← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

جنايته قتلًا أو جرحًا، قال في العتبية: والحرم أحق أن تقام فيه حدود الله تعالى (١). قوله: (وَسَقَطَ إِنْ عَفَا رَجُلٌ كَالْبَاقِي) أي: إذا تعدد المستحق للدم فعفا منهم رجل فلا قيام للباقين بالدم كعفو جميعهم، فظاهره كانوا كلهم أولادًا أو إخوة أو أعمامًا، أو موالي، ولا خلاف فيه بالنسبة إلى الأولاد والإخوة، واختلف في الأعمام وغيرهم، فقال مالك وابن القاسم: يسقط القَوَدُ أيضًا، وعن مالك (٢) أيضًا: لا يسقط، ولمن بقي القتل (٣)، وحكى ابن رشد في عفو أحد الأولياء إذا ثبت الدم ببينة أو بقسامة ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث وهو مذهب المدونة بين أن يكون قد عفا فيكون لمن بقي حظه من الدية، أو أكذب نفسه فلا شيء لمن بقي، ويردون ذلك إن قبضوه (٤). قوله: (وَالْبِنْتُ أَوْلى مِنَ الأُخْتِ فِي عَفْوٍ، وَضِدِّهِ) أي: فإن كان المستحق للدم بنتًا أو أختًا، فإن البنت أولى من الأخت في العفو والقصاص، وقاله في المدونة، وهذا إذا مات مكانه (٥). قوله: (وَإِنْ عَفَتْ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتِ نَظَرَ الحْاكِمُ) أي: قال في المدونة بالاجتهاد إذا كان عدلًا، قال: فإن رأى العفو أو القتل أمضاه (٦)، قيل: لأبي عمران: فإن لم يكن الحاكم عدلًا؛ فقال: الذي تبين لي أنه لا سبيل إلى القتل إلا أن يكون البلد فيه جماعة عدول يجتمعون وينظرون، فإن رأوا القتل قتلوا وينوبون مناب الحاكم (٧). قوله: (وفي رِجَالٍ ونسَاءٍ لَمْ يَسْقُطْ إِلَّا بِهِمَا، أَوْ بِبَعْضِهِما (٨)) أي: فإن كان المستحقون ذكورًا وإناثًا لم يسقط القود إلا بالفريقين، وهذا إنما يتصور إذا كانت النساء أعلى درجة من الرجال؛ إذ لا كلام لهن مع الذكر المساوي كما تقدم، ومراده (بِبَعْضِهِمَا) أي: ببعض

стр. 2942

الذكور وبعض النساء (١)، بأن يكون عفا من كل صنف بعضه، وأحرى إذا عفا مجموع فريق مع بعض الفريق الآخر، وفهم من كلامه أنه لو عفا أحد الصنفين وأراد النصف الآخر القتل أن الدم لا يسقط وهو مذهب المدونة (٢)، وهذا إذا ثبت الدم بقسامة، وعن مالك: القول للعصبة في القتل والعفو، وعنه أيضًا: أن القول لمن أراد العفو فيهما (٣). قوله: (وَمَهْمَا أَسْقَطَ الْبَعْضُ، فَلِمَنْ بَقِيَ نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَّةِ عَمْدًا) أي: ومهما اسقط بعض من له العفو والقود وجب للباقي نصيبهم من دية العمد؛ لأن القتل كان عمدًا، يريد (٤): وكذلك لو عفا بعضهم أو كلهم على الدية فإنه تجب لهم دية العمد (٥)، وبه قضى عمر ﵁ (٦). قوله: (كَإِرْثِهِ) أي: كإرث القصاص وهو راجع لقوله: (وَسَقَطَ إِنْ عَفَا) (٧) يريد: أن الدية تقسم على فرائض الله لمستحقها، ونبه على هذا خشية أن يتوهم أنها على التساوي ونحو ذلك. قوله: (وَلَوْ قِسْطًا مِنْ نَفْسِهِ) يريد: أن الجاني إذا ورث شيئًا من دمه فإن القود يسقط، ولمن بقي نصيبه من الدية، وقاله ابن شاس، ومثل ذلك بأمور منها: أن يقتل أحد الأولاد (٨) أباه فيثبت القصاص عليه لجميع الإخوة، ثم يموت أحد الإخوة فيسقط القصاص عن القاتل؛ لأنه ورث حظه، فهو كالعفو، ولبقية الإخوة عليه حظهم (٩) من الدية، ومنها أن يقتل أحد الابنين أباه والآخر أمه فلكل منهما أن يقتل الآخر، فإن بادر أحدهما فقتل الآخر فقد استوفى حقه، وكان لورثة المقتول أن يقتلوا

стр. 2943

القاتل، فإن تنازعا من يبدأ منهما اجتهد السلطان وفعل في ذلك حسبما يرى، وإن عفا كل واحد عن صاحبه جاز، ووجب لأحدهما دية أبيه وللآخر دية أمه (١)، ومنها: أربعة إخوة قتل (٢) الثاني الكبير، والثالث الصغير، فوجب القصاص على قاتل الصغير؛ لأن الثاني لما قتل الكبير ثبت القصاص عليه للثالث والصغير، فلما قتل الثالث الصغير وورثه الثاني وحده فورث ما كان له عليه من القصاص فسقط، وسقطت حصة الشريك إلى نصف الدية، وكان له قتل الثالث بالصغير، فإن عفا كان له الدية يقاصه بنصفها (٣). قوله: (وَإِرْثُهُ كَالْمَالِ) أي: وإرث القصاص على نحو ميراث (٤) المال، فيدخل الذكور والإناث مع استواء الدرجة، وكذلك الزوجة (٥)، وهو قول ابن القاسم في المدونة (٦)، وقال غيره: إنما ذلك نحو استيفاء الدم، فلا يدخل الإناث إلا إذا كن أعلى درجة (٧) من الذكور. قوله: (وَجَازَ صُلْحُهُ فِي عَمْدٍ بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ) أي: وجاز صلح الجاني في العمد على مال أكثر من الدية أو أقل؛ يريد: إلى أي أجل شاء، ونص أشهب على جوازه بذهب أو ورق أو عرض مثل الدية أو أكثر منها مؤجلًا (٨) أو نقدًا (٩). قوله: (وَالْخَطَإِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ) أي: والصلح في الخطأ حكمه حكم ثمن (١٠) بيع الدين؛ لأن الواجب في الخطأ مال، فإذا وقع بمال مؤخر فهو كبيع الدين بالدين،

стр. 2944

وهو ظاهر إذا صالح الجاني؛ لأنه وقع بين ديتين (١)، وأما إذا صالحت العاقلة فهو فسخ دين في دين (٢). (المتن) وَلَا يَمْضِي عَلَى عَاقِلَتِهِ كَعَكْسِهِ، فَإِنْ عَفَا فَوَصِيَّةٌ. وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ، وَإِنْ بَعْدَ سَبَبِهَا، أَوْ بثُلُثِهِ، أَوْ بِشَيءٍ إِذَا عَاشَ بَعْدَهَا مَا يُمْكِنُهُ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يُغَيِّرْ، بِخِلَافِ الْعَمْدِ إِلَّا أَنْ يُنْفِذَ مَقْتَلَهُ، وَيَقْبَلَ وَارِثُهُ الدِّيَةَ وَعَلِمَ وَإِنْ عَفَا عَنْ جُرْحِهِ أَوْ صَالَحَ فَمَاتَ فَلِأَوْلِيَائِهِ الْقَسَامَةُ وَالْقَتْلُ، وَرَجَعَ الْجَانِي فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ. وَلِلْقَاتِلِ الاِسْتِحْلَافُ عَلَى الْعَفْوِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَاحِدَةً وَبَرِئَ. وَتُلُوِّمَ لَهُ فِي بَيِّنَتِهِ الْغَائِبَةِ. وَقُتِلَ بِمَا قَتَلَ، وَلَوْ نَارًا، إِلَّا بِخَمْرٍ، وَلِوَاطٍ، وَسِحْرٍ، وَمَا يَطُولُ وَهَلْ وَالسَّمُّ؟ أَوْ يُجْتَهَدُ فِي قَدْرهِ؟ تَأْوِيلَانِ. فَيُغَرَّقُ، وَيُخْنَقُ، وَيُحَجَّرُ، وَضُرِبَ بِالْعَصَا لِلْمَوْتِ، كَذِي عَصَوَيْنِ. وَمُكِّنَ مُسْتَحِقٌّ مِنَ السَّيْفِ مُطْلَقًا، وَانْدَرَجَ طَرَفٌ إِنْ تَعَمَّدَهُ؛ وَإِنْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَقْصِدْ مُثْلَتَهُ كَالأَصَابعِ فِي الْيَدِ. (الشرح) قوله: (وَلَا يَمْضِي عَلَى عَاقِلِته كَعَكْسِهِ) أي: ولا يمضي (٣) صلح الجاني على العاقلة؛ يريد: لأن العاقلة تدفع الدية (٤) من أموالها ولا يرجعون بها عليه فلا يلزمه صلحه عليهم، كما لا يلزم الأجنبي ما صالح عليه غيره، وكذلك لا يلزم الجاني صلح العاقلة عنه إذا تعلقت الجناية بماله (٥)، وهو مراده بعكسه. قوله: (فَإِنْ عَفَا فَوَصِيَّةٌ) أي: فإن عفا المجني عليه في الخطأ فهي وصية معتبرة من الثلث، وإن خرجت منه صحت، وإن زادت على الثلث وقف الزائد على إجازة الوارث. قوله: (وَتَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيهِ، وإِنْ بَعْدَ سَبَبِهَا) أي: فإن أوصى المجني عليه بوصايا فإنها تدخل في ثلث الدية، ولو كانت تلك الوصايا بعد سبب الدية وهو الجرح أو إنفاذ

стр. 2945

المقاتل وأحرى إذا كانت الوصية قبل ذلك، ولهذا حَسُنَ منه لفظ المبالغة، وأشار بقوله: (أَوْ بِثُلُثِهِ، أَوْ بِشَيْءٍ) إلى أنه يدخل في ثلث الدية أيضًا من أوصى له بثلث ماله، وكذلك يدخل في ثلثها من أوصى له بشيء بعينه كحانوته أو داره أو دابته ونحو ذلك. قوله: (إِذَا عَاشَ بَعْدَهَا مَا يُمْكِنُهُ التَّغْيِيرُ فَلَمْ يُغَيِّرْ) وهو شرط فيما يوصي به قبل طريان سببها، و (مَا) من قوله: (مَا يُمْكِنُهُ) مصدرية؛ أي: إذا عاش مدة يكون فيها ثابت الذهن يمكنه تغيير الوصية فلم يغيرها، فإن لم يكن في تلك المدة ثابت الذهن بل عجز بمجرد الضرب أو الجرح (١)؛ فإن الوصايا لا تدخل (٢) فيها. قوله: (بِخِلافِ الْعَمْدِ) أي: فلا مدخل للوصية فيه؛ إذ ليس بمال الميت، وإنما هو إذا قبلت الدية بعد موته مال طارئ (٣) لورثته بعد الموت. قوله: (إِلَّا أَنْ يُنْفِذَ مَقْتَلَهُ، وَيَقْبَلَ وَارِثُهُ الدِّيَّةَ وَعَلِمَ) لما ذكر أن الوصية لا مدخل لها في العمد نبه على أن هذه المسألة ليست من ذلك، وأن الموصى له يدخل فيها، وذلك إذا أنفذ له مقتلًا من مقاتله، وبقي حيًّا يتكلم فيقبل أولاده الدية، وعلم بها، فيوصي فيها؛ لأنه مال علم به قبل خروج روحه، ونقله ابن المواز (٤). قوله: (وَإِنْ عَفَا عَنْ جُرْحِهِ أَوْ صَالَحَ، فَمَاتَ، فَلأَوْلِيَائِهِ الْقَسَامَةُ والْقَتْلُ، ورَجَعَ الْجَانِي فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ) أي: وإن عفا المجني عليه عن جرحه أو صالح الجاني بمال أخذه منه ثم ترامى جرحه فمات؛ فإن أولياءه يخيرون في إمضاء العفو والصلح وفي نقض ذلك، ويرجعون إلى حقهم في النفس في العمد والدية في الخطأ بقسامة، فإذا نقضوا ذلك رجع الجاني فيما أخذ منه وليهم، وقال أشهب: إلا أن يقول: عفوت عن الجرح وعن ما ترامى إليه، فيكون عفوًا عن النفس (٥). قوله: (وَلِلْقَاتِلِ الاسْتِحْلَافُ عَلَى الْعَفْوِ) أي: إذا ادعى أن ولي الدم عفا عنه وأنكر

стр. 2946

ذلك فإن له تحليفه على ذلك على المشهور، وقال أشهب: لا يمين عليه لأنه لا (١) يكون في استحقاق الدم إلا خمسون يمينًا (٢). قوله: (فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَاحِدَةً وَبَرِئَ) أي: فإن نكل ولي الدم ردت اليمين على القاتل فحلف يمينًا واحدة لا خمسين، وقاله ابن يونس، فإذا حلفها برئ كما قال، يريد: وإن لم يحلف قتل، وهو واضح. قوله: (وَتُلُوِّمَ لَهُ فِي بَيِّنَتِهِ الْغَائِبَةِ) أي: إن القاتل إذا ادعى بينة غائبة على العفو تَلَوَّم له الإمام ونحوه في المدونة (٣). قوله: (وَقُتِلَ بِمَا قَتَلَ، وَلَوْ نَارًا) أي: وقُتِل الجاني بالشيء الذي قتل به غيره إن بالسيف فبالسيف، أو بغيره فكذلك لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وهو مقيد بمن لم يقتل بقسامة، فأما من قتل بها فليس إلا السيف، قاله ابن رشد (٤)، والمشهور أن من قتل بالنار فإنه يقتل بها خلافًا لعبد الملك (٥). قوله: (إِلا بِخَمْرٍ، ولِوَاطٍ، وسِحْرٍ، وَمَا يَطُولُ) أي: فإنه لا يُقْتَلُ بشيء من ذلك ولو قَتَلَ به. عبد الوهاب: والصحيح من قول علمائنا أن المماثلة واجبة، إلا أن يدخل في حد التعذيب؛ أي: بالتطويل فليُعْدَل إلى السيف (٦)، ومقابل الأصح هو ظاهر الإطلاقات. قوله: (وَهَلْ وَالسُّمُّ، أَوْ يَجْتَهِدُ فِي قَدْرهِ تَأْوِيلانِ) قال في المدونة: ومن سقى رجلًا

стр. 2947

سمًّا فقتله فإنه يقتل بقدر ما يرى الإمام (١)، فحملها ابن رشد في البيان على أنه يقتص منه به، ويكون رأي الإمام راجعًا إلى قلة السم وكثرته؛ لأن من الناس من يسرع موته باليسير، ومنهم من لا يسرع موته إلا بالكثير لاختلاف أمزجة الناس، قال: وهو ظاهر لفظ الإمام، وظاهر الواضحة (٢)، وتأولها ابن أبي زيد على خلاف هذا، وقال: يعني يجب له القود بغير السم (٣)، وإلى تأويل ابن رشد أشار بقوله: (يَجْتَهِدُ فِي قَدْرِهِ) أي: الإمام، وإلى تأويل أبي محمد أشار بقوله: (وَهَلْ وَالسُّمُّ) أي: وكذلك كالخمر ونحوه. قوله: (فَيُغَرَّقَ، ويُخْنَقَ، ويُحَجَّرَ) أي: فيقتص بالتغريق والخنق، وإن قتله بحجر قتل به، واشترط عبد الملك أن يكون الحجر مما يشدخ (٤). قوله: (وَضُرِبَ بِالْعَصَا لِلْمَوْتِ كَذِي عَصَوَيْنِ) يشير به إلى أنه لا يشترط في الضرب بالعصا ونحوه عدد الضربات بل لو ضربه بالعصا مرتين فمات فإنه يضرب بها إلى أن يموت، وقاله في المدونة (٥)، وقال ابن نافع عنه: وذلك إذا كانت الضربة تجهزه (٦)، وأما إن ضربه ضربات فلا (٧)، وحكى اللخمي القولين هكذا عن مالك وابن القاسم، وزاد في البيان (٨): إذا كانت العصا تجهز بضربة واحدة (٩) فله أن يقتص بها أو بالسيف (١٠). قوله: (وَمُكِّنَ مُسْتَحِقٌّ مِنَ السَّيْفِ مُطْلَقًا) يريد: أن المستحق إذا طلب أن يقتص بالسيف (١١) فإنه يمكن منه؛ لأنه الأحق غالبًا على المقتول، ولو اتفق أن يكون قَتَلَهُ

стр. 2948

بأخفَّ (١) من السيف وطلب المستحق أن يقتص بالسيف لم يمكن (٢) من ذلك، وقاله بعض الأشياخ وهو مخالف (٣) لإطلاقه هنا. قوله: (مُطْلَقًا) أي: سواء قتل بالسيف أو غيره أو سواء كان ذلك الغير مما يطول في مثله أم لا، وسواء أيضًا كان القتل بغير السيف في مدافعة ومضاربة أم لا (٤). قوله: (وَانْدَرَجَ طَرَفٌ إِنْ تَعَمَّدَهُ، وَإِنْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَقْصِدْ مُثْلَتَهُ) يريد: أن ما دون النفس يندرج تحتها إن تعمد قطع الطرف وإن لغيره ولم يقصد (٥) به المثلة، فإن قطع يد واحد وفقأ عين آخر، وقتل آخر فإنه يقتل ولا شيء عليه فيما عدا ذلك؛ لأن القتل يأتي عليه، فلو قطع يد واحد خطأ وقتل آخر عمدًا فإن دية اليد لا تسقط بل يجب ذلك على العاقلة، ثم يقتص منه للقتل، ولا خلاف فيه، ولو فعل ذلك قاصد المثلة فإنه يفعل ذلك به ثم يقتل. قوله: (كَالأَصَابِعِ فِي الْيَدِ) أي: كما تندرج الأطراف في النفس كذلك تندرج الأصابع في اليد، فإذا قطع الأصابع عمدًا ثم قطع الكف عمدًا ولم يقصد المثلة بذلك فإنه يقطع من الكف (٦)؛ لأن القطع منه يأتي على الأصابع (٧)، وإن قصد المثلة فعل به ذلك، ونحوه كما تقدم. (المتن) وَدِيَةُ الْخَطَإِ عَلَى الْبَادِي مُخَمَّسَةٌ: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَوَلَدَا لَبُونٍ، وَحِقَّةٌ، وَجَذَعَةٌ. وَرُبِّعَتْ فِي عَمَدٍ بِحَذْفِ ابْنِ اللَّبُونِ. وَثُلِّثَتْ فِي الأَبِ وَلَوْ مَجُوسِيًّا فِي عَمْدٍ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، كَجَرْحِهِ بِثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً بِلَا حَدِّ سِنٍّ، وَعَلَى الشَّامِيِّ وَالْمِصْرِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ أَلْفُ دِينَارٍ. وَعَلَى الْعِرَاقِيِّ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَّا فِي الْمُثَلَّثَةِ فَيُزَادُ بِنِسْبَةِ مَا بَيْنَ الدِّيَتَيْنِ. وَالْكِتَابِيُّ وَالْمُعَاهَدُ نِصْفُهُ وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمُرْتَدُّ

стр. 2949

ثُلُثُ خُمُسٍ. وَأُنْثَى كُلٍّ نِصْفِهِ؛ وَفِي الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ. (الشرح) قوله: (وَدِيَةُ الْخَطَإ عَلَى الْبَادِي مُخَمَّسَةٌ: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَوَلَدَا لَبُونٍ، وَحِقَّةٌ وَجَذَعَةٌ) أي: ودية الذكر الحر المسلم، وإنما حذفه للتنبيه عليه فيما يأتي بذكر مقابله، واحترز بالخطأ من العمد كما سيذكره، واحترز بقوله: (عَلى الْبَادِي) من أهل الذهب والورق، وجعل (١) أصبغ وابن حبيب أهل مكة والمدينة أهل ذهب، وقال أشهب: أهل الحجاز أهل إبل وأهل مكة منهم، وأهل المدينة أهل ذهب (٢). (مُخَمَّسَةٌ) صفة لمحذوف؛ أي: مائة من الإبل مخمسة؛ أي: من خمسة أنواع: عشرون بنت مخاض، وولدا لبون؛ أي: عشرون ذكرًا وعشرون أنثى، وعشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعَة. قوله: (وَرُبِّعَتْ في عَمْدٍ بِحَذْفِ ابْنِ اللَّبُونِ) أي: فإن كانت الجناية عمدًا ربعت الدية، فتكون من أربعة أنواع: كل واحد منها خمسة وعشرون، وذلك مائة، ويحذف منها ابن اللبون، فتصير خمسًا وعشرين بنت مخاض وخمسًا وعشرين بنت لبون، وخمسًا وعشرين حقة (٣)، وخمسًا وعشرين جذعة (٤). قوله: (وَثُلِّثَتْ فِي الأَبِ) شمل قوله: (الأَبِ) الآباء والأمهات والأجداد والجدات، بخلاف العم، ومراده أن الدية على الأب مغلظة من ثلاثة أنواع كما سيذكره. قوله: (وَلَوْ مَجُوسِيًّا فِي عَمْدٍ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ) يريد: أن ذلك لا يختص بالمسلم بل لو فعل ذلك المجوسي بابنه وترافعوا إلينا غلظت الدية عليه بحسب الدية، هذا هو الأصح، ولعبد الملك: أنها لا تغلظ عليه، ونقله في النوادر عن مالك والمغيرة (٥). واحترز بقوله: (فِي عَمْدٍ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ) من الخطأ فإنه لا يوجب تغليظًا عليه، وكذا لا تغلط عليه (٦) إذا فعل به ما يوجب عليه القتل كما إذا أضجعه وشَقَّ جوفه أو ذبحه

стр. 2950

ونحو ذلك فإنه يقتل به، ولا دية (١) عليه، وإنما التغليظ في مثل فعل المدلجي بابنه؛ رماه بسيف فأصاب ساقه فَنُزِيَ جرحه فمات، وفي الموطأ أنه رفع إلى عمر ﵁ فقال له: اعْدُدْ لي على ماء قُدَيْدٍ عشرين ومائة من الإبل حتى أقدم عليك (٢) فقدم عمر ﵁ فأخذ من تلك الإبل ثلاثين حِقَّةً وثلاثين جَذَعَةً، وأربعين خَلِفَةً أي: في بطونها أولادها، ثم قال: أين أخو المقتول (٣)، فقال: هَأَنَا، فقال: خذها، فإن رسول الله ﷺ قال: "ليس للقاتل شيء"، وفي غير الموطأ: ثم دعا بأم المقتول وأخيه فدفعها (٤) إليهما. قوله: (كَجُرْحِهِ) يريد: أن التغليظ كما يكون في النفس، فكذلك يكون في الجرح، وهو قول مالك في المدونة (٥) والمبسوط، وله أيضًا في المختصر عدم التغليظ فيها لانحطاط رتبتها عن رتبة النفس، ولعبد الملك وسحنون: إن كان الجرح مما يقتص فيه من الأجنبي غلظت فيه الدية، وإلا كالجائفة والمأمومة، وعن ابن القاسم: إن بلغ ثلث الدية ففيه التغليظ وإلا فلا (٦). قوله: (بِثَلاثِينَ حِقَّةً، وَثَلاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلفَةَ) كما تقدم هذا من فعل عمر ﵁ في الموطأ، والباء في (بثلاثين) متعلقة بـ (ثُلِّثَتْ). قوله: (بِلَا حَدِّ سِنٍّ) أي: راجع للخلقة (٧)، هذا كقول ابن الجلاب: غير محدودة أسنانها (٨)، وهو المشهور، ولأشهب في الموازية: ما بين ثنية إلى بازل عامها (٩). قوله: (وَعَلَى الشَّامِيِّ وَالْمِصْرِيِّ والْمَغْرِبِيِّ أَلْفُ دِينَارٍ) أي: وكذا من ألحق بهم، وقال ابن حبيب (١٠): أهل الأندلس أهل ورق (١١).

стр. 2951

قوله: (وَعَلَى الْعِرَاقِيِّ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) ابن شاس: وألحق بهم أهل فارس وخراسان (١)، وقد تقدم لأصبغ أن أهل مكة والمدينة أهل ذهب، وقال أشهب: أهل الحجاز أهل إبل، وأهل مكة منهم، وأهل المدينة أهل الذهب (٢). قوله: (إِلَّا فِي الْمُثَلَّثَةِ) أي: فإنها تغلظ أيضًا باعتبار الذهب والورق (٣)، وهو المشهور، وقاله مالك في المدونة (٤)، وكتاب محمد، ثم رجع فيه إلى عدم التغليظ (٥)، واختلف في المربعة هل تغلظ في الذهب والورق وهو قول أشهب، أو لا وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وقال به ابن وهب (٦). قوله: (فَيُزَادُ نِسْبَةُ مَا بَيْنَ الدِّيَتَيْنِ) هو بيان لصفة التغليظ، وهو أن ينظر إلى قيمة أسنان المخمسة وأسنان المثلثة في البلد إن كان بلد إبل وإلا فما قرب منه من بلدان الإبل كما قال أصبغ. ابن رشد: فينظر كم بينهما فيسمى ذلك من قيمة دية الخطأ فإن كان الثلث أو الربع زيد على الألف ربعها أو ثلثها (٧) فما زاد من خمس أو ربع أو أقل أو أكثر أخذ نسبته فزيد على ألف (٨) ذهب أو الاثني عشر ألف درهم، وهذا هو المشهور، وقيل: بل يزاد على ذلك ما بين القيمتين من العددين من غير نسبة، وقيل: تقوم المثلثة فتكون هي الدية ما لم تنقص عن ألف (٩) ذهب أو الاثني عشر ألف درهم فلا يحط من ذلك شيء (١٠).

стр. 2952

ابن يونس: وتقوم المغلظة حالَّة، والمخمسة على تأجيلها حسبما جعلت (١)، وقال بعض القرويين: تقوم أيضًا حالَّة والأول أظهر. قوله: (وَالْكِتَابِيُّ والْمُعَاهِدُ نِصْفُهُ) أي: نصف دية الذكر المسلم المفهوم من السياق، والمعنى أن دية اليهودي والنصراني والمعاهد على النصف من دية الحر المسلم، ولعل عطف المعاهد على الكتابي من باب عطف الخاص على العام، ولو قال والذمي والمعاهد لكان أحسن. قوله: (وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمُرتَدُّ ثُلُثُ خُمُسٍ) أي: ثلث الخمس (٢) من الورق ثمانمائة درهم، ولا إشكال أن دية المجوسي كذلك ورواه في الموطأ، قال: وهو الأمر المجتمع عليه عندنا (٣). واختلف في دية المرتد، فقيل: كدية المجوسي، وهو قول ابن القاسم وأشهب وإليه أشار بما ذكر (٤) هنا، ولأشهب أيضًا: ديته دية أهل الدِّين الذي ارتد إليه، وقال سحنون: لا دية فيه (٥). قوله: (وَأُنْثَى كُلٍّ نِصْفُهُ) يريد: أن دية نساء كل من تقدم على النصف من دية ذكورهن وقد نقل بعضهم الإجماع عليه. قوله: (وَفِي الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ) ولا خلاف فيه عندنا؛ لأنه مال أتلف كسائر السلع. (المتن) وَفِي الْجَنِينِ -وَإِنْ عَلَقَةً- عُشْرُ أُمِّهِ وَلَوْ أَمَةً نَقْدًا، أَوْ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ تُسَاوِيهِ، وَالأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا وَالنَّصْرَانِيَّةُ مِنَ عَبْدٍ مُسْلِم كَالْحُرَّةِ إِنْ زَايَلَهَا كُلُّهُ حَيَّةً؛ إِلَّا أَنْ يَحْيَا فَالدِّيَةُ إِنْ أَقْسَمُوا وَلَوْ مَاتَ عَاجِلًا، وَإِنَّ تَعَمَّدَهُ بِضَرْبِ ظَهْرٍ أَوْ بَطْنٍ، أَوْ

стр. 2953

رَأْسٍ: فَفِي الْقِصَاصِ خِلَافٌ؛ وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِتَعَدُّدِهِ وَوُرِّثَ عَلَى الْفَرَائِضِ. وَفِي الْجِرَاحِ حُكُومَةٌ بِنِسْبَةِ نُقْصَانِ الْجِنَايَةِ، إِذَا بَرِئَ مِنْ قِيمَتِهِ عَبْدًا وفَرْضًا مِنَ الدِّيَةِ، كَجَنِينِ الْبَهِيمَةِ. إِلَّا الْجَائِفَةَ وَالْمَأمُومَةَ فَثُلُثٌ، وَالْمُوضِحَةَ فَنِصْفُ عُشْرٍ، وَالْمُنَقِّلَةَ وَالْهَاشِمَةَ فَعُشْرٌ وَنِصْفُ، وَإِنْ بِشَيْنٍ فِيهِنَّ؛ إِنْ كُنَّ بِرَأْسٍ أَوْ لَحْيٍ أَعْلَى، وَالْقِيمَةُ لِلْعَبْدِ كَالدِّيَةِ؛ وَإِلَّا فَلَا تَقْدِيرَ، وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِجَائِفَةٍ نَفَذَتْ كَتَعَدُّدِ الْمُوضِحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالآمَّةِ إِنْ لَمْ تَتَّصِلْ، وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ بِفَوْرٍ فِي ضَرَبَاتٍ، وَالدِّيَةُ فِي الْعَقْلِ، أَوِ السَّمْعٍ، أَوِ الْبَصَرِ، أَوِ الشَّمِّ أَوِ النُّطْقِ، أَوِ الصَّوْتِ، أَوِ الذَّوْقِ، أَوْ قُوَّةِ الْجِمَاعِ، أَوْ نَسْلِهِ، أوْ تَجْذِيمِهِ، أَوْ تَبْرِيصِهِ، أَوْ تَسْوِيدِهِ، أَوْ قِيَامِهِ وَجُلُوسِهِ، أَوِ الأُذُنَيْنِ، أَوِ الشَّوَى، أَوِ الْعَيْنَيْنِ، أَوْ عَيْنِ الأَعْوَرِ لِلسُّنَّةِ؛ بِخِلَافِ كُلِّ زَوْجٍ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفَهُ، وَفِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَمَارِنِ الأَنْفِ، وَالْحَشَفَةِ، وَفِي بَعْضِهِمَا بِحِسَابِهمَا مِنْهُمَا؛ لَا مِنْ أَصْلِهِ وَفِي الأُنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا. وَفِي ذَكَرِ الْعِنِّينِ قَوْلَانِ. (الشرح) قوله: (وَفِي الْجَنِينِ -وإِنْ عَلَقَةً- عُشْرُ أُمِّهِ) أي: وسواء كان ذكرًا أم أنثى، كان عن ضرب أو تخويف أو نحوهما، ولا فرق عند ابن القاسم بين العلقة والكامل (١)، وأشار بقوله: (ولَوْ أَمَةً) إلى أن الأم لا فرق بين كونها حرة أو أمة ولا بين كونها مسلمة أو كتابية. قوله: (نَقْدًا) أي: إنما تؤخذ ناجزًا لا مؤجلًا. قوله: (أَوْ غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ تُسَاوِيهِ) أي: تساوي العشر وهو خمسون دينارًا أو ستمائة درهم في جنين الحرة. بعض الأشياخ: وتكون -أي: الغرة- من رقيق الخدمة لا من عَلِيِّهِ (٢)، ونحوه للباجي فإنه فسرها بالإنسان (٣)، وفسرها غيره (٤) بالنَّسَمَة، وقال ابن عبد البر: هي من غرة الفرس (٥). وعليه فلا بد أن تكون من البيض (٦)، وقيل: هي

стр. 2954

بمعنى الغرة، وهي الخيار والأحسن (١). قال في المدونة: وإن فقد (٢) الحمر من تلك البلدة، فلتؤخذ من السودان (٣)، وفي المجموعة: من وسط السودان (٤). انظر الكبير. قوله: (وَالْأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا وَالنَّصْرَانِيَّةُ مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ كَالْحُرَّةِ) لا إشكال أن جنين الأمة من سيدها حرٌّ إن كان مسلمًا (٥)؛ لأن الأمة (٦) تصير به أم ولد فهي كالحرة فيكون في جنينها ما في جنين الحرة، وأما جنين النصرانية -يريد: أو اليهودية- فهو كجنين الحرة عند ابن القاسم إن كان الأب مسلمًا، وقال أشهب: فيه عشر (٧) دية أمِّه (٨). قوله: (وَإِنْ زَايَلَهَا كُلُّهُ حَيَّةً) أي: إن انفصل عن أمه في حال حياتها، واحترز بقوله: (كُلُّهُ) مما إذا خرج بعضه في حياتها وباقيه بعد وفاتها فإنه لا شيء فيه، ابن رشد: وهو الظاهر من قول مالك، وقيل: فيه الغرة (٩)، واحترز بقوله: (حَيَّةً) مما إذا خرج منها بعد موتها فإنه على المشهور لا شيء فيه؛ إذ هو كعضو من أعضائها، وفي الموازية لأشهب وجوب الغرة فيه (١٠). قوله: (إِلَّا أَنْ يَحْيَا فَالدَّيَةُ إِنْ أَقْسَمُوا) أي: فإن انفصل عن أمه حيًّا ثم مات -يريد:

стр. 2955

سواء كان في حياتها أم لا، والجناية خطأ -فالدية لأولياء الجنين إن أقسموا ولا إشكال في ذلك مع تراخي الموت، وأما إن مات ناجزًا قال أشهب (١): فلا قسامة وقال ابن القاسم أيضًا: فيه القسامة (٢)، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ مَاتَ عَاجِلًا). قوله: (وَإنْ تَعَمَّدَهُ بِضَرْبِ ظَهْرٍ أَوْ بَطْنٍ أَوْ رَأْسٍ فَفِي الْقِصَاصِ خِلافٌ) يحتمل أن يكون الضمير راجعًا إلى الفعل؛ أي: تعمد الفعل، ويحتمل القتل، والمعنى: أن الجاني إذا تعمد قتل الجنين بأن ضرب ظهر أمه أو رأسها أو بطنها فإنه يجب عليه القصاص على قول، والدية من غير قصاص على قول، والأول مذهب ابن القاسم في المدونة (٣) والمجموعة لكن بقسامة. والثاني لأشهب (٤)، وهو مروي عن مالك وشهره الباجي (٥)، وابن الحاجب (٦) وغيرهما، ولهذا لم يقتصر هنا على الأول، وألحق ابن مناس (٧) ضرب الرأس بالبطن والظهر، بخلاف ضرب الرِّجْل وشبهها (٨)، وحكى ابن أبي زيد أن ضرب الرِّجْل كالضرب في الرأس (٩) في نفي القصاص ووجوب الدية في مال الجاني (١٠). قوله: (وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِتَعَدُّدِهِ) يريد: أن الواجب وهو العشر أو الغرة إن لم يستهل والدية إن استهل، تتعدد بتعدد الجنين وهو ظاهر. قوله: (وَوُرِّثَ عَلَى الْفَرَائِضِ) يريد: أن الواجب الحاصل عن الجنين يورث على فرائض الله تعالى، ورجع إليه مالك بعد أن كان أولًا يقول: هو للأبوين على الثلث والثلثين، فإن لم يكن إلا أحدهما فهو له خاصة، وقال أشهب: إن الأم تختص بما وجب

стр. 2956

في جنينها؛ لأنه كعضو منها (١)، وهو أحد قولي ابن القاسم. قوله: (وَفِي الْجِرَاحِ حُكُومَةٌ بِنِسْبَةِ نُقْصَانِ الْجِنَايَةِ -إِذَا بَرِئَ- مِنْ قِيمَتِهِ عَبْدًا فَرْضًا مِنَ الدِّيَةِ) يريد: أن الجراح ليس فيها غير الحكومة إلا ما يستثنيه من الجائفة وأخواتها. و (من) في قوله: (مِنْ قِيمَتِهِ) متعلق بالنقصان أي: بنسبة نقصان الجناية من الدية (٢)، و (عَبْدًا) حال؛ أي: يقوم المجني عليه في حال تقديره عبدًا، ولهذا قال (فَرْضًا)، أي: يفرض كذلك. والحاصل أن المراد بالحكومة أن يقوم المجني عليه عبدًا بالفرض سالمًا بمائة مثلًا، ثم يقوم ثانيًا معيبًا بتسعين فقد علمت أن التفاوت بين القيمتين هو العشر فيجب على الجاني نسبة ذلك من الدية، وهو مائة دينار أو ألف ومائتا درهم، وهذا هو المعروف، وقيل: الحكومة هي اجتهاد الإمام ومن حضره، ولا يكون التقويم إلا بعد بُرْء الجرح لا قبله خشية أن يترامى إلى النفس أو إلى ما تحمله العاقلة. قوله: (كَجَنِينِ الْبَهِيمَةِ) أي: فإنها تقوم مرتين سالمة وناقصة، ثم يأخذ ربها نسبة ما بين القيمتين وقد سبق في باب العيوب. قوله: (إِلَّا الْجَائِفَةَ وَالْمَأْمُومَةَ فَثُلُثٌ، وَالْمُوضِحَةَ فَنِصْفُ عُشْرٍ وَالْمُنَقِّلَةَ وَالْهَاشِمَةَ فَعُشْرٌ وَنِصْفٌ) لما ذكر أن الواجب في الجراح إنما هو الحكومة أخرج من ذلك هذه لما في كتابه ﵊ لعمرو بن حزم: "في المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة مثلها، وفي الموضحة خمس"، وفي رواية غير مالك: "وفي المنقلة خمس عشرة فريضة". ابن رشد: واتفق العلماء على ذلك (٣). وما ذكره (٤) في الهاشمة هو الجاري على قول ابن القاسم إذ ما من هاشمة عنده (٥) إلا وتصير منقلة، وقال ابن القصار: بل فيها ما في الموضحة وحكومة (٦)، وقال في الجواهر عن الباجي: فيها ما في الموضحة (٧)، وقيل: فيها عشر.

стр. 2957

قوله: (وَإِنْ بِشَيْنٍ فِيهِنَّ) يريد: لأن الشارع جعل فيهن شيئًا مقدرًا وأطلق من غير تقييد بشين ولا غيره مع أن الجراح قد تشين وهو واضح بالنسبة إلى ما دون الموضحة، وأما الموضحة فاختلف في شينها على قولين الأول أنه يزاد فيها لأجل الشين قليلًا كان أو كثيرًا، وقال أشهب: لا يزاد فيه مطلقًا. وعن مالك: أنه يزاد فيها إلا أن يكون شيئًا يسيرًا (١). قوله: (إِنْ كُنَّ بِرَأْسٍ أَوْ لَحْيٍ أَعْلَى وَالْقِيمَةُ لِلْعَبْدِ كَالدِّيَةِ (٢)) يريد: إلا الجائفة فإنها مختصة بالظهر والبطن، وأما المأمومة وما بعدها من الموضحة والمنقلة والهاشمة فإن الفرض المذكور في كل منها مشروط بأن يكون ذلك الجرح في الرأس واللحي الأعلى، وأما ما كان في البدن فليس فيه إلا الاجتهاد، وإليه أشار بقوله: (وَإِلَّا فَلَا تَقْدِيرَ) وهو واضح. قوله: (وَتَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بجَائِفَةٍ نَفَذَتْ) يريد: أن من ضرب شخصًا ضربة فخرقت ظهره ونفذت من الجهة الأخرى فإن الواجب فيها دية جائفتين، وهذا هو الأصح واختاره ابن القاسم، وبه أخذ أشهب، ومحمد، وابن عبد الحكم (٣)، وقيل: ليس فيها إلا دية جائفة واحدة، واختاره اللخمي (٤)، والقولان في المدونة (٥). قوله: (كَتَعَدُّدِ الْمُوضِحَةِ والْمُنقِّلَةِ وَالْآمَّةِ إِنْ لَمْ تَتَّصِلْ) أي: وكذلك يتعدد الواجب بتعدد الموضحة والمنقلة والمأمومة (٦) بشرط أن يكون ما بين المواضح لم يبلغ العظم، وما بين المأمومات لم يبلغ أم (٧) الدماغ، وما بين المنقلات لم ينقل العظم، وإليه أشار بقوله: (لَمْ يَتَّصِلْ)، ثم قال (وَإِلَّا فَلَا) أي: وإن اتصلت المواضح والمنقلات والمأمومات حتى صارت متسعة من قرنه إلى قرنه فلا يتعدد فيها الواجب ولو بضربة

стр. 2958

واحدة أو ضربات في فور واحد، وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ بِفَوْرٍ فِي ضَرَبَاتٍ). قوله: (والدِّيَةُ فِي الْعَقْلِ) هكذا جاء في الحديث "أن العقل فيه الدية كاملة، وقاله عمر وغيره"، وبه قال مالك وأصحابه (١). اللخمي: فإن جُنَّ من الشهر يومًا وليلة كان له جزء من ثلاثين جزءًا من الدية، وإن جُنَّ النهار دون الليل أو بالعكس كان جزءًا من ستين جزءًا (٢). قوله: (أَوِ السَّمْعِ) إنما عطفه بأو خشية أن يتوهم المشاركة مع الواو كذلك ما بعده من المعطوفات، ومراده أن السمع أيضًا تجب فيه الدية كاملة وهو متفق عليه. قوله: (أَوِ الْبَصَرِ أَوِ الشَّمِّ (٣)، أَوِ النُّطْقِ أَوِ الصَّوْتِ، أَوِ الذَّوْقِ، أَوْ قُوَّةِ الْجِمَاعِ أَوْ نَسْلِهِ، أَوْ تَجْذِيمِهِ أَوْ تَبْرِيصِهِ، أَوْ تَسْوِيدِهِ) أي: وكذلك تجب الكاملة في كل واحد من هذه الأمور على انفراده، وذكر النطق مع الصوت وجعل في كل واحد منهما دية؛ لأن الصوت أعم أما لو ذهبا معًا بضربة واحدة فدية واحدة. واضطرب المذهب في الذوق فقال ابن عبد السلام: المشهور أن فيه الدية على ما يظهر من كلام غير واحد من الشيوخ ولم يذكر فيه أكثرهم خلافًا، ونحا أبو الفرج إلى أن فيه حكومة، قال: وربما استقرئ هذا القول من المدونة وغيرها حيث لم يجعل في لسان الأخرس غير حكومة مع أن الذوق حاصل في لسانه (٤)، وقال اللخمي: تجب فيه الدية بالقياس على الشم، ولا خلاف في وجوبها في إذهاب قوة الجماع. اللخمي (٥): وتجب إذا ذهب النسل بشيء سقاه أو أطعمه وإن لم يفسد الإنعاظ وكان يمني، ولو فعل به ما أجذمه أو أبرصه أو سود جسمه (٦) وجب له عليه الدية (٧). قوله: (أَوْ قِيَامِهِ وجُلُوسِهِ) يريد: أن الدية تجب في زوال منفعة القيام والجلوس،

стр. 2959

وظاهره أنها لا تجب في أحدهما على انفراده، وقال ابن القاسم: في القيام وحده الدية (١)، ولعبد الملك: إذا انكسر الصلب ولم يقدر على الجلوس ففيه الدية (٢). قوله: (أَوِ الأُذُنَيْنِ) هكذا قال غيره. ابن الحاجب: وهو الأصح (٣)، وقيل: لا تجب فيهما إلا مع السمع وهو مذهب المدونة وظاهر الموطأ (٤) والقولان لمالك (٥). قوله: (أَوِ الشَّوَى) هو جلدة الرأس. عبد الملك: وفيه الدية كاملة (٦)، ونص عليه اللخمي وغيره (٧). قوله: (أَوِ الْعَيْنَيْنِ) لا إشكال في ذلك. قوله: (أَوْ عَيْنِ الأَعْوَرِ لِلسُّنَّةِ) هكذا قال مالك وغيره: إن فيه الدية للسنة، وقضى بها عمر وعثمان وعلي وابن عباس ﵃ وغيرهم (٨). قوله: (بِخِلافِ كُلِّ زَوْجٍ، فَإِنَّ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفَهُ) أي. بخلاف الاثنين (٩) من كل مزدوجين في الإنسان، فإن الدية لا تكمل إلا بمجموعهما، فأما أحدهما فلا يجب فيه إلا نصف الدية، وإنما قال (نِصْفَهُ) نظرًا إلى العقل أو الواجب في الزوج. قوله: (وَفِي الْيَدَيْنِ وَفِي الرِّجْلَيْنِ) أي: في كل واحد منهما الدية، وسواء كان القطع من الأصابع أو من العضد في اليدين أو من الورك في الرجلين. قوله: (وَمَارِنِ الأَنْفِ) المارن: هو ما لان من الأنف، ويسمى أيضًا الأرنبة، والمشهور أن فيه الدية الكاملة وبه، قال الفقهاء السبعة، وفي المجموعة: أن النبي ﷺ قضى فيها بالدية الكاملة (١٠)، ولابن نافع عن مالك (١١): أن الدية إنما تكون فيما إذا قطع

стр. 2960

من أصله (١). قوله: (وَالْحَشَفَةِ) أي: وكذلك تجب الدية كاملة في حشفة الذكر، وهو رأسه دون قصبته. قوله: (وَفِي بَعْضِهِمَا بِحِسَابِهِمَا مِنْهُمَا لَا مِنْ أَصْلِهِ) يريد: أن المارن والحشفة إذا قطع من كل واحد منهما بعضه، فإن فيه بحسابه منهما؛ أي: من المارن والحشفة، لا من أصل كل منهما فيقاس من المارن لا من أصل الأنف، ومن الحشفة لا من أصل الذكر، وقاله في المدونة (٢)، وفي المجموعة (٣) والموازية (٤) قوله: (وَفِي الأُنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا) أي: سواء قُطِعَتَا أو سُلَّتَا أو رُضَّتَا بحجر أو نحوه، وقاله ابن شعبان (٥)، وفي كتاب عمرو ابن حزم: "وفي البيضتين الدية"، وهو صالح لكل الصور مما تقدم. قوله: (وَفي ذَكَرِ الْعِنِّينِ قَوْلَانِ) في الواضحة عن مالك: أن فيه الدية كاملة (٦)، وبه قال الباجي (٧)، وفي مختصر الوقار: إنما فيه الحكومة (٨). (المتن) وَفِي شُفْرَيِ الْمَرْأَةِ؛ إِنْ بَدَا الْعَظْمُ، وَفِي ثَدْيَيْهَا أَوْ حَلَمَتَيْهِمَا إِنْ بَطَلَ اللَّبَنُ، وَاسْتُؤْنِيَ بِالصَّغِيرَةِ، وَسِنِّ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُثْغِرْ لِلإِيَاسِ كَالْقَوَدِ، وَإِلَّا انْتُظِرَ سَنَةٌ. وَسَقَطَ إِنْ عَادَتْ، وَوُرِثَا إِنْ مَاتَ، وَفِي عَوْدِ السِّنّ أَصْغَرَ بِحِسَابِهَا. وَجُرِّبَ الْعَقْلُ بِالْخَلَوَاتِ، وَالسَّمْعُ بِأَنْ يُصَاحَ مِنْ أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، مَعَ سَدِّ الصَّحِيحَةِ، وَنُسِبَ لِسَمْعِهِ الآخَرِ؛ وَإِلَّا فَسَمْعٌ وَسَطٌ، وَلَهُ نِسْبَتُهُ، إِنْ حَلَفَ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ، وَإِلَّا فَهَدَرٌ. وَالْبَصَرُ بِإِغْلَاقِ الصَّحِيحَةِ كَذَلِكَ، وَالشَّمُّ بِرَائِحَةٍ حَادَّةٍ،

стр. 2961

وَالنُّطْقُ بِالْكَلَامِ اجْتِهَادًا، وَالذَّوْقُ بِالْمَقِرِّ. وَصُدِّقَ مُدَّعِي ذَهَابَ الْجَمِيعِ بِيَمِينٍ، وَالضَّعِيفُ مِنْ عَيْنٍ وَرِجْلٍ وَنَحْوِهِمَا خِلْقَةً كَغَيْرِهِ. (الشرح) قوله: (وَفِي شُفْرَيِ الْمَرْأَةِ إِنْ بَدَا الْعَظْمُ) هكذا نص عليه مطرف وابن الماجشون، ابن حبيب: وهو أعظم مصيبة عليها من ذهاب ثدييها وعينها (١)، والشُّفران بضم الشين وسكون الفاء، قاله الجوهري، وشُفر الرحم وشافرها حروفها (٢). قوله: (وَفي ثَدْيَيْهَا، أَوْ حَلَمَتَيْهَا إِنْ بَطَلَ اللَّبَنُ) أما (٣) إذا قطعتا من أصلهما فلا كلام في وجوب الدية، وأما إذا قطع حلمتيهما -بفتح الحاء واللام وهي رأسهما (٤) - فلا تجب إلا إذا بطل اللبن منهما، وقال عبد الملك: تجب مطلقًا (٥)، وفي المدونة: إذا فسد منهما مخرج اللبن ففيه الدية (٦)، وعن مالك أن الدية تجب بإبطال اللبن، وإن لم ينقطع منهما شيء (٧). قوله: (وَاسْتُؤْنِيَ بِالصَّغِيرَةِ) يريد: أن الحكم المتقدم إنما هو بالنسبة إلى الكبيرة التي يتبين عدم عود منفعتهما من اللبن، فأما الصغيرة فالحكم وقف العقل وميراثه، كما في سن الصغير (٨) وإليه أشار بقوله: (وسِنِّ الصَّغِيرِ لَمْ يُثْغِرْ لِلإِيَاسِ كَالْقَوَدِ، وَإِلَّا انْتُظِرَ سَنَةٌ) أي: وهكذا يفعل في الصغير الذي لم يثغر إذا قلعت سنُّه فلا تؤخذ الدية في الخطأ ولا يقتص في العمد حتى يُيأس من ذلك، أعني من نباتها (٩).

стр. 2962

قوله: (وَسَقَطَ إِنْ عَادَتْ) أي: وسقط القصاص أو الدية إن عادت سن الصغير لهيئتها، ويرد ما كان موقوفًا من العقل إلى الجاني. قوله: (وَوُرِثَا إِنْ مَاتَ) فإن مات الصبي قبل نبات سنه فإن ورثته يستحقون ما كان له من عقل أو قَوَد. قوله: (وَفِي عَوْدِ السِّنِّ أَصْغَرَ بِحِسَابِهَا) أي: فإن عادت أصغر من الأولى فإن الجاني يغرم بحساب ما نقص منها، يريد: في الخطأ والعمد، وقيده اللخمي وغيره في العمد بما إذا عاد ما فيه نفع، وإلا فإنه يقتص له. قوله: (وَجُرِّبَ الْعَقْلُ بِالْخَلَوَاتِ) أي: لأنه في الغالب لا يعرف إلا بذلك؛ إذ هي أجمع ما يكون فيه العقل بخلاف غيرها. قوله: (وَالسَّمْعُ بِأَنْ يُصَاحَ مِنْ أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، مَعَ سَدِّ الصَّحِيحَةِ، ونُسِبَ لِسَمْعِهِ الآخَرِ) يعني: ويجرب السممع بأن يصاح من الجهات المختلفات بعد أن تسد الصحيحة، فإذا لم يختلف كلامه سدت الناقصة، ويصاح به ثم ينظر بين الصحيحة والمصابة، وينسب ذلك إلى الدية ويأخذ ما ينوبه منها، وهذا إذا كانت إحدى أذنيه صحيحة، فإن أصيب فيهما معًا أوكان لا يسمع بأحدهما وأصيب في الباقية فقد أشار بقوله: (وَإِلَّا فَسَمْعٌ وَسَطٌ). قوله: (وَلَهُ نِسْبَتُهُ) أي: نسبة سمعه الناقص إلى سمع وسط، ويأخذ نسبة ما نقص عنه من الدية، ثم أشار إلى (١) أن ذلك مشروط بأمرين: الأول: أن يحلف المجني عليه على ذلك، وقد نص عليه مالك وابن القاسم وأشهب في غير المدونة، وفيه خلاف. الثاني: ألا يختلف قوله في ذلك، أو يختلف اختلافًا متقاربًا، وإلى هذا أشار بقوله: (إِنْ حَلَفَ، وَلَمْ يَخْتِلَفْ قَوْلُهُ) ثم قال: (وَإِلَّا فَهَدَرٌ) أي: فإن اختلف اختلافًا متفاحشًا فلا شيء له؛ لأن ذلك يدل على كذبه. وقال عيسى ابن دينار: له الأقل مع يمينه،

стр. 2963

والأول قول مالك وأصحابه (١). قوله: (والْبَصَرُ بِإِغْلاقِ الصَّحِيحَةِ كَذَلِكَ) أي: يفعل فيه ما يفعل في السمع بأن يغلق الصحيحة ويعرف ما ينظر بالمصابة بعد أن تبدل عليه الأماكن، ثم تسد المصابة وينظر ما يبصر بالصحيحة، ثم تقاس إحداهما بالأخرى، فإذا عرف مقدار النقص كان له بحسابه، ابن شاس: وإن ادعى أن جميع بصره ذهب صدق مع يمينه، والظالم أحق أن يحمل عليه (٢)، وقاله في المدونة (٣). قوله: (وَالشَّمُّ بِرَائِحَةٍ حَادَّةٍ) أي: المنفرة للطبع؛ لأنه في الغالب لا يصبر عليها، لا سيما إذا استُدِيم عليه ذلك مقدار ما يختبر فيه، فإذا علمت منه النفرة أو القرينة الدالة على كذبه، أو ظهر من حاله ما يدل على صدقه، حمل على ذلك. قوله: (والنُّطْقُ بالْكَلامِ اجْتِهَادًا) أي: ويجرب النطق بكلام المجني عليه باجتهاد أهل المعرفة في ذلك ونحوه في المدونة (٤)، فإن قالوا ذهب منه نصفه أو ثلثه أو ربعه أعطي بمقدار ذلك، قال (٥) في العتبية: وإن قالوا: لا ندري أذهب الربع أم الثلث، أعطي الثلث، والظالم أحق أن يحمل عليه (٦)، ولأصبغ: أن الدية تُجَزَّأ على ثمانية وعشرين جزءًا عدد الحروف، ثم يقال له: انطق بالحروف فما عجز عنه أعطي بحسابه (٧)، ورد بأن الهاء والحاء والميم لا حظَّ للسان فيهن. قوله: (وَالذَّوْقُ بِالْمَقِرِّ) المقر بفتح الميم وكسر القاف، وهو الشديد المرورة، والمقر أيضًا الصبر، ومراده أن الذوق يعرف بالأشياء الحادة (٨) الشديدة المرورة. قوله: (وصُدِّقَ مُدَّعِي ذَهَابِ الْجَمِيعِ بِيَمِينٍ) أي: في جميع الصور (٩) ولم يذكره في

стр. 2964

الجواهر إلا في البصر خاصة (١)، ولا فرق. قوله: (وَالضَّعِيفُ مِنْ عَيْنٍ وَرِجْلٍ وَنَحْوِهِمَا خِلْقَةً كَغَيْرِهِ) (نحوهما) أي اليد والأذن، و (خلقة) أي: خلقة ضعيفة أو حصل فيها أمر سماوي أضعفها فحكمها كالصحيحة في وجوب الدية. (المتن) وَكَذَلِكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا إِنْ لَمْ يَأْخُذْ لَهَا عَقْلًا، وَفِي لِسَانِ النَّاطِقِ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعِ النُّطْقَ مَا قَطَعَهُ فَحُكُومَةٌ، كَلِسَانِ الأَخْرَسِ، وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ، أَوْ السَّاعِدِ، وَأَلْيَتَيِ الْمَرْأَةِ، وَسِنٍّ مُضْطَرِبَةٍ جِدًّا، وَعَسِيبِ ذَكَرٍ بَعْدَ الْحَشَفَةِ، وَحَاجِبٍ، أَوْ هُدْبٍ وَظُفْرٍ، وَفِيهِ الْقِصَاصُ. وَإِفْضَاءٍ، وَلَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَهْرٍ، بِخِلَافِ الْبَكَارَةِ إِلَّا بِأُصْبُعِهِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرٌ، وَالأَنْمُلَةِ ثُلُثُهُ، إِلَّا فِي الإِبْهَامِ؛ فَنِصْفُهُ، وَفِي الأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ الْقَوِيَّةِ عُشْرٌ إِنِ انْفَرَدَتْ، وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ؛ وَإِنْ سَوْدَاءَ بِقَلْعٍ أَوِ اسْوِدَادٍ، أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِحُمْرَةٍ أَوْ بِصُفْرَةٍ؛ إِنْ كَانَا عُرْفًا كَالسَّوَادِ، أَوْ بِاضْطِرَابِهَا جِدًّا، وَإِنْ ثَبَتَتْ لِكَبِيرٍ قَبْلَ أَخْذِ عَقْلِهَا أَخَذَهُ كَالْجِرَاحَاتِ الأَرْبَعَةِ، وَرُدَّ فِي عَوْدِ الْبَصَرِ وَقُوَّةِ الْجِمَاعِ، وَمَنْفَعَةِ اللَّبَنِ، وَفِي الأُذُنِ إِنْ ثَبَتَتْ تَأْوِيلَانِ. (الشرح) قوله: (وَكَذَلِكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا إِنْ لَمْ يَأْخُذْ عَقْلًا) أي: وأما إن أخذ لها ذلك فليس له إلا بحساب ما بقي، وإليه رجع مالك وكان أولًا يقول: ليس له إلا بحساب ما بقي مطلقًا أخذ لها عقلا أم لا، والقولان في المدونة (٢)، ولابن نافع ثالث: أن فيها العقل كاملًا (٣) أخذ لها عقلا أم لا (٤). قوله: (وفِي لِسَانِ النَّاطِقِ) هو معطوف على قوله: (وفِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ أَوْ حَلَمَتَيْهِمَا) والمعنى أن الدية أيضًا تجب في لسان الناطق، ويحترز به من لسان الأخرس، فإنه ليس فيه إلا حكومة، قال في المدونة: والدية للنطق لا للسان (٥)، فقوله: (وإِنْ لَمْ يَمْنَعِ النُّطْقَ

стр. 2965

مَا قَطَعَهُ فَحُكُومَةٌ؛ كَلِسَانِ الأَخْرَسِ وَالْيَدِ الشَّلاءِ) يريد: فإن قطع من اللسان ما لا يمنع النطق بسببه فإنما فيه الحكومة، ولهذا قال في المدونة: الدية للنطق لا للسان، ولذلك أيضًا كان في لسان الأخرس حكومة؛ إذ لا نطق فيه، وأشار بقوله: (أو السَّاعِدِ) إلى أن من قُطع كفه بجناية أو غيرها ثم قطعت يده بعد ذلك خطأ فإنما له على القاطع ما وجب له بالحكومة، كما في اليد الشلاء. قوله: (وأَلْيَتَيِ الْمَرْأَةِ) أي: وكذلك فيهما حكومة، وقاله ابن القاسم (١) وابن وهب، وقال أشهب: الدية، قال: وهما أعظم عليها من ثدييها (٢). قوله: (وسِنٍّ مُضْطَرِبَةٍ جِدًّا) أي: إذا كانت كذلك وقلعها شخص فإنها فيها الحكومة، فلو كان اضطرا بها يسيرًا كان فيها العقل. قوله: (وَعَسِيبِ ذَكَرٍ بَعْدَ الْحَشَفَةِ) هذا كقول (٣) مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه ليس في الذكر المقطوع الحشفة إلا الاجتهاد وهو الحكومة (٤)، ولا يبعد (٥) أن تكون فيه الدية؛ لأنه يجامع به وتحصل له به اللذة، وخرج اللخمي قولًا بأن يكون له بحساب ما بقي من اختلاف قول مالك (٦) في الأنف هل الدية للمارن أو له مع أصله، قال: إلا أن يكون في مسألة الذكر إجماع (٧). قوله: (وَحَاجِبٍ أَوْ هُدْبٍ) المراد بالحاجب الشعر ولهذا قرنه بهدب العين وهو شعرها، واللحية مساوية لهما في وجوب الحكومة، وهذا ما لم ينبت شعر ذلك المحل، وأما إن نبت فلا شيء فيه في الخطأ، وقي العمد يؤدب. ويحتمل أن يريد بالحاجب اللحم مع الشعر، فإن فيه الحكومة كما سبق. قوله: (وَظُفْرٍ) أي: وكذا يجب في قلعه الحكومة، وأما قوله: (وَفِيهِ الْقِصَاصُ) أي:

стр. 2966

في عمده، وفيه إشارة إلى الفرق بينه وبين ما تقدم. قوله: (وَإِفْضَاءٍ وَلَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَهْرٍ، بِخِلافِ الْبَكَارَةِ) الإفضاء عبارة عن رفع الحاجز الكائن بين مخرج البول ومسلك الذكر، ومذهب المدونة أن فيه الحكومة كما قال، وعن ابن القاسم في كتاب الرجم من المدونة: أن فيه الدية (١). قيل: وهو الأقرب؛ لأنه منعها اللذة ولا تمسك البول ولا الولد، ولأن مصيبتها بذلك أعظم من الشُّفرين، ولا يندرج الإفضاء تحت المهر بخلاف أرلش البكارة؛ إذ لا يتمكن من الوطء إلا بإزالتها. قوله: (إِلَّا بِأصْبُعِهِ) أي: فلا يندرج. ابن شاس: وإذا أزال بكارة زوجته بأصبعه ثم طلقها فعليه بقدر ما شانها مع نصف الصداق، وينظر إلى ما شانها عند الأزواج في حالها وجمالها (٢)، ولابن القاسم في الموازية أن عليه المهرَ كاملًا لها (٣). قوله: (وفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عشْرٌ، والأُنْمُلَةِ ثُلُثُهُ، إِلا فِي الإِبْهَامِ فَنِصْفُهُ) أي: في كل أصبع من الأصابع عشر الدية سواء كان إبهامًا أو غيره، وفي كل أنملة ثلث الواجب في الأصبع إلا أن يكون مثل الإبهام ففيها نصفه، وقاله في المدونة (٤)، يريد: لأن في كل إبهام أنملتين ففي كل واحد خمس من الإبل، وأما غيره من الأصابع ففي كل واحد منها ثلاث أنامل، فكان الواجب في كل واحدة الثلث وهو واضح. سحنون: وروى ابن كنانة أن في الإبهام ثلاثة أنامل، وأن في كل منها ثلث دية الأصبع، قال: وإليه رجع مالك، وأخذ أصحابه بالقول الأول (٥)، ولا خلاف في إبهام الرِّجْل أنه ليس فيه إلا أنملتان. قوله: (وَفِي الأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ الْقَويَّةِ عُشْرٌ، إِنِ انْفَرَدَتْ) مذهب ابن القاسم فيها: إن

стр. 2967

كانت قوية ففيها عُشْرٌ قطعت خطأ أو عمدًا، وإن قطع جميع الكف كان فيها ستون، وإن كانت الزائدة ضعيفة كان فيها حكومة إن قطعت بانفرادها، وإن قطعت مع اليد لم يزد لها شيء، وقال سحنون: إن قطعت التي فيها ستة أصابع خطأ ففيها خمسمائة، وقيل: له ذلك (١)، وفي الزائدة حكومة، ولم يفرق بين الضعيفة والقوية (٢)، وإلى مذهب ابن القاسم أشار بما ذكر، غير أن قوله: (إِنِ انْفَرَدَتْ) يقتضي أن وجوب العشر فيها مشروط بكونها قطعت وحدها، وأما إن قطعت مع غيرها فلا، وابن القاسم أطلق في ذلك (٣)، وإنما اشترط كونها قوية فقط. قوله: (وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ، وَإِنْ سَوْدَاءَ بِقَلْعٍ أَوِ اسْوِدَادٍ أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِحُمْرَةٍ أَوْ بِصُفْرَةٍ إِنْ كَانَا عُرْفًا كَالسَّوَادِ، وبِاضْطِرَابِهَا جِدًّا) نبه بهذا على أنه لا فرق في السن بين كونها ثَنِيَّة أو رَبَاعِيَة أو ضرسًا لما جاء في كتابه ﷺ لعمرو بن حزم: "وفي كل سِنٍّ خَمْسٌ"، ولم يفرق، وتجب ديتها بأمور: إما بقلعها وإن كانت سوداء خلقة، أو بجناية وهكذا نص عليه غير واحد من أصحابنا، ومثل ذلك ما إذا جنا عليها فاسودت، فإن عقلها أيضًا يكمل بذلك، وكذلك إذا ضربها شخص فاسودت ثم قلعت فإنما عليه عقل واحد، وكذلك إذا ضربها فحصل (٤) فيها صفرة أو حمرة، وإنما قال فيها (٥): (إِنْ كَانَ عُرْفًا كَالسَّوَادِ) تنبيهًا منه على ما وقع في المدونة قال فيها: قلت: فإن ضربه رجل فاسودت سنه أو احمرت أو اصفرت (٦) أو اخضرت ما قول مالك في ذلك؟ قال: لم نسمع منه إلا ما إذا اسودت، فإن عقلها قد تَمَّ، ولا أدري ما الخضرة ولا الصفرة؛ إن كان ذلك مثل السواد فقد تم عقلها، وإلا فعلى ما نقص (٧).

стр. 2968

ولابن القاسم وأشهب: أن الخضرة إلى السواد أقرب من الصفرة قال: في ذلك كله بقدر ما ذهب من بياضها إلى ما بقي منه إلى سوادها، وقاله ابن يونس، وفي النوادر (١)، وحكى الباجي عن أشهب أن الخضرة إلى السواد أقرب ثم الصفرة (٢)، ويكمل عقلها أيضًا إذا ضربها فاضطربت جدًّا (٣)، كما قال هنا، ولأنه ذهب بمنفعتها، يريد: إذا لم يُرْجَ نباتها (٤). قوله: (وَإِنْ ثَبَتَتْ لِكَبِيرٍ قَبْلَ أَخْذِ عَقْلِهَا أَخَذَهُ كَالْجِرَاحَاتِ الأَرْبَعَةِ) ثبتت من الثبوت؛ أي: استمسكت (٥) وقويت في موضعها، والجراحات الأربعة هي: الموضحة، والمنقلة، والجائفة، والمأمومة، وهذا الذي ذكره هو قول ابن القاسم في المدونة (٦)، وقال أشهب: لا شيء له مع ثبوت السن (٧)، واتفقا على أن له أخذ العقل في الجراحات الأربعة إن عادت لهيئتها (٨)، وهو يضعف (٩) قول أشهب في السن. قوله: (وَرُدَّ فِي عَوْدِ الْبَصَرِ) أي فإن اخذ العقل في ذهاب بصره ثم عاد كما كان فإنه يرده، ظاهره سواء أخذه بحكم (١٠) أو لا، ولا خلاف أنه إذا عاد قبل الحكم والأخذ أنه لا يقضى له بشيء، واختلف إذا عاد بعد الحكم فلابن القاسم قول (١١): إنه يرده كما تقدم، ولأشهب: إنه لا يرده، ولمحمد: إن كان بقضاء بعد الأناة لم يرده، وإلا رده (١٢)،

стр. 2969

ابن رشد (١): وحكم السمع يذهب ثم يعود حكم البصر (٢). قوله: (وقُوَّةِ الجِمَاعٍ) أي: وكذا ترد الدية إذا أخذها في ذهاب قوة الجماع، ثم عادت كما كانت أولًا، وقاله مالك وابن القاسم (٣). قوله: (وَمَنْفَعَةِ اللَّبَنِ) قد تقدم أن اللبن إذا فسد أخذت المرأة عقله، ثم عاد فإنها ترده. (٤) قوله: (وَفِي الأُذُنِ إِنْ ثَبَتَتْ تَأْوِيلانِ) وقع في رواية يحيى عن ابن القاسم أنها إذا ثبتت في موضعها فلا عقل (٥)، وقال (٦) في البيان: له (٧) العقل، وهو مذهب المدونة (٨)، وذهب صاحب النكت إلى أن مذهب المدونة كرواية يحيى ولا عقل لها (٩)، وإلى هذا أشار بقوله: (تَأْوِيلانِ). (المتن) وَتَعَدَّدَتِ الدِّيَةُ بِتَعَدُّدِهَا، إِلَّا الْمَنْفَعَةَ بمَحَلِّهَا، وَسَاوَتِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ لِثُلُثِ دِيَّةٍ؛ فَتَرْجِعُ لِدِيَتِهَا. وَضُمَّ مُتَّحِدُ الْفِعْلِ، أَوْ فِي حُكْمِهِ، أَوِ الْمَحَلِّ فِي الأَصَابعِ لَا الأَسْنَانِ، وَالْمَوَاضِحِ، وَالْمَنَاقِلِ، وَالْعَمْدٍ لِخَطَإٍ وَإِنْ عَفَتْ. وَنُجِّمَتْ دِيَةُ الْحُرِّ الْخَطَأُ، بِلَا اعْتِرَافٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْجَانِي إِنْ بَلَغَ ثُلُثَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوِ الْجَانِي، وَمَا لَمْ يَبْلُغْ فَحَالٌّ عَلَيْهِ كَعَمْدٍ، وَدِيَةٍ غُلِّظَتْ، وَسَاقِطٍ لِعَدَمِهِ، إِلَّا مَا لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ مِنَ الْجُرْحِ لإِتْلَافِهِ؛ فَعَلَيْهَا. وَهِيَ الْعَصَبَةُ، (الشرح) قوله: (وَتَعَدَّدَتِ الدِّيَةُ بِتَعَدُّدِهَا، إِلَّا الْمَنْفَعَةَ بِمَحَلِّهَا) قد تقدم أن الدية تتعدد بحسب تعدد الموجِب، كما إذا قطع يده أو رجله فزال عقله، وأنه يقيد بما إذا كانت المنفعة في

стр. 2970

محل آخر غير العضو المبان (١) كالمثال المذكور، وأما لو كان محلًّا لها كالإبصار مع العين والسمع مع الأذن، فلا تتعدد الدية. قوله: (وَسَاوَتِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ لِثُلُثِ دِيَّةٍ فَتَرْجِعُ لِدِيَتِهَا) يريد: أن المرأة مسلمة كانت أو كافرة تساوي الرجل من أهل دينها (٢) في ثلث (٣) ديته، فإذا بلغته ردت إلى ديتها حينئذٍ، فإذا قطع لها ثلاثة أصىابع ففيها ثلاثون من الإبل؛ لأنها لم تبلغ ثلث دية الرجل، فإذا قطع لها أربعة ففيها عشرون لرجوعها إلى ديتها، وهي في الموضحة، والهاشمة (٤) والمنقلة كالرجل لا (٥) في الجائفة والمأمومة. ابن شاس: وهو إجماع أهل المدينة (٦)، وقال ابن عبد البر: وجمهور أهل المدينة (٧)، وبه قال الفقهاء السبعة، ومثله روي عنه ﷺ أنه قال: "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث". ابن المسيب: وهو السنة (٨). قوله: (وَضُمَّ مُتَّحِدُ الْفِعْلِ أَوْ فِي حُكْمِهِ) يريد: أن الفعل الواحد كالضربة الواحدة أو ما في حكمه كالضربتين فأكثر في معنى الضربة الواحدة من واحد أو جماعة كما قال في الجواهر: يضم، وسواء اتحد المحل أم لا، فلو ضربها ضربة واحدة أو ما في معناها فقطع لها أربعة أصابع من كل يد أصبعين، أو من يد ثلاثة ومن الأخرى أصبعًا، فإنها تأخذ في الأربعةِ عشرين من الإبل (٩) فقط (١٠). قوله: (أَوِ الْمَحَلِّ فِي الْأَصَابِعِ (١١)) أشار إلى أن الفعل إذا اتحد محله ضم، ولا عبرة بتعدده أو اتحاده (١٢) حينئذٍ، فلو ضربها ضربة أو ضربات فقطع لها ثلاثًا من اليد

стр. 2971

فأخذت ثلاثين ثم قطع بعد ذلك لها منها أصبعًا أو أكثر فإنها تأخذ في كلِّ أصبع خمسًا من الإبل، وسواء في ذلك أصابع اليدين أو الرجلين، ولهذا قال (فِي الْأَصَابِعِ) وأطلق، فلو تعدد الفعل والمحل فلا ضَمَّ، كما إذا قطع لها من يد ثلاثًا فأخذت ثلاثين، ثم قطع لها أيضًا من الأخرى ثلاثًا فإنها أيضًا تأخذ ثلاثين فإن قطع (١) بعد ذلك أصبعًا فأكثر من أي يد كانت فإنما (٢) لها في كل أصبع خمس، واختلف قول ابن القاسم في الأسنان، فمرة جعلها كالأصابع بحساب ما تقدم من ثلث الدية، ومرة قال: لا تحاسب بما تقدم، أصبغ (٣): والأول أحسن (٤). قوله: (لَا الْأَسْنَانِ) إشارة إلى أحد قولي ابن القاسم، وشهره ابن الحاجب (٥) وغيره. قوله: (وَالْمَوَاضِحِ، والْمَنَاقِلِ) هذا معطوف على قوله: (لَا الأَسْنَانِ) أي: فإنه لا يضم بعض الأفعال فيها إلى بعض؛ أي: وكذلك المواضح والمناقل، وسواء كان ذلك في مرة أو مرتين أو أكثر (٦)، كما لو أوضحها موضحتين فأكثر فأخذت العقل، ثم أوضحها بعد ذلك مواضح متعددة، فإن لها عقل ذلك كالرجل ما لم تبلغ في المرة (٧) الواحدة الثلث، وكذلك حكم المناقل (٨). قوله: (والْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، وَإِنْ عَفَتْ) أي: وكذا لا يضم العمد إلى الخطأ وإن عفت، كما إذا قطع لها ثلاث أصابع عمدًا فاقتصت أو عفت، ثم قطع لها أيضًا أصبعين أو ثلاثًا، فتأخذ لكل أصبع عشرًا من الإبل. قوله: (ونُجِّمَتْ دِيَةُ الْحُرِّ الْخَطَأُ، بِلَا اعْتِرَافٍ) يريد: أن الدية تنجم على العاقلة بشروط أربع:

стр. 2972

الأول: أن يكون المجني عليه حرًّا، فلا تحمل قيمة العبد المجني عليه، وقد جاء في الحديث: "لا تحمل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا اعترافًا". الثاني: أن تكون الجناية خطأً، فلا تحمل العمد للحديث، وفي حكم الخطأ العمدُ الذي لا قصاص فيه كالمأمومة والجائفة وكسر الفخذ، وإليه رجع مالك بعد أن قال: إن ذلك في مال الجاني، وقيل: يبدأ أولًا بمال الجاني فإن عجز تُمِّم من العاقلة (١). الثالث: أن تكون الجناية ثبتت ببينة أو لَوْث لا باعتراف للحديث، واختلف هل تحمل جنايةَ المعترف بالخطأ أم لا؟ على أقوال. قوله: (عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْجَانِي) وهو متعلق بقوله: (وَنُجِّمَتْ دِيَةُ الْحُرِّ الْخَطَأُ) وأشار به إلى أن الجاني يدخل مع العاقلة، ويكون كواحد منهم، وفي ذلك روايتان، ومذهب المدونة منهما ما ذكر، واستظهره ابن القصار، اللخمي: وهو الصواب (٢). وذكر عبد الوهاب في إشرافه عن بعض أصحابنا أن قوله بدخوله معهم استحسان، وليس بقياس (٣). قوله: (إِنْ بَلَغَ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوِ الْجَانِي) هذا هو الشرط الرابع، وقد جاء في الحديث: "تحمل العاقلة الثلث فصاعدًا"، حكاه في الذخيرة (٤) وغيرها، وهو قول الفقهاء السبعة (٥)، ومذهب المدونة (٦)، وهو الأشهر أنها تحمل ثلث (٧) دية المجني عليه أو الجاني، فلو جنت امرأة على رجل (٨) ما يبلغ ثلث ديتها حملتها العاقلة. وفي العتبية: أن المعتبر ثلث دية المجني عليه دون الجاني (٩)، وتظهر ثمرة (١٠) الخلاف في

стр. 2973

المرأة والكتابي، ولعبد الملك: أن المعتبر ثلث دية الرجل كان جانيًا أو مجنيًّا عليه (١). قوله: (وَمَا لَمْ يَبْلُغْ فَحَالٌّ عَلَيْهِ) يريد: أن الجناية إذا لم تبلغ (٢) ثلث دية المجني عليه ولا الجاني تكون حالَّة (٣) على الجاني دون العاقلة. قوله: (كَعَمْدٍ) هو المشهور، وقيل: منجمة، واختلف في الدية المغلَّظة، فقيل: عليه وحده حالَّة، وهو المشهور، وإليه أشار بقوله: (وَدِيَةٍ غُلِّظَتْ) وقيل: عليه وعلى عاقلته. وأما قوله: (وَسَاقِطٍ لِعَدَمِهِ) فيريد به أن الجاني إذا جنى جناية فيها القِصاص إلا أن العضو الذي جنى عليه ليس له مثله، فإذا تعذر القَوَد وصِير إلى الدِّية فإنه يكون في مال الجاني؛ لأن القِصاص إنما سقط عنه لعدم وجود المماثل. قوله: (إِلَّا مَا لا يُقْتَصُّ مِنْهُ مِنَ الْجُرْحِ لِإِتْلَافِهِ، فَعَلَيْهَا) يريد: كالمأمومة والجائفة، وكسر الفخذ، وقد اختلف فيه، فقيل: ديته على العاقلة، وإليه رجع مالك (٤)، وقيل: على الجاني إلا أن يكون عديمًا فعلى العاقلة. قوله: (وَهِيَ الْعَصَبَةُ) يريد: أن العاقلة هي العصبة، وقاله مالك، وسواء قربوا أو بعدوا (٥)، ويدخل معهم المولى مطلقًا، إلا أن عصبة النسب مقدمون عليهم، انظر الكبير. (المتن) وَبُدِئَ بِالدِّيوَانِ إِنْ أعْطُوا، ثُمَّ بِهَا الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ، ثُمَّ الْمَوَالِي الأَعْلَوْنَ، ثُمَّ الأَسْفَلُونَ ثُمَّ بَيتُ الْمَالِ إِنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا، وَإِلَّا فَالذِّمِّيُ ذَوُو دِيِنهِ، وَضُمَّ كَكُوَّرِ مِصْرٍ، وَالصُّلْحِيُّ أَهْلُ صُلْحِهِ، وَضُرِبَ عَلَى كُلٍّ مَا لَا يَضُرُّ. وَعُقِلَ عَنْ صَبِيٍّ، وَامْرَأَةٍ، وَمَجْنُونٍ، وَفَقِيرٍ، وَغَارِمٍ، وَلَا يَعْقِلُونَ. وَالْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الضَّرْبِ لَا إِنْ قَدِمَ غَائِبٌ، وَلَا يَسْقُطُ لِعُسْرِهِ أَوْ مَوْتِهِ. وَلَا دُخُولَ لِبَدَوِيٍّ مَعَ حَضَرِيٍّ، وَلَا شَامِيٍّ مَعَ مِصْرِيٍّ مُطْلَقًا، الْكَامِلَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ تَحِلُّ بِأَوَاخِرِهَا مِنْ يَوْمِ

стр. 2974

الْحُكْمِ، وَالثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ بِالنِّسْبَةِ. وَنُجِّمَ فِي النِّصْفِ وَالثَّلَاثَةِ الأَرْبَاعِ بِالتَّثْلِيثِ ثُمَّ لِلزَّائِدِ سَنَةٌ. (الشرح) قوله: (وبُدِئَ بالدِّيوَانِ، إِنْ أُعْطُوا) يريد: أن أهل الديوان مقدمون على العصبة، وهو قول مالك وأَصبغ وأشهب (١)، وحكى ابن شعبان أنه لا يَعْقِل عن الإنسان إلا قومه، ولا يدخل أهل الديوان في ذلك، وعلى الأول يشترط (٢) في أهل الديوان أن يكون العطاء قائمًا ليعطوا منه، ونقله اللخمي عن ابن القاسم، وأشهب (٣)، وقال أشهب: فإن لم يكن العطاء قائمًا لهم حمل عنه قومه. قوله: (ثُمَّ بِهَا الأَقْرَبِ فالأَقْرَبِ) أي: فإن لم يكن من ديوان بدئ بالعصبة الأقرب فالأقرب. قوله: (ثُمَّ الْمَوَالِي الأَعْلَوْنَ، ثُمَّ الأَسْفَلُونَ) أي: فإن لم يكن ثَمَّ (٤) عصبة بدئ بالموالي الأعلين، فإن لم يكونوا فالأسفلون، ورواه أصبغ عن ابن القاسم، وذهب سحنون إلى عدم دخولهم (٥). قوله: (ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ إِنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا) يريد: لأن بيت المال لا يعقل عن غير المسلم (٦)، وهو ظاهر على القول بأن مال الكتابي الحر إذا مات لأهل دينه من كورته، وأما على قول ابن القاسم بأن ماله للمسلمين (٧) فينبغي أن يعقل عنه من بيت المال. قوله: (وَإِلَّا فَالذِّمِّيُّ ذُو دِينِهِ) أي: فإن كان الجاني من أهل الذمة عقل عنه أهل دينه، وإنما قال: (ذُو دِينِهِ) احترازًا من اليهود مع النصارى، فإنهما لا يتعاقلان. قوله: (وَضُمَّ كَكُوَرِ مِصْرَ) يريد: أن البلاد المصرية يضم بعضها إلى بعض؛ أي: وكذلك بلاد الشامية.

стр. 2975

قوله: (والصُّلْحِيُّ أَهْلُ صُلْحِهِ) أي: فإن كان الجاني من أهل الصلح عقل عنه أهل صلحه، وقاله مالك في الموازية (١). قوله: (وَضُرِبَ عَلَى كُلِّ مَا لا يَضُرُّ) أي: فإذا ضربت الدية على العاقلة وزعت على قدر الطاقة، فلا يضرب على أحد منهم إلا ما لا يضر بماله (٢) على قدر غنائه في الكثرة والقلة. قوله: (وَعُقِلَ عَنْ صَبِيٍّ، وَامْرَأَةٍ، ومَجْنُونٍ، وفَقِيرٍ، وَغَارِمٍ وَلا يَعْقِلُونَ) هكذا قال اللخمي: إن الخمسة يعقل عنهم ولا يعقلون (٣)، قال: والغارم إذا كان عليه من الدين بقدر ما في يده ويفضل له ما يكون به في أعداد الفقراء، وإذا كان لا شيء في يده فهو فقير (٤)، يريد: وإن كان يفضل له ما يكون به في أعداد الأغنياء فلا يسقط عنه. قوله: (والْمُعْتَبرُ وَقْتُ الضَّرْبِ لَا إِنْ قَدِمَ غَائِب، وَلَا يَسْقُطُ لِعُسْرِهِ أَوْ مَوْتِهِ) يريد: أن المراعاة في حال من تضرب عليه يوم التوزيع لا يوم القتل ولا يوم الأداء، ولهذا إذا كان غائبًا يوم ضربها غيبة بعيدة ثم قدم، أو غير بالغ ثم بلغ بعد ذلك، لم يدخل مع العاقلة، كما أن من أعسر بعد ضربها عليه لم تسقط عنه، ومثله من مات بعد ضربها عليه، وهو قول ابن الماجشون وسحنون، وقال ابن القاسم وأصبغ: تسقط (٥). وحكى الشيخ (٦) الأول عن ابن القاسم، قال: وهو الأقرب (٧) ورجحه أيضًا غيره. قوله: (وَلَا دُخُولَ، لِبَدَوِيٍّ مَعَ حَضرِيٍّ) يريد: أن عاقلة الجاني الواحد لا يكون منها بدوي وحضري، وإن كانا من قبيلة واحدة، وقاله مالك (٨) في المدونة، وبه أخذ ابن القاسم، وعلله بأن الدية لا تكون متنوعة من إبل ونقد (٩)، ولأشهب وعبد

стр. 2976

الملك أن (١) الأقل تبع للأكثر. وإن كانا متناصفين قال عبد الملك: أو يقرب بعضهم من بعض حمل كل فريق ما هو أهله، وروي عن مالك (٢). قوله: (وَلَا شَامِيٍّ مَعَ مِصْرِيٍّ مُطْلَقًا) يريد: أن الشامي لا دخول له مع مصري، والعكس في ذلك، ومراده بالإطلاق سواء قربوا أو بعدوا، اتحد ما يؤخذ منهما أو اختلف. قوله: (وَالْكَامِلَةُ فِي ثَلاثٍ) لما قدم أن الدية تنجم أخذ يبين كيفية التنجيم في ذلك (٣) فقال: (وَالْكَامِلَةُ) أي: الدية الكاملة (في ثلاث سنين)، وسواء كانت دية المسلم أو غيره، ذكرًا أو أنثى. ابن عبد البر: وما قيل: إنها تنجم في أربع فشذوذ (٤). قوله: (تَحِلُّ بِأَوَاخِرِهَا) أي: يحل النجم الثالث بآخر السنة الثالثة. قوله: (مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ) أي: يكون ابتداء التنجيم يوم الحكم لا يوم القتل، ولا يوم الخصام أو صدور البينة. قوله: (وَالثُّلُثُ والثُّلُثَانِ بِالنِّسْبَةِ) أي: ينجم الثلث في سنة والثلثان في سنتين، وهذا على المشهور أن غير الكاملة تنجم أيضًا، وقيل: إنها حالَّة وهما روايتان عن مالك (٥). قوله: (وَنُجِّمَ فِي النِّصْفِ وَالثَّلاثَةِ الأَرْبَاعِ بِالتَّثْلِيثِ ثُمَّ لِلزَّائِدِ سَنَةٌ) أي: فإن كان الواجب النصف نجم الثلث في سنة، وجعل للسدس (٦) الزائد سنة أخرى، وتبع الشيخ هنا (٧) تشهير ابن الحاجب (٨)، وهو غير موجود، والذي حكاه ابن الجلاب (٩) في ذلك روايتان، وإحداهما أن الإمام يجتهد في ذلك فينجمه على ما يرى، والأخرى أن

стр. 2977

ذلك في سنتين (١). وحكى في المدونة الروايتين في النصف، ابن القاسم: وأحب إلي أن يكون في سنتين، قال في المدونة: والثلاثة الأرباع في ثلاث سنين (٢). وهذا يوافق ما ذكره الشيخ هنا؛ إلا أن (٣) الثلاثة الأرباع على ما قال في المدونة تكون في ثلاث سنين متساوية لكل سنة ربع الدية، وكذا على قول ابن القاسم. (المتن) وَحُكْمُ مَا وَجَبَ عَلَى عَوَاقِلَ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَحُكْمِ الْوَاحِدَةِ كَتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ عَلَيْهَا. وَهَلْ حَدُّهَا سَبْعُمِائَةٍ؟ أوِ الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ؟ قَوْلَانِ. وَعَلَى الْقَاتِلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ شَرِيكًا إِذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَلِعَجْزِهَا شَهْرَانِ كَالظِّهَارِ، لَا صَائِل، وَلَا قَاتِلِ نَفْسِهِ كَدِيَتِهِ. وَنُدِبَتْ فِي جَنِينٍ، وَرَقِيقٍ، وَعَمْدٍ، وَعَبْدٍ، وَعَلَيْهِ مُطْلَقًا جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ حَبْسُ سَنَةٍ، وَإِنْ بِقَتْلِ مَجُوسِيٍّ، أَوْ عَبْدِهِ، أَوْ نُكُولِ الْمُدَّعِي عَلَى ذِي اللَّوْثِ وَحَلِفِهِ. (الشرح) قوله: (وَحُكْمُ مَا وَجَبَ عَلَى عَوَاقِلَ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَحُكْمِ الْوَاحِدَةِ كَتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ عَلَيْهَا) يريد: أن حكم العواقل المتعددة في التنجيم مع اتحاد الجناية حكم العاقلة الواحدة، كعشرة رجال يحملون صخرة أو نحوها فتسقط منهم على شخص فتقتله، فإن العشر الواجب على عاقلة كل واحد منهم ينجم في ثلاث سنين، ويؤدون ذلك كلهم كالعاقلة الواحدة، وكذا إذا تعددت الجناية على العاقلة الواحدة فيكون حكمها في التنجيم حكم الجناية الواحدة، كالرجل الواحد وأكثر من قبيلة واحدة يقتل رجلين فأكثر خطأ، فإن ما وجب عليه من ديتين فأكثر ينجم على عاقلته في ثلاث سنين، ونبه على هذا خشية أن يتوهم أن الثانية لا تضرب إلا بعد وفاء الأولى (٤). قوله: (وَهَلْ حَدُّهَا سَبْعُمائَةٍ أَوِ الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ؟ قَوْلَانِ) هما معًا عن

стр. 2978

سحنون، فعنه أن حد العاقلة سبعمائة رجل ينسبون (١) إلى أب واحد، وفي رواية له: إذا كانت له خمسمائة أو ألف فهم قليل، يضم إليهم أقرب القبائل إليهم (٢). قوله: (وَعَلَى الْقَاتِلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَإِنْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ شَرِيكًا إِذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً -عِتْقُ رَقَبَةٍ وَلعَجْزِهَا شَهْرَانِ) يريد: أن كفارة القتل تجب على القاتل بالشروط المذكورة، فاحترز بالحر من العبد فإنها لا تجب عليه؛ إذ لا ولاء له، وبالمسلم من الكافر فإنه ليس من أهل القربة، وسواء كان بالغًا وعاقلًا أم لا، ولهذا تؤخذ من الصبي والمجنون؛ لأنها من باب خطاب الوضع (٣)، وكذا تجب على الشريك كفارة كاملة؛ لأنها لا تتبعض. ويشترط في المقتول (٤) أن يكون حرًّا مسلمًا معصومًا، ولهذا قال: (إِذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً (٥)) فلا تجب الكفارة في قتل عبد بل تستحب، ولا في قتل كافر للآية، ولا في قتل مرتد أو زانٍ محصن ونحوهما إذا ثبت عليهما ذلك، واحترز بالخطأ من العمد، فإنها لا تجب فيه بل تستحب، و (عِتْقُ رَقَبَةٍ) مبتدأٌ خبرُهُ قوله: (عَلَى الْقَاتِلِ ... إلى آخره)، ويريد بالرقبة أن تكون مسلمة سالمة من العيوب محررة لها (٦) ككفارة الظهار، فإن لم يجد رقبة صام شهرين. قوله: (كَالظِّهَارِ) يريد: أن ما يطلب في شهري الظهار من التتابع وغيره يطلب فيه، وما يبطله هناك يبطله هنا (٧). قوله: (لَا صَائِلٍ وَلَا قَاتِل نَفْسِهِ (٨)) أي: فلا كفارة على قاتلِ صائلٍ لعدم عصمته،

стр. 2979

ولا على قاتل نفسه إذ لا يتأتى خطابه بالكفارة، والجمهور على أن الدية تسقط في هذا النوع، وإليه أشار بقوله: (كَدِيَتِهِ). قوله: (وَنُدِبَتْ فِي جَنِينٍ، وَرَقِيقٍ، وَعَمْدٍ، وَعَبْدٍ) واختلف عن مالك في الجنين هل تستحب فيه الكفارة أم لا، والروايتان في الموازية (١)، وبالثانية قال أشهب (٢)، وفي المدونة استحسن مالك (٣) الكفارة فيه (٤). أبو الحسن: معناه: استحب (٥). وانظر عطفه (العبد) على (الرقيق) هل يحمل الأول على الخطأ والثاني على العمد أو العكس، أو يحمل الرقيق على أنه مقتول وأن العبد قاتل، والمذهب كما قال أنها مستحبة في العمد (٦). قوله: (وَعَلَيْهِ مُطْلَقًا جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ حَبْسُ سَنَةٍ) أي: وعلى القاتل جلد مائة ثم حبس سنة سواء كان رجلًا أو امرأة حرًّا أو عبدًا، يريد: إذا قَتَل من لا يكافئه، كالمسلم الحر (٧) يقتل عبدًا أو كافرًا، أو قتل من يكافئه وعفا عنه، وقال أصبغ: لا يحبس العبد ولا المرأة بل يجلدان (٨)، ونبه بقوله: (وَإِنْ بِقَتْلِ مَجُوسِيٍّ) على أن ذلك في الذمي من باب أولى، وبقوله: (أَوْ عَبْدِهِ) على أن ذلك في عبد غيره أحرى. قوله: (أَوْ نُكُولِ الْمُدَّعِي عَلَى ذلك اللَّوْثِ وحَلِفِهِ) يريد: ان الأولياء إذا وجب لهم القسامة بقيام اللوث على القاتل، فنكلوا عنها فحلف المدعى عليه وبرئ، فإنه يجلد

стр. 2980

مائة ويحبس عامًا على ما حكاه ابن المواز، قال: ولم يخالف فيه إلا ابن عبد الحكم (١). (المتن) وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ، كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ، حُرٌّ، مُسْلِمٌ: قَتَلَنِي فُلَانٌ وَلَوْ خَطَأً، أَوْ مَسْخُوطًا عَلَى وَرِعٍ، أَوْ وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ أَنَّهُ ذَبَحَهُ، أوْ زَوْجَةٌ عَلَى زَوْجِهَا إِنْ كَانَ جُرْحٌ، أَوْ أطْلَقَ وَبَيَّنُوا، لَا خَالَفُوا. وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ، وَلَا إِنْ قَالَ بَعْضٌ عَمْدًا، وَبَعْضٌ لَا نَعْلَمُ، أَوْ نَكَلُوا، بِخِلَافِ ذِي الْخَطَأ، فَلَهُ الْحَلِفُ وَأَخْذُ نَصِيبِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِمَا وَاسْتَوَوْا حَلَفَ كُلٌّ، وَلِلْجَمِيعِ دِيَةُ خَطَأٍ، وَبَطَلَ حَقُّ ذِي الْعَمْدِ بِنُكُولِ غَيْرِهِمْ، وَكَشَاهِدَيْنِ بِجُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ مُطْلَقًا، أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ثُمَّ يَتَأَخَّرُ الْمَوْتُ يُقْسِمُ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ، أَوْ بِشَاهِدٍ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، إِنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ، أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا، كَإِقْرَارِهِ مَعَ شَاهِدٍ مُطْلَقًا، أَوْ إِقْرَارِ الْقَاتِلِ فِي الْخَطَإِ فَقَطْ بِشَاهِدٍ. (الشرح) قوله: (وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ) يريد: أن القسامة تتوجه عند حصول سببها، وجعله مركبًا من أربعة قيود، احترز بالقتل من الجرح، وبالحر من العبد، وبالمسلم من الكافر، وبمحل اللوث مما إذا قتل لا في محله، فمتى انتفى شيء من هذه القيود فلا قسامة، واللَّوْث أمر ينشأ عنه غلبة الظن بصدق المدعي. وقد نبه على أنه خمسة أمثلة أشار إلى الأول منها بقوله: (كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ، حُرٌّ، مُسْلِمٌ: قتَلَنِي فُلانٌ) فشرط في قبول قول المقتول أن يكون بالغًا فلا يقبل قول الصبي غير المراهق، واختلف في المراهق (٢) على قولين، والمشهور منهما عدم القبول، وأن يكون حرًّا، فلا يقبل قول العبد (٣)؛ لأنه مدَّعٍ لغيره، وقال ابن المواز: إذا قال العبد دمي عند فلان، حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبرئ، فإن نكل حلف سيد العبد يمينًا واحدة واستحق القيمة مع ضرب مائة وحبس سنة. وقال ابن القاسم: يحلف المدعى عليه يمينًا واحدة، ولا قيمة ولا ضرب، ولا سجن، فإن نكل ضرب وسجن وغرم القيمة. وعن أصبغ: يحلف المدعى عليه خمسين يمينًا ويبرأ، فإن نكل لم تلزمه القيمة ولا ضرب
следующие страницы →