان. قوله: (أَو أحدهُمَا بِيَمِينٍ) أي: أحد النوعين وهو العدل وحده مع اليمين أو امرأتان مع اليمين والباء في قوله: (بِيَمِينٍ) بمعنى (مع) قوله: اشتريت العبد بماله، أي: مع ماله. ثم أشار إلى تمثيل ما يقبل فيه ذلك بقوله: (كَأَجَلٍ، وخِيَارٍ، وشُفْعَةٍ، وإِجَارَةٍ، وجَرْحِ خَطَإٍ أو مال (٣) وأَدَاءِ كِتَابَةٍ) (٤) الآجال: أن يدعي أنه اشتر ى إلى أجل، وقال البائع: إنما بعت نقدًا، والخيار مثل أن يدعي أحدهما أن البيع انعقد على خيار، ويقول الآخر بل على البت، والشفعة أن يقول: إنه شفيع أو شفع قبل السنة أو بعدها أو أسقط شفعته وأنكر ذلك الآخر (٥)، والإجارة مثل أن يدعي أنه أجر منه كذا، وينكره الآخر، وجرح الخطأ أن يدعي ذلك وينكره الآخر، ومراده (بِمالِ) أي: جراح المال، وهي التي لا يقاد منها كالمأمومة والجائفة، وأداء نجوم الكتابة مثل أن يدعي المكاتب القضاء وينكره السيد، وسواء خرج بذلك حرًّا أم لا. قوله: (وإِيصَاءِ بتَصَرُّفٍ فِيهِ) أي: في المال، يريد: وسواء جعل ذلك في حياته أو بعد مماته وقد حكى في الجواهر عن مالك وابن القاسم وابن وهب (٦) جواز إثبات (٧)

стр. 2829

الوصية التي ليس فيها إلا المال بالشاهد الواحد وامرأتين، وقال أشهب وابن الماجشون: لا بد في ذلك من شاهدين (١)، والأول هو المشهور. قوله: (أَوْ بِأنّه حُكِمَ لَهُ بِهِ كشراء زوجته وتقدم دين عتقاء وقصاص في جرح (٢)) أي: فإن لم يكن ذلك مثل ولا بآيل إليه (٣) إلا أنه ينتقل إلى ذلك بالشهادة، فإنه يقبل فيه ما يقبل في المال، وذلك مثل أن يشهد شاهد وامرأتان أو أحدهما مع يمين أن الزوج قد اشترى زوجته فتصير له ملكًا فيجب الفراق بذلك، وكذلك على دين متقدم يرد به العتق أو يقيم القاذف شاهدًا أو امرأتين أن المقذوف عبد فيسقط الحد، وإنما زاد هنا القصاص في الجرح، وإن لم يكن مالًا، ولا آيل إليه ولا مما يحكم له به ليستوعب جميع الصور التي يجري (٤) فيها الشاهد والمرأتان أو أحدهما مع اليمين. (المتن) وَلِمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ امْرَأَتَانِ، كَوِلَادَةٍ، وَعَيْبِ فَرْجٍ، وَاسْتِهْلَالٍ، وَحَيْضٍ، وَنِكَاحٍ بَعْدَ مَوْتٍ، أَوْ سَبْقِيَّتِهِ، أَوْ مَوْتٍ وَلَا زَوْجَةَ، وَلَا مُدَبَّرَ وَنَحْوَهُ، وَثَبَتَ الإِرْثُ وَالنَّسَبُ لَهُ وَعَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ، (الشرح) يريد: أن هذه الأمور لا تحتاج إلى شهادة الرجال، وإن لم يكن ما لا منها (٥) عيوب الفرج وظاهره ألا فرق بين الحرائر والإماء في ذلك (٦)، وقد علمت أن الحرة مصدقة على المشهور، ولا ينظرها النساء خلافًا لسحنون (٧)، وأما الإماء فظاهر المذهب قبول شهادتهن في ذلك، ومنها الاستهلال، وهو إن شهدن أن المولود قد استهل صارخًا أولم يستهل، ومنها الحيض ولعل ذلك في الإماء.

стр. 2830

وأما الحرائر فيصدقن في ذلك، ومنها النكاح بعد الموت، وفيه نظر، لأن هذا الفرع (١) والفرعين الذين بعده لا يقبل فيهما إلا شاهدان أو شاهد وامرأتان، فعند ابن القاسم يثبت المال دون النكاح وعند أشهب: لا يثبت إلا بعد ثبوت النكاح وهو لا يثبت بذلك، والخلاف في هذا كالخلاف في قوله: (أو سَبَقِيَّتِهِ) والمراد بسبقية (٢) موت أحد الوارثين على الآخر، ابن عبد السلام: القولان في كتاب الوصايا الأول (٣) من المدونة، وهذا يدل على أنه لو كانت له زوجة أو ولد ومدبرة أو أوصى بعتق عبده (٤) فشهادتهم لا تجوز؛ لأن ذلك شهادة على عدة وعتق، وقد تقدم (٥). قال في المدونة: ولو شهد رجل وامرأتان على موت رجل فإن لم تكن له زوجة ولا أوصى بعتق عبيده ونحوه، وليس إلا قسمة المال، فشهادتهما جائزة، وقال غيره: لا تجوز (٦)، وإلى هذا أشار بقوله: (أَوْ مَوْتٍ، وَلَا زَوْجَةَ، وَلَا مُدَبَّرَ ونَحْوَهُ). قوله: (وثَبَتَ الإِرْثُ والنَّسَبُ) أي: في مسألة الاستهلال وما بعدها، وقوله (٧): (لَهُ وعَلَيْهِ) أي: للميت، وعليه (٨) فإن ثبت أنه استهل ثم مات بعد أمه ورثها وورثه وارثه. قوله: (بِلا يَمِينٍ) هكذا قال مالك (٩) في المدونة، وأطلق، وقد اتفق على عدم (١٠) اليمين إن لم تعرف حقيقة ما شهدتا به، وإلا ففي لزومها قولان.

стр. 2831

(المتن) وَالْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ فِي سَرِقَةٍ، كَقَتْلِ عَبْدٍ آخَرَ، وَحِيلَتْ أَمَة مُطْلَقًا كَغَيْرِهَا، إِنْ طُلِبَتْ بِعَدْلٍ، أَوِ اثْنَيْنِ يُزَكَّيَانِ وَبِيعَ مَا يَفْسُدُ، وَوُقِفَ ثَمَنُهُ مَعَهُمَا، بِخِلَافِ الْعَدْلِ فَيَحْلِفُ، وَيُبَقَّى بِيَدِهِ. وَإِنْ سَأَلَ ذُو الْعَدْلِ أَوْ بَيِّنَةٍ سَمِعَتْ -وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ- وَضْعَ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِيَذْهَبَ بِهِ إِلَى بَلَدٍ يُشْهَدُ لَهُ عَلَى عَينِهِ أُجِيبَت، لَا إِنِ انْتَفَيَا وَطَلَبَ إِيقَافَهُ لِيَأْتِيَ ببَيِّنَةٍ، وَإِنْ بِكَيَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً أَوْ سَمَاعًا يثْبُتُ بِهِ، فَيُوقَفُ وَيُوَكَّلُ بِهِ فِي كَيَوْمين، وَالْغَلَّةُ لَهُ لِلْقَضَاءِ، وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ بِهِ. (الشرح) قوله: (وَالمالُ دُونَ الْقَطْعِ فِي سَرِقَةٍ) أي: وثبت المال دون القطع في شهادتهما بالسرقة، وظاهر كلامه أيضًا في هذه المسألة وفي التي بعدها ثبوتهما بشهادة امرأتين، وفيه نظر، وإنما يثبتان بالشاهدين أو الشاهد واليمين أو واحد مع امرأتين أو هما مع اليمين (١) ولا خلاف في ذلك. قوله: (كَقَتْلِ عَبْدٍ آخَر) فيثبت المال دون القصاص (٢). قوله: (وَحِيلَتْ (٣) أَمَةٌ مُطْلَقًا كَغَيْرِهَا إِنْ طُلِبَتْ بِعَدْلٍ، أَوِ اثْنَيْنِ يُزَكَّيَانِ) الحيلولة أن يمنع المشهود عليه مما شهد به لغيره، والمعنى أن من بيده أمته إذا نوزع فيها وشهد عليه شاهد عدل (٤) أو اثنان غير معروفين بالعدالة فإنه يحال بينه وبينها، كانت رائعة أم لا، مأمونًا عليها أم لا، وهو مراده بالإطلاق، ولا خلاف في الحيلولة إن كانت رائعة وهو غير مأمون عليها، واختلف إذا كانت رائعة وهو مأمون (٥) أو غير رائعة وهو غير مأمون (٦)، فعن أصبغ الحيلولة (٧) في الرائعة مطلقًا دون غيرها (٨)، وأشار بقوله

стр. 2832

(كغيرها) إلى أن غير الأمة من المعينات (١) تجب فيها الحيلولة (٢) بالشاهد العدل وإليه ذهب ابن القاسم في رواية عيسى، وقال به ابن لبابة (٣) وسحنون وغيرهما، وعن ابن زرب: إن كان مما يغاب عليه وقف بالعدول، وإن كان من الأصول فلا يوقف إلا بعدلين، وفي كتاب ابن بطال: لا يجب ذلك إلا بشاهدين، وقاله أيضًا ابن لبابة (٤) وغيره (٥)، وهو قول ابن القاسم، انظر: الكبير. قوله: (وبِيعَ مَا يَفْسُدُ، ووُقِفَ ثَمَنُهُ مَعَهُمَا، بِخِلافِ الْعَدْلِ فيحْلِفُ، ويُبَقَّى بِيَدِهِ) أي: وإن كان المدعى فيه مما يفسد كالطعام ونحوه بيع ووقف ثمنه مع الشاهدين المجهولين، وأما مع الشاهد العدل فإن المدعى عليه يحلف أنه لا يستحق عليه (٦) منه شيء، ويبقى بيده على ما كان، وانظر كيف جعلوا الشاهدين المجهولين أقوى من الشاهد العدل، اللخمي والمازري (٧): كأن الواحد يعلم قطعا منه الآن أنه غير مستحق (٨)، والشاهدان المجهولان إذا عدلا فإنما يفيد تعديلهما الكشف عن وصف كانا عليه حين الشهادة، وقال صاحب النكت أن مقيم العدل الواحد قادر على إثبات حقه بيمينه، فلما ترك ذلك اختيارًا صار كأنه مكنه منه بخلاف من أقام شاهدين مجهولين (٩) أو شاهدًا كذلك، فوقف ذلك الحاكم لينظر في تعديلهم، فلا حجة عليه في ذلك لعدم قدرته على إثبات حقه بغير عدالتهم.

стр. 2833

قوله: (وَإِنْ سأَلَ ذُو الْعَدْلِ أَوْ بَيِّنَةٍ سُمِعَتْ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ وَضْعَ قِيمَةِ الْعَبْدِ ليَذْهَبَ بِهِ إِلَى بَلَدِ يُشْهَدُ لَهُ عَلَى عَيْنِهِ أُجِيبَت) يريد: أن من ادعى عبدًا (١) بيد غيره وأقام على ذلك شاهدًا عدلًا يشهد له بصحة ما ادعى وأقام بينة تشهد على السماع وإن لم تقطع بذلك، وسأل إلي (٢) أن يضع فيه (٣) قيمة العبد عند القاضي أو نائبه (٤) ويأخذه ليذهب به إلى بلد ليشهد له بها على عينه، أي: على عين العبد فإنه يجاب لذلك. قوله: (لا إِنِ انْتَفَيَا، وطَلَبَ إِيقَافَهُ لِيَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ بِكَيَوْمَيْنِ، إِلا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً، أَوْ سَماعًا يَثْبُتُ بِهِ، فَيُوقَفُ ويُوَكَّلُ بِهِ فِي كَيَوْمين) يريد: إن انتفيا، أي: العدل وبينة السماع وطلب إيقاف العبد بمجرد دعواه، فإنه لا يمكن من ذلك، وإن كانت بلده عن مسافة يوم أو (٥) يومين ونحوهما لأنه يحتمل أن يكون (٦) إنما قصد بذلك إضرار المالك وإبطال منفعة عبده عليه في تلك المدة، إلا أن يدعي بينة حاضرة في نحو السوق أو يدعي سماعًا فاشيا يثبت به ذلك فإنه يوقف له ويوكل به (٧) له في اليوم ونحوه. قوله: (والْغَلَّةُ لَهُ لِلْقَضَاءِ، والنَّفَقَةُ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ بهِ) يريد: أن غلة العبد المغتل (٨) أو الدابة أو الدار أو نحوها يحكم بها للذي كانت بيده إلى أن يقضي بها للطالب إذ لو هلكت كان ضامنًا لها، وهو مذهب المدونة (٩)، وذهب ابن القاسم إلى أنها للمدعي، وفي الموطأ أنها للأول حتى يثبت حق الثاني (١٠)، وأما النفقة فإنها تكون على من يقضى

стр. 2834

له بذلك. (المتن) وَجَازَتْ عَلَى خَطِّ مُقِرٍّ بِلَا يَمِينٍ، وَخَطِّ شَاهِدٍ مَاتَ أَوْ غَابَ بِبُعْدٍ، وَإِنْ بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِمَا إِنْ عَرَفْتَهُ كَالْمُعَيَّنِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ، وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا لَا عَلَى خَط نَفْسِهِ حَتى يَذْكُرَهَا وَأَدَّى بِلَا نَفْع، وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ إِلَّا بعَيْنِهِ. وَلَا يُسَجِّلُ مَنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ فُلَانٍ، وَلا عَلَى مُنْتَقِبَةٍ لِتَتَعَيَّنَ لِلأَدَاءِ، وَإنْ قَالُوا أَشْهَدَتْنَا مُنْتَقِبَةً وَكَذَلِكَ نَعْرِفُهَا قُلِّدُوا، وَعَلَيهِمْ إِخْرَاجُهَا إِنْ قِيلَ لَهُمْ عَيِّنُوهَا. وَجَازَ الأَدَاءُ إِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ وَإِنْ بِامْرَأَةٍ، لَا بِشَاهِدَيْنِ إِلَّا نَقْلًا. وَجَازَتْ بِسَمَاعٍ فَشَا عَنْ ثِقَاتٍ وَغَيْرِهِمْ بِمِلْكٍ لِحَائِزٍ مُتَصَرِّفٍ طَوِيلًا. (الشرح) قوله: (وجَازَتْ عَلَى خَطِّ مُقِرٍّ بِلا يَمِينٍ) أي: وجازت الشهادة على خط مقر. ابن المواز، ولا خلاف بين مالك وأصحابه فيما أعلم فيه إلا ما روي عن ابن عبد الحكم، قال: ولا تجوز شهادة على الخط، وأطلق (١)، وإن شهد على الخط شاهدان فصاعدًا فلا يمين (٢). وفي الجلاب في ذلك روايتان، قال: وإذا حكم بالشاهد (٣) على الخط (٤) فهل في ذلك (٥) يمين أم لا؟ في ذلك روايتان إحداهما أنه يحكم (٦) له بمجرد الشهادة على الخط، والثانية: أنه لا يحكم له بذلك (٧) حتى يحلف معها (٨). قوله: (وخَطِّ شَاهِدٍ مَاتَ، أَوْ غَابَ ببُعْدٍ) أي: وجازت الشهادة أيضًا على خط الشاهد الميت أو الغائب، وقد اضطرب الأَشياخ في نقل أهل (٩) المذهب في إعمالها، ففي

стр. 2835

البيان لم يختلف قول مالك في الأمهات المشهورة في إعمالها وإجازتها، وروي عنه أنها لا تجوز، وإليه ذهب محمد، وقيل: إن (١) غاية خطه كلفظه، وهو لو سمعه بنص شهادته لم يجز له نقلها عنه، وصوبه ابن رشد إلا في الأحباس، فإن العمل جرى على إجازتها (٢) في الأحباس ونحوها مما هو حق لله تعالى، وما ليس بحد (٣). ونحوه لابن أبي زمنين (٤)، وقال (٥) الباجي مشهور قول مالك أنها لا تجوز على خط الشاهد، وروى ابن القاسم وابن وهب إجازتها، وقاله سحنون (٦). واحترز بقوله: (بِبُعْدٍ) من الغيبة القريبة فإنها لا يشهد فيها على خطه مع ذلك، واختلف في الغيبة البعيدة، فقال عبد الملك: قدر ما تقصر فيه الصلاة، وقيل: مثل مصر من إفريقية أو مكة من العراق، ولم يحدها سحنون (٧). قوله: (وإِنْ بِغَيْرِ مَالٍ فِيهِما) أي: في الشهادة على خط المقر والشهادة على خط (٨) الميت أو الغائب، وقد سبق كلام ابن رشد وابن أبي زمنين، وما ذكره في هذه المسألة (٩) في خط المقر (١٠) هو ظاهر كلام محمد بن الفرج مولى ابن الطلاع على ما حكاه ابن سهل (١١)، فإنه قال: الأصل في الشهادة على الخطوط من قول مالك، وأكثر أصحابه أنها تجوز في الحقوق وفي الطلاق والعتاق والأحباس وغيرها، ومعنى الشهادة على الخط في الطلاق إذا كان على خط نفسه أن يشهد على خط (١٢) نفسه (١٣) بأنه طلق

стр. 2836

زوجته (١) مثل أن يكتب إلى رجل يعلمه بأنه طلق زوجته (٢) أو يكتب لزوجته بذلك فيشهد لها على خطه، وعن مطرف وابن الماجشون وأصبغ: لا يجوز ذلك في طلاق ولا عتاق، ولا حد ولا كتاب قاض إلى قاض بل في الأموال فقط (٣). قوله: (إِنْ عَرَفَتْهُ كَالْمُعَيَّنِ) يريد: أنه لا يشهد على خط الشاهد الميت أو الغائب إلا من يعرف خطه معرفة لا شك فيها حتى يصير عنده كالشيء المعين، ووقع في كتاب القرويين أن الشهادة في ذلك إنما هي على العلم. قوله: (وأنَّه كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ) أي: ويكون الشاهد على الخط يعرف أن الشاهد الميت كان يعرف من أشهده على نفسه، فلو لم يعرف الشاهد على الخط في ذلك؛ لم يجز له أن يشهد على خطه عند ابن زرب (٤)، وقال غيره يجوز (٥). قوله: (وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا) أي: وإن لم يسم (٦) وأن الشاهد تحمل الشهادة حالة كونه عدلًا، يريد: ولم يزل على ذلك حتى مات هكذا قال مالك ﵀. قوله: (لا عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ حَتَّى يَذْكُرَهَا، وأَدَّى بِلا نَفْعٍ) الذي رجع إليه مالك أن الشاهد لا يشهد على خط نفسه وإن عرفه حتى يذكر الشهادة ويوقن بها (٧)، ولكن يؤديها كما علم، ولا ينتفع الطلاب (٨)، وقاله كذلك في المدونة (٩)، وكان مالك يقول: إن عرف خطه ولم يذكر الشهادة (١٠) ولا شيئًا منها وليس في الكتاب محو ولا ريبة فليشهد بها، وإن كان الرق مطلسًا (١١) أو مغسولا أو فيه محو فلا يشهد، وبه أخذ مطرف وعبد

стр. 2837

الملك والمغيرة وابن أبي حازم وابن دينار وابن وهب (١) وابن حبيب وسحنون وقال (٢) مطرف: وعليه إجماع الناس (٣). وقيد بعضهم المحو بما إذا لم يعتذر (٤) عنه في الوثيقة، وأما إن اعتذر عنه فيها (٥) فلا يضر، وظاهر قوله: حتى يذكرها أنه لو ذكر بعضها يؤديها ولا تنفع الطالب على المشهور عندهم، وظاهر ما نقله ابن شاس من رواية مطرف عن مالك أنه يؤديها وتنفعه (٦)، وإذا فرمحنا على القول الذي رجع إليه مالك، فعنه أنه يؤديها على وجهها فيقول أن كتابًا يشبه كتابي وأظنه إياه، ولست أذكر شهادتي بيدي، ولا أني كتبتها (٧) بخطي (٨)، ويحكي ذلك كله على وجهه، ولا يقضي بها الحاكم (٩)، وقال ابن القاسم: يقول هذه شهادتي بيدي، ولا أذكرها ولا تنفعه، وقال محمد: لا يرفعها (١٠) أصلًا، وعلى قول مالك: المرجوع عنه فإنه يؤديها، ولا يذكر للقاضي حاله، ابن شاس: قالوا: وإن قالها فلا يقبلها وكأنه تبرأ من هذا (١١)، وروى ابن وهب القبول إذا ذكر الشاهد حاله، وحصل في ابن رشد (١٢) في هذه المسألة خمسة أقوال: يؤديها ويحكم بها، ولا يؤديها فضلا على أن يحكم بها (١٣)، ويؤديها ولا يحكم بها. الرابع: إن كانت في رق أداها، لا إن كانت في كاغد، وقيده بكون الشهادة في باطن

стр. 2838

الرق لا إن كانت في ظاهره، لأن اللبس (١) يخفى في الظاهر. والخامس: إن كان ذكر الحق والشهادة بخطه أداها، وإن لم يكن بخطه إلا الشهادة فلا يؤديها (٢). قوله: (ولا عَلَى مَنْ لا يَعْرِفُ، إِلا بعَيْنِهِ) أي: وكذا لا يشهد الشاهد (٣) على من لا يعرفه إلا على شخصه، وهو مراده بعينه، ومراده بعدم معرفته، أي: لا يعرف نسبه. مالك: وأحب إلي ألا يشهد على من لا يعرف، فإن عرفه بعضهم ففيه بعض السعة، أي لأنه أمن (٤) بمعرفته بعضهم من أن يتسمى بغير اسمه، وأما الذي لم يعرفه أحد فيكره له أن يوقع (٥) شهادته عليه مخافة أن يتسمى بغير اسمه، وقاله مطرف وابن الماجشون وأصبغ (٦)، انظر: الكبير. قوله: (ولا يُسَجِّلُ عَلَى مَنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ فُلانٍ) ظاهره ان لم يثبت البينة أنها ابنة فلان، وفي الجواهر إذا شهدت بينة على عين امرأة بدين زعمت أنها بنت زيد؛ لم يجز (٧) للقاضي أن يسجل (٨) علي بنت زيد حتى يثبت بالبينة أنها بنت زيد كذا في الجواهر (٩)، يريد: وكذلك لا يشهد الشهود أنها بنت زيد إلا بعد الثبوت (١٠)، لاحتمال أن تكون قد انتسبت إلى غير نسبتها (١١). قوله: (ولا عَلَى مُنْتقِبَةٍ لتتعين للأداء) أي: وكذا لا يشهد على امرأة منتقبة (١٢) حتى

стр. 2839

تكشف عن (١) وجهها ليعَينَها عند الأَدَاءِ ويميزها من أمثالها بالإشهاد والمعرفة التامة، وقاله ابن شاس وغيره، فإن عرفها اثنان فلا يشهد عليها غيرهما، بل على شهادتهما أن فلانة أقرت وذلك عند تعذر الأداء منها (٢)، وقال ابن نافع: يشهد، ورواه عن مالك (٣). ابن رشد في البيان (٤): والذي أقول به أنه إن أتاه المشهود له بهذين الشاهدين يشهد عليهما بمعرفتها (٥)، فلا يشهد إلا عليهما، وإن كان سأل الشاهدين الشهادة فأخبراه بها؛ فليشهد عليها لا عليهما، ثم قال (٦): وكذلك لو سأل عن ذلك رجلًا يثق به أو لفيف النساء (٧) لجاز له أن يشهد عليها إذا حصل عنده العلم بذلك (٨). قوله: (وإن قالوا: أشهدتنا منتقبة، وكَذَلِكَ: نَعْرِفُهُا. قُلِّدُوا) أي: وإن قال الشهود: إن امرأة قد أشهدتنا منتقبة، وكذلك نعرفها، ولا نعرفها بغير نقاب، فإنهم يقلدون في ذلك، ابن سحنون: إن كانوا عدولا يعينوها (٩) ويقطع بشهادتهم، ثم قال: ولو شهدوا

стр. 2840

عليها بإقرار أو نكاح أو (١) وسأل الخصم إدخالها في نساء ليخرجوها، فقالوا: أشهدنا عليها على معرفة منا بعينها ونسيناها، ولا ندري هل نعرفها اليوم أم لا، وقد تتغير حالتها عما كانت عليه يوم الشهادة، أو قالوا: لا نكلف ذلك أو لا يلزمنا، فإنه لا بد أن يخرجوا عينها (٢)، وإليه أشار بقوله: (وعَلَيْهِمْ إِخْرَاجُهَا إِنْ قيلَ لَهُمْ عَيِّنُوهَا). قوله: (وجَازَ الأَدَاءُ، إِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ، وإِنْ بِامْرَأَةٍ) قد تقدم ذلك عن ابن رشد فوق هذا (٣)، يريد: ويجوز له أن يشهد على المرأة إذا حصل له العلم بإخبار من أخبره، وإن كانت المرأة (٤)، لأن أخبارها قد تحف به (٥) تقويها. قوله: (لا بِشَاهِدَيْنِ إِلا نَقْلًا) قد تقدم عنه أيضًا أنه قول ابن القاسم (٦)، أي: لم يحصل العلم بهما، فلا يشهد إلا على شهادتهما، وهو معنى قوله: (إِلا نَقْلًا) وقاله ابن القاسم، ورواه عن مالك، وروي عن ابن نافعِ أنه يشهد (٧). قوله: (وجَازَتْ بِسَماعٍ فَشَا عَنْ ثِقَاتٍ وغيْرِهِمْ) أي: وجازت الشهادة على السماع الفاشي من الثقات وغيرهم، ابن شاس: وهي أن يقول الشهود سمعنا سماعًا فاشيًا من أهل العدول وغيرهم، وقال محمد: يقولون: إنا لم نزل نسمع الثقات كذا، وقال مطرف وعبد الملك: يقولون سمعنا سماعًا فاشيًا من أهل العدل فقط، ولا يجوز من غيرهم من سامع أو مسموع منه، ولا يسمون من سمعوا منه (٨)، فإن سموا كان ذلك نقل الشهادة لا شهادة سماع (٩)، ولهذا قال بعضهم: لا بد أن يكون عن العدول و (١٠) غيرهم لأن
следующие страницы →