← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

الملك أن (١) الأقل تبع للأكثر. وإن كانا متناصفين قال عبد الملك: أو يقرب بعضهم من بعض حمل كل فريق ما هو أهله، وروي عن مالك (٢). قوله: (وَلَا شَامِيٍّ مَعَ مِصْرِيٍّ مُطْلَقًا) يريد: أن الشامي لا دخول له مع مصري، والعكس في ذلك، ومراده بالإطلاق سواء قربوا أو بعدوا، اتحد ما يؤخذ منهما أو اختلف. قوله: (وَالْكَامِلَةُ فِي ثَلاثٍ) لما قدم أن الدية تنجم أخذ يبين كيفية التنجيم في ذلك (٣) فقال: (وَالْكَامِلَةُ) أي: الدية الكاملة (في ثلاث سنين)، وسواء كانت دية المسلم أو غيره، ذكرًا أو أنثى. ابن عبد البر: وما قيل: إنها تنجم في أربع فشذوذ (٤). قوله: (تَحِلُّ بِأَوَاخِرِهَا) أي: يحل النجم الثالث بآخر السنة الثالثة. قوله: (مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ) أي: يكون ابتداء التنجيم يوم الحكم لا يوم القتل، ولا يوم الخصام أو صدور البينة. قوله: (وَالثُّلُثُ والثُّلُثَانِ بِالنِّسْبَةِ) أي: ينجم الثلث في سنة والثلثان في سنتين، وهذا على المشهور أن غير الكاملة تنجم أيضًا، وقيل: إنها حالَّة وهما روايتان عن مالك (٥). قوله: (وَنُجِّمَ فِي النِّصْفِ وَالثَّلاثَةِ الأَرْبَاعِ بِالتَّثْلِيثِ ثُمَّ لِلزَّائِدِ سَنَةٌ) أي: فإن كان الواجب النصف نجم الثلث في سنة، وجعل للسدس (٦) الزائد سنة أخرى، وتبع الشيخ هنا (٧) تشهير ابن الحاجب (٨)، وهو غير موجود، والذي حكاه ابن الجلاب (٩) في ذلك روايتان، وإحداهما أن الإمام يجتهد في ذلك فينجمه على ما يرى، والأخرى أن

стр. 2977

ذلك في سنتين (١). وحكى في المدونة الروايتين في النصف، ابن القاسم: وأحب إلي أن يكون في سنتين، قال في المدونة: والثلاثة الأرباع في ثلاث سنين (٢). وهذا يوافق ما ذكره الشيخ هنا؛ إلا أن (٣) الثلاثة الأرباع على ما قال في المدونة تكون في ثلاث سنين متساوية لكل سنة ربع الدية، وكذا على قول ابن القاسم. (المتن) وَحُكْمُ مَا وَجَبَ عَلَى عَوَاقِلَ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَحُكْمِ الْوَاحِدَةِ كَتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ عَلَيْهَا. وَهَلْ حَدُّهَا سَبْعُمِائَةٍ؟ أوِ الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ؟ قَوْلَانِ. وَعَلَى الْقَاتِلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ شَرِيكًا إِذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَلِعَجْزِهَا شَهْرَانِ كَالظِّهَارِ، لَا صَائِل، وَلَا قَاتِلِ نَفْسِهِ كَدِيَتِهِ. وَنُدِبَتْ فِي جَنِينٍ، وَرَقِيقٍ، وَعَمْدٍ، وَعَبْدٍ، وَعَلَيْهِ مُطْلَقًا جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ حَبْسُ سَنَةٍ، وَإِنْ بِقَتْلِ مَجُوسِيٍّ، أَوْ عَبْدِهِ، أَوْ نُكُولِ الْمُدَّعِي عَلَى ذِي اللَّوْثِ وَحَلِفِهِ. (الشرح) قوله: (وَحُكْمُ مَا وَجَبَ عَلَى عَوَاقِلَ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَحُكْمِ الْوَاحِدَةِ كَتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ عَلَيْهَا) يريد: أن حكم العواقل المتعددة في التنجيم مع اتحاد الجناية حكم العاقلة الواحدة، كعشرة رجال يحملون صخرة أو نحوها فتسقط منهم على شخص فتقتله، فإن العشر الواجب على عاقلة كل واحد منهم ينجم في ثلاث سنين، ويؤدون ذلك كلهم كالعاقلة الواحدة، وكذا إذا تعددت الجناية على العاقلة الواحدة فيكون حكمها في التنجيم حكم الجناية الواحدة، كالرجل الواحد وأكثر من قبيلة واحدة يقتل رجلين فأكثر خطأ، فإن ما وجب عليه من ديتين فأكثر ينجم على عاقلته في ثلاث سنين، ونبه على هذا خشية أن يتوهم أن الثانية لا تضرب إلا بعد وفاء الأولى (٤). قوله: (وَهَلْ حَدُّهَا سَبْعُمائَةٍ أَوِ الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ؟ قَوْلَانِ) هما معًا عن

стр. 2978

سحنون، فعنه أن حد العاقلة سبعمائة رجل ينسبون (١) إلى أب واحد، وفي رواية له: إذا كانت له خمسمائة أو ألف فهم قليل، يضم إليهم أقرب القبائل إليهم (٢). قوله: (وَعَلَى الْقَاتِلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَإِنْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ شَرِيكًا إِذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً -عِتْقُ رَقَبَةٍ وَلعَجْزِهَا شَهْرَانِ) يريد: أن كفارة القتل تجب على القاتل بالشروط المذكورة، فاحترز بالحر من العبد فإنها لا تجب عليه؛ إذ لا ولاء له، وبالمسلم من الكافر فإنه ليس من أهل القربة، وسواء كان بالغًا وعاقلًا أم لا، ولهذا تؤخذ من الصبي والمجنون؛ لأنها من باب خطاب الوضع (٣)، وكذا تجب على الشريك كفارة كاملة؛ لأنها لا تتبعض. ويشترط في المقتول (٤) أن يكون حرًّا مسلمًا معصومًا، ولهذا قال: (إِذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً (٥)) فلا تجب الكفارة في قتل عبد بل تستحب، ولا في قتل كافر للآية، ولا في قتل مرتد أو زانٍ محصن ونحوهما إذا ثبت عليهما ذلك، واحترز بالخطأ من العمد، فإنها لا تجب فيه بل تستحب، و (عِتْقُ رَقَبَةٍ) مبتدأٌ خبرُهُ قوله: (عَلَى الْقَاتِلِ ... إلى آخره)، ويريد بالرقبة أن تكون مسلمة سالمة من العيوب محررة لها (٦) ككفارة الظهار، فإن لم يجد رقبة صام شهرين. قوله: (كَالظِّهَارِ) يريد: أن ما يطلب في شهري الظهار من التتابع وغيره يطلب فيه، وما يبطله هناك يبطله هنا (٧). قوله: (لَا صَائِلٍ وَلَا قَاتِل نَفْسِهِ (٨)) أي: فلا كفارة على قاتلِ صائلٍ لعدم عصمته،

стр. 2979

ولا على قاتل نفسه إذ لا يتأتى خطابه بالكفارة، والجمهور على أن الدية تسقط في هذا النوع، وإليه أشار بقوله: (كَدِيَتِهِ). قوله: (وَنُدِبَتْ فِي جَنِينٍ، وَرَقِيقٍ، وَعَمْدٍ، وَعَبْدٍ) واختلف عن مالك في الجنين هل تستحب فيه الكفارة أم لا، والروايتان في الموازية (١)، وبالثانية قال أشهب (٢)، وفي المدونة استحسن مالك (٣) الكفارة فيه (٤). أبو الحسن: معناه: استحب (٥). وانظر عطفه (العبد) على (الرقيق) هل يحمل الأول على الخطأ والثاني على العمد أو العكس، أو يحمل الرقيق على أنه مقتول وأن العبد قاتل، والمذهب كما قال أنها مستحبة في العمد (٦). قوله: (وَعَلَيْهِ مُطْلَقًا جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ حَبْسُ سَنَةٍ) أي: وعلى القاتل جلد مائة ثم حبس سنة سواء كان رجلًا أو امرأة حرًّا أو عبدًا، يريد: إذا قَتَل من لا يكافئه، كالمسلم الحر (٧) يقتل عبدًا أو كافرًا، أو قتل من يكافئه وعفا عنه، وقال أصبغ: لا يحبس العبد ولا المرأة بل يجلدان (٨)، ونبه بقوله: (وَإِنْ بِقَتْلِ مَجُوسِيٍّ) على أن ذلك في الذمي من باب أولى، وبقوله: (أَوْ عَبْدِهِ) على أن ذلك في عبد غيره أحرى. قوله: (أَوْ نُكُولِ الْمُدَّعِي عَلَى ذلك اللَّوْثِ وحَلِفِهِ) يريد: ان الأولياء إذا وجب لهم القسامة بقيام اللوث على القاتل، فنكلوا عنها فحلف المدعى عليه وبرئ، فإنه يجلد

стр. 2980

مائة ويحبس عامًا على ما حكاه ابن المواز، قال: ولم يخالف فيه إلا ابن عبد الحكم (١). (المتن) وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ، كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ، حُرٌّ، مُسْلِمٌ: قَتَلَنِي فُلَانٌ وَلَوْ خَطَأً، أَوْ مَسْخُوطًا عَلَى وَرِعٍ، أَوْ وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ أَنَّهُ ذَبَحَهُ، أوْ زَوْجَةٌ عَلَى زَوْجِهَا إِنْ كَانَ جُرْحٌ، أَوْ أطْلَقَ وَبَيَّنُوا، لَا خَالَفُوا. وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ، وَلَا إِنْ قَالَ بَعْضٌ عَمْدًا، وَبَعْضٌ لَا نَعْلَمُ، أَوْ نَكَلُوا، بِخِلَافِ ذِي الْخَطَأ، فَلَهُ الْحَلِفُ وَأَخْذُ نَصِيبِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِمَا وَاسْتَوَوْا حَلَفَ كُلٌّ، وَلِلْجَمِيعِ دِيَةُ خَطَأٍ، وَبَطَلَ حَقُّ ذِي الْعَمْدِ بِنُكُولِ غَيْرِهِمْ، وَكَشَاهِدَيْنِ بِجُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ مُطْلَقًا، أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ثُمَّ يَتَأَخَّرُ الْمَوْتُ يُقْسِمُ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ، أَوْ بِشَاهِدٍ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، إِنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ، أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا، كَإِقْرَارِهِ مَعَ شَاهِدٍ مُطْلَقًا، أَوْ إِقْرَارِ الْقَاتِلِ فِي الْخَطَإِ فَقَطْ بِشَاهِدٍ. (الشرح) قوله: (وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ) يريد: أن القسامة تتوجه عند حصول سببها، وجعله مركبًا من أربعة قيود، احترز بالقتل من الجرح، وبالحر من العبد، وبالمسلم من الكافر، وبمحل اللوث مما إذا قتل لا في محله، فمتى انتفى شيء من هذه القيود فلا قسامة، واللَّوْث أمر ينشأ عنه غلبة الظن بصدق المدعي. وقد نبه على أنه خمسة أمثلة أشار إلى الأول منها بقوله: (كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ، حُرٌّ، مُسْلِمٌ: قتَلَنِي فُلانٌ) فشرط في قبول قول المقتول أن يكون بالغًا فلا يقبل قول الصبي غير المراهق، واختلف في المراهق (٢) على قولين، والمشهور منهما عدم القبول، وأن يكون حرًّا، فلا يقبل قول العبد (٣)؛ لأنه مدَّعٍ لغيره، وقال ابن المواز: إذا قال العبد دمي عند فلان، حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبرئ، فإن نكل حلف سيد العبد يمينًا واحدة واستحق القيمة مع ضرب مائة وحبس سنة. وقال ابن القاسم: يحلف المدعى عليه يمينًا واحدة، ولا قيمة ولا ضرب، ولا سجن، فإن نكل ضرب وسجن وغرم القيمة. وعن أصبغ: يحلف المدعى عليه خمسين يمينًا ويبرأ، فإن نكل لم تلزمه القيمة ولا ضرب

стр. 2981

ولا سجن إلا أن يسجن استبراء. وقال عبد الملك مثله، إلا أنه قال: يضرب أدبًا ولا ضرب [مائة]، ولا سجن [سنة]. وعنه: يضرب مائة ويحبس سنة في قتل المسلم حرًّا كان أو عبدًا (١). واحترز بكون المقتول مسلمًا من الكافر، فلا يقبل قوله في ذلك، وعن ابن القاسم: إذا قال الذمي (٢): قتلني فلان المسلم، يحلف ولاته يمينًا واحدا ويأخذون الدية (٣). وفي الموازية عنه: لا قسامة (٤). وعن المغيرة: أنهم لا يستحقون الدية إلا بخمسين يمينًا (٥)، وعن مالك وأشهب وابن عبد الحكم وعبد الملك: يحلف المدعى عليه خمسين يمينًا ويبرأ (٦). قوله: (قَتَلَنِي فُلانٌ) يريد: سواء كان فلان (٧) المدعى عليه حرًّا أو عبدًا أو صبيًّا، أو بالغًا ذكرًا أو أنثى، عدلًا أو مسخوطًا، مسلمًا أو ذميًّا، وظاهره: وإن لم يكن فيه جرح وهو ظاهر المدونة (٨) ورواه ابن وهب عن مالك، وقاله أصبغ (٩)، وعن ابن القاسم: لا يقبل (١٠) إلا مع الجرح، المتيطي: وبه العمل والحكم (١١). قوله: (ولَوْ خَطَأً) أي: ولو قال قتلني خطأ (١٢) هذا هو المشهور أن ولاته يقسمون ويستحقون الدية، وقيل: لا قسامة مع ذلك وهو مروي عن مالك (١٣).

стр. 2982

قوله: (أَوْ مَسْخُوطًا عَلَى وَرِعٍ) يريد: لو ادَّعى القتل مسخوط على أورع أهل زمانه، وهو المشهور، وقاله في المدونة (١)، وعن ابن عبد الحكم: لا يقبل قول المسخوط على العدل لبعد دعواه. قوله: (أَوْ وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ أنّه ذَبَحَهُ) أي: وكذا تثبت القسامة بقول الولد ذبحني أبي أو أضجعني (٢) وشق بطني ونحوه، فيقسم ولاته خمسين يمينًا ويقتلون الأب وهذا على قول ابن القاسم لا على قول أشهب، فإن الوالد لا يقتل بابنه بحال (٣). واحترز بقوله: (ذَبَحَنِي) مما إذا قال: رماني بحديدة ونحوها فإنه لا يقتل به، بل يقسمون ويأخذون الدية. قوله: (أَوْ زَوْجَةٌ عَلَى زَوْجِهَا) هذا هو ظاهر المذهب، ولابن مزين: لا يقبل قولها عليه؛ لأنه مأذون له في ضربها، وقد يتصل بالموت (٤). قوله: (إِنْ كَانَ جُرْحٌ) كان هنا تامة؛ أي: يقبل قول المقتول إذا حصل فيه جرح، وقد سبق أنه قول ابن القاسم، وبه العمل والحكم، وأن ظاهر المدونة قبول قوله وإن لم يكن فيه جرح (٥). قوله: (أَوْ أَطْلَقَ وَبَيَّنُوا) فإن قال: قتلني ولم يبين هل عمدًا أو خطأً بل أطلق، فإن لأوليائه أن يبينوا ذلك ويقسموا عليه، فإن أقسموا على العمد قَتَلُوا، أو على الخطأ أخذوا الدية، وهو المشهور، وقاله في المدونة (٦)، ووقف ابن القاسم في العمد وقال: أحب إليَّ ألا يقسموا إلا على الخطأ (٧). وعنه: يكشف عن حاله وجراحاته وموضعها، وعن حال القاتل والحالة التي كانت بينهما من العداوة وغيرها، فيستدل بذلك حتى

стр. 2983

يظهر سبب يقسمون عليه حينئذٍ ويقتلون، فإن لم يظهر عمدًا ولا خطأً لم يقبل قولهم (١) كقول المقتول؛ لأن السنة إنما جاءت في قول المقتول (٢)، واستحسنه اللخمي (٣). قوله: (لا خَالَفُوا) أي: فلا قسامة إذا خالفوا قول المقتول كما إذا قال: قتلني عمدًا وقالوا بل خطأ، أو قال خطأ، وقالوا: بل عمدا؛ لأنه إذا ادعى العمد فقد أبرأ العاقلة، وهم قد برؤوا القاتل، وفي العكس هو أبرأ القاتل وهم أبرؤوا العاقلة. قوله: (وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ) يعني فإن رجعوا إلى قول المقتول بعد أن خالفوه لم يقبل رجوعهم لتعلق حق خصمهم بقولهم أولًا، لأنهم قد كذبوا أنفسهم وهذا هو الصحيح وهو قول أشهب، ولابن القاسم في المجموعة: يقبل رجوعهم؛ لأنه قال: إذا ادعوا خلاف قوله فليس لهم أن يحلفوا إلا على قوله (٤). قوله: (وَلَا إِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: عَمْدًا، وَبَعْضٌ: لا نَعْلَمُ، أَوْ نَكَلُوا) أي: وكذا لا قسامة إذا قال بعض الأولياء: قتله عمدًا، وقال بعضهم: لا نعلم هل قتله عمدًا أو خطأً، أو قال جميعهم قتله عمدًا، ونكلوا، وبطل الدم، وهو مذهب المدونة (٥)، ولابن القاسم في العتبية: أن لمن قال عمدًا أن يحلف ويستحق نصيبه من الدية (٦).

стр. 2984

قوله: (بِخِلافِ ذِي الْخَطَأ، فَلَهُ الْحِلِفُ، وَأَخْذُ نَصِيبِهِ) أي: بخلاف مدعي الخطأ إذا خالفه غيره فإنه يحلف على دعوته ويأخذ نصيبه من الدية، ولا شيء لغيره ممن نكل وادعى عدم العلم؛ لأن دعوى الخطأ مال فلا يبطل حق بعضهم بنكول البعض أو عدم علمه. الأبهري: وَالقياس ألا يمكنوا من الحلف (١). قوله: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِمَا وَاسْتَوَوْا حَلَفَ كُلٌّ، وَلِلْجَمِيعِ دِيَةُ خَطَأٍ) يريد: أن الفريقين من الأولياء إذا اختلفوا في العمد والخطأ فقال بعضهم: قتله عمدًا، وقال الآخرون قتله خطأً -أي: ومات المقتول ولم يبين- فإنهم يحلفون، ويستحقون دية الخطأ. قال في المدونة: لا سبيل إلى القتل (٢). ولأشهب في الموازية: ولمن أقسم على الخطأ نصيبه على العاقلة، ولمن أقسم على العمد (٣) نصيبه على الجاني (٤). ولا بد من كون الأولياء مستوِين بأن يكونوا كلهم (٥) إخوة أو أولادًا أَو أعمامًا في درجة واحدة (٦)، فإن اختلفت منازلهم ففي الموازية إذا قالت ابنته خطأ، وقالت العصبة: عمدا أن دمه هدر، ولا قسامة ولا قود ولا دية، ويحلف المدعى عليه ما قتله عمدا ويبرأ، وقال محمد: إن ادعى العصبة كلهم العمد لم ينظر إلى ورثته من النساء إذ لا عفو لهم مع الرجال، وإن قال العصبة كلهم قتله خطأ، وقال النساء عمدًا حلف العصبة خمسين يمينًا وكان لهم نصيبهم من الدية (٧). قوله: (وَبَطَلَ حَقُّ ذِي الْعَمْدِ بِنُكُولِ غَيْرِهِمْ) أي: إذا مات المقتول ولم يبين فقال

стр. 2985

بعض الأولياء: قتله عمدًا، وبعضهم: خطأً، ثم نكل مدَّعُو الخطأ، فإن حق مدَّعيِ العمد يبطل ولا قسامة ولا دية؛ لأن الدية إنما وجبت لهم إذا حلف مدَّعُو الخطأ بالتبعية، لأنهم إنما يدعون الدم، وانظر على قول أشهب المتقدم. ثم أشار إلى المثال الثاني من أمثلة اللَّوْث بقوله: (وَكَشَاهِدَيْنِ بِجُرْحٍ، أَوْ ضَرْبٍ مُطْلَقًا) أي: شهد شاهدان على الجرح أو الضرب، ومراده بالإطلاق سواء كان عمدًا أو خطأً. قوله: (أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً) وكذلك شهادتهما على إقرار المقتول أن فلانًا قتله (١) عمدًا أو خطأً. قوله: (ثُمَّ يَتَأَخَّرُ الْمَوْتُ) أي: بعد معاينة البينة (٢) للجرح أو الضرب، أو إقراره بذلك، يومًا فصاعدًا (٣) ولو أكل وشرب. قوله: (يُقْسِمُ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ) أي: فإذا ثبت ذلك أقسم الولاة لمن ضربه أو جرحه مات ولهم القصاص في العمد والدية في الخطأ، ولهم ترك القسامة والقصاص في الجراح مع العمد وديته في الخطأ. قوله: (أَوْ شَاهِدٍ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، إِنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ) هذا مثال ثالث من أمثلة اللَّوْث، أي: وكذلك تتوجه القسامة إذا شهد شاهد واحد (٤) بالجرح أو الضرب، وإليهما تعود الإشارة، و (مُطْلَقًا) أي: عمدًا أو خطأً، وهذا الذي ذكره هو مذهب المدونة (٥)، وقال ابن عبد الحكم (٦) وابن القاسم في روايه يحيى: لا قسامة بالشاهد الواحد (٧)، ولا بد من ثبوت الموت كما قال؛ لأنه قبل ثبوته (٨) يحتمل أن يكون حيًّا ولا قسامة في حي. قوله: (أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا) أي: وكذا تثبت القسامة إذا شهد شاهد بإقرار

стр. 2986

المقتول أن فلانًا قتله عمدًا، واحترز بالعمد من الخطأ، فإنه لا يثبت بالشاهد الواحد؛ لأن قول المقتول في الخطأ جرى مجرى الشهادة؛ لأنه شاهد على العاقلة، والشاهد لا ينقل عنه إلا اثنان، وفي العمد إنما يطلب للمقتول (١) ثبوت الحكم لنفسه، وهو القصاص، ولابن القاسم: أنه لا يقسم مع الشاهد في ذلك (٢). قوله: (كَإِقْرَارِهِ مَعَ شَاهِدٍ مُطْلَقًا) أي: كإقرار مقتول مع شهادة شاهد بمعاينته الجرح أو الضرب عمدًا أو خطأً، وهو مراده بالإطلاق، ولو سقط هذا الفرع لأخذ حكمه مما تقدم؛ لأن القسامة إذا ثبتت بالشاهد الواحد على ذلك فلأن تثبت به مع إقرار المقتول من باب الأولى. قوله: (أَوْ إِقْرَارِ الْقَاتِلِ فِي الْخَطَأِ فَقَطْ بِشَاهِدٍ) أي: وكذا تثبت القسامة إذا شهد على إقرار القاتل شاهد في الخطأ فقط، وأما في العمد فلا، ويريد: بشرط أن يكون المعترف في الخطأ مأمونًا لا يتهم في إغناء ورثة المقتول، وقاله في الذخيرة عن ابن زرب (٣)، يريد: لأن الدية في الخطأ إنما تؤخذ من العاقلة، وقد تقدم الخلاف في ذلك عند قوله: (بلَا اعْتِرَافٍ). (المتن) وَإِنِ اخْتَلَفَ شَاهِدَاهُ بَطَلَ، وَكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ، أَوْ رَآهُ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، وَالْمُتَّهَمُ قُرْبَهُ وَعَلَيْهِ أَثَرُهُ. وَوَجَبَتْ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ، وَلَيْسَ مِنْهُ وُجُودُهُ بِقَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ. وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَتَلَ وَدَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ اسْتُحْلِفَ كُلٌّ خَمْسِينَ، وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ، أَوْ عَلَى مَنْ نَكَلَ بِلَا قَسَامَةٍ. وَإِنِ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ عَنْ قَتْلَى، وَلَم يُعْلَمِ الْقَاتِلُ، فَهَلْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ مُطْلَقًا؟ أَوْ إِنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ؟ أوْ عَنِ الشَّاهِدِ فَقَطْ؟ تَأْوِيلَاتٌ. وَإِنْ تَأَوَّلُوا فَهَدَرٌ، كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ. (الشرح) قوله: (وَإِنِ اخْتَلَفَ شَاهِدَاهُ بَطَلَ) أي: شاهدا القتل، فإن قال أحدهما: قتل بحجر، وقال الآخر: بل (٤) بسيف، فإن الحق يبطل لتعارضهما، ولا يبقى إلا مجرد الدعوى

стр. 2987

فليس للأولياء مع شهادة أحدهما أن يقسموا، وقاله في المدونة (١)، وقال سحنون: هذا إذا ادعى الأولياء بشهادتهما جميعًا، وأما إذا ادعوا شهادة أحدهما أولًا ففيه القسامة (٢). قوله: (وَكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ) هذا هو المثال الرابع من أمثلة اللَّوْث، وهو أن يشهد العدل بمعاينة القتل فيقسم الولاة مع شهادته ويستحقون الدم، وإنما قال: (فَقَطْ) إشارة منه إلى أن غير العدل لا يكون لوثًا، وهو المشهور، وقاله في المدونة (٣)؛ لأن شهادة غير العدل ساقطة شرعًا (٤)، وعن مالك أن شهادته لوث، ومثله المرأة (٥)، ولم يختلف قوله (٦) في الصبي والعبد والكافر أنه ليس بلوث. قوله: (أَوْ رَآهُ يَتَشَحَّطُ، فِي دَمِهِ، والْمُتَّهَمُ قُرْبَهُ وَعَلَيْهِ أَثَرُهُ) هذا هو المثال الخامس، وهو أن يرى العدل القتيل يتشحط في دمه، والمتهم بالقتل واقف بالقرب منه، وعليه آثار القتل من التلطخ بالدم والمدية في يده ونحوه، وحكى ابن سهل أن العمل جارٍ عندهم أن هذا ليس بلوث (٧). قوله: (وَوَجَبَتْ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ) أي: ووجبت القسامة ولو تعدد اللوث، أي: كما إذا شهد شاهد بالقتل وقال المقتول: دمي عند فلان، ولا خلاف في ذلك، ونص عليه في المدونة (٨) وغيرها. قوله: (وَلَيْسَ مِنْهُ وُجُودُهُ بِقَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ) أي: وليس من اللوث وجود المقتول بقرية قوم أو دارهم، وهو مذهب مالك (٩) وجماعة من الحجازيين، واختلف قول أصحابنا في كونه لوثًا في قصة "حويصة أو محيصة"، وهي وجود مسلم ببلد الكفار، وقال: ولا ينبغي أن يختلف في مثل ذلك.

стр. 2988

قوله: (وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَتَلَ وَدَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ اسْتُحْلِفَ كُلٌّ خَمْسِينَ، وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى مَنْ نَكَلَ بِلا قَسَامَةٍ) أي: شهد على شخص أنه قتل شخصًا، ودخل في جماعة فلم يعرف من جملتهم فإن كل واحد منهم يحلف خمسين يمينًا أنه لم يقتله فإن حلفوا كلهم فالدية عليهم، وكذلك إن نكلوا كلهم، فإن حلف البعض ونكل البعض فالدية على من نكل فقط بغير قسامة من الأولياء، وهو مذهب ابن القاسم في العتبية، وقال سحنون: لا شيء عليهم (١). وقيل: وهو الأقرب. قوله: (وَإِنِ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ عَنْ قَتْلَى، ولَمْ يُعْلَمِ الْقَاتِلُ، فَهَلْ لا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ مُطْلَقًا؟ أَوْ إِنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ، أَوْ عَنِ الشَّاهِدِ فَقَطْ؟ تَأْوِيلاتٌ) احترز بالبغاة من قتال الكفار ونحوهم، ومعنى كلامه: إذا اقتتل طائفتان من المسلمين لنائرة (٢) أو عداوة، وقتل بينهما قتيل لا يعلم من قتله من الفريقين، فقيل: لا قسامة ولا قود مطلقًا، وهكذا وقع في المدونة (٣)، ورجع إليه ابن القاسم (٤)، وحملها بعضهم على هذا الظاهر. ومراده بالإطلاق؛ أي: سواء ادعى المقتول دمه عند أحد أو قام له بذلك شاهد أم لا، فسرها ابن القاسم في العتبية والمجموعة فقال معنى قول مالك: "لا قسامة" إذا لم يدع الميت دمه عند أحد ولا قام له بذلك شاهد وأما إذا ادعى ذلك أو قام له شاهد فالقسامة، وهو قول أشهب و (٥) مطرف، وابن الماجشون وأصبغ (٦)، وقيل: معناها لا قسامة بالتدمية بخلاف الشاهد، وهذه التأويلات الثلاث على رواية المدونة، وفي الموطأ: العقل على كل فرقة للمصاب في الأخرى، فإن لم يكن منهما فالعقل عليهما (٧)؛ أي: على كل فرقة في أموالهم، وقاله مالك ومحمد (٨).

стр. 2989

قوله: (وإِنْ تَأَوَّلُوا فَهَدَرٌ) يعني: أن جميع ما تقدم إنما هو إذا كانت الطائفتان باغيتين لنائرة (١) أو عصبية من غير تأويل، فإن تأولتا فإن دم من قتل منهم يكون هدرًا، فإن تأولت واحدة دون الأخرى فما قتل من الباغية فهدر، وقاله ابن القاسم (٢)، وروي معناه عن مالك، وذهب أصبغ إلى أنه يقتص منه سواء تاب أو أخذ قبل التوبة (٣). قوله: (كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ) أي: فإن دم مقتول (٤) الزاحفة هدر، ودم الدافعة فيه القصاص (٥). (المتن) وَهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً بَتًّا، وَإِنْ أَعْمَى أَوْ غَائِبًا، يَحْلِفُهَا فِي الْخَطَإِ مَنْ يَرِثُ الْمَقْتُولَ، وَإِنْ وَاحِدًا أَوِ امْرَأَةً، وَجُبِرَتِ الْيَمِينُ عَلَى أَكْثَرِ كَسْرِهَا، وَإِلَّا فَعَلَى الْجَمِيعِ، وَلَا يَأَخُذُ أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَهَا، ثُمَّ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ حِصَّتَهُ. وَإِنْ نَكَلُوا، أَوْ بَعْضٌ حَلَفَتِ الْعَاقِلَةُ، فَمَنْ نَكَلَ فَحِصَّتُهُ عَلَى الأَظْهَرِ. وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةٍ؛ وَإِلَّا فَمَوَالٍ. وَلِلْوَلِيِّ الاِسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ، وَلِلْوَلِيِّ فَقَطْ حَلِفُ الأَكْثَرِ؛ إِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى نِصْفِهَا، وَوُزِّعَتْ وَاجْتُزِئَ بِاثْنَيْنِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ. (الشرح) قوله: (وهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً بَتًّا) هذا تفسير القسامة، وهي خمسون يمينًا، وإنما شرط فيها التوالي لأنه أرهب وأوقع في النفس، واشترط كونها بتًّا؛ لأنه الذي ورد به النص في قصة حويصة ومحيصة، وقول الأولياء: كيف نحلف ولم نحضر؛ إذ لو كانت على العلم لما كانت غيبتهم (٦) مانعة منها (٧). قوله: (وَإِنْ أَعْمَى، أَوْ غَائِبًا) أي: وإن كان الحالف (٨) أعمى أو غائبًا (٩) حين القتل،

стр. 2990

وقاله في المدونة (١). إذْ العمى والغيبة لا يمنعان من تحصيل أسباب العلم. قوله: (يَحْلِفُهَا فِي الْخَطَإِ مَنْ يَرِثُ) أي: فلا يحلفها من لا يرث، ويحلفها من الورثة المكلفون واحدًا وجماعة ذكرًا أو أنثى، ولهذا قال: (وَإِنْ وَاحِدًا، أَوِ امْرَأَةً). قوله: (وَجُبِرَتِ الْيَمِينُ عَلَى أَكْثَرِ كَسْرِهَا) اعلم أن لهذه اليمين ثلاثة أحوال، تارة لا ينكسر منها شيء كاثنين (٢) يحلف كل واحد منهما خمسة وعشرين يمينًا، وتارة ينكسر منها يمين أو أيمان، ويختلف (٣) أيضًا الورثة في أجزائها كابن وبنت فينوب الابنَ نحو الثلثين ثلاثة وثلاثين وثلث، وينوب البنت الثلث ستة عشر يمينًا وثلثا يمين، فقد صح (٤) أن البنت ينوبها من اليمين المنكسرة أكثر كسرها فتحلفها هي دون الابن كما قال هنا، وقيل: يحلف كل واحد منهما يمينًا، وفي المقدمات: يحلفها أكثرهم نصيبًا من الأيمان (٥)، وهو الابن في الفرض المذكور. وتارة تنكسر ويتساوى الورثة في الجزء المنكسر كثلاثة بنين أو أربعة فيحلف كل واحد يمينًا، وهو معنى قوله: (وَإِلَّا فَعَلَى الْجَمِيعِ) أي: وإن لم يكن الكسر أكثر بل كان الكسر مساويًا فيحلف كل واحد يمينًا، وقيل: بالقرعة. قوله: (وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَهَا) أي: لو غاب أحد الورثة أو نكل وأراد غيره ان يحلف نصيبه من الأيمان ويأخذ ما ينوبه من الدية لم يكن له ذلك حتى يحلف جميع أيمان القسامة؛ إذ لا يلزم العاقلة شيء من الدية إلا بعد ثبوت الدم، وهو لا يثبت إلا بعد حلف جميع أيمان القسامة (٦). قوله: (ثُمَّ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ حِصَّتَهُ) أي: فإذا وجبت الدية بأيمان من تقدم فمن حضر بعد ذلك حلف نصيبه من الأيمان وأخذ حصته من الدية، ولا يجتزئ بيمين من

стр. 2991

حضر قبله ولو حلف الخمسين (١). قوله: (وَإِنْ نَكَلُوا أَوْ بَعْضٌ (٢) حَلَفَتِ الْعَاقِلَةُ) أي: وإن نكل ورثة أو بعضهم عن القسامة ردت الأيمان على العاقلة فحلفوا كلهم. ابن القاسم: ولو كانوا عشرة آلاف رجل فمن حلف لم يلزمه الغرم، ومن نكل لزمه ما يجب عليه والقاتل كرجل (٣) منهم (٤). ابن رشد: وهو أبين الأقاويل، وأصحها في النظر (٥)، وإليه أشار بقوله: (فَمَنْ نَكَلَ فَحِصَّتُهُ عَلَى الأَظْهَرِ). وقال أيضًا ابن القاسم: يحلف من العاقلة خمسون رجلًا يمينًا يمينًا، فإن حلفوا برئوا هم والعاقلة، وإن حلف بعضهم برئوا ولزم بقية العاقلة الدية كاملة حتى يتموا الخمسين. وقال عبد الملك: إن نكلوا أو بعضهم فلا حق لمن نكل، ولا يمين على العاقلة، وعن مالك: إن اليمين يرجع على المدعى عليه، فإن حلف برئ، وإن نكل لم يلزم العاقلة بنكوله شيء (٦). قوله: (وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِن رَجُلَيْنِ) قال ابن القاسم: وكأنها من ناحية الشهادة (٧)؛ أي: ولا يقبل فيها أقل من رجلين، ومثله عن أشهب، وعبد الملك، ولهذا لا يحلف النساء في العمد لعدم شهادتهن فيه (٨). قوله: (عَصَبَةً) أي: للقتيل وسواء ورثوا أم لا. قوله: (وَإِلَّا فَمَوَالٍ) أي: فإن لم يكن عصبة من جهة النسب فالموالي؛ أي: الأعلون. قوله: (وَللْوَلِيِّ الاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ) أي: فإن كان الولي واحدًا فله أن يستعين بواحد من عصبته؛ أي: ممن يلتقي معه في أب معروف يوارثه به.

стр. 2992

قوله: (وَلِلْوَلِيِّ فَقَطْ حَلِفُ الأَكْثَرِ إِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى نِصْفِهَا) أي: إذا وجد الولي واحدًا من عصبته حلف كلّ واحد منهما خمسًا وعشرين يمينًا، وإن وجد أكثر قسمت الإيمان على عددهم، فإن رضي أحد المعينين أو جميعهم أن يحلف أكثر من نصيبه لَمْ يجز، وإن رضي الولي أن يحلف أكثر من نصيبه جاز، ما لَمْ يزد على نصف الإيمان. قوله: (وَوُزِّعَتْ) أي: الأيمان على عدد المستحقين إن كانوا خمسين فأقل، فلو كان ولدان حلف كلّ واحد نصفها فإن طاوع أحدهما أن يحلف أكثر من نصيبه لَمْ يجز، وإن كانوا ثلاثة حلف كلّ واحد سبع عشرة يمينًا، وكذلك يوزعون الأيمان (١). قوله: (وَاجْتُزِئَ بِاثْنينِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ) يريد: أن ولاة الدم إذا كانوا أكثر من اثنين فقال ابن القاسم: يجتزئ منهم باثنين بشرط أن يكونا متطوعين بذلك، وأن لا يكون ذلك نكولًا ممن لَمْ يحلف، ولأشهب وعبد الملك والمغيرة: لا بد من حلف الجميع، ولا يجتزئ بحلف البعض، وهو كالنكول ممن لَمْ يحلف (٢). (المتن) وَنكُولُ الْمُعِينِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَوْ بَعُدُوا فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ، وَمَنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ، وَلَا اسْتِعَانَةَ. وَإِنْ أَكْذَبَ بَعْضٌ نَفْسَهُ بَطَلَ؛ بِخِلَافِ عَفْوِهِ، وَلِلْبَاقِي نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ. وَلَا يُنْظَرُ صَغِيرٌ، بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمُبَرْسَمِ إِلَّا أَلَّا يُوجَدَ غَيرُهُ فَيَحْلِفَ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ، وَالصَّغِيرُ مَعَهُ. وَوَجَبَ بِهَا الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ، مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا. وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ، أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً، وَأَخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ نَكَلَ بَرِئَ الْجَارِحُ إِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا حُبِسَ، فَلَوْ قَالَتْ: دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ. فَفِيهَا الْقَسَامَةُ، وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ، وَلَوِ اسْتَهَلَّ. (الشرح) قوله: (وَنكُولُ الْمُعِينِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ) يريد: أن من أعان غيره في الإيمان لا يعتبر نكوله؛ إذ لا حق له في الدم، ولأنه قد يتهم في ذلك برِشاء (٣) وغيره، وإذا نكل المستعين، وكان المستحق للدم واحدًا، فإن وجد من يستعين به غير هذا الناكل حلف معه، وإلا بطل

стр. 2993

الدم؛ إذ لا يحلف في العمد (١) أقلّ من رجلين. قوله: (بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَوْ بَعُدُوا) أي: بخلاف غير المعين، فإنه إذا نكل سقط القود ولا خلاف فيه، إذا استوى الأولياء في الدرجة، واختلف إذا لَمْ يستووا كأولاد العم مع أبيهم، ونحو ذلك، فالمشهور أيضًا سقوط القود (٢)، قاله الباجي (٣)، وقيل: لا يسقط إلَّا باجتماعهم، وقال ابن نافع: إن كان على وجه العفو حلف من بقي، وأخذ الدية، وإن كان على وجه التورع حلفوا وقتَلُوا، واختلف هل وفاق أو خلاف، وقال ابن القاسم: إذا كان العفو قبل القسامة بطل القتل والدية، وإن كان بعدها بطل القتل وكان لمن بقي حصته من الدية (٤)، وأبطل عبد الملك الدية مطلقًا (٥)، ولا فرق عند الجميع بين العفو والنكول. قوله: (فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ، وَمَنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ) أي: وإذا نكل أحد الأولياء وسقط الدم ردت الإيمان على المدعى عليهم، وهكذا روي عن مالك، وعنه أن لمن بقي حظهم من الدية إن حلفوا (٦)، ابن عبد السلام: والأول أظهر (٧). قوله: (يَحْلِفُ كُلٌّ) أي: يحلف كلّ واحد من المدعي عليهم خمسين يمينًا إن كانوا جماعة، وإن كان واحدًا حلف خمسين، ومن نكل منهم حبس حتى يحلفها، وقيل: تؤخذ الدية من ماله، وقيل: يحبس حتى يحلف أو يطول حبسه (٨). قوله: (وَلَا اسْتِعَانَةَ) أي: للمدعى عليه، وقاله في المدونة (٩)، وهو قول مطرف (١٠)،

стр. 2994

وقال ابن القاسم: له ذلك، وحمل أبو الحسن المدونة عليه. ولابن القاسم أيضًا في العتبية والموازية: أن المدعى عليه بالخيار بين أن يحلف جميع الإيمان أو يحلفها المتهم وحده (١)، ابن عبد السلام: والقول الأول أظهر (٢). قوله: (وَإِنْ أَكْذَبَ بَعْضٌ نَفْسَهُ بَطَلَ؛ بِخِلَافِ عَفْوِهِ، وَلِلْبَاقِي نَصِيبُهُ مِنَ الدِّيَةِ) وإن أكذب أحد الأولياء نفسه سقط القود، وإن عفا حلف من بقي وكان له نصيبه من الدية (٣). قوله: (وَلَا يُنْظَرُ صَغِيرٌ) يريد: أن الميت إذا كان له وليان (٤)، إما في درجة واحدة أو بالاستعانة، لَمْ ينظر بلوغ الصغير (٥)، فإن الكبير يحلف حصته الآن وهي خمس وعشرون يمينًا، ولا يؤخر إلى بلوغ الصغير؛ لأنه قد يموت قبل ذلك فيبطل الدم. قوله: (بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمُبَرْسَمِ إِلَّا أَلَّا يُوجَدَ غَيرُهُ فَيَحْلِفَ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ) قال في المدونة: وإن كان في الأولياء مغمى عليه أو مبرسم فإنه ينتظر إفاقته؛ لأن هذا مرض من الأمراض يزول عن قرب (٦). وقوله: (إِلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهُ) الضمير للصغير؛ أي: إلَّا أن لا يوجد غير الصغير، والاستثناء من قوله: (وَلَا يُنْتَظَرُ صَغِير) (٧). قوله: (وَالصَّغِيرُ مَعَهُ) أي: حال اليمين؛ لأنه أرهب (٨)، والجملة في محل الحال. قوله: (وَوَجَبَ بِهَا الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ، مِنْ وَاحِدٍ) أي: ووجب بالقسامة الدية في الخطأ، والقصاص في العمد، ولا يقتل بها إلَّا واحد؛ لأنه أضعف من الإقرار والبينة، وهذا هو الصحيح، وقيل: يقتل بها أكثر من واحد.

стр. 2995

قوله: (يُعَيَّنَ لَهَا) أي: للقسامة، فلا يقسمون إلا على عين من يريدون قتله، ويعينوه من الجماعة الذين شملهم اللوث. ابن القاسم: ويقسمون (١) لمات من ضربه، ولا يقولون من ضربهم (٢)، وهذا في العمد، وأما في الخطأ فلا يقسمون إلَّا على جميعهم توزع الدية على عواقلهم، ولا فرق بين كون الضرب واحدًا أو متعددًا (٣)، ولسحنون: إن كان واحدًا كقوم حملوا صخرة فالقسامة على الجميع في العمد والخطأ، وإن كان الضرب متفرقًا فلا يُقْسَم إلَّا على واحد، وقال أيضًا: لهم أن يقسموا على الجماعة، ثم يختارون واحدًا للقتل (٤). قوله: (وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ، أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً، وَأَخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ نَكَلَ بَرِئَ الْجَارِحُ إِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا حُبِسَ) يريد: من أقام شاهدًا على أحد هذه الأمور لَمْ يطلب بقسامة، ولكن يحلف يمينًا واحدة على ما شهد به شاهده، ويأخذ دية ذلك، فإن نكل عن اليمين قيل للجارح احلف، فإن حلف بريّ، وإن نكل حبس حتى يحلف، وكان ابن القاسم يقول: يقتص منه، ثم رجع وقال أيضًا: إذا طال سجنه ولم يحلف عوقب وأطلق، إلَّا أن يكون متمردًا فيخلد في السجن (٥). قوله: (فَلَوْ قَالَتْ دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ. فَفِيهَا الْقَسَامَةُ، وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ، وَلَوِ اسْتَهَلَّ) أي: فلو قالت امراة: دمي وجنيني عند فلان فإن القسامة تتوجه فيها نفسها، ولا قسامة في الجنين؛ لأنه كالجرح وهو لا قسامة فيه، وهو بمنزلة ما لو قالت: جرحني فلان، وهو غير مسموع، ولا فرق بين أن يستهل الجنين أم لا، أما لو ثبت موتها (٦) وخرج الجنين ميتًا بعدُ لكان (٧) في الأم القسامة؛ لأنَّها نفس، ويحلف وَلِيُّ الجنين يمينًا واحدة ويأخذ ديته، فإن استهل ففيه القسامة أيضًا (٨).

стр. 2996

بابٌ [في أحكام البغي] (المتن) بابٌ الْبَاغِيَّةُ فِرْقَةٌ خَالَفَتِ الإِمَامَ لِمَنْعِ حَقٍّ، أَوْ لِخَلْعِهِ، فَلِلْعَدْلِ قِتَالُهُمْ، وَإِنْ تَأَوَّلُوا كَالْكُفَّارِ. وَلَا يُسْتَرَقُّوا، وَلَا يُحْرَقُ شَجَرُهُمْ، وَلَا تُرْفُعُ رُؤُوسُهُمْ بِأَرْمَاحٍ، وَلَا يَدَعُوهُمْ بِمَالٍ. وَاسْتُعِينَ بِمَالِهِمْ عَلَيهِمْ إِنِ احْتِيجَ لَهُ، ثُمَّ رُدَّ كَغَيْرِهِ. وَإِنْ أُمِنُوا لَمْ يُتْبَعْ مُنْهَزِمُهُمْ، وَلَمْ يُذَفَّفْ عَلَى جَرِيحِهِمْ. وَكُرِهَ لِلرَّجُلِ قَتْلُ أَبِيهِ، وَوَرِثَهُ، وَلَمْ يَضْمَنْ مُتَأَوِّلٌ أَتْلَفَ نَفْسًا أَوْ مَالًا. وَمَضَى حُكْمُ قَاضِيهِ، وَحَدٌّ أَقَامَهُ وَرُّدَّ ذِمِّيٌ مَعَهُ لِذِمَّتِهِ. وَضَمِنَ الْمُعَانِدُ النَّفْسَ وَالْمَالَ، وَالذِّمِّيُّ مَعَهُ نَاقِضٌ وَالْمَرْأَةُ الْمُقَاتِلَةُ كَالرَّجُلِ. (الشرح) (الْبَاغِتةُ: فِرْقَةٌ خَالَفَتِ الإِمَامَ حَقٍّ، أَوْ لِخَلْعِهِ) الباغية: صفة لمحذوف، أي: الفئة الباغية. ولما كان البغي في عرف الفقهاء هو: الخروج عن طاعة الإمام ابتغاءً لخلعه، أو منعًا من حق وجب عليهم (١)، أو امتناعًا من الدخول تحت طاعته. عرف الفئة الباغية بما قال. قوله: (فَلِلْعَدْلِ قِتَالُهُمْ) أي: وأما غير العدل فلا، لاحتمال أن يكون فسقه وجوره سببًا في خروجهم. سحنون: ولا يقاتلون حتى يدعوا إلى الحق (٢)، وهو ظاهر، ولا فرق في هؤلاء بين المتأولين وغيرهم، وأن الإمام يجوز له قتالهم، وإليه أشار بقوله: (وإِنْ تَأَوَّلُوا). قوله: (كَالْكُفَّارِ) يريد: أن للإمام في قتالهم ما في الكفار من ضرب بالسيف، ورمي بالنبل، ومنجنيق، وتغريق، وتحريق، ولا يمنعه من ذلك وجود النساء والذرية فيهم، إلى غير ذلك (٣). قوله: (وَلَا يُسْتَرَقُّوا، وَلَا تُحْرَقُ شَجَرُهُمْ) إنما لَمْ يسترقوا لأن الحر المسلم لا يسترق، وكذلك لا تحرق أشجارهم، أي: ولا مساكنهم؛ لأنَّها من أموال المسلمين. ابن بشير:

стр. 2997

ويقصد بقتالهم: ردعهم لا قتلهم، ولا يتبع منهم من هزم (١)، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسراهم، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا يستعان عليهم بمشرك (٢)، ولا يواعدهم على مال (٣)، ولا ينصب عليهم الرعَّادات (٤). قوله: (وَلَا تُرْفَعُ رُؤُوسُهُمْ بِأَرْمَاحٍ) يريد: لأن ذلك مثلة، قال في النوادر: ولا يبعث بالرؤوس إلى الآفاق؛ لأن ذلك مثلة (٥). قوله: (ولا يَدْعُوهُمْ بِمَالٍ، وَاسْتُعِينَ بمالهم عَلَيْهِمْ) ظاهره كان سلاحًا أو غيره، وانظر (٦) مع قول ابن حبيب: وما أصيب من سلاحهم وكراعهم فإن كانت لهم فئة قائمة استعان به الإمام ومن معه على قتالهم إن احتاجوا إليه، فإن زال الحرب رده إلى أهله، وما سوى الكراع والسلاح فيوقف حتى يؤدى (٧) إلى أهله، ولا يستعان بشيء منه (٨)، ولا كان أخذ ذلك لا يجوز إلَّا عند الاحتياج قال: (إِنِ احْتِيجَ لَهُ). قوله: (ثُم رُدَّ كَغَيْرِهِ) هكذا قال غير واحد؛ لأنهم مسلمون، ولم يزل ملكهم على أموالهم، وقد قال ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلَّا عن طيب نفس منه". قوله: (وَإِنْ أُمِّنُوا لَمْ يُتَّبَعْ مُنْهَزِمُهُمْ وَلَمْ يُذَفَّفْ عَلَى جَرِيحِهِمْ) هذا كقول سحنون: وإذا ظهر الإمام عليهم ظهورًا بينًا وأيس (٩) من عودتهم فلا يقتل منهم منهزم، ولا يدفف على جريحهم (١٠)، وقد تقدم هذا، ثم قال: وإن لَمْ يحقق الهزيمة، ولم يأمن رجوعهم؛ فلا بأس بقتل منهزمهم وجريحهم (١١)، وقد فعله علي ﵁ مرّة، ومرة أخرى (١٢) باتباع

стр. 2998

المدبر، والإجهاز على جريحهم، فقيل له في ذلك: فقال: هؤلاء لهم فئة ينحازون لها (١)، والأولون لا فئة لهم (٢). وهو موافق لما أشار إليه هنا من التفرقة بين الأمن وعدمه، ومعنى (لا يدفف) أي: لا يجهز. قوله: (وَكُرِهَ لِلرَّجُلِ قَتْلُ أَبِيهِ ووَرِثَهُ) هذا منصوص عليه أنه مكروه من غير تحريم، ونص أصبغ على جوازه (٣)، وسكت عن الأم؛ لأن الغالب عدم قتالها، وهي أيضًا أزيد من الأب برًّا، ولا يمنع قتله له من إرثه؛ لأنه قتل ضرورة. سحنون: والأب الكافر كالخارجي (٤). قوله: (وَلَمْ يَضْمَنْ مُتَأَوِّلٌ أَتْلَفَ نَفْسًا أَوْ مَالًا) يريد: أن ما أتلف أهل البغي في حال الفتنة من نفس ومال فلا ضمان عليهم فيه إن كانوا متأولين في خروجهم عن الإمام، أما لو لَمْ يتلف ما أخذوه بل وجد في أيديهم فإنه يرد لأربابه. قوله: (وَمَضَى حُكْمُ قَاضِيهِ، وَحَدٌّ أَقَامَهُ) أي: فإن ولي بأهل التأويل قاضيًا فحكم، وأخذ الزكاة، وأقام الحد، مضى ذلك جميعه، وهو قول مطرف وابن الماجشون، وقال ابن القاسم: لا يمضي، وعن أصبغ القولان (٥)، والضمير في (قاضيه) عائد على المتأول. قوله: (وَرُدَّ ذِمِّيٌّ مَعَهُ لِذِمَّتِهِ) أي: مع المتأول، وقال في الجواهر: وإذا استعان أهل التأويل بأهل الذِّمة ردوا إلى ذمتهم، ووضع عنهم مثل ما وضع عن المتأولين الذين هم معهم (٦). قوله: (وَضَمِنَ الْمُعَانِدُ النَّفْسَ وَالْمَالَ) أي: فإن كان الباغي من أهل العناد والعصبية ومخالفا للإمام بلا تأويل؛ فإنه يؤخذ بالقصاص ورد المال، يريد: سواء كان قائمًا أو تالفًا لظلمهم وتسببهم في إتلافه من غير عذر. قوله: (وَالذِّمِّيُّ مَعَهُ نَاقِضٌ) أي: والذمي مع المعاند ناقض يباح دمه، وقاله ابن

стр. 2999

شاس (١). قوله: (والْمَرْأَةُ الْمَقَاتِلَةُ كَالرَّجُلِ) أي: فيفترق الحال (٢) بين أن كانت متأولة أو معاندة كالرجل. بابٌ [في أحكام الردة] (المتن) بَابٌ الرِّدَّةُ كُفْرُ الْمُسْلِمِ بِتَصَرِيحٍ، أَوْ بلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ، أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَذَرٍ، وَشَدِّ زُنَّارٍ، وَسِحْرٍ، وَقَوْلٍ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، أَوْ بَقَائِهِ، أَوْ شَكٍّ فِي ذَلِكَ، أَوْ بِتَنَاسُخِ الأَرْوَاحِ، أَوْ فِي كُلّ جِنْسٍ نَذِيرٌ، أَوِ ادَّعَى شِرْكًا مَعَ نُبُوَّتِهِ ﵊، أَوْ بِمُحَارَبَةِ نَبِيٍّ، أَوْ جَوَّزَ اكْتِسَابَ النُّبُوَّةِ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ يَصْعَدُ لِلسَّمَاءِ، أَوْ يُعَانِقُ الْحُورَ العين، أَوِ اسْتَحَلَّ كَالشُّرْبِ، لَا بِأَمَاتَهُ اللَّهُ كَافِرًا عَلَى الأَصَحِّ، وَفُصِّلَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ. وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا جُوعٍ وَعَطَشٍ وَمُعَاقَبَةٍ وَإِنْ لَمْ تتُبْ. فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ. (الشرح) (الرِّدَّةُ: كُفْرُ الْمَسْلِمِ) أي: هي الكفر الطارئ على الإسلام. وعدل عن قوله ﵀: كفر المؤمن، إلى قوله: كفر المسلم، وإن كانت المقابلة في الكفر إنما تكون بين الكفر والإيمان، لكن (٣) النظر هنا مقصور على أحكام الدنيا التي (٤) ينكر فيها الحاكم، ولا قدرة لهم على معرفة إيمان بعضهم بعضا، وإنما يعلمون إسلامهم، ولهذا احتاج إلى الكلام على الأمور التي يعرف بها كفر المرتد فقال: (بِتصَرِيحٍ، أَوْ بلفْظٍ يَقْتَضِيهِ، أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ) يعني بذلك: أن الطرق الموصلة إلى العلم بردة المرء أمور ثلاثة: فيستدل على ردته بصريح لفظ، كقوله والعياذ بالله: (أشركت، أو كفرت بالله أو بمحمد ﷺ ونحو ذلك)، ولوضوح (٥) هذا لَمْ يتعرض لأمثلته.

стр. 3000

وأما قوله: (كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَذَرٍ، وَشَدِّ زُنَّارٍ) فهو من الفعل الذي يضمن (١) الكفر، ومثله: (تلطيخ الحجر الأسود بالنجاسة). والباء في قوله: (بقذر) للظرفية، أي: في قذر. قوله: (وَسِحْرٍ) هو مثال اللفظ الذي يقتضي (٢) الكفر، ومثله: إذا جحد شيئًا مما علم من الدين بالضرورة؛ كالصلوات الخمس، والحج، وصوم شهر رمضان. وقد نص مالك وأصحابه على أن السحر كفر، وأن الساحر يقتل ولا يستتاب، وسواء سحر مسلمًا أو ذميًّا (٣). قوله: (وقَوْلٍ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ) هذا أيضًا من اللفظ الذي يقتضي (٤) الكفر، وهو على القول بتكفير هؤلاء، ولمالك وغيره فيهم قولان. قوله: (أَوْ شَكٍّ فِي ذَلِكَ) أي: في قدم (٥) العالم أو بقائه، وهذا ليس من الأمور الثلاثة، وعليه فيكون الحد الذي ذكر غير جامع لخروج هذا النوع عنه وهو منه (٦). قوله: (أَوْ بتَنَاسُخِ الأَرْوَاحِ) أي: وهكذا القول بتناسخ الأرواح ردة. قوله: (أَوْ بِقَوْلِهِ فِي كُلِّ جِنْسِ نَذِيرٌ) أي: في كلّ جنس من الحيوانات نذير؛ لأن في اتصافه بوصف الكلية ونحوها محتجًّا بقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ). قوله: (أَوِ ادَّعى شِرْيكًا مَعَ نُبُوَّتِهِ ﷺ ) كقوله بنبوة على، أو أنه كان شريكه ﷺ في النبوة، أو كان يوحى إليهما معًا، وهو من اللفظ الذي يقتضي الكفر. قوله: (أَوْ بِمُحَارَبَةِ نَبِيٍّ) لأن محاربته محاربة لله تعالى، ولا إشكال في كفر من حارب الله أو حارب نبيه، وكفى بما فيه من الآياتِ والأحاديث. قوله: (أَوْ جَوَّزَ اكِتِسَابَ النُّبُوَّةِ) لأن ذلك يؤدي إلى الخلل (٧)، وتوهين (٨) ما جاءت

стр. 3001

به الأنبياء، ولا خلاف في تكفيره، وقاله في الذخيرة (١). قوله: (أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ يَصْعَدُ إلى السَّمَاءِ، أَوْ يُعَانِقُ الْحُورَ العين) هكذا قال في الذخيرة، قال: وكذلك إذا قال: يدخل الجَنَّة ويأكل من ثمارها. وكل هذه الأصول (٢) التي ذكر نص عليها في الذخيرة (٣)، وزاد عليها أمورًا أخرى، ذكرتها في الكبير (٤). قوله: (واسْتَحَلَّ كَالشُّرْبِ) أي: شرب الخمر ومثله، فإذا استحل الزنى والسرقة والقذف ونحو ذلك من الأمور المحرمة؟ ولهذا أدخل كاف التشبيه في كلامه ليعم (٥) ذلك. قوله: (لَا بِأَمَاتَهُ اللَّهُ كَافِرًا عَلَى الأَصَحِّ) أي: فلا يكفر بقوله لغيره أماتك الله كافرًا، واختاره القرافي. (٦). ابن رشد: وهو الصواب (٧)، وأفتى الكركي (٨) بكفره، قال: لأنه إرادة (٩) أن يكفر بالله. ورد بأن: إرادة الكفر غير مقصودة (١٠) له، وإنما أراد التغليظ في الشتم، والكفر شيء تؤول إليه الأمور (١١). قوله: (وفُصِّلَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ) أي: في الكفر، والمعنى: أن الشاهد إذا شهد بكفر شخص أو ردته فلا بد أن يبين في شهادته الوجه الذي كفر به، ولا يقبل (١٢) منه أن يقول: فلان كفر أو ارتد، لاختلاف الناس في أسباب التكفير.

стр. 3002

قوله: (واسْتُتِيبَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) أي: وأجل للتوبة ثلاثة أيام، وظاهر المذهب وجوب ذلك، وهو مروي عن مالك، وعنه: أن ذلك مستحب، روى عنه ابن القصار أنه يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قتل (١)، ولابن القاسم في الموازية أنه يدعى إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن تاب وإلا قتل، قال مالك في العتبية والموازية: وما علمت في استتابته تجويعًا ولا تعطيشًا (٢). وإليه أشار بقوله: (بِلا جُوعٍ وعَطَشٍ)، قال مالك: وأرى أن يقات من الطعام بما لا يكره، ولا عقوبة عليه إذا تاب. حكاه ابن شاس، وحكى عن مالك أنه لا يعاقب في الثلاثة الأيام (٣)، وإليه أشار بقوله: (ومُعَاقَبَةٍ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ)، ونقل عن أصبغ (٤) أنه يخوف أيام استتابته بالضرب (٥). قوله: (فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ) أي: فإن مضت عليه الثلاثة الأيام ولم يتب قتل، لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". (المتن) وَاسْتُبْرِئَتْ بِحَيْضَةٍ، وَمَالُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَإِلَّا فَفَيءٌ، وَبَقِيَ وَلَدُهُ مُسْلِمًا، كَأَنْ تُرِكَ، وَأُخِذَ مِنْهُ مَا جَنَى عَمْدًا عَلَى عَبْدٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ لَا حُرٍّ مُسْلِمٍ، كَأَنْ هَرَبَ لبلاد الْحَرْبِ، إِلَّا حَدَّ الْفِرْيَةِ. وَالْخَطَأُ عَلَى بَيتِ الْمَالِ كَأَخْذِهِ جِنَايَةً عَلَيْهِ، وَإِنْ تَابَ فَمَالُهُ لَهُ، وَقُدِّرَ كَالْمُسْلِمِ فِيهِمَا، وَقُتِلَ الْمُسْتَسِرُّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ تَائِبًا، وَمَالُهُ لِوَارِثِهِ، وَقُبلَ عُذْرُ مَنْ أَسْلَمَ، وَقَالَ: أَسْلَمْت عَنْ ضِيقٍ، إِنْ ظَهَرَ، كَأَنْ تَوَضَّأ وَصَلَّى، وَأَعَادَ مَأْمُومُهُ، وَأُدِّبَ مَنْ تَشَهَّدَ، وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى الدَّعَائِمِ، كَسَاحِرٍ ذِمِّي إِنْ لَمْ يُدْخِلْ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ. وَأَسْقَطَتْ صَلَاةً، وَصِيَامًا، وَزَكَاةً، وَحَجًّا تَقَدّمَ، وَنَذْرًا، وَكَفَّارَةً، وَيَمِينًا بِاللَّهِ، أَوْ بعِتقٍ، أَوْ بظِهَارٍ، وَإِحْصَانًا، وَوَصِيَّةً، لَا طَلَاقًا، وَرَدَّةُ مُحَلِّلٍ، بِخِلَافِ رِدَّةِ الْمَرْأَةِ، وَأُقِرَّ كَافِرٌ انْتَقَلَ لِكُفْرٍ آخَرَ. (الشرح) قوله: (واسْتُبْرِئَتْ بِحَيْضةَ) يريد: أن المرأة إذا ارتدت وكانت متزوجة لَمْ تقتل حتى

стр. 3003

تستبرأ بحيضة لحق الزوج؛ خشية أن تكون حاملًا، ونص عليه في الموازية (١). قوله: (ومَالُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ) يريد: لأنه لا يأخذه بالميراث؛ وإنما يأخذه بالملك، وهو بالردة لا يزول عنه ملكه (٢). قوله: (وَإِلَّا فَفَيْءٌ) أي: فإن لَمْ يكن المرتد عبدًا حالة (٣) فيء المسلمين (٤)، ولا خلاف فيه عندنا. قوله: (وبَقِيَ وَلَدُهُ مُسْلِمًا كَانْ تُرِكَ) قال في الجواهر (٥): وإذا قتل الرجل على الكفر بقي ولده الصغير مسلما، فإن أظهر غير (٦) الإسلام أجبر على الإسلام، فإن غفل عنه حتى بلغ ففي إجباره على الإسلام خلاف إذا ولد قبل الردة، وإن ولد بعدها أجبر (٧) وإن بلغ، وقيل: إذا بلغ ترك، ولا يكون كمن ارتد (٨). فقوله: (كَأَنْ تُرِكَ) أي: غفل عنه حتى بلغ على ذلك، أي: على اتباع أبيه (٩) وفي البيان عن ابن القاسم: أنه لا يجبر بالقتل مطلقًا، ولو ولد (١٠) قبل الردة أو بعدها، وعن ابن كنانة أن الذي ولد بعدها إن لَمْ يرجع قتل (١١). قوله: (وأُخِذَ مِنْهُ مَا جَنَى عَمْدًا عَلَى عَبْدٍ أَوْ ذِمِّيٍّ) يريد: أن المرتد (١٢) إذا جنى عمدًا على عبدٍ أو ذميٍّ فإن ذلك يؤخذ من ماله، وقاله ابن القاسم وأصبغ (١٣)، وبه أخذ محمد

стр. 3004

ابن رشد، وعلى قياس قول سحنون: أن الذي يرى أنه بنفس الارتداد يكون محجورًا عليه في ماله، لا يكون ذلك في ماله، وقاله الفضل (١). قوله: (لا حُرٍّ مُسْلِمٍ) أي: فإن كانت جنايته عمدًا على حرٍّ مسلمٍ فلا شيء عليه، إذ الواجب عليه القود، وهو يسقط بقتله، وقاله ابن القاسم، وقال أشهب: لهم إن عفوا أخذ الدية (٢). قوله: (كَأَنْ هَرَبَ لبلاد الْحَرْبِ) أي: فإن ذلك يسقط عنه لتعذر قتله. قوله: (إِلَّا حَدَّ الْفِرْيَةِ) أي: إلا حد القذف، قاله في المدونة (٣)، وإنما لَمْ يسقط عنه ذلك لقتله لما يلحق المقذوف من المعرة. قوله: (والْخَطَأُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) أي: وإن كانت الجناية (٤) خطأً فالدية عليه من بيت المال؛ لأنه يرثه، وكذلك يعقل عنه، وقيل: إن ذلك على عاقلة المرتد، قيل: (في ماله، وروى أشهب (٥) أنَّها على أهل الدين الذي ارتد إليه (٦). قوله: (كَأَخْذ جِنَايَةً عَلَيْهِ) أي: فكما أن بيت المال تؤخذ منه دية المرتد، كذلك يؤخذ له عقل جناية عليه؛ لأنه يرث سائر ماله إذا قتل. قوله: (وَإِنْ تَابَ فَمَالُهُ لَهُ) هذا هو الصحيح (٧)، وهو مذهب المدونة، وقيل: يكون فيئًا، ورواه أبو إسحاق، وبه أخذ ابن وهب. قوله: (وقُدِّرَ كَالْمَسْلِمِ فِيهِمَا) أي: فإذا تاب قدر كالمسلم في العمد والخطأ، ويحتمل في الجناية له وعليه. قوله: (وقُتِلَ الْمُسْتَسِرُّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ إِلَّا أَنْ يَجِيءَ تَائِبًا) المستسر: هو الزنديق الذي يسر الكفر ويظهر الإسلام. قال في الجواهر: أي كفر كان، فإذا ظهر عليه في حال زندقته

стр. 3005

يبدي لنا أنه مؤمن، فادعى التوبة عما كان عليه، والرجوع عنه، فلا يرجع إلى مجرد دعواه إذا لَمْ يظهر صدقه ورجوعه بما أبداه (١)؛ لأنه قد يفعل ذلك، نعم، لو ظهر لنا توبته لقبلناها؛ كما إذا جاء تائبًا قبل أن يطلع على ما كان عليه إذا ظهرت توبته بقوله لما (٢) أظهر الكفر بقوله (٣). قوله: (ومَالُهُ لِوَارِثَهِ) يريد: أن حكم ماله مخالف لميراث المرتد إذ ميراث (٤) المرتد لجماعة المسلمين، وهذا ماله لوارثه. قوله: (وقُبِلَ عُذْرُ مَنْ أَسْلَمَ، وقَالَ أَسْلَمْتُ عَنْ ضِيقٍ إِنْ ظَهَرَ) يريد: أن من أسلم ثم ارتد، وقال: أنا (٥) أسلمت لضيق علي (٦)؛ فإنه يعذر بذلك إذا أظهر أنه ضيق عليه (٧) بخوف أو حبس وشبهه، ورواه ابن القاسم عن مالك، وبه أخذ، وقال أشهب: لا يعذر بذلك، ويقتل وإن علم ذلك عن ضيق. أصبغ: وقول مالك أحب إليَّ، إلَّا أن يكون أقام على الإسلام بعد ذهاب الخوف، فهذا يقتل، وقاله ابن وهب إذا كان عن ضيق أو عذاب أو غرم (٨). وفهم من قوله: (إذا ظهر): أنه لو لَمْ يظهر عذره لَمْ يسمع منه، وحكم فيه بحكم المرتد، وهو ظاهر. قوله: (كَأَنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى) أي: وكذا يقبل عذر الكافر إذا اظهر الإسلام وتوضأ وصلى، ثم قال: إنما فعلت ذلك خوفًا ونحوه، كأن يكون مع رفقة في السفر ونحوه، قاله في الموازية (٩)، وروى ابن القاسم عن مالك مثله (١٠). قوله: (وأَعَادَ مَأْمُومُهُ) هكذا قال مالك في الموازية، وقال سحنون: إذا كان في

стр. 3006

موضع يخاف فيه على نفسه، فدرأ عن نفسه وماله بذلك فلا شيء عليه، ويعيد القوم صلاتهم، وإن كان فيه (١) أمن فليعرض عليه الإسلام، فإن أسلم لَمْ تكن عليهم إعادة، وإن لَمْ يسلم قتل ويعيدون (٢). وفي البيان عن مالك: لا يقتل بما أظهر من الصلوات، (٣) وإن كان في موضع فيه أمن (٤) ويجب عليه بذلك الأدب المؤلم، ولمطرف وعبد الملك (٥): أن ذلك منه (٦) إسلام؛ سواءً كان ذلك في موضع كان في أمن على نفسه أم لا (٧). قوله: (وَأُدِّبَ مَنْ تَشَهَدَ، وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى الدَّعَائِمِ) المتيطي: من أجاب إلى الإسلام جملة وتشهد، وقف على شرائع الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج، فإن أجاب إلى ذلك تم إسلامه، وإن أبى لَمْ يقبل منه إسلام، ولم نكرهه على التزامها، ولا يجبر على الإسلام. ثم قال: وإن لَمْ يوقف عليها فالمشهور أنه يشدد (٨) عليه ويؤدب، وقاله مالك وابن القاسم وابن عبد الحكم، وعليه العمل والقضاء، وإليه أشار بما ذكر. وقال أصبغ: سواء رجع عن إسلامه بالقرب أو بالبعد ولو طرفة عين إذا تلفظ بشهادة ثم رجع بالقرب (٩) فإنه يقتل بعد استتابته (١٠)، ومعنى: (لَمْ يُوقَفْ عَلَى الدَّعَائِمِ) أي: على شرائع الإسلام. قوله: (كَسَاحِرٍ ذِمِّيٍّ، إِنْ لَمْ يُدْخِلْ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ) أي: فإنه يؤدب؛ إلا أن يدخل ضررًا على المسلمين بسحره؛ فإنه يقتل لنقض عهده، ولا تقبل منه توبة غير الإسلام، ونقله الباجي عن مالك، قال: وأما إن سحر أهل ذمته فليؤدب؛ إلَّا أن يقتل أحد فيقتل

стр. 3007

به. وقال سحنون: أن الساحر من أهل الذِّمة يقتل إلَّا أن يسلم. (١). الباجي: وظاهره أنه يقتل على كلّ حال؛ إلَّا أن يسلم، بخلاف قول مالك أنه لا يقتل إلَّا أن يضر مسلما (٢). ونقل ابن رشد قولًا أنه يقتل وإن أسلم (٣). قوله: (وَأَسْقَطَتْ صَلاةً، وصِيَامًا، وزَكَاةً (٤)، وحَجًّا، تَقَدَّمَ) يريد: أن الردة تسقط عن المرتد ما فرط فيه من حقوق الله تعالى؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة في حال الردة وقبلها؛ ولهذا لا يؤمر بالقضاء إذا تاب، وأما الحج فإنه يجب عليه، وإن كان قد حج؛ لأن الردة قد أسقطته، وهو المشهور. وقيل: لا يجب، وأما حقوق الآدميين فلا تسقط بالردة ويؤخذ بها. قوله: (ونَذْرًا، وَيمِينًا بِالله، أَوْ بِعِتْقٍ، أَوْ بِظِهَارٍ، وإِحْصَانًا) أي: وقيد ابن الكاتب (٥) العتق بغير المعين، قال: وأما المعين فقد انعقد عليه في ماله حق لمعين، فلا يسقط بالردة (٦)، عياض: واختلف عن ابن القاسم في يمين الظهار عنه (٧) عند محمد قال بعض شيوخنا: وكذا على لفظ الكتاب لو كان الظهار (٨) قد حنث (٩) فوجبت عليه الكفارة لأسقطها ارتداده، وتأول مسألة الكتاب على ذلك، بخلاف ما لو كان قد لزمه مجرد الظاهر (١٠) لَمْ يحنث فيه، فلا تسقط الردة، قال: ومثله في الوازية (١١)، قال: وتسقط الظهار المنجز.

стр. 3008

قوله: (وإحصانًا) يعني: وكذلك (١) تسقط الردة إحصان الزوجين؛ ولهذا قال (٢) إذا زنيا بعد ارتدادهما يحدان حد البكر، وإن كان قد تقدم فيها (٣) تزويج صحيح. وقيل: "لا تسقط فيرجمان. والأول هو المشهور. قوله: (ووَصِيَّةً) أي: وكذا تسقط الردة وصية المرتد، يريد: سواء تقدم تقدمتها أو تأخرت عنها، وقاله في المدونة. قوله: (لا طَلاقًا) أي: فإن الردة لا تسقطه؛ ولهذا إذا طلق زوجته ثلاثًا، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام؛ فإنه لا يجوز له تزويجها إلَّا بعد زوج، وحمل أكثرهم قول ابن القاسم على هذا (٤)، وقال ابن زرب: مذهب ابن القاسم: أنَّها تسقط الطلاق (٥) الثلاث، ويجوز للمطلق ثلاثًا قبل ارتداده تزويجها من غير زوج (٦)، قاله بعض الأشياخ. قوله: (رِدَّةُ مُحَلِّلٍ) يريد: أن ردة المحلل لا يبطل إحلال المرأة؛ لأن أثره (٧) في المرأة. قوله: (بِخِلافِ رِدَّةِ الْمَرْأَةِ) أي: فإنها تبطل إحلالها، فإذا طلقها زوجها ثلاثًا، ثم تزوجت غيره، ثم ارتدت؛ فإن إحلالها يسقط، وتصير كأنها لَمْ تزوج بعد الطلاق الأول، فإذا تابت فليس له (٨) أن ترد له إلَّا بعد زوج؛ لأنها أبطلت إحلالها، كما أبطلت نكاحها الذي أحصنها، وهذا هو المشهور. وقيل: إن إحلالها لا يسقط بردتها، فترد للأول من غير زوج. قوله: (وأُقِرَّ كَافِرٌ انْتَقَلَ لِكُفْرٍ آخَرَ) يريد: أن الكافر إذا انتقل من كفر إلى كفر؛ كاليهودي يتنصر أو العكس؛ فإنه يقر على ذلك، ولا يعرض له؛ بناء على أن الكفر كله ملة واحدة، وهو المشهور، وقاله مالك (٩)، وقيل: يقتل إلَّا أن يسلم. وحمل على القول

стр. 3009

الأول لقوله ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" على الدين المعتبر وهو الإسلام، وحمله في الثاني على عمومه. (المتن) وَحُكِمَ بِإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ فَقَطْ، كَأَنْ مَيَّزَ، إِلَّا الْمُرَاهِقَ، وَالْمَتْرُوكَ لَهَا، فَلَا يُجْبَرُ بقَتْلٍ، إِنِ امْتَنَعَ، وَيُوْقفُ إِرْثُهُ، وَبِإِسْلَامِ سَابِيهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ وَالْمُتَنَصِّرُ مِنْ كَأَسِيرٍ عَلَى الطَّوْعِ، إِنْ لَمْ يثْبُتْ إِكْرَاهُهُ (الشرح) قوله: (وَحُكِمَ بِإِسْلامِ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ لِصِغَرٍ، أَوْ جُنُونٍ بِإِسْلامِ أبِيهِ فَقَطْ كَأَنْ مَيَّزَ) يريد: أن الأب إذا أسلم، وله ولد لَمْ يميز، إما لصغر، أو لجنون؛ فإنه يحكم بإسلامه تبعًا لإسلام أبيه، ولا يحكم بإسلامه لإسلام غير الأب من أم ولا جد ولا أخ، ولا غيره وإليه أشار بقوله: (فقط) (١). قوله: (كأن ميز) يعني: وكذلك يحكم بإسلام المميز أيضًا لإسلام أبيه، وهذا هو الأصح. ابن شاس (٢): وهو ظاهر المذهب (٣). ابن رشد: هو مشهور قول ابن القاسم (٤). وقيل: يحكم بإسلامه وإن عقل، وأجاب إليه ما لَمْ يبلغ (٥)، وهو قول ابن سحنون (٦). قوله: (إِلَّا الْمُرَاهِقَ، والْمَتْرُوكَ لها، فَلا يُجْبَرُ بِقَتْلٍ إِنِ امْتَنَعَ، ويُوْقَفُ إِرْثُهُ) قال في المدونة: ومن أسلم، وله ولد صغير (٧) مراهق من أبناء ثلاثة عشر ونحو ذلك، ثم مات الأب، وقف ماله إلى بلوغ الولد، فإن أسلم، ورثه؛ وإلا لَمْ يرثه، وكان المال للمسلمين، ثم قال: ولو أسلم قبل احتلامه لَمْ يأخذ ماله حتى يحتلم؛ إذ لو رجع إلى النصرانية لما

стр. 3010

أكره (١) على الإسلام، ولم يقتل (٢). قوله: (وَبِإِسْلامِ سَابِيهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ) يريد: أن المسلم إذا سبى صغيرًا أو مجنونًا من المشركين، وليس معه أبوه؛ فإنه يحكم بإسلامه تبعًا لإسلام سابيه. قوله: (وَالْمَتنَصِّرُ مِنْ كَأَسِيرٍ عَلَى الطَّوْعِ، إِنْ لَمْ يَثْبُتْ إِكْرَاهُهُ) يريد: أن من تنصر من أسير ونحوه ممن دخل بلاد الحرب فإنه يحمل على أنه فعل ذلك اختيارًا منه؛ لأن أفعال المكلف محمولة على ذلك؛ إلَّا أن تقوم بينة على إكراهه، وهذا هو المشهور، وقيل: يحمل على إكراهه؛ لأنه الغالب من حال المسلم. (المتن) وَإِنْ سَبَّ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا، أَوْ عَرَّضَ، أَوْ لَعَنَهُ، أَوْ عَابَهُ، أَوْ قَذَفَهُ، أَوِ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ، أَوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ، أَوْ أَلْحَقَ بهِ نَقْصًا، وَإِنْ فِي بَدَنِهِ، أَوْ خَصْلَتِهِ، أَوْ غَضَّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ، أَوْ وُفُورِ عِلْمِهِ، أَوْ زُهْدِهِ، أَوْ أَضَافَ إِلَيهِ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، أَوْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ، أَوْ قِيلَ لَهُ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ، فَلَعَنَ، وَقَالَ: أَرَدْتُ الْعَقْرَبَ؛ قُتِلَ، وَلَم يُسْتَتَبْ حَدًّا، إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ، وَإِنِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ لِجَهْلٍ، أَوْ سُكْرٍ، أَوْ تَهَوُّرٍ. (الشرح) قوله: (قُتِلَ) جوابًا عن قوله: (وإن سب نبيًّا، أو ملكًا. إلى آخره) ومراده: نبيًّا أو ملكًا متفق على نبوته أو كونه من الملائكة، ويدل عليه ما يقوله بعد هذا (٣)، ولا فرق في الأمور التي توجب القتل بين التصريح والتعريض؛ ولهذا قال: وإن عرَّض، ولا امتراء في قتل من لعنه، أو عابه، أو قذفه، ونحو ذلك من الاستخفافات به، ومثل ذلك: ما إذا قال في نبينا محمد ﷺ أنه كان أسود اللون، أو قصير القامة. قال أحمد بن سليمان: أو قال: إنه مات قبل أن يلتحي؛ فإنه يقتل (٤). وعلل القتل فيه: بأن تغيير الصفة نفيٌ له (٥) صلى الله

стр. 3011

عليه وسلم وشرف وكرم وعظم (١). وقوله: (أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا، وَإِنْ فِي بَدَنِهِ، أَوْ خَصْلَتِهِ) هو كقول ابن المرابط (٢): أنه يقتل من نقصه بسهوٍ، أو نسيانٍ، أو سحرٍ، أو هزيمة بعض (٣) جيوشه، أو شدة من زمانه (٤)، أو الميل لبعض نسائه، ولا خفاء في قتل من (٥) غض من مرتبته شيئًا، أو من وفور علمه أو زهده، وقد أفتى الأندلسيون، في علي بن حاتم بالقتل في نفيه الزهد عنه ﷺ ، وقاله سحنون، وابن أبي زيد، وأبو الحسن القابسي (٦)، قال في الشفاء: عن ابن سليمان فيمن قيل له: بحق رسول الله ﷺ ، فقال: فعل الله برسول الله كذا وكذا، أو ذكر كلامًا قبيحًا، فقيل له: يا عدو الله ما تقول؟ ! ! ، فقال أشد من الأول، قال: أردت برسول الله العقرب، قال ابن سليمان: يقتل، ولا يقبل التأويل؛ لصراحة اللفظ (٧). وإلى هذا أشار بما ذكر هنا؛ غير أنه أجحف في الاختصار، والمشهور: أن الساب لا يستتاب، ويقتل حدًا كما نبّه عليه. وقال ابن كنانة: يخير الإمام في قتل الساب المسلم أو صلبه حيًا (٨). قوله: (إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ) يريد: إذا سبَّ بغير ما به كفر، وقاله مالك، وابن القاسم، وسحنون، ولا يقال له: أسلم؛ ولكن إن أسلم فذلك توبته، وهذا هو المشهور (٩)؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، وقيل: لا بد من قتله وإن أسلم، قيل: لأن حق الآدمي لا يسقط بالتوبة والإسلام. قوله: (وَإِنْ ظَهَرَ أنّه لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ؛ لِجهْلٍ، أَوْ سُكْرٍ، أَوْ تَهَورٍ) يشير بهذا إلى قول

стр. 3012

ابن المرابط؛ فإنه قال بإثر كلامه السابق: ومن لَمْ يقصد الازدراء، ولا. يعتقده في تكلمه بالسب، أو باللعن، أو التكذيب، أو إضافة ما لا يجوز عليه، أو نفي ما يجب له مما هو نقص في حقه، وظهر عدم تعميده، وقصد السب إما لجهالة، أو ضجر، أو سكر، أو قلة ضبط لسان، وتهور في كلامه؛ فإنه يقتل، ولا يعذر أحد بجهالة في الكفر ولا في غيره وهو سليم العقل؛ إلَّا الإكراه (١). فقوله: (إِنْ ظَهَرَ أنَّه لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ) مبالغة في قتل الساب، أي: ولو ظهر من حاله ذلك لا يعذر به، وبقية كلامه واضح، وكله في الشفاء (٢) وغيره. (المتن) وَفِيمَنْ قَالَ: لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيهِ جَوَابًا لِصَلِّ، أَوْ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ يُتَّهَمُونَ، جَوَابًا لِتَتَّهِمُنِي، أَوْ جَمِيعُ الْبَشَرِ يَلْحَقُهُمْ النَّقْصُ حَتَّى النَّبِيِّ ﷺ قَوْلَانِ. وَاسْتُتِيبَ فِي هُزِمَ، أَوْ أَعْلَنَ بتَكْذِيبِهِ، أَوْ تَنَبَّأَ، إِلَّا أَنْ يُسِرَّ عَلَى الَأَظْهَرِ، وَأُدِّبَ اجْتِهَادًا فِي: أَدِّ وَاشْكُ لِلنَّبِيِّ، أَوْ لَوْ سَبَّنِي نبيك لَسَبَبْتُهُ، أَوْ يَا ابْنَ أَلْفِ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ عُيِّرَ بالْفَقْرِ فَقَالَ: تُعَيِّرُنِي بِهِ وَالنَّبِيُّ قَدْ رَعَى الْغَنَمَ، أَوْ قَالَ لِغَضبَانَ: كَأَنَّهُ وَجْهُ مُنْكَرٍ، أَوْ مَالِكٍ، أَوِ اسْتَشْهَدَ ببَعْضِ جَائِزٍ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا حُجَّةَ لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ شَبَّهَ لِنَقْصٍ لَحِقَهُ لَا عَلَى التَّأَسِي، كَإِنْ كُذبْتُ فَقَدْ كُذِّبُوا، أَوْ لَعَنَ الْعَرَبَ، أَوْ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَالَ: أَرَدْتُ الظَّالِمِينَ، وَشُدِّدَ عَلَيهِ فِي كُلِّ صَاحِب فُنْدُقٍ قَرْنَانُ، وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا. (الشرح) قوله: (وَفِيمَنْ قَالَ: لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيهِ جَوَابًا لِصَلِّ، أَوْ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ يُتَّهَمُونَ، جَوَابًا لِتَتَّهِمُنِي، أَوْ جَمِيعُ الْبَشَرِ يَلْحَقُهُمْ النَّقْصُ حَتَّى النَّبِيِّ ﷺ قَوْلَانِ) يريد: أن في كلّ فرع من هذه الفروع (٣) الثلاثة قولين، وعن سحنون: إذا طلبه (٤) دينه منه فأغضبه فقال له صلي على النبي ﷺ ، فقام الطالب فقال: لا صلى الله على من صلى عليه، أنه لا يكون كفرًا. وقال أصبغ: لا يقتل؛ لأنه إنما شتم الناس. وقال الحارث:

стр. 3013

يقتل (١). وقال أبو الفرج (٢): إذا قال له: أتتهمني، فقال: الأنبياء يتهمون، فكيف أنت؟ ! أنه يقتل؛ لشناعة ظاهر لفظه، وتوقف فيه ابن منصور؛ لاحتمال أن يكون خبرًا عن من اتهمهم من الكفار (٣)، والقول بقتل من قال: جميع البشر يلحقهم النقص، حتى النبي ﷺ . أظهر من عدمه. قوله: (واسْتُتِيبَ فِي هُزِمَ) أي: فإن تاب وإلا قتل، وقاله ابن المرابط (٤). قوله: (أَوْ أَعْلَنَ بِتَكْذِيبِهِ) أي: وكذا يستتاب من أعلن بتكذيبه ﷺ ؛ لأنه ردة، واحترز بالإعلان مما إذا أسر ذلك فإنه يكون زنديقًا لا تقبل توبته إلَّا أن يأتي تائبًا قبل الظهور. قوله: (أَوْ تَنبَّأَ) أي: وكذا يستتاب من ادعى النبوة، وأنه يوحى إليه، فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه مستلزم لتكذيبه ﷺ إذ قال: "لا نبي بعدي"، وتكذيب القرآن لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. قوله: (إِلَّا أَنْ يُسِرَّ عَلَى الأَظْهَرِ) أي: (فيكون زنديقًا، وهو اختيار ابن رشد (٥)، ولهذا قال: (على الأظهر)، وفي النوادر: يقتل، سواء سر ذلك أو أعلنه (٦). قوله: (وأُدِّبَ اجْتِهَادًا فِي: أَدِّ واشْكُ لِلنَّبِيِّ) ﷺ ، وقع هذا في عشار طلب من رجل (٧) شيئًا يأخذه فقال له: أشكوك للنبي ﷺ . فقال له العشار: أدِّ واشك للنبي ﷺ . فأفتى بعضهم بالأدب كما قال هنا: وأفتى غيره بالقتل، ووافقه ابن عتاب على ذلك (٨). قوله: (ولَوْ سَبَّنِي نبيك لَسَبَبْتُهُ) أي: وكذا يؤدب في هذا، ويحتمل أن يقال

стр. 3014

فيه بالقتل. قوله: (أَوْ يَا ابْنَ أَلْفِ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ) أي: وكذا يؤدب في قوله لغيره، ابن أبي زيد: وكذلك قوله: يا ابن ألف خنزير. مع أنه يدخل في هذا العدد جماعة من آبائه أنبياء فيزجر عنه، قال: وإن علم أنه قصد الأنبياء قتل (١). قوله: (أَوْ عُيِّرَ بِالْفَقْرِ، فَقَالَ: تُعَيِّرُنِي بِهِ والنَّبِيُّ ﷺ قَدْ رَعَى الْغَنَمَ) هكذا قال في الشهادة (٢) أنه يؤدب؛ لأنه عرض بذكره النبي ﷺ في غير موضعه، ولا ينبغي ذلك. قوله: (أَوْ قَالَ لِغَضْبَانَ كَأَنَّه وَجْهُ مُنكَرٍ، أَوْ مَالِكٍ) قال القابسي (٣): وإذا قال لقبيح الوجه: كأنه وجه منكر، أي: الملك الذي يسأل الميت في قبره، أو قال في عبوس الوجه كأنه وجه مالك، يريد: خازن النار أنه يؤدب لأنه قصد بالذم المخاطب، وإن أراد به كمالك يغضب لغضب الله فهو أخف أدبا (٤). قوله: (أَوِ اسْتَشْهَدَ ببَعْضِ جَائِزٍ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا حُجَّةً لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ تَشَبَّهَ لِنَقْصٍ لَحِقَهُ، لَا عَلَى الَتَّأَسِّي كَإِنْ كُذِّبْتُ فَقَدْ كُذِّبُوا، أَوْ لَعَنَ الْعَرَبَ، أَوْ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَالَ: أَرَدْتُ الظَّالِمِينَ) أي: فإن لَمْ يذكر نقصًا ولا عيبًا، بل ذكر بعض أحواله ﷺ حجة، ومثلا لنفسه أو لغيره لا على طريق التأسي؛ بل ليرفع له نفسه (٥)؛ كقوله: إن قيل فيّ المكروه فقد قيل

стр. 3015

في النبي ﷺ ، كيف أسلم من ألسنة الناس ولم يسلم الأنبياء، وإن كذبت فقد كذبوا، أو غير ذلك، فإنه يؤدب. قوله: (أو لعن العرب أو بني هاشم، فقال: أردت الظالمين منهم) أي وكذلك يؤدب باجتهاد الحاكم من لعن أحد من العرب أو بني هاشم قاله ابن أبي زيد ﵀ (١). قوله: (وَشُدِّدَ عَلَيهِ فِي كُلِّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ قَرْنَانُ، وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا) توقف القابسي في هذه المسألة وشدد القائل بها بالقيود، حتى يستفهم البينة عما يدلُّ على مقصوده، هل أراد أصحاب الفنادق الآن فليس فيهم نبي، فيكون أمره أخف؛ لأن ظاهر قوله (٢) العموم، وفي متقدم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من اكتسب المال، فوقع التردد في ذلك (٣). (المتن) وَفِي قَبِيحٍ لِأَحَدِ ذُرِّيَتِهِ ﵊ فِي آبَائِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ، كَأَنِ انْتَسَبَ لَهُ، أَوِ احْتَمَل قَوْلُهُ، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلٌ، أَوْ لَفِيفٌ أو عَاق عائق عَنِ الْقَتْلِ، أَوْ سَبَّ مَنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى نُبُوَّتِهِ، أَوْ صَحَابِيًّا، وَسَبُّ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَفِي اسْتِتَابَةِ الْمُسْلِمِ خِلَافٌ، كَمَنْ قَالَ لَقِيتُ فِي مَرَضِي مَا لَوْ قَتَلْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ أَسْتَوْجِبْهُ. (الشرح) قوله: (وَفِي قَبِيحٍ لِأَحَدِ ذُرِّيَتِهِ ﷺ فِي آبَائِهِ (٤)؛ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ) يريد: إذا نسب لأحد من ذريته ﷺ قبيحًا من القول عالمًا؛ فإنه يؤدب باجتهاد الحاكم. قوله: (كَأَنِ انْتَسَبَ لَهُ أوِ احْتَمَلَ قَوْلُهُ) أي: فإنه يؤدب؛ لأنه يشبه من نفا نسبه، ولا فرق بين أن يدعي ذلك صريحًا، أو احتمله قوله (٥) كما ذكر. قوله: (أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلٌ، أَوْ لَفِيفٌ، أو عاق عائق عَنِ الْقتْلِ) أي: وكذا يؤدب الساب إذا لَمْ يكمل عليه نصاب البينة، إما بأن يشهد عليه عدل واحد، أو لفيف من الناس (٦) ولم يزك منهم أحدًا، فحصل بسبب ذلك عائقًا عن القتل، وقد قال القاضي
следующие страницы →