← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ببَحْرٍ؛ إِلَّا كَمِصْرِيٍّ يَمُرُّ بِالْحُلَيْفَةِ، فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ لِحَيْضٍ رُجِيَ رَفْعُهُ، كَإِحْرَامِهِ أَوَّلَهُ، وَإِزَالَةِ شَعَثِهِ، وَتَرْكِ اللَّفْظِ بِهِ. (الشرح) قوله (١): (وَرُكْنُهُمَا الإِحْرَامُ) أي: وركن الحج والعمرة الإحرام، وهذا مما لا إشكال فيه لفعله ﵊ وقوله: "خذوا عني مناسككم" (٢) وأمره به، وذلك مجمع (٣) عليه. قوله: (وَوَقْتُهُ لِلْحَجِّ شَوَّالٌ لآخِرِ ذِي (٤) الْحِجَّةِ) يريد: ووقت الإحرام للحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، ولهذا قال: (لآخر ذِي الحجة) وهو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: آخره عشر ذي الحجة ورواه ابن حبيب (٥)، وروي أيام التشريق نقله في الجواهر (٦)، وفائدة الخلاف تعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة عن أشهر الحج (٧). قوله: (وَكُرِهَ قَبْلَهُ) يريد: أن الإحرام بالحج قبل شوال مكروه؛ لأنه ﵊ إنما أحرم به في أشهره، واختلف إذا فعل ذلك هل ينعقد وهو المشهور، أو لا ينعقد؟ وحكى هذا القول اللخمي ولم يعزه (٨)، وأشار بقوله: (كَمَكَانِهِ) إلى أن الحج أيضًا له ميقات مكاني كما سيأتي من (٩) كلامه، وأنه يكره له أن يحرم قبله (١٠)، وهو ظاهر المدونة (١١)، وهو الذي يحكيه العراقيون عن المذهب من غير

стр. 842

تفصيل، وفي الموازية: له أن يحرم من منزله إذا كان قبل الميقات إلا أن يكون قريبًا منه فيكره أن يحرم منه (١)، لأنه مع القرب إنما قصد مخالفة الميقات، ومع البعد إنما قصد استدامة الإحرام وهو غير مكروه. قوله: (وَفِي رَابغٍ تَرَدُّدٌ) أي: هل يكره الإحرام منه لأنه قبل الجحفة، وإليه ذهب الشيخ القدوة (٢) أبو عبد الله بن الحاج (٣)، أو لا يكره، لأنه أول الميقات ومن أعمال الجحفة ومتصل بها بدليل اتفاق الناس على ذلك، وإليه ذهب بعض (٤) أشياخنا المتأخرين؛ وحكي ذلك عن شيخ شيخنا الشهير (٥) بعبد الله المنوفي (٦)، ﵏ أجمعين. قوله: (وَصَحَّ) أي: ولو قلنا بالكراهة فإنه ينعقد ويصح. قوله: (وَللْعُمْرَةِ أَبَدًا إِلا لِمُحْرِمٍ (٧) بِحَجٍّ لِتَحَلُّلَيْهِ (٨)) يريد: أن ميقات العمرة في (٩) أيام السنة كلها، أي (١٠): فأي وقت أحرم بها جاز (١١) إلا من كان محرمًا بالحج فالوقت في حقه إذا تحلل من الحج، فمراده (١٢) بقوله: (لتحلليه) أي: إلى أن يحل من حجه، ثم قال: (وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ) لما كان الذي يحل به من الحج أمرين: طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة، ثنى الضمير لأجل ذلك، ومراده أن الإحرام بالعمرة قبل

стр. 843

الفراغ منهما ممنوع، وبعدهما وقبل الغروب (١) من آخر أيام الرمي مكروه، وقاله في المدونة (٢)، ومعناه: ينعقد (٣). قوله: (وَمَكَانُهُ لَهُ لِلْمُقِيمِ مَكَّةُ) أي: ومكان الإحرام للحج للمقيم مكة، وسواء كان من أهلها أم (٤) مقيمًا بها وقت الإحرام، واحترز بقوله: (له) (٥) مما إذا كان الإحرام للعمرة كما سنذكره. قوله: (وَنُدِبَ الْمَسْجِدُ) يريد أنه يستحب من بمكة إذا أراد الإحرام بالحجِّ أن يأتي المسجد ليحرم (٦) منه به (٧)، وهو مذهب المدونة (٨). أشهب: يريد من داخله لا من بابه، وقاله في الموازية عن مالك (٩). وقال ابن حبيب: إنما يحرم من بابه (١٠). قوله: (كَخُرُوجِ ذِي النَّفَسِ لِمِيقَاتِهِ) المراد بصاحب النفس من اتسع له الوقت من أهل الآفاق إذا كان بمكة وأراد الإحرام بالحج، فالمستحب أن يخرج إلى ميقاته فيحرم منه، وقاله في المدونة (١١)، وإنما أمره هنا بالخروج لأنه في سعة من الوقت، وفي المسألة الأولى استحب له أن يحرم من المسجد؛ لأن معناه أنه في ضيق من الوقت ليس عليه نفس مثل ذلك، وهكذا قال (١٢) في النكت إثر (١٣) مسألتي المدونة (١٤).

стр. 844

قوله: (وَلَهَا وَللْقِرَانِ الْحِلُّ) أي: وللإحرام بالعمرة من بمكة الحل للجمع فيها بين الحل والحرم؛ لفعله ﵊، فلو أحرم بها من الحرم وهي تنقضي فيه لزم من ذلك عدم الجمع بينهما في الإحرام للعمرة (١)؛ بخلاف الحج فإنه وإن أحرم به من (٢) الحرم يخرج إلأ عرفة (٣) وهي حل فيحصل له الجمع بين الحل والحرم، وهذا وجه كون القران يطلب فيه الخروج أيضًا إلأ الحل؛ لأن القارن (٤) لو أحرم به (٥) من مكة لزم عدم الجمع في العمرة بينهما؛ لأن خروجه لمعرفة خاص بالحجِّ، وهذا هو المشهور، وقال عبد الملك وسحنون: يجوز إحرامه من مكة بناء على أن العمرة مضمحلة (٦) والعبرة بالحج لا غير (٧). قوله: (والجْعِرَّانَة أَوْلَى، ثُمَّ التَّنْعِيمُ) إنما كان الإحرام بالعمرة من الجعرانة أولًا لفعله ﵊ إذ أحرم بها من الجعرانة، وكان التنعيم يليها في الفضل؛ لأمره لعبد الرحمن أن يخرج بأخته عائشة إلى التنعيم. قوله: (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ، وَأَهْدَى إِنْ حَلَقَ) يريد: أن من أحرم بالعمرة من الحرم ولم يخرج إلى الحل ثم طاف وسعى (٨) فإنه يعيد طوافه وسعيه بعد أن يخرج إلى الحل لكونهما وقعا بغير شرطهما، فإن حلق أعادهما أيضًا وأهدى؛ لكونه حلق في حال إحرامه، هذا هو الأصح خلافًا لأشهب في سقوط الدم، حكاه عنه ابن المواز (٩). قوله: (وَإِلا فَلَهُمَا ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَالْجحْفَةُ، وَيَلَمْلَمُ، وَقَرْنٌ، وَذَاتُ عِرْقٍ) لما ذكر أن

стр. 845

الميقات المكاني من بمكة في الحج مكة، وفي العمرة الحل، أشار بهذا (١) إلى أن من أراد (٢) الإحرام بحج أو عمرة ممن هو من أهل الآفاق فإن ميقاته فيهما ما ذكر؛ أي: وإن لم يكن مقيمًا بمكة (٣) فللحج والعمرة هذه المواقيت وذو الحليفة أبعد المواقيت من مكة بينهما نحو من عشر مراحل أو تسع، وهي قريبة من المدينة على ستة أميال منها، وقيل: سبعة، وقيل: أربعة وهي ميقات أهل المدينة. والجحفة على ثلاث مراحل، ونحوها من مكة وبينها وبين المدينة ثماني مراحل وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب. ويلملم ويقال أيضًا أَلَمْلَم بإبدال الياء همزة وهو جبل من جبال تهامة (٤) على ليلتين من مكة وهي ميقات أهل اليمن. وقرن المنازل على مرحلتين من مكة، قيل: أنها أقرب المواقيت إليها، وهي ميقات أهل نجد. وأما ذات عرق وهي ميقات أهل العراق فهي موضع بالبادية (٥) ولم أرَ من ذكر ذات عرق بالنسبة إلى قربه وبعده من مكة شرفها الله تعالى، والشيخ ﵀ قد ذكر هذه المواقيت ولم يذكر أهلها اتكالًا على ما ورد في ذلك في الصحيحين، عن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل (٦)، ولأهل اليمن يلملم، قال: عن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" (٧)،

стр. 846

زاد مسلم: "وأهل العراق من ذات عرق" (١)، وأشار بقوله: (وَمَسْكَن دُونَهَا) إلى أن من كان ساكنًا (٢) دون هذه المواقيت فميقاته من (٣) مكانه (٤)، وهو معنى قوله ﵊: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ". قوله: (وَحَيْثُ حَاذَى وَاحِدًا أَوْ مَرَّ وَلَوْ بِبَحْرٍ) أي: وحيث حاذى ميقاتًا (٥) منها أو مر به فإنه يلزمه أن يحرم منه إلا المصري والشامي (٦) والمغربي يمرون بذي الحليفة فليس عليهم الإحرام منها، لأن ميقاتهم وهو الجحفة (٧) بين أيديهم، إلا أن (٨) الأولى لهم أن يحرموا من ذي الحليفة، وإليه أشار بقوله: (إِلا كَمِصْرِيٍّ يَمُرُّ بِذِي الْحُليْفَةِ، فَهُوَ أَوْلَى)، وأشار بقوله: (وَلَوْ بِبَحْرٍ) إلى قول مالك في النوادر: إن من حج (٩) في البحر من أهل مصر وشبههم فليحرم إذا حاذى الجحفة (١٠). قوله: (وَإِنْ لِحيْضٍ رُجِيَ رَفْعُهُ) يريد أن الحائض إذا مرَّتْ بذي الحليفة وترجو أن يحصل لها الطهر قبل الجحفة فإنها لا تؤخر إحرامها إلى الجحفة، والأولى لها أن تحرم من ذي الحليفة، ذكره في النوادر (١١)، واختلف في المدني (١٢) المريض هل يرخص له في ترك الإحرام إلى الجحفة، فحكى محمد عن مالك: لا ينبغي له أن يتجاوز الميقات فيما يرجو

стр. 847

من قوة وليحرم، فإن احتاج إلى شيء افتدى، وقال أيضًا: لا بأس أن يؤخر للجحفة (١). ابن بزيزة: وهو المشهور للضرورة. اللخمي: وهو الأولى (٢). قوله: (كَإِحْرَامِهِ أَوَّلَهُ) أي: أول الميقات؛ وإنما كان ذلك أولى لأن المبادرة إلى الطاعة تستحب. قوله: (وَإِزَالَةِ شَعَثِهِ) أي: قبل الإحرام، وهو معطوف على قوله: (كإحرامه أوله)، والتقدير: وكذلك يستحب للمحرم أن يزيل شعثه قبل إحرامه. بعض الأشياخ: ويقلم أظفاره ويزيل ما على بدنه من الشعر الذي يؤمر بإزالته؛ إلا (٣) شعر الرأس فإن الأفضل إبقاؤه طلبًا للشعث في الحج. ومما يستحب عند الإحرام أيضًا (٤) ترك التلفظ بما يحرم به، وروي عن مالك كراهة التلفظ بذلك، يريد أن مجرد النية بذلك مع التلبية أو ما حصل من فعل كالتوجه كافٍ، وإليه أشار بقوله: (وَتَرْكِ اللَّفْظِ بهِ) وروي عن ابن وهب: التسمية أحب إليَّ. وفي الموازية (٥): ذلك واسع سمى أو تركَ (٦). (المتن) وَالْمَارُّ بِهِ إِنْ لَمْ يُرِدْ مَكَّةَ، أَوْ كَعَبْدٍ فَلا إِحْرَامَ عَلَيْهِ، وَلا دَمَ. وِإنْ أَحْرَمَ إِلَّا الصَّرُورَةَ الْمُسْتَطِيعَ فَتَأْوِيلانِ. وَمُرِيدُهَا إِنْ تَرَدَّدَ أَوْ عَادَ لَهَا لِأَمْرٍ، فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا وَجَبَ الإِحْرَامُ، وَأَسَاءَ تَارِكهُ، وَلا دَمَ إِنْ لَم يَقْصِدْ نُشكًا، وَإِلَّا رَجَعَ، وَإِنْ شَارَفَهَا وَلا دَمَ وَلَوْ عَلِمَ؛ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتًا، فَالدَّمُ، كَرَاجِعٍ بَعْدَ إِحْرَامِهِ، وَلَوْ أَفْسَدَ، لا فَاتَ. وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، وَإنْ خَالَفَهَا لَفْظُهُ وَلا دَمَ، وَإِنْ بِجِمَاع مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بِهِ بَيَّنَ أَوْ أَبْهَمَ، وَصَرَفَهُ لِحَجّ، وَالْقِيَاسُ لِقِرَانٍ، وَإنْ نسِيَ فَقِرَانٌ، وَنَوَى الْحَجَّ وَبَرِئَ مِنْهُ فَقَطْ، كَشَكِّهِ أَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ، وَألْغَى عُمْرَةٌ عَلَيْهِ، كَالثَّانِي فِي حَجَّتَينِ أَوْ عُمْرَتَينِ، وَرَفْضُهُ، وَفِي كَإِحْرَامِ زَيْدٍ تَرَدُّدٌ. (الشرح)

стр. 848

قوله: (وَالْمَارُّ بهِ إن لم يُرِدْ مَكةَ، أَوْ كَعَبْدٍ فَلا إِحْرَامَ عَلَيْهِ، وَلا دَمَ، وَإِنْ أَحْرَمَ إِلا الصَّرُورَةَ الْمُسْتَطِيع فتَأْوِيلانِ) يريد أن المار بالميقات إذا لم يرد مكة، بل جاوزه لحاجة دون مكة، أو كان مريدًا إلا أنه ممن لم يخاطب بفريضة الحج كالعبد والصبي، فلا إحرام على واحد منهما ولا دم؛ لأن الحج غير متوجه على العبد والصبي ونحوهما، فإن أحرموا بعد ذلك فلا دم أيضًا، إلا أن يكون الذي أحرم بعد الميقات صرورة مستطيعًا، فاختلف في وجوب الدم عليه، قال مالك في المدونة: ومن تعدى الميقات وهو صرورة مستطيع ثم أحرم فعليه الدم (١). عياض: اختلف في تأويله فقيل: معناه إذا جاوزه وهو يريد الحج ثم أحرم بعده، فأما إن جاوزه غير مريد الحج فلا دم عليه (٢)، وإليه ذهب أبو محمد (٣)، وقيل: معناه سواء جاوزه وهو مريد (٤) الحج أو لا، وإليه ذهب ابن شبلون وزعم أنه ظاهر الكتاب هنا؛ إذا لم يقل وهو مريد (٥) الحج أو غيره (٦)، وإلى هذا الخلاف (٧) أشار بقوله: (فتأويلان). قوله: (وَمُرِيدُهَا إِنْ ترَدَّدَ أَوْ عَادَ لَهَا لأَمْر، فكَذَلِكَ) أي: ومريد مكة إن كان مترددًا لها كالمتسببين (٨) في (٩) الحطب والفاكهة ونحوهما، أو عاد لأمر عرض له (١٠) فليس عليه إحرام، وهو معنى قوله: (فكذلك)، وقال اللخمي في المترددين: يستحب لهم أن يحرموا أول مرة ثم إن تكرر ذلك منهم سقط عنهم الإحرام (١١).

стр. 849

قوله: (وَإِلا وَجَبَ الإِحْرَامُ، وَأَسَاءَ تَارِكُهُ، وَلا دَمَ) أي: وإن لم يكن من المترددين ولا ممن عرض له أمر عاد لأجله وجب عليه أن يحرم من ميقاته الذي يأتي عليه، فإن ترك الإحرام وجاوز الميقات حلالًا فلا دم عليه، وقد أساء من أي الآفاق كان، قاله في المدونة، ثم قال: إذا لم يرد الحج ولا العمرة (١)، وإليه أشار هنا بقوله: (إِنْ لَمْ يَقْصِدْ نُسُكًا)، وقال في (٢) الجلاب: إن أحرم فعليه الدم وإلا فلا (٣)، وقاله في تهذيب الطالب لعبد الحق (٤)، وفي المدونة (٥): وجوب الدم، وظاهره أحرم أم لا (٦)، وقيل: إن كان صرورة فعليه الدم وإلا فلا (٧)، وفي الموازية (٨): إن أحرم وكان صرورة فعليه الدم وإلا فلا. قوله: (وَإِلا رَجَعَ، وَإِنْ شَارَفَهَا وَلا دَمَ وَلَوْ عَلِمَ، مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتًا (٩)، فَالدَّمُ) أي: وإن قصد أحد النسكين الحج (١٠) أو العمرة رجع للإحرام من ميقاته وإن قرب من مكة ولا دم عليه، قال في المدونة: إلا أن يخاف فوات الحج فليحرم من (١١) موضعه ويتمادى وعليه دم (١٢). أبو الحسن الصغير: يريد (١٣) وسواء جاوز (١٤) جاهلًا أو عامدًا (١٥)، وإليه أشار

стр. 850

بقوله: (ولو علم). قوله: (كَرَاجِعٍ بَعْدَ إِحْرَامِهِ) أي: وكذلك يجب الدم أيضًا على من رجع بعد أن جاوز (١) الميقات بغير إحرام ثم أحرم وإن قرب، خلافًا لابن حبيب، ولا يسقطه الرجوع لترتبه عليه، وقيل: يسقطه (٢) ولذلك نظائر (٣). قوله: (وَلَوْ أَفْسَدَ، لا فَاتَ) يريد: أن الدم لا يسقط عنه بعد ترتبه (٤) ولو فسد (٥) حجه؛ بخلاف ما إذا فات فإنه يسقط عنه (٦)، قاله في المدونة (٧). قوله: (وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ) يريد: أن الإحرام لا ينعقد إلا بنية مقرونة بقول أو فعل متعلقين (٨) به كالتلبية والتوجه إلى الطريق، كما أشار إليه بعد هذا (٩). قوله: (وَإِنْ خَالَفَهَا لَفْظُهُ) أي: أن الإحرام ينعقد بما تقدم وإن خالفها لفظه، كما إذا نوى الحج وتلفظ بالعمرة أو العكس، وهو قول صاحب الجواهر (١٠)، وإن اختلف عقده ونطقه فالاعتبار بالعقد. قوله: (وَلا دَمَ) أي: ولا دم عليه لمخالفته لفظه وعدم مطابقته لنيته. قوله (١١): (وَإِنْ بِجِمَاعٍ) يشير إلى ما حكاه سند أن الإحرام ينعقد وهو يجامع ويلزمه (١٢) التمادي والقضاءَ، وذكر ما يدل على أن ذلك متفق عليه (١٣)، والباء في (وإن

стр. 851

بجماع) للمعية؛ أي: وإن أحرم مع جماع أو في حال جماع. قوله: (مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بِهِ) أي: بالإحرام؛ فلا ينعقد بمجرد النية، وقاله اللخمي (١) وابن بشير وابن شاس (٢)، وقيل: ينعقد بذلك، قاله سند وهو مروي عن مالك (٣). قوله: (بَيَّنَ أَوْ أَبْهَمَ) يريد أن الإحرام ينعقد بالنية مع قول أو فعل سواء بيَّن ما أحرم به أو أبهم، إلا أنه لا يفعل شيئًا إلا بعد التعيين، فإن طاف قبل التعيين فقال في الذخيرة: الصواب أن يجعله حجًّا ويكون هذا طواف القدوم (٤)، وفي الموازية: أحب إليَّ أن يفرد، والقياس أن يقرن، وقاله أشهب (٥)، وإليه أشار بقوله: (وَصَرَفَهُ لِحجٍّ وَالْقِيَاسُ لِقِرَانٍ) وقيل: القياس أن يصرفه لعمرة، ورأيُ اللخميِّ التخيير إنما هو في حق المدني ونحوه، وأما أهل المغرب ونحوهم ممن لا يقصد إلا الحج فلا يلزمه غيره (٦). قوله: (وَإِنْ نَسِيَ فَقِرَانٌ، وَنَوَى الْحَجَّ) أي: فإن أحرم بشيء معين ثم نسيه فلم يدرِ أهو حج أو عمرة أو قران فإنه ينوي الحج ويعمل على القران (٧) احتياطًا، فيطوف ويسعى ويهدي بناء على القران (٨) ويعتمر بعد ذلك؛ لاحتمال أن يكون إنما أفرد أولًا، وإليه أشار بقوله: (وَبَرِئَ مِنْهُ فَقَطْ) أي: من الحج، وأما العمرة فيأتي بها، وفي الموازية: وهو قول أشهب يكون قرانًا (٩) وهو وفاق، وأشار بقوله: (كَشَكِّهِ أَفْرَدَ) إلى أن من شك هل أحرم بحج وعمرة (١٠)، وهو معنى قوله: (أَوْ تَمَتَّعَ) فإنه يعمل على الحج، قال في

стр. 852

الجواهر: ولو شك هل أحرم بالحج (١) مفردًا أو بالعمرة؟ طاف وسعى لجواز أن يكون إحرامه بعمرة، ولا يحلق لإمكان أن يكون في حج ويتمادى على عمل الحج ويهدي لتأخير الحلاق لا للقران؛ لأنه لم يحدث (٢) نية الحج، بل يتمادى على نيته (٣) الأولى وهو كشيء (٤) واحد، وأما العمرة فلا يضره تماديه بعد فرا غه من سعيها وأما الحج فيكون مفردًا، وما تقدم من الطواف والسعي يكون (٥) له لا للعمرة (٦)، ونحوه للخمي. قوله: (وَأَلْغَى عُمْرَةً (٧) عَلَيْهِ كَالثَّانِي فِي حَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ) يريد: أن العمرة الداخلة على الحج تلغى كالحج الداخل على مثله (٨) أو العمرة الداخلة على مثلها، والأقسام أربعة لا يصح منها إلا إدخال الحج على العمرة كما سيأتي، ومعنى (ألغى) أن الثاني لا ينعقد ولا يقضى (٩). قوله: (وَرَفْضُهُ) هو معطوف على قوله: (وألغى عمرة عليه) أي: وكذلك يلغى رفض الحج فلا أثر له على المشهور، نص عليه غير واحد من أصحابنا، وقاله ابن القاسم في المدونة (١٠). قوله: (وَفي كَإِحْرَامِ زَيْدٍ ترَدُّدٌ) يريد أنه اختلف فيمن أحرم بما أحرم به زيد مثلًا ولم يعلم هل أحرم بحج أو عمرة (١١)، هل يصح إحرامه أو يبطل لعدم الجزم حين الدخول في العبادة، والمنقول أن إحرامه صحيح عند أشهب؛ لما ورد أن عليًّا أهلَّ بما أهلَّ به

стр. 853

رسول الله ﷺ ، نقله سند وصاحب الذخيرة، وحكي عن مالك منع ذلك (١). (المتن) وَنُدِبَ إِفْرَادٌ، ثُمَّ قِرَانٌ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا وَقَدَّمَهَا، أَوْ يُردِفَهُ بِطَوَافِهَا؛ إِنْ صَحَّتْ وَكَمَّلَهُ، وَلا يَسْعَى، وَتَنْدَرِجُ، وَكُرِهَ قَبْلَ الرُّكُوعِ؛ لا بَعْدَهُ، وَصَحَّ بَعْدَ سَعْي، وَحَرُمَ الْحَلْقُ، وَأَهْدَى لِتَأْخِيرِهِ وَلَوْ فَعَلَهُ. ثُمَّ تَمَتعٌ بِأَنْ يَحُجَّ بَعْدَهَا وَإِنْ بِقِرَانٍ. وَشَرْطُ دَمِهِمَا عَدَمُ إِقَامَةٍ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى وَقْتَ فِعْلِهِمَا وَإِنْ بِانْقِطَاع بِهَا أَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ، لا انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا، أَوْ قَدِمَ بِهَا يَنْوِي الإِقَامَةَ. وَنُدِبَ لِذِي أَهْلَيْنِ، وَهَلْ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بِأحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَيُعْتَبَرُ؟ تَأْوِيلانِ. (الشرح) قوله: (وَنُدِبَ إِفْرَادٌ) لأنه أفضل من القِران (٢) والتمتع، قال في المدونة: وهو أحب إليَّ (٣)، وهذا هو المشهور. قوله: (ثُمَّ قِرَانٌ) يريد (٤): أنه يلي الإفراد في الأفضلية ثم التمتع يليهما، وقال أشهب والقاضي عبد الوهاب (٥) واللخمي: التمتع أفضل من القِران (٦). قوله: (بِأنْ يُحْرِمَ بِهِمَا وَقَدَّمَهَا) هو بيان لكيفية القِران؛ وهو أن يحرم بالحج والعمرة معًا؛ أي: ويقدم العمرة في نيته على الحج لارتدافه عليها دون العكس، فإن قدم الحج أجزأه عند الأبهري. الباجي: وذلك إذا نواهما (٧) معًا (٨). قوله: (أَوْ يُرْدِفَهُ بِطَوَافِهَا) هو أيضًا نوع ثانٍ من أنواع القِران؛ وهو أن يحرم بالعمرة أولًا ثم يردف الحج على العمرة في طوافها، يريد أو قبله، وهو مذهب المدونة (٩)، وظاهر كلام بعض الأشياخ أنه إذا شرع في الطواف يكره له الارتداف (١٠)، وعن ابن

стр. 854

القاسم جوازه وإن فرغ من الطواف (١)، وأما قوله: (إِنْ صَحَّتْ) فيشير به إلى أن الحج لا يردف (٢) على العمرة الفاسدة، وهو المشهور ومذهب (٣) المدونة (٤)، وقال عبد الملك (٥): يجوز ذلك ويصير قارنًا. قوله: (وَكَمَّلَهُ، وَلا يَسْعَى) يريد: أنه إذا أردفه في الطواف على العمرة الصحيحة (٦) فإنه يكمله ولا يسعى. قوله: (وَتَنْدَرِجُ) أي: العمرة في الحج فلا يبقى لها فعل (٧) ظاهر تختص (٨) به، وفيه تنبيه على قول أبي حنيفة في (٩) إيجابه على القارن طوافين وسعيين (١٠). قوله: (وَكُرِهَ قَبْلَ الرُّكُوعِ لا بَعْدَهُ، وَصَحَّ بَعْدَ سَعْيٍ) أي: وكره الإرداف قبل الركوع؛ وأما بعده فلا إرداف، قال في المدونة: ومن أردف الحج قبل تمام طواف العمرة فليتمه ولا يسعى لها؛ لأنه قارن، وإن أردف بعد أن طاف وركع ولم يسعَ أو سعى بعض السعي كره له ذلك، فإن فعل فليمضِ على سعيه ثم يحل، وإن (١١) أردف الحج بعد تمام سعيه قبل (١٢) أن يحلق لزمه ولم يكن قارنًا ويؤخر حلاق رأسه ولا يطوف ولا يسعى حتى يرجع من منى إلا أن يشاء أن يطوف تطوعًا، ولا يسعى ولا دم عليه للقران، وعليه دم لتأخير الحلاق في عمرته؛ لأنه لم يقدر على الحلاق (١٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَحَرُمَ الحْلْقُ وَأَهْدَى لتأخيره). وأمَّا قوله: (وَلَوْ فَعَلَهُ) يريد أنه لا يسقط الهدي المترتب

стр. 855

عليه بسبب تأخير الحلاق إذا حلق (١) في حالة إحرامه بالحج (٢)، وقيل: يسقط. قوله: (ثُم تَمَتُّعٌ) يريد: أن التمتع يلي القران في الفضيلة (٣)، وذهب أشهب والقاضي عبد الوهاب (٤) واللخمي إلى أن التمتع أفضل من القران (٥). قوله: (بِأَنْ يَحُجَّ بَعْدَهَا) يريد أن صفة التمتع أن يحج بعد أن يحل من عمرته؛ أي: ويكون قد فرغ منها كلها في أشهر الحج، كما سنذكره في شروط (٦) وجوب الدم. قوله: (وَإِنْ بِقِرَانٍ) يريد أنه (٧) إذا حل من عمرته ثم أحرم ثانيًا وإن بحج وعمرة فإنه يكون بذلك (٨) متمتعًا، ولا خلاف فيه، وإنما اختلف (٩) هل عليه وإن لتمتعه وقرانه، أو دم واحد. قوله: (وَشَرْطُ دَمِهِما عَدَمُ إِقَامَةٍ بِمَكةَ أَوْ ذِي طُوًى وَقْتَ فِعْلِهِمَا) أي: وشرط وجوب (١٠) دم القران ودم التمتع أن لا يكون الآتي بذلك من حاضري المسجد الحرام، فإن كان حاضرًا سقط عنه فيهما، وهو الشهور في القران، خلافًا لعبد الملك (١١) واللخمي (١٢)، ولا خلاف في سقوطه عن الحاضر في التمتع لقول الله (١٣) تعالى في وجوب الدم (١٤): ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال في

стр. 856

المدونة: وليس على أهل مكة القرية (١) بعينها وأهل ذي طوى إذا قرنوا أو تمتعوا دم قران ولا متعة (٢). ابن حبيب عن مالك وأصحابه: ومن (٣) كان دون مسافة القصر من مكة حكمه حكم المكي (٤)، وقيل: إن من دون المواقيت كالمكي ولا يضره (٥) اللخمي. قوله (٦): (وقت (٧) فعلهما) متعلق بعدم إقامة؛ أي: وشرط وجوب الدم عدم إقامة بمكة وقت فعل العمرة والحج (٨)، ولهذا لو قدم آفاقي في أشهر الحج معتمرًا بنية الإقامة ثم حج من عامه ذلك لزمه الدم؛ لكونه متمتعًا إذ لم يكن وقت فعل العمرة مقيمًا، قال في المدونة: وقد يبدو له (٩)؛ أي (١٠) في عدم الإقامة، وصوب اللخمي كونه غير متمتع (١١) اعتبارًا بنيته (١٢). قوله: (وَإِنْ بِانْقِطَاعٍ بِهَا أَوْ خَرَجَ لِحاجَةٍ) يريد أن المنقطع إلى مكة - كالمجاور بها - حكمه في سقوط الدم (١٣) كالمكي، وكذلك من كان من (١٤) أهلها وخرج لحاجة لتجارة (١٥) أو رباط ثم رجع (١٦) إليها فلا يخرج عن كونه من أهلها ويسقط عنه الدم إن

стр. 857

قرن أو تمتع، وكذا لو توطن غيرها ولم يرفض سكناها، أما لو انقطع إلى غيرها رافضًا سكناها وقدم في أشهر الحج معتمرًا بنية الإقامة ثم حج (١) من عامه فلا يسقط عنه الدم، وإليه أشار بقوله: (لا انْقَطَعَ (٢) بِغَيْرِهَا، أَوْ قَدِمَ بِهَا يَنْوِي الإِقَامَةَ) والضمير المجرور بغير (٣) عائد على مكة، وبالباء إلى أشهر الحج أو إلى العمرة (٤)، وهي بمعنى في كما تقدم. قوله: (وَنُدِبَ لِذِي أَهْلَيْنِ) أي: وندب الدم من له أهل بمكة وأهل بغيرها، وهو كقوله في المدونة: والأحوط له أن يهدي (٥). يريد: لأنه قد تعارض عنده دليلان موجب ومسقط، وظاهره سواء تساوى سكناه فيهما أو تفاوت (٦)، وعن أشهب أن العبرة بالذي يكثر به سكناه، فإن كان يسكن بمكة أكثر فلا يهدي وإلا فليهدِ (٧)، واختلف هل هو تفسير وإليه ذهب اللخمي (٨)، أو خلاف وإليه ذهب التونسي (٩)؛ وإليه أشار بقوله: (وَهَلْ إِلا أَنْ يُقيمَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَيُعْتَبرُ؟ تَأْوِيلانِ). (المتن) وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَلِلْمُتَمَتِّعِ عَدَمُ عَوْدٍ لِبَلَدِهِ أَوْ مِثْلِهِ وَلَوْ بِالْحِجَازِ لا بأَقَلَّ، وَفِعْلُ بَعْضِ رُكْنِهَا فِي وَقْتِهِ. وَفِي شَرْطِ كَوْنِهِمَا عَنْ وَاحِدٍ تَرَدُّدٌ. وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَإجْزَاءٌ قَبْلَهُ، ثُمَّ الطَّوَافُ لَهُمَا سَبْعًا بِالطُّهْرَيْنِ، وَالسَّتْرِ. وَبَطَلَ بحَدَثٍ بِنَاءٌ، وَجَعَلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ، وَخُرُوجِ كُلِّ الْبَدَنِ عَنِ الشَّاذَرْوَانِ، وَسِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، وَنَصَبَ الْمُقَبِّل قَامَتَهُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَوَلاءٌ، وَابْتَدَأَ إِنْ قَطَعَ لِجِنَازَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ، أَوْ نَسِيَ بَعْضَهُ إِنْ فَرَغَ سَعْيُهُ، وَقَطَعَهُ لِلْفَرِيضَةِ. (الشرح)

стр. 858

قوله: (وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ) هذا أيضًا من شروط الدم وهو أن يحج من عامه ذلك، واحترز به مما إذا كان الحج واقعًا في عام آخر فإنه لا دم عليه، ومثله ما إذا قرن (١) ففاته الحج فإنه يتحلل بعمرة ولا دم عليه. قوله: (وَللْمُتَمَتِّعِ عَدَمُ عَوْدٍ (٢) لِبَلَد أَوْ مِثْلِهِ) يريد أن الشرطين المذكورين يشترك فيهما التمتع والقران (٣)، وأن التمتع يشترط في وجوب الدم فيه مع الشرطين السابقين شروط أخرى، منها أنه لا يعود إلى أفقه، وهو المراد ببلده أو مثل أفقه في البعد، فإذا عاد سقط عنه دم التمتع، قال في المدونة: ولا يكون متمتعًا إذا رجع إلى أفقه أو إلى (٤) مثل أفقه وتباعد من مكة ثم حج (٥)، وظاهره كان أفقه بالحجاز أم لا، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ بِالْحِجَازِ)، وفي الموازية: إن كان أفقه بالحجاز لم يسقط بعوده إليه (٦). اللخمي: ولا أعلم له وجهًا، ونحوه لابن يونس (٧). قوله: (لا بِأَقَلَّ) أي: فإن رجع إلى دون أفقه في البعد فإنه لا يسقط عنه الدم، وهو المشهور خلافًا لابن كنانة، وقال المغيرة: يسقط بعوده إلى قدر مسافة القصر (٨). قوله: (وَفِعْلُ بَعْضِ رُكْنِهَا، في وَقْتِهِ) الضمير المؤنث عائد على العمرة والمذكر عائد (٩) على الحج، وهو أيضًا من شروط الدم؛ وذلك بأن يفعل العمرة أو بعض أركانها في أشهر الحج، لأنه لو حل منها (١٠) قبل أشهر الحج لم يكن متمتعًا، قال في المدونة: ومن اعتمر (١١) في رمضان فطاف وسعى بعض السعي ثم أهل شوال

стр. 859

فأتم (١) سعيه فيه ثم حج من عامه كان متمتعًا (٢)، وهذا معنى قوله: (وَفِعْلُ (٣) بَعْضِ رُكْنِهَا فِي وَقْتِهِ) واحترز به (٤) مما إذا فرغ من سعيها قبل دخول وقت الحج ولم يبق عليه إلا الحلاق فإنه غير متمتع ولا دم عليه، وقاله في المدونة (٥). قوله: (وَفي شَرْطِ كَوْنِهِما عَنْ وَاحِدٍ ترَدُّدٌ) يريد أنه اختلف هل من شرط (٦) وجوب دم التمتع أن يكون الحج والعمرة وقعا (٧) عن واحد إما عن نفسه أو عن (٨) غيره بطريق النيابة، أو لا يشترط ذلك وأنهما لو وقعا عن شخصين كان فيهما الدم أيضًا؟ شهر ابن الحاجب الأول (٩)، وحكى ابن شاس (١٠) القولين ولم يذكر قائلهما ولم يشهر شيئًا، وذكر في الموازية الثاني (١١) ونحوه في المدونة (١٢). قوله: (وَدَمُ التَّمَتُّع يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَإِجْزَاءٌ (١٣) قَبْلَهُ) (١٤) يريد أن وجوب دم التمتع يتعلق بإحرام الحج لا قبله، وأنه إذا (١٥) أخرجه قبل الإحرام بالحج أجزأه، وهو قول ابن القاسم خلافًا لأشهب وعبد الملك (١٦).

стр. 860

قوله: (ثُمَّ الطَّوَافُ لَهُما سَبْعًا بِالطُّهْرَيْنِ) أي: للحج والعمرة، والطهران: طهر (١) الحدث والخبث، وهو معطوف على قوله: (وركنهما الإحرام) أي: وكذلك الطواف ركن لهما، و (سبعًا) يصح أن يكون حالًا من الطواف. قوله: (وَالسَّتْرِ) أي: وستر العورة، وإنما كان ذلك أيضًا (٢) شرطًا في الطواف؛ لأنه عندنا (٣) كالصلاة، ولهذا كره مالك له (٤) أن يحسر عن منكبيه فيه وأن يغطي فمه (٥) وأن تنتقب (٦) المرأة (٧). قوله: (وَبَطَلَ بِحَدَثٍ بِنَاءٌ) فاعل (بطل) في كلامه هو قوله: (بناء)، أي: وبطل البناء في الطواف إذا حصل فيه حدث لفقدان شرطه وهو الطهارة، وهو قول ابن القاسم، وروى ابن حبيب عن مالك أنه يتوضأ ويبني، وكذلك إذا أحدث في السعي (٨). قوله: (وَجَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ) هذا من واجبات الطواف؛ وهو أن يجعل البيت عن يساره، قال في المدونة: ومن طاف بالبيت منكوسًا لم يجزئه (٩)، والمراد بذلك أن يطوف والبيت عن يمينه. أشهب: وهو كمن لم يطف، رجع إلى بلده أم لا. قوله: (وَخُرُوجِ كُلِّ الْبَدَنِ عَنِ الشَّاذِرْوَانِ) هو أيضًا من واجبات الطواف، وهو وما قبله معطوفان على المجرور وهو قوله: (بالطهرين)، ومعنى ذلك: أنه يجب عليه أن يطوف وجميع بدنه خارج عن شاذروان البيت، وهو البناء المحدودب الذي في جدران البيت وأسقط من أساسه ولم يرفع على استقامته (١٠).

стр. 861

قوله: (وَسِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ) أي: وخروج بدنه عن ستة أذرع من الحجر؛ وذلك لأن القدر الذي من البيت منه مقدار ستة أذرع. قوله: (وَنَصَبَ الْمُقَبِّلُ قَامَتَهُ) هكذا أشار إليه بعض الأشياخ فقال: إذا قَبَّل الحجر فليثبت رجليه ثم يعود منتصبًا كما كان، ولا يجوز أن يقبله ثم يمشي وهو مطأطئ الرأس؛ لئلا يوقع بعض الطواف وليس جميع بدنه خارجًا عن البيت. قوله: (دَاخِلَ الْمَسْجِدِ) هذا (١) حال من قوله: (ثم الطواف)، والعامل فيه محذوف، والتقدير: ثم الطواف يقع داخل المسجد، فلو أوقعه خارج المسجد لم يجزئه. ابن رشد: بلا خلاف. قوله: (وَوَلاءٌ) هو معطوف على المجرور؛ أي: ومما يجب في الطواف الموالاة فإن فرقه بطل، ولهذا قال: (وَابْتَدَأَ إِنْ قَطَعَ لِجنَازَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ)، هذا كقوله في المدونة: ومن طاف بعض طوافه ثم خرج ليصلي على جَنازة أو خرج لنفقة نسيها فليبتدئ الطواف ولا يبني (٢). اللخمي: وقال أشهب: يبني إذا خرج لصلاة الجنازة، قال: وعلى قوله: يبني إذا خرج لنفقة نسيها (٣). قوله: (أَوْ نَسِيَ بَعْضَهُ إِنْ فَرَغَ سَعْيُهُ) يريد إن طال أمره بعد السعي أو انتقض وضوؤه، وأما إذا ذكر بإثر ذلك فإنه يبني، ولهذا قال في المدونة: ومن طاف في أول دخوله مكة ستة أشواط ونسي الشوط السابع وصلى الركعتين وسعى، فإن كان قريبًا طاف شوطًا واحدًا وسعى، وإن طال أو انتقض وضوؤه أو ذكر ذلك في طريقه أو بلده (٤) رجع فابتدأ الطواف من أوله وركع وسعى (٥). قوله: (وَقَطَعَهُ لِلْفَرِيضَةِ) هو كقوله في المدونة: ولا يخرج من طوافه لشيء إلا لصلاة الفريضة (٦)، لكن ظاهر كلامه هنا أن قطعه لها واجب.

стр. 862

ابن عبد السلام: وهو ظاهر نصوصهم (١)، وظاهر كلام غيره (٢) أنه مخير في القطع وعدمه، والمدونة محتملة لذلك (٣). (المتن) وَنُدِبَ كَمَالُ الشَّوْطِ، وَبَنَى إِنْ رَعَفَ، أَوْ عَلِمَ بِنَجَسٍ، وَأَعَادَ رَكْعَتَيهِ بِالْقُرْبِ، وَعَلَى الأَقَلِّ إِنْ شَكَّ، وَجَازَ بسَقَائِفَ لِزَحْمَةٍ، وَلَّا أَعَادَ، وَلَمْ يَرْجِعْ لَهُ، وَلا دَمَ، وَوَجَبَ كَالسَّعْي قَبْلَ عَرَفَةَ إِنْ أَحْرَمَ مِنَ الْحِلِّ وَلَمْ يُرَاهِقْ، وَلَم يُردِفْ بِحَرَمٍ، وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ الإِفَاضَةِ، وَإِلَّا فَدَمٌ إِنْ قَدَّمَ وَلَمْ يُعِدْ، ثُمَّ السَّعْى سَبْعًا بَينَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مِنْهُ الْبَدْءُ مَرَّة وَالْعَوْدُ أُخْرَى وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ وَنَوَى فَرْضِيَّتَهُ، وَإِلَّا فَدَمٌ. وَرَجَعَ إِنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَةٍ حِرْمًا، وَافْتَدَى لِحَلْقِهِ، وإنْ أَحْرَمَ بَعْدَ سَعْيِهِ بِحَجٍّ؛ فَقَارِنٌ، كَطَوَافِ الْقُدُومِ إِنْ سَعَى بَعْدَهُ، وَاقْتَصَرَ، وَالإِفَاضَةُ إِلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَهُ، وَلا دَمَ حِلًّا إِلَّا مِنْ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ الطِّيبُ وَاعْتَمَرَ، وَالأَكثَرُ إِنْ وَطِئَ. (الشرح) قوله: (وَنُدِبَ كَمَالُ الشوْطِ) هو كقول صاحب الذخيرة، والمستحب أن يخرج على كمال شوط (٤) من (٥) الحجر، فإن خرج من غيره فقال ابن حبيب: يدخل من موضع خرج (٦). قوله: (وَبَنَى إِنْ رَعَفَ) أي: أن الراعف إذا غسل الدم ثم عاد فإنه يبني على ما فعل من طوافه، وحكاه في النوادر عن ابن حبيب (٧). قوله: (أَوْ عَلِمَ بِنَجَسٍ) أي: وكذلك إذا طاف وفي ثوبه أو بدنه نجاسة ثم علم بها (٨) فإنه ينزعها ويبني، فإن لم يعلم بها حتى فرغ من طوافه لم يُعِد، وقاله في المدونة قال فيها:

стр. 863

كمن صلى بذلك ثم ذكر بعد الوقت (١). ابن المواز: وإن صلى بذلك الركعتين أعادهما بالقرب إن لم ينتقض وضوؤه، فإن انتقض وطال فلا شيء عليه كزوال (٢) الوقت (٣)، وهو قول ابن القاسم، وإليه أشار بقوله: (وَأَعَادَ رَكْعَتَيْهِ بِالْقُرْبِ)، وقال أصبغ: سلامه منهما كخروج الوقت (٤). ابن يونس: وهو القياس؛ إذ لا وقت معلوم لذلك. وإنما وقته حين يفعله كوقت الصلاة المنسية ففراغه منها ذهاب (٥) وقتها، والاستحسان أن يعيد بالقرب ما لم ينتقض وضوؤه (٦). قوله: (وَعَلَى الأقَلِّ إِنْ شَكَّ) هكذا نص عليه مالك (٧)، ومعناه أن من شك مثلًا هل طاف أربعة أشواط أو خمسة فإنه يبني على الأقل وهو الأربعة ويلغي المشكوك، كمن شك أصلى ثلاثًا (٨) أم أربعًا، ومثل هذا ما إذا شك هل أكمل طوافه أو بقي عليه منه (٩) شيء فإنه يعمل على المحقق عنده ويلغي المشكوك فيه. قوله: (وَجَازَ بِسَقَائِفَ لِزَحْمَةٍ، وَإِلا أَعَادَ) هو كقوله في المدونة: ومن طاف من (١٠) وراء زمزم أو في سقائف المسجد لزحام الناس فلا بأس به، وإن طاف في سقائفه لغير زحام لحر (١١) ونحوه أعاد الطواف (١٢). ابن يونس: وقال أشهب: لا يجزئ من طاف في السقائف وهو كمن طاف خارج

стр. 864

المسجد. سحنون: ولا يمكن (١) أن ينتهي الزحام في المسجد (٢) إلى السقائف. قوله: (وَلَمْ يَرْجعْ لَهُ) أي: فإن طاف في السقائف - يريد: لغير زحام - لم يرجع له من بلده. ابن يونس: وحكي ذلك عن الشيخ أبي محمد. ثم (٣) قال (٤): وقال ابن شبلون: يرجع، وهو كمن لم يطف (٥). الباجي: وقول ابن أبي زيد أقيس، ولا دم عليه، وإليه أشار بقوله: (وَلا دَمَ). قوله: (وَوَجَبَ كَالسَّعْي قَبْلَ عَرَفَةَ إِنْ أَحْرَمَ مِنَ الْحِلِّ) يريد أن طواف القدوم واجب كوجوب السعي قبلَ عرفة على من أحرم من الحل ولم يكن قد رهقه الوقت؛ أي: أتى في آخره بمقدار لا يسع ذلك، وما ذكره من وجوب طواف القدوم هذا المشهور، وقال أشهب: هو غير واجب (٦)، وجعله اللخمي سنة (٧)، وقيل: هو ركن كطواف الإفاضة، واحترز بقوله: (أحرم من الحل)، مما إذا أحرم من مكة فإنه لا يجب عليه طواف قدوم ولا سعي قبل عرفة، واحترز بقوله: (وَلَمْ يُرَاهِقْ) مما إذا جاء (٨) مراهقًا فإنه يخرج لمعرفة ويترك طواف القدوم ويؤخر السعي للإفاضة ولا دم عليه، وقاله في المدونة (٩). قوله: (وَلَمْ يُرْدِفْ بِحَرَمٍ) لأنه إذا أردف الحج على العمرة فيه (١٠) فإن طواف القدوم ساقط عنه حينئذٍ (١١). قوله: (وَإِلا سَعَى بَعْدَ الإِفَاضَةِ) أي: وإن أحرم من الحرم أو أردف فيه (١٢) أو قدم

стр. 865

مراهقًا أخر سعيه حتى يوقعه بعد طواف الإفاضة، فلو قدَّم السعي قبل عرفة ثم لم يعده حتى رجع إلى بلده أجزأه وعليه دم، وقاله في المدونة (١)، وإليه أشار بقوله: (وَإِلا فَدَمٌ إِنْ قَدَّمَ وَلَمْ يُعِدْ) أي: قدم السعي ولم يعده حتى رجع إلى بلده، وكلامه يوهم أن المراهق كذلك وليس بظاهر، لأنه إذا قدَّم السعي قبل عرفة ولم يعده فلا شيء عليه، لأنه أتى بما هو الأصل في حقه، لأنه إنما رخص له في التأخير لما يخاف من فوات الوقوف، فإذا فعل ذلك فلا مانع من الإجزاء، وقد نص غير واحد على ذلك، ولعل قوله: (إن قدم) فيه إيماء لذلك، إذ مثل هذا لا يقال قدم بل أوقعه في محله الذي خوطب به في الأصل. قوله: (ثُمَّ السَّعْيُ سَبْعًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوةِ) هذا معطوف على قوله: (ثم الطواف)، وهما معطوفان على قوله: (وركنهما الإحرام)، يريد أن من جملة أركان الحج والعمرة السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط؛ لأنه ﵊ فعله، وقال: "خذوا عني مناسككم" (٢)، وقال أيضًا (٣): "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (٤). قوله: (مِنْهُ الْبَدْءُ مرة (٥)) أي: من الصفا ابتداء (٦) السعي، لقوله ﵊ وقد فعل ذلك: "نبدأ بما بدأ الله به" (٧)، فلو بدأ بالمروة ألغاه.

стр. 866

قوله: (مَرَّةً وَالْعَوْدُ أُخْرَى) أي: يبدأ منه أول مرة ويعود إليه من (١) المروة أخرى فيحصل الختم بالمروة، فإذا سعى سبعة أشواط يكون قد وقف على الصفا أربع وقفات وعلى المروة كذلك. قوله: (وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ (٢) طَوَافٍ، وَنَوَى فَرْضِيَّتَهُ) أي: أنه يشترط في صحة السعي أن يتقدم بين يديه طوافٌ فإن وقع من غيره لم يجزئه، واختلف هل من شرط ذلك الطواف أن يكون واجبًا؟ قال ابن عبد السلام: وإليه يرجع مذهب المدونة، وهو المنصوص في المذهب أولًا (٣)، وهو ظاهر كلامه هنا، وهو أيضًا ظاهر المدونة لقوله: وإذا لم ينوِ بطوافه تطوعًا ولا فرضًا لم يجزئه سعيه إلا بعد طواف ينوي فرضيته، ثم قال: فإن رجع إلى بلده (٤) وتباعد وجامع النساء أجزأه وعليه دم (٥). والدم في هذا خفيف فتخفيفه الدم يقتضي عدم (٦) شرطيته، وإلى ترتب (٧) الدم أشار بقوله: (وَإِلا فَدَمٌ) أي: وإن لم ينوِ فرضية الطواف فعليه دم. يريد: إذا رجع إلى بلده وتباعد وجامع النساء، كما قال في المدونة. قوله: (وَرَجَعَ إنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَةٍ مُحْرِمًا (٨) وَافْتَدَى لِحَلْقِهِ) يريد به (٩) ما قال في المدونة: ومن طاف لعمرته على غير وضوء فذكر بعد أن حل منها بمكة أو ببلده فليرجع حرامًا (١٠) كما كان، وهو كمن لم يطف فيطوف بالبيت ويسعى وإن كان قد

стр. 867

حلق بعد طوافه افتدى (١). قوله: (وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ سَعْيِهِ بِحَجٍّ فَقَارِنٌ (٢)) يريد: لأنه أيصح طوافه للعمرة (٣)، ومن شرط (٤) صحة السعي أيضًا أن يعقب طوافًا صحيحًا وإلا (٥) فسعيه أيضًا غير صحيح، فإذا أردف الحج حينئذٍ صار قارنًا إذ كأنه أردف (٦) قبل طواف العمرة، وعليه دم القِران. قوله: (كَطَوَافِ الْقُدُومِ إِنْ سَعَى بَعْدَهُ وَاقْتَصَرَ) أي: وكذلك حكم طواف القدوم إذا بطل وقد سعى بعده مقتصرًا؛ أي: لم يعده بعد طواف الإفاضه (٧) فإنه يرجع للسعي، وهو جارٍ على المشهور من اشتراط الطهارة في الطواف، وأما على قول المغيرة فيهدي ولا شيء عليه (٨)، وكذا عنده في الإفاضة وغيرها. قوله: (وَالإِفَاضَةِ إِلا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَهُ) أي: وكذلك يرجع لطواف الإفاضة من بلده إذا بطل، بأن يكون طافه (٩) على غير وضوء أو نسيه أو بعضه، قال في المدونة: إلا أن يكون قد طاف بعده تطوعًا فيجزئه عن (١٠) طواف الإفاضة (١١). ابن يونس: يريد: ولا دم عليه (١٢)، ولهذا قال هنا: (وَلا دَمَ) وما ذكره من أن (١٣) التطوع يجزئ عن الواجب في الحج هو المشهور؛ خلافًا لابن عبد الحكم.

стр. 868

قوله: (حِلًّا (١) إِلا مِنْ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ الطيبُ) هو منصوب على الحال، وصاحبها محذوف دل عليه السياق، والعامل فيها (رجع)، والمعنى: ورجع الذي فسد طواف قدومه أو إفاضته حلًّا (٢) إلا من النساء (٣) إلى آخره، وهو كقوله في المدونة: فليرجع لابسًا للثياب حلًّا (٤) إلا من النساء والصيد والطيب (٥). قوله: (وَاعْتَمَرَ) أي (٦): إذا رجع إلى مكة فلا يدخلها إلا بعمرة، وقاله في المدونة (٧) إلا أنه فيها مقيد بما إذا أصاب النساء: وأكثر الأشياخ: لا عمرة (٨) عليه إلا مع الوطء كما أشار إليه بقوله: (وَالأَكْثَرُ إِنْ وَطِئَ) وقيل: يعتمر مطلقًا. ابن الحاجب: وجل الناس لا عمرة عليه (٩). (المتن) وَللْحَجّ حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ سَاعَةً لَيلَةَ النَّحْرِ، وَلَوْ مَرَّ إِنْ نَوَاهُ، أَوْ بِإِغْمَاءٍ قَبْلَ الزَّوَالِ، أَوْ أَخْطَأَ الْجَمُّ بِعَاشِرٍ فَقَطْ لا الْجَاهِلُ، كَبَطْنِ عُرَنَةَ، وَأَجْزَأَ بِمَسْجِدِهَا بِكُرْهٍ، وَصَلَّى وَلَوْ فَاتَ. وَالسُّنَّةُ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ وَلا دَمَ، وَنُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفِيّ، وَلدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكةَ بِطُوًى، وَللْوُقُوفِ وَلُبْسُ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَينِ، وَتَقْلِيدُ هَدْي، ثُمَّ إِشْعَارُهُ، ثُمَّ رَكْعَتَانِ، وَالْفَرْضُ مُجْزئ: يُحْرِمُ إِذَا اسْتَوَى، وَالْمَاشِي إِذَا مَشَى، وَتَلْبِيَةٌ وَجُدِّدَتْ لِتَغَيُّرِ حَالٍ، وَخَلْفَ صلَاةٍ، وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَوَافِ؟ خِلافٌ. (الشرح) قوله: (وَللْحَج حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ سَاعَةً لَيْلَةَ النَّحْرِ) يريد أن الحج يشترك مع العمرة فيما تقدم من الأركان الثلاثة التي هي الإحرام والطواف والسعي، ويختص عنها بركن واحد وهو حضور جزء من عرفة في جزء من ليلة النحر ولو مرورًا (١٠) بها إن نوى

стр. 869

الوقوف، فقوله (١): (جزء عرفة) إشارة إلى قوله ﵊: "عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة" (٢). ابن الجلاب: ولا فضيلة لموضع منها على غيره (٣). وقال ابن حبيب: يقف عند الهضبات وسفح الجبل وحيث يقف الإمام افضل (٤). وأشار بقوله: (سَاعَةً لَيْلَةَ النَّحْرِ) إلى أن الوقوف الركني أدناه (٥) حضور في جزء من الليل بعرفة؛ لقوله ﵊: "من أدرك عرفة قبل الفجر فقد أدرك الحج، ومن فاته الوقوف بليل فقد فاته الحج" (٦)، وفي المدونة: إن تعمد ترك الوقوف حتى دفع الإمام أجزأه إن وقف ليلًا وقد أساء وعليه هدي (٧).

стр. 870

وقال سحنون: لا يهدي (١)، ولو وقف نهارًا ثم دفع قبل الغروب ولم يرجع ليقف جزءأ من الليل إلى أن طلع (٢) الفجر من ليلة النحر، فقد فاته الحج ويحج قابلًا ويهدي وإن رجع فوقف قبل الفجر أجزأه ولا هدي عليه، وقاله في المدونة (٣)، وقال أصبغ: أحب إليَّ أن يهدي (٤). قوله: (وَلَوْ مَرَّ إِنْ نَوَاهُ) إشارة إلى أن من مر بعرفة ليلة النحر يجزنه ذلك ولو لم يلبث فيها (٥). يريد: إذا عرف أنها عرفة ونوى الوقوف بها (٦). قوله (٧): (أوْ بِإِغْماءٍ قَبْلَ الزَّوَالِ) يريد: أن من أغمي عليه قبل الزوال فوُقِف به بعرفات أجزأه، وهو المشهور؛ لأن الإغماء إذا طرأ على الإحرام لا يضر باتفاق، وقد دخلت نية الوقوف في نية الإحرام، ولذلك (٨) يجزئ النائم، وعن عبد الملك ومطرف: أن من أغمي عليه قبل الزوال واتصل به إلى طلوع الفجر لا يجزئه ذلك (٩). ونبه بقوله: (قبل الزوال) على أن الإغماء لو كان بعد الزوال أجزأه من باب الأولى. قوله: (أو أخْطَأَ الْجَمُّ بِعَاشِرٍ فَقَطْ) المراد بالجم الجماعة الكثيرون، وفسر ذلك بعضهم هنا بجماعة أهل الموسم، ومعناه أن أهل عرفة إذا أخطؤوا كلهم فوقفوا يوم النحر وهو العاشر من ذي الحجة فإنه يجزئهم، وأشار بقوله (فقط) إلى أنهم لو وقفوا (١٠) الثامن لا يجزئهم، وهو المعروف في المسألتين، وقيل: يجزئ فيهما، وقيل: لا يجزئ فيهما (١١).

стр. 871

قوله: (لا الجْاهِلُ كَبَطْنِ عُرَنَةَ) أي: فلا يجزئ الجاهل بعرفة كوقوفه ببطن عرنة، وإنما لم يجزئ الجاهل؛ لأنه لا بد له من علمه بعرفة ليستشعر القربة، وهو قول محمد لعدم النية، وعن مالك قول بالإجزاء بناء على عدم اشتراط العلم بعرفة (١)، وإنما لم يجزئ الوقوف ببطن عرنة لقوله ﵇: "عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة (٢) " (٣)، ولأن (٤) عرنة في الحرم فلا يجزئ الوقوف فيه، وحكى ابن المنذر عن مالك أن الوقوف ببطن عرنة يجزئ مع الدم. وفي الجلاب: يكره ذلك ومن وقف به أجزأه، قال (٥): وبطن عرنة هو المسجد الذي يصلي فيه الإمام (٦)، وإليه أشار بقوله: (وَأَجْزَأَ بِمَسْجِدِهَا بِكُرْهٍ) أي: وأجزأ الوقوف بمسجد عرنة مع كراهة، وعن مالك: لم يصب من وقف بمسجد عرنة، قيل له: فإن فعل حتى دفع من عرفة، قال: لا أدري، وقال أصبغ: لا حج له، ورآه من بطن عرنة (٧). محمد: ويقال إن حائطه القبلي على حد عرفة ولو سقط لسقط فيها (٨). اللخمي: وعلى هذا يجزئ الوقوف به (٩) لأنه من الحل، وكذا عند ابن مزين (١٠) أنه يجزئ الوقوف فيه (١١). قوله: (وَصَلَّى وَلَوْ فَاتَ) يشير به إلى أن (١٢) من قرب من عرفة قرب الفجر فذكر صلاة إن صلاها طلع الفجر وفاته الوقوف، وإن مضى إلى عرفات (١٣) فاتته الصلاة،

стр. 872

المشهور ما قاله أنه يصلي ولو فاته الوقوف. وقال محمد: هذا إن كان بعيدًا من جبال عرفة وإن كان قريبًا وقف بها وصلى، وعن محمد بن عبد الحكم إن كان من أهل مكة وما حولها بدأ بالصلاة، وإن كان من أهل الآفاق مضى إلى عرفة ووقف بها ثم صلى (١)، وقال عبد الحميد (٢): يصلي إيماءً كالْمُسايِف (٣). قوله: (وَالسُّنَّةُ غُسْلْ مُتَّصِلٌ) أي: السنة في الإحرام غسل متصل به، وإنما حذفه لدلالة ما تقدم عليه، قال في المدونة: ومن أراد الإحرام من رجل أو امرأة فليغتسل سواء (٤) كانت المرأة حائضًا أو نفساء، ولم يوسع مالك في ترك الغسل إلا من ضرورة (٥)، وإنما طلب فيه الاتصال؛ لأنه للنظافة، فينبغي فيه الاتصال لتظهر معقوليته. قوله: (وَلا دَمَ) أي: في تركه (٦)؛ يريد (٧) سواء تركه عمدًا أو نسيانًا، ورواه محمد عن مالك، سحنون: وقد أساء (٨). قوله: (وَنُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفِيٍّ (٩)) يريد: أن من كان ميقاته من ذي الحليفة كأهل المدينة فإنه يستحب له أن يغتسل بالمدينة، وهو ظاهر المدونة (١٠). عياض: ثم (١١) يسير من فوره، وبه فسر سحنون وعبد الملك المدونة (١٢). قوله: (وَلدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكةَ بِطُوًى، وَللْوُقُوفِ) يريد: أن اغتسالات الحج

стр. 873

ثلاثة؛ واحد للإحرام كما تقدم، والثاني لدخول مكة، والثالث للوقوف بعرفة وذلك مسنون لكل من عقد الإحرام على نفسه إلا الحائض فإنها لا تغتسل لدخول مكة؛ إذ لا يصح منها الطواف كما أشار إليه، ومثلها النفساء. قوله: (بِطُوًى) أي: ليكون غسله بدخول (١) مكة متصلًا، وقد كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك، ومن لم يأتِ (٢) على ذي طوى اغتسل بمقدار (٣) ما بينهما، وطوى هذه أحد أرباض (٤) مكة، يقال بضم الطاء وكسرها وفتحها. قوله: (وَلُبْسُ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ) هذه هي السُّنَّة الثانية من سنن الإحرام وهو أن يتجرد من (٥) مخيط الثياب ويلبس إزارا ورداء ونعلين. يريد: أن النعل (٦) الرجل. قوله: (وَتَقْلِيدُ هَدْيٍ، ثُمَّ إِشْعَارُهُ، ثُمَّ رَكْعَتَانِ) يريد أن من أراد أن يحرم ومعه هدي تطوع فإن السنة في حقه أن يقلده ثم يشعره إن كان مما (٧) يشعر، ثم يصلي ركعتين عقيبه ثم يحرم ليقع الإحرام عقيب الركعتين كما قاله في المدونة، زاد فيها: وكل ذلك واسع (٨)؛ أي: الترتيب الذي ذكره وهو تقديم التقليد ثم الإشعار ثم ركعتين (٩). وقال ابن رشد: الصواب أن يقدم التقليد على الإشعار (١٠)، ولهذا قال هنا: (ثم إشعاره)، وكذلك (١١) في المبسوط لمالك تقديم الركعتين على التقليد والإشعار، وقد (١٢) نبه بقوله: (ثم ركعتان) على أن المستحب أن يكون الإحرام إثر نافلة ليكون له صلاة تخصه

стр. 874

فلو أحرم عقيب فرض أجزأه، وإليه أشار بقوله: (وَالْفَرْضُ مُجْزِئ) أي: عن النافلة، وقيل: لا ترجيح للنافلة على الفريضة، وهذه هي السنة الثالثة. قوله: (يُحْرِمُ إِذَا اسْتَوَى، وَالْمَاشِي إِذَا مَشَى) يشير إلى (١) أن الراكب لا يحرم حتى يستوي على ظهر دابته، فإذا استوى عليها أحرم ولا يتوقف على مسير دابته على المشهور، خلافًا لابن حبيب، وأن الماشي لا يحرم حتى يأخذ في المشي (٢) متوجهًا للذهاب، وقاله في المدونة (٣)، والفرق أن الراكب لا يركب في الغالب إلا للمسير والماشي يسعى في حوائجه، فشروعه في الذهاب كاستواء الآخر على الدابة. قوله: (وَتَلْبِيةٌ) هذه هي السنة الرابعة من سنن الإحرام وهي التلبية، وهكذا روي عنه ﵊. والسنة الخامسة أن يجدد التلبية عند كل صعود وهبوط وحدوث حادث، وخلف الصلوات، وملاقاة الأصحاب وإذا سمع ملبيًا، وإلى هذا أشار بقوله: (وَجُدِّدَتْ لِتَغَيُّرِ حَالٍ، وَخَلْفَ صَلاةٍ) هكذا قال ابن شاس (٤) أن التجديد سنة على حالها (٥)، لكن ظاهر كلامه أنه من تمام السنة الرابعة. قوله: (وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَّوَافِ؟ خِلافٌ) أي: أنه اختلف في أي موضع يكف عن التلبية، ففي المدونة: لا يقطعها (٦) حتى يبتدئ الطواف (٧). وفي الرسالة: يقطع إذا دخل مكة (٨)، وشهره ابن بشير (٩)، ولهذا قال: (خلاف).

стр. 875

(المتن) وَإِنْ تُرِكَتْ أَوَّلَهُ فَدَمٌ إِنْ طَالَ، وَتَوَسُّطٌ فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ. وَفِيهَا، وَعَاوَدَهَا بَعْدَ سَعْيٍ وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ لِرَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ، وَمُحْرِمُ مَكَّةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ، وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ، وَفَائِتِ الْحَجِّ لِلْحَرَمِ، وَمِنَ الْجِعِرَّانَةِ وَالتَّنْعِيمِ لِلْبُيُوتِ، وَلِلطَّوَافِ الْمَشْي، وَإِلَّا فَدَمٌ لِقَادِرٍ لَمْ يُعِدْهُ. وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ، وَفِي الصَّوْتِ قَوْلانِ. وَلِلزَّحْمَةِ يَمَسُّ بِيَدٍ، ثُمُّ عُودٍ وَوَضعهما عَلَى فِيهِ، ثُمَّ كَبَّرَ وَالدُّعَاءُ بلا حَدٍّ، وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الثَّلاثَةِ الأُؤلِ، وَلَوْ مَرِيضًا وَصَبِيًّا حُمِلَا، وَلِلزَّحْمَةِ الطَّاقَةُ، وَلِلسَّعْيِ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ، وَرُقِيُّهُ عَلَيْهِمَا، كَامْرَأَةٍ إِنْ خَلا، وَإِسْرَاعٌ بَيْنَ الأَخْضَرَيْنِ فَوْقَ الرَّمَلِ، وَدُعَاءٌ. (الشرح) قوله: (وَإِنْ تُرِكَتْ أَولَهُ فَدَمٌ إِنْ طَالَ) هو كقول ابن القاسم في المدونة: وإن توجه من فناء المسجد ناسيًا للتلبية كان بنيته محرمًا، فإن ذكر بقرب لبَّى ولا شيء عليه، وإن تطاول ذلك أو نسيه حتى فرغ من حجه فليهرق دمًا (١). قوله: (وَتَوَسُّطٌ فِي عُلُوِّ صَوْتهِ) يريد أن المحرم إذا لبَّى يتوسط في صوته؛ أي: بين بين (٢) فلا يرفعه ارتفاعًا عليا (٣) يعقر به غالبًا (٤) خلقه ولا يخفيه جدًّا بحيث لا يسمعه من هو قريب منه أو من يليه، وهذا في حق الرجل، وأما المرأة فالسُّنة في حقها أن تسمع نفسها فقط. قوله: (وَفِيهَا) أي: في التلبية، والمعنى أنه يتوسط أيضًا فيها فلا يكثر منها؛ لئلا يؤدي إلى الضجر وعقر (٥) الحلق، ولا يسكت حتى تفوته الشعيرة، ولكن تارة وتارة، ونحوه في المدونة. قوله: (وَعَاوَدَهَا بَعْدَ سَعْي) لما ذكر الخلاف في قطعها هل هو بدخول مكة أو بدخوله في الطواف؛ أشار إلى ذلك مُغَيًّا بغاية وهو فراغه من السعي، فإذا فرغ منه

стр. 876

عاودها على نحو ما تقدم. قوله: (وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ) يريد مسجد مكة ومثله مسجد منى؛ لقول مالك: لا ترفع الأصوات بالتلبية في شيء من المساجد إلا في المسجد الحرام ومسجد منى (١)، لأنها مواضع الحج بخلاف غيرها (٢). قوله: (لِرَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ) أي: فإذا عاودها بعد السعي فلا يزال كذلك إلى رواح مصلى عرفة. ابن القاسم: وذلك إذا زالت الشمس وراح يريد الصلاة، وكان مالك يقول: يقطع إذا راح إلى الموقف، وعنه أيضًا إذا زالت الشمس ثم رجع وثبت (٣) على القول الأول (٤)، وحكى في الذخيرة قولًا أنه يلبي حتى يفرغ من الوقوف (٥). قوله: (وَمُحْرِمُ مَكةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ) يريد: أن محرم مكة (٦) سواء كان من أهلها أو من غيرهم يلبي في المسجد الحرام أيضًا. قوله: (وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ وَفَائِتُ الْحَجِّ لِلْحَرَمِ وَمنَ الجعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ لِلْبُيُوتِ) أي: بيوت مكة، ومراده أن من أحرم بعمرة أو أحرم بحج ففاته بحصر أو مرض أو عدو أو خروج وقت فتحلل منه بعمرة، فإن أحرم من المواقيت قطع التلبية أوائل الحرم لبعد المسافة، وإن أحرم من الجعرانة أو التنعيم قطع إذا دخل بيوت مكة لقرب المسافة، ونحوه في المدونة (٧). قوله: (وَللطوَافِ الْمَشْيُ) أي: والسُّنة في الطواف المشي، وإنما حذفه اعتمادًا على فهم المعنى مما سبق، وذكر أن سننه أربع هذه أولاها، وسيأتي بقيتها من كلامه. قوله: (وَإِلا فَدَمٌ لِقَادِرِ لَمْ يُعِدْهُ) أي: وإن لم يمشِ بل ركب فالدم لقادر؛ أي: على

стр. 877

قادر، واحترز بقوله: (لم يعده) مما إذا أعاده فإنه يسقط عنه الدم. قوله: (وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ) هذه هي السُّنة الثانية وهي تقبيل الحجر الأسود، وقد فعل ذلك النبي ﷺ هو وأصحابه، والضمير في (أوله) عائد على الطواف، وهو كذلك في المدونة وقال فيها: في أول كل شوط بعد ذلك إن شاء استلم وإن شاء ترك (١). قوله: (وَفي الصَّوْتِ قَوْلانِ) قال ابن وضاح: يضع فاه عليه بغير صوت، وقال أبو عمران: إن هذا ضيق؛ أي: لا فرق بين الصوت وغيره (٢). قوله: (وَللزَّحْمَةِ يَمَسُّ بِيَدٍ، ثُم عُودٍ وَوَضعهما عَلَى فِيهِ، ثم كَبَّرَ) أي: وإن لم يقدر على تقبيل الحجر للزحمة مسَّه بيده، فإن لم يقدر فبعود أو نحوه، ولا يستلمه بيده مع القدرة على تقبيله ولا بعود مع القدرة على (٣) استلامه بيده، فإن لم يستطع شيئًا من ذلك كبر ومضى، وهو معنى قوله: (ثم كبر) أي: وكبر ومضى على طوافه عند عدم القدرة على استلامه بشيء مما ذكرنا، وهل إذا استلم بيده أو بعود يقبلهما وهو مذهب الموازية، أم لا وهو مذهب المدونة (٤)؛ وإليه أشار بقوله: (وَوَضعهما عَلَى فِيهِ) يريد من غير تقبيل. قوله: (وَالدُّعَاءُ) هذه هي السُّنة الثالثة. قوله: (بِلا حَدٍّ) هو كقول ابن شاس: ليس بمحدود (٥). يريد: خلافًا لابن حبيب. قوله: (وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الثَّلاثَةِ الأُوَلِ) هي السُّنة الرا بعة وقد ورد ذلك عنه ﵇ وأمر به أصحابه، واحترز بقوله: (رجل) من المرأة؛ إذ لم يشرع ذلك في حقِّ النساء. قوله: (وَلَوْ مَرِيضًا، وَصَبِيًّا حُمِلا) قال في الجواهر: وإذا طيف بالمريض الذي لا يقدر على الطواف بنفسه أو بالصبي، فالمنصوص في المريض أنه يُرْمُل به، وفي الصبي قولان أجراهما اللخمي في المريض (٦). ومذهب المدونة أنه يُرْمُل بالصبيِّ (٧)، وهو قول أصبغ

стр. 878

خلافًا لابن القاسم (١). قوله: (وَللزَّحْمَةِ الطَّاقَةُ) يريد أنَّ الطائف إذا لم يستطع أن يَرْمُل فعل وسعه من ذلك، قال في المدونة: وإن زوحم في الرمل ولم يجد مسلكًا (٢) رمل بقدر طاقته (٣). قوله: (وَللسَّعْي تَقْبِيلُ الحْجَرِ الأَسْوَدِ (٤)) أي: والسُّنة تقبيل الحجر الأسود (٥). يريد: إذا فرغ من الطواف وركعتيه وخرج ذاهبًا إلى السعي استلمه عند خروجه. قوله: (وَرُقِيُّهُ عَلَيْهِما) السُّنة الثانية للسعي أن يرقئ على الصفا والمروة بحيث يرى الكعبة منه، وقاله في المدونة وزاد: ولا يعجبني أن يدعو عليهما قاعدًا إلا من علة (٦). قوله: (كامْرأَةٍ إن خَلا) قال في المدونة: وتقف النساء أسفلهما وليس عليهن أن يصعدن إلا أن يخلو فيصعدن أفضل لهنَّ (٧). قوله: (وَإِسْرَاعٌ بَيْنَ الأَخْضَرَيْنِ فَوْقَ الرَّمَلِ (٨)) وهذه هي السُّنة الثالثة، وفي الإسراع بين الميلين الأخضرين (٩) يريد: الرجال دون النساء. أبو إسحاق: ويسعى بينهما سعيًا هو أشد من الرمل حول البيت (١٠). قوله: (وَدُعَاءٌ) وهي السُّنة الرابعة، قال في المدونة: ولم يَحد مالك في الدعاء على الصفا والمروة حدًّا ولا لطول القيام وقتًا، واستحب المكث عليهما في الدعاء (١١). (المتن) وَفِي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَي الطَّوَافِ أَوْ وُجُوبِهِمَا تَرَدُّدٌ، وَنُدِبَا كَالإِحْرَامِ: بِالْكَافِرُونَ وَالإِخْلاصِ، وَبِالْمَقَامِ، وَدُعَاءٌ بِالْمُلْتَزَمِ وَاسْتِلامُ الْحَجَرِ الْيَمَانِي بَعْدَ الأَوَّلِ،

стр. 879

وَاقْتِصَارٌ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَدُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَالْبَيْتِ، وَمِنْ كَدَاءٍ لِمَدَنِي، وَالْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيبَةَ، وَخُرُوجُهُ مِنْ كُدًى، وَرُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ تَنَفُّلِهِ وَبِالْمَسْجِدِ، وَرَمَلُ مُحْرِمٍ مِنْ كَالتَّنْعِيمِ، أَوْ بِالإِفَاضَةِ لِمُرَاهِقٍ، لا تَطَوُّع وَوَدَاعٍ. وَكَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ، وَنَقْلُهُ. (الشرح) قوله: (وَفي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَي الطوَافِ (١) أَوْ وُجُوبِهِما ترَدُّدٌ) ذهب الباجي إلى وجوبهما على الإطلاق (٢)، وذهب عبد الوهاب إلى سُنيتهما (٣)، وإليهما أشار بما ذكر، وذهب الأبهري وابن رشد (٤) إلى أن حكمهما حكم الطواف في الوجوب والندب (٥). قوله: (وَنُدِبَا كَالإِحْرَام بِـ "الْكَافِرُونَ" (٦) وَ"الإِخْلاصِ" أي: وندب أن يقرأ في ركعتي الطواف والإحرام بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، هكذا نقل عن ابن حبيب (٧). قوله: (وَبِالْمَقَامِ) هو معطوف على قواسه: (وندبا) أي: وكذلك يستحب إيقاع ركعتي الطواف في المقام. ابن عبد البر: وإن لم يمكنه فحيث تيسو من المسجد ما خلا الحجر (٨). وزاد غيره: والبيت وظهره. قوله: (وَدُعَاءٌ بِالْمُلْتَزَمِ) أي: ومما يندب أيضًا الدعاء بالملتزم؛ وهو ما بين الركن والباب. قوله: (وَاسْتِلامُ الْحجَرِ وَالْيَمَانيِّ بَعْدَ الأَوَّلِ) أي: ومما يندب أيضًا استلام الحجر الأسود والركن اليماني في أول كل شوط بعد الشوط الأول. يريد: لأن استلامهما في (٩)

стр. 880

أول الشوط الأول من سُنن الطواف كما تقدَّم. قوله: (وَاقْتِصَار عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ) يريد أن الاقتصار على تلبية الرسول ﷺ مندوب، وهي "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" (١). مالك: والاقتصار على ذلك أفضل، وعنه كراهة الزيادة (٢). قوله: (وَدُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا) أي: ومما يندب دخول مكة نهارًا، هكذا قال في المدونة (٣). سند: ويستحب له أن يدخل البيت؛ لفعله عليس الصلاة والسلام، وإليه أشار بقوله: (وَالْبَيْتِ) أي: ومما يندب أيضًا دخول البيت. قوله: (وَمِنْ كِدَاءٍ لِمَدَنِيٍّ): ويستحب دخول مكة من أتى من طريق المدينة، (من كداء) الثنية التي بأعلى مكة، وقاله في المدونة (٤)، وإنما قلنا: "من (٥) أتى من طريق المدينة"؛ إذ ليس المراد أن ذلك مقصور على من هو من أهل المدينة كما يتوهم من لفظه، وانظر هذا مع قول ابن الفاكهاني في شرح الرسالة: المشهور والمعروف استحباب الدخول من كداء كما قال المصنف، وإن لم تكن طريق الداخل (٦) إلى مكة فليعرج عليها، وقيل: إنما دخل منها ﵇ لأنها على طريقه، فلا يستحب من ليست على طريقه، قال: ولا أعلم هذا الخلاف في مذهبنا. قوله: (وَالْمَسْجِدِ مِنْ بَاب بَنِي شَيْبَةَ) أي: ويستحب دخول المسجد منه. ابن حبيب: وقد دخل ﵇ منه وخرج إلى المدينة من باب بني سهم. قوله: (وَخُرُوجُهُ مِنْ كُدَى) أي: الثنية التي بأسفل مكة. ابن الفاكهاني: والمعروف
следующие страницы →