← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

قوله: (أَوْ أَقِطٍ) هكذا روى ابن القاسم عن مالك أنها تخرج من الأَقِط والثمانية المذكورة (١). قوله: (غَيْرَ عَلَسٍ) هذا هو المشهور خلافًا لابن حبيب في أنها (٢) تخرج من العلس أيضًا مع ما تقدم (٣). قوله: (إِلا أَنْ يَقْتَاتَ غَيْرَهُ) أي: غير المعشَّرات والأقط كالقَطَانِي والتين والسويق واللحم واللبن، فإنه يخرج منه على المشهور، وعن مالك: أنها لا تخرج منه وإن كان قوته (٤). قوله: (وَعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ) هذا معطوف على قوله: (عنه) أي: يخرج زكاة الفطر عنه وعن كل مسلم يمونه، واحترز بالمسلم من الكافر فإنه لا يخرج عنه شيئًا، وقال (يمونه) لما جاء في الحديث: "أدوا (٥) الزكاة عمن تمونونه (٦) ". قوله: (بِقَرَابَةٍ) أي: كالأولاد والآباء. قوله: (أَوْ زَوْجِيَّةٍ) هو المشهور، وقال ابن أشرس (٧): لا تجب عليه (٨) عنها (٩). قوله: (وَإِنْ لأَبٍ) أي: وإن كانت زوجة أبيه، يريد: إذا كان الأب فقيرًا، وقاله ابن

стр. 807

حبيب؛ لأنها تبع للأب. وعن المغيرة: ليس عليه ذلك إلا أن تكون أمًّا له (١). قوله: (وَخَادِمِهَا) أي: وكذلك عن خادم الزوجة، وظاهره كانت زوجته أو زوجة أبيه، وهو ظاهر، وقاله ابن حبيب وغيره، وعلى قول المغيرة لا يخرج عنها (٢). قوله: (أَوْ رِقٍّ) أي: كعبيده وإمائه ومدبَّريه (٣) ومعتقيه (٤) إلى أجل وأمهات أولاده. قوله: (وَلَوْ مُكَاتَبًا) هو المشهور، وقيل: لا تجب عليه عنه (٥)؛ نظرًا إلى أنه ينفق على نفسه وهما روايتان. قوله: (وَآبِقًا رُجِيَ) لأنه بالإباق لا يَخرج عن ملكه، واحترز به من (٦) غير المرجو فإنه كالعدم فلا زكاة عليه، قاله في كتاب محمد (٧). قوله: (وَمَبِيعًا بِمُوَاضَعَةٍ أَوْ خِيارٍ) أي: باع أمته على المواضعة أو عبدًا أو أمة بالخيار، قال في المدونة: ونفقتهما وزكاة فطرهما على البائع، وسواء رد العبد إلى (٨) مبتاعه بالخيار أم لا؛ لأن ضمانهما منه حتى يخرج العبد والأمة (٩) من الخيار والأمة من الاستبراء (١٠). سند: ومن قال إن الملك ينتقل بالعقد جعل الزكاة على المشتري (١١). قوله: (وَمُخْدَمًا) أي: وكذلك تخرج الزكاة عن العبد المخدم، وسواء طالت المدة أو قصرت، وهو مذهب المدونة (١٢)، وقال عنه محمد: ذلك على من له الخدمة، وقال عبد

стр. 808

الملك: إن طالت فهي على من له الخدمة، وإلا فهي (١) على (٢) من له الرقبة (٣)، نقله الباجي (٤). قوله: (إِلا لِحُرِّيَّةٍ فَعَلَى مُخْدَمِهِ) أي: كما إذا قال لعبده: اخدم فلانًا مدة كذا ثم أنت حر، فإن زكاة فطره هنا (٥) على من له الخدمة؛ لأن نفقته عليه. قوله: (وَالْمُشْتَرَكُ، وَالْمُبَعَّضُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ) هذا كقوله في المدونة: وإذا كان عبدٌ بين رجلين أدَّى (٦) كل واحد (٧) منهما نصف صدقة الفطر عنه، وإن كان لأحدهما سدس فسدس الزكاة عليه، وخمسة أسداس (٨) على شريكه (٩)، وهذا هو المشهور، وعن مالك: أن على كل واحد منهما زكاة كاملة (١٠)، وقيل: على العدد فيكون على صاحب السدس نصف صاع وعلى الآخر نصف صاع، وقد أشار بقوله: (وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ) إلى ما قال في المدونة: ومن له نصف عبد وباقيه حر فليؤدِّ الذي له نصف العبد (١١) نصف صدقة الفطر عن حصته، وليس على العبد أن يؤدي النصف الآخر عما عتق منه (١٢)، وقال عبد الملك: على السيد جميع ذلك، وهو مروي عن مالك أيضًا، وقيل: يؤدي العبد بقدر ما عتق منه، ويؤدي السيد الباقي، وهو قول أشهب (١٣)، وقال أبو مصعب: لا شيء على السيد ولا على العبد من ذلك.

стр. 809

قوله: (والْمُشْتَرَى فَاسِدًا عَلَى مُشْتَرِيهِ) هكذا قال في المدونة (١)، ثم قال: وسواء رده يوم الفطر أو بعده؛ لأن ضمانه كان منه حتى يرده. وعن أشهب: إن فسخ البيع بحدثان ذلك فهي على البائع، وإن فات فهي على المبتاع وإن فات بعد يوم الفطر، وعنه إن أدركه الفطر (٢) ولم يفت فهي على البائع، وإلا فعلى المبتاع (٣). قوله: (وَنُدِبَ إِخْرَاجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ الصَّلاةِ) هكذا قال ابن القاسم عن مالك، وروى أشهب: أنه ﵇ أمر بأدائها قبل الغدو إلى الصلاة (٤). قوله: (وَمِنْ قُوتِهِ الأَحْسَنِ) يعني: أنه يستحب له أن يخرج زكاة الفطر من قوته الأعلى إذا كان يأكل الأعلى والأدنى. الأبهري: فإن كان قوته أجود من غالب قوت بلده فيستحب له أن يخرج منه، فإن أخرج من الغالب أجزأه. قوله: (وَغَرْبَلَةُ الْقَمْحِ إِلا الْغَلِثِ) قال في المدونة: وليس غربلة القمح بواجب، وهو مستحب إلا أن يكون غَلِثًا (٥)؛ أي: فتجب عليه غربلته كما أشار إليه هنا. قوله: (وَدَفْعُهَا لِزَوَالِ فَقْرٍ وَرِقٍّ يَوْمَهُ) أي: وكذلك يستحب دفعها (٦) عمن زال فقره أو رقه يوم العيد. محمد: إن عتق يوم الفطر بعد الفجر إلى الغروب وجبت على المعتِق ويستحب من العبد، وإن عتق بعد الغروب من آخر يوم من (٧)

стр. 810

رمضان إلى طلوع فجر يوم الفطر وجبت على العبد ويستحب من المعتِق (١)، وكذا في الفقير يستغني فإن حدث الغِنَى (٢) بعد الفجر استحب له الإخراج، وإن حدث قبل ذلك وجب. قوله: (وَللإِمَامِ الْعَدْلِ) أي: وكذا يستحب دفعها للإمام العدل خوف المحمدة والثناء، وقيل: يجب ذلك، وهو ظاهر المدونة (٣)، وهو قول عبد الملك، قال: (٤) وإن كان غير العدل أو عدلًا إلا أنه كان (٥) يفرط في إخراجها لم تدفع إليه. قوله: (وَعَدَمُ زِيَادَةٍ) أي: وندب عدم زيادة على الصاع للمسكين الواحد، وعن مالك: أنه له إخراج ذلك على ما يحضره بالإجتهاد (٦)، وعن أبي مصعب: لا يعطى مسكين أكثر من صاع واحد (٧). (المتن) وَإِخْرَاجُ الْمُسَافِرِ. وَجَازَ إِخْرَاجُ أَهْلِهِ عَنْهُ، وَدَفْعُ صَاعٍ لِمَسَاكِينَ وَآصُعٍ لِوَاحِدٍ، وَقُوتِهِ الأَدْوَنِ إِلَّا لِشُحٍّ، وَإِخْرَاجُهُ قَبْلَهُ بِكَالْيَوْمَيْنِ، وَهَلْ مُطْلَقًا أوْ لِمُفَرِّقٍ؟ تَأْوِيلَانِ. وَلا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ زَمَنِهَا وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ. (الشرح) قوله: (وَإِخْرَاجُ الْمُسَافِرِ، وَجَازَ إِخْرَاجُ أَهْلِهِ عَنْهُ) قال في المدونة: ويؤديها المسافر حيث هو وإن أداها (٨) عنه أهله ببلده أجزأه (٩)، فظاهره في المسألتين خلاف (١٠) ما هنا؛ لأن قوله: "ويؤديها المسافر" يدل (١١) على أن (١٢) المطلوبية إما وجوبًا أو ندبًا،

стр. 811

لا (١) أنه أولى كما هنا، وأيضًا فإن ظاهر المدونة في المسألة الثانية إنما هو بعد الوقوع والنزول (٢)، لأنه يجوز ابتداء كما هنا. قوله: (وَدَفْعُ صَاعٍ لِمَسَاكِينَ وَآصُعٍ لِوَاحِدٍ) قد تقدم أن الأولى عدم زيادة المسكين الواحد على الصاع، وهذا الكلام بالنسبة إلى جواز دفع أكثر من صاع لمسكين واحد ودفع صاع لجماعة مساكين. قال في المدونة: ولا بأس أن يعطي الرجل (٣) صدقة الفطر عنه وعن عياله مسكينًا واحدًا (٤). وقال (٥) محمد: لو أعطى صدقة نفسه وحده مساكين لم يكن به بأس (٦). قوله: (وَقُوتِهِ (٧) الأَدْوَنِ، إِلا لِشُحٍّ) أي: وكذا يجوز أن يخرج من (٨) قوته الأدون؛ أي (٩): إذا كان دون قوت أهل البلد؛ لضيق لحقه وعدم قدرته على اقتيات الأعلى (١٠)، فإن كان يفعل ذلك لشح على نفسه وعياله وهو يقدر على اقتيات الأعلى، فإنه لا يخرج إلا من غالب قوت أهل البلد. قوله: (وَإِخْرَاجُهُ قَبْلَهُ بِكَالْيَوْمَيْنِ) أي: أنه يجوز إخراج زكاة الفطر قبل يوم العيد بيومين أو ثلاثة وهكذا في المدونة، إلا أنه قال: بيوم أو يومين (١١). محمد: ويوم الفطر أحب إلينا (١٢)، ولابن مسلمة وابن الماجشون: لا يجزئه (١٣) تقديمها قبل وجوبها.

стр. 812

قوله: (وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ لِمُفَرِّقٍ؟ تَأْوِيلانِ) اختلف في قوله في المدونة: وإن أداها قبل ذلك بيوم أو يومين فلا بأس به، فهل ذلك على إطلاقه؛ أي: سواء كان ربها هو المتولي لتفرقتها (١) أو الإمام، وإليه ذهب اللخمي (٢)، أو إنما ذلك إذا دفعها لمن يتولى (٣) الصدقة ليفرقها على الفقراء، وإليه ذهب ابن يونس، قال: ومن حمل ذلك على ظاهره يلزمه أن يقول يجزئه (٤) لو أخرجها من أول الشهر، وذلك لا يجوز؛ لأنه أخرجها قبل وجوبها. قوله: (وَلا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ زَمَنِهَا) أي: أنه حقٌّ ترتَّب في ذمته للمساكين فلا يبطل بزوال وقته. سند: فإن أخرها عن يوم الفطر مع القدرة أثم (٥). قوله: (وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ) إنما لم تدفع للعبد؛ لأنه غني بسيده، وأما كونه مسلمًا فلأنها قربة والكافر ليس من أهل القرب، ولا تدفع أيضًا لغني لقوله ﵊: "أغنوهم عن سؤال هذا اليوم" (٦)، ولقوله أيضًا: "فترد على فقرائهم" (٧)؛ لأن الغني يتعين عليه الإخراج لغيره.

стр. 813

باب [في الحج] فرض الحج وسنة العمرة (المتن) بَابٌ فُرِضَ الْحَجُّ، وَسُنَّتُهُ الْعُمْرَةُ مَرَّةً، وَفِي فَوْرِيَّتِهِ وَتَرَاخِيهِ لِخَوْفِ الْفَوْتِ خِلَافٌ، وَصِحَّتُهُمَا بِالإِسْلَامِ فَيُحْرِمُ وَلِيٌّ عَنْ رَضِيعٍ، وَجُرِّدَ قُرْبَ الْحَرَمِ، وَمُطْبِقٍ لا مُغْمًى، وَالْمُمَيِّزُ بِإِذْنِهِ، وَإِلَّا فَلَهُ تَحْلِيلُهُ، وَلا قَضَاءَ بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَأَمَرَهُ مَقْدُورَهُ، وَإِلَّا نَابَ عَنْهُ إِنْ قَبِلَهَا كَطَوَافٍ، لَا كَتَلْبِيَةٍ، وَرُكُوعٍ، وَأَحْضَرَهُمُ الْمَوَاقِفَ. (الشرح) قوله: (بابٌ: فُرِضَ الحَجُّ) يريد: لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ولقوله ﵊: "بني الإسلام على خمس" (١) فذكر منها حج البيت، وقوله للذي سأله عن الإسلام وحج البيت: "وحجوا قبل أن لا تحجوا" (٢)، والإجماع على وجوبه. قوله: (وَسُنَّتُهُ (٣) الْعُمْرَةُ) هو المشهور، وذهب ابن الجهم وابن حبيب إلى وجوبها (٤)، والأول أظهر لأنه ﵊ قال: "بني الإسلام على خمس" فذكر الحج دون العمرة، وقال ﵊: "الحج جهاد والعمرة تطوع" (٥)، ولأنها غير مؤقتة فلا تجب كطواف التطوع. قوله: (مَرَّةً) هذا مما لا أعلم فيه خلافًا، ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية، قيل: يا رسول الله، أكل عام؟ قال: "الحج مرة واحدة، ولو قلت نعم

стр. 814

لوجبت" (١). قوله: (وَفي فَوْرِيَّتِهِ وَتَرَاخِيهِ لِخَوْفِ الْفَوْتِ (٢) خِلافٌ) اختلف هل الحج على (٣) الفور وهو الذي حكاه ابن القصار عن مالك (٤) وتابعه العراقيون، وشهره صاحب الذخيرة (٥) وصاحب العدة (٦) وابن بزيزة، أو هو على التراخي، وإليه ذهب اللخمي (٧) والباجي (٨) وصاحب المقدمات (٩) والتلمساني، وقال ابن الفاكهاني في كتاب الأقضية من شرح الرسالة: هو (١٠) المشهور (١١). وقوله: (لِخَوْفِ الْفَوَاتِ) إشارة (١٢) إلى أن الخلاف المذكور مقيد بما إذا لم يخش الفوات، فإن خشيه فلا خلاف في فوريته، قال سحنون: وهو ستون سنة، قال (١٣): ويفسق إذا زاد وترد شهادته (١٤)، وقيل: هو مُغْيَّى (١٥) بظن العجز، وذلك ربما اختلف باختلاف الأشخاص بكثرة المرض وقلته (١٦). قوله: (وَصِحَّتُهُمَا بِالإِسْلامِ) يعني: صحة الحج والعمرة بالإسلام، وإلى هذا ذهب ابن شاس وصاحب الذخيرة (١٧)،

стр. 815

وهو ظاهر ما (١) عند اللخمي بناء على خطاب الكفار بفروع الشريعة. القرافي: وهو المشهور (٢)، وجعل ابن يونس والجزولي وغيرهما الإسلام من شروط الوجوب بناء على عدم خطابهم (٣). قوله: (فَيُحْرِمُ وَلِيٌّ عَنْ رَضِيعٍ) أي: فبسبب كون الإسلام شرط صحة، يجوز للولي أن يحرم عن الرضيع؛ إذ يصح منه الحج، وإحرامه عنه أن ينوي عنه الإحرام (٤). مالك: ويكون بإحرام الولي عنه محرمًا (٥). قوله: (وَجُرِّدَ قُرْبَ الْحَرَمِ) هذا يدل على أن مراده بإحرام الولي عنه مجرد النية، ولذلك (٦) يفعل بالصبي (٧) ما يقدر (٨) عليه من التجريد والتلبية إن قدر على التكلم، ويطوف به ويسعى (٩) إن قدر على المشي، ويُحضِره المشاعر ولا يركع عنه للطواف على المشهور؛ خلافًا لابن عبد الحكم. قوله: (وَمُطْبَقٍ) أي: فيُحرم ولي المجنون المطبق كما يحرم ولي الرضيع عنه (١٠) ويفعل ما تقدم، والمطبق هو الذي لا يميز بين الأرض والسماء، ولا بين الإنسان والفرس. قوله: (لا مُغْمًى عليه (١١)) أي: فلا يحرم عنه أحد، فلو أحرم عنه أصحابه لم يصح، أمَّا لو أحرم قبل إغمائه ثم أغمي عليه فوقف به، أجزأه عند ابن القاسم خلافًا لأشهب (١٢).

стр. 816

قوله: (وَالْمُمَيِّزُ بِإِذْنِهِ) أي: وأمَّا المميز فإنه يحرم عن نفسه من الميقات بإذن وليه. قوله (١): (وَإِلا فَلَهُ تَحْلِيلُهُ) أي: وإن لم يستأذنه بل أحرم من غير (٢) إذنه فله أن يحلله من إحرامه لا سيما إذا كان يرجو بلوغه، فيحلله (٣) ليحرم بالفرض من (٤) بعد البلوغ. قوله: (وَلا قَضَاءَ) أي: لما حلله (٥) منه؛ لأنه غير مكلف، فالعقد الذي عقده على نفسه كلا عقد. قوله: (بِخِلافِ الْعَبْدِ) أي: فإنه إذا أحرم بغير إذن سيده فحلله فإنه يقضي ما حلله منه إذا عتق أو أذن له سيده في ذلك قبل حجة الإسلام؛ لأنه أحرم وهو مكلف، وهو قول ابن القاسم (٦)، وقال أشهب: لا قضاء عليه (٧). قوله: (وَأَمَرَه مَقْدُورَهُ) أي: وأمر الولِيُّ الصبيَّ بما يقدر عليه في حجه من الطواف والسعي والرمي وغير ذلك. قوله: (وَإِلا نَابَ عَنْهُ) أي: وإن لم يقدر الصبي على شيءٍ نَابَ الولي عنه إن كان الفعل يَقْبَل النيابة كالطواف ونحوه، لا ركعتي الطواف والتلبية كما تقدم، وإليه أشار بقوله: (إِنْ قَبِلَهَا كَطَوَافٍ، لا كَتَلْبِيَةٍ وَرُكُوعٍ). قوله: (وَأَحْضَرَهُ (٨) الْمَوَاقِفَ) يريد: كعرفة ومزدلفة ومنى. (المتن) وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ إِنْ خِيفَ ضَيْعَةٌ، وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ، كَجَزَاءِ صَيْدٍ، وَفِدْيَةٍ بِلا ضَرُورَةٍ. وَشَرْطُ وُجُوبِهِ -كَوُقُوعِهِ فَرْضًا- حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ وَقْتَ إِحْرَامِهِ بِلَا نِيَّةِ نَفْلٍ، وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةٍ بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ، وَأَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ؛ إِلَّا لِأَخْذِ ظَالِمٍ مَا قَلَّ لا يَنْكُثُ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلَوْ بِلَا زَادٍ وَرَاحِلَةٍ لِذِي صَنْعَةٍ

стр. 817

تَقُومُ بِهِ، وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْي، كَأَعْمَى بِقَائِدٍ، وَإِلَّا اعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا، وَإِنْ بِثَمَنِ وَلَدِ زِنًى، أَوْ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفَلَّسِ، أَوْ بِافْتِقَارِهِ، أَوْ تَرْكِ وَلَدِهِ لِلصَّدَقَةِ، إِنْ لَمْ يَخْشَ هَلَاكًا، لا بِدَيْنٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ سُؤَالٍ مُطْلَقًا، وَاعْتُبِرَ مَا يُرَدُّ بِهِ؛ إِنْ خَشِيَ ضَيَاعًا. وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ؛ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَطَبُهُ، أَوْ يُضَيّعَ رُكْنَ صَلاةٍ لِكَمَيْدٍ. (الشرح) قوله: (وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ إِنْ خِيفَ ضَيْعة) أي: فإن سافر الولي به لخوف ضيعته إن تركه، فإن زيادة النفقة تكون على الصبيِّ؛ لأن ذلك من مصالحه. قوله: (وَإِلا فَوَلِيُّهُ) أي: وإن لم يخف عليه الضيعة بل سافر به لغير مصلحة تعود على الصبيِّ، فالولي هو الذي يغرم الزائد. قوله: (كَجَزَاءِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ) أي: فإن فيهما ما تقدم، وهو أن الولي إن خاف ضيعته فجزاء ما أتلف الصبي من الصيد وما وجب عليه من فدية الأداء (١) في ماله وإلا فعلى الولي، وهذا القول لمالك، وقيل: ذلك على الولي مطلقًا، وهو أيضًا لمالك في كتاب محمد (٢)، قال في الكافي: وهو الأشهر (٣). وقيل: على الصبي مطلقًا حكاه في النوادر (٤). قوله: (بِلا ضَرُورَةٍ) يريد: كما إذا طيبه بلا داعٍ إلى ذلك، فإن طيبه لضرورة فلا شيء على الولي، قال في المدونة: وإن احتاج إلى دواء أو (٥) طيب فعل به ذلك وفدى به (٦) عنه (٧). يريد: من مال الصبيِّ، هكذا قال ابن شاس (٨). قوله: (وَشَرْطُ وَجُوبِهِ كَوُقُوعِهِ فَرْضًا حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ وَقْتَ إِحْرَامِهِ) يريد: أن الحرية والتكليف (٩) شرط في وجوب الحج؛ فلا يجب على من فيه بقية رق، ولا على غير

стр. 818

مكلف كالصبي والمجنون، وهما أيضًا شرط في سقوط الفرض، فلو أحرم العبد أو غير المكلف كان (١) ما فعله نفلًا لا يجزئ عن حجة الإسلام. قوله: (بِلا نِيَّةِ نَفْلٍ) أي: لأنه إذا نوى بحجه النفل لا يجزئه عن حجة الإسلام؛ إذ لا ينقلب النفل فرضًا. قوله: (وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةِ بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ بِلا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ، وَأَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ) لا شك (٢) أنَّ الإستطاعة أيضًا من شروط الوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ١٩٧] وتحقيق الإستطاعة أن من قدر على الوصول آمنًا على نفسه وماله ولم يكن به مرض ولا ضعف يمنعه من الركوب، فإنه يجب عليه الحج وإن لحقته مشقة، إلا أن تكون مشقة عظيمة، فلا يجب عليه كما ذكر. قوله: (إلا لأَخْذِ ظَالِمٍ مَا (٣) قَلَّ) قد تقدم أن مما يعتبر في الاستطاعة الأمن على النفس والمال، ولا شك (٤) أن عدم الأمن على النفس معتبر (٥) في السقوط، وأما عدم الأمن على المال فإن كان من لصوصٍ فكذلك؛ لأنه مؤدٍّ (٦) إلى ضياع النفس، وإن كان من أجل (٧) ظالم كصاحب مكس، ونحوه ممن يتعرض لأخذ شيء من الناس، فإن كان الذي يأخذه غير معلوم أو معلومًا وهو مما يُجْحِف سقط أيضًا عنه الحج، وإن كان لا يُجْحِف به لقلته فلا يسقط، وهو معنى ما ذكر (٨) هنا. قوله: (لا يَنْكُثُ عَلَى الأَظْهَرِ) يريد أن ابن رشد قيد المسألة بقيد آخر وهو ألا يكون الآخذ (٩) القليل ممن ينكث؛ أي: إذا أخذه عاد إلى الكثير ولا يقف عند قوله. قوله: (وَلَوْ بِلا زَادٍ وَرَاحِلَةٍ لِذِي صَنْعَةٍ تَقُومُ بِهِ، وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْي) هو كما قال

стр. 819

اللخمي: إذا كان يستطيع المشي وعيشه في المقام من صنعة لا يتعذر عليه عملها في سفره والعيش منها (١) وجب عليه الحج، وإن كان يستطيع المشي ولا صنعة له أو له صنعة يتعذر عليه عملها في سفره فلا يجب عليه إلا مع الزاد والراحلة، وإن كان لا يستطيع المشي وله حرفة يقوم منها عيشه في سفره ذلك وجب عليه بوجود المركوب، إلا أن يكون في حرفته فضل عن عيشه مما يكتري به (٢). قوله: (كَأَعْمَى بِقَائِدٍ) أي: أن (٣) الأعمى إذا وجد من يقوده وهو قادر على المشي مثل البصير فيما ذكر. قوله: (وَإِلا اعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا) أي: وإن لم يقدر على المشي وليس له صنعة تقوم به في سفره (٤)، أو كان قادرًا على المشي ولا صنعة له ويخشى (٥) الهلاك على نفسه، أو له صنعة ولا قدرة له على المشي وليس في صنعته فضل يكري منه فلا يجب عليه الحج، وهو معنى قوله: (اعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا) (٦) أي: من الصنعة والمشي، ومعنى (اعتبر) أي: في جانب السقوط. قوله: (وَإِنْ بِثَمَنِ وَلَدِ زِنًى) أي: وجب (٧) الحج باستطاعة مع إمكان الوصول وإن بثمن ولد زنى إلى آخر ما ذكره، وقد سئل مالك: هل يحج بثمن ولد الزنى؟ فقال: أليس من (٨) أمته ولدته من زنى، قال: نعم، فقال: لا بأس به (٩). وإنما قال ذلك تنبيهًا على مذهب المخالف القائل: إنه لا يحج بثمن ولد الزنى. قوله: (أَوْ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ) يشير به إلى أن (١٠)

стр. 820

من (١) كان عنده من الأمتعة ما (٢) يباع للغرماء في الفلس كالحيوان والعقار والرقيق وثوبي جمعته (٣) إن كانت لهما قيمة، وكذا كتب الفقه وغيرها (٤) مما سيأتي في موضعه، فإنه يخاطب ببيع (٥) ذلك ليحج بثمنه. قوله: (أَوْ بِافْتِقَارِهِ) أي: أو (٦) مع افتقاره بعده، ومعنى ذلك: أن من كان معه ما يكفيه لسفره (٧) لكنه إذا سافر يكون (٨) فقيرًا لا شيء له ولا لأهله، فإنه يجب عليه الحج من غير نظر إلى (٩) ما يؤول إليه أمره وأمر أهله؛ إذ يصدق عليه أنه مستطيع، وهذا مذهب ابن القاسم (١٠) وهو المشهور، وقيل: لا يلزمه ذلك لقوله ﵊: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول (١١) " (١٢). قوله: (أَوْ تَرْكِ وَلَدِهِ لِلصَّدَقَةِ) أي: وكذلك يجب الحج على مستطيعه وإن أدى إلى ترك ولده للصدقة، قال في العتبية: سئل ابن القاسم عن الرجل تكون (١٣) له القرية (١٤)

стр. 821

وليس له غيرها أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ولده للصدقة (١)، قال: نعم، ذلك عليه (٢)، وقيده في البيان بألا يخشى عليهم الهلاك، وأما لو خشي عليهم لم يلزمه ذلك (٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (إِنْ لَمْ يَخْشَ هَلاكًا). قوله: (لا بِدَيْنٍ) أي: فلا يجب عليه (٤) أن يتداين ليحج. قوله: (أَوْ عَطِيَّةٍ) أي: وكذلك لا يلزمه أن يستعطي شيئًا يحج منه (٥)؛ لأن فيه منة. قوله: (أَوْ سُؤَالٍ مُطْلَقًا) لا خلاف أن الحج لا يجب عليه إذا لم تكن العادة إعطاءه، سواء كان معتادًا بالسؤال والإعطاء (٦) أم لا، واختلف إذا كانت عادته السؤال والإعطاء، فظاهر المذهب عدم اللزوم أيضًا وهي رواية ابن القاسم، وروى ابن وهب اللزوم (٧)، وإلى جميع ذلك أشار بالإطلاق؛ أي: لا يلزمه على وجه. قوله: (وَاعْتُبِرَ مَا يَرُدُّ بِهِ، إِنْ خَشِيَ ضَيَاعًا) مذهب الرسالة: أن الاستطاعة القوة على الوصول إلى مكة فقط من غير نظر إلى عوده (٨)، وهكذا قال اللخمي ثم قال: إلا أن يعلم أنه إن بقي هناك ضاع وخشي على نفسه فيراعى ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب (٩) المواضع مما يمكنه التمعش فيه (١٠)، وهذا مراده بما ذكر وقوله (١١): (يرد به) أي (١٢): إلى أقرب (١٣) المواضع التي يتمعش فيها.

стр. 822

قوله: (وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ) أي: في جميع ما تقدم، فيتعين السفر في البحر حيث يتعين في البر إلا أن يغلب العطب أو يعلم من نفسه أنه يميد حتى يعطل أمر الصلاة أو ركنها فلا يلزمه ذلك، وإلى هذا أشار بقوله: (إِلا أَنْ يَغْلِبَ (١) عَطَبُهُ، أَوْ يُضَيِّعَ رُكْنَ صَلاةٍ لِكَمَيْدٍ) يريد: أو ضيق ونحوهما مما يحصل به (٢) تعطيل الصلاة كلها (٣) أو ركنها، فقد سئل مالك عمن يركب البحر ولا يجد موضعًا لسجوده لكثرة الراكب وضيق الموضع إلا على ظهر أخيه، فقال: لا يركبه (٤). ثم قال (٥): أيركب حيث لا يصلي؟ ! ويلٌ لمن ترك الصلاة (٦). ومال الباجي إلى ركوبه وإن أدى إلى تعطيل بعض أحكام الصلاة بدليل ركوبه في الجهاد اتفاقًا (٧). (المتن) وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ؛ إِلَّا فِي بَعِيدِ مَشْيٍ، وَرُكُوبِ بَحْرٍ إِلَّا أَنْ تُخَصَّ بِمَكَانٍ، وَزِيَادَةِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ. كَرُفْقَةٍ أُمِنَتْ بِفَرْضٍ، وَفِي الإِكْتِفَاءِ بِنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ، أَوْ بِالْمَجْمُوعِ تَرَدُّدٌ. وَصَحَّ بِالْحَرَامِ وَعَصَى. وَفُضِّلَ حَجٌّ عَلَى غَزْوٍ إِلَّا لِخَوْفٍ، وَرُكُوبٌ، وَمُقَتَّبٌ وَتَطَوُّعُ وَلِيِّهِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ: كَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ. وَإِجَارَةُ ضَمَانٍ عَلَى بَلَاغٍ فَالْمَضْمُونَةُ كَغَيْرِهِ، وَتَعَيَّنَتْ فِي الإِطْلَاقِ، كَمِيقَاتِ الْمَيِّتِ، وَلَهُ بِالْحِسَابِ إِنْ مَاتَ وَلَوْ بِمَكَّةَ، أوْ صُدَّ وَالْبَقَاءُ لِقَابِلٍ، وَاسْتُؤْجِرَ مِنَ الانْتِهَاءِ. (الشرح) قوله: (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ) يريد: أن المرأة مساوية للرجل في جميع ما تقدم إلا في أمور أشار إلى الأول منها بقوله (٨): (إِلا فِي بَعِيدِ مَشْيٍ) أي (٩): فإن ذلك يكره لها (١٠) نص عليه

стр. 823

في الموازية (١). قال (٢): لأنها عورة في مشيها إلا القريب مثل مكة وما حولها (٣). وإلى الثاني أشار بقوله: (وَرُكُوبِ بَحْرٍ) يريد: لأن ركوبه (٤) في حقها مكروه، نصَّ عليه أيضًا في الموازية (٥)، وقيده عياض بما صغر من السفن لعدم الأمن من انكشاف عورتهن لا سيما عند قضاء الحاجة، قال: وركوبهن فيما كبر من السفن حيث يختصصن بأماكن يستترن فيها جائز (٦)، وإلى هذا أشار بقوله: (إِلا أَنْ تُخَصَّ بِمَكَانٍ)، ثم نبه على الثالث بقوله: (وَزِيَادَةِ (٧) مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ، كَرُفْقَةٍ أُمِنَتْ بِفَرْضٍ (٨)) يريد لقوله ﵊: "لا يحل لامرأة" (٩)، وفي رواية: "لا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة (١٠) إلا ومعها ذو محرم" (١١)، وعند مالك والشافعي الرفقة (١٢) المأمونة (١٣)، وإليه أشار بقوله: (كَرُفْقَةٍ أُمِنَتْ) وقيل: لا تحج (١٤) إلا مع ولي أو زوج،

стр. 824

وقيل: أما في غير (١) التطوع فلها أن تخرج (٢) مع (٣) الرفقة المأمونة، وإنما قال محرم أو زوج ولم يكتفِ بذكر المحرم؛ لأن الزوج لم يذكر في الحديث، وإنما قاسه العلماء على المحرم من باب الأولى. قوله: (بِفَرْضٍ) هو متعلق بقوله: (أمنت) أي: كرفقة أمنت في فرض، واحترز بذلك مما إذا كانت الرفقة غير مأمونة أو مأمونة (٤) وهي متطوعة بالحج فلا يباح لها ذلك. قوله: (وَفِي الاكْتِفَاءِ بِنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ، أَوْ بِالْمَجْمُوعِ تَرَدُّدٌ) يشير إلى اختلاف الشيوخ في فهم قول مالك: تخرج مع رجال ونساء (٥) هل معناه أنها تخرج في جماعة من أحد الجنسين أو لا تخرج إلا معهما (٦)؟ قال في الإكمال: وأكثر ما نقله أصحابنا عنه اشتراط النساء، وقال ابن عبد الحكم: لا تخرج مع (٧) رجال ليسوا منها بمحرم، ولعل (٨) مراده على الانفراد دون النساء فيكون وفاقًا لما تقدم (٩)، وحمل سند قول ابن عبد الحكم على الكراهة (١٠). قوله: (وَصَحَّ بِالْحَرَامِ وَعَصَى) أي: وصحَّ الحج بالمال (١١) الحرام وعصى فاعل ذلك، وقال: (بالحرام) ليشمل الغصب والسرقة والإختلاس ونحو ذلك، وإنما قال: (صَحَّ) ولم يقل سقط ليشمل النفل والفرض. قوله: (وَفُضِّلَ حَجٌّ عَلَى غَزْوٍ) وهكذا روي عن مالك (١٢)، ولعله محمول على ما إذا

стр. 825

خشي من نفسه جبنًا، أو خشي أن يكون غزا لأجل ما يحصل له من أموال الكفار ونحوه، مما يخرج به عن المرتبة السنية، وإلا فقد (١) ورد في الجهاد فضل لم يرد في الحج. قوله: (إِلا (٢) لِخَوْفٍ) أي: فحينئذٍ يكون الحج مفضولًا، بل يتعين الجهاد عند ذلك (٣). قوله: (وَرُكُوبٌ) أي: مفضل (٤) على مشي؛ لأنه ﵊ حج كذلك، وظاهر كلام سند أن المشي أفضل (٥)، وقال اللخمي: أرى أن المشي أفضل لقوله ﵊: "ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار" (٦). قوله: (وَمُقَتَّبٌ) أي: فضل مقتَّب (٧) على الرا كب (٨) في المحارة ونحوها، وقد فعله ﵊، ولا شك أن ما يفعله هو الأفضل. قوله: (وَتَطَوُّعُ وَلِيِّهِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ كَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ (٩)) يشير إلى ما قال (١٠) في المدونة: ومن مات وهو صرورة ولم يوصِ بحج فأراد وليه أن يحج عنه فليتطوع عنه بغير هذا يهدي عنه أو يتصدق أو يعتق (١١)، وإنما كانت هذه أفضل من الحج؛ لأنها تصل إلى الميت بلا خلاف بخلاف الحج (١٢). قوله: (وَإِجَارَةُ (١٣) ضَمانٍ عَلَى بَلَاغٍ) إنما كانت أفضل وإن كان المشهور فيها

стр. 826

الكراهة؛ لأن الأجير في المضمونة إذا مات حوسب بما صار له، وأخذ البقية من تركته فهي أحوط، ولأن الأجرة فيها معلومة مسماة، وليس كذلك غيرها. قوله: (فَالْمَضْمُونَةُ كَغَيْرِهِ (١)) أي: كغير الحج، ومعنى ذلك أنها إعطاء عوض للأجير يكون ثمنًا (٢) عن جميع فعله (٣) كسائر الإجارات في غير الحج فيكون العوض (٤) ملكًا للمستأجر، فما عجز عن كفايته يلزمه إتمامه (٥) من ماله وما فضل عنها كان له ذلك (٦)، وأما قوله: (وَتَعَيَّنَتْ فِي الإِطْلاقِ) يريد أن الموصي بالحج إذا أطلق ولم يعين (٧) صفة ما يستأجر عليه من ضمان أو بلاغ تعينت المضمونة، يريد: لأنها أحوط كما تقدم. قوله: (كَمِيقَاتِ الْمَيِّتِ) أي: وكذا في الميقات، ومعناه أن الميت إن عين الموضع الذي يحرم منه الأجير فلا إشكال، وإن أطلق تعين ميقاته الذي يحرم منه، كالمصري فإنه يحرم عنه من الجحفة وإن أوصى بذلك وهو بغير مصر مثلا (٨)، وهو ظاهر قول ابن القاسم (٩)، ويحرم من ميقات الميت وإن لم يشترطوا عليه ذلك (١٠)، وقال أشهب في الموازية (١١): يحج عنه من الموضع الذي أوصى به (١٢) أي إذا كان بغير بلده، وقال ابن عبد الحكم: إن كان من أهل مصر فمات بخراسان وأوصى بالحج حج عنه من خراسان. اللخمي: وهو أحسن وإنما يحج عنه من بلده إذا مات به، إلا ألا يجد من يستأجر

стр. 827

لتلك (١) الوصية من موضع أوصى به (٢). قوله: (وَلَهُ بِالْحِسَابِ إِنْ مَاتَ) يريد (٣): أن الأجير المذكور إذا مات قبل وفاء ما استؤجر عليه فله بحساب ما سار؛ أي: على قدر صعوبة الطريق وسهولتها وأمنها وخوفها لا لمجرد قطع المسافة؛ لأنه قد يكون سار (٤) ربع المسافة ولصعوبته يساوي نصف الكراء، ونبه بقوله: (وَلَوْ بِمَكَّةَ) على خلاف ابن حبيب القائل بأنه إذا وصل مكة يستحق جميع الأجرة (٥). قوله: (أَوْ صُدَّ) أي: وكذا الحكم إن صد فإنه يعطى بحساب ما سار. قوله: (وَالْبَقَاءُ لِقَابِلٍ) أي: وللأجير البقاء على حكم الإجارة إلى العام القابل. يريد: إذا فاته الحج بمرض أو حُصر عنه بعدو. قوله: (وَاسْتُؤْجِرَ مِنَ الانْتِهَاءِ) يريد أن الأجير إذا مات أو صد واحتيج إلى استئجار غيره فإنه يستأجر مكانه من حيث انتهاء الأول. (المتن) وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عَلَيْهِ، وَصَحَّ إِنْ لَمْ يُعَيِّنِ الْعَامَ. وَتَعَيَّنَ الأَوَّلُ وَعَلَى عَامٍ مُطْلَقٍ، وَعَلَى الْجَعَالَةِ، وَحَجَّ عَلَى مَا فُهِمَ وَجَنَى إِنْ وَفَّى دَيْنَهُ وَمَشَى. وَالْبَلَاغُ: إِعْطَاءُ مَا يُنْفِقُهُ بَدْءًا وَعَوْدًا بِالْعُرْفِ، وَفِي هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ لَمْ يتَعَمَّدْ مُوجِبَهُمَا، وَرُجِعَ عَلَيْهِ بِالسَّرَفِ. (الشرح) قوله: (وَلا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عَلَيْهِ) أي: على الأجير، ونبه بقوله: (كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عليه (٦)) إلى أن هدي (٧) القران وجزاء الصيد وفدية الأذى كذلك، وإنما امتنع ذلك لأن الهدي مجهول الجنس والصفة والثمن عند الإطلاق، وذلك يؤدي إلى الجهالة في

стр. 828

الأجرة (١). قوله: (وَصَحَّ إِنْ لَمْ يُعَيَّنِ الْعَامُ، وَتَعَيَّنَ الأَوَّلُ) يريد أن العقد يصح وإن لم يشترط على الأجير عام معين ويحمل (٢) على أقرب زمان يمكن وقوع الفعل فيه وهو العام الأول، وقيل: لا يصح للجهالة، ونسبه ابن رشد لابن القصار، قال: وليس بصحيح. قوله: (وَعَلَى عَامٍ مُطْلَقٍ) أي: وكذلك يصح العقد على عام مطلق، أي كما إذا قال: حج عني متى شئت (٣). قوله: (وَعَلَى الْجُعَالَةِ) أي (٤): وكذا يصح العقد على الجعالة؛ وهو أن يؤجر نفسه على أنه إن وفَّى بالحج كان له جميع الأجرة، وإلا فلا شيء له. قوله: (وَحَجَّ عَلَى مَا فُهِمَ) أي: ما فهم (٥) من حال الموصي من ركوب دواب وغيرها، قال في السليمانية: لا ينبغي للأجير أن يركب من الجمال والدواب إلا ما كان الميت يركب؛ لأنه كذلك أراد أن يوصي (٦). قوله: (وَجَنَى إِنْ وَفَّى دَيْنَهُ وَمَشَى) قال في السليمانية: ولا يقضي بها دينه ويسأل (٧) الناس وهذه جناية (٨)، وإنما أراد الميت أن يحج عنه بماله ثم قال: والعادة اليوم بخلاف ذلك، وأنه (٩) يصنع به ما أحب ويحج ماشيًا (١٠) وكيف تيسر (١١) له (١٢). قوله: (وَالْبَلاغُ إِعْطَاءُ مَا يُنْفِقُهُ بَدْءًا وَعَوْدًا بِالْعُرْفِ) يريد: أن معنى إجارة البلاغ أن

стр. 829

يدفع للأجير (١) مالًا ينفق عليه منه (٢) ذهابًا وإيابًا (٣)، قال في الموازية (٤): وينفق ما لا بدَّ له منه مما يصلح له (٥) من الكعك (٦) والزيت والخل واللحم مرة بعد مرة وشبه ذلك والوطاء واللحاف والثياب (٧)، وإليه أشار بقوله: (بِالْعُرْفِ). قوله: (وَفِي هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ لَمْ يَتَعَمَّدْ مُوجِبَهُمَا) أي: أن أجير البلاغ إذا وجب عليه هدي أو فدية فإن لم يتعمد موجبهما فهما في مال الميت كالنفقة، وإن تعمد فذلك في ماله، وقاله في المدونة (٨). قوله: (وَرُجِعَ عَلَيْهِ بالسَّرَفِ) يريد أن الأجير إذا تعدى في النفقة بغير العرف كما لو اشترى هدية أو (٩) غيرها مما لا تعلق للحج به، أو (١٠) عمل وليمة وجمع لها (١١) أصحابه، أو اشترى (١٢) منها الفاكهة ونحوها مما لم تدع الضرورة إليه، فإنه يرجع عليه به. (المتن) وَاسْتَمَرَّ إِنْ فَرَغَ، أَوْ أَحْرَمَ وَمَرِضَ، وَإِنْ ضَاعَتْ قَبْلَهُ رَجَعَ، وَإِلَّا فَنَفَقَتُهُ عَلَى آجِرِهِ، إِلَّا أَنْ يُوصِيَ بِالْبَلَاغِ؛ فَفِي بَقِيَّةِ ثُلُثِهِ وَلَوْ قُسِمَ، وَأَجْزَأَ إِنْ قُدِّمَ عَلَى عَامِ الشَّرْطِ أَوْ تَرَكَ الزِّيَارَةَ، وَرُجِعَ بِقِسْطِهَا، أَوْ خَالَفَ إِفْرَادًا لِغَيْرِهِ إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمَيِّتُ، وَإِلَّا فَلَا، كَتَمَتُّعٍ بِقِرَانٍ أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ هُمَا بِإِفْرَادٍ، أَوْ مِيقَاتًا شُرِطَ، وَفُسِخَتْ إِنْ عُيِّنَ الْعَامُ، أوْ عُدِمَ، كَغَيْرِهِ، وَقَرَنَ، أَوْ صَرَفَهُ لِنَفْسِهِ وَأَعَادَ؛ إِنْ تَمَتَّعَ،

стр. 830

وَهَلْ يُفْسَخُ إِنِ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ فِي الْمُعَيَّنِ، أَوْ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ لِلْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ عَنِ الْمَيِّتِ فَيُجْزِئَهُ؟ تَأْوِيلَانِ. (الشرح) قوله: (وَاسْتَمَرَّ إِنْ فَرَغَ أَوْ أَحْرَمَ، وَمَرِضَ) يريد أنه إذا فرغ ما أخذه من النفقة فإنه يستمر، ومعناه: ويرجع بالزائد، وكذا إذا أحرم فمرض فحصر عن تمام الحج أو بعد وفاته (١) يستمر. قوله: (وَإِنْ ضَاعَتْ قَبْلَهُ رَجَعَ) أي: ضاعت النفقة التي أخذها قبل الإحرام، وإنما يرجع لأن الإجارة إنما انعقدت على ذلك المال لا على مال (٢) مطلق، وله النفقة في رجوعه، فإن تمادى بعد الضياع فلا شيء له في ذهابه، قاله في المدونة (٣). ابن اللباد: ولا (٤) في رجوعه إلى موضع الضياع وله من ذلك الموضع إلى بلوغه (٥). قوله: (وَإِلا فَنَفَقَتُهُ عَلَى آجِرِهِ) أي: وإن كان الضياع إنما حصل بعد أن أحرم فإن النفقة حينئذٍ تكون على آجره ويتمادى على حجه لعدم ارتفاضه (٦)، وسواء كان للميت مال أم لا، وقال (٧) ابن حبيب: إن كان للميت مال فمنه (٨). قوله: (إِلا أَنْ يُوصِيَ بِالْبَلاغِ، فَفِي بَقِيَّةِ ثُلُثِهِ وَلَوْ قُسِمَ) أي: فإن النفقة تكون في بقية الثلث إن لم يقسم المال (٩) بلا خلاف، فإن قسم فقال في البيان: يجري ذلك على الاختلاف (١٠) فيمن أوصى بشراء عبد من ثلثه، فاشتري ولم ينفذ له العتق حتى مات العبد وقد اقتسم الورثة المال، فقيل: يشترى عبد آخر من بقية الثلث، وهو ظاهر

стр. 831

المدونة، وقيل: لا (١). قوله: (وَأَجْزَأَ إِنْ قُدِّمَ عَلَى عَامِ الشَّرْطِ) يريد: أن الأجير إذا شرط عليه الحج مثلًا في عام خمسين فقدَّم بأن (٢) حج في (٣) سنة تسع وأربعين أو ما قبلها فإن ذلك يجزئ عن الميت. بعض الأندلسيين: كما لو قدم دينًا عليه، نقله ابن رشد (٤). قوله: (أَوْ تَرَكَ الزِّيَارَةَ) يريد أن من استؤجر على الحج وعلى زيارة النبي ﷺ فحج وتعذرت عليه الزيارة أن ذلك يجزئ عن الميت. ابن أبي زيد: ويرد من الأجرة بقدر مسافة الزيارة، وقيل: يرجع ثانية حتى يزور (٥)، وهو معنى قوله: (وَرُجِعَ بِقِسْطِهَا). قوله: (أَوْ خَالَفَ (٦) إِفْرَادًا لِغَيْرِهِ) يريد أن الأجير إذا شرط (٧) عليه الإفراد فخالف فتمتع أو قرن فإنه يجزئ عن الميت، والمذهب في مسألة التمتع الإجزاء كما ذكر، وكان ابن القاسم يقول بعدم الإجزاء ثم رجع إلى الإجزاء، وأمَّا إذا قرن فذهب ابن القاسم إلى عدم الإجزاء (٨)، قاله ابن الجلاب خلافًا لعبد الملك (٩)، لكن قال في الكافي: الأكثر من أصحاب مالك على الإجزاء (١٠)، وهذا كله إذا كان المشترط على الأجير الورثة (١١)، وإليه أشار بقوله: (إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمَيِّتُ) أي: إن لم يشترط الميت الإفراد على الأجير، ولهذا قال: (وَإلا فَلا) أي: وإن كان المشترط لذلك هو الميت فلا يجزئ وهذا مما لا خلاف فيه، لكن إن قرن انفسخت الإجارة سواء كان العام معينًا أم لا، وإن تمتع

стр. 832

أعاد (١) إن كان العام غير معين (٢). قوله: (كَتَمَتُّعٍ بِقِرَانٍ أَوْ عَكْسِهِ) أي (٣): كما لا يجزئ إذا اشترط عليه التمتع فقرن أو القران فتمتع، نقله في الذخيرة (٤). قوله: (أَوْ هُمَا بِإِفْرَادٍ) أي: وكذلك لا يجزئه إذا اشترط عليه التمتع فأفرد أو القران فأفرد، نصَّ على ذلك أيضًا (٥) في الذخيرة (٦). قوله: (أَوْ مِيقَاتًا شُرِطَ) أي: وإن شرط على الأجير أن يحج من ميقات فأحرم من غيره لم يجزئه، فـ (ميقاتًا) معطوف على (إفراد) أي: أو خالف ميقاتًا شرط عليه. قال في الذخيرة: ظاهر المذهب أنه لا يجزئه، ويرد المال في الحج المعين إن فات (٧). قوله: (وَفُسِخَتْ إِنْ عُيِّنَ الْعَامُ أو عُدِمَ) يريد أن الأجير إذا خالف الميقات فإن الإجارة تنفسخ (٨) إن كان العام معينًا، وكذلك إن عدم العام المعين؛ أي: فات، أو عدم الأجير بموت ونحوه. قوله: (كَغَيْرِهِ) يريد أن الأجير إذا أمر غيره بحج عن الميت فإن الإجارة أيضًا تنفسخ، معناه: إذا كان العام أيضًا معينًا، ولا خلاف في هذا إذا نص الميت على الأجير أو الورثة أو دلت قرينة على تعيينه، وكذلك إن لم تكن قرينة، واختاره ابن عبد البر (٩) وغيره، وقيل: يصح (١٠) ويجزئ عن الميت. قوله: (أَوْ قَرَنَ) أي: وكذلك تنفسخ الإجارة إذا قرن الأجير. يريد: مخالفًا لما شرط عليه من إفراد أو تمتع، وقد سبق ذلك.

стр. 833

قوله: (أَوْ صَرَفَهُ لِنَفْسِهِ) أي: حج عن نفسه ولم يحج عن الميت وفسخت هنا الإجارة؛ لأن العام معين وقد أتى فيه بغير ما استؤجر عليه فالعقد خاص بالعام الذي فوته ولم يتعلق بما بعده من الأعوام، وإن لم يعين العام فقال ابن بشير: تنفسخ أيضًا، ونص في البيان على خلافه (١). قوله: (وَأَعَادَ إِنْ تَمَتَّعَ) أي: فإن شرط عليه الإفراد أو القران فتمتع لم تنفسخ (٢)، لكن يبقى إلى العام القابل فيعيد كما شرط عليه، والفرق بينه وبين ما إذا خالف فقرن أن القران مما يخفى سببه فلا يؤمن من العود (٣) بخلاف التمتع، وأيضًا فإن القارن شرك (٤) في العمل (٥) فأتى ببعض ما استؤجر عليه، والمتمتع (٦) أتى بما اشترط (٧) عليه وزيادة. قوله: (وَهَلْ يُفْسَخُ (٨) إِنِ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ (٩) فِي الْمُعَيَّنِ، أَوْ إِلا أَنْ يَرْجِعَ لِلْمِيقَاتِ فَيُحْرِمَ عَنِ الْمَيِّتِ فَيُجْزِئَهُ؟ تَأَوِيلانِ) قال في المدونة: ومن أخذ مالًا ليحج به عن الميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة، لم يجزئ ذلك عن الميت، وعليه أن يحج حجة أخرى عن الميت كما استؤجر (١٠)، واختلف الأشياخ كما أشار إليه في تأويل ذلك؛ فذهب بعضهم إلى أن الإجارة تفسخ في المعين، قال: ويلزمه أن يحج عنه من موضع الإستئجار لا من الميقات؛ لأنه لما اعتمر عن نفسه كأنه إنما حج لذلك (١١)، ففهم أن مذهب المدونة عموم نفي الإجزاء، وهذا أحد التأويلين ذكره ابن

стр. 834

يونس، قال: والذي أرى أنه (١) إن رجع فأحرم من ميقات الميت أنه يجزئه؛ لأنه تعدى منه فأحرم عن نفسه، وكان الواجب عليه أن يحرم عمن استأجره، فإذا رجع فأحرم منه عنه لم ينقصه (٢) شيئًا مما شرط عليه (٣)، وهذا هو التأويل الثاني، وفي العتبية: أراه ضامنًا للحج؛ لأن من استؤجر على الحج عن ميت فعليه أن يحرم من ميقات الميت، سواء اشترط عليه من ذي الحليفة أم لا (٤). (المتن) وَمُنِعَ اسْتِنَابَةُ صَحِيحٍ فِي فَرْضٍ؛ وَإِلَّا كُرِهَ كَبَدْءِ مُسْتَطِيعٍ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَإِجَارَةِ نَفْسِهِ، وَنَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنَ الثُّلُثِ، وَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ إِنْ وَسِعَ وَقَالَ يُحَجُّ بِهِ لَا مِنْهُ، وَإِلَّا فَمِيرَاثٌ، كَوُجُودِهِ بِأَقَلَّ، أَوْ تَطَوَّعَ غَيْرٌ، وَهَلْ إِلَّا أَنْ يَقُولَ يُحَجُّ عَنِّي بِكَذَا فَحِجَجٌ؟ تَأوِيلانِ. وَدُفِعَ الْمُسَمَّى -وَإِنْ زَادَ عَلَى أُجْرَتِهِ- لِمُعَيَّنٍ لَا يَرِثُ فُهِمَ إِعْطَاؤُهُ لَهُ، وَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ وَارِثٍ وَلَمْ يُسَمِّ زِيدَ -إِنْ لَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ- ثُلُثُهَا، ثُمَّ تُرُبِّصَ، ثُمَّ أُوجِرَ -لِلصَّرُورَةِ فَقَطْ- غَيْرُ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ، وَإِنِ امْرَأَةً وَلَمْ يَضْمَنْ وَصِيٌّ دَفَعَ لَهُمَا مُجْتَهِدًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِمَا سَمَّى مِنْ مَكَانِهِ حُجَّ مِنَ الْمُمْكِنِ وَلَوْ سَمَّاهُ؛ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ فَمِيرَاثٌ، وَلَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ لَا الإِشْهَادُ، إِلَّا أَنْ يُعْرَفَ، وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيمَنْ يَأْخُذُهُ فِي حَجَّةٍ، وَلا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حُجَّ عَنْهُ، وَلَهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ. (الشرح) قوله: (وَمُنِعَ اسْتِنَابَةُ صَحِيحٍ فِي فَرْضٍ) هو من باب إضافة المصدر إلى فاعله، والمعنى أن الصحيح لا يجوز له أن يستنيب غيره ليحج عنه في (٥) الفرض. قوله: (وَإِلا كُرِهَ) أي: وإن استناب العاجز في ذلك والصحيح في النفل، كره له (٦) ذلك.

стр. 835

سند: والمذهب (١) كراهتها للصحيح في التطوع، وإن وقعت صحت الإجارة (٢). واختلف في العاجز هل تجوز استنابته وهو مروي عن مالك، أو تكره وهو المشهور، أو يفرق بين الولد فيجوز (٣) منه وبين غيره فلا تجوز، وهو قول ابن وهب وأبي مصعب (٤). قوله: (كَبَدْءِ مُسْتَطِيعٍ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ) يريد: أنه يكره للمستطيع أن يبدأ بالحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؛ لقوله ﵊ للذي أحرم بالحج عن غيره: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (٥)، قال في المدونة: ويحج عنه من حج عن نفسه فإن جهلوا فاستأجروا من لم يحج أجزأ عنه (٦). وقال أشهب: لا بأس أن يستأجروا له صرورة ممن (٧) لم يجد السبيل، فأما من يجد السبيل فلا ينبغي أن يعان على ذلك (٨)، فإن أحجوا عنه أساؤوا ويجزئه. قوله: (وَإِجَارَةِ نَفْسِهِ) هذا هو المشهور، قال في كتاب محمد: ولأن يؤاجر الرجل نفسه في سَوْق الإبل وحمل اللبن أحب إليَّ من أن يعمل عملًا لله عن غيره بإجارة (٩)، والشاذ (١٠) جواز ذلك. قوله: (وَنَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنَ الثُّلُثِ) يريد: أن الإستنابة وإن كانت مكروهة فإنها تنفذ إن أوصى بها وهو المشهور، وقال ابن كنانة: لا تنفذ ويصرف قدر الموصى به في

стр. 836

هدايا (١)، وقال بعض (٢) من قال بقوله: يصرف في وجه من وجوه الخير، وإنما كان من الثلث؛ لأن حكمه حكم الوصية التي لا تكون إلا في الثلث. وقال أشهب: ذلك (٣) من رأس المال إن كان صرورة، وقيل: لا تنفذ. حكاهما في الذخيرة (٤). قوله: (وَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ إِنْ وَسِعَ وَقَالَ: يُحَجُّ بِهِ لا مِنْهُ) يريد: أن الميت إذا أوصى أن يحج عنه بمال حج عنه حجج بعدده (٥) إن وسع المال الموصى به ذلك إذا قال في وصيته يحج به؛ أي: بمجموعه (٦) لا منه؛ أي (٧): لا ببعضه، وهذا مع القرينة أو (٨) التنصيص على ذلك، قال في العتبية: في رجل أوصى أن يحج عنه بثلثه فوجد ثلثه ثلاثة آلاف (٩) دينار ونحو ذلك، فإنه يحج عنه حتى يستوعب الثلث. قال في البيان: لأنه لما كان الثلث واسعًا علم أنه لم يرد حجة واحدة ولو كان ثلثه يشبه أن يحج به حجة واحدة رجع ما بقي ميراثًا كما قال في المدونة في مسألة الأربعين دينارًا (١٠). قوله: (وَإِلا فَمِيرَاثٌ) أي: وإن لم يسعِ المال الموصى به ذلك فهو ميراث، وكذلك إذا سمى الميت قدرًا فلم يوجد من يحج به من موضع الميت ولا من مكة فهو ميراث (١١)، وأشار بقوله: (كَوُجُودِهِ بِأَقَلَّ) إلى مسألة المدونة: إذا قال (١٢): حُجوا عني بأربعين دينارًا ففضل منها فضلة أو رضي الأجير بثلاثين فإن الباقي يرجع ميراثًا (١٣)،

стр. 837

وكذلك إذا تبرع رجل فحجَّ عن الميت مجانًا فإن المال يرجع ميراثًا، وإليه أشار بقوله: (أَوْ تَطَوُّعِ غَيْرٍ). وأشار بقوله: (وَهَلْ إِلا أَنْ يَقُولَ: يُحَجُّ عَنِّي بِكَذَا فَحِجَجٌ؟ تَأْوِيلانِ) إلى ما قاله (١) ابن المواز: إن الموصي إذا قال: حجوا بهذا عني أو يحج به (٢) عني أنه (٣) يحج عنه حجج إلى مبلغ ذلك، بخلاف ما إذا قال: يحج به فلان عني فرضي فلان (٤) بأقل فإن الفاضل يكون ميراثًا (٥)، واختلف المتأخرون هل هو (٦) تفسير لقول ابن القاسم أو خلاف؟ وهذا التردد راجع إلى قوله (٧): (وَإِلا فَمِيرَاثٌ) أي: وهل جعله أو ما فضل عنه ميراثًا مقيد بما إذا لم يقل: حجوا عني أو مطلقًا؟ تأويلان، وهذا على أن قول محمد خلاف. قوله: (وَدُفِعَ الْمُسَمَّى وَإِنْ زَادَ عَلَى أُجْرَتِهِ لِمُعَيَّنٍ لا يَرِثُ (٨)) يريد: أن الميت إذا عين شخصًا فقال: يحج عني بكذا، فإنه يعطى له الجميع ولو كان زائدًا على مقدار (٩) أجرته؛ لأنها وصية له، وليس له أن يقول: أحجوا غيري بكذا (١٠)، وادفعوا إليَّ الزائد؛ لأنه إنما أوصى له بشرط الحج، وهذا إذا كان غير وارث، وأما الوارث فلا يزاد على النفقة والكراء شيئًا كما قال سند (١١)، وإليه أشار بقوله: (لا يَرِثُ) أي: دفع الجميع لمعين غير وارث، وإنما قال: (فُهِمَ إِعْطَاؤُهُ لَهُ) لأنه إذا لم يفهم من لفظ الموصي أو فهم غير ذلك لم يُزَد على أجرته شيئًا. قوله: (وَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ وَارِثٍ وَلَمْ يُسَمِّ زِيدَ إِنْ لَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ ثُلُثَهَا ثُمَّ تُرُبِّصَ)

стр. 838

يعني: إذا عين الميت شخصًا غير وارث (١) يحج عنه ولم يسمِّ قدر ما يعطى له (٢)، وأبى الشخص (٣) أن يحج عنه بأجرة مثله، فإنه يزاد له فوق تلك الأجرة مقدار ثلثها، فإن رضي (٤) فلا كلام وإلا تربص قليلًا لعله يرضى بذلك، واحترز بقوله: (غير وارث) من الوارث فإنه لا يزاد على نفقته وكرائه كما تقدم، وبقوله: (ولم يسم) مما إذا سمى قدرًا يحج به عنه، فإنه إن رضي بذلك القدر أو بدونه دفع له ورجع ما فضل ميراثًا، وإن لم يرضَ به (٥) لم يزد على ذلك شيئًا واستأجروا من يحج عنه إن كان الميت صرورة، وإلا رجع المال ميراثًا وقيل: لا. قوله: (ثُمَّ أُوجِرَ لِلصَّرُورَةِ فَقَطْ، غَيْرُ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ، وَإِنِ امَرْأَةً (٦)) يريد أن الصرورة وهو الذي لم يحج قطُّ (٧)، إذا أوصى بالحج فإنما يستأجر له مسلم حر بالغ يحج عنه؛ ليكون حجه مُنَزَّلًا منزلةَ حج الميت، فإن أوصى أن يحج عنه عبد أو صبي أنفذ ذلك، قاله في المدونة (٨)، وقال ابن القاسم: يدفع ذلك لغيرهما، حكاه ابن المواز (٩). وأشار بقوله: (فقط) إلى أن (١٠) غير الصرورة إذا حج عنه عبد أو صبي فلا بأس به، ونبه بقوله: (وإن امرأة) على خلاف من يرى (١١) أنها لا تحج عن الرجل؛ لأن إحرامها في وجهها وكفيها بخلافه، وأيضًا فإن الرجل في الطواف يَرْمُل بخلافها، وكذلك يَخبُّ في بطن المسيل دونها إلى غير ذلك.

стр. 839

قوله: (وَلَمْ يَضْمَنْ وَصِيٌّ دَفَعَ لَهُمَا مُجْتَهِدًا) يريد: أن الوصي إذا ظن أن العبد حرٌّ أو (١) الصبي بالغٌ فدفع لهما الأجرة ثم ظهر أنهما على خلاف ما ظن فلا يضمن شيئًا لأنه اجتهد، والغرض من ذلك الثواب وهو يحصل بهما كما يحصل بغيرهما. قوله: (وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِما سَمَّى مِنْ مَكَانِهِ حُجَّ مِنَ الْمُمْكِنِ وَلَوْ سَمَّاهُ (٢) إِلا أَنْ يُمْنَعَ فَمِيرَاثٌ (٣)) يعني: إذا سمى الميت قدرًا فلم يوجد من يحج عنه من مكانه بذلك القدر (٤)، فإنه يحج عنه من مكان يمكن أن يستأجر له منه بالمقدار الذي عينه الميت، ولا خلاف فيه إذا لم يسمِّ الكان الذي يحج منه عنه، فإن سماه فقال: حجوا عني من بلد كذا، وقد مات به ولم يوجد من يحج به (٥) عنه من ذلك البلد (٦)، فروي عن ابن القاسم أنه يستأجر له به من حيث يوجد، إلا أن يتبين أنه أراد ألا يحج به عنه إلا من بلده (٧)؛ أي: فيكون ميراثًا، وإلى هذا أشار بقوله: (وَلَوْ سَمّاهُ (٨) إِلا أَنْ يُمْنَعَ فَمِيرَاثٌ) أي: ولو سمى (٩) المكان الذي يحج عنه منه، فكذلك يحج عنه من حيث (١٠) يمكن إلا أن يمنع من (١١) ذلك لكونه إنما أراد أن يحج عنه من موضعه، فيكون ميراثًا. قوله: (وَلَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ) أي: ولزم الأجير أن يحج عن الموصي بنفسه. يريد: إذا قامت قرينة تدل على تعيينه من الورثة أو عيَّنه الميت قصدًا لخيره ورغبة في بركته. قوله: (لَا الإِشْهَادُ (١٢)) أي: فلا يلزمه أن يشهد على نفسه أنه قد حج عن الميت،

стр. 840

وهذا إذا لم يكن عرف الناس الإشهاد فإن كان لزمه، وإليه أشار بقوله: (إلا أَنْ يُعْرَفَ) ولا خفاء أن العرف إذا جرى بالإشهاد (١) أو بعدمه أنه يصار إليه، فإن لم يكن عرف فعن المتأخرين في ذلك قولان. قوله: (وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيمَنْ يَأْخُذُهُ فِي حَجِّهِ (٢)) أي: وقام وارث الموصي مقامه في تعيين من يعينه لحجه. يريد: وكذلك يقوم وارث الأجير مقامه إذا كان الحج مضمونًا لا معينًا. قوله: (وَلا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حُجَّ عَنْهُ، وَلَهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ) يريد: أن من مات وعليه فريضة الحج فإنها لا تسقط بحج غيره عنه. ابن القصار: وإنما للميت المحجوج عنه أجر النفقة والدعاء (٣)؛ إن أوصى أن يستأجره من ماله على ذلك، وإن تطوع غيره عنه (٤) بذلك فله أجر الدعاء وفضله (٥)، وإلى هذا أشار بقوله: (وله أجر النفقة) (٦)؛ أي: إذا أوصى أن (٧) يحج عنه من ماله (والدُّعاء) أي: إذا تبرع به عنه الغير، وخرج الباجي قولًا بسقوط الفريضة (٨). (المتن) وَرُكْنُهُمَا الإِحْرَامُ، وَوَقْتُهُ لِلْحَجِّ شَوَّال لآخِرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَكُرِهَ قَبْلَهُ كَمَكَانِهِ، وَفِي رَابِغٍ تَرَدُّدٌ. وَصَحَّ. وَلِلْعُمْرَةِ أَبَدًا إِلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ لِتَحَلُّليْهِ، وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ. وَمَكَانُهُ لَهُ لِلْمُقِيمِ مَكَّةَ، وَنُدِبَ الْمَسْجِدُ، كَخُرُوجِ ذِي النَّفَسِ لِمِيقَاتِهِ، وَلَهَا وَلِلْقِرَانِ الْحِلُّ. وَالْجِعِرَّانَةُ أَوْلَى، ثُمَّ التَّنْعِيمُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ، وَأَهْدَى إِنْ حَلَقَ؛ وَإِلَّا فَلَهُمَا ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَالْجُحْفَةُ، وَيَلَمْلَمُ، وَقَرْنٌ، وَذَاتُ عِرْقٍ، وَمَسْكَنٌ دُونَهَا، وَحَيْثُ حَاذَى وَاحِدًا، أَوْ مَرَّ وَلَوْ

стр. 841

ببَحْرٍ؛ إِلَّا كَمِصْرِيٍّ يَمُرُّ بِالْحُلَيْفَةِ، فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ لِحَيْضٍ رُجِيَ رَفْعُهُ، كَإِحْرَامِهِ أَوَّلَهُ، وَإِزَالَةِ شَعَثِهِ، وَتَرْكِ اللَّفْظِ بِهِ. (الشرح) قوله (١): (وَرُكْنُهُمَا الإِحْرَامُ) أي: وركن الحج والعمرة الإحرام، وهذا مما لا إشكال فيه لفعله ﵊ وقوله: "خذوا عني مناسككم" (٢) وأمره به، وذلك مجمع (٣) عليه. قوله: (وَوَقْتُهُ لِلْحَجِّ شَوَّالٌ لآخِرِ ذِي (٤) الْحِجَّةِ) يريد: ووقت الإحرام للحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، ولهذا قال: (لآخر ذِي الحجة) وهو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: آخره عشر ذي الحجة ورواه ابن حبيب (٥)، وروي أيام التشريق نقله في الجواهر (٦)، وفائدة الخلاف تعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة عن أشهر الحج (٧). قوله: (وَكُرِهَ قَبْلَهُ) يريد: أن الإحرام بالحج قبل شوال مكروه؛ لأنه ﵊ إنما أحرم به في أشهره، واختلف إذا فعل ذلك هل ينعقد وهو المشهور، أو لا ينعقد؟ وحكى هذا القول اللخمي ولم يعزه (٨)، وأشار بقوله: (كَمَكَانِهِ) إلى أن الحج أيضًا له ميقات مكاني كما سيأتي من (٩) كلامه، وأنه يكره له أن يحرم قبله (١٠)، وهو ظاهر المدونة (١١)، وهو الذي يحكيه العراقيون عن المذهب من غير

стр. 842

تفصيل، وفي الموازية: له أن يحرم من منزله إذا كان قبل الميقات إلا أن يكون قريبًا منه فيكره أن يحرم منه (١)، لأنه مع القرب إنما قصد مخالفة الميقات، ومع البعد إنما قصد استدامة الإحرام وهو غير مكروه. قوله: (وَفِي رَابغٍ تَرَدُّدٌ) أي: هل يكره الإحرام منه لأنه قبل الجحفة، وإليه ذهب الشيخ القدوة (٢) أبو عبد الله بن الحاج (٣)، أو لا يكره، لأنه أول الميقات ومن أعمال الجحفة ومتصل بها بدليل اتفاق الناس على ذلك، وإليه ذهب بعض (٤) أشياخنا المتأخرين؛ وحكي ذلك عن شيخ شيخنا الشهير (٥) بعبد الله المنوفي (٦)، ﵏ أجمعين. قوله: (وَصَحَّ) أي: ولو قلنا بالكراهة فإنه ينعقد ويصح. قوله: (وَللْعُمْرَةِ أَبَدًا إِلا لِمُحْرِمٍ (٧) بِحَجٍّ لِتَحَلُّلَيْهِ (٨)) يريد: أن ميقات العمرة في (٩) أيام السنة كلها، أي (١٠): فأي وقت أحرم بها جاز (١١) إلا من كان محرمًا بالحج فالوقت في حقه إذا تحلل من الحج، فمراده (١٢) بقوله: (لتحلليه) أي: إلى أن يحل من حجه، ثم قال: (وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ) لما كان الذي يحل به من الحج أمرين: طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة، ثنى الضمير لأجل ذلك، ومراده أن الإحرام بالعمرة قبل

стр. 843

الفراغ منهما ممنوع، وبعدهما وقبل الغروب (١) من آخر أيام الرمي مكروه، وقاله في المدونة (٢)، ومعناه: ينعقد (٣). قوله: (وَمَكَانُهُ لَهُ لِلْمُقِيمِ مَكَّةُ) أي: ومكان الإحرام للحج للمقيم مكة، وسواء كان من أهلها أم (٤) مقيمًا بها وقت الإحرام، واحترز بقوله: (له) (٥) مما إذا كان الإحرام للعمرة كما سنذكره. قوله: (وَنُدِبَ الْمَسْجِدُ) يريد أنه يستحب من بمكة إذا أراد الإحرام بالحجِّ أن يأتي المسجد ليحرم (٦) منه به (٧)، وهو مذهب المدونة (٨). أشهب: يريد من داخله لا من بابه، وقاله في الموازية عن مالك (٩). وقال ابن حبيب: إنما يحرم من بابه (١٠). قوله: (كَخُرُوجِ ذِي النَّفَسِ لِمِيقَاتِهِ) المراد بصاحب النفس من اتسع له الوقت من أهل الآفاق إذا كان بمكة وأراد الإحرام بالحج، فالمستحب أن يخرج إلى ميقاته فيحرم منه، وقاله في المدونة (١١)، وإنما أمره هنا بالخروج لأنه في سعة من الوقت، وفي المسألة الأولى استحب له أن يحرم من المسجد؛ لأن معناه أنه في ضيق من الوقت ليس عليه نفس مثل ذلك، وهكذا قال (١٢) في النكت إثر (١٣) مسألتي المدونة (١٤).

стр. 844

قوله: (وَلَهَا وَللْقِرَانِ الْحِلُّ) أي: وللإحرام بالعمرة من بمكة الحل للجمع فيها بين الحل والحرم؛ لفعله ﵊، فلو أحرم بها من الحرم وهي تنقضي فيه لزم من ذلك عدم الجمع بينهما في الإحرام للعمرة (١)؛ بخلاف الحج فإنه وإن أحرم به من (٢) الحرم يخرج إلأ عرفة (٣) وهي حل فيحصل له الجمع بين الحل والحرم، وهذا وجه كون القران يطلب فيه الخروج أيضًا إلأ الحل؛ لأن القارن (٤) لو أحرم به (٥) من مكة لزم عدم الجمع في العمرة بينهما؛ لأن خروجه لمعرفة خاص بالحجِّ، وهذا هو المشهور، وقال عبد الملك وسحنون: يجوز إحرامه من مكة بناء على أن العمرة مضمحلة (٦) والعبرة بالحج لا غير (٧). قوله: (والجْعِرَّانَة أَوْلَى، ثُمَّ التَّنْعِيمُ) إنما كان الإحرام بالعمرة من الجعرانة أولًا لفعله ﵊ إذ أحرم بها من الجعرانة، وكان التنعيم يليها في الفضل؛ لأمره لعبد الرحمن أن يخرج بأخته عائشة إلى التنعيم. قوله: (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ، وَأَهْدَى إِنْ حَلَقَ) يريد: أن من أحرم بالعمرة من الحرم ولم يخرج إلى الحل ثم طاف وسعى (٨) فإنه يعيد طوافه وسعيه بعد أن يخرج إلى الحل لكونهما وقعا بغير شرطهما، فإن حلق أعادهما أيضًا وأهدى؛ لكونه حلق في حال إحرامه، هذا هو الأصح خلافًا لأشهب في سقوط الدم، حكاه عنه ابن المواز (٩). قوله: (وَإِلا فَلَهُمَا ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَالْجحْفَةُ، وَيَلَمْلَمُ، وَقَرْنٌ، وَذَاتُ عِرْقٍ) لما ذكر أن

стр. 845

الميقات المكاني من بمكة في الحج مكة، وفي العمرة الحل، أشار بهذا (١) إلى أن من أراد (٢) الإحرام بحج أو عمرة ممن هو من أهل الآفاق فإن ميقاته فيهما ما ذكر؛ أي: وإن لم يكن مقيمًا بمكة (٣) فللحج والعمرة هذه المواقيت وذو الحليفة أبعد المواقيت من مكة بينهما نحو من عشر مراحل أو تسع، وهي قريبة من المدينة على ستة أميال منها، وقيل: سبعة، وقيل: أربعة وهي ميقات أهل المدينة. والجحفة على ثلاث مراحل، ونحوها من مكة وبينها وبين المدينة ثماني مراحل وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب. ويلملم ويقال أيضًا أَلَمْلَم بإبدال الياء همزة وهو جبل من جبال تهامة (٤) على ليلتين من مكة وهي ميقات أهل اليمن. وقرن المنازل على مرحلتين من مكة، قيل: أنها أقرب المواقيت إليها، وهي ميقات أهل نجد. وأما ذات عرق وهي ميقات أهل العراق فهي موضع بالبادية (٥) ولم أرَ من ذكر ذات عرق بالنسبة إلى قربه وبعده من مكة شرفها الله تعالى، والشيخ ﵀ قد ذكر هذه المواقيت ولم يذكر أهلها اتكالًا على ما ورد في ذلك في الصحيحين، عن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل (٦)، ولأهل اليمن يلملم، قال: عن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" (٧)،
следующие страницы →