← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

زوجته (١) مثل أن يكتب إلى رجل يعلمه بأنه طلق زوجته (٢) أو يكتب لزوجته بذلك فيشهد لها على خطه، وعن مطرف وابن الماجشون وأصبغ: لا يجوز ذلك في طلاق ولا عتاق، ولا حد ولا كتاب قاض إلى قاض بل في الأموال فقط (٣). قوله: (إِنْ عَرَفَتْهُ كَالْمُعَيَّنِ) يريد: أنه لا يشهد على خط الشاهد الميت أو الغائب إلا من يعرف خطه معرفة لا شك فيها حتى يصير عنده كالشيء المعين، ووقع في كتاب القرويين أن الشهادة في ذلك إنما هي على العلم. قوله: (وأنَّه كَانَ يَعْرِفُ مُشْهِدَهُ) أي: ويكون الشاهد على الخط يعرف أن الشاهد الميت كان يعرف من أشهده على نفسه، فلو لم يعرف الشاهد على الخط في ذلك؛ لم يجز له أن يشهد على خطه عند ابن زرب (٤)، وقال غيره يجوز (٥). قوله: (وَتَحَمَّلَهَا عَدْلًا) أي: وإن لم يسم (٦) وأن الشاهد تحمل الشهادة حالة كونه عدلًا، يريد: ولم يزل على ذلك حتى مات هكذا قال مالك ﵀. قوله: (لا عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ حَتَّى يَذْكُرَهَا، وأَدَّى بِلا نَفْعٍ) الذي رجع إليه مالك أن الشاهد لا يشهد على خط نفسه وإن عرفه حتى يذكر الشهادة ويوقن بها (٧)، ولكن يؤديها كما علم، ولا ينتفع الطلاب (٨)، وقاله كذلك في المدونة (٩)، وكان مالك يقول: إن عرف خطه ولم يذكر الشهادة (١٠) ولا شيئًا منها وليس في الكتاب محو ولا ريبة فليشهد بها، وإن كان الرق مطلسًا (١١) أو مغسولا أو فيه محو فلا يشهد، وبه أخذ مطرف وعبد

стр. 2837

الملك والمغيرة وابن أبي حازم وابن دينار وابن وهب (١) وابن حبيب وسحنون وقال (٢) مطرف: وعليه إجماع الناس (٣). وقيد بعضهم المحو بما إذا لم يعتذر (٤) عنه في الوثيقة، وأما إن اعتذر عنه فيها (٥) فلا يضر، وظاهر قوله: حتى يذكرها أنه لو ذكر بعضها يؤديها ولا تنفع الطالب على المشهور عندهم، وظاهر ما نقله ابن شاس من رواية مطرف عن مالك أنه يؤديها وتنفعه (٦)، وإذا فرمحنا على القول الذي رجع إليه مالك، فعنه أنه يؤديها على وجهها فيقول أن كتابًا يشبه كتابي وأظنه إياه، ولست أذكر شهادتي بيدي، ولا أني كتبتها (٧) بخطي (٨)، ويحكي ذلك كله على وجهه، ولا يقضي بها الحاكم (٩)، وقال ابن القاسم: يقول هذه شهادتي بيدي، ولا أذكرها ولا تنفعه، وقال محمد: لا يرفعها (١٠) أصلًا، وعلى قول مالك: المرجوع عنه فإنه يؤديها، ولا يذكر للقاضي حاله، ابن شاس: قالوا: وإن قالها فلا يقبلها وكأنه تبرأ من هذا (١١)، وروى ابن وهب القبول إذا ذكر الشاهد حاله، وحصل في ابن رشد (١٢) في هذه المسألة خمسة أقوال: يؤديها ويحكم بها، ولا يؤديها فضلا على أن يحكم بها (١٣)، ويؤديها ولا يحكم بها. الرابع: إن كانت في رق أداها، لا إن كانت في كاغد، وقيده بكون الشهادة في باطن

стр. 2838

الرق لا إن كانت في ظاهره، لأن اللبس (١) يخفى في الظاهر. والخامس: إن كان ذكر الحق والشهادة بخطه أداها، وإن لم يكن بخطه إلا الشهادة فلا يؤديها (٢). قوله: (ولا عَلَى مَنْ لا يَعْرِفُ، إِلا بعَيْنِهِ) أي: وكذا لا يشهد الشاهد (٣) على من لا يعرفه إلا على شخصه، وهو مراده بعينه، ومراده بعدم معرفته، أي: لا يعرف نسبه. مالك: وأحب إلي ألا يشهد على من لا يعرف، فإن عرفه بعضهم ففيه بعض السعة، أي لأنه أمن (٤) بمعرفته بعضهم من أن يتسمى بغير اسمه، وأما الذي لم يعرفه أحد فيكره له أن يوقع (٥) شهادته عليه مخافة أن يتسمى بغير اسمه، وقاله مطرف وابن الماجشون وأصبغ (٦)، انظر: الكبير. قوله: (ولا يُسَجِّلُ عَلَى مَنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ فُلانٍ) ظاهره ان لم يثبت البينة أنها ابنة فلان، وفي الجواهر إذا شهدت بينة على عين امرأة بدين زعمت أنها بنت زيد؛ لم يجز (٧) للقاضي أن يسجل (٨) علي بنت زيد حتى يثبت بالبينة أنها بنت زيد كذا في الجواهر (٩)، يريد: وكذلك لا يشهد الشهود أنها بنت زيد إلا بعد الثبوت (١٠)، لاحتمال أن تكون قد انتسبت إلى غير نسبتها (١١). قوله: (ولا عَلَى مُنْتقِبَةٍ لتتعين للأداء) أي: وكذا لا يشهد على امرأة منتقبة (١٢) حتى

стр. 2839

تكشف عن (١) وجهها ليعَينَها عند الأَدَاءِ ويميزها من أمثالها بالإشهاد والمعرفة التامة، وقاله ابن شاس وغيره، فإن عرفها اثنان فلا يشهد عليها غيرهما، بل على شهادتهما أن فلانة أقرت وذلك عند تعذر الأداء منها (٢)، وقال ابن نافع: يشهد، ورواه عن مالك (٣). ابن رشد في البيان (٤): والذي أقول به أنه إن أتاه المشهود له بهذين الشاهدين يشهد عليهما بمعرفتها (٥)، فلا يشهد إلا عليهما، وإن كان سأل الشاهدين الشهادة فأخبراه بها؛ فليشهد عليها لا عليهما، ثم قال (٦): وكذلك لو سأل عن ذلك رجلًا يثق به أو لفيف النساء (٧) لجاز له أن يشهد عليها إذا حصل عنده العلم بذلك (٨). قوله: (وإن قالوا: أشهدتنا منتقبة، وكَذَلِكَ: نَعْرِفُهُا. قُلِّدُوا) أي: وإن قال الشهود: إن امرأة قد أشهدتنا منتقبة، وكذلك نعرفها، ولا نعرفها بغير نقاب، فإنهم يقلدون في ذلك، ابن سحنون: إن كانوا عدولا يعينوها (٩) ويقطع بشهادتهم، ثم قال: ولو شهدوا

стр. 2840

عليها بإقرار أو نكاح أو (١) وسأل الخصم إدخالها في نساء ليخرجوها، فقالوا: أشهدنا عليها على معرفة منا بعينها ونسيناها، ولا ندري هل نعرفها اليوم أم لا، وقد تتغير حالتها عما كانت عليه يوم الشهادة، أو قالوا: لا نكلف ذلك أو لا يلزمنا، فإنه لا بد أن يخرجوا عينها (٢)، وإليه أشار بقوله: (وعَلَيْهِمْ إِخْرَاجُهَا إِنْ قيلَ لَهُمْ عَيِّنُوهَا). قوله: (وجَازَ الأَدَاءُ، إِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ، وإِنْ بِامْرَأَةٍ) قد تقدم ذلك عن ابن رشد فوق هذا (٣)، يريد: ويجوز له أن يشهد على المرأة إذا حصل له العلم بإخبار من أخبره، وإن كانت المرأة (٤)، لأن أخبارها قد تحف به (٥) تقويها. قوله: (لا بِشَاهِدَيْنِ إِلا نَقْلًا) قد تقدم عنه أيضًا أنه قول ابن القاسم (٦)، أي: لم يحصل العلم بهما، فلا يشهد إلا على شهادتهما، وهو معنى قوله: (إِلا نَقْلًا) وقاله ابن القاسم، ورواه عن مالك، وروي عن ابن نافعِ أنه يشهد (٧). قوله: (وجَازَتْ بِسَماعٍ فَشَا عَنْ ثِقَاتٍ وغيْرِهِمْ) أي: وجازت الشهادة على السماع الفاشي من الثقات وغيرهم، ابن شاس: وهي أن يقول الشهود سمعنا سماعًا فاشيًا من أهل العدول وغيرهم، وقال محمد: يقولون: إنا لم نزل نسمع الثقات كذا، وقال مطرف وعبد الملك: يقولون سمعنا سماعًا فاشيًا من أهل العدل فقط، ولا يجوز من غيرهم من سامع أو مسموع منه، ولا يسمون من سمعوا منه (٨)، فإن سموا كان ذلك نقل الشهادة لا شهادة سماع (٩)، ولهذا قال بعضهم: لا بد أن يكون عن العدول و (١٠) غيرهم لأن

стр. 2841

قصر السماع عن العدول يخرجه إلى نقل الشهادة من العينين. قوله: (بِمِلْكٍ لِحائِزٍ مُتَصَرِّفِ طَوِيلًا) يريد: أن شهادة السماع تجوز بالملك، أي: في الأملاك، وما ذكر معها، ابن شاس: وإنما يشهد بالملك إذا طالت الحيازة، وكان يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه (١) من الهدم وغيره، ولا ينازعه فيه أحد، ولا تكفي شهادتهم أنه يحوزها حتى يقولوا أنه حازها (٢) لحقه، أنها له ملك (٣)، واشترط بعضهم في قبولها (٤) أن يستفيض الخبر، والحديث بكون هذا الشيء ملكا لمن هو في يده، ومن الناس (٥) من لم يشترطه. (المتن) وَقُدِّمَتْ بَيِّنَة الْمِلْكِ، إِلَّا بِسَمَاعٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ كَأَبِي الْقَائِمِ وَوَقْفٍ، وَمَوْتٍ بِبُعْدٍ إِنْ طَالَ الزَّمَانُ، بِلَا رِيبَةٍ. وَحَلَفَ، وَشَهِدَ اثْنَانِ كَعَزْلٍ، وَجَرْحٍ، وَكُفْرٍ، وفسق، وَنِكَاحٍ، وَضِدِّهَا، وَإِنْ بِخُلْعٍ، وَضَرَرِ زَوْجٍ، وَهِبَةٍ، وَوَصِيَّةٍ، وَوِلَادَةٍ وَحِرَابَةٍ، وَإِبَاقٍ، وَعُدْمٍ، وَأَسْرٍ وَعِتْقٍ، وَلَوْثٍ. وَالتَّحَمُّلُ إِنِ افْتُقِرَ إِلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَتَعَيَّنَ الأَدَاءُ مِنْ كَبَرِيدَيْنِ، وَعَلَى ثَالِثٍ إِنْ لَمْ يُجْتَزْ بِهِمَا، وَإِنِ انْتَفَعَ فَجَرْحٌ، إِلَّا رُكُوبَهُ لِعُسْرِ مَشْيِهِ، وَعَدَمِ دَابَّتِهِ؛ لَا كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ. وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْهُ بِدَابَّةٍ، أَوْ نَفَقَةٍ. وَحَلَفَ بِشَاهِدٍ فِي طَلَاقٍ، وَعِتْقٍ، لَا نِكَاحٍ. فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ، وَإِنْ طَالَ دُيِّنَ. (الشرح) قوله: (وقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الملْكِ، إِلا بِالسَّماعِ أنّه اشْتَرَاهَا مِنْ كَأَبِي الْقَائِمِ) أي: فإن تعارضت بينة الحوز مع بينة الملك؛ قدمت بينة الملك إلا أن تكون بينة السماع شهادةً (٦) بأنهم لم يزالوا يسمعون على تطاول الأزمان أن هذا الحائز اشتراها من أب هذا القائم أو جده أو نحوه (٧)، فيثبت له بقاؤها في يده (٨) بهذه الشهادة ونحوه في

стр. 2842

المدونة (١)، فلو قالوا: سمعنا أنه اشتراها ولا ندري ممن، لم تنفعه هذه الشهادة لاحتمال أن يكون اشتراها من غاصب، وكذا قال ابن الموازة لا تجوز شهادة السماع إلا لمن كان الشيء المشهود به (٢) في يده، ولا يستخرج (٣) بها من يد حائز، وكذا نص عليه أبو إسحاق وغيره (٤)، وعن ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون (٥) وأصبغ في الواضحة ما يقتضي أنه يستخرج بها ما في اليد (٦). قوله: (ووَقْفٍ) أي: وكذا تجوز شهادة السماع في الوقف، ونص عليه في المدونة (٧) وغيرها، أبو إسحاق: وذلك مثل أن تكون الدار ليست بيد مشتريها، وإنما هي في يد حائزها فتشهد بينة على السماع أنها حبس على الحائز وعلى عقبه، ويشهدون بالملك المحبس (٨) أو تكون لا يدعيها أحد (٩) فتشهد بينة أنها حبس على بني فلان أو على فلان وبنيه (١٠) ونحوه لابن محرز (١١). قوله: (وَمَوْتٍ بِبُعْدٍ) أي: وكذا تجوز الشهادة على السماع في الموت فيما بَعُد من البلاد، وقاله الباجي، يريد: لأن ما قارب أو ما في بلد الميت تكون الشهادة فيه شهادة بت، وإن كان سببها السماع إلا أن لفظ شهادة السماع (١٢) إنما يطلق عند الفقهاء على ما لا يقع به العلم للشاهد، ولذلك يؤدي الشاهد في السماع على أنه سمع سماعًا فاشيًا، وأما إن وقع له العلم بتواتر الخبر فإنما يشهد على علمه (١٣).

стр. 2843

قوله: (إِنْ طَالَ الزَّمَانُ، بِلا رِيبَةٍ وحَلَفَ، وشَهِدَ اثْنَانِ) يريد: أن شهادة السماع لا يفيد الحكم بها (١) إلا بأربعة شروط: الأول: طول الزمان، فلا يجوز (٢) ذلك في ملك الدار ونحوها فيما قرب، قال مالك: كخمس (٣) سنين، ابن القاسم: وإنما (٤) تجوز فيما أتت عليه أربعون سنة أو خمسون، ابن زرقون: وهو ظاهر المدونة (٥)، ونقل (٦) عن ابن القاسم أيضًا عشرون سنة (٧)، ابن رشد: وبه العمل بقرطبة (٨). واختلف في خمسة عشر سنة، هل هو طول؟ وإليه ذهب مطرف وابن الماجشون وأصبغ، أو ليس بطول، وإليه ذهب (٩) ابن القاسم في الموازية (١٠)، أو طول في الوباء (١١) فقط (١٢). ابن عبد السلام: والظاهر أنه قول ثالث، ومنهم من قيد به القول الثاني. والشرط الثاني: انتفاء الريبة، ولهذا إذا شهد اثنان بالسماع، وفي القبيل جمع كثير من ذوي سنها (١٣) لم يسمعوا ذلك أو شهد بموت رجل ببلدته جم غفير لم يعلموا بذلك ولا سمعوا به لم تقبل شهادتهما (١٤)، فلو لم يكن ثَمَّ (١٥) من هو أسن منهما لقبلا لانتفاء

стр. 2844

الريبة، ابن محرز، وقاله ابن القاسم (١). والثالث: أنه لا يقضي (٢) للمستحق بها (٣) إلا بعد حلفه، وقاله غير واحد، ونص عليه ابن يونس إذ لعل أصل (٤) السماع كان عن شاهد واحد، ولا يقوم الحق بذلك إلا مع اليمين. الرابع: أن يشهد بالسماع اثنان ويكتفي بهما، وقال عبد الملك: لا بد من أربعة، والأول هو المشهور (٥). قوله: (كَعَزْلٍ، وجَرْحٍ، وكُفْرٍ، وفسق (٦)، ونِكَاحٍ وضِدِّهَا) أي: وكذا تجوز شهادة (٧) السماع في العزل وما بعدها، وضدها وهي الولاية والتعديل والرشد والإسلام والطلاق، وفي الطلاق الضد عليها مسامحة (٨)، ولو قال: ومقابلها لكان أحسن. قوله: (وإن بخلع) يريد: أن شاهدة السماع لا تختص بالطلاق الفاشي (٩) عن غير خلع بل يجوز فيه وفي الخلع (١٠). قوله: (وضَرَر زَوْجٍ، وهبةٍ، وَوَصِيَّةٍ، ووِلادَةٍ، وحِرَابَةٍ، وإِبَاقٍ، وعُدْمٍ، وأَسْرٍ، وعِتْقٍ، وَلَوْثٍ) نص فيما تقدم على جوازها في ضرر أحد الزوجين بصاحبه، وكذلك تجوز في (١١) البيع والأحباس والوصية (١٢) والصدقة (١٣)، والرضاع والنسب والولاء

стр. 2845

والقسمة، والمشهور ثبوت النسب والولاء (١) بذلك. واختلف في ذلك قول مالك، ولأصبغ وابن القاسم ثبوت المال (٢) دون النسب، والولاء، محمد: ولا يعجبني (٣) هذا، ثم قال: وقول مالك وابن القاسم أنه يقضى له بالنسب والولاء، والمال هو الحق (٤). أبو عمران: ويشترط في شهادة السماع على النكاح أن يتفق الزوجان عليه، وأما إن أنكر أحدهما فلا (٥). ومعنى شهادة السماع في الوصية أن يشهدوا (٦) أنه أيزل يسمع أن فلانًا كان في ولاية فلان، وأنه كان يتولى النظر له، ويلي الإنفاق عليه بإيصاء أبيه أو تقديم قاض عليه، وقد قال بعضهم في هذه المسألة (٧) -ونسبت لابن رشد-: شعرًا (٨): أيا سائلي عما ينفذ حكمه ... ويثبت سمعًا دون علم بأصله ففي العزل والتجريح والكفر بعده ... وفي سفه أو ضد ذلك كله وفي البيع والأحيباس والصدقة (٩) ... والرضاع وخلع والنكاح وحله وفي قسمة أو نسبة وولاية (١٠) ... وموت وحمل والمضر بأهله وزاد ابنه على ما قال (١١): ومنها الهبة (١٢) والوصية فاعلمن ... وملك قديم قد يظن بمثله

стр. 2846

ومنها ولادة ومنها حرابة ... ومنها الإباق فليضم لشكله فدونكها عشرون من بعد سبعة ... تدل على حفظ الفقيه ونبله أبي نظم العشرين من بعد واحد ... وأتبعتها ستًا تمامًا لفعله ابن عبد السلام: ولا أدخل تحت عهدة السفة لمن نكر (١). قوله: (وَالتَّحَمُّلُ إِنِ افْتُقِرَ إِلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) يريد: أن تحمل الشهادة بحيث يحتاج إليه فرض كفاية، واحترز بقوله: (إِنِ افْتُقِرَ إِلَيْهِ) بما إذا طلب من الشاهد تحمل الشهادة التي لا يتعلق بها حكم، وإنما كان عند الافتقار فرض كفاية؛ لأنه لو تركه جميع الناس لأدى ذلك إلى بطلان (٢) الحقوق، وأيضًا فإن الغرض المقصود يحصل (٣) بالبعض وهو شأن فرض الكفاية، فإن لم يوجد إلا شاهدان (٤) تعين عليهما وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فقال مالك: معناه إذا دعوا إلى الأداء، وقيل: إلى التحمل، وقيل: إليهما معًا (٥). انظر الكبير. قوله: (وَتَعَيَّنَ الأَدَاءُ) يعني: أن الشاهد إذا طلب منه أداء الشهادة بعد التحمل، فإنه يتعين عليه ذلك إذا كان واحدًا فيما كان يقبل (٦) فيه بالشاهد واليمين، أو كانا اثنين، ولا يحل اثنين (٧) ولا يحل لأحدهما أن يحيل المشهود له على اليمين مع صاحبه. قوله: (مِنْ كَبَرِيدَيْنِ) ونحوه لسحنون (٨)، أي: ولا يلزم من أبعد لذلك (٩)،

стр. 2847

والمراد (١) مراعاة المشقة وعدمها، ولا يقوم على التحديد بذلك دليل. قوله: (وعَلَى ثَالثٍ، إِنْ لم يُجْتَزْ بِهِما) أي: فإن كان الحاكم لم يكتف باثنين لريبة ونحوها، فإن الثالث يجب عليه الأداء، يريد: وكذلك الرابع والخامس حتى يثبت الحق. قوله: (وإن انْتَفَعَ فَجُرْحٌ) يريد: أن الشاهد إذا تعين عليه الأداء (٢) لكونه على بريدين فأقل لا يحل (٣) له أخذ شيء عليه ينتفع به، بل يجب عليه الأداء لوجوبها عليه، فإن انتفع عليها (٤) كان جرحة وبطلت شهادته، وقاله سحنون (٥). قوله: (إِلا رُكُوبَهُ لِعُسْرِ مَشْيِهِ وَعَدَمِ دَابَّتِهِ) أي: فإن لم يكن للشاهد دابة وعسُر عليه المشيُ فركّبه المشهود له، فإن ذلك لا يكون جرحة؛ لأن الركوب حينئذ لا يكون منفعةً (٦) حقيقةً للشاهد وإنما منفعته مقصورة على المشهود له. قوله: (لا كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ) متعلق بقوله: (من كبريد) أي: فإن الأداء لا يتعين على الشاهد فيها، وأحرى فيما زاد عليها (٧) وليشهد عند من يأمره القاضي وقدمه لذلك (٨) بذلك البلد ويكتب بما شهدوا (٩) به عند القاضي الذي بالموضع، وقاله كله سحنون (١٠). قوله: (وَلَهُ أنْ يَنْتفِعَ مِنْهُ بِدَابَّةٍ أو نَفَقَةٍ) أي: فإن لم يكن ثَمَّ من يشهد عند القاضي

стр. 2848

بالموضع الذي هو به، وادعى الشهادة (١) على مسافة القصر فصاعدًا فإنه لا يقدح في شهادته ما انتفع به من المشهود له من ركوب دابته ونفقته ما أقام منتظرًا به إذا احتجب السلطان عن الشاهد (٢) ولم يقدم من يسمع من الشهود حتى يؤدي وينصرف (٣)، وقيل: تبطل شهادته بذلك، ابن رشد: وهو الأظهر (٤). قوله: (وحَلَفَ بِشَاهِدٍ في طَلاقٍ، وعِتْقٍ) يريد: أن المرأة إذا أقامت شاهدًا بأن زوجها طلقها، أو أقامه العبد على سيده أنه أعتقه فإنه يطالب (٥) بتلك الدعوى، فإن أعتق (٦) فلا إشكال، وكذا إن حلف على نفي ما ادعى به عليه، وأما إن نكل فسنذكره. قوله: (لا نِكَاحٍ) أي: فإنه لا يساوي الطلاق والعتق في ذلك ولا بد فيه من شاهدين وهو المعروف، وحكى ابن الهندي قولًا بوجوب اليمين مع الشاهد كالطلاق (٧)، وفي الموازية والواضحة إذا ادعت امرأة نكاح رجل أو ادعاه هو عليها فإن اليمين ساقطة إلا أن يقيم (٨) بذلك شاهدًا (٩). قوله: (فَإنْ نَكَلَ حُبِسَ، وإِنْ طَالَ دُيِّنَ) هكذا قال في المدونة، وزاد: ويخلى بينه وبينها، وهي رواية عن (١٠) ابن القاسم، وبها أخذ، وهي التي رجع إليها مالك (١١)،

стр. 2849

وروي عنه أيضًا: أنه يقضى عليه بالطلاق والعتق (١)، وبه قال أشهب وابن عبد الحكم، ولابن القاسم قول أنه يحبس سنة، ونقله ابن يونس أيضًا عن مالك، وقال سحنون: يحبس أبدًا حتى يحلف أو يقر (٢). ونقل أيضًا عن مالك أنه يقضي في الطلاق والعتق بالشاهد والنكول؛ لأنهما أقوى من الشاهد واليمين، وذلك أن الشاهد والنكول من الجهتين (٣) بخلاف الشاهد واليمين فإنهما معًا من جهة المدعي فقط (٤). (المتن) وَحَلَفَ عَبْدٌ وَسَفِيهٌ مَعَ شَاهِدٍ، لا صَبِيٌّ وَأَبُوهُ، إِنْ أَنْفَقَ وَحَلَفَ مَطْلُوبٌ لِيُتْرَكَ بِيَدِهِ، وَسُجِّلَ لِيَحْلِفَ، إِذَا بَلَغَ كَوَارِثِهِ قَبْلَهُ؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَكَلَ أَوَّلًا، فَفِي حَلِفِهِ قَوْلانِ. وَإِنْ نَكَلَ اكْتُفِيَ بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ الأُولَى. وَإنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ، ثُمَّ أَتَى بِآخَرَ فَلا ضَمَّ، وَفِي حَلِفِهِ مَعَهُ، وَتَحْلِيفِ الْمَطْلُوبِ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ قَوْلانِ. وَإِنْ تَعَذَّرَ يَمِينُ بَعْضٍ كَشَاهِدٍ بِوَقْفٍ عَلَى بَنِيهِ وَعَقِبِهِمْ، أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ حَلَفَ، وَإِلَّا فَحُبُسٌ. (الشرح) قوله: (وحَلَفَ عَبْدٌ، وسَفِيهٌ مَعَ شَاهِدٍ) يريد: أن العبد والسفيه إذا أقام كل منهما شاهدًا (٥) بحق فإنه يحلف الآن مع شاهده ويثبت الحق، ولا خلاف في ذلك بالنسبة إلى العبد، وهو المشهور في (٦) السفيه وأخذ الباجي والمازري من رواية ابن حبيب عن مطرف عدم حلفه الآن فإنه قال: يحلف (٧) المطلوب ويؤخر، فإذا رشد السفيه حلف مع شاهده (٨).

стр. 2850

قوله: (لا صَبِيٌّ وَأبوهُ إن أَنْفَقَ) أي: فإنهما لا يحلفان مع شاهد الصبي، والمعروف أن الصبي لا يحلف الآن، وعن مالك أنه يحلف. ابن رشد: وهو غريب (١). وفي حلف الأب قولان: أعني (٢) إذا أقام الصبي شاهدًا (٣) بحق، ورثه عن أمه أو غيرها (٤) وقيد بعض الشيوخ حلفه بأن يكون أنفق على الصغير، وأن يكون الصغير فقيرًا لأنه إذا كان غنيًا فالنفقة عليه من مال نفسه فلا يمكن الأب من الحلف عنه (٥)، لأنه يحلف ويستحق غيره من غير فائدة تحصل له، والمشهور من قول ابن القاسم وروايته عن مالك أنه لا يحلف، وإن أنفق (٦)، كما قال الشيخ (٧) وفي كتاب المدنيين يحلف (٨). قوله: (وَحَلَفَ مَطْلُوبٌ ليُتْرَكَ بِيَد) أي: إذا فرعنا على القول بأن الصبي لا يحلف كما قال؛ فإن المطلوب يحلف الآن ليترك الحق بيده (٩) إلى بلوغ الصبي، وأخذ الباجي من قول مالك في الموازية أنه لا يحلف الآن بل يوقف الحق (١٠) حتى يبلغ فيحلف (١١). قوله: (وسُجِّلَ ليَحْلِفْ، إِذَا بَلَغَ كَوَارِثهِ) أي: فإذا حلف المطلوب، وترك ذلك بيده فإن الحاكم يكتب شهادة الشاهد ويسجلها للصبي صونًا لحقه وخوفًا من موت الشاهد، أو تغير حاله عن العدالة قبل بلوغ الصبي، ولو مات الصبي قبل بلوغه حلف وارثه الآن، واستحق كما أشار إليه بقوله: (كَوَارِثهِ قَبْلَهُ) (١٢).

стр. 2851

قوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ نَكَلَ أَوَّلًا، فَفِي حَلِفِهِ قَوْلانِ) أي: إلا أن يكون المطلوب قد (١) نكل عن اليمين أولًا، فهل يُمَكَّن من اليمين ثانية أم لا؟ قولان، وسيأتي بيان ذلك (٢). قوله: (وإنْ نَكَلَ اكْتُفِيَ بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ الأولى (٣)) أي: وإن نكل الصبي عن اليمين بعد البلوغ أو نكل وارثه بعد موته، وقد كان المطلوب قد حلف أولًا فإنه يكتفي بتلك اليمين وهو المشهور، وقيل: لا بد من حلفه ثانيًا، وحكاه في البيان (٤). قوله: (وإنْ حَلَفَ المطْلُوبُ، ثُمَّ أَتَى بِآخَرَ فَلا ضَمَّ) يريد: أن من أقام شاهدًا على خصم بحق (٥) ولم يحلف مع شاهده فردت اليمين على المطلوب بحلف (٦) ثم أتى الطالب بشاهد آخر فإنه لا يضم إلى الأول لأن شهادته قد بطلت بنكول الطالب وحلف المطلوب، وعن مالك من رواية ابن الماجشون وابن عبد الحكم الضم، وبه قال أصبغ، نقله اللخمي (٧) وصاحب البيان وغيرهما (٨). ثم أخذ يفرع على عدم الضم بقوله: (وفي حَلِفِهِ مَعَهُ، وتَحْلِيفِ الْمطْلُوبِ إِنْ لم يَحْلِفْ قَوْلانِ) أي: وفي حلف الطالب مع الشاهد الثاني قولان، قيل: له ذلك لأنه قد يظهر له الآن ما يقدم معه على اليمين، وقيل: ليس له ذلك لأنه قد ترك حقه أولًا، وهو قول ابن القاسم وابن كنانة (٩)، فإذا قلنا بالأول فنكل الطالب عن اليمين ثانيًا، فهل يحلف المطلوب مرة ثانية لأن يمينه الآن واجبة أولًا (١٠)، لأن يمينه قد تقدمت فلا تعاد، وإليه

стр. 2852

ذهب ابن بشير (١)، لأنه لم يستفد بيمينه الأول سواء إسقاط الشاهد الأول وإليه ذهب ابن ميسرة (٢) والقولان في كلامه راجعان إلى المسألتين معًا. قوله: (وَإِنْ تَعَذَّرَ يَمِينُ بَعْضٍ كَشَاهِدٍ بِوَقْفٍ عَلَى بَنيهِ وعَقِبِهِمْ، أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ حَلَفَ وإِلا فَحُبُسٌ) أشار إلى أن المستحقين تارة يتعذر اليمين على بعضهم دون بعض، وتارة يتعذر من جميعهم، فمثال الأول: أن يشهد شاهد واحد أن فلانًا قد وقف الدار الفلانية على أولاده، وعقبهم بطنًا بعد بطن فلا شك أن من لم يخلق من الأعقاب (٣) يستحيل يمينه. وقد اختلف في ذلك فذكر ابن المواز عن أصحابنا امتناع اليمين مع هذه الشهادة على الإطلاق، وروى عبد الملك أن الجل من (٤) أهل هذه الصدقة إذا حلفوا ثبت جميعها على حسب إطلاق المحبس، وروى مطرف وابن وهب إذا حلف واحد منهم ثبت ذلك الحاضر والغائب (٥)، ومن سيولد (٦) بعد (٧). ومثال الثاني: أن يشهد الشاهد الواحد بأن فلانًا حبس الدار على الفقراء، أو تصدق عليهم بمال فلا شك أن اليمين من جميع الفقراء ممتنعة (٨) متعذرة لاستحالتها عادة، ولا سبيل إلى تخصيص بعضهم باليمين، إذ لا يحلف إلا من يستحق الملك والقبض، وليس في الفقراء من صار إليه ذلك الآن (٩)، ويمكن أن تصرف الصدقة عنه إلى غيره، فلا يتعين لأحد منهم استحقاق ملك ولا قبض، ولما امتنعت اليمين منهم انتقلت إلى

стр. 2853

جانب المطلوب، فإن حلف برئ، وإن نكل صار المدعى فيه (١) حبسا (٢)، فقوله: فإن حلف، عائد على المستحق في الفرع الأول، وعلى المطلوب في الفرع (٣) الثاني. قوله: (وإلا فَحُبُسٌ) عائد على الثاني، لكنه أبهم في الفرع الأول فلم يعط فيه جوابًا بينًا هل يصير ذلك بعد حلف البعض وقفًا كله أو إنما يصير منه وقفًا نصيب من حلف فقط، وهو ظاهر ما يأتي من كلامه. (المتن) فَإنْ مَاتَ فَفِي تَعْيِينِ مُسْتَحِقّهِ مِنْ بَقِيَّةِ الأَوَّلِينَ أَوِ الْبَطْنِ الثانِي تَرَدُّدٌ، أَوْ لَم يَشْهَدْ عَلَى حَاكِمٍ قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي إِلَّا بِإشْهَادِهِ، كَاشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي، أَوْ رَآهُ يُؤَدِّيهَا إِنْ غَابَ الأَصْلُ، وَهُوَ رَجُلٌ بِمَكَانٍ لا يَلْزَم الأَدَاءُ مِنْهُ، وَلا يَكْفِي فِي الْحُدُودِ الثَّلاثَةُ الأَيَّامِ، أَوْ مَاتَ، أَوْ مَرِضَ، وَلَم يَطْرَأ فِسْقٌ، أَوْ عَدَاوَةٌ، بِخِلافِ جِنٍّ. وَلَمْ يُكَذِّبْهُ أَصْلُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ، وإلَّا مَضَى بِلا غُرْمٍ، وَنَقَلَ عَنْ كُلٍّ اثْنَانِ لَيسَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا، وَفِي الزِّنَا أَرْبَعَةٌ عَنْ كُلٍّ، أَوْ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ اثْنَانِ وَلُفِّقَ نَقْلٌ بِأَصْلٍ، (الشرح) قوله: (فَإِنْ مَاتَ، فَفِي تَعْيِينِ مُسْتَحِقِّهِ مِنْ بَقِيةِ الأَوَّلينَ أَوِ الْبَطْنِ الثَّانِي ترَدُّدٌ) أي: فإن مات الحالف وبقي ورثته (٤) الناكلون فهل يستحقون نصيب الميت أو إنما يستحقه أهل البطن الثاني، لأن الباقي من إخوته قد نكلوا عن اليمين أولًا، ولا شيء لهم (٥)، تردد الأشياخ في ذلك، فمنهم من يحكي في ذلك ثلاثة أقوال، فقيل: يستحقه من بقي من البطن الأول، وقيل: يستحقه أهل البطن الثاني، وقيل: إنما يستحقه من حلف أبوه فقط (٦) دون من عداه. وجعله ابن شاس تخرجات لا نصوصًا (٧)، وجعلها المازري احتمالات على قواعد (٨)، انظر الكبير.

стр. 2854

قوله: (أو لَمْ يَشْهَدْ عَلَى حَاكِمٍ قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي، إِلا بِإِشْهَادِهِ) هكذا حكى في المفيد عن مطرف وأن الحاكم إذا قال: ثبت عندي لفلان كذا فلا يشهد بقوله ذلك إلا من أشهده عليه (١). قوله: (كَاشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي، أَو رَآهَ يُؤَدِّيهَا) هذا تشبيه (٢) راجع إلى قوله: (إِلا بِإِشْهَادِهِ) أي: إذا أشهده الحاكم (٣) فإن له أن يشهد عليه، كما للشاهد أن يشهد على مثله، إذا قال له: اشهد على شهادته" (٤)، أو رآه يؤدي شهادته عند القاضي فإن له أن يشهد على شهادته في الموضعين معًا (٥)، وقال محمد: ليس له أن يشهد إذا رآه يؤديها (٦)، وقاله أشهب وأصبغ. ابن يونس (٧): وهو ظاهر المدونة، وقال ابن رشد: الأول أظهر، وهو قول مطرف، واختاره ابن حبيب (٨)، واختلف إذا سمعه يشهد غيره على شهادته هل له أن يشهد بذلك أم لا، ولا خلاف أنه لا يشهد بذلك إذا سمعه يخبر أن فلانًا أشهده بكذا، ابن رشد (٩): لما علم من تساهل الناس في الأخبار (١٠). قوله: (إِنْ غَابَ الأَصْلُ وهو رجل بمكان لا يلزم الأداء منه، ولا يكفي في الحدود الثلاثة الأيام أو مات أو مرض) يريد أنه يشترط في شهادة النقل شروط (١١): غيبة شاهد

стр. 2855

الأصل أو موته أو مرضه مرضًا يشق معه الحضور. فـ (مات أو مرض) (١) معطوف (٢) على (إن غاب)، وإنما اشترط ذلك في شهادة الأصل، لأن تأخيره مع قدرته على أداء شهادته ريبة فيها، وأما (٣) المرأة فلا يشترط ذلك فيها، كما في الرجل، وإليه أشار بقوله (٤): (وهُوَ رَجُلٌ) إذ يجوز النقل عنها مع حضووها (٥)، لأنها مطلوبة بالستر، قال مطرف: ولم أر بالمدينة امرأة قد (٦) أدت، ولكن تنقل عنها وتحمل عنها الشهادة (٧). واختلف في حد الغيبة المستحقة (٨) للنقل، فقيل: هي انسافة التي لا يلزم الشاهد منها الأداء كما ذكر هنا، وحكى اللخمي وابن يونس عن ابن القاسم أنه لا يكفي في (٩) الحدود الثلاثة الأيام، ويجوز ذلك في غير الحدود، وإليه أشار بقوله: لا يكفي في الحدود الثلاثة الأيام (١٠). وقال سحنون: إن كانت المسافة تقصر في مثلها الصلاة أو الستين

стр. 2856

ميلًا كتب القاضي إلى رجل تشهد عنده البينة، ولم يفرق بين المال والحد (١). قوله: (ولم يطرأ فِسْقٌ، أَوْ عَدَاوَةٌ، بِخِلافِ جِنٍّ) يريد: أنه يشترط في شهادة النقل أن يكون شاهد الأصل باقيًا على الحالة التي تجوز معها الشهادة، فلو طرأ فسق أو حدثت بينلا وبين المشهود عليه عداوة قبل أداء الشهادة عنه فإنها (٢) لا تجوز للفرع حينئذ قبل (٣) أن يؤديها، لأن المعتبر حال الشاهد وقت الأداء. وذكر المازري أن بعضهم أشار إلى التفرقة بين الفسق الخفي كالزنى وشرب الخمر، فيقدح بخلاف الظاهر كالقتل، فلا يقدح وإن جن الأصل والفرع بعد النقل فإنه لا يضر لأنه كالمرض (٤). قوله: (ولم يُكَذِّبْهُ أَصْلُهُ قَبْلَ الحُكْمِ) أي: ومن شرط جواز شهادة النقل ألا يكذب شاهد الأصل من نقل عنه قبل الحكم وهو متفق عليه، لأن ذلك كرجوعهم قبل الحكم. قوله: (وإلا مضى بلا غُرْمٍ) أي: فإن كذبه بعد الحكم بالشهادة مضى ذلك ولا غرم (٥) يلزم المشهود؛ لأن الحكم عن اجتهاده، ولا قطع بكذب الشهود فلا نقض وهو قول ابن القاسم (٦)، ومطرف، ولمالك: إن الحكم ينقض لأنه يصير مستندًا إلى غير شهادة (٧)، واستقرأ اللخمي من قول محمد أن الحكم يمضي ويغرم شهود الأصل موجبه. قوله: (وَنَقَلَ عَنْ كلٍّ اثْنَانِ لَيسَ أحَدُهُمَا أصْلًا) يعني: أنه يكفي في صحة النقل،

стр. 2857

يريد: فيما عدا الزنى أن يكون الناقلان اثنين يشهد كل واحد منهما على كل واحد من شاهدي الأصل بشرط ألا يكون أحدهما شاهدًا في الأصل، وإلا فيصير الحق كأنه ثبت بشاهد واحد، وهو المعروف (١)، وبه قال محمد، وقال عبد الملك: لا يكفي (٢) في النقل أقل من أربعة، يشهد على كل واحد من شهود (٣) الأصل اثنان (٤). قوله: (وفي الزِّنَا أرْبَعَةٌ عَنْ كُلٍّ، أوْ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ اثْنَانِ) أي: وأما النقل في الزنا فإنه يحتاط فيه أيضًا في الفرع كما يحتاط (٥) في الأصل، وذكر أنه لا يكفي في ذلك إلا أربعة، يشهد كل منهم على الأصول الأربعة، أو يشهد على كل اثنين اثنان، فلهذا الشرط (٦) لو شهد ثلاثة على ثلاثة، أو واحد على أربعة لم يتم الحكم؛ لكون الرابع لم يشهد على شهادته اثنان، وهذا هو المشهور. وقال مطرف (٧): فلا بد من ستة عشر، ينقل عن كل واحد أربعة غير الأربعة الذين نقلوا عن غيره. وقال عبد الملك: إن شهد أربعة على كل واحد من الأربعة جاز، فإن تفرقوا فثمانية، عن كل واحد اثنان. حكاه ابن شاس (٨)، وحكى غيره عنه (٩): أنه يعتبر ثمانية من غير تفصيل (١٠). وعن مالك: أنه يكفي في ذلك اثنان كغير الزنا (١١). قوله: (ولُفِّقَ نَقْلٌ بِأصْلٍ) هكذا حكى في الجواهر عن محمد فقال: إن شهد اثنان على رؤية الزنى، ونقل اثنان عن اثنين جازت الشهادة (١٢).

стр. 2858

(المتن) وَجَازَت تَزْكِيَةُ نَاقِلٍ أَصْلَهُ، وَنَقْلُ امْرَأَتَينِ مَعَ رَجُلٍ فِي بَابِ شَهَادَتِهِنَّ، وإنْ قَالا: وَهِمْنَا بَلْ هُوَ هَذَا سَقَطَتَا، وَنُقِضَ إِنْ ثَبَتَ كَذِبُهُنم كَحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ أَوْجَبِه قَبْلَ الزِّنَا، لا رُجُوعُهُمْ، وَغَرِمَا مَالًا وَدِيَةً وَلَوْ تَعَمَّدَا، وَلا يُشَارِكُهُمْ شَاهِدَا الإحْصَانِ فِي الْغُرْمِ، كَرُجُوعِ الْمُزَكِّي، وَأُدِّبَا فِي كَقَذْفٍ، وَحُدَّ شُهُودُ الزِّنَا مُطْلَقًا، كَرُجُوعِ أَحَدِ الأَرْبَعَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَبَعْدَهُ حُدَّ الرّاجِعُ فَقَطْ، وإنْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ، فَلا غُرْمَ، وَلا حَدَّ، إِلَّا أَنْ يتبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ الأَرْبَعَةِ عَبْدٌ، فَيُحَدُّ الرَّاجِعَانِ وَالْعَبْدُ وَغَرِمَا فَقَطْ رُبُعَ الدِّيَةِ، ثُمَّ إِنْ رَجَعَ ثَالِثٌ، حُدَّ هُوَ وَالسَّابِقَانِ، وَغَرِمُوا رُبُعَ الدِّيَةِ، (الشرح) قوله: (وجَازَت تَزْكِيَةُ نَاقِلٍ أَصْلَهُ) ابن شاس: وليس على شهود الفرع تزكية شهود الأصل؛ لكن إن زكوهم ثبتت عدالتهم وشهادتهم بقولهم، وليس عليهم أن يشهدوا على صدق شهود (١) الأصل (٢). قوله: (ونَقْلُ امرَأَتينِ مَعَ رَجُلٍ في بَاب شَهَادَتِهِنَّ) أي: وجاز نقل امرأتين مع رجل فيما تجوز فيه شهادة النساء وهو المال، أوَ ما يؤول إليه، وقال أشهب وعبد الملك: لا يجوز نقلهن الشهادة، لا في المال ولا في غيره؛ إذ النقل لا يجوز فيه الشاهد (٣) واليمين، وشهادتهن لا تجوز إلا حيث يجوز الشاهد (٤) واليمين (٥). قوله: (وإن قَالا وَهِمْنَا بَلْ هُوَ هَذَا سَقَطتَا) شرع ﵀ في رجوع الشهود عن الشهادة، وقد علمت أن لذلك ثلاث صور: تارة قبل الحكم، وتارة بعده وقبل الاستيفاء، وتارة بعدهما. ورجوعهم تارة عن (٦) المشهود عليه، وتارة عن (٧) المشهود به. وهذا الذي ذكره في هذا الفرع (٨) رجوع عن المشهود عليه، والمعنى: أن الشاهدين إذا شهدا بشيء

стр. 2859

على شخص عند الحاكم ثم قالا قبل الاستيفاء: وهمنا في شهادتنا على هذا؛ بل الحق على هذا. ألغي الأول (١)، فقال ابن القاسم وأشهب: لا تقبل شهادتهما على واحد منهما (٢). وهو معنى السقوط هنا، وقال أشهب: لأنهما أخرجا أنفسهما من العدالة بإقرارهما أنهما شهدا على الشك والوهم (٣). قوله: (وَنُقِضَ، إِن ثبتَ كَذِبُهُمْ كحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ، أَوجبه قَبْلَ الزنَا) هذه المسألة ليست من الرجوع عن الشهادة، وإنما ذكرها هنا لتعلق الغرا مة بالشاهدين، ومعناها: أن الحكم المستند إلى شهادة شهود ينقض (٤) إذا ثبت كذبهم؛ لظهور فسقهم؛ وذلك مثل: أن يشهدوا (٥) أن فلانًا قتل زيدًا مثلا، فاقتص منه، ثم قدم زيد حيًّا، أو شهدا على شخص بالزنى فرجم، ثم وجد (٦) مجبوبًا قبل الزنا (٧). قوله: (لا رُجُوعُهُمْ) أي: فإن الحكم معه لا ينقض، وذلك متفق عليه. قوله: (وغَرِمَا مَالًا ودِيَةً) أي: وإن أتلفا مالًا بشهادتهما غرماه، وإن أتلفا ما فيه الدية غرما الدية، قال في المدونة في شهود الزنا: إذا رجم (٨) المشهود عليه، ثم ظهر أنه مجبوب، وتبين (٩) كذبهم؛ أنهم يغرمون الدية في أموالهم (١٠). وروى (١١) أشهب: أن الدية على عاقلة (١٢) الإمام (١٣)

стр. 2860

وبه قال ابن عبد الحكم (١). فإن قالا بعد الاستيفاء: غلطنا. فقال ابن القاسم، وأشهب، ومطرف، وأصبغ، وهو ظاهر المدونة: يغرمان الدية (٢)؛ لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء (٣). وقال عبد الملك: لا غرامة عليهما (٤). وبه قال المغيرة، وابن دينار، وابن أبي حازم (٥). ولأصبغ قول ثالث: أن الدية على عاقلتهما، وإن ثبت عمدهما (٦). فقال ابن القاسم: عليهما الدية. وإليه أشار بقوله: (ولَوْ تَعَمَّدَا) وقال أشهب: عليهما القصاص إن قتل، وهو الأقرب؛ لأنهما أتلفا (٧) نفسًا بغير شبهة، والقاضي والوالي معذوران (٨). قوله: (وَلا يُشَارِكهُم (٩) شَاهِدَا الإحْصَانِ في الْغُرْمِ) يريد: أن شهود الزنى الأربعة إذا رجعوا هم وشاهدا الإحصان بعد الرجم (١٠) فإن الغرامة تختص بهم، ولا يشاركهم فيها (١١) شاهد الإحصان؛ لأنهما لم يصفا للزنا عينًا (١٢)، وقاله ابن القاسم، واختاره أصبغ وسحنون (١٣)، وقال أشهب: يشاركونهم في ذلك (١٤)، فيكون على شاهدي الإحصان الثلث. وبه قال عبد الملك (١٥)،

стр. 2861

وقال محمد: يكون عليهما النصف (١). ورجح بعضهم قول ابن القاسم بأن (٢) عبد الملك قال: إن رجوع المزكين عن تزكية مَن زُكي في حق لا يوجب عليهما الغرامة (٣). وقاله سحنون، واحتج: بأن الحق إنما ثبت بغير المزكين، ولو شاء (٤) الشاهدان بالحق لم يشهدا (٥). وكأن الشيخ ﵀ أشار هنا أيضًا (٦) إلى ترجيحه بالمسألة المذكورة، ولهذا ذيّل (٧) بها مسألة الأصل، فقال: (كَرُجُوعِ الْمُزكِّي). قوله: (وأُدِّبا في كَقَذْفٍ) أي: فإن رجعا في شهادة القذف أو الشتم ونحوهما؛ فإنما عليهما الأدب لا غير، ولا خلاف فيه. قوله: (وحُدَّ شُهُودُ الزِّنَا مُطْلَقًا) أي: سواء رجعوا قبل الحكم أو بعده، أي: وقبل الاستيفاء أو بعده. قوله: (كَرُجُوعِ أَحَدِ الأَرْبَعَةِ قَبْلَ الْحكْمِ) أي: فإن الجميع يحدون حد القذف؛ لأن الشهادة لم تكمل، ولم أرَ فيه خلافًا. قوله: (وبَعْدَهُ حُدَّ الرَّاجعُ) مطلقًا أي: وبعد الحكم حد الراجع (فَقَطْ) (٨)، أي: دون الثلاثة الباقين، وهو المشهور، وبه قال في المدونة (٩)، وقيل: يحدون كلهم (١٠). قوله: (وإنْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ، فَلا غُرْمَ، ولا حَدَّ) أي: إذا شهد بالزنا ستة، فرجع منهم اثنان؛ فإنهما لا يحدان، ولا غرامة عليهما؛ لأنهما كقاذفين، شهد لهما أربعة أن

стр. 2862

المقذوف زنى، وهو أحد قولي ابن القاسم، وله قول آخر: إنهما يحدان؛ نظرًا إلى أنهما يعترفان بالقذف (١). المازري: لأنهما مقران أنهما قذفاه بالزنى، وأن من شهد معهما قد كذب في شهادته؛ ولذلك لو (٢) قالا: لا نعتقد كذب من شهد معنا؛ بل الغالب صدقهم بعد التهمة (٣) عندنا. لم يحدا. قوله: (إِلا أَنْ يَتبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ الأَرْبَعَةِ عَبْدٌ فَيُحَدُّ الرَّاجِعَانِ والْعَبْدُ، وغَرِمَا فَقَطْ ربع الدية) هكذا قال في الموازية (٤)، وعلله: بكون (٥) الحد قد أقيم بأربعة، بطل أحدهم لكونه عبدًا، ولا غرامة على العبد؛ لأنه لم يرجع عن شهادته؛ ولكن عليه الحد؛ لأن الشهادة لم تتم، ولا يلزم الثلاثة الباقين حد ولا غرامة. قوله: (ثم إن رجع ثالث: حد هو والسابقان وغرموا ربع الدية) أي: فإن رجع من الأربعة الباقين ثالث مع الاثنين الذَين رجعا أولًا فإنه يحد هو (٦) والسابقان، ويلزم الثلاثة ربع الدية لتكون بينهما أثلاثًا. قال في الموازية: وسواء رجعوا مجتمعين أو مفترقين (٧). ابن رشد: فلو رجع ثالث لزمه غرم ربع الدية، يدخل معه فيه من سبقه بالرجوع، قلوا أو كثروا؛ مع الحد على كل واحد منهم؛ سواء رجعوا معًا أو مفترقين (٨).

стр. 2863

(المتن) وَرَابعٌ: فَنِصْفُهَا، وَإِنْ رَجَعَ سَادِسٌ بَعْدَ فَقْءِ عَينِهِ، وَخَامِسٌ بَعْدَ مُوضِحَةٍ، وَرَابِعٌ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعَلَى الثَّانِي خُمُسُ الْمُوضِحَةِ مَعَ سُدُسِ الْعَيْنِ كَالأَوَّلِ، وَعَلَى الثالِثِ رُبُعُ دِيةِ النَّفْسِ فَقَطْ، وَمُكِّنَ مُدَّع رُجُوعًا مِنْ بيَّنةٍ كَيَمِينٍ، إِنْ أَتَى بِلَطْخٍ، وَلا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمَا عَنِ الرُّجُوعِ. وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِكَذِبِهِمْ، وَحَكَمَ فَالْقِصَاصُ، وَإِنْ رَجَعَا عَنْ طَلاقٍ فَلا غُرْمَ، كَعَفْوِ الْقِصَاصِ إِنْ دَخَلَ، وَإِلَّا فَنِصْفهُ كَرُجُوعِهِمَا عَنْ دُخُولِ مُطَلَّقَةٍ، (الشرح) قوله: (ورَابِعٌ فَنِصْفُهَا) أي: فإن رجع أيضًا رابع فإنه يغرم (١) مع الثلاثة الذين رجعوا قبله (٢) نصف الدية، تكون عليهم بالسوية، فإن رجع خامس حد أيضًا، ولزمه هو وكل من رجع قبله ثلاثة أرباع الدية، وإن رجع سادس فالدية تكون عليهم أسداسًا، وحدوا كلهم. قوله: (وإِنْ رَجَعَ سَادِسٌ بَعْدَ فَقْء عَيْنهِ، وخَامِسٌ بَعْدَ مُوضِحَةٍ، ورَابعٌ بَعْدَ (٣) مَوْتهِ فَعَلَى الثَّانِي خُمُسُ الْمُوضِحَةِ مَعَ سُدُسِ الْعَيْنِ كَالأَوَّلِ، وعَلَى الثَّالِثِ رُبُعُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ) يريد: أن شهود الزنى إذا كانوا ستة، والزاني محصن، فأمر القاضي برجمه، ففقئت عينه في أثناء الرجم، فرجع أحدهم، ثم شج موضحة، فرجع ثان، ثم مات، فرجع ثالث؛ فإن الثاني يغرم خمس الموضحة مع سدس الدية الواجبة في العين. قوله: (كَالأَوَّلِ) أي: فإن عليه سدس دية العين فقط؛ لأنها فقئت بشهادة ستة هو أحدهم، وكذلك على الأول سدسها، وليس عليه من الموضحة شيء؛ لأنه رجع قبل حصولها، وإنما كان على الثاني خمس الموضحة لأنها حصلت بشهادة خمسة هو أحدهم، فكان عليه خمسها، وكان على الثالث ربع الدية فقط؛ لأن النفس ذهبت بشهادة أربعة هو أحدهم، فكان عليه ربعها (٤)، ولا شيء عليه في عين ولا في موضحة؛ لاندراجهما تحت النفس، وإليه أشار بقوله: (وعلى الثالث ربع دية النفس فقط (٥)). ابن المواز:

стр. 2864

وهو الأصح. وقيل: عليه أيضًا سدس دية العين وخمس الموضحة، ولو لم يرجع هذا الثالث لم يكن على من تقدمه شيء برجوعهم؛ لبقاء أربعة يشهدون بالزنى (١). قوله: (ومُكِّنَ مُدَّعٍ رُجُوعًا مِنْ بَيِّنةِ كَيَمِينٍ إِنْ أَتَى بِلَطْخٍ) يريد: أن المشهود عليه إذا ادعى أن الشاهدين رجعا عن شهادتهما، وطلب إقامة البينة على ذلك، فإنه يمكن، فإن أقر له بذلك غرما ما أتلفا بشهادتهما (٢)، وكذلك يمكن من طلب يمينهما (٣) أنهما لم يرجعا، وقاله ابن القاسم، وعبد الملك، وابن المواز، وسحنون؛ بشرط: أن يأتي بلطخ -كما قال هنا-، وأما إن لم يأت بلطخ فلا، قال (٤): فإذا توجهت عليهما اليمين فحلفا فلا غرامة عليهما؛ وإلا حلف المدعي، وأغرمهما ما أتلفا عليه بشهادتهما، وإن نكل فلا شيء له عليهما. وقال محمد بن عبد الحكم: لا تسمع هذه الدعوى من غير بينة؛ إذ لو كانت كسائر الدعاوى لما احتيج فيها إلى لطخ (٥). قوله: (ولا يُقبَلُ رُجُوعُهُما عَنِ الرُّجُوع) أي: إذا شهد بشيء، ثم رجعا عنه، ثم رجعا عن رجوعهما وقالا: إن الشهادة الأولى صحيحة. لم يقبل منهما ذلك، وقُضِي عليهما بما يقضى به على الراجع المتمادي على رجوعه، وهو قول ابن القاسم، وابن عبد الحكم، وابن الماجشون، وأصبغ (٦). قوله: (وإن عَلِمَ الحاكم بِكذِبِهِمْ، وحَكَمَ فَالْقِصَاصُ) هذا ظاهر في كون القاضي يقتص منه؛ لأنه علم بكذب الشهود، وحكم بتعمد الجور (٧)، وقاله في المدونة في كتاب الرجم (٨)، وفي الجواهر ما ظاهره خلاف لذلك، فإنه قال: ولو علم القاضي بكذب الشهود، وحكم وأراق الدم؛ لكان حكمه حكمهم؛ إذ لم يباشر القتل بنفسه؛ بل أمر به

стр. 2865

غيره ممن تلزمه (١) طاعته (٢). قوله: (وإن رَجَعَا عَنْ طَلاقٍ فَلا غُرْمَ كَعَفْوِ الْقِصَاصِ إِنْ دَخَلَ، وإِلا فَنِصْفُهُ) يريد: أن الشاهدين إذا رجعا عن الشهادة بالطلاق بعد القضاء فلا غرم (٣) عليهما إن كان الزوج قد دخل بها؛ لأن الصداق قد وجب بأول وطئه، فلم يفوتا عليه شيئًا غير الاستمتاع، وهو لا قيمة له، كما إذا شهدا على مستحق القصاص أنه عفا عن القاتل، ثم رجعا فإنهما لا يغرمان شيئا؛ لأنهما إنما فوتا عليه استحقاق دم، ولا قيمة له، ونحوه لسحنون (٤)، وزاد: ويجلد القاتل مائة، ويحبس سنة، ويؤدب الشاهدان، وقال ابن عبد الحكم (٥): لا غرم عليهما بحال (٦). وقال ابن القاسم: يغرمان نصف الصداق (٧). أشهب: إذا شهدا عليه بالطلاق قبل البناء فلا غرم عليهما (٨) بحال (٩). قوله: (كَرُجُوعِهِما عَنْ دُخُولِ مُطَلَّقَةٍ) يريد: أنهما إذا شهدا على رجل أنه دخل بزوجته (١٠) مع إقراره بالطلاق، وإنكاره الدخول، ثم رجعا عن شهادتهما؛ فإنهما

стр. 2866

يغرمان نصف الصداق، لأنهما قد أتلفاه بشهادتهما (١)، وقاله ابن القاسم (٢)، وإن رجع أحدهما فربعه (٣). (المتن) وَاخْتَصَّ الرَّاجِعَانِ بِدُخُولٍ عَنِ الطَّلاقِ، وَرَجَعَ شَاهِدَا الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ إِنْ أَنْكَرَ الصداق، وَرَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيهِمَا بِمَا فَوَّتَاهُ مِنْ إِرْثٍ، دُونَ مَا غَرِمَ وَرَجَعَتْ عَلَيْهِمَا بِمَا فَوَّتَاهَا مِنْ إِرْثٍ وَصَدَاقٍ، وَإِنْ كَانَ عَنْ تَجْرِيحٍ أَوْ تَغْلِيطِ شَاهِدَيْ طَلاقِ أَمَةٍ غَرِمَا لِلسَّيِّدِ مَا نَقَصَ بِزَوْجِيَّتِهَا وَلَوْ كَانَ بِخُلْعٍ بِثَمَرَةٍ لَمْ تَطِبْ، أَوْ بآبِقٍ فَالْقِيمَةُ حِينئِذٍ كَالإتْلافِ بِلا تَأْخِيرٍ لِلْحُصُولِ فَيَغْرَمَ الْقِيمَةَ حِينئِذٍ عَلَى الأحْسَنِ. (الشرح) قوله: (واخْتَصَّ الرَّاجِعَانِ بِدُخُولٍ عَنِ الطلاقِ) أي: اختص الشاهدان الراجعان عن شهادة الدخول بالغرامة عن شاهدي الطلاق، والمعنى: أنه إذا شهد الشاهدان على رجل بطلاق زوجته، وشهد آخران (٤) بأنه دخل بها، فقضي لها بجميع الصداق، ثم رجع الأربعة، فلا غرم (٥) على شاهدي الطلاق؛ وإنما يغرم شاهدا الدخول (٦)، وعلى هذا أكثر أهل المذهب، وذهب بعض الرواة إلى أن الجميع يشتركون في غرم (٧) الصداق. قوله: (ورَجَعَ شَاهِدَا الدُّخولِ عَلَى الزَّوْجِ بِمَوْتِ الزوْجَةِ إِن أَنكرَ الصداق (٨)) يريد: أن المسألة كانت (٩) بحالها؛ إلا أن الزوجة ماتت قبل الدخول، فإن شاهدي الدخول يرجعان على الزوج بما غرماه؛ لكونه منكرًا لشهادتهما، ومقرًّا بوجوب جميع الصداق؛

стр. 2867

لكون الزوجة ماتت في عصمته، وهو منكر لطلاقها (١). قوله: (وَرَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهِما بِما فَوَّتَاهُ مِنْ إرث (٢) دون ما غرم ورجعت عليهما بما فوتاها من إرث وصداق) والضمير المستتر راجع إلى شاهدي الطلاق، أي: إذا شهدا بالطلاق، ثم رجعا فماتت الزوجة؛ فإن الزوج يرجع عليهما بما فوتاه من ميراثها؛ لأنها لو ماتت في عصمته ورثها، ولا يرجع عليهما بشيء مما غرمه من الصداق؛ لاعترافه أن الصداق يكمل في الموت، فلو كان الزوج هو الذي مات رجعت الزوجة عليهما بما فوتاها من ميراث وصداق؛ لأنهما فوتاها نصف الصداق (٣)، وهذا إذا كان الزوجان منكرين للطلاق، والزوجة غير مدخول بها. قوله: (وَإِنْ كَانَ عَنْ تَجْرِيحٍ أَوْ تَغْلِيطِ شَاهِدَيْ طَلاقِ أَمَةٍ غَرِمَا لِلسَّيِّدِ مَا نَقَصَ بزوجيتها) يريد: أن من كانت له أمة متزوجة، فشهد شاهدان بطلاقها، ففرق القاضي بينهما، ثم قام (٤) شاهدان آخران فشهدا بغلط الشاهدين الأولين، أو بأنهما قد كذبا في شهادتهما (٥) تلك؛ لكونهما غائبين عن البلد، أو غيره من الوجوه، أو بأنهما قد غلطا في شهادتهما (٦)، فقضى القاضي ببقاء الأمة في العصمة لما تقدم (٧)، ثم رجعا عن شهادتهما تلك (٨)، فقد علمت أن شهادتهما قد أعابت هذه الأمة بأن ألزمتها عصمة النكاح، فالسيد يرجع عليهما بقيمة ذلك العيب. قوله: (بتزويجها) أي: بسبب ردها (٩) زوجة والباء سببية، وهذا الحكم (١٠) ظاهر إن كان السيد مدعيًا للطلاق أو كان غير مكذب لشهوده، وأما إن كذبهم فلا يرجع على

стр. 2868

شاهدي التزويج (١) أو التغليظ (٢) بشيء لموافقته إياهم (٣) فيما شهدا به. قوله: (ولو كان بخلع بثمرة لم تطب أو بآبق فالقيمة حينئذٍ كالإتلاف) هذا قول عبد الملك (٤). قوله: (بِلا تَأْخِيرٍ لِلْحُصُولِ فيغْرَمَ الْقِيمَةَ حِينَئِذٍ عَلَى الأَحْسَنِ) ومقابله (٥) هو قول ابن المواز (٦)، ونص المسألة من أولها (٧) في الجواهر: وإذا شهدا على امرأة أنها اختلعت من زوجها بمال، وهي تنكر ذلك وتذكر أنه طلقها من غير عوض فإذا غرمت (٨) بشهادتهما، ثم رجعا عن شهادتهما تلك فإنهما يغرمان (٩) لها ما غرمت للزوج، ثم قال: ولو كان الخلع المشهود به على ثمرة لم تطب (١٠) فقضي بذلك للزوج ثم رجعا، فقال عبد الملك: عليهما قيمة الثمرة، على الرجاء والخوف كمن أتلف الثمرة قبل زهوها، وقال محمد: لا ترجع عليهما بشيء حتى يجد الزوج الثمرة ويقبضها فتطالبهما (١١) حينئذٍ بالغرامة، وإن كان الخلع بعبد آبق أو بعير شارد، فقال عبد الملك: يغرمان قيمة الآبق والشارد على أقرب صفاتهما، فإن ظهر بعد ذلك أنهما كانا معيبين عند الخلع استردا ما غرماه أو معيبا استردا ما يقابل (١٢) العيب، ثم قال: وعلى قول محمد: إذا كان حصول الآبق أمدًا قريبًا أخرت (١٣) الغرامة إلى حصوله حسبما قاله في الثمرة، وإذا كان بعيدا

стр. 2869

غرم الشاهدان قيمته على الصفة التي أبق عليها، ثم رجع محمد، فقال: لا غرامة عليهما إلا بعد وجدان الآبق وقبضه، فيغرمان ذلك حينئذ (١). والباء في بخلع متعلقة بمحذوف تقديره: ولو كان رجوعهما عن شهادة طلاق وقع بخلع بثمرة، وانظر قوله: (فيغْرَمَ الْقِيمَةَ حينئذٍ عَلَى الأَحْسَنِ) مع قوله: (فالقيمة حِينَئِذٍ) وما الحكمة في إعادته؟ (المتن) وَإِنْ كَانَ بِعِتْقٍ غَرِمَا قِيمَتَهُ وَوَلاؤُهُ لَهُ، وَهَلْ إِنْ كَانَ لِأَجَلٍ يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ، وَالْمَنْفَعَة إلَيْهِ لَهُمَا، أَوْ تُسْقَطُ مِنْهَما الْمَنْفَعَةُ، أَوْ يُخَيَّرُ فِيهِمَا؟ أَقْوَالٌ. وإِنْ كَانَ بعِتْقِ تَدْبِيرٍ فَالْقِيمَةُ، وَاسْتَوْفَيَا مِنْ خِدْمَتِهِ. فَإنْ عَتَقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ فَعَلَيْهِمَا، وَهُمَا أوْلَى إنْ رَدَّهُ دَيْنٌ، أَوْ بَعْضَهُ كَالْجِنَايَةِ، وَإِنْ كَانَ بِكِتَابَةٍ فَالْقِيمَةُ، وَاسْتَوْفَيَا مِنْ نُجُومِهِ وَإِنْ رُقَّ فَمِنْ رَقَبَتِهِ وإِنْ كَانَ بِإيلادٍ فَالْقِيمَةُ، وَأَخَذَا مِنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا، وَفِيمَا اسْتَفَادَتْهُ قَوْلانِ، وَإِنْ كَانَ بِعِتْقِهَا فَلا غُرْمَ، أَوْ بِعِتْقِ مُكَاتَبٍ فَالْكِتَابَةُ. وَإِنْ كَانَ بِبُنُوَّةٍ فَلا غُرْمَ؛ إلَّا بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ بِإرْثٍ (الشرح) قوله: (وإن كَانَ بِعِتْقٍ غَرِمَا قِيمَتَهُ، ووَلاؤُهُ لَهُ) أي: وإن كان الشاهدان شهدا بعتق ناجز لعبد (٢) يريد: والسيد منكر لذلك، فقضى عليه بالعتق ثم رجعا فإنهما يغرمان له قيمة عبده ذلك (٣)، لأنهما منعاه من بيعه والانتفاع به، ويكون ولاؤه لسيده لاعترافهما بصحة ذلك على مقتضى دعواهما في شهادتهما أولًا، وعلى صحة دعوى الزوج فميراثه بالرق (٤). قوله: (وهَلْ إِنْ كَانَ لأَجَلٍ يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ وَالمنْفَعَةَ إِلَيْهِ لهَما، أَوْ تُسْقَطُ مِنْهُما المَنْفَعَةُ، أَوْ يُخَيَّرُ فِيهِما؟ أَقْوَالٌ) أي: وإن كانا إنما شهدا بأن السيد قد أعتق عبده إلى أجل فقضي عليه

стр. 2870

بذلك ثم رجعا عن شهادتهما تلك (١) فإنهما يغرمان قيمته أيضًا حالة لأن المعتق إلى أجل (٢) امتنع بيعه، وهو من أعظم المقاصد في الأملاك غالبًا، وقد حالا (٣) بين السيد وبينه، إلا أن السيد إذا أخذ قيمته (٤) فقد دخلت فيها قيمة خدمة العبد إلى الأجل الذي يعتق فيه عند انقضائه فلا يجمع له بين أخذ الشيء وأخذ قيمته، والشاهدان يقولان نحن نستحق تلك المنافع إلى الأجل لكون السيد أخذ منا قيمة عبده كاملة (٥)، فاختلف أهل المذهب في ذلك، فنقل في النوادر والمازري وابن شاس عن محمد بن عبد الحكم، وابن الحاجب عن ابن الماجشون (٦): إن المنافع تقوم على غررها، وبجواز موت (٧) العبد قبل الأجل، وعيشه إليه فيخرج حرًّا، فتحط تلك القيمة على هذه الصفة من جملة القيمة التي غرمها الشاهدان، وتبقى منافع العبد لسيده (٨). محمد: وهذا ليس بمعتدل؛ إذ قد تكون قيمة المنافع أكثر من قيمة رقبته، فيكون الشاهدان قد أتلفا عليه (٩) عبده من غير غرامة (١٠). المازري: وهذا الذي قاله محمد صحيح من جهة الفقه، لو أمكن تصوره لكنه كالممتنع من جهة العادة، لأنه إذا حكم بقيمة الرقبة التي تباع بها وبقي العبد مملوكًا طول أيام حياته، فقد علم (١١) قطعًا أن قيمة المنافع المؤجلة قد دخلت في هذا التقويم فلا يصح أن يكون أكثر منها (١٢) إذ ما هو داخل في الشيء لا يكون أكثر

стр. 2871

منه (١)، ابن عبد السلام: وما قاله المازري صحيح لو كان الناس يلتفتون في تقويم العبد إلى مدة حياته، وأكثرهم يقطعون النظر عن ذلك (٢)، ورأى سحنون أن تسلم منافع العبد لهما إلى أن ينقصي الأجل، يؤاجران العبد أو يستخدمانه ويحسب ذلك عليهما حتى يستوفيا ما غرماه وما بقي من منافع المدة للسيد، وإن لم تفِ منافع المدة بما غرما (٣) لم يرجعا بشيء مما بقي على أحد، وكذلك لو مات في أضعاف المدة أو بعد فراغها أو قتل ولم تف خدمته بذلك إلا أن يتركا مالًا أو تؤخذ قيمته من قاتله فيأخذان ما بقي لهما من ماله أو قيمته، وإن تساويا فواضح (٤)، ونحوه في النوادر عن ابن الماجشون (٥)، وذهب محمد إلى (٦) أن السيد بالخيار بين إسلام الخدمة لهما تلك المدة (٧) أو يتمسك بها، ويدفع قيمة المنافع لهما وقتًا بعد وقت بحسب ما يرى من مقتضى الأجل (٨)، ونُقِل أيضًا عن (٩) ابن الماجشون (١٠). قوله: (وإنْ كَانَ بِعِتْقِ تَدْبِيرٍ فَالْقِيمَةُ) أي: وإن كانا إنما شهدا بأن السيد قد دبر عبده فقضي عليه بذلك ثم رجعا فإنهما يغرمان قيمته الآن. قوله: (واسْتَوْفيا مِنْ خِدْمَتِهِ) أي: لأنهما لا يبقيا بيد سيده إلا الخدمة، وقد منعوه البيع والهبة والتصرف فيقتضيان من خدمته ما غرماه، ثم ترجع خدمته لسيده،

стр. 2872

ثم حكمهما في موته في مدة حياة سيده أو بعدها ولم يستوفيا فأغرماه (١) حكم المعتق إلى أجل في ذلك، فإن خرج بعد موت السيد حرًّا فلا شيء لهما إن حمله الثلث (٢)، وإن رق منه شيء فهما أولى من أرباب الديون حتى يأخذا (٣) ما بقي لهما ويصيران كأهل الجناية (٤)، وإلى هذا أشار بقوله: (فَإنْ عَتَقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ فعَلَيْهِما، وهُمَا (٥) أَوْلَى، إِن رَدَّهُ دَيْنٌ، أَوْ بَعْضَهُ كَالجنَايَةِ) ثم إذا بيع وفضلت منه فضلة فهي للورثة فلا شيء منها للشاهدين لأنهما لا يربحان. قوله: (وإن كان بكتابة فالقيمة واستوفيا من نجومه) أي فإن كان رجوعهما عن شهادة بكتابة لزمتهما قيمته ناجزًا، وقال محمد: يوم الحكم، ثم استوفيا من النجوم ما دفعاه للسيد (٦)، فإذا استوفياها أخذ السيد ما بقي منها، وهو المشهور، وبه قال عبد الملك وأكثرهم (٧). قوله: (وإِن رُقَّ فَمِنْ رَقَبتِهِ) أي: وإن عاد المكاتب رقيقًا لعجزه عن تأدية بقية نجوم الكتابة قبل أن يستوفيا من نجومه ما غرماه فإنه يباع (٨) ويأخذان ما بقي لهما من ثمنه فإن لم يبلغ ثمنه ما بقي لهما فلا شيء لهما، وهو قول عبد الملك، واختاره محمد، قال: وعليه أكثر أصحابنا (٩)، وعن ابن القاسم: أن القيمة توضع بيد عدل وتؤدى (١٠) للسيد الكتابة، فإن استوفى من الكتابة مثل القيمة الموضوعة بيد عدل رجعت القيمة (١١) إلى

стр. 2873

الشاهدين، وإن كانت الكتابة أقل أو مات المكاتب قبل الاستيفاء دفع إلى السيد من تلك القيمة الموقوفة (١) تمام قيمة عبده (٢). وضعفه محمد بأن العبد قد خرج من يده بلا عوض منجزًا، وبأنها قد تضيع ويغرم الشاهدان ثانية (٣)، وقال سحنون وغيره (٤): تباع الكتابة بعرض، فإن كان فيها وفاء قيمة العبد أو أكثر فللسيد ذلك، وإن كان أقل رجع عليهما بتمام قيمة العبد (٥). قوله: (وإنْ كَانَ بِإيلادٍ فَالْقِيمَةُ، وأَخَذَا مِنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ عَلَيْهِما) أي: فإن كان رجوعهما عن شهادة باستيلاد لزمتهما قيمتها للسيد، وهو المشهور، وقيل: لا شيء عليهما. أبو محمد في النوادر (٦): وهو قول لا أدري ما حقيقته (٧). المازري: وهو كما ذكر، ولأنه تنخرم الأصول التي عقدناها (٨) في أمثال هذه المسألة، وعلى المشهور: لا يرجعان بشيء مما دفعاه للسيد (٩) إذ لم تبق فيها خدمة للسيد، فيرجعان (١٠) فيها بها يغرمانه له إلا أن تجرح (١١) أو تقتل فيأخذان ذلك من أرشها فلهما الرجوع فيه فقط (١٢)، وإليه أشار بقوله: (وأَخَذَا منْ أَرْشِ جِنَايةٍ عَلَيْها) يريد: فإن فضل من ذلك فضلة فهي للسيد. سحنون: وكذلك إن أفادت مالًا فإنهما يرجعان (١٣) فيه بما

стр. 2874

أديا من قيمتها (١)، وقال محمد: لا يرجعان فيما تفيد من مال بعمل أو هبة أو غيره، وهو للسيد مع ما أخذ (٢)، وإليه أشار بقوله: (وفيما اسْتَفَادَتْهُ قَوْلانِ) وقال محمد (٣) ابن عبد الحكم: عليهما قيمتها وخفف عليهما (٤) لما بقي له فيها من الاستمتاع (٥). قوله: (وإن كَانَ بعِتْقِهَا فَلا غُرْمَ) أي: لأنهما إنما أتلفا عليه استمتاعها وهو لا يقوّم، وهو قول الأكثر، ولابن القَاسم (٦) في الموازية: أنهما يغرمان قيمتها كما لو قتلاها (٧). قوله: (أَوْ بِعِتْقِ مُكَاتَبٍ فَالْكِتَابةُ) أي: فإن شهدا بعتق مكاتب (٨) فقضى بذلك ثم رجعا (٩) فإنهما يغرمان ما فوتاه على السيد، وهو ما كان على المكاتب من عين أو عرض على حسب ما كوتب به (١٠)، قال في الموازية: يؤديانه على النجوم، وقاله عبد الملك (١١). قوله: (وإنْ كَانَ بِبُنُوَّةٍ، فَلا غُرْمَ، إِلا بَعْدَ أَخْذِ المالِ بإِرْثٍ) مراده: أن من ادعى أنه ابن رجل وهو ينفيه فشهد له اثنان أن الرجل المدعى أَبوته قد (١٢) أقر أنه ابنه فحكم بذلك ثم رجعا بقرب ذلك ولم يمت الأب فلا شيء عليهما لأنهما لم يفوتا عليه شيئًا، فلو مات الأب فأخذ المال بشهادتهما بالميراث ومنع العصبة، ثم رجعا فإنهما يغرمان للعصبة ما أتلفا عليهم من الإرث الواجب لهم يوم يموت ذلك الرجل (١٣)، وإن لم يكن للولد مشارك غرم جميع ما أخذه الولد لبيت (١٤) المال.

стр. 2875

(المتن) إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَقِيمَتُهُ أَوَّلًا، ثُمَّ إِنْ مَاتَ وَتَرَكَ آخَرَ فَالْقِيمَةُ لِلآخَرِ، وَغَرِمَا لَهُ نِصْفَ الْبَاقِي. وَإنْ ظَهَرَ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ أُخِذَ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهُ، وَكُمِّلَ بِالْقِيمَةِ، وَرَجَعَا عَلَى الأَوَّلِ بِمَا غَرِمَهُ الْعَبْدُ لِلْغَرِيم، وإنْ كَانَ بِرِقٍّ لِحُرٍّ فَلا غُرْمَ، إِلَّا لِكُل مَا اسْتُعْمِلَ وَمَالٍ انْتُزِعَ، وَلا يَأْخُذُهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، وَوُرِثَ عَنْهُ، وَلَهُ عَطِيَّتُهُ، لا تَزَوُّجٌ. وَإنْ كَانَ بِمِائَةٍ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو، ثُمَّ قَالا لِزَيْدٍ غَرِمَا خَمْسِينَ لِعَمْرٍ وفَقَطْ، وإن رَجَعَ أَحَدُهُمَا غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ، كَرَجُل مَعَ نِسَاءٍ، وَهُوَ مَعَهُن فِي الرَّضَاعِ كَاثْنَتَيْنِ، وَعَنْ بَعْضِهِ غَرِمَ نِصْفَ الْبَعْضِ، وَإِنْ رَجَعَ مَنْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ فَلا غُرْمَ، فَإذَا رَجَعَ غَيْرُهُ فَالْجَمِيعُ، (الشرح) قوله (إِلا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَقِيمَتُهُ أَوَّلًا) أي: إلا ان يكون المشهود ببنوته عبدًا فيُقضَى بحريته وثبوت نسبه فإنهما إذا رجعا بعد ذلك يغرمان للسيد قيمة عبده الذي صيراه ابنا له (١) أولًا، ثم أخذ يفرع على (٢) هذا فقال (ثُمَّ إِنْ مَاتَ وترَكَ آخَرَ فَالْقِيمَةُ لِلآخَرِ، وغَرِمَا لَهُ نِصْفَ الْبَاقِي) أي: فإن مات الأب وترك مع هذا المشهود له بالبنوة (٣) ولدًا آخر ثابت النسب فإن تلك القيمة التي أخذها الأب من الشاهدين (٤) تدفع للولد الثابت النسب أو مقدارها من التركة، لأن الولد المشهود له بالبنوة (٥) مقر أن أباه قد ظلم فيها الشهود وأنه لا حق له فيها لصحة نسبه على دعواه (٦)، وأنه لا ميراث له فيها، ويقتسمان ما عداها من التركة، فيما خص الولد المشهود له يغرمان مثله (٧) للابن الأول بما أتلفاه عليه، وإلى هذا أشار بقوله: (وغرم له نصف الباقي) أي: للابن الثابت النسب والباقي، أي بعد أخذ القيمة (٨)،
следующие страницы →