← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

عاودها على نحو ما تقدم. قوله: (وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ) يريد مسجد مكة ومثله مسجد منى؛ لقول مالك: لا ترفع الأصوات بالتلبية في شيء من المساجد إلا في المسجد الحرام ومسجد منى (١)، لأنها مواضع الحج بخلاف غيرها (٢). قوله: (لِرَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ) أي: فإذا عاودها بعد السعي فلا يزال كذلك إلى رواح مصلى عرفة. ابن القاسم: وذلك إذا زالت الشمس وراح يريد الصلاة، وكان مالك يقول: يقطع إذا راح إلى الموقف، وعنه أيضًا إذا زالت الشمس ثم رجع وثبت (٣) على القول الأول (٤)، وحكى في الذخيرة قولًا أنه يلبي حتى يفرغ من الوقوف (٥). قوله: (وَمُحْرِمُ مَكةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ) يريد: أن محرم مكة (٦) سواء كان من أهلها أو من غيرهم يلبي في المسجد الحرام أيضًا. قوله: (وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ وَفَائِتُ الْحَجِّ لِلْحَرَمِ وَمنَ الجعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ لِلْبُيُوتِ) أي: بيوت مكة، ومراده أن من أحرم بعمرة أو أحرم بحج ففاته بحصر أو مرض أو عدو أو خروج وقت فتحلل منه بعمرة، فإن أحرم من المواقيت قطع التلبية أوائل الحرم لبعد المسافة، وإن أحرم من الجعرانة أو التنعيم قطع إذا دخل بيوت مكة لقرب المسافة، ونحوه في المدونة (٧). قوله: (وَللطوَافِ الْمَشْيُ) أي: والسُّنة في الطواف المشي، وإنما حذفه اعتمادًا على فهم المعنى مما سبق، وذكر أن سننه أربع هذه أولاها، وسيأتي بقيتها من كلامه. قوله: (وَإِلا فَدَمٌ لِقَادِرِ لَمْ يُعِدْهُ) أي: وإن لم يمشِ بل ركب فالدم لقادر؛ أي: على

стр. 877

قادر، واحترز بقوله: (لم يعده) مما إذا أعاده فإنه يسقط عنه الدم. قوله: (وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ) هذه هي السُّنة الثانية وهي تقبيل الحجر الأسود، وقد فعل ذلك النبي ﷺ هو وأصحابه، والضمير في (أوله) عائد على الطواف، وهو كذلك في المدونة وقال فيها: في أول كل شوط بعد ذلك إن شاء استلم وإن شاء ترك (١). قوله: (وَفي الصَّوْتِ قَوْلانِ) قال ابن وضاح: يضع فاه عليه بغير صوت، وقال أبو عمران: إن هذا ضيق؛ أي: لا فرق بين الصوت وغيره (٢). قوله: (وَللزَّحْمَةِ يَمَسُّ بِيَدٍ، ثُم عُودٍ وَوَضعهما عَلَى فِيهِ، ثم كَبَّرَ) أي: وإن لم يقدر على تقبيل الحجر للزحمة مسَّه بيده، فإن لم يقدر فبعود أو نحوه، ولا يستلمه بيده مع القدرة على تقبيله ولا بعود مع القدرة على (٣) استلامه بيده، فإن لم يستطع شيئًا من ذلك كبر ومضى، وهو معنى قوله: (ثم كبر) أي: وكبر ومضى على طوافه عند عدم القدرة على استلامه بشيء مما ذكرنا، وهل إذا استلم بيده أو بعود يقبلهما وهو مذهب الموازية، أم لا وهو مذهب المدونة (٤)؛ وإليه أشار بقوله: (وَوَضعهما عَلَى فِيهِ) يريد من غير تقبيل. قوله: (وَالدُّعَاءُ) هذه هي السُّنة الثالثة. قوله: (بِلا حَدٍّ) هو كقول ابن شاس: ليس بمحدود (٥). يريد: خلافًا لابن حبيب. قوله: (وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الثَّلاثَةِ الأُوَلِ) هي السُّنة الرا بعة وقد ورد ذلك عنه ﵇ وأمر به أصحابه، واحترز بقوله: (رجل) من المرأة؛ إذ لم يشرع ذلك في حقِّ النساء. قوله: (وَلَوْ مَرِيضًا، وَصَبِيًّا حُمِلا) قال في الجواهر: وإذا طيف بالمريض الذي لا يقدر على الطواف بنفسه أو بالصبي، فالمنصوص في المريض أنه يُرْمُل به، وفي الصبي قولان أجراهما اللخمي في المريض (٦). ومذهب المدونة أنه يُرْمُل بالصبيِّ (٧)، وهو قول أصبغ

стр. 878

خلافًا لابن القاسم (١). قوله: (وَللزَّحْمَةِ الطَّاقَةُ) يريد أنَّ الطائف إذا لم يستطع أن يَرْمُل فعل وسعه من ذلك، قال في المدونة: وإن زوحم في الرمل ولم يجد مسلكًا (٢) رمل بقدر طاقته (٣). قوله: (وَللسَّعْي تَقْبِيلُ الحْجَرِ الأَسْوَدِ (٤)) أي: والسُّنة تقبيل الحجر الأسود (٥). يريد: إذا فرغ من الطواف وركعتيه وخرج ذاهبًا إلى السعي استلمه عند خروجه. قوله: (وَرُقِيُّهُ عَلَيْهِما) السُّنة الثانية للسعي أن يرقئ على الصفا والمروة بحيث يرى الكعبة منه، وقاله في المدونة وزاد: ولا يعجبني أن يدعو عليهما قاعدًا إلا من علة (٦). قوله: (كامْرأَةٍ إن خَلا) قال في المدونة: وتقف النساء أسفلهما وليس عليهن أن يصعدن إلا أن يخلو فيصعدن أفضل لهنَّ (٧). قوله: (وَإِسْرَاعٌ بَيْنَ الأَخْضَرَيْنِ فَوْقَ الرَّمَلِ (٨)) وهذه هي السُّنة الثالثة، وفي الإسراع بين الميلين الأخضرين (٩) يريد: الرجال دون النساء. أبو إسحاق: ويسعى بينهما سعيًا هو أشد من الرمل حول البيت (١٠). قوله: (وَدُعَاءٌ) وهي السُّنة الرابعة، قال في المدونة: ولم يَحد مالك في الدعاء على الصفا والمروة حدًّا ولا لطول القيام وقتًا، واستحب المكث عليهما في الدعاء (١١). (المتن) وَفِي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَي الطَّوَافِ أَوْ وُجُوبِهِمَا تَرَدُّدٌ، وَنُدِبَا كَالإِحْرَامِ: بِالْكَافِرُونَ وَالإِخْلاصِ، وَبِالْمَقَامِ، وَدُعَاءٌ بِالْمُلْتَزَمِ وَاسْتِلامُ الْحَجَرِ الْيَمَانِي بَعْدَ الأَوَّلِ،

стр. 879

وَاقْتِصَارٌ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَدُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَالْبَيْتِ، وَمِنْ كَدَاءٍ لِمَدَنِي، وَالْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيبَةَ، وَخُرُوجُهُ مِنْ كُدًى، وَرُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ تَنَفُّلِهِ وَبِالْمَسْجِدِ، وَرَمَلُ مُحْرِمٍ مِنْ كَالتَّنْعِيمِ، أَوْ بِالإِفَاضَةِ لِمُرَاهِقٍ، لا تَطَوُّع وَوَدَاعٍ. وَكَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ، وَنَقْلُهُ. (الشرح) قوله: (وَفي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَي الطوَافِ (١) أَوْ وُجُوبِهِما ترَدُّدٌ) ذهب الباجي إلى وجوبهما على الإطلاق (٢)، وذهب عبد الوهاب إلى سُنيتهما (٣)، وإليهما أشار بما ذكر، وذهب الأبهري وابن رشد (٤) إلى أن حكمهما حكم الطواف في الوجوب والندب (٥). قوله: (وَنُدِبَا كَالإِحْرَام بِـ "الْكَافِرُونَ" (٦) وَ"الإِخْلاصِ" أي: وندب أن يقرأ في ركعتي الطواف والإحرام بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، هكذا نقل عن ابن حبيب (٧). قوله: (وَبِالْمَقَامِ) هو معطوف على قواسه: (وندبا) أي: وكذلك يستحب إيقاع ركعتي الطواف في المقام. ابن عبد البر: وإن لم يمكنه فحيث تيسو من المسجد ما خلا الحجر (٨). وزاد غيره: والبيت وظهره. قوله: (وَدُعَاءٌ بِالْمُلْتَزَمِ) أي: ومما يندب أيضًا الدعاء بالملتزم؛ وهو ما بين الركن والباب. قوله: (وَاسْتِلامُ الْحجَرِ وَالْيَمَانيِّ بَعْدَ الأَوَّلِ) أي: ومما يندب أيضًا استلام الحجر الأسود والركن اليماني في أول كل شوط بعد الشوط الأول. يريد: لأن استلامهما في (٩)

стр. 880

أول الشوط الأول من سُنن الطواف كما تقدَّم. قوله: (وَاقْتِصَار عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ) يريد أن الاقتصار على تلبية الرسول ﷺ مندوب، وهي "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" (١). مالك: والاقتصار على ذلك أفضل، وعنه كراهة الزيادة (٢). قوله: (وَدُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا) أي: ومما يندب دخول مكة نهارًا، هكذا قال في المدونة (٣). سند: ويستحب له أن يدخل البيت؛ لفعله عليس الصلاة والسلام، وإليه أشار بقوله: (وَالْبَيْتِ) أي: ومما يندب أيضًا دخول البيت. قوله: (وَمِنْ كِدَاءٍ لِمَدَنِيٍّ): ويستحب دخول مكة من أتى من طريق المدينة، (من كداء) الثنية التي بأعلى مكة، وقاله في المدونة (٤)، وإنما قلنا: "من (٥) أتى من طريق المدينة"؛ إذ ليس المراد أن ذلك مقصور على من هو من أهل المدينة كما يتوهم من لفظه، وانظر هذا مع قول ابن الفاكهاني في شرح الرسالة: المشهور والمعروف استحباب الدخول من كداء كما قال المصنف، وإن لم تكن طريق الداخل (٦) إلى مكة فليعرج عليها، وقيل: إنما دخل منها ﵇ لأنها على طريقه، فلا يستحب من ليست على طريقه، قال: ولا أعلم هذا الخلاف في مذهبنا. قوله: (وَالْمَسْجِدِ مِنْ بَاب بَنِي شَيْبَةَ) أي: ويستحب دخول المسجد منه. ابن حبيب: وقد دخل ﵇ منه وخرج إلى المدينة من باب بني سهم. قوله: (وَخُرُوجُهُ مِنْ كُدَى) أي: الثنية التي بأسفل مكة. ابن الفاكهاني: والمعروف

стр. 881

فيها الضم والقصر، وأما التي بأعلى مكة فبالفتح والمد منونًا (١). قوله: (وَرُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ تَنَفُّلِهِ) يريد: أنه يستحب من طاف قبل الغروب وصلى المغرب قبل ركعتي الطواف أنه (٢) يبدأ بركعتي الطواف قبل أن يتنفل، وروي ذلك عن مالك (٣). قوله: (وَبِالْمَسْجِدِ) أي: ومما يستحب أيضًا إيقاع ركعتي الطواف في المسجد الحرام، نصَّ عليه الباجي (٤). قوله: (وَرَمَلُ مُحْرِمٍ مِنْ كَالتَّنْعِيمِ أَو بِالإِفَاضَةِ لِمُرَاهَقٍ) يريد: أن المحرم من التنعيم أو الجعرانة أو الطائف للإفاضة إذا كان مراهقًا يستحب له الرمل، وهو مذهب المدونة (٥)، وقال ابن كنانة وابن نافع: حكمه في ذلك حكم من طاف طواف القدوم (٦). قوله: (لا تَطَوُّعٍ وَوَدَاعٍ) أي: فلا يرمل فيهما. قوله: (وَكَثْرَةُ شرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ وَنَقْلُهُ) هكذا حكي في الذخيرة وغيرها عن ابن حبيب قال: يستحب الإكثار من شرب ماء رْمزم والوضوء منه (٧). ويستحب نقله من مكة إلى غيرها من بلاد المسلمين. (المتن) وَلِلسَّعْي شُرُوطُ الصَّلاةِ، وَخُطْبَةٌ بَعْدَ ظُهْرِ السَّابعِ بِمَكَّةَ وَاحِدَةٌ، يُخْبِرُ فِيهَا بِالْمَنَاسِكِ، وَخُرُوجُهُ لِمِنًى قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهِ الظُّهْرَ، وَبَيَاتُهُ بِهَا، وَسَيْرُهُ لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ، وَنُزُولُهُ بِنَمِرَةَ، وَخُطْبَتَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ، ثُمَّ أُذِّنَ وَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ إِثْرَ الزَّوَالِ، وَدُعَاءٌ وَتَضَرُّعٌ لِلْغُرُوبِ، وَوُقُوفُهُ بِوُضُوءٍ، وَرُكُوبُهُ بِهِ، ثُمَّ قِيَامٌ إِلَّا لِتَعَبٍ، وَصَلاتُهُ بِمُزْدَلِفَةَ الْعِشَاءَيْنِ وَبَيَاتُهُ بِهَا. وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فَالدَّمُ وَجَمَعَ وَقَصَرَ، (الشرح) قوله: (وَلِلسَّعْيِ شُرُوطُ الصَّلاةِ) أي: ويستحب للسعي شروط الصلاة من

стр. 882

الطهارتين (١) وستر العورة، وأمَّا استقبال القبلة فغير ممكن، وقد استحب مالك من انتقض وضوؤه أن يتوضأ ويبني، فإن لم يتوضأ فلا شيء عليه (٢)، وجعل في الذخيرة (٣) الطهارة سُنة فيه. قوله: (وَخُطْبَةٌ بَعْدَ ظُهْرِ السَّابعِ بِمَكَّةَ) أي: وخطب (٤) للحج، واتفق على أنها ثلاث؛ الأولى منها (٥) خطبة السابع من ذي الحجة بمكة بعد صلاة الظهر (٦) يخطب للناس ويرشدهم فيها إلى مناسكهم وهو ما يصنعون في خروجهم إلى منى وصلاتهم بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ومبيتهم ليلة عرفة وصلاتهم الصبح صبيحتها بمنى وغدوهم إلى عرفة إذا طلعت الشمس، ويحرضهم على النزول بنمرة. قوله: (بَعْدَ ظُهْرِ السَّابعِ بِمَكَّةَ) هو المشهور، وقال محمد: قبل الزوال (٧). قوله: (وَاحِدَةٌ) إشارة إلى أنَّ الإمام لا يجلس في وسطها وهو المشهور، وعن مطرف وابن الماجشون: أنه (٨) يجلس في وسطها (٩). قوله: (يُخْبِرُ بِالْمَنَاسِكِ، وَخُرُوجُهُ لِمِنى قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ، وَبَيَاتُهُ بِهَا، وَسَيْرُهُ لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ، وَنُزُولُهُ بِنَمِرَةَ) قد تقدم بيان ذلك، و (خروجه) يحتمل أن يكون مرفوعًا عطفًا على فاعل (ندب) أي: وندب خروجه، وكذلك (بياته) و (سيره) و (نزوله بنمرة) (١٠)، ويحتمل أن يكون مجرورًا عطفًا على قوله: (يخبر)، بالمناسك (١١) أي يخبر فيها بكذا وكذا وبخروجه بكذا وكذا (١٢) أو ما بعده، والأول أظهر.

стр. 883

قوله: (وَخُطْبَتَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ) أي: في يوم عرفة، وإنما قال: (خطبتان) لأنه يجلس في وسطها بلا خلاف، ويعلم الناس فيها صلاتهم بعرفة ووقوفهم ودفعهم ومبيتهم بالمزدلفة وصلاتهم بها ووقوفهم (١) بالمشعر الحرام والدفع منه ورمي جمرة العقبة والحلق والتقصير والنحر وطواف الإفاضة، والمشهور أنها بعد الزوال، وقيل: تجزئ إن وقعت قبله والصلاة بعده، وأما الخطبة الثالثة وهي التي تقع بمنى يوم الحادي عشر بعد صلاه الظهر (٢) فالمشهور أنه لا يجلس فيها خلافًا لمطرف وابن الماجشون، ويعلم الناس فيها (٣) حكم مبيتهم بمنى وكيفية الرمي وما يلزمهم بتركه أو بعضه، وحكم التأخير والتعجيل إلى غير ذلك. قوله: (ثُمَّ أُذِّنَ) أي بعد فراغ الإمام (٤) من خطبته، هكذا قال (٥) في كتاب الصلاة في (٦) المدونة (٧)، وفي كتاب الحج فيها (٨): إن شاء أذن فيها أو بعد فراغها (٩)، وعن مالك (١٠) أنه يؤذن قبل الخطبة عند جلوس الإمام على المنبر، وفي الواضحة: عند جلوسه بين خطبتيه (١١). قوله: (وَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ) أي: الظهر والعصر، قال في المدونة: بأذانين وإقامتين (١٢)، "وروي عنه ﵇ بأذان وإقامتين"، وبه أخذ ابن الماجشون (١٣). قوله: (إِثْرَ الزَّوَالِ) هذا مما لا اشكال فيه.

стр. 884

قوله: (وَدُعَاءٌ وَتَضَرُّعٌ لِلْغُرُوبِ) أي: فإذا فرغ من الصلاة أخذ في الدعاء والتضرع إلى غروب الشمس ثم يدفع بعد ذلك. قوله: (وَوُقُوفُهُ بِوُضُوءٍ، وَرُكُوبُهُ بِهِ) هذا معطوف على فاعل ندب، والمعنى: ومما يندب أيضًا وقوفه بعرفة متوضئًا؛ أي: ليكون على أكمل الحالات، أي (١): وكذلك يندب له الركوب؛ لأنه ﵇ كذلك وقف، ولأن الركوب أعون له على مواصلة الدعاء وأقوى على فعل الطاعة. قوله: (ثُمَّ قِيَامٌ إِلا لِتَعَبٍ) يريد أن رتبة القيام تلي رتبة (٢) الركوب في الفضل ثم الجلوس يليهما (٣) في ذلك، فلا يجلس مع القدرة على القيام، ولهذا قال: (إلا لتعب)؛ أي: فيجلس حينئذٍ. قوله: (وَصَلاتُهُ بِمُزْدَلِفَةَ الْعِشَاءَيْنِ) أي: ومما يندب أيضًا صلاة الحاج بمزدلفة ليلة النحر المغرب والعشاء؛ لما روي "أنه ﵇ صلاهما تلك الليلة فيها"؛ لكن ظاهر كلامه أنه لو صلاهما قبل إتيانه إليها أجزأه؛ لأنه جعل ذلك مندوبًا، والذي في المدونة أنه يعيدهما (٤)، إلا أنه عند ابن القاسم على سبيل الاستحباب. وقال ابن حبيب: يعيدهما أبدًا (٥). قوله: (وَبَيَاتُهُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فَالدَّمُ) أي: بالمزدلفة، وانظرْ كيف جعل ذلك أيضًا مستحبًّا، وقد حكى القرافي أن مبيته بها واجب على المشهور (٦)، اللهم إلا أن يريد أن الزائد على ما يسقط به الدم مستحب فيستقيم كلامه (٧). قوله: (وَجَمَعَ وَقَصَرَ) أي: يجمع بين العشاءين ويقصر العشاء دون المغرب فإنها لا تقصر.

стр. 885

(المتن) إِلَّا أَهْلَهَا: كَمِنًى وَعَرَفَةَ وَإِنْ عَجَزَ فَبَعْدَ الشَّفَقِ؛ إِنْ نَفَرَ مَعَ الإمَامِ، وَإِلَّا فَكُلٌّ لِوَقْتِهِ وَإِنْ قُدِّمَتَا عَلَيْهِ أَعَادَهُمَا، وَارْتِحَالُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ مُغَلِّسًا، وَوُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ يُكَبِّرُ وَيَدْعُو لِلإسْفَارِ، وَاسْتِقْبَالُهُ بِهِ، وَلا وُقُوفَ بَعْدَهُ وَلا قَبْلَ الصُّبْحِ، وَإِسْرَاعٌ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ، وَرَمْيَه الْعَقَبَةَ حِينَ وُصُولِهِ وَإِنْ رَاكِبًا، وَالْمَشْيُ فِي غَيْرِهَا، وَحَلَّ بِهَا غَيْرُ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ الطِّيبُ، وَتَكْبِيرُهُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَتَتَابُعُهَا، وَلَقْطُهَا، وَذَبْحٌ قَبْلِ الزَّوَالِ، وَطَلَبُ بَدَنَتِهِ لَهُ لِيَحْلِقَ، ثُمَّ حَلْقُهُ وَلَوْ بِنُورَةٍ، إِنْ عَمَّ رَأْسَهُ، وَالتَّقْصِيرُ مُجْزِئٌ، وَهُوَ سُنَّةُ الْمَرْأَةِ: تَأْخُذُ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ وَالرَّجُلُ مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ، (الشرح) قوله: (إِلا أَهْلَهَا، كَمِنًى وَعَرَفَةَ) أي: أهل مزدلفة فإنهم لا يقصرون شيئًا، وهكذا حكم من بمنى وعرفة من الجمع والقصر وعدمه، وحاصله أن أهل كل موضع يتمون به (١) ويقصرون فيما عداه. قوله: (وَإِنْ عَجَزَ فَبَعْدَ الشَّفَقِ) يريد أن ما تقدم من استحباب إيقاع العشاءين بمزدلفة خاص بالقادر على المسير (٢) مع الناس، وأمَّا العاجز عن ذلك فإنه يصليهما بعد الشفق حيث كان من الأماكن، وقاله في المدونة (٣). وقوله: (إِنْ نَفَرَ مَعَ الإمَامِ) هكذا قيده في المدونة. قوله: (وَإِلا فَكُلٌّ لِوَقْتِهِ) أي: وإن لم ينفر مع الإمام صلى كل صلاة لوقتها، هكذا نقله في النوادر عن محمد، وعن ابن القاسم: إن طمع أن يبلغ مزدلفة في ثلث الليل أخر الصلاتين وإلا صلى كل صلاة لوقتها. وعنه أيضًا: أنه (٤) يصلي كل صلاة لوقتها إلا أن يتعجله (٥) السير فيجمع بينهما (٦). قوله: (وَإِنْ قُدِّمَتَا عَلَيْهِ أَعَادَهُمَا) أي: فإن صلى المغرب والعشاء قبل مغيب الشفق من عجز عن إدراك الناس أو لم يعجز - يريد: ونفر مع الإمام - فإنه يعيدهما، ولا

стр. 886

خلاف في إعادة العشاء؛ لأنها وقعت قبل وقتها، واختلف في المغرب فقال ابن القاسم: يعيدها في الوقت وهو الذي ذكره هنا، وقال أشهب: لا يعيدها؛ لأنها وقعت في وقتها، وقال ابن حبيب: يعيدها أبدًا (١). قوله: (وَارْتِحَالُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ، مُغَلِّسًا) أي: ومما يستحب أيضًا من بات بالمزدلفة أن يرتحل إلى المشعر الحرام بعد صلاة الصبح في أول وقتها، فإذا جاء إليه وقف مبتهلًا بالدعاء والذكر إلى الإسفار، وإليه أشار بقوله: (وَوُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ يُكَبِّرُ وَيَدْعُو للإِسْفَارِ)، وأشار بقوله: (وَاسْتِقْبَالُهُ بِهِ) إلى ما قال سحنون: ويكون وجهك إذا وقفت أمام البيت. والضمير المجرور بالمصدر يحتمل عوده على البيت؛ أي: واستقبال (٢) البيت عند الوقوف بالمشعر الحرام، ويحتمل عوده على الواقف؛ أي: واستقبل الواقف بالمشعر الحرام الكعبة، وأما الضمير المجرور بالباء فإنه عائد على المشعر لا غير، والباء فيه للظرفية وهي بمعنى عند؛ أي: عند (٣) المشعر. قوله: (وَلا وُقُوفَ بَعْدَهُ وَلا قَبْلَ الصبْحِ) هذا كقوله في المدونة: والوقوف بالمشعر الحرام بعد طلوع الفجر وبعد الصبح، فمن وقف بعد الفجر (٤) وقبل أن يصلي الصبح فهو كمن لم يقف، ثم قال: ولا يقف أحد به إلى طلوع الشمس والإسفار، ولكن يدفع قبل ذلك، وإذا أسفر ولم يدفع الإمام دفع الناس وتركوه (٥). قوله: (وَإِسْرَاعٌ بِبَطْنِ مُحَسِّرِ) أي: ومما يستحب أيضًا الإسراع في بطن محسِّر وهو قدر رمية حجر وسواء كان راكبًا أوماشيًا. قوله: (وَرَمْيَه (٦) الْعَقَبَةَ حِينَ وَصُولِهِ وَإِنْ رَاكبًا) يريد أنه إذا وصل إلى منى فالمستحب له أن يرمي جمرة العقبة حينئذٍ قبل أن يحط رحله؛ أي: قبل (٧) طلوع

стр. 887

الشمس، وقد فعله ﵇ وكان راكبًا، قال في المدونة: وهو الشأن (١). قوله: (وَالْمَشْيُ فِي غَيْرِهَا) نحوه في المدونة قال فيها: فإن مشى في رمي جمرة العقبة أو ركب في رمي الجمار في الأيام الثلاثة فلا شيء عليه (٢)، وهو ظاهر كلامه هنا أن الركوب في جمرة العقبة مرجوح، وهو خلاف المدونة فإن الركوب فيها هو المطلوب والأولى (٣) فإن مشى فلا شيء عليه فيها (٤)، وأما غيرها فكما قال. قوله: (وَحَلَّ بِهَا غَيْرُ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ الطِّيبُ) يريد: أنه إذا رمى جمرة العقبة حلَّ له كل شيء كان عليه حرامًا ما عدا ثلاثة أشياء؛ اثنين (٥) يجتنبهما على سبيل الوجوب وهما النساء والصيد، والثالث على سبيل الكراهة وهو الطيب، فإن تطيب فلا فدية عليه على المشهور كما سيذكره، وهذا هو التحلل الأصغر، والتحلل الأكبر طواف الإفاضة وبه يحل ما بقي. قوله: (وَتَكْبِيرُهُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) وهو معطوف أيضًا على المستحب، لكن ظاهر المدونة أنه مسنون؛ لأنه لما سئل فيها (٦): هل يجزئ التسبيح؟ قال: السُّنة التكبير، ثم قال: ويوالي بين الرمي (٧)؛ أي: بين كل حصاتين. أبو الحسن الصغير: ولا يريد أنه يوالي بين الجمرات الثلاث، وهذا (٨) معنى قوله: (وَتَتَابُعُهَا) أي: مستحب. قوله: (وَلَقْطُهَا) أي: وكذلك يستحب لقط الحصاة التي يرمي بها وهو أولى من كسرها للسنة، وله أخذها من منزله (٩) بمنى (١٠) إلا رمي (١١) جمرة العقبة، فإن المستحب

стр. 888

له (١) عند ابن القاسم وغيره أخذها من مزدلفة. قوله: (وَذَبْحٌ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَطَلَبُ بَدَنَتِهِ لَهُ ليَحْلِقَ) لا شك أن الذبح قبل الزوال أفضل مما بعده وأنه مقدم على الحلق، ولهذا قال: (وطلب بدنته ... إلى آخره)؛ أي: إذا ضلت منه فإنه يطلبها إلى الزوال ليقع الحلق بعد نحرها، وهكذا قال في المدونة (٢)؛ يريد لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قوله: (ثُمَّ حَلْقُهُ) يريد أن تأخير الحلق عن النحر هو الأفضل كما تقدم، ودليله الآية المذكورة، وقال في المدونة: ومن حلق رأسه بالنورة عند الحلاق أجزأه (٣)، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ بِنَوْرَةٍ) وقال أشهب: لا يجزئه؛ لأنه محل تعبد يقتصر فيه على ما ورد. وأشار بقوله: (إِنْ عَمَّ رَأْسَهُ) إلى أن ذلك يجري مجرى الحلق، فكما لا يجزئ على المذهب إلا حلق جميع الرأس فكذلك لا يجزئ إذا طك بعضه بالنورة دون البعض أو طلى الجميع، إلا أنه لم يذهب من الشعر إلا بعضه وبقي البعض ولو القليل منه. قوله: (وَالتقْصِيرُ مُجْزِئٌ) لا شك أن الحلق أفضل من التقصير في حقِّ الرجل فإذا قصر أجزأه. قوله: (وَهُوَ سُنَّةُ الْمَرْأَةِ) أي: التقصير سُنة النساء، وظاهره أنه يجوز لها الحلق إذا أرادت ذلك، وهو موافق لما نقله البلنسي في شرح الرسالة أن الحلق لهنَّ مكروه (٤). وقال اللخمي: لا يجوز لهن ذلك؛ لأنه مثلة لهن إلا من برأسها أذى أو الحلاق أصلح (٥) لها، قال: وكذلك بنت تسع أو عشر تقصر ولا تحلق إلا لعذر، وإن كانت صغيرة جاز لها الحلق (٦) والتقصير (٧)، وظاهر قوله في المدونة: ليس على النساء إلا التقصير (٨)، يدل على موافقة اللخمي.

стр. 889

قوله: (تَأْخُذُ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ، وَالرَّجُلُ مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ) يريد أن المرأة إذا قصرت شعرها فإنها تأخذ من أطرافه بمقدار الأنملة من جميعه، وأما الرجل فإنه يجز من قرب أصله. (المتن) ثُمَّ يُفِيضُ. وَحَلَّ بِهِ مَا بَقِيَ؛ إِنْ حَلَقَ؛ وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَهُ فَدَمٌ؛ بِخِلافِ الصَّيْدِ، كَتَأْخِيرِ الْحَلْقِ لِبَلَدِهِ، أَوِ الإِفَاضَةِ لِلْمُحَرَّمِ، وَرَمْي كُلِّ حَصَاةٍ أَوِ الْجَمِيعِ لِلَّيْلِ، وَإِنْ لِصَغِيرٍ لا يُحْسِنُ الرَّمْيَ، أَوْ عَاجِزٍ. ويَسْتَنِيبُ فَيَتَحَرَّى وَقْتَ الرَّمْي، وَكَبِّرَ، وَأَعَادَ إِنْ صَحَّ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْغُرُوبِ مِنَ الرَّابِعِ، وَقَضَاءُ كُلٍّ إِلَيْهِ، وَاللَّيْل قَضَاءٌ، وَحُمِلَ مُطِيقٌ، وَرَمَى؛ وَلا يَرْمِي فِي كَفِّ غَيْرِهِ، وَتَقْدِيمُ الْحَلْقِ أَوِ الإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ لا إِنْ خَالَفَ فِي غَيْرٍ، وَعَادَ لِلْمَبِيتِ بمِنًى فَوْقَ الْعَقَبَةِ ثَلاثًا، وَإِنْ تَرَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ فَدَمٌ، أَوْ لَيْلَتَيْنِ إِنْ تَعَجَّلَ، وَلَوْ بَاتَ بِمَكَّةَ أَوْ مَكِّيًّا قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنَ الثَّانِي: فَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الثَّالِثِ. (الشرح) قوله: (ثُمَّ يُفِيضُ) أي: بعد الرمي والحلق والنحر وهو التحلل الأكبر، ولهذا قال: (وَحَلَّ بِهِ مَا بَقِيَ) أي: وحل بطواف الإفاضة ما بقي محرمًا عليه من النساء والصيد أو مكروهًا من أنواع الطيب. ثم أشار بقوله: (إِنْ حَلَقَ) إلى أنه إذا طاف للإفاضة ولم يحلق لا يتم له التحلل، ولهذا قال: (وإنْ وَطِئَ قَبْلَهُ فَدَمٌ، بِخِلافِ الصَّيْدِ) أي: فإن (١) تأخير الحلاق لا يمنع من قتله الصيد (٢) ولا يوجب جزاء على المشهور، وقيل: عليه الجزاء. قوله: (كَتَأْخِيرِ الحَلْقِ لِبَلَدِهِ) أي: فإنه يهدي أيضًا من أجل ذلك، قاله في المدونة (٣)، وسواء كان ناسيًا أو جاهلًا ويحلق أو يقصر، وفي المدونة أيضًا: إن حلق بمكة في أيام التشريق أو بعدها أو في أيام منى فلا شيء عليه (٤)، وقيل: إن خرجت أيام منى ولم لمجلق أهدى (٥)، وقال أشهب: إن خرجت أيام الرمي ولم يحلق أحببت له الهدي، وإن حلق

стр. 890

فيها فلا شيء عليه. قوله: (أَوِ الإِفَاضَةِ لِلْمُحَرَّمِ) أي: وكذلك يجب عليه الهدي إذا أخَّر طواف الإفاضة إلى أن خرجت أشهر الحج ودخل المحرَّم، وقاله في الجلاب (١). قوله: (وَرَمْي كُلِّ حَصَاةٍ أَوِ الْجَمِيعِ لِلَّيْلِ) هو معطوف على قوله: (كتأخير الحلق لبلده أو الإفاضة) أي: ويجب الدم بتأخير رمي حصاة أو الجميع إلى أن دخل الليل، ولم يختلف قول مالك في الهدي إذا ترك جمرة العقبة حتى (٢) دخل الليل، واختلف قوله إذا نسي بعضها. ابن القاسم: وأحب إليَّ أن يكون عليه الدم (٣). ابن يونس: وقاله غير واحد من القرويين، قال: وأما اليوم الثاني فسواء ترك جمرة واحدة أو الجمرات الثلاث فإن الخلاف يدخله في وجوب الدم أم لا (٤). قوله: (وَإِنْ لِصَغِيرٍ لا يُحْسِنُ الرَّمْيَ) هكذا قال في المدونة (٥)، ومعناه: إذا كان الصبي صغيرًا لا يعرف رمي الجمرات (٦) ولم يرمِ وليه ولا غيره عنه حتى دخل الليل، فإن الهدي يجب على من أحجه، فإن كان الصبي يحسن الرمي رمى، فإن ترك إلى الليل فعليه الهدي أيضًا، وقاله مالك (٧) في المدونة، ويكون ذلك أيضًا (٨) على من أحجه، وحكمُ المجنون ومن لا يستطيع الرمي حكم الصغير، ولهذا قال: (أَوْ عَاجِزٍ، وَيَسْتَنِيبُ) أي: كالمريض والمغمى عليه ونحوهما، وقاله في المدونة (٩). الأبهري: ويرجع في عدم القدرة إلى غلبة الظن، ونص اللخمي على أنه إذا خشي زيادة مرضه يستنيب (١٠). قوله: (فيتَحَرَّى وَقْتَ الرَّمْي، وَكَبَّرَ) أي: فإن استناب من يرمي عنه فإنه يتحرى

стр. 891

وقت رَمْيِ (١) نائبه ويكبر لكل حصاة تكبيرة واحدة، وقاله في المدونة (٢). قوله: (وَأَعَادَ إِنْ صَحَّ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْغُرُوبِ مِنَ الرَّابِعِ) يريد: وعليه الدم، وذلك واضح مما تقدم. قوله: (وَقَضَاءُ كُلٍّ إِلَيْهِ) أي: وقضاء كل (٣) الجمار إلى (٤) غروب الشمس من اليوم الرابع. قوله: (وَاللَّيْلُ قَضَاءٌ) هذا هو المشهور، وقيل: أداء. قوله: (وَحُمِلَ مُطِيقٌ، وَرَمَى، وَلا يَرْمِي فِي كَفِّ غَيْرِهِ (٥)) أي أن المريض إذا كان يقدر على الرمي محمولًا ووجد مَن يحمله حُمل ورمى عن نفسه، ولا يرمي الحصاة في كفِّ غيره وليرميها هو عنه؛ لأن مثل هذا لا يعد راميًا (٦). قوله: (وَتَقْدِيمِ الحَلْقِ أَوِ الإِفَاضَةِ (٧) عَلَى الرَّمْي) أي: وكذلك يجب عليه الدم إذا قدم الحلاق على الرمي أو قدم الإفاضة على الرمي، ومذهب المدونة وهو الأصح أن في تقديم الحلق الدم كما قال (٨)؛ لأنه وقع قبل حصول شيء من التحلل، وحكى ابن بشير قولًا بعدم الدم (٩). والذي رواه أيضًا ابن القاسم عن مالك وبه أخذ: أن في تقديم الإفاضة على الرمي الدم وحجه مجزئ (١٠). وعن مالك: لا يجزئه وهو كمن لم يفض. وقال أصبغ: أحب إليَّ أن يعيد وذلك في يوم النحر آكد (١١). قوله: (لا إِنْ خَالَفَ فِي غَيْرٍ) يريد: كما لو حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي فلا

стр. 892

شيء عليه على الأصح؛ لما روي أنه ﵇ وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: "اذبح ولا حرج"، وقال آخر: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: "ارمِ ولا حرج"، فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أُخِّر إلا قال: "افعل ولا حرج" (١). وقال عبد الملك: إن حلق قبل النحر فعليه دم (٢). قوله: (وَعَادَ لِلْمَبيتِ بمِنًى فَوْقَ الْعَقَبَةِ ثَلاثًا) أي: فإذا أفاض يوم النحر عاد إلى منى ليبيت بها ثلاث ليالٍ، والأَفضل له الرجوع لها (٣) على الفور، وله التربص بمكة عقيب الإفاضة، وعن مالك: أحب إليَّ إذا طاف يوم الجمعة أن يعود إلى منى ولا يمكث ليصلي الجمعة بمكة، ولا يكون المبيت إلا فوق العقبة، وأما فيما بينها وبين مكة فلا (٤)؛ لأنه ليس من منى، و (ثلاثًا) معمول لمحذوف؛ أي: يبيت ثلاثًا بحذف التاء منه؛ لأن المراد ثلاث ليالٍ. قوله: (وَإنْ ترَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ فَدَمٌ) نحوه في المدونة (٥)، وعن مالك: لا هدي عليه إلا أن يترك الليلة كلها (٦)، وفهم من قوله: (جل ليلة) أنه لو بات عن منى نصف ليلة فما دون لا يجب عليه الدم، وهو ظاهر المدونة (٧). قوله: (أَوْ لَيْلتَيْنِ إِنْ تَعَجَّلَ) هذا معطوف على قوله: (ثلاثًا)، والعامل فيه أيضًا محذوف، والتقدير: وعاد للمبيت بمنى فيبيت بهها ثلاث ليالٍ إن لم يتعجل أو ليلتين إن تعجل. قوله: (وَلَوْ بَاتَ بِمَكَّةَ) هذا هو المشهور، وعن ابن الماجشون وابن حبيب (٨) إن

стр. 893

بات بمكة لزمه العود إلى منى ليرمي لليوم (١) الباقي؛ لأنه خرج (٢) عن سنة التعجيل، فإن لم يرجع لزمه الدم. قوله: (أَوْ مَكَّيًّا) يريد أنه (٣) لا فرق في التعجيل (٤) بين المكي والآفاقي، وعن مالك في ذلك قولان (٥)، و (مكيًّا) هذا يصح أن يكون خبرًا لكان المحذوفة، والتقدير: ويعود للمبيت ثلاثًا إن لم يتعجل أو ليلتين إن تعجل ولو بات بمكة أو كان مكيًّا. قوله: (قَبْلَ الْغُرُوب مِنَ الثَّانِي) متعلق بقوله: (إن تعجل)، واحترز به مما إذا غربت عليه الشمس في منى قَبل تعجيله فإنه حينئذٍ لا يباح له التعجيل؛ لأن الليلة إنما أمر بالمقام فيها (٦) لأجل النهار، فإذا غربت فكأنه التزم رمي الثالث. قوله: (فَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الثَّالِثِ) هذا مما لا إشكال فيه وإلا فلا معنى للتعجيل. (المتن) وَرُخِّصَ لِرَاعٍ بَعْدَ الْعَقَبَةِ أَنْ يَنْصَرِفَ، وَيَأْتِيَ الثَّالِثَ فَيَرْمِي لِلْيَوْمَيْنِ وَتَقْدِيمُ الضَّعَفَةِ فِي الرَّدِّ لِلْمُزْدَلِفَةِ، وَتَرْكُ التَّحْصِيبِ لِغَيرِ مُقْتَدًى بِهِ، وَرَمَى كُلَّ يَوْمٍ الثَّلاثَ، وَخَتَمَ بِالْعَقَبَةِ مِنَ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ، وَصِحَّتُهُ بِحَجَرٍ كَحَصَى الْخَذْفِ. وَرَمْي وَإنْ بِمُتَنَجِّسٍ عَلَى الْجَمْرَةِ، وَإنْ أَصَابَتْ غَيْرَهَا، إِنْ ذَهَبَتْ بِقُوَّةٍ، لا دُونَهَا وَإنْ طَارَتْ غَيْرَهَا لَهَا، وَلا طِينٍ وَمَعْدِنٍ، وَفِي إِجْزَاءِ مَا وَقَفَ بِالْبِنَاءِ تَرَدُّدٌ. وَتَرَتُّبِهِنَّ. وَأَعَادَ مَا حَضَرَ بَعْدَ الْمَنْسِيَّةِ، وَمَا بَعْدَهَا فِي يَوْمِهَا فَقَطْ، وَنُدِبَ تَتَابُعُهُ، فَإنْ رَمَى بِخَمْسٍ خَمْسٍ؛ اعْتَدَّ بِالْخَمْسِ الأُوَّلِ، وَإنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاةٍ؛ اعْتَدَّ بِسِتٍّ مِنَ الأُولَى وَأَجْزَأَ عَنْهُ وَعَنْ صَبِيٍّ وَلَوْ حَصَاةً بحَصَاةٍ وَرَمَى الْعَقَبَةَ أَوَّلَ يَوْمٍ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَإِلَّا إِثْرَ الزَّوَالِ قَبْلَ الظُّهْرِ. (الشرح) قوله: (وَرُخِّصَ لِرَاعٍ بَعْدَ الْعَقَبَةِ أَنْ يَنْصَرِفَ، وَيَأْتِيَ الثَّالِثَ فَيَرْمِي لِلْيَوْمَيْنِ) يريد أن الرخصة جاءت في رعاة الإبل أنهم يجوز لهم إذا رموا جمرة العقبة أن ينصرفوا

стр. 894

عن منى إلى رعيهم فيقيمون يومًا وليلتين، ثم يأتوا في الثالث من يوم النحر فيرموا ليومهم الذي فات (١) وليومهم الذي هم فيه، وهو المراد باليومين، ثم يتعجلوا إن شاءوا أو يقيموا، وحكى ذلك في الجلاب (٢). قوله: (وَتَقْدِيمُ الضَّعَفَةِ في الرَّدِّ لِلْمُزْدَلِفَةِ) يريد أن الرخصة جاءت أيضًا في تقديم الضعفة؛ وهم النساء والصبيان والمرضى ومن يشق ذلك عليه عند رجوع الناس من عرفة إلى مزدلفة، وقد جاء أنه ﵊ بعث أم حبيبة من جمع وذلك لكثرة زحام الناس حينئذٍ. قوله: (وَتَرْكُ التَّحْصِيب لِغَيْرِ مُقْتَدًى بِهِ) أي: وكذلك جاءت الرخصة في ترك النزول بالمحصب؛ وهو الأبطح حيث المقبرة من مكة لمن لا يقتدى به، وهكذا روي عن مالك أنه كان يفتي من لا يقتدى به بذلك (٣) وكان لا يفتي به من يقتدى به مخافة أن تشاع عنه الفتوى بذلك فيترك الناس إذا سمعوا (٤). قوله: (وَرَمَى كلَّ يَوْمٍ الثَّلاثَ، وَخَتَمَ بِالْعَقَبَةِ) لأنه يرمي أولًا الجمرة (٥). يريد: أنه يرمي في كل يوم من الأيام الثلاثة التي بعد يوم (٦) النحر الجمرات الثلاث بعد الزوال، وقاله مالك (٧) في المدونة (٨). وقوله: (وَخَتَمَ بِالْعَقَبَةِ) أي: بجمرة العقبة؛ لأنه يرمي أولًا الجمرة التي تلي مسجد (٩) منى وهي الأولى، ثم يرمي بعدها الوسطى، ثم يختم بجمرة العقبة، يومان للمتعجل (١٠) وثلاثة لغيره.

стр. 895

قوله: (مِنَ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ) هو وقت الأداء فيها، والأفضل عقيب الزوال. قوله: (وَصِحَّتُهُ بِحَجَرٍ) أي: وصحة الرمي بشروط منها أن يكون (١) المرمي به حجرًا احترازًا به من نحو الطين والآجُرِّ ونحوهما، ولا يختص بجنس بل ما يسمى جصًّا (٢) حجرًا أو رخامًا (٣). قوله: (كَحَصَى الخَذْفِ) الخذف بالحصى الرمي به بالأصابع وهي بالخاء والذال المعجمتين (٤). سند (٥): واختلف في قدرها فقيل: قدر الفول، وقيل: قدر النوى، وقيل: قدر الأنملة طولًا وعرضًا، ولا يجزئ اليسير (٦) جدًّا كالقمحة والحمصة؛ لأنه كالعدم (٧). قوله: (وَرَمْيٍ) أي: ومما يشترط في صحة ذلك أن يرمي الحصاة ولا يجزئ وضعها ولا طرحها، وقاله في المدونة (٨)، وعن أشهب أن الطرح مع النية مجزئ (٩). قوله: (وَإنْ بِمُتَنَجِّسٍ) يريد: أنه لا يشترط في الحجر الذي يرمي به أن يكون طاهرًا، بل لو رمى بحجر متنجس أجزأه، وهكذا نقل عن مالك (١٠).

стр. 896

قوله: (عَلَى الجَمْرَةِ) هو كقوله في المدونة: وإن رمى حصاة فوقعت قرب الجمرة فإن وقعت موضع حصى الجمرة، وإن لم تبلغ الرأس أجزأه (١). والجمرة اسم لموضع الرمي والجمار الحجارة (٢). قوله (٣): (وَإنْ أصَابت غَيْرَهَا، إِنْ ذَهَبَتْ بِقُوَّةٍ) يريد إذا أتى بما هو المطلوب منه وهو الرمي على الجمرة فإن ذلك يجزئه وإن أصابت الحصاة غيرها إذا ذهبت بقوة الرمية كما إذا رماها فوقعت على محمل ثم ذهبت إلى الجمرة بقوة الرمية وكذلك لو دفعت دون الجمرة ثم تدحرجت إليها بقوة الرمية، فلو دفعت في محمل رجل فقبضها صاحب المحمل لم يجزئه، وكذلك لو دفعت على موضع عالٍ ثم تدحرجت لأن هذا ليس من فعله ولا من قوة الرمية وهو معنى قوله لا دونها ونحوه في المدونة (٤) هو كقوله في المدونة، وإن وقعت في محمل رجل فنفضها صاحب المحمل لم يجزئه، ولو أصابت المحمل ثم مضت بقوة الرمية الأولى حتى وقعت في الجمرة أجزأه. قوله: (لا دونها) أي لا دون موضع الجمرة فإنها لا تجزئه (٥). قوله: (وَإِنْ طَارَتْ غَيْرُهَا لَهَا) أي: فإن رمى الحصاة فوقعت على حصاة أخرى فوقعت الثانية في الرمي فإنه لا يجزئه (٦).

стр. 897

قوله: (وَلا طِينٍ وَمَعْدِنٍ) أي فإنه لا يجزئه. الشيخ: وظاهر المذهب منع الطين والمعادن كالحديد والزرنيخ (١). قوله: (وَفي إِجْزَاءِ مَا وَقَفَ بِالْبِنَاءِ ترَدُّدٌ) أي: إذا رمى الحصاة على الجمرة فوقعت في شقوق البناء فلم تنزل فإن في ذلك تردُّدًا؛ أي (٢): بين المتأخرين، فذهب شيخنا الشيخ خليل المكي (٣) إلى عدم الإجزاء، وكان يفتي به في الجموع الكثيرة، وكان شيخ شيخنا سيدي (٤) عبد الله المنوفي فيما نقل عنه الشيخ يميل إلى الإجزاء (٥)؛ لأن البناء متصل بالجمرة (٦). قوله: (وَتَرَتُّبِهِنَّ (٧)) هذا أيضًا من الوجوه التي تشترط في صحة الرمي؛ وهو أن يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد منى ثم يثني (٨) بالوسطى ثم يختم بجمرة العقبة، هكذا في أيام الرمي كلها. الباجي: والترتيب واجب بين الجمرات كركعات الصلاة (٩). يريد: لأنه ﵊ فعل ذلك، وقال: "خذوا عني مناسككم" (١٠)، وفعله أيضًا الصحابة والتابعون، ولا أظنهم يختلفون في مثل ذلك. قوله: (وَأَعَادَ مَا حَضَرَ بَعْدَ المَنْسِيَّةِ، وَمَا بَعْدَهَا في يَوْمِهَا فَقَطْ) مثاله: أن ينسى الجمرة الأولى من ثاني النحر وقد رمى اليوم الثالث والرابع، ثم بعد رميه ذكر المنسية فإنه

стр. 898

يرمي الجمرة الأولى التي نسيها ويعيد ما بعدها وهما الوسطى وجمرة العقبة في يومها، ثم يعيد المفعولة في اليوم الرابع على المشهور، وقيل: لا يعيد، ولا يعيد لليوم (١) الثالث لخروج وقته، وإليه أشار بقوله: (فقط)، وهكذا ذكر اللخمي وغيره عن ابن القاسم (٢). قوله: (وَنُدِبَ تَتَابُعُه (٣)، فَإنْ رَمَى بِخَمْسٍ خَمْسٍ، اعْتَدَّ بِالخْمْسِ الأُوَلِ) هذه مسألة المدونة قال فيها: ومن رمى الجمار الثلاث بخمس خمس يوم ثاني النحر، ثم ذكر من يومه رمى الأولى التي تلي مسجد منى بحصاتين، ثم الوسطى بسبع، ثم العقبة بسبع ولا دم عليه، ولو ذكر من الغد رمى هكذا وليهدِ على أحد قولي (٤) مالك (٥). قوله: (وَإنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاةٍ، اعْتَدَّ بِسِتٍّ مِنَ الأُولَى) أي: إذا رمى الجمار الثلاث ثم ذكر أنه نسي حصاة لا يدري من أي جمرة هي (٦)، فإنه يرمي الأولى بحصاة ويعتد منها بست حصيات كما ذكر (٧)، ثم يرمي الوسطى والعقبة بسبع سبع، وإنما كان الأمر على هذا لجواز كون المنسية من الأولى، ولا يجوز له رمي ما بعدها إلا بتمامها (٨)، فاحتاط وجعلها منها ليكون على يقين، وهذا هو المشهور وهو (٩) اختاره ابن القاسم، وقيل: يستأنف جميع الجمرات الثلاث، وهما في المدونة (١٠). قوله: (وَأَجْزَأَ عَنْهُ وَعَنْ صَبِيٍّ) يعني: أنه لو رمى الجمرة بتمامها عن نفسه ثم رمى بها أيضًا عن الصبيِّ بتمامها، ثم كذلك في الجمرتين الباقيتين فإنه يجزئه، وقاله (١١) عبد الملك وزاد: وقد أخطأ، وكذلك لو رمى عن الصبي أولًا ثم رمى عن نفسه

стр. 899

على ما تقدم. وأشار بقوله: (وَلَوْ بِحَصَاةٍ حَصَاةٍ) إلى أنه إذا رمى الجمار الثلاث حصاة عن نفسه، ثم حصاة عن الصبيِّ، ثم كذلك إلى آخرها أنه يجزئه وهو المشهور، وعن (١) القابسي: أنه يعيد عن نفسه ولا يعتد من ذلك إلا بحصاة واحدة. ابن يونس: وليس بصحيح لأنه تفريق يسير (٢). قوله: (وَرَمَى الْعَقَبَةَ أوَّلَ يَوْمٍ طُلُوعَ الشَّمْسِ) يريد: أنه يرمي جمرة العقبة يوم النحر، وهو المراد بـ (أول يوم طلوع الشمس)، وهذا هو الأفضل فيها (٣). قوله: (وَإِلَّا إِثْرَ الزَّوَالِ قَبْلَ الظُّهْرِ) أي: وإن كان الرمي في غير يوم النحر رمى الجمرات الثلاث إثر الزوال قبل صلاة الظهر وهو الأفضل، قاله في الموازية والواضحة (٤). (المتن) وَوُقُوفُهُ إِثْرَ الأُولَيَيْنِ قَدْرَ إِسْرَاعِ الْبَقَرَةِ، وَتَيَاسُرُهُ فِي الثَّانِيَةِ وَتَحْصِيبُ الرَّاجِعِ لِيُصَلِّيَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ إِنْ خَرَجَ لِكَالْجُحْفَةِ لا كَالتَّنْعِيم؛ وَإِنْ صَغِيرًا. وَتَأَدَّى بِالإِفَاضَةِ وَالْعُمْرَةِ، وَلا يَرْجِعُ الْقَهْقَرَى. وَبَطَلَ بِإقَامَةِ بَعْضِ يَوْمٍ لا بِشُغْلٍ خَفَّ، وَرَجَعَ لَهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ. وَحُبِسَ الْكَرِيُّ، وَالْوَليُّ لِحَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، قَدْرَهُ وَقُيِّدَ إِنْ أَمِنَ، وَالرُّفْقَةُ فِي كَيَوْمَيْنِ. وَكُرِهَ رَمْيٌ بِمَرْمِيٍّ بِهِ، كَأَنْ يُقَالَ لِإفَاضَةِ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، أَوْ زُرْنَا قَبْرَهُ ﷺ وَرُقِيُّ الْبَيْتِ، أَوْ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْبَرِهِ ﵊ بِنَعْلٍ؛ بِخِلافِ الطَّوَافِ وَالْحِجْرِ، وَإِنْ قَصَدَ بِطَوَافِهِ نَفْسَهُ مَعَ مَحْمُولِهِ لَمْ يُجْزِئْ عَنْ وَاحِدٍ، وَأَجْزَأَ السَّعْي عَنْهُمَا كَمَحْمُولِينَ فِيهِمَا. (الشرح) قوله: (وَوُقُوفُهُ إِثْرَ الأُولَيَيْنِ قَدْرَ إِسْرَاعِ الْبَقَرَةِ) هذا معطوف على قوله: (وندب تتابعه) أي: وندب الوقوف إثر رمي الجمرة الأولى والوسطى قدر ما يقرأ القارئ

стр. 900

المسرع سورة البقرة، وأما جمرة العقبة فلا يقف عندها. قوله: (وَتَيَاسُرُهُ في الثَّانِيَةِ) أي: ومما يندب أيضًا تياسر (١) الرامي عند الجمرة الوسطى (٢)، وهو مراده بالثانية، فإذا رماها انصرف منها ذات الشمال إلى الجمرة التي في بطن المسيل فيقف أمامها مما يلي يسارها ووجهه إلى البيت، وقاله ابن المواز (٣)، وفهم من كلامه أن الأولى لا يتياسر في وقوفه عندها، وحكاه الباجي عن مالك (٤)، وقيل: إن وقوفه فيهما سواء. بعض الأشياخ: وهو مذهب مالك، وحكي أن الأول مذهب ابن المواز. قوله: (وَتَحْصِيبُ الرَّاجِع ليُصَلِّي أرْبَعَ صَلَوَاتٍ) أي: ومما يندب أيضًا (٥) للراجع من منى إلى مكة أن ينزل بالمحصب ليصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كما فعله ﵇ ثم يدخل مكة بعد ذلك. ابن حبيب: وهذا في غير التعجيل (٦)، وأما في التعجيل (٧) فلا (٨). قوله: (وَطَوَافُ الْوَدَاعِ إِنْ خَرَجَ لِكَالْجُحْفَةِ) أي: ومما يندب أيضًا طواف الوداع لمن خرج إلى نحو الجحفة من المواقيت الآفاقية؛ لقوله ﵊: "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف" (٩)، وسواء خرج لأحد النسكين أو

стр. 901

لحاجة. وعن أشهب: ليس عليه ذلك (١)، والأول (٢) مذهب المدونة (٣) وسواء كان الخارج آفاقيًّا أو مكيًّا. قوله: (لا كَالتَّنْعِيمِ) أي: فإن خرج لنحو التنعيم فلا يندب في حقه الوداع لقرب المسافة، إلا أن ينوي الإقامة في الموضع الذي قد (٤) خرج إليه. قوله: (وَإنْ صَغِيرًا) يريد أنه لا فرق في طواف الوداع بين الصغير والكبير، وهو مذهب المدونة (٥). قوله: (وَتَأَدَّى بِالإِفَاضَةِ وَالْعُمْرَةِ) يعني: أنه (٦) إذا طاف للإفاضة ثم خرج من فوره أو طاف للعمرة ثم خرج كذلك أنه يجزئه؛ لأن الغرض أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف وقد (٧) حصل، فلو لم يخرج من فوره بل أقام إقامة تبطل حكم التوديع فإنه يؤمر بذلك. قوله: (وَلا يَرْجِعُ الْقَهْقَرَى) أي: إذا خرج مفارقًا للبيت لا يخرج مقهقرًا؛ إذ لم يرد ذلك عنه ﵊، والقهقرى (٨): أن يخرج ووجهه في خروجه للبيت ثم يمشي إلى خلفه إلى أن يتوارى عنه البيت. قوله: (وَبَطَلَ بِإقَامَةِ بَعْضِ يَوْمٍ (٩) لا بِشُغْلٍ خَفَّ) أي: فإن ودع ثم أقام بمكة يومًا أو بعضه فإنه يطوف ثانيًا لبطلان الأول بخلاف ما إذا باع أو اشترى بعض حوائجه بمكة يوما (١٠) في ساعة أو فعل ما خف من شغله فإن طوافه الأول باقٍ، وهكذا قال (١١)

стр. 902

في المدونة (١)، وعن مالك: إن ودع ثم أقام بمكة إلى الغد أنه من ذلك في سعة أن يخرج من غير وداع (٢). قوله: (وَرَجَعَ لَهُ) أي: لطواف الوداع إذا تركه. قوله: (إِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ (٣) أَصْحَابِهِ) أي (٤): الذين يسير بسيرهم، قال في المدونة: ويرجع له ما لم يبعد (٥). ابن القاسم: ولم يحدَّ فيه مالك أكثر من قوله: إن كان قريبًا، وأنا أرى أن يرجع ما (٦) لم يخش فوات أصحابه أو منعًا من كَرِيِّه فيمضي حينئذٍ ولا شيء عليه، ومن تركه فلا شيء عليه (٧). قوله: (وَحُبِسَ الْكَرِيُّ وَالْوَلِيُّ لِحَيْضٍ أوْ نِفَاسٍ قَدْرِه) يريد أن المرأة إذا حاضت أو نفست؛ أي: ولم تكن طافت للإفاضة فإن الكري (٨) يجبر على الإقامة بها بمقدار حيضها أو نفاسها، قال في المدونة: ويحبس عليها أقصى ما يمسكها الدم في الحيض والاستظهار، وأقصى جلوس النساء في النفاس من غير سقم، ولا يحبس أكثر من هذا (٩). وأشار بقوله: (والولي) إلى ما ذكره الباجي وغيره أنه يحبس على وليته كحبس الكري (١٠)؛ إذ لا يمكنها أن تسافر مع غيره من الأجانب، وسواء في ذلك المحرم والزوج. قوله: (وَقُيِّدَ إِنْ أَمِنَ) أي: فأما إذا لم يكن أمن كزماننا فلا. وقد قال اللخمي نحوه. قوله: (وَالرُّفْقَةُ، في كَيَوْمَيْنِ) أي: وكذلك تحبس الرفقة لأجل المرأة كيومين (١١) فإن

стр. 903

كان عذرها يزيد على ذلك فلا، ونقله في الذخيرة عن مالك (١). قوله: (وَكُرِهَ رَمْيٌ بمَرْمِيٍّ بهِ) يريد: أنه يكره أن يرمي الجمار بالحصى الذي رمي به، وشهره ابن بشير ثم حَكى قولًا بأن له الأخذ من ذلك، ومذهب أشهب وابن شعبان عدم الإجزاء فيعيد (٢)، ومذهب المدونة الإجزاء (٣). قوله: (كَأَنْ يُقَالُ لِلإِفَاضَةِ طَوَافُ الزِّيَارةِ) يريد أن هذه المسألة تشارك ما قبلها في الكراهة كما ذكره (٤)، فكما كره أن يرمي بما رمي به كذلك يكره أن يسمي طواف الإفاضة بطواف الزيارة، وقاله في المدونة (٥)، وعلله بعضهم بأن لفظ الزيارة يقتضي التخيير، وطواف الإفاضة ركن لا تخيير فيه. قوله: (أَوْ زُرْنَا قَبْرَهُ ﵇ أي: ومما يكره أيضًا قول: "زرنا قبر النبي ﷺ "، وعلله بأن زيارة قبره ﷺ من أعظم القرب التي يترجح فعلها على تركها (٦) فلا تخيير فيها، وقيل: لأن للزائر فضلًا على المزور، ورده (٧) عياض "بحديث زيارة (٨) أهل الجنة ربهم (٩) ". قوله: (وَرُقِيُّ الْبَيْتِ، أَوْ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْبَرِهِ ﵇ بِنَعْلٍ) أي: ومما يكره أن يرقى بيت الله الحرام، أو يصعد على ظهره، أو على منبره ﵇ بنعل، قال في المدونة: وكره مالك أن يدخل البيت بالنعلين أو يرقى بهما الإمام أو غيره أو منبره ﵇ (١٠)، وحكى التونسي كراهة الصعود بهما على ظهر البيت (١١) الحرام (١٢).

стр. 904

قوله: (بِخِلافِ الطَّوَافِ وَالحِجْرِ) هو كقوله في المدونة: ولم يكره مالك الطواف بالبيت بالنعلين والخفين، ثم قال فيها: وأجاز ابن القاسم أن يدخل بهما الحجر (١). ابن يونس: وقال لا ينبغي على أصله أن يدخل الحجر بهما؛ لأنه من البيت، وهو مذهب أشهب قال: وكراهتي لذلك في البيت أشد (٢). قوله: (وَإنْ قَصَدَ بِطَوَافِهِ نَفْسَهُ مَعَ مَحْمُولِهِ، لَمْ يُجْزِئْ عَنْ وَاحِدٍ) يريد أن من حمل في طوافه مريضًا أو صغيرًا أو نحوهما ونوى بذلك الطواف عنه وعن محموله، فإن ذلك الطواف (٣) لا يجزئ عن واحد منهما، وهو المشهور خلافًا لعبد الملك في أنه يجزئ (٤) عنه دون محموله، ولابن القاسم: أنه يجزئ (٥) عن الصبيِّ فقط، قال: وأحب إليَّ أن يعيد عن نفسه (٦). قوله: (وَأَجْزَأَ السَّعْيُ عَنْهُمَا) أي: عنه وعن محموله فيه إذا نوى ذلك عنهما معًا لخفة أمر السعي، قاله في المدونة (٧). قوله: (كمَحْمُولَيْنِ فِيهِما) أي: في الطواف والسعي، ومعناه: أن من حمل صبيين أو أكثر في الطواف والسعي ينوي بذلك عنهما، فإنه يجزئ عنهما في العبادتين. فصلٌ [في محظورات الإحرام] (المتن) فَصْلٌ حَرُمَ بِالإِحْرَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ لُبْسُ قُفَّازٍ، وَسَتْرُ وَجْهٍ إِلَّا لِسَتْرٍ بِلَا غَرْزٍ وَرَبْطٍ؛ وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ، وَعَلَى الرَّجُلِ مُحِيطٌ بعُضْوٍ، وَإِنْ بِنَسْجٍ أَوْ زَرٍّ أَوْ عَقْدٍ، كخَاتَمٍ وَقَبَاءٍ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ كُمًّا، وَسَتْرُ وَجْهٍ أَوْ رَأْسٍ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا: كَطِينٍ، وَلَا فِدْيَةَ فِي سَيْفٍ، وَإِنْ بِلَا عُذْرٍ وَاحْتِزَامٍ، أَوِ اسْتثْفَارٍ لِعَمَلٍ فَقَطْ. وَجَازَ خُفٌّ قُطِعَ أَسْفَلَ مِنْ

стр. 905

كَعْبٍ لِفَقْدِ نَعْلٍ أَوْ غُلُوِّهِ فَاحِشًا. وَاتِّقَاءُ شَمْسٍ أَوْ رِيحٍ بِيَدٍ. أَوْ مَطَرٍ بِمُرْتَفِعٍ وَتَقْليمُ ظُفُرٍ انْكَسَرَ، وَارْتِدَاءٌ بِقَمِيصٍ، وَفِي كُرَاهَةِ السَّرَاوِيلِ رِوَايَتَانِ. وَتَظَلُّلٌ بخِبَاءٍ أوْ بِنَاءٍ وَمَحَارَةٍ لا فِيهَا، كَثَوْبٍ بِعَصًا، فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ خِلافٌ. (الشرح) (حَرُمَ بِالإِحْرَامِ عَلى المَرْأَةِ لُبْسُ قُفَّازٍ) هذا هو المشهور، وقوله في المدونة: "يكره لها أن تلبس القفازين" (١) محمول على التحريم لقوله بعده: فإن فعلت افتدت. وقال ابن حبيب: لا أبلغ بها الفدية لما جاء فيه من الرخصة عن عائشة ﵂، قال: والمنع أحسن للحديث (٢). قوله: (وَسَتْرُ وَجْهٍ إِلا لِسَتْرٍ) أي: وكذلك يحرم عليها أن تستر وجهها في إحرامها (٣)، فإن فعلت افتدت إلا أن تكون قصدت بذلك الستر عن الناس، فإن فعلت ذلك لحر أو برد افتدت، قال في المدونة: ووسع مالك لها أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترًا، فإن لم ترد سترًا فلا تسدل (٤). قال ابن القاسم: وما علمت أن مالكًا كان يأمرها إذا سدلت (٥) رداءها أن تجافيه عن (٦) وجهها وما علمت أنه ينهاها أن يصيب الرداء وجهها إذا سدلته (٧)، وإن رفعته من أسفل وجهها افتدت؛ لأنه لا يثبت حتى تعقده بخلاف السدل (٨). وإليه أشار بقوله: (بِلا غَرْزٍ وَرَبْطٍ). قوله: (وَإِلا فَفِدْيَةٌ) أي: فإن فعلت شيئًا مما حرم عليها أو غرزت ما سدلته على وجهها بإبرة أو ربطته، افتدت. قوله: (وَعَلى الرَّجُلِ محيط بِعُضْوٍ) أي: ويحرم بالإحرام على الرجل لبس مخيط. يريد: باعتبار ما خيط له سواء كان مصنوعًا على قدر البدن أو عضو منه، فلو ارتدى

стр. 906

بالقميص جاز؛ لأنه لم يلبسه (١) باعتبار ما خيط له. قوله: (وَإِنْ بِنَسْجٍ) يريد: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون مخيطًا أو صنع نسجًا على هيئة ما يخاط، كما يفعل في بعض البلاد البرانس من غير خياطة، وكما يصنع القميص من اللبد بغير خياطة. قوله: (أَوْ زِرٍّ أَوْ عَقْدٍ) أي: فإذا عمل للثوب الذي يحرم فيه زرًّا وأقفله عليه أو عقده أو خلله بخلال، كان في معنى المخيط وعليه الفدية. قوله: (كَخَاتَمٍ) أي: وكذلك يحرم عليه أيضًا لبس الخاتم. اللخمي: ويجوز الخاتم والسوار والعصائب للمرأة؛ لأن لباس المخيط يجوز لها (٢)، وفي مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس أن يلبس المحرم الخاتم (٣). قوله: (وَقَبَاءٍ، وَإنْ لَمْ يُدْخِلْ كُمًّا) أي: وكذلك يحرم عليه لبس القباء، فإن فعل وإن لم يدخل يديه في كميه افتدى؛ لأنه في معنى اللباس، وقاله في المدونة (٤)، وإن لم يزره عليه. قوله: (وَسَتْرُ وَجْهٍ أَوْ رَأْسٍ بِما يُعَدُّ سَتْرًا (٥) كَطِينٍ (٦)) أي: ويحرم على الرجل بالإحرام ستر وجهه ورأسه؛ لأن إحرامه فيهما، قاله في المدونة (٧) والجواهر (٨)، إلا أنه لا خلاف في منع تغطية الرأس، والمشهور في الوجه المنع، وإليه ذهب مالك (٩)، وحكي عن بعض (١٠) المتأخرين الكراهة، واقتصر عليها ابن القصار (١١).

стр. 907

قوله: (بِما يُعَدُّ سَتْرًا (١) كَطِينٍ) قال سند: وإذا لطخ رأسه بالطين افتدى كالعمامة، وسواء غطى جميع رأسه أو بعضه (٢). قوله: (وَلا فِدْيَةَ في سَيْفٍ، وَلَوْ بِلا عُذْرٍ) أي: لا فدية في تقليده به ولو كان ذلك لغير عذر. ابن المواز: وهو قول مالك وزاد: ولينزعه مكانه (٣). ابن يونس: وقاله أصبغ، وقال ابن وهب (٤): عليه الفدية (٥). ابن رشد (٦): والأول أصح. قوله: (وَاحْتِزَامٍ، وَاسْتِثفَارٍ) أي: وكذلك لا تجب عليه (٧) الفدية في الاحتزام ولا في الاستثفار. قوله: (لِعَمَلٍ فَقَطْ) هو قيد في قوله: (واحتزام)، وهكذا قال في المدونة (٨)؛ أي: فإن لم يكن لعمل افتدى. ابن الجلاب: وقد اختلف قوله في الاستثفار عند الركوب والنزول (٩)، فكره ذلك مرة وأجازه (١٠) مرة (١١) أخرى (١٢). قوله: (وَجَازَ خُفٌّ قُطِعَ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ لِفَقْدِ نَعْلٍ) لقوله ﵊: "إلا ألا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما من أسفل من الكعبين" (١٣).

стр. 908

قوله: (أَوْ غُلُوِّهِ فَاحِشًا) نحوه في ابن يونس (١). قوله: (وَاتِّقَاءُ شَمْسٍ أَوْ رِيحٍ بِيَدٍ) أي: وكذلك يجوز الاتقاء من (٢) الشمس والريح باليد؛ لأن مثل هذا لا يعد ساترًا. قوله: (أَوْ مَطَرٍ بِمُرْتَفِعٍ) يريد: أنه يجوز له أن يتقي المطر بشيءٍ مرتفع كالخيمة ونحوها. ابن الحاجب: ويجوز له أن يرفع شيئًا فوق رأسه ليقيه المطر (٣). قوله: (وَتَقْلِيمُ ظُفُرٍ انْكَسَرَ) هو معطوف على فاعل جاز، وهو كقوله في المدونة: وإن انكسر له ظفر (٤) فليقلمه ولا شيء عليه (٥). ابن يونس: كاكتحاله أو ادِّهانه لضرورة. أبو إسحاق: وكذا لو انكسر له ظفران أو ثلاثة فقلمهما فلا شيء عليه (٦). قوله: (وَارْتِدَاءٌ بِقَمِيصٍ) أي: وجاز أيضًا ارتداء بقميص بأن يضعه على ظهره أو يتَّزر (٧) به؛ لأن مثله (٨) لا يعد لبسًا (٩) باعتبار ما خيط له، والجبة ونحوها كالقميص. قوله: (وَفي كَرَاهَةِ السَّرَاوِيلِ رِوَايَتَانِ) يريد: أنه اختلف في السراويل هل يكره لبسها للمحرم أو لا؟ على روايتين. الباجي: ووجه الكراهة عندي قبح الزي، كما كره لغير المحرم لبسه مع الرداء (١٠). قوله: (وَتَظَلُّلٍ بِخِبَاءٍ أَوْ بِنَاءٍ (١١)) ابن عبد البر: أجمعوا على ذلك (١٢). وفي الذخيرة:

стр. 909

لا خلاف في جواز دخوله تحت السقف والخيمة (١). قوله: (وَمَحَارَةٍ لا فِيهَا كَثَوْبٍ بِعَصًا) أي: وجاز الاستظلال بالمحارة وما في معناها إن لم يكن داخلًا فيها، وهو قول مالك والجمهور خلافًا لسحنون (٢)، فإن كان فيها فظاهر المذهب المنع (٣). ابن عبد البر: وهو قول مالك (٤)، وظاهر كلام ابن القاسم وأشهب، وعن مالك قول بالتوسعة فيه، وأجازه عبد الملك للنازل بالأرض؛ لأنه يشبه الخباء المضروب ومنعه للمسافر، ونحوه ليحيى بن عمر (٥)، وأما الثوب المجعول (٦) على عصا أو أعواد فلا يجوز الاستظلال به للراكب قولًا واحدًا، واختلف في النازل فمنعه أيضًا مالك لما فيه من الترفه، وجوزه عبد الملك قياسًا على الخيمة. قوله: (فَفِي وَجُوبِ الْفِدْيَةِ خِلافٌ) أي: فإن استظل داخل المحارة أو تحت ثوب موضوع على أعواد ونحوها فإنه يفتدي به (٧) وجوبًا، وقيل: لا، وحكى ابن يونس (٨) وأبو إسحاق وابن عبد البر الأول عن مالك، وكذا نقله اللخمي في المحارة (٩). (المتن) وَحَمْلٌ لِحَاجَةٍ أَوْ فَقْرٍ بِلَا تَجْرٍ، وَإبْدَالُ ثَوْبِهِ أَوْ بَيْعهُ بِخِلَافِ غَسْلِهِ إِلَّا لِنَجِسٍ فَبِالْمَاءِ فَقَطْ، وَبَطُّ جُرْحِهِ، وَحَكُّ مَا خَفِيَ بِرِفْقٍ، وَفَصْدٌ إِنْ لَمْ يَعْصِبْهُ، وَشَدُّ مِنْطَقَةٍ لِنَفَقَتِهِ عَلَى جِلْدِهِ، وَإضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرِهِ، وَإلَّا فَفِدْيَةٌ، كَعَصْبِ جُرْحِهِ أَوْ رَأْسِهِ، أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ كَدِرْهَمٍ أَوْ لَفِّهَا عَلَى ذَكَرٍ، أَوْ قُطْنَةٍ بِأُذُنَيْهِ، أَوْ قِرْطَاسٍ بِصُدْغَيْهِ، أَوْ تَرْكِ ذِي نَفَقَةٍ ذَهَبَ أَوْ رَدِّهَا لَهُ. وَلِمَرْأَةِ خَزٌّ وَحَلِيٌّ وَكُرِهَ شَدُّ نَفَقَتِهِ بِعَضُدِهِ أَوْ فَخِذِهِ، وَكَبُّ رَأْسٍ عَلَى وِسَادٍ، وَمَصْبُوغٌ لِمُقْتَدًى بِهِ وَشَمُّ كَرَيْحَانٍ،

стр. 910

وَمُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ طِيبٌ، وَاسْتِصْحَابُهُ وَحِجَامَةٌ بِلَا عُذْرٍ، وَغَمْسُ رَأْسِه أَوْ تَجْفِيفُهُ بِشِدَّةٍ، وَنَظَرٌ بِمِرْآةٍ وَلُبْسُ مَرْأَةٍ قَبَاءً مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِمَا دَهْنُ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ وَإِنْ صَلَعًا وَإِبَانَةُ ظُفُرٍ أَوْ شَعَرٍ. (الشرح) قوله: (وَحَمْلٌ لِحاجَةٍ وَفَقْر (١) بِلا تَجْرٍ) أي: وجاز الحمل لحاجة. يريد: على الرأس إذا كان راجلًا كما في المدونة (٢)، قال فيها: مثل خرجه فيه زاده أو جرابه، واحترز بذلك مما إذا حمله لغير حاجة فإنه يفتدي، وكذلك لو كان غنيًّا فحمله بُخلًا فلا خلاف (٣) أنه يفتدي، قال في المدونة: ولا أحب له أن يحمل على رأسه تجارة لنفسه من بَزٍّ أو سقط، ولا يتجر فيما يغطي به رأسه في إحرامه (٤). أشهب: إلا أن يكون ذلك عيشه (٥)، وهو تقييد للمدونة. قوله: (وَإبْدَالُ ثَوْبِهِ أَوْ بَيْعُهُ، بِخِلافِ غَسْلِهِ، إِلا لِنَجَسٍ فَبِالمَاءِ فَقَطْ) هذا كقوله في المدونة: وجائز أن يبدل ثوبه الذي أحرم فيه ويبيعه (٦)، وأكره أن يغسل ثوبه أو ثوب غيره خيفة قتل الدواب إلا أن يصيب ثوبه نجاسة أو جنابة فيغسله بالماء وحده لا بالحُرُض، زاد في رواية الدباغ عن مالك: فإن فعل افتدى. قوله: (وَبَطُّ جُرْحِهِ) قال في الموطأ (٧): ولا بأس أن يبط جراحه ويفقأ دمله ويقطع عرقه إذا احتاج إلى ذلك (٨) ونحوه في الموازية (٩). ابن زرقون عن ابن (١٠) عبد البر: ولا خلاف بين العلماء في ذلك.

стр. 911

قوله: (وَحَكُّ مَا خَفِيَ بِرِفْقٍ) أي: وكذلك يجوز له أن يحك ما خفي من جسده برفق كرأسه وظهره برفق (١)، قال في البيان عن مالك: ولا يشد في حك ذلك وله في ذلك ما يراه وإن أدمى جلده (٢). يريد: لأنه إذا شدد مع عدم الرؤية ربما أتى على شيء من الدواب ولا يشعر به. قوله: (وَفَصْدٌ) هو كقوله في الموطأ: لا بأس أن يقطع عرقه إذا احتاج إلى ذلك (٣). قال في الذخيرة: ولا تكره له الفصادة إلا لشد العصائب (٤) فإن فعل وجبت عليه الفدية، قاله مالك (٥)، وإليه أشار بقوله: (إِنْ لَمْ يَعْصِبْهُ). قوله: (وَشَدُّ مِنْطَقَةٍ لِنَفَقَتِهِ عَلَى جِلْدِهِ) أي: فإن شدها لا للنفقة (٦) بل للتجارة، أو لم يكن فيها نفقة أو كانت النفقة لغيره فإنه لا يجوز، واحترز بقوله: (على جلده) مما إذا ربطها (٧) على إزاره فإنه لا يجوز أيضًا، ويفتدي في جميع ذلك. قوله: (وَإضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرهِ) أي: وجاز له أن يضيف نفقة غيره بعد شد نفقة نفسه، وليس له أن يبتدئ شدها بنفقة الغير. قوله: (وَإلا فَفِدْيَةٌ) أي: وإن خالف في أمر مما تقدم وجبت عليه الفدية، ونحوه في المدونة (٨). قوله: (كَعَصْبِ جُرْحِهِ أَوْ رَأْسهِ، أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ كَدِرْهَمٍ) أي: وكذلك تجب الفدية في تعصيب جرحه وما بعده، قال في المدونة: وجاز أن يعصب على جراحه خرقًا ويفتدي، فإن عصب رأسه من صداع أو عصب رأسه أو جسده من جراح أو قروح، أو عصب على بعض جسده من غير علة أو ربط الجبائر على كسر أصابه أو لصق على

стр. 912

صدغيه (١) مثل ما يصنع الناس افتدى، إن شاء أطعم وإن شاء صام أو نسك (٢)، ولو ألصق على قرح (٣) به خرقًا صغارًا فلا شيء عليه، وإن كانت خرقًا كبارًا افتدى، وفصل في المدونة (٤) في التعصيب بين الخرق الكبار والصغار، وجعل قدر الدرهم كثيرًا (٥)، ولم يفرق بين اللصق والتعصيب (٦)، وفرق التونسي بينهما بأن التعصيب أشد؛ إذ لا بد فيه من حصول شيء على الجسد الصحيح بخلاف اللصق (٧). قوله: (أَوْ لَفِّهَا عَلَى ذَكَرٍ) يشير إلى قول مالك في العتبية والموازية: ولا بأس أن يتخذ خرقة يجعل فيها ذكره (٨) عند النوم، وهو بخلاف لفها عليه للمني والبول، هذا يفتدي (٩). قوله: (أَوْ قُطْنَةٍ بِأُذُنَيْهِ) أي: وكذلك يفتدي إذا جعل قطنة في أذنيه. يريد: سواء كانت القطنة صغيرة أو كبيرة (١٠). قوله: (أَوْ قِرْطَاسٍ بِصُدْغَيْهِ) أي: وكذلك يفتدي (١١) إذا ألصق (١٢) على صدغيه

стр. 913

قرطاسًا، وقد تقدم ذلك من لفظه في المدونة (١). قوله: (وَتَرْكِ (٢) ذِي نَفَقَةٍ ذَهَبَ، أَوْ رَدِّهَا لَهُ) هذا معطوف على الجائز؛ أي: ويجوز لصاحب النفقة إذا شد نفقة غيره معها ونفدت نفقته أن يترك نفقة الغير إن ذهب صاحبها أو يردها له، وقاله اللخمي (٣). قوله: (وَلِمَرْأَةِ (٤) خَزٌّ وَحُليٌّ) أي: ويجوز للمرأة أن تلبس الخز والحلي، وقاله في المدونة (٥) وهو المشهور، وحكى فيه اللخمي قولًا بالفدية. قوله: (وَكُرِهَ شَدُّ نَفَقَتِهِ بِعَضُدِهِ أَوْ فَخْذِهِ) هكذا قال في المدونة (٦) وهو المشهور، وقال أصبغ: عليه في العضد فدية (٧). قوله: (وَكَبُّ رَأْسٍ عَلَى وِسَادٍ (٨)) هكذا قال في العتبية عن مالك (٩) خشية أن يكون من باب الرفاهية، وهو بخلاف وضع خده (١٠) عليها عند نومه، فإنه يجوز من غير كراهة. قوله: (وَمَصْبُوغٌ لِمُفْتَدًى بِهِ) يريد المصبوغ بما لا طيب فيه. الباجي: ويكره ذلك للإمام ومن يقتدى به؛ لئلا يلتبس (١١) على من لا يعرف فيقتدي به في لبس المصبوغ الممنوع لبسه. رواه محمد عن مالك (١٢). ابن عبد البر: ولا خلاف أنه لا يجوز (١٣).

стр. 914

قوله: (وَشَمٌّ كَرَيْحَانٍ) يريد: أنه يكره للمحرم أن يشم الريحان وما في معناه كالياسمين والورد والبنفسج، فإن تعمد شم شيء من ذلك (١) فلا فدية فيه عليه، وقاله في المدونة (٢). قوله: (وَمُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ (٣) طِيبٌ) يريد: أن المحرم يكره له المكث بمكان فيه (٤) طيب كموضع العطارين وشبههم. ابن القاسم في الموازية: ويكره له أن يخرج في رفقة معها أحمال الطيب (٥)، وإليه أشار بقوله: (وَاسْتِصْحَابُهُ) أي: استصحاب الطيب. قوله: (وَحِجَامَةٌ بِلا عُذْرٍ) يريد: لخشية قتل الدواب التي في موضعها إن كانت في الرأس، وهذا هو المشهور. وقال (٦) سحنون: لا كراهة إذا لم يزل بسببها شعر، إلا في الرأس خيفة قتل الدواب (٧)، فلو حصل له عذر فلا كراهة، فإن لم تدع إليها ضرورة وحلق بسببها شعرا فهي حرام والفدية على المحرم (٨). قوله: (وَغَمْسُ رَأْسِه (٩)) أي: في الماء خيفة قتل دوابه (١٠)، وهكذا قال في المدونة وزاد: فإن فعل أطعم شيئًا (١١)، وقيده اللخمي بما إذا كانت له وفرة، فإن لم تكن له وعلم أنه لا شيء برأسه، أو كان حديث عهد بالحلاق، فلا بأس بغمس رأسه (١٢)، وأجاز ذلك ابن وهب وأشهب وأكثر العلماء وكانا يتغاطسان في الماء وهما محرمان قصدًا لمخالفة ابن القاسم (١٣).

стр. 915

قوله: (وَتَجْفِيفُهُ بِشِدَّةٍ) أي: إذا غسل رأسه يكره له أن يجففه بشدة، قال في البيان: مخافة أن يقتل في ذلك دواب جسده، ولو جففه برفق لا يخشى معه القتل لم يكره (١). قوله: (وَنَظَرٌ بِمِرْآةٍ) إنما كره له ذلك كما قال في العتبية خشية أن يرى شعثًا فيصلحه، قاله محمد ومالك (٢). قوله: (وَلُبْسُ مَرْأَةٍ (٣) قَبَاءً مُطْلَقًا) أي: ومما يكره أيضًا لبس القباء للمرأة المحرمة، قال في المدونة: حرة أو أمة لأنه يصفهن (٤)، ومراده بالإطلاق؛ أي (٥): في الإحرام وغيره. قوله: (وَعَلَيْهما دَهْنُ اللِّحْيَةِ وَالرَّأسِ وَإِنْ صَلِعَا) يريد: ويحرم عليهما؛ أي: على (٦) الرجل والمرأة إلى آخره، فلا يجوز للرجل ترجيل لحيته ولا رأسه بالدهن، وكذلك المرأة لا يجوز لها أن ترجل شعرها بالدهن، وسواء كان مطيبًا أم لا لما فيه من الزينة، وكذلك لا فرق بين الأصلع وغيره كما قال. قوله: (وَإبَانَةُ ظُفُرٍ) أي: ويحرم عليه (٧) إبانة الظفر؛ أي: قطعه، وهو معنى قوله في المدونة: ولا ينبغي لمحرم أن يقلم أظفاره، فإن فعل ناسيًا أو جاهلًا افتدى (٨). قال الأشياخ: معنى "لا ينبغي" لا يجوز. قوله: (أوْ شَعْرٍ) أي: وكذلك يحرم عليهما أيضًا إبانة الشعر، قال مالك في المدونة: ومن نتف شعرة أو شعرات يسيرة أطعم شيئًا من طعام كان ناسيًا أو جاهلًا، وإن نتف ما أماط عنه به أذى افتدى (٩).
следующие страницы →