← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

قوله: (وَلَا زَائِدِ حُرِّيَّةٍ) أي: على المقتول، فلا يقتص من حر لعبد، يريد: وهما متساويان في الدين، وإلا فلو تميز القاتل بالحرية والمقتول بالإسلام لاقتص له (١) منه على المشهور. قوله: (وَإِسْلامٍ) أي: وألا يكون القاتل زائدًا على المقتول بالإسلام، فلا يقتل مسلم بكافر، يريد: ولو كان المقتول متميزًا عن القاتل بالحرية. قوله: (حِينَ الْقَتْلِ) هو جار على مذهب ابن القاسم في مسألة إسلام القاتل والمقتول، أو تحريرهما بين الرمية والإصابة، ، بيانه لو رمي عبدٌ عبدًا ثم عَتَق الرامي ثم أصابه، أو كافر كافرًا ثم أسلم ثم أصابه فلا قصاص على الرامي لزيادة في الحرية والإسلام حين الإصابة، وكذلك لو أُعتق الضارب أو أسلم بين الجرح والموت. وقوله: (حين القتل) يريد: أو سببه وهو الرمي [ ...... ] (٢) الإصابة أو الجرح والمسبب عنه الموت، فلو رمى حرٌّ عبدًا عمدًا ثم عتق ثم أصابه، أو مسلم ذميًّا ثم أسلم ثم أصابه، فلا قصاص لزيادة الحرية والإسلام حين السبب، ولهذا أشار ابن الحاجب بقوله: (فأما القصاص فبالحالتين معًا) (٣) أي: فيشترط دوام التكافؤ من حصول السبب إلى حصول المسبب اتفاقًا، فلو لم يتساويا حين السبب أو المسبب فلا قصاص كما مر. ولو رمى عبدٌ حرًّا عمدًا ثم عتق ثم [ ... ] (٤) ثم أسلم ثم أصابه فالقصاص، لأن كلا منهما حال السبب أدنى [ ... ] (٥) الأدنى بالأعلى وحال المسبب يتكافئان، وأما الواجب فيما [ ... ] (٦) القصاص فيه من المثل، فالواجب على الأول قيمة عبد وعلى الثاني دية كافر وعلى الثالث دية حر، وعلى الرابع دية مسلم، على قول ابن القاسم

стр. 2907

القائل: المعتبر في الضمان حال الإصابة والموت، لا على قول أشهب القائل: حال الرمي والجرح (١). قوله: (إِلا لِغِيلَةٍ) أي: فلا يراعى فيها زيادة حرية ولا إسلام، لأن القتل فيها لأجل الفساد، ولهذا لو عفا ولي الدم لم يقبل منه ذلك، ومثل الغِيلَة في ذلك الحرابة. قوله: (مَعْصُومًا لِلتَّلَفِ والإِصَابة) يريد: أنه يشترط في المجني عليه أن يكون معصومًا إلى حين إتلافه أو إصابته، فلو زالت عصمته قبل ذلك فلا قصاص. ثم نبه على أن العصمة تكون بأمرين: الإيمان والأمان، وإليهما أشار بقوله: (بِإِيمانٍ أَوْ أَمَانٍ)، فأما الإيمان فلقوله ﵊: (أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ (٢) "، وغالب عبارات الأشياخ عن هذا بالإسلام، وهو قريب. وأما الأمان فلقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] وإذا كانت العصمة تثبت بالأمان فلأن تثبت بضرب الجزية أولى، لهذا اكتفى عنها بما ذكر هنا (٣). قوله: (كَالْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَحِق) يعني: أن العصمة أيضًا تثبت للقاتل من غير المستحق لدمه، ولهذا لو قتله أجنبي لكان دمه لأولياء المقتول الأول على ما سيأتي، وأما إن قتله المستحق لدمه، فلا قصاص عليه، وإنما عليه الأدب فقط لافتياته على الإمام، ولهذا قال: (وأُدِّبَ). قوله: (كَمُرْتَدٍّ، وزَانٍ أُحْصِنَ، ويدِ سَارِقٍ) يريد: أن من استوفى منهم أو من واحد منهم فعليه الأدب، وقاله في الجواهر (٤). قوله: (فَالْقَوَدُ) هو جواب عن قوله: (إِنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ) إلى آخره، وأشار بقوله: (مُتَعَيِّنًا) إلى قول ابن القاسم: أنه لا يجوز العفو لأخذ الدية، وإنما هو عفو أو قود، وهو

стр. 2908

المشهور، ورواه ابن القاسم (١) عن مالك، وقال أشهب: له أن يعفو ليأخذ الدية (٢). قوله: (وَلَوْ قَالَ إِنْ قتَلْتَني أَبْرَأْتكَ) أي: فإنه لا يبرأ إن قتله وعليه القود؛ لأن المقتول قبل القتل لا حق له، وبعده (٣) فالحق للولي إن شاء قتل وإن شاء عفا، ابن يونس (٤): وأما إذا قال له (٥): اقطع يدي ففعل فإنما عليه العقوبة. قوله: (وَلَا دِيَةَ لِعَافٍ مُطْلقًا) قد تقدم أن الواجب عند ابن القاسم في العمد القود أو العفو لا غير، وليس لولي الدم تركه وأخذ الدية خلافًا لأشهب، ورواه عن مالك، واختاره جماعة من المتأخرين، فعلى قول ابن القاسم؛ إذا عفا الولي عن القاتل فليس له مطالبته بعد ذلك بدية المقتول (٦)، وسواء قال: عفوت عن القصاص أو أطلق في ذلك (٧). واستغنى الشيخ عن قوله: عفوت عن القصاص بقوله: (مُطْلقًا)؛ لأنه إذا لم يمكن من المطالبة بالدية مع العفو المطلق، فلأن لا يمكن منها إذا قال عفوت عن القصاص من باب أولى، وفيه نظر لا يخفى. قوله: (إلَّا أَنْ تَظْهَرَ إِرَادَتُهَا فيحْلِفُ، وَيَبْقَى عَلَى حَقِّهِ إنِ امْتَنَعَ) وفي المدونة: إلا أن يتبين (٨)، وهو أقوى من لفظ يظهر، والمعنى: أن ولي الدم إذا عفا فلا شيء له، إلا أن تظهر أمارة قوية تدل على أنه ما عفا إلا لأخذ الدية، فإنه يحلف حينئذٍ على ذلك ويبقى على حقه في القصاص إذا امتنع القاتل من دفع الدية. قوله: (كَعَفْوِهِ عَنِ الْعَبْدِ) يريد: أن العبد إذا عفا عنه ولي الدم، وقال: إنما عفوت عنه لآخذ الدية أو لآخذ قيمته فإنه لا شيء له، إلا أن يتبين (٩) أنه أراد ذلك فيحلف حينئذٍ،

стр. 2909

ويخير بعد ذلك سيد العبد في دفع رقبة (١) العبد، أو قيمة العبد المقتول (٢)، أو الدية إن كان المقتول حرًّا. قوله: (وَاسْتَحَقَّ وَلِيٌّ دَمَ مَنْ قتَلَ الْقَاتِلَ، أوْ قَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ كَدِيَةِ خَطَإٍ، فَإِنْ أَرْضَاهُ وَلِيُّ الثَّانِي فَلَهُ) قال في المدونة: ومن قتل رجلًا عمدًا (٣) فعدا عليه أجنبي عمدًا فقتله فدمه لأولياء المقتول الأول، ويقال لأولياء المقتول آخرًا: أرضوا أولياء المقتول أولًا وشأنكم بقاتل وليكم في القتل أو العفو، فإن لم يرضوهم فلأولياء الأول قتله أو العفو عنه، ولهم أن لا (٤) يرضوا بما بذل لهم من الدية أو أكثر منها (٥)، وقاله في الجواهر، وقال: وروى ابن عبد الحكم أنه لا دية لأولياء المقتول الأول، ولا قود، والأول هو المشهور، ولو كان قتل الثاني خطأ لكان الخلاف في الدية كالخلاف في القود، وحكم اليد والعين حكم النفس في ذلك (٦)، وإلى ذلك كله أشار بقوله: (أَوْ قَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ كَدِيَةِ خَطَإٍ). قوله: (فَإِنْ فُقِئَتْ عَيْنُ الْقَاتِلِ، أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ، ولَوْ مِنَ الْوَليِّ بَعْدَ أَنْ أُسْلِمَ لَهُ فَلَهُ الْقَوَدُ) أي: إذا فقأ أجنبي عين القاتل عمدًا أو خطأ أو قطع يده كذلك فله أن يقتص من الفاعل به (٧)، ذلك في العمد، وله أن يعفو عنه، وله أخذ الدية في الخطأ، ولا مقال لولي الدم في ذلك، وإنما له سلطان على من أذهب نفس القاتل كما تقدم. ابن شاس: وكذا لو أسلم إلي ولي المقتول ليقتله فقطع رَجُلٌ يده قبل القتل فإن له القود فيها (٨)، وله العفو لا للولي، ويقتل هو بمن قتل، ثم قال: وإن كان ولي الدم هو القاطع ففي المجموعة من رواية ابن القاسم وأشهب: أنه يقتص منه كالأجنبي (٩)، كما

стр. 2910

أشار إليه هنا. وروى أصبغ أنه لا يقاد من الأولياء؛ لأن النفس كلها كانت لهم (١). قوله: (وَقُتِلَ الأَدْنَى بِالأَعْلى كَحُرٍّ كتَابيٍّ بعَبْدٍ مُسْلِمٍ) لما قدم أن القصاص مشروط بألا يكون القاتل زائدًا على المقتول بحرية أَو إسلام، نبه على أن العكس لا يمنع من ذلك وأن من كان ناقصًا عن المقتول باعتبار الإسلام أو الحرية فإنه يقتل، فلهذا يقتل (٢) الحر الكتابي بالعبد المسلم؛ لأن حرمة الإسلام لا توازيها حرية الكافر، وذهب سحنون إلى أن الحر الكتابي لا يقتل بالعبد المسلم وهو أحد قولي ابن القاسم (٣). (المتن) وَالْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ من بَعْضٍ: مِنْ كِتَابِي، وَمَجُوسِي، وَمُؤَمَّنٍ، كَذَوِي الرّقِّ، وَذَكَرٍ، وَصَحِيحٍ، وَضِدّهِمَا، وإنْ قَتَلَ عَبْدٌ عمْدًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَسَامَةٍ خُيِّرَ الْوَليُّ، فَإِنِ اسْتَحْيَاهُ فَلِسَيِّدِهِ إِسْلامُهُ، أَوْ فِدَاؤُهُ إِنْ قَصَدَ ضَرْبًا وَلوْ بِقَضِيبٍ. كَخَنْقٍ وَمَنْعِ طَعَامٍ، وَمُثَقَّلٍ. وَلا قَسَامَةَ إِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، أَوْ مَاتَ مَغْمُورًا، وَكَطرْحِ غَيْرِ مُحْسِنٍ الْعَوْمِ عَدَاوَةً. وَإِلَّا فَدِيَةٌ، وَكَحَفْرِ بِئْرٍ وَإِنْ بِبَيتِهِ، أَوْ وَضْعِ مُزْلِقٍ، أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ بِطَرِيقٍ أَوِ اتِّخَاذِ كَلْب عَقُورٍ تُقُدِّمَ لِصَاحِبِهِ قَصْدَ للضَّرَرِ، وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ وَإِلَّا فَالدِّيَةُ، وَكَالإِكْرَاهِ، ، وَتَقْدِيمِ مَسْمُومٍ، وَرَمْيِهِ حَيَّةً عَلَيْهِ، وَكَإِشَارَتِهِ بِسَيْفٍ فَهَرَبَ، وَطَلَبَهُ، وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، وَإِنْ سَقَطَ فَبِقَسَامَةٍ، وَإِشَارَتُهُ فَقَطْ خَطَاٌ، وَكَالإمْسَاكِ لِلْقَتْلِ. (الشرح) قوله: (وَالْكُفارُ بَعْضُهُمْ من بَعْضٍ مِنْ كِتَابي ومَجُوسيٍّ ومُؤَمَّنٍ) أي: ويقتل الكفار بعضهم ببعض؛ لأن الكفر كَمِلَّة واحدة على الخلاف في ذلك (٤)، فقوله: (مِنْ كِتَابيٍّ ومَجُوسيٍّ) بيان لقوله: (والْكُفارُ). والمؤمَّن من دخل دار الإسلام بأمان. ابن شاس: ويقتل كل واحد من اليهود والنصارى والمجوس بالآخر، وبالجملة فكل من لا يقتص له من المسلم لنقصه عنه في الدين يقتص لبعضهم من بعض، وإن

стр. 2911

اختلفت مللهم في أحكامهم (١)، وقال الشيخ: (وَالْكُفارُ) ليشمل عبدة الأوثان وعباد النار ونحوهم. قوله: (كَذَوِي الرِّقِّ) أي: فإنه يقتص لبعضهم من بعض (٢) سواء القِنُّ منهم، ومن فيه شائبة رق أو (٣) عقد من عقود الحرية. قوله: (وَذَكَرٍ، وصَحِيحٍ، وضِدِّهِمَا) المراد بضد الذكر الأنثى، وبضد الصحيح السقيم، قال في المدونة وغيرها: ويقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل (٤)، وكذلك (٥) يقتل الصحيح بالضعيف، وبالأجذم والأبرص والمقطوع اليدين أو الرجلين إلى غير ذلك. قوله: (وَإِنْ قتَلَ عَبْدٌ عَمْدًا بِبَيِّنهٍ أَوْ قَسَامَةٍ خُيِّرَ الْوَليُّ؛ فَإِنِ اسْتَحْيَاهُ فَلِسَيِّدِهِ إِسْلامُهُ، أَوْ فِدَاؤُهُ) وحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، والمعني: إن قتل عبدٌ حرًّا قتل عمد ثبت عليه ببينة أو إقرار المقتول مع قسامة، أو إقراره هو (٦)، فإن وليه يخير بين أن يأخذ بالقصاص، لأن الأدنى يقتل بالأعلى فيقتل العبد (٧)، أو يستحييه، فإن قتله فلا كلام، وإن استحياه خير حينئذٍ سيده في فدائه بدية الحر أو إسلامه لولي الحر. واحترز بقوله: (عَمْدًا) مما إذا قتله خطأ، فإنه لا قصاص على العبد بل تتعلق الجناية برقبته فيخير سيده بين أن يفديه بدية الحر أو يسلمه لولي الدم. قوله: (إِنْ قَصَدَ ضَرْبًا) اعلم أن القاتل إذا قصد الضرب والقتل فإنه يقتص منه، واختلف إذا قصد الضرب دون القتل (٨) وكان الضرب على وجه الغضب ففي المقدمات: المشهور والمعروف من قول مالك أن ذلك عمد، وفيه القصاص إلا في

стр. 2912

الأب والأم (١). قوله: (وَلَوْ بِقَضِيبٍ) كذا قال في المدونة، وجعل اللطمة كذلك (٢). قوله: (كخَنْقٍ وَمَنْعِ طَعَامٍ، ومُثَقَّلٍ) هكذا قال في الجواهر، وجعل من ذلك القتل بالمحدَّد وبإصابة المقاتل كعصر الأنثيين، أو هدم عليه بيتًا (٣)، أو يضربه بحجر عظيم أو خشبة لها حدٌّ أو لا حدَّ لها، أو يصرعه، أو يجر برجله في غير اللعب، أو يغرقه في الماء، أو يحرقه بالنار، أو يخنقه، أو يطين (٤) عليه بيتًا، أو يمنعه الطعام والشراب حتى يموت (٥). قوله: (وَلا قَسَامَةَ إِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، أوْ مَاتَ مَغْمُورًا) أي: بل يقتل القاتل بلا قسامة، ولا فرق مع إنفاذ المقاتل بين أن يأكل ويشرب ويعيش أيامًا أم لا. ابن القاسم: وأرى أنه إذا أنفذ مقتله حتى يعلم أنه لا يعيش من ذلك إنما حياته (٦) إلى خروج نفسه فلا أرى في هذا أو شبهه قسامة (٧)، وأما المغمور وهو الذي لم يتكلم إلى أن مات، ففي أصل المدونة أن فيه القسامة (٨)، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب (٩)، وهو خلاف ما نص عليه هنا. قوله: (وَكطَرْحِ غَيْرِ مُحْسِنِ الْعَوْمِ عَدَاوَةً) وظاهره، سواء كان القاتل يعلم أنه لا

стр. 2913

يحسن العوم أم لا، وهو ظاهر المدونة، بل نص فيها على أنه يقتل به، وإن رماه على وجه العداوة، وإن لم يدر أنه لا يحسن العوم فما بالك بمن علم أنه لا يحسن العوم (١). قال في المدونة: وإن طرحه في نهر ولم يدرِ أنه لا يحسن العوم فمات، فإن كان على وجه العداوة والقتل قتل به، وإن كان على غير ذلك ففيه الدية فلا يقتل به (٢)، وإليه أشار بقوله: (وَإِلا فَدِيَةٌ). ابن يونس: يريد: وتكون الدية على العاقلة. ولما انقضى كلامه على المباشرة أتبعه بالكلام على التسبب فقال: (وَكَحَفْرِ بِئْرٍ، وَإِنْ بِبَيْتهِ). ابن شاس: عن مالك فيمن حفر بئرًا لإهلاك لص فهلك فيها، أو حفرها في طريق المسلمين فهلك فيها أحد فإنه يقتل به، فأما قول مالك في المجموعة والموازية: فيمن حفر بئرًا على طريق المسلمين مما (٣) لا يجوز له أنه ضامن لما أصاب من ذلك، وجعل فيه الدية دون القصاص- فلأنه لم يفعله لقتل أحد، وقد قال أشهب: إنه إذا حفرها لسارق أو طارق أو عدو فإنه ضامن لمن أصيب منهم فيها، ولو كانت في أرضه أو داره (٤)، ولهذا قال هنا: (وإِنْ بِبَيْتهِ). قوله: (وَوَضْعِ مُزْلقٍ) أشار بهذا إلى ما وقع لمالك فيمن رش فناءه بالماء ليزلق من مر به من إنسان وغيره فهو ضامن، وفي المجموعة عن مالك: إذا كان تبردًا أو تنظفًا فزلق به أحد فهلك -فلا يضمن (٥). بعض البغداديين: ومن وضع قشور البطيخ في طريق المسلمين قصدًا لإهلاكهم فهلك بذلك بعضهم- فإنه يقتل به (٦). قوله: (أَوْ رَبْطِ دَابَّةٍ بِطَرِيقٍ) يعني: إذا فعل ذلك قصدًا للإضرار وحيث لا يجوز

стр. 2914

له (١)، وأما لو فعل ذلك حيث يجوز له مثل أن ينزل عنها ويدخل لحاجة وهي واقفة في الطريق- فلا يضمن، وكذا على باب المسجد أو باب الأمير أو باب السوق فلا يضمن شيئًا من ذلك، وليس هذا كمن اتخذ (٢) مربطًا في طريق المسلمين. قوله: (وَاتِّخاذِ كَلْبٍ عَقُورٍ تُقُدِّمَ لِصَاحِبِهِ) أي: بالإنذار من اتخاذه، ومثل الجدار المائل يتركه صاحبه بعد التقدم إليه فيه، وهو مذهب المدونة فيهما (٣)، وإن لم يكن ثم سلطان، وفي سماع عبد الملك: لا يضمن إلا أن يتقدم إليه في ذلك السلطان، وقال أشهب: يضمن وإن لم يتقدم إليه ولا أشهد عليه، وقيل: لا يضمن بحال وإن تقدم إليه. ابن رشد: وهذا إنما هو إذا اتخذ الكلب حيث يجوز له، فأما إذا اتخذه في موضع لا يجوز له فلا خلاف أنه ضامن (٤). قوله: (قَصْدًا لِلضَّرَرِ، وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ) يريد: أنه إنما يقتص منه (٥) بشرطين، الأول: أن يفعل ذلك قصدًا لإهلاك شخص، الثاني: أن يهلك فيه ذلك الشخص بعينه، فلو فعلها لا لقصد ضرر أو فعلها كذلك إلا أن المقصود لم يقع فيها، وإنما وقع فيها غيره، فهلك فإنه لا قود عليه، وإنما عليه الدية، وإليه أشار بقوله: (وَإِلا فَالدِّيَةُ) فالاستثناء راجع لقوله: (وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ) لا إليه وإلى ما قبله، وإلا لزم عليه أنه إذا احتفرها في موضع يجوز له من ملكه لضرورة عرضت له لا لقصد إضرار أحد (٦) فوقع فيها إنسان أو غيره- أنه يضمنه (٧)، وليس كذلك. قوله: (وَكَالإِكْرَاه) هو معطوف على قوله: (وَكَحَفْرِ بِئْرٍ) والمعني أن من أكره شخصًا على قتل غيره فإنه يقتل لتسببه، وسيأتي في المكرَه بفتح الراء مفصلًا. قوله: (وتَقْدِيمِ مَسْمُومٍ) يريد: أن من قدم لشخص طعامًا مسمومًا فأكله فمات، فإنه

стр. 2915

يقتص منه إذا كان عالمًا بذلك. قوله: (وَرَمْيِهِ حَيَّةً عَلَيْهِ (١)) أي: كرمي حية عليه؛ أي: إذا مات منها. ابن شاس: فإن كان من الحواه فألقى الحية وهو يعلم أنها (٢) مسمومة على غير وجه اللعب؛ فإنه يقتل به، ولا يقبل قوله: أردت اللعب، مثل هؤلاء الذين يعرفون الحيات المسمومات والأفاعي التي لا يلبث لديغها؛ فإنه يقتل به ولا يقبل قوله: أردت اللعب (٣)، وإنما معنى اللعب مثل ما يفعل الشبان بعضهم مع بعض فيطرح بعضهم على الآخر (٤) الحية الصغيرة التي لا تعرف بمثل هذا فهو خطأ، فأما من يعرف ما هو ويطرح متعمدًا لطرحها؛ فإنه يقتل ولا يقبل قوله: لم أرد قتله. انتهى (٥). الشيخ: ولو قيل بالقصاص وإن (٦) لم يعرف أنها قاتلة ما بَعُدَ، قلت: ولهذا لم يقيد كلامه هنا بعلم ولا غيره. قوله: (وَكَإِشَارَتهِ بِسَيْفٍ فَهَرَبَ وَطَلَبَهُ وبَيْنهمَا عَدَاوَةٌ، وَإِنْ سَقَطَ فَبِقَسَامَةٍ، وإِشَارَتُهُ فَقَطْ خَطَأٌ) جعل ﵀ المسألة على ثلاثة أوجه كما فعل الباجي: الإشارة مع الهروب، وهو يطلبه حتى مات وبينهما عداوة ففيه القصاص نص عليه ابن المواز ونحوه لابن القاسم، والإشارة مع ذلك والسقوط فيه القصاص بقسامة، قاله ابن القاسم، قال: يقسم الولاة خمسين يمينًا لمات خوفًا منه (٧)، ابن القاسم: ولو أشار عليه بالسيف فمات وبينهما عداوة فهو خطأ، هذا هو الوجه الثالث (٨). ابن شاس: عن عبد الملك فيمن طلب رجلًا بالسيف فعثر فمات ففيه القصاص،

стр. 2916

وقاله المغيرة وابن القاسم وأصبغ، وقال ابن ميسرة: لا قصاص على واحد من هؤلاء، يعني: في الثلاثة الأوجه، واستحسنه بعض القرويين؛ إذ لا يدرى هل مات من شدة الخوف أو من شدة الجري أو من مجموعهما، ولا وجه لتعمد القتل، ولا يمكن إثبات القصاص إلا على نفي شبه العمد (١). قوله: (وَكَالإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ) أي: إذا أمسكه لغيره فقتله، ولا خفاء أنهم يقتلان معًا، هذا لتسببه، وهذا لمباشرته، وظاهره سواء علم أن القاتل يقدر على قتله دون إمساكه أم لا، وشرط بعضهم في وجوب القصاص على الممسك أن يعلم أنه لولا الممسك لم يقدر على ذلك، واحترز بقوله: (وَكَالإِمْسَاكِ لِلْقَتْلِ) مما إذا أمسكه لكن لغير ذلك (٢) بل ليضربه ضربًا معتادًا بين الناس (٣)، ولا يرى أنه يتعمد لقتله، فإذا مات من ذلك فلا يقتل به إلا القاتل فقط، وقال في الموطأ: ويعاقب الممسك أشد العقوبة ويحبس سنة (٤). (المتن) وَيُقْتَلُ الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ، وَالْمُتَمَالِئُونَ، وَإِنْ بِسَوْطٍ سَوْط، وَالْمُتَسَبّبُ مَعَ الْمُبَاشِرِ. كَمُكْرِهٍ، وَمُكْرَهٍ، وَكَأبٍ أَوْ مُعَلِّمٍ أَمَرَ صَبِيًا صَغِيرًا، أَوْ سَيّدٍ أَمَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَخَفِ الْمَأمُورُ اقْتُصَّ مِنْهُ فَقَطْ، وَعَلَى شَرِيكِ الصَّبِي الْقِصَاصُ إِنْ تَمَالآ على قَتْلِهِ، لا شَرِيكِ مُخْطِئٍ وَمَجْنُونٍ، وَهَلْ يُقْتَصُّ مِنْ شَرِيكِ سَبُعٍ، وَجَارِحِ نَفْسِهِ، وَحَرْبِيّ وَمَرَضٍ بَعْدَ الْجُرْحِ، أَوْ عَلَيهِ نِصْفُ الدّيَةِ؟ قَوْلان. وَإِنْ تَصَادَمَا، أَوْ تَجَاذَبَا مُطْلَقًا قَصْدًا فَمَاتَا أَوْ أحَدُهُمَا فَالْقَوَدُ، وَحُمِلا عَلَيهِ، عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ؛ إِلَّا بِعَجْزٍ حَقِيقِي، لا لِكَخَوْفِ غَرَقٍ أَوْ ظُلْمَةٍ، وَإِلَّا فَدِيَةُ كُلٍّ على عَاقِلَةِ الآخَرِ، وَفَرَسُهُ فِي مَالِ الآخَرِ كثَمَنِ الْعَبْدِ. (الشرح) قوله: (ويُقْتَلُ الجمِيعُ بِوَاحِدٍ) لا خلاف فيه عندنا (٥) بشرط أن يجتمعوا على قتله،

стр. 2917

وقاله في المدونة (١) وغيرها، وفي الجواهر: إذا اجتمع جماعة على رجل يضربونه فقطع رجل يده، وفقأ آخر عينه، وجَدَع آخر أنفه، وقتله آخر، وقد اجتمعوا على قتله فمات؛ قتلوا به كلهم (٢). قوله: (وَالْمُتَمَالِئُونَ) أي: وكذلك يقتل المتمالئون على قتل واحد لقول عمر ﵁: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به (٣). قوله: (وَإِنْ بِسَوْطٍ سَوْطٍ) أي: وإن لم يضربه كل واحد منهم إلا بسوط؛ أي (٤): بشرط أن يقصدوا جميعًا إلى قتله على هذا الوجه (٥)، وإلا فليس السوط الأول وما يقارب منه (٦) مما يكون عليه القتل غالبًا فينبغي أن يقتل به الآخر، ومن قصد إلى قتله ممن تقدمه. قوله: (وَالْمُتَسَبِّبُ مَعَ الْمُباشِرِ، كَمُكْرِهٍ ومُكْرَهٍ) المتسبب هو الآمر، والمباشر هو المأمور، والمكرَه هو الفاعل (٧)، فيقتلان معًا: المكْرِهُ لتسببه والمكْرَه لمباشرته، والمراد بالمكرَه هنا: من كان عليه خوف في مخالفة الأمر، وإلا فالقصاص على المباشر وحده. قوله: (وَكَأَبٍ، أَوْ مُعَلِّمٍ أمَرَ صَبِيًّا صَغِيرًا، أَوْ سَيِّدٍ أَمَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا) أي: فيقتل الآمر في المسائل الثلاث، وهو قول ابن القاسم (٨)، سواء كان العبد كبيرًا أو صغيرًا فصيحًا أو عجميًّا (٩)، وهو مراده بالإطلاق. وقال ابن وهب: لا يقتل الآمر في جميع ذلك، بل يضرب (١٠) ضربًا، ويقتل

стр. 2918

العبد (١)؛ أي: الكبير. وحكى ابن شعبان أن السيد يقتل دون العبد. وروى ابن وهب (٢) عن مالك أنه يقتل العبد إن كان فصيحًا، وإن كان أعجميًّا قتل السيد وحده، وقال أصبغ: يقتلان معًا كان العبد فصيحًا أم لا (٣)، واحترز بالصغير في مأمور الأب والمعلم من الكبير فإنه يقتل وحده دون الآمر. قوله: (وَإِنْ لَمْ يَخَفِ الْمَأمُورُ اقْتُصَّ مِنْهُ فَقَطْ) لأنه قادر على عدم القتل، ابن القاسم وأشهب: ويضرب الآمر مائة (٤) ويحبس سنة (٥). قوله: (وَعَلَى شَرِيكِ الصَّبِي الْقِصَاصُ، إِنْ تَمَالآ عَلَى قَتْلِهِ) يريد: أن الكبير العاقل إذا اشترك مع صبي في قتل شخص، فإنه يقتل به وحده. وقال في المدونة: إذا كانا متعمدين (٦)، وقيده اللخمي وابن يونس بما إذا تعاقدا (٧) على ذلك، ولذلك قال هنا: (إِنْ تَمَالآ عَلَى قَتْلِهِ). اللخمي: وإن لم يتمالآ (٨) على قتله وتعمد كل واحد رميه، ولم يعلم بالآخر، لم يقتل الرجل لإمكان أن تكون رمية الصبي هي القاتلة (٩)، انظر الكبير. قوله: (لَا شَرِيكِ مُخْطِئٍ، ومَجْنُونٍ) أي: فإنه لا يقتل وتكون عليه نصف الدية، وحكى عبد الوهاب أنه يقتل (١٠)، والأول قول ابن القاسم في شريك المخطئ؛ إذ لا يدرى (١١) من أيهما مات (١٢)، وقال أشهب: يقتل، واختاره محمد (١٣). اللخمي: قول ابن

стр. 2919

القاسم أحسن؛ لئلا يقتل الرجل بالشك، إلا أن يدعي الأولياء أن ضربة أحدهما هي القاتلة فيقسمون عليها، فإن أقسموا على ضربة الرجل -أي: العامد- قتلوه (١). قوله: (وَهَلْ يُقْتَصُّ مِنْ شَرِيكِ سَبُعٍ، وجَارحِ نَفْسِهِ، وحَرْبيٍّ، وَمَرَضٍ بَعْدَ الجْرحِ، أَوْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ؟ قَوْلَانِ) أي: القولان معًا لابن القاسم: أحدهما أن الأولياء يقسمون على المتعمد ويقتلونه، والآخر أن عليه نصف الدية في ماله بغير قسامة، ويضرب مائة ويحبس سنة (٢)، والأحسن منهما عدم القتل، ومعنى (وَمَرَضٍ بَعْدَ الْجُرْحِ) أن من جرح إنسانًا ثم حصل للمجروح مرض ثم مات منه، ولا يدرى أمات من الجرح أم من المرض؛ فإنه يختلف فيه على القولين، وقد قال مالك: إذا مرض المجروح، ثم مات فليقسموا (٣) لمات من ضربه في الخطأ والعمد (٤). قوله: (وَإِنْ تَصَادَمَا أَوْ تَجَاذَبَا مُطْلَقًا قَصْدا فَماتَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَالْقَوَدُ) ومراده بالإطلاق سواء كانا فارسين أو ماشيين أو مختلفين (٥)، وسواء كانا بصيرين أو ضريرين أو مختلفين (٦) و (قَصْدًا) مصدر؛ أي: اصطدامًا مقصودًا (٧) أو تجاذبًا مقصودًا، أو مصدر في موضع الحال، أو منصوب بفعل دل عليه المذكور؛ أي: يجذب أحدهما الآخر قصدًا، وإنما يتصور القود إذا مات أحدهما دون الآخر. قوله: (وَحُمِلا عَلَيْهِ) أي: حملا (٨) على القصد إذا لم يعلم هل كانا قادرين على صرف (٩) فرسيهما أم لا، وهو ظاهر، أما إذا جمح فرساهما وعلم أنهما غير قادرين على

стр. 2920

صرفهما (١)؛ فلا ضمان كما سيذكره. قوله: (عَكْسُ السَّفِينَتَينِ) أي: فإذا جهل أمر أصحاب السفينتين (٢) في اختيار الصرف وعدمه حملوا على غير الاختيار، والفرق أن جري السفينتين بالريح وليس من عملهم بخلاف الفارسين قال أشهب: في السفينتين (٣) إذا علم أن ذلك من أمر غَلَبهم وليس (٤) من أمر أحد نواتية (٥)؛ فلا شيء عليهم، وإن لم يعلم فذلك على عواقلهم (٦). قوله: (إِلَّا بِعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ) يعني: أن ما قدمه من الفرق بين الفارسين والسفينتين إنما هو إذا لم يتحقق العجز عن الصرف (٧) فيهما، أما إذا علم العجز حقيقة فيهما وعدم القدرة، فإن الحكم مستوٍ في المسألتين في عدم الضمان. قوله: (لَا لِكَخَوْفِ غَرَقٍ) يريد: أن النوَّاتِيَّة إذا كانوا قادرين على صرف السفينة، إلا أنهم يخافون الغرق فلم يصرفوها حتى صدموا سفينة غيرهم فكسروها وهلك ما فيها من آدمي أو غيره فإنهم يضمنون؛ إذ ليس لهم أن يصونوا (٨) أنفسهم بإهلاك غيرهم. قوله: (أَوْ ظُلْمَةٍ) يريد: أن اصطدامهم لو كان لأجل ظلمة؛ فإنه لا يسقط عنهم الضمان، كالمصطدمين في البر في ظلمة، ويحتمل أن يريد أن (٩) خوف الظلمة يشارك خوف الغرق فيما تقدم؛ لأن الدخول في الظلمة ربما نشأ منه (١٠) ما هو أضر من الغرق، والمسألة منقولة على الوجه الأول. قوله: (وَإِلَّا فَدِيَةُ كُلٍّ عَلَى عَاقِلَةِ الآخَرِ، وَفَرَسُهُ فِي مَالِ الآخَرِ) هو راجع إلى قوله: (قَصْدًا) أي: وإن لم يقصدا ذلك ولا تعمداه، بل كانا معًا مخطئين فإن على عاقلة كل

стр. 2921

واحد منهما دية الآخر، وقلنا مخطئين، لأن أحدهما لو كان متعمدًا دون الآخر فإن عليه القصاص إذا مات صاحبه دونه، وإن مات هو دون المخطئ فعلى عاقلة المخطئ ديته. قوله: (وَفَرَسُهُ) أي: فرس كل واحد منهما في مال الآخر. وأشار بقوله: (كَثَمَنِ الْعَيْدِ) إلى مسألة اصطدام الحر مع العبد، ومراده بالثمن القيمة، قال مالك في المدونة وكتاب محمد: إذا اصطدم الحر والعبد فماتا معًا فقيمة العبد في مال الحر ودية الحر في رقبة العبد يتقاومان (١)، فإن كان ثمن الغلام أكثر من دية الحر كان الزائد لسيد الغلام في مال الحر، وإن كانت دية الحر أكثر لم يكن على سيد العبد (٢) من ذلك شيء (٣)، وقال أشهب (٤): إلا أن يكون للعبد مال فيكون بقية العقل في ماله (٥). (المتن) وَإنْ تَعَدَّدَ الْمُبَاشِرُ؛ فَفِي الْمُمَالأَةِ يُقْتَلُ الْجَمِيعُ وَإِلَّا قُدِّمَ الأَقْوَى، وَلا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ بِزَوَالِهَا بِعِتْقٍ، أَوْ إِسْلامٍ وَضَمِنَ وَقْتَ الإِصَابَةِ، وَالْمَوْتِ. وَالْجُرْحُ كَالنَّفْسِ فِي الْفِعْلِ، وَالْفَاعِلِ، وَالْمَفْعُولِ؛ إِلَّا نَاقِصًا جَرَحَ كَامِلًا. وَإِنْ تَمَيَّزَتْ جِنَايَاتٌ بِلا تَمَالُؤٍ فَمِنْ كُلٍّ، كَفِعْلِهِ، وَاقْتُصَّ مِنْ مُوضِحَةٍ، أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ وَالْخَدَّيْنِ، وَإِنْ كَإِبْرَةٍ وَسَابِقِهَا مِنْ دَامِيَةٍ، وَحَارِصَةٍ شَقَّتِ الْجِلْدَ، وَسِمْحَاقٍ كَشَطَتْهُ، وَبَاضِعَةٍ شَقَتِ اللَّحْمَ، وَمُتَلاحِمَةٍ غَاصَتْ فِيهِ بِمُتَعَدِّدٍ، وَمِلْطَاةٍ قَرُبَتْ لِلْعَظْمِ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، وَجِرَاحِ الْجَسَدِ، وَإِنْ مُنَقِّلَة بِالْمِسَاحَةِ إِنِ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ، كَطَبيبٍ زَادَ عَمْدًا، وَإِلَّا فَالْعَقْلُ كَيَدٍ شَلَّاءَ عَدِمَتِ النَّفْعَ بِصَحِيحَةٍ، وَبِالْعَكْسِ، وَعَيْنِ أعْمَى، وَلِسَانِ أَبْكَمَ. (الشرح)

стр. 2922

قوله: (وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُباشِرُ، فَفِي الْمُمَالأَةِ يُقْتَلُ الجْمِيعُ) يعني: أن الجماعة إذا باشروا قتل رجل فضربه واحدٌ بعد واحد (١) أو جرحوه كذلك- فإن كانوا متمالئين فإنهم يقتلون جميعًا، وهو ظاهر (٢)، وينبغي أن يقيد بما إذا مات في الحال، وإلا فمتى عاش وأكل وشرب فإنه لا يقسم في العمد إلا على واحد منهم فقط. قوله: (وَإِلَّا قُدِّمَ الأَقْوَى) أي: وإن لم يكن ذلك عن ممالأة، بل قصد (٣) كل واحد منهم الضرب ولم يرد ضرب القتل فحصل عن ذلك الموت؛ أي: فإن الأقوى -أي: من كان القتل عن ضربه أكثر- فإنه يقدم بأن يقتل وحده، يريد: ويقتص من غيره في الجرح، ويعاقب من لم (٤) يجرح كما إذا ضربه بعصا فلم يجرحه بها، وذلك كله إذا تميزت الضربات، وأما إن لم تعرف ضربة كل واحد منهم ففي النوادر عن مالك: إن مات مكانه قتلوا كلهم، وإن لم يمت مكانه ففيه القسامة (٥)، وعند اللخمي: إذا أنفذ أحدهم مقاتله (٦) ولم يُدْرَ من هو ولا من أي الضربات مات (٧) - فإن القصاص يسقط (٨). قوله: (وَلَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ بِزَوَالِهًا بِعِتْقِ، أَوْ إِسْلامِ) يريد: أن القاتل والمقتول إذا كانا متساوين حين القتل في الدين وغيره، فإن القصاص لا يسقط بزوال تلك المساواة بعد ذلك، كالكافرين يقتل أحدهما الآخر، ثم يسلم القاتل، وكالعبدين ثم (٩) يعتق القاتل؛ إذ لا أثر للمانع بعد ترتب الحكم. قوله: (وَضَمِنَ وَقْتَ الإِصَلابةِ، والْمَوْتِ) أشار بهذا إلى أن المساواة إذا زالت بين حصول السبب والمسبب كعتق أحدهما أو إسلامه بعد الرمي وقبل

стр. 2923

الإصابة وبعد الجرح، وقبل الموت فقال ابن القاسم: المعتبر في الضمان حال الإصابة والموت، فالمعتبر حال الإصابة (١) وهو مذهب ابن القاسم، وقال أشهب وسحنون: المعتبر حال الرمي، ثم رجع سحنون لقول ابن القاسم واتفقوا على أن المعتبر في القصاص حال الإصابة (٢)، والمراد بالضمانِ ضمانُ دية الحر وقيمة العبد. قوله: (وَالْجرْحُ كَالَّنفْسِ فِي الْفِعْلِ، والْفَاعِلِ، والْمَفْعُولِ، إِلا نَاقِصًا جَرَحَ كَامِلًا) يريد: أن ما تقدم في النفس من الأحكام يجري فيما دونها إلا في مسألة ما إذا جرح الناقص كاملًا كالعبد يقطع يد حر، وكافر يقطع يد مسلم؛ فإنه لا يقتص منه له على المشهور، الأستاذ أبو بكر (٣): وهو ظاهر المذهب (٤)، وقال ابن نافع وابن عبد الحكم: المسلم يخير إن شاء اقتص أو أخذ الدية وخرَّج مثله في العبد (٥)، وقيل: يجتهد السلطان في ذلك (٦)، وروى ابن القصار وغيره عن مالك القصاص في ذلك، وعنه أيضًا أنه توقف (٧). قوله: (وَإِنْ تَميَّزتْ جِنَايَاتٌ بِلَا تَمَالُؤٍ فَمِنْ كُلٍّ كَفِعْلِهِ) أي: إذا جَنَا جماعة على شخص وتميزت جناية كل واحد ولم يتمالؤوا على قتله، فإن كل واحد يقتص منه بقدر جنايته بالمساحة، وهو مراده بقوله: (كَفِعْلِهِ). قوله: (وَاقْتُصَّ مِنْ مُوضِحَةٍ أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرأسِ والْجبْهَةِ وَالخَديْنِ وَإِنْ كَإِبْرَةٍ، وَسَابِقِهَا مِنْ دَامِيَةٍ وحَارِصَةٍ شَقَّتِ الجْلْدَ، وَسِمْحَاقٍ كَشَطَتْهُ، وَبَاضِعَةٍ شَقَّتِ اللَّحمَ، وَمُتَلَاحِمَةٍ غَاصَتْ فِيهِ بِمُتَعَدِّدِ، وَملْطَاةٍ قَرُبَتْ للْعَظْم) يحتمل أن تكون (من) من قوله: (مِنْ مُوضِحَةٍ) بمعنى (في) أي: واقتص في الموضحة وسابقها في العمد. قوله: (أوْضَحَتْ عَظْمَ الرَّأسِ وَالجْبْهَةِ وَالخدِّيْنِ) هو بيان الموضحة، والواو من

стр. 2924

قوله (١): (وَالْجبْهَةِ) للتقسيم؛ إذ ليس المراد أنها لا تكون موضحة إلا بعد حصولها في المواضع الثلاثة، بل المراد كل موضع من هذه المواضع الثلاثة إذا حصلت فيه ضربة أوضحت شيئًا من عظمه تسمى موضحة، ولهذا عطف ابن شاس الجبهة بأو لا بالواو (٢). ومعنى: (أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرأسِ) أي: أظهرته، وأزالت الساتر الذي يحجبه وهو الجلد وما تحته من اللحم، ولا يشترط في كونها موضحة أن توضح ماله قدر وبال، بل لو أوضحت منه مقدار إبرة كفى في تسميتها موضحة، كما قال. والمراد بـ (سابقها)؛ أي: سابق الموضحة من الجراحات وهي ستة: ثلاثة في الجلد، وثلاثة في اللحم؛ ففي الجلد: الدامية: وهي التي يسيل منها الدم، ولم يفسرها استغناءً بلفظها، أو يقال لها دامعة بعين مهملة؛ لأن الدم يندفع (٣) منها كالدمع، ثم الحارصة بألف وغيرها: وهي التي شقت الجلد، ثم السمحاق: وهي التي كشطت الجلد (٤)، ومنهم من جعل الحارصة مرادفة الدامية، وذهب بعضهم إلى أن الحارصة هي السمحاق، والصحيح ما تقدم. وأما المتعلقة باللحم؛ فالباضعة: هي التي شقت اللحم؛ أي: بضعته (٥)، ثم المتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم في غير موضع، ولهذا قال: (وَمُتَلَاحِمَةٍ غَاصَتْ فِيهِ بِمُتَعَدِّدٍ (٦))، وقيل: هي مرادفة الباضعة، ثم الملطاة بهاء وغيرها: وهي التي يبقي بينها وبين العظم ستر رقيق. قوله: (كضَرْبَةِ السَّوْطِ) أي: فإن فيها القصاص وهو المشهور، وقاله في المدونة، وقيل: لا قصاص في ذلك كاللطمة (٧)، ويعسر (٨) الفرق بينهما.

стр. 2925

قوله: (وَجِرَاحِ الجَسَدِ، وإنْ مُنَقِّلَةً بِالمسَاحَةِ إِنِ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ) يريد: أن جراح الجسد من الهاشمة والمنقلة ونحوهما فيها القصاص بالمساحة، فيقاس طول الجرح وقصره (١) بذلك، وهو قول ابن القاسم، وصوبه ابن رشد لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] (٢)، واعتبر أشهب في ذلك نسبة العضو (٣)، وإليه رجع ابن القاسم في الموازية (٤)، فيقتص من الجاني بنسبة ذلك من رأسه إن ربعًا فربعًا، وإن نصفًا فنصفًا إلى غير ذلك، ابن المواز: وبه أقول (٥)، ويشترط في كون القصاص بالمساحة الاتحاد في العضو الواحد، فلهذا لو عظم عضو المجني عليه حتى كان القدر الذي جرح منه يزيد على المماثل له من الجاني؛ فإنه لا يكمل من غيره بلا خلاف. قوله: (كطَبِيبٍ زَادَ عَمْدًا) أي: فإنه يقتص منه بمقدار ما زاد على القدر المطلوب، وقاله غير واحد. قوله: (وَإِلَّا فَالْعَقْلُ) أي: فإن كانت زيادته خطأ وجب العقل وهو الدية أو بعضها، فإن كان دون ثلث الدية ففي ماله، وإلا فعلى عاقلته. قوله: (كَيَدٍ شَلَّاءَ عَدِمَتِ النَّفْعَ بِصَحِيحَةٍ، وَبِالْعَكْسِ) أي: وكذلك يتعين العقل دون القصاص إذا قطع صاحب يد شلاء عدمت النفع يدًا صحيحة والعكس لعدم المماثلة التي هي شرط في قصاص الأطراف ونحوها، واحترز بـ (عَدِمَتِ النَّفْعَ) من التي فيها منفعة فإنها تقطع بالصحيحة، والعكس إذا رضي المجني عليه، قاله ابن شاس، وفي كتاب أسد: ليس له إلا العقل، وكذا ذكر ابن عبدوس، وقال أشهب: إن كانت شلاء شللًا فاحشًا أذهب أكثر منافع يده، وأما في الخفيف فله أن يقتص. ابن شاس: والذكر المقطوع الحشفة والحدقة العمياء ولسان (٦) الأبكم كاليد الشلاء، وإليه أشار

стр. 2926

بقوله: (وَعَيْنِ أَعْمَى، وَلسَانِ أَبكَمَ) أي: كذلك (١). (المتن) وَمَا بَعْدَ الْمُوضِحَةِ: مِنْ مُنَقِّلَةٍ طَارَ فِرَاشُ الْعَظْمِ مِنَ الدَّوَاءِ، وَآمَّةٍ أَفَضْتْ لِلدِّمَاغِ، وَدَامِغَةٍ خَرَقَتْ خَرِيطَتَهُ، كَلَطْمَةٍ، وَشَفْرِ عَينٍ وَحَاجِبٍ، وَلِحْيَةٍ، وَعَمْدُهُ كَالْخَطَإِ إِلَّا فِي الأَدَبِ، وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ الْخَطَرُ فِي غَيْرِهَا كَعَظمِ الصَّدْرِ، وَفِيهَا أَخَافُ فِي رَضِّ الأُنْثَيَيْنِ أَنْ يَتْلَفَ، وَإنْ ذَهَبَ كَبَصَرٍ بِجُرْحٍ اقْتُصَّ مِنْهُ، فَإِنْ حَصَلَ أَوْ زَادَ، وَإِلَّا فَدِيَةُ مَا لَمْ يَذْهَبْ. وَإنْ ذَهَبَ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ، فَإِنِ اسْتُطِيعَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَالْعَقْلُ كَأَنْ شُلَّتْ يَدُهُ بِضَرْبَةٍ، وَإنْ قُطِعَتْ يَدُ قَاطِعٍ بِسَمَاوِي، أوْ سَرِقَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ لِغَيْرِهِ؛ فَلا شَيءَ لِلْمَجْنِي عَلَيهِ، وَإِنْ قَطَعَ أَقْطعُ الْكفّ مِنَ الْمِرْفَقِ، فَلِلْمَجْنِي عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ كَمَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ. وَتُقْطَعُ الْيَدُ النَّاقِصَةُ إِصْبَعًا بِالْكَامِلَةِ بِلا غُرْمٍ، وَخُيِّرَ -إِنْ نَقَصَتْ أَكْثَرَ- فِيهِ وَفِي الدّيَةِ. (الشرح) قوله: (وَمَا بَعْدَ المُوضِحَةِ مِنْ مُنَقِّلَةٍ أَطَارَتْ فِرَاشَ الْعَظْمِ مِنَ الدَّوَاءِ، وَآمَّةٍ أَفْضَتْ للدِّمَاغِ، ودَامِغَةٍ خَرَقَتْ خَرِيطتَهُ) أي: وكذلك لا قصاص في هذه الجراح لعظم خطرها، ويصار فيها إلي العقل، والمراد بالمنقلة هنا التي في الرأس، وأما التي في الجسد ففيها القصاص، ولم يذكر هنا الهاشمة، وهي التي تهشم العظم؛ لأنها لا بد أن تصير منقلة، خلافًا لأشهب، ولهذا قال: إن الواجب فيها القصاص إلا أن تصير منقلة (٢)، والمنقلة بكسر القاف وفتحها، وهي التي يطير معها فراش العظم، قال في الرسالة: ولم تصل إلى الدماغ، فإن وصلت إليه فهي المأمومة (٣)، ولهذا قال هنا: (وَآمَّةٍ أَفْضَتْ للدِّمَاغِ) (٤)، ويقال: آمة ومأمومة، فإن خرطت خريطة الدماغ سميت دامغة بالغين المعجمة، وبعضهم فسر المأمومة بما فسر به هنا الدامغة. ابن عبد السلام: والأظهر أنهما مترادفان أو كالمترادفين (٥)، وما ذكره من نفي

стр. 2927

القصاص في المنقلة هو قول مالك (١)، وبه أخذ ابن القاسم وأشهب (٢)، وروى القاضي عبد الوهاب القصاص فيها (٣). قوله: (كَلَطْمَةٍ) أي: لا قصاص فيها، وهو مذهب المدونة (٤)، والفرق بينهما وبين ضربة السوط عسير، كما تقدم (٥). قوله: (وَشُفْرِ عَيْنٍ، وَحَاجِبٍ، وَلِحْيَةٍ، وَعَمْدُهُ كَالخطَإِ إِلا فِي الأَدَبِ) أي: وكذا لا قصاص في هذه الأشياء الثلاثة، لأنها ليست من الجراح، فلا تدخل في قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ومراده: إذا زال الشعر دون الجلد، واللحم، ومعناه إذا نبت، وأما إن (٦) لم ينبت فيه الشعر ففيه حكومة، ولهذا استوى عمده وخطؤه إلا في الأدب المتعمد (٧)، وقال أصبغ وأشهب فيه وفي إزالة شعر الرأس (٨) القصاص (٩). قوله: (وَإِلَّا أَنْ يَعْظُمَ الْخطَرُ فِي غيرهَا كَعَظْم الصَّدْرِ، وفِيهَا: أَخَافُ فِي رَضِّ الأُنثيَيْنِ أَنْ يَتْلَفَ) هذا معطوف على قوله: (وَإِلَّا فَالْعَقلُ) وإنما كرر أداة الاستثناء خشية توهم عطفه على ما قبله، على أنه لو قال: وكذلك إن عظم الخطر في غيره أو نحوه لكان أحسن، والضمير في (غيرها) عائد على الجراح التي هي المنقلة والمأمومة والدامغة، والضمير المجرور بـ (في) عائد على المدونة، وفاعل (أخاف) إما مالك أو ابن القاسم (١٠)، وقد وقع ذلك في بعض النسخ (١١)، وإنما لم يكن في هذه الأشياء قصاص لأنها من المتالف، فلو فعلنا بالجاني ذلك بأن يكسر عظم صدره كما فعل بالمجني عليه،

стр. 2928

فربما أدى إلى إهلاكه، وهذا هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: يقتص من كل جرح، وإن كان متلفًا إلا ما خصصه الحديث من المأمومة والجائفة. قوله: (وَإِنْ ذَهَبَ كَبَصَرٍ بِجُرْحٍ اقْتُصَّ مِنْهُ، فَإِنْ حَصَلَ أَوْ زَادَ، وَإِلا فَدِيَة مَا لَمْ يَذْهَبْ) أراد بـ (كبصرٍ) السمع والشم والذوق ونحو ذلك، ومراده أن زوال ذلك إذا حصل بسبب جرح من الجراح التي فيها القصاص مع العمد كما لو ضربه مثلًا فأوضحه فذهب بسبب ذلك شيء من هذه الأمور، فإنه يقتص منه مثل (١) الموضحة، فإن ذهب من الجاني مثل ما ذهب من المجني عليه أو زاد فلا كلام، وإن لم يذهب وجب (٢) ذلك المعنى للمجني عليه. قوله: (وَإِنْ ذَهَبَ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ، فَإِنِ اسْتُطِيعَ كَذَلِكَ، وَإلَّا فَالْعَقْلُ) أي: وإن ذهب بصره بأن ضرب شخص غيره ضربة عمدًا أذهب معها بصره والعين قائمة لم تنخسف (٣)، فإن كان يستطاع القود منه على هذه الصورة أقيد، وإلا فالعقل، وقاله في المدونة (٤). قوله: (كَأَنْ شُلَّتْ يَدُهُ بِضَرْبَةٍ) أي: فيفرق فيها بين ما يستطاع القود فيه على ما فعل الجاني وإلا فالعقل، قال في المدونة: ومن ضرب يد رجل أو رجله فشلت فإن كان عمدًا ضرب مثلها قصاصًا، فإن شلت يده وإلا فالعقل في ماله دون العاقلة (٥)، أشهب: وهذا إذا كانت الضربة يجري فيها القود، وأما إن ضربه (٦) في رأسه فشلت يده فلا قود فيه وعليه دية اليد (٧). قوله: (وَإِنْ قُطِعَتْ يَدُ قَاطِعٍ بِسَماوِيٍّ، أوْ سَرِقَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ لِغَيْرِهِ (٨)، فَلا

стр. 2929

شَيْءَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) يريد: أن من قطع يد رجل عمدًا فلم يقتص منه حتى قطع يد القاطع بآفات سماوية أو سرق فقطعت يده (١)، أو جنى على أحد فقَطَعَ يده عمدًا فاقتص منه الثاني، فإن الأول لا شيء له، لأن حقه إنما هو في القصاص، فلما تعذر محله (٢) بطل حقه. قوله: (وَإِنْ قَطَعَ أَقْطَعُ الْكَفِّ مِنَ المرْفَقِ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ كَمَقْطُوعِ الْحشَفَةِ) في كلامه حذف تقديره: فإن قَطَعَ أقطعُ الكفِّ اليمني (٣) يمين رجل من المرفق أو قطع مقطوعُ الحشفة ذكرَ رجلٍ مع حشفته (٤)، فإن المجني عليه يخير بين القصاص وأخذ الدية. قوله: (وَتُقْطَعُ الْيَدُ النَّاقِصَةُ إِصْبَعًا بِالْكَامِلَةِ) يريد: أن من كانت يده ناقصة بأن ذهب منها أصبع بجناية أو غيرها فقطع يدًا كاملة لغيره فإنه يقتص له منه، ولا يزول القصاص عنه بذلك، وقاله في المدونة وغيرها (٥)، واختلف هل يكون للمجني عليه عوض ذلك الأصبع أو لا، والمشهور أنه لا شيء له، ولهذا قال هنا: (بِلَا غُرْمٍ) وقيل: له ذلك، والقولان لمالك (٦). قوله: (وَخُيِّرَ إِنْ نَقَصَتْ أَكْثَرَ فِيهِ وَفِي الدِّيَةِ) أي: وخير المجني عليه إن نقصت يد الجاني أكثر من إصبع في القصاص وفي أخذ الدية من غير قصاص، وقال أشهب وعبد الملك: ليس له إلا العقل (٧)، وفي العتبية ثالث (٨): أن يده تلك تقطع ويكون عليه عقل ما نقص (٩).

стр. 2930

(المتن) وَإِنْ نَقَصَتْ يَدُ الْمَجْنِي عَلَيهِ فَالْقَوَدُ وَلَوْ إبْهَامًا لا أَكْثَرَ، وَلا يَجُوزُ بِكُوعٍ لِذِي مِرْفَقٍ وَإِنْ رَضِيَا. وَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ بِالضعِيفَةِ خِلْقَةً أَوْ كِبَرٍ. وَلِجُدَرِيّ أَوْ لِكَرَمْيَةٍ فَالْقَوَدُ إِنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَبحِسَابِهِ. وَإِنْ فَقَأَ سَالِمٌ عَيْنَ أَعْوَرَ فَلَهُ الْقَوَدَ، أَوْ أَخْذُ الدِّيَةِ كَامِلَةً مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ فَقَأ أَعْوَرُ مِنْ سَالِمٍ مُمَاثِلَتَهُ فَلَهُ الْقِصَاصُ، أَوْ دِيَةُ مَا تَرَكَ، وَغَيْرَهَا فَنِصْفُ دِيَةٍ فَقَطْ فِي مَالِهِ، وَإِنْ فَقَأَ عَيْنَيِ السَّالِمِ فَالْقِصَاصُ وَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ قُلِعَتْ سِنٌّ فَنَبَتَتْ فَالْقَوَدُ، وَفِي الْخَطَأ كَدِيَةِ كَالْخَطَأ. (الشرح) قوله: (وَإِنْ نَقَصَتْ يَدُ الْمَجْني عَلَيْهِ فَالْقَوَدُ، وَلَوْ إِبْهَامًا لَا أَكْثَرَ) فقال في المدونة: من قطع يد (١) رجل عمدًا وقد ذهب منها إصبعان أو ثلاثة بأمر من الله تعالى، أو بجناية، لم يقتص منها ولكن عليه العقل في ماله، فإن ذهب منها إصبع واحدة قطعت يده قصاصًا سواء كانت الإبهام هي المقطوعة أم غيرها (٢)، وقال أشهب: لا قصاص مطلقًا، وقيل: إن كان غير الإبهام اقتص منه وإلا فلا، ابن المواز وغيره: ولا خلاف في نفي القصاص إذا كانت يد المجني عليه ناقصة إصبعين فصاعدًا (٣). قوله: (وَلا يَجُوزُ بِكُوعٍ لِذِي مِرْفَقٍ، وَإِنْ رَضِيَا) يعني: لو قطع شخص يد غيره (٤) من المرفق، ثم اتفقا على قطع يد الجاني من الكوع، لم يجز؛ لأنه على خلاف قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. قوله: (وَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ بِالضَّعِيفَةِ خِلْقَةً أَوْ مِنْ كِبَرٍ) يريد: أن الأجزاء مساوية للكل (٥) في عدم اشتراط التساوي، وكما يقتل الصحيح بالضعيف والشاب بالشيخ فكذلك الحكم في العين، ولو اشترط التساوي في هذا لتعذر القصاص غالبًا؛ إذ لا يوجد شخصان متساويين في قدر الإبصار. قوله: (وَلجُدَرِيٍّ أَوْ لِكَرَمْيَةٍ فَالْقَوَدُ إِنْ تَعَمَّدَ، وّإِلَّا فَبِحِسَابِهِ) أي: إن كان ذلك

стр. 2931

الضعف نشأ عن أمر طرأ على العين من جدري أو رمية أو قرحة (١) ونحو ذلك ففيها القصاص إن أصيبت عمدًا، وإن أصيبت خطأ فليس فيها إلا بحساب ما بقي، وقاله (٢) ابن القاسم في المدونة (٣)، وقيل: لا قصاص فيها، وإنما فيها بحسب ما بقي، وقيد عبد الملك نفي القصاص بما إذا كان النقص فاحشًا، قال: وله القصاص في النقص اليسير (٤). قوله: (وَإِنْ فَقَأَ سَالِمٌ عَيْنَ أَعْوَرَ فَلَهُ الْقَوَدُ، أَوْ أَخْذُ الدِّيَةِ كَامِلَةَ مِنْ مَالِهِ) وقوله: (سَالِمٌ) أي (٥): سالم العينين، وإنما حذفه للدلالة عليه من قوله: (عَيْنَ أَعْوَرَ)، وقوله: (فَلَهُ) أي: للمجني عليه القصاص أو أخذ الدية، وقاله (٦) مالك، وقيل: يجبر على الدية، وقوله: (كَامِلَةً) أي: يأخذ ديتها ألف دينار من مال الجاني، وبهذا قال مالك والخلفاء الأربعة، وغيرهم (٧). قوله: (وَإِنْ فَقَأَ أَعْوَرُ مِنْ سَالمٍ ومماثِلتَهُ فَلَهُ الْقِصَاصُ أَوْ دِيَةُ مَا تَرَكَ) أي: فإن فقأ الأعور من سالم العينين التي تماثل عينه السالمة فإن المجني عليه يخير بين أن يقتص من الأعور العين (٨) الباقية له، وبين أن يتركها ويأخذ ديتها ألف دينار، وإلى هذا رجع مالك بعد أن كان يقول يخير في القصاص أو في أن يأخذ منه (٩) خمسمائة دينار (١٠)، والقولان له في المدونة (١١)، وعنه: ليس له سوى القصاص كغيرها (١٢).

стр. 2932

قوله: (وَغَيْرَهَا فَنِصْفُ دِيَةٍ فَقَطْ فِي مَالِهِ) أي: فإن كان الأعور إنما فقأ من السالم العين التي ليس له مثلها؛ فإنما له (١) عليه نصف الدية خمسمائة دينار ولا قصاص لانعدام مجله، ولا خلاف فيه، وقوله: (في ماله) (٢) أي: في مال الأعور؛ لأنها جناية عمد. قوله: (وَإِنْ فَقَا عَيْنَيِ السَّالِمِ فَالْقِصَاصُ وَنِصْفُ الدِّيَةِ) وهكذا قال (٣) ابن القاسم في المدونة وهو أن (٤) المجني عليه يقتص من الأعور العين المماثلة له ويأخذ للعين الأخرى نصف الدية (٥)، ووافق أشهب على هذا إذا فقأهما معًا دفعة واحدة (٦) أو بدأ بالتي ليس له مثلها، وأما لو بدأ بالتي له مثلها فإن عليه القصاص والدية ألف دينار (٧)؛ لأنه لما فقأ التي له مثلها وجب القصاص وصار أعور فيجب أن يكون في عينه الدية كاملة، انظر الكبير. قوله: (وَإِنْ قُلِعَتْ سِنٌّ فنبتَتْ فَالْقَوَدُ وَفي الخطأِ كَدِيَةِ الخَطأِ) يريد: أن السن إذا قلعها شخص فردت فنبتت؛ فأما في العمد فالقود ولا خلاف فيه، وقال ابن القاسم في الخطأ: له (٨) العقل وليس ثبوتها (٩) بمانع له من ذلك، لأن لها عقلًا مسمي، وذهب أشهب إلى أن ثبوتها يمنع من أخذ العقل كسائر جروح الخطأ غير المقدرة (١٠) (المتن) وَالاِسْتِيفَاءُ لِلْعَاصِب كَالْوَلاءِ، إِلَّا الْجَدَّ وَالإِخْوَةَ فَسِيَّانِ، وَيَحْلِفُ الثُّلُثَ وَهَلْ إِلَّا فِي الْعَمْدِ فَكَأَخٍ؟ تأَوِيلانِ. وَانْتُظِرَ غَائِبٌ لَم تَبْعُدْ غَيبَتُهُ، وَمُغْمًى، وَمُبَرْسَمٌ لا

стр. 2933

مُطْبَقٌ وَصَغِيرٌ لَمْ يَتَوَقَّفِ الثبُوتُ عَلَيْهِ، وَلِلنِّسَاءِ إِنْ وَرِثْنَ وَلَمْ يُسَاوِهِنَّ عَاصِبٌ، وَلِكُلٍّ الْقَتْلُ، وَلا عَفْوَ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِن، كَأَنْ حُزْنَ الْمِيرَاثَ، وَثَبَتَ بِقَسَامَةٍ وَالْوَارِثُ كَمُوَرِّثِهِ، وَلِلصَّغِيرِ إِنْ عُفِا الْكَبيرُ نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ. وَلِوَلِيِّهِ النَّظَرُ فِي الْقَتْلِ وَالدّيَةِ كَامِلَةً، كَقَطْعِ يَدٍ إِلَّا لِعُسْرٍ فَيَجُوزُ بِأقَلَّ، بِخِلافِ قَتْلِهِ فَلِعَاصِبِهِ. (الشرح) قوله: (وَالاسْتِيفَاءُ لِلْعَاصِبِ) أي: استيفاء القصاص في النفس للعاصب، فيخرج الزوج والأخ للأم، ومراده بالعاصب الذكر، وهو ظاهر من كلامه، وأشار بقوله: (كَالْوَلاءِ) إلى أن الاستيفاء إنما يكون للأقرب فالأقرب، ولهذا قال في البيان: إن ترتيبهم بالقيام بالدم كترتيبهم في ميراث الولاء والصلاة على الجنائز، وفي النكاح لا يستثنى (١) من ذلك على مذهب ابن القاسم إلا الجد مع الإخوة فإنه بمنزلتهم في العفو عن الدم والقيام به (٢)، وإليه أشار بقوله: (إِلا الْجدَّ والإِخْوَةَ فَسِيَّانِ). قال في المدونة: فإن كانوا (٣) عشرة إخوة وجدًّا حلف الجد ثلث الأيمان (٤)، وإليه أشار بقوله: (وَيَحْلِفُ الثُّلُث). واختلف هل كلامه في المدونة محمول (٥) على العموم في الخطأ والعمد وإليه ذهب. ابن رشد: أو إنما ذلك في الخطأ، وأما في العمد فتقسم الأيمان على عددهم (٦)، قاله بعض أشياخ (٧) عبد الحق (٨)، وإلى هذا أشار بقوله (٩): (وهَلْ إِلَّا فِي الْعَمْدِ فكَأَخٍ؟ تَأَوِيلانِ)؛ أي: على المدونة. قوله: (وَانْتُظِرَ غَائِبٌ لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ) أي: فإن بعدت غيبته لم ينتظر ولمن (١٠) حضر

стр. 2934

القتل، ولم يقيد الغيبة في المدونة بل قال: ينتظر وأطلق (١)، فقال ابن يونس: إلا في البعيد الغيبة فلمن حضر القتل، ونقله محمد عن ابن القاسم، وفرق سحنون بين بعيد الغيبة وقريبها (٢). قوله: (ومُغْمًى، ومُبَرْسَمٌ) أي: وكذلك ينتظر المغمى عليه والمبرسم (٣) لقصر مدة مرضهما في الغالب. قوله: (لَا مُطْبَقٌ) يعني لا مجنون مطبق؛ أي: فإنه لا ينتظر لأن إفاقته لا تعلم، وفهم من قوله: (مُطْبَقٌ) أنه ينتظر إن لم يكن مطبقًا كما لو كان يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا. قوله: (وَصَغِيرٌ لَمْ يَتَوَقَّفِ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ) يشير به (٤) إلى ما وقع في المدونة: أن المستحق لو لم يكن إلا واحدًا كبيرًا وهذا الصغير، فإن الكبير يحلف نصف الأيمان (٥) خمسًا وعشرين يمينًا، ويستأنى بالصبي حتى يبلغ فيحلف بقية الخمسين، ويستحق الدم، وأما إن كان فيهم اثنان من الكبار فصاعدًا فلهم أن يقسموا ويقتلوا، ولا ينتظر الصغير لعدم ثبوت توقيف القتل على بلوغه (٦)، وحكي عن ابن القاسم (٧) انتظاره، ولم يقيده بما ذكرنا، وقال عبد الملك: ينتظر كالغائب وأطلق، وقال سحنون: إن كان قريبًا من البلوغ انتظر وإلا فلا (٨). قوله: (وَللنِّسَاء إِنْ وَرِثْنَ وَلَمْ يُسَاوِهِنَّ عَاصِبٌ) أي: وكذلك تكون ولاية الاستيفاء أيضًا للنساء بشرطين، الأول: كونهن ممن يرثن احترازًا من العمات وشبههن؛ فإنهن لا يدخلن في ولاية الاستيفاء (٩).

стр. 2935

الثاني: ألا يساويهن عاصب، واحترز به مما إذا كان في درجتهن عاصب كالبنت (١) مع الابن والأخوات مع الأخ؛ إذ لا دخول لهن في عفو، ولا في (٢) قود باتفاق (٣)، وبقي عليه شرط وهو أن يكنَّ ممن لو كان في درجتهن ذكر ورث (٤) بالتعصيب احترازًا (٥) من الإخوة للأم، فإذا توفرت هذه الشروط دخلن النساء على أشهر الروايتين (٦) عن مالك، اللخمي: وهو المعروف، وحكى ابن القصار عن مالك أنهن لا يدخلن جملة. قوله: (وَلكُلٍّ الْقَتْلُ، ولا عَفْوَ إِلا بِاجْتِماعِهِن) يريد: أن النساء مع غير المساوي لهن من العصبة في ولاية الاستيفاء سواء لكل واحد (٧) منهم أن يقوم بالدم ويكون أولى من غيره، ولا يتم العفو إلا باجتماعهم، وقاله في المدونة (٨)، وقال ابن القاسم في العتبية: إن ثبت الدم ببينة فكذلك، وإن ثبت بقسامة فلا حق للنساء في عفو ولا قيام (٩)، ولمالك من رواية ابن الماجشون ومطرف: إن ثبت ببينة فهنَّ (١٠) أولى بالعفو، وإلا فلا عفو إلا باجتماعهم، ومن قام بالدم فهو أولى (١١). وأشار بقوله: (كَأَنْ حُزْنَ الْمِيرَاثَ وَثَبَتَ بِقَسَامَةٍ) إلي أن العصبة غير الوارثين إذا ثبت الدم بقسامة يكون حكمهم مساويًا لحكم النساء اللاتي حزن الميراث في ولاية الاستيفاء كما تقدم، فمن قام بالدم كان أولى من غيره، ولا عفو إلا باجتماعهم، وهو مذهب المدونة، وفي العتبية عن مالك أن العصبة غير الوارثين (١٢) أحق بالقيام

стр. 2936

والعفو (١)، واحترز بقوله: (وَثَبَتَ بِقَسَامَةٍ) مما إذا ثبت ببينة، فإن العصبة غير الوارثين (٢) لا حق لهم، ولا خلاف فيه. قوله: (وَالْوَارِثُ كَمُوَرِّثهِ) يريد: أن من مات (٣)، وله حق في ولاية الاستيفاء، فإن وارثه يقوم مقامه، فإن كان أحق من (٤) غيره في العفو والقتل فوارثه كذلك، وإن لم يكن له حق في العفو كالبنت مع الابن فوارثها مثلها لا حق له إلا في المال إن عفا الابن، بخلاف ما لو كانت أخت (٥) مع بنت، فإنها تكون مساوية لها في القصاص والعفو وورثتها كذلك. قوله: (وَللصَّغِير -إِنْ عَفَا الْكَبِيرُ- نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ) أي: دية عمد (٦). يريد: أن الكبير من المستحقين الدم (٧) إذا عفا عن القاتل، ومعه صبي (٨) صغير؛ فإنه يكون له نصيبه من الدية؛ أي (٩): دية عمد، حتى إنهم لو صالحوا على دية الخطأ أو أقل منها لم يلزم ذلك الصغير. قوله: (وَلوَليَّهِ النَّظَرُ في الْقَتْلِ، أَوِ الدِّيَةِ كَامِلَةً) أي: فإن لم يكن مع الصغير كبير، فإن وليه ينظر في القتل وأخذ الدية كاملة فأيهما شاء فعل، وليس له أن يصالح بأقل عند ابن القاسم إن كان القاتل مليًّا (١٠)، وإليه أشار بقوله: (إِلَّا لِعُسْرٍ فيجُوزُ بِأَقَل)، وقال أشهب: يجوز وإن كان ملئًا. وقيده ابن رشد بما إذا لم يتهم فيه بمحاباة لقاتله (١١).

стр. 2937

وأشار بقوله: (كَقَطْعِ يَدٍ إِلَّا لِعُسْرٍ) إلي أن (١) الولي كما يجوز له النظر فيما ورثه الصغير من دم وغيره، فكذلك يجوز له أن ينظر في الجناية الكائنة في بدنه ما دام حيًّا، أما لو قتل الصغير فإن الحق ينتقل لوارثه (٢) دون الوصي لأنه انعزل بموته (٣)، وإليه أشار بقوله: (بِخِلافِ قَتْلِهِ فَلِعَاصِبِهِ)، وإنما قال: (لعاصبه) (٤)، ولم يقل لوارثه تنبيهًا على أن القتل لا يقوم به في ولاية الاستيفاء إلا العاصب (٥)، وأن الزوجة لا مدخل لها في ذلك، وحكم النساء هنا حكمهن (٦) فيما تقدم. (المتن) وَالأَحَبُّ أَخْذُ الْمَالِ فِي عَبْدِهِ وَيَقْتَصُّ مَنْ يَعْرِفُ الْقِصَاصَ. بأَجُر على الْمُسْتَحِقّ، وَلِلْحَاكِمِ رَدُّ الْقَتْلِ فَقَطْ لِلْوَلِيّ، وَنُهِيَ عَنِ الْعَبَثِ. وَأُخِّرَ لِحَرٍّ وَبَرْدٍ كَالْبُرْءِ، كَدِيَةِ خَطَأٍ وَلَوْ كَجَائِفَةٍ. وَالْحَامِلُ، وَإِنْ بِجُرْحٍ مَخُوفٍ لا بِدَعْوَاهَا وَحُبِسَتْ، كَالْحَدِّ، وَالْمُرْضِعُ لِوُجُودِ مُرْضِعٍ، وَالْمُوَالاةُ فِي الأَطْرَافِ كَحَدَّيْنِ لِلهِ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمَا، وَبُدِئَ بِأشَدِّهما لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ، لا بِدُخُولِ الْحَرَمِ. وَسَقَطَ إِنْ عَفَا رَجُلٌ كَالْبَاقِي، وَالْبِنْتُ أَوْلَى مِنَ الأُخْتِ فِي عَفْوٍ وَضِدِّهِ. وَإِنَّ عَفَتْ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتٍ نَظَرَ الْحَاكِمُ وَفِي رِجَالٍ وَنِسَاءٍ لَمْ يَسْقُطْ إِلّا بِهِمَا، أَوْ بِبَعْضِهِمَا، وَمَهْمَا أَسْقَطَ الْبَعْضُ، فَلِمَنْ بَقِيَ نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ عَمْدًا، كَإِرْثِهِ، وَلَوْ قِسْطًا مِنْ نَفْسِهِ وَإِرْثُهُ كَالْمَالِ، وَجَازَ صُلْحُهُ فِي عَمْدٍ بِأَقَل أَوْ أكثَرَ. وَالْخَطَإِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ. (الشرح) وقوله: (وَالأَحَبُّ أَخْذُ الْمَالِ في عَبْدِهِ) هكذا وقع لفظ أحب في كلام ابن القاسم في المدونة (٧)، والمعنى أن الصغير إذا قتل له عبد فالأولى لوليه أن يأخذ له (٨) القيمة ممن

стр. 2938

قتله، ولا يقتص له منه إن كان قُتل عمدًا و (١) القاتل عبدًا، إذ لا نفع له في القصاص. قوله: (وَيَقْتَصُّ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ الْقِصَاصَ) إذ ليس كل أحد يعرف ذلك، ابن عبد السلام: ويكون من أهل العدالة (٢). قوله: (بِأَجْرٍ على الْمُسْتَحِقّ) أي: من المستحِقِّ وهذا هو المشهور، إذ الواجب على الجاني (٣) التمكين وقد فعل والقطع أمر زائد، وحكى ابن شعبان قولًا بأن الأجرة على الجاني؛ لأن الواجب في حقه التسليم (٤). قوله: (وَللْحَاكِمِ رَدُّ الْقَتْلِ فَقَطْ لِلْوَليِّ، وَنَهَى عَنِ الْعَبَثِ) المشهور -كما قال- أن للحاكم أن يفوض للولي القتل (٥) بأن يدفع القاتل له، ويقتص منه (٦) لنفسه، "وقد فعل ﵊"، وقال أشهب: ليس له ذلك. وعلى الأول يُنْهَي الولي عن العبث في قتل الجاني والتشويه في صفة قتله (٧) والتمثيل به (٨)، فإن تولاه من غير إذن الإمام أدب كما تقدم. قوله: (وَأخِّرَ لِحَرٍّ وَبَرْدٍ) يريد: المفرطين؛ أي: فيما دون النفس خشية أن يهلك، وقد نص مالك في السرقة على التأخير في البرد الشديد، وقال ابن القاسم: إن كان الحر مما يعلم خوفه كالبرد، فأراه مثله (٩)، وقال في كتاب الرجم: والحرُّ عندي بمنزلة البرد (١٠) وظاهر الموازية عدم التأخير في الحرِّ (١١).

стр. 2939

قوله: (كَالْبُرْءِ) أي: أن التأخير يكون أمده ممتدًّا إلى البرء وظاهره ولو زاد التأخير على السنة وهو مذهب المدونة (١)، وقال أشهب: لا يؤخر بعد السنة (٢)، عياض: يريد: في الخطأ (٣)، ويُعقل الجرح بحاله عند تمام السنة (٤)، وطالب بما زاد بعدها، وظاهر كلامه هنا أنه إذا برئ قبل السنة لا يؤخر إلى تمامها، ويقتص منه، وهو قول الأكثر، وقال ابن شاس: لا بد من سنة لتتم عليه الفصول الأربعة خوفًا أن ينتقص (٥). قوله: (كَدِيَةِ خَطَأٍ) يريد: أن دية جرح الخطأ تؤخر إلى مثل ما يؤخر إليه في العمد إلى (٦) البرء؛ إذ قد يؤول الأمر فيه إلى النفس أو إلى ما تحمله العاقلة، فإن برئ على غير شين فلا عقل فيه (٧)، ولا أدب؛ إذ لم يتعمد، وإن برئ على شين فحكومة، ومثل هذا ما لا يستطاع القوَدُ فيه إذا كان عمدًا ككسر عظام الصدر والصلب والعنق، فإن برئ على شين فحكومة (٨) فإن كان فيه شيء (٩) مقدر كالجائفة والمأمومة أخر أيضًا عقله عند ابن القاسم (١٠)، وإليه أشار بقوله: (كَجَائِفَةٍ) وقال أشهب: لا تؤخر (١١). قوله: (وَالحْامِلُ) أي: وكذلك تؤخر (١٢) الحامل إذا قتلت شخصًا بقدر (١٣) الحمل عند ظهور حملها (١٤) لا بدعواها، قال في المدونة: وينظرها النساء

стр. 2940

فإن صدقنها (١) لم يعجل عليها (٢)، محمد: وكذلك تؤخر في القصاص. أبو محمد: يريد في الجراحة المخوفة (٣)، وهو تقييد المذهب، وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ بِجُرْحٍ مَخُوفٍ (٤) لَا بِدَعْوَاهَا). قوله: (وَحُبِسَتْ كَالْحَدِّ) يريد: أَنَّا إذا أخَّرناها لأجل حملها فلا بد من حبسها كما في الحدود الواجبة عليها، وليس في ذلك كفالة. قوله: (وَالْمُرضِعُ لِوُجُودِ مُرْضِعٍ) يريد: وكذلك تؤخر المرضع حتى يوجد للرضيع من يرضعه؛ لئلا يؤدي قتلها إلى إهلاكه، وقد جاء هذا في "حديث العامرية" (٥). قوله: (وَالْمُوَالاةُ فِي الأَطْرَافِ) أي: وكذلك تؤخر الموالاة (٦)، يريد: إذا اجتمع على الجاني قطع في طرفين فأكثر وخيف عليه من قطعهما في فور واحد الهلاك، فإنها تفرق عليه (٧). بعض الأشياخ: فإن اجتمع عليه حدان لله تعالى أو لآدمي أو أحدهما لله تعالى والآخر للآدمي، وكان فيه محل (٨) لهما أقيما عليه وإن كان فيه محل (٩) لأحدهما فقط (١٠) بدئ بأشدهما (١١) كالحد للزنا وشرب الخمر؛ فيحد للزنا (١٢)، وإلى هذا أشار بقوله: (كَحَدَّيْنِ للهِ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِما، وَبُدِئَ بِأَشَدِّهما). قوله: (لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ) أي: فإن خيف عليه من الأشد بدئ بالأخف، انظر الكبير. قوله: (لَا بِدُخُولِ الحْرَمِ) أي: فإن الجاني لا يؤخر بدخوله إياه، وسواء كانت

стр. 2941

جنايته قتلًا أو جرحًا، قال في العتبية: والحرم أحق أن تقام فيه حدود الله تعالى (١). قوله: (وَسَقَطَ إِنْ عَفَا رَجُلٌ كَالْبَاقِي) أي: إذا تعدد المستحق للدم فعفا منهم رجل فلا قيام للباقين بالدم كعفو جميعهم، فظاهره كانوا كلهم أولادًا أو إخوة أو أعمامًا، أو موالي، ولا خلاف فيه بالنسبة إلى الأولاد والإخوة، واختلف في الأعمام وغيرهم، فقال مالك وابن القاسم: يسقط القَوَدُ أيضًا، وعن مالك (٢) أيضًا: لا يسقط، ولمن بقي القتل (٣)، وحكى ابن رشد في عفو أحد الأولياء إذا ثبت الدم ببينة أو بقسامة ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث وهو مذهب المدونة بين أن يكون قد عفا فيكون لمن بقي حظه من الدية، أو أكذب نفسه فلا شيء لمن بقي، ويردون ذلك إن قبضوه (٤). قوله: (وَالْبِنْتُ أَوْلى مِنَ الأُخْتِ فِي عَفْوٍ، وَضِدِّهِ) أي: فإن كان المستحق للدم بنتًا أو أختًا، فإن البنت أولى من الأخت في العفو والقصاص، وقاله في المدونة، وهذا إذا مات مكانه (٥). قوله: (وَإِنْ عَفَتْ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتِ نَظَرَ الحْاكِمُ) أي: قال في المدونة بالاجتهاد إذا كان عدلًا، قال: فإن رأى العفو أو القتل أمضاه (٦)، قيل: لأبي عمران: فإن لم يكن الحاكم عدلًا؛ فقال: الذي تبين لي أنه لا سبيل إلى القتل إلا أن يكون البلد فيه جماعة عدول يجتمعون وينظرون، فإن رأوا القتل قتلوا وينوبون مناب الحاكم (٧). قوله: (وفي رِجَالٍ ونسَاءٍ لَمْ يَسْقُطْ إِلَّا بِهِمَا، أَوْ بِبَعْضِهِما (٨)) أي: فإن كان المستحقون ذكورًا وإناثًا لم يسقط القود إلا بالفريقين، وهذا إنما يتصور إذا كانت النساء أعلى درجة من الرجال؛ إذ لا كلام لهن مع الذكر المساوي كما تقدم، ومراده (بِبَعْضِهِمَا) أي: ببعض

стр. 2942

الذكور وبعض النساء (١)، بأن يكون عفا من كل صنف بعضه، وأحرى إذا عفا مجموع فريق مع بعض الفريق الآخر، وفهم من كلامه أنه لو عفا أحد الصنفين وأراد النصف الآخر القتل أن الدم لا يسقط وهو مذهب المدونة (٢)، وهذا إذا ثبت الدم بقسامة، وعن مالك: القول للعصبة في القتل والعفو، وعنه أيضًا: أن القول لمن أراد العفو فيهما (٣). قوله: (وَمَهْمَا أَسْقَطَ الْبَعْضُ، فَلِمَنْ بَقِيَ نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَّةِ عَمْدًا) أي: ومهما اسقط بعض من له العفو والقود وجب للباقي نصيبهم من دية العمد؛ لأن القتل كان عمدًا، يريد (٤): وكذلك لو عفا بعضهم أو كلهم على الدية فإنه تجب لهم دية العمد (٥)، وبه قضى عمر ﵁ (٦). قوله: (كَإِرْثِهِ) أي: كإرث القصاص وهو راجع لقوله: (وَسَقَطَ إِنْ عَفَا) (٧) يريد: أن الدية تقسم على فرائض الله لمستحقها، ونبه على هذا خشية أن يتوهم أنها على التساوي ونحو ذلك. قوله: (وَلَوْ قِسْطًا مِنْ نَفْسِهِ) يريد: أن الجاني إذا ورث شيئًا من دمه فإن القود يسقط، ولمن بقي نصيبه من الدية، وقاله ابن شاس، ومثل ذلك بأمور منها: أن يقتل أحد الأولاد (٨) أباه فيثبت القصاص عليه لجميع الإخوة، ثم يموت أحد الإخوة فيسقط القصاص عن القاتل؛ لأنه ورث حظه، فهو كالعفو، ولبقية الإخوة عليه حظهم (٩) من الدية، ومنها أن يقتل أحد الابنين أباه والآخر أمه فلكل منهما أن يقتل الآخر، فإن بادر أحدهما فقتل الآخر فقد استوفى حقه، وكان لورثة المقتول أن يقتلوا

стр. 2943

القاتل، فإن تنازعا من يبدأ منهما اجتهد السلطان وفعل في ذلك حسبما يرى، وإن عفا كل واحد عن صاحبه جاز، ووجب لأحدهما دية أبيه وللآخر دية أمه (١)، ومنها: أربعة إخوة قتل (٢) الثاني الكبير، والثالث الصغير، فوجب القصاص على قاتل الصغير؛ لأن الثاني لما قتل الكبير ثبت القصاص عليه للثالث والصغير، فلما قتل الثالث الصغير وورثه الثاني وحده فورث ما كان له عليه من القصاص فسقط، وسقطت حصة الشريك إلى نصف الدية، وكان له قتل الثالث بالصغير، فإن عفا كان له الدية يقاصه بنصفها (٣). قوله: (وَإِرْثُهُ كَالْمَالِ) أي: وإرث القصاص على نحو ميراث (٤) المال، فيدخل الذكور والإناث مع استواء الدرجة، وكذلك الزوجة (٥)، وهو قول ابن القاسم في المدونة (٦)، وقال غيره: إنما ذلك نحو استيفاء الدم، فلا يدخل الإناث إلا إذا كن أعلى درجة (٧) من الذكور. قوله: (وَجَازَ صُلْحُهُ فِي عَمْدٍ بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ) أي: وجاز صلح الجاني في العمد على مال أكثر من الدية أو أقل؛ يريد: إلى أي أجل شاء، ونص أشهب على جوازه بذهب أو ورق أو عرض مثل الدية أو أكثر منها مؤجلًا (٨) أو نقدًا (٩). قوله: (وَالْخَطَإِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ) أي: والصلح في الخطأ حكمه حكم ثمن (١٠) بيع الدين؛ لأن الواجب في الخطأ مال، فإذا وقع بمال مؤخر فهو كبيع الدين بالدين،

стр. 2944

وهو ظاهر إذا صالح الجاني؛ لأنه وقع بين ديتين (١)، وأما إذا صالحت العاقلة فهو فسخ دين في دين (٢). (المتن) وَلَا يَمْضِي عَلَى عَاقِلَتِهِ كَعَكْسِهِ، فَإِنْ عَفَا فَوَصِيَّةٌ. وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ، وَإِنْ بَعْدَ سَبَبِهَا، أَوْ بثُلُثِهِ، أَوْ بِشَيءٍ إِذَا عَاشَ بَعْدَهَا مَا يُمْكِنُهُ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يُغَيِّرْ، بِخِلَافِ الْعَمْدِ إِلَّا أَنْ يُنْفِذَ مَقْتَلَهُ، وَيَقْبَلَ وَارِثُهُ الدِّيَةَ وَعَلِمَ وَإِنْ عَفَا عَنْ جُرْحِهِ أَوْ صَالَحَ فَمَاتَ فَلِأَوْلِيَائِهِ الْقَسَامَةُ وَالْقَتْلُ، وَرَجَعَ الْجَانِي فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ. وَلِلْقَاتِلِ الاِسْتِحْلَافُ عَلَى الْعَفْوِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَاحِدَةً وَبَرِئَ. وَتُلُوِّمَ لَهُ فِي بَيِّنَتِهِ الْغَائِبَةِ. وَقُتِلَ بِمَا قَتَلَ، وَلَوْ نَارًا، إِلَّا بِخَمْرٍ، وَلِوَاطٍ، وَسِحْرٍ، وَمَا يَطُولُ وَهَلْ وَالسَّمُّ؟ أَوْ يُجْتَهَدُ فِي قَدْرهِ؟ تَأْوِيلَانِ. فَيُغَرَّقُ، وَيُخْنَقُ، وَيُحَجَّرُ، وَضُرِبَ بِالْعَصَا لِلْمَوْتِ، كَذِي عَصَوَيْنِ. وَمُكِّنَ مُسْتَحِقٌّ مِنَ السَّيْفِ مُطْلَقًا، وَانْدَرَجَ طَرَفٌ إِنْ تَعَمَّدَهُ؛ وَإِنْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَقْصِدْ مُثْلَتَهُ كَالأَصَابعِ فِي الْيَدِ. (الشرح) قوله: (وَلَا يَمْضِي عَلَى عَاقِلِته كَعَكْسِهِ) أي: ولا يمضي (٣) صلح الجاني على العاقلة؛ يريد: لأن العاقلة تدفع الدية (٤) من أموالها ولا يرجعون بها عليه فلا يلزمه صلحه عليهم، كما لا يلزم الأجنبي ما صالح عليه غيره، وكذلك لا يلزم الجاني صلح العاقلة عنه إذا تعلقت الجناية بماله (٥)، وهو مراده بعكسه. قوله: (فَإِنْ عَفَا فَوَصِيَّةٌ) أي: فإن عفا المجني عليه في الخطأ فهي وصية معتبرة من الثلث، وإن خرجت منه صحت، وإن زادت على الثلث وقف الزائد على إجازة الوارث. قوله: (وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ، وإِنْ بَعْدَ سَبَبِهَا) أي: فإن أوصى المجني عليه بوصايا فإنها تدخل في ثلث الدية، ولو كانت تلك الوصايا بعد سبب الدية وهو الجرح أو إنفاذ

стр. 2945

المقاتل وأحرى إذا كانت الوصية قبل ذلك، ولهذا حَسُنَ منه لفظ المبالغة، وأشار بقوله: (أَوْ بِثُلُثِهِ، أَوْ بِشَيْءٍ) إلى أنه يدخل في ثلث الدية أيضًا من أوصى له بثلث ماله، وكذلك يدخل في ثلثها من أوصى له بشيء بعينه كحانوته أو داره أو دابته ونحو ذلك. قوله: (إِذَا عَاشَ بَعْدَهَا مَا يُمْكِنُهُ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يُغَيِّرْ) وهو شرط فيما يوصي به قبل طريان سببها، و (مَا) من قوله: (مَا يُمْكِنُهُ) مصدرية؛ أي: إذا عاش مدة يكون فيها ثابت الذهن يمكنه تغيير الوصية فلم يغيرها، فإن لم يكن في تلك المدة ثابت الذهن بل عجز بمجرد الضرب أو الجرح (١)؛ فإن الوصايا لا تدخل (٢) فيها. قوله: (بِخِلافِ الْعَمْدِ) أي: فلا مدخل للوصية فيه؛ إذ ليس بمال الميت، وإنما هو إذا قبلت الدية بعد موته مال طارئ (٣) لورثته بعد الموت. قوله: (إِلَّا أَنْ يُنْفِذَ مَقْتَلَهُ، وَيَقْبَلَ وَارِثُهُ الدِّيَّةَ وَعَلِمَ) لما ذكر أن الوصية لا مدخل لها في العمد نبه على أن هذه المسألة ليست من ذلك، وأن الموصى له يدخل فيها، وذلك إذا أنفذ له مقتلًا من مقاتله، وبقي حيًّا يتكلم فيقبل أولاده الدية، وعلم بها، فيوصي فيها؛ لأنه مال علم به قبل خروج روحه، ونقله ابن المواز (٤). قوله: (وَإِنْ عَفَا عَنْ جُرْحِهِ أَوْ صَالَحَ، فَمَاتَ، فَلأَوْلِيَائِهِ الْقَسَامَةُ والْقَتْلُ، ورَجَعَ الْجَانِي فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ) أي: وإن عفا المجني عليه عن جرحه أو صالح الجاني بمال أخذه منه ثم ترامى جرحه فمات؛ فإن أولياءه يخيرون في إمضاء العفو والصلح وفي نقض ذلك، ويرجعون إلى حقهم في النفس في العمد والدية في الخطأ بقسامة، فإذا نقضوا ذلك رجع الجاني فيما أخذ منه وليهم، وقال أشهب: إلا أن يقول: عفوت عن الجرح وعن ما ترامى إليه، فيكون عفوًا عن النفس (٥). قوله: (وَلِلْقَاتِلِ الاسْتِحْلَافُ عَلَى الْعَفْوِ) أي: إذا ادعى أن ولي الدم عفا عنه وأنكر
следующие страницы →