← Фикх малики

Фикх малики · id 147313

تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل

بهرام الدميري

Полный текст (3 334 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

قوله: (وَحَكُّ مَا خَفِيَ بِرِفْقٍ) أي: وكذلك يجوز له أن يحك ما خفي من جسده برفق كرأسه وظهره برفق (١)، قال في البيان عن مالك: ولا يشد في حك ذلك وله في ذلك ما يراه وإن أدمى جلده (٢). يريد: لأنه إذا شدد مع عدم الرؤية ربما أتى على شيء من الدواب ولا يشعر به. قوله: (وَفَصْدٌ) هو كقوله في الموطأ: لا بأس أن يقطع عرقه إذا احتاج إلى ذلك (٣). قال في الذخيرة: ولا تكره له الفصادة إلا لشد العصائب (٤) فإن فعل وجبت عليه الفدية، قاله مالك (٥)، وإليه أشار بقوله: (إِنْ لَمْ يَعْصِبْهُ). قوله: (وَشَدُّ مِنْطَقَةٍ لِنَفَقَتِهِ عَلَى جِلْدِهِ) أي: فإن شدها لا للنفقة (٦) بل للتجارة، أو لم يكن فيها نفقة أو كانت النفقة لغيره فإنه لا يجوز، واحترز بقوله: (على جلده) مما إذا ربطها (٧) على إزاره فإنه لا يجوز أيضًا، ويفتدي في جميع ذلك. قوله: (وَإضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرهِ) أي: وجاز له أن يضيف نفقة غيره بعد شد نفقة نفسه، وليس له أن يبتدئ شدها بنفقة الغير. قوله: (وَإلا فَفِدْيَةٌ) أي: وإن خالف في أمر مما تقدم وجبت عليه الفدية، ونحوه في المدونة (٨). قوله: (كَعَصْبِ جُرْحِهِ أَوْ رَأْسهِ، أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ كَدِرْهَمٍ) أي: وكذلك تجب الفدية في تعصيب جرحه وما بعده، قال في المدونة: وجاز أن يعصب على جراحه خرقًا ويفتدي، فإن عصب رأسه من صداع أو عصب رأسه أو جسده من جراح أو قروح، أو عصب على بعض جسده من غير علة أو ربط الجبائر على كسر أصابه أو لصق على

стр. 912

صدغيه (١) مثل ما يصنع الناس افتدى، إن شاء أطعم وإن شاء صام أو نسك (٢)، ولو ألصق على قرح (٣) به خرقًا صغارًا فلا شيء عليه، وإن كانت خرقًا كبارًا افتدى، وفصل في المدونة (٤) في التعصيب بين الخرق الكبار والصغار، وجعل قدر الدرهم كثيرًا (٥)، ولم يفرق بين اللصق والتعصيب (٦)، وفرق التونسي بينهما بأن التعصيب أشد؛ إذ لا بد فيه من حصول شيء على الجسد الصحيح بخلاف اللصق (٧). قوله: (أَوْ لَفِّهَا عَلَى ذَكَرٍ) يشير إلى قول مالك في العتبية والموازية: ولا بأس أن يتخذ خرقة يجعل فيها ذكره (٨) عند النوم، وهو بخلاف لفها عليه للمني والبول، هذا يفتدي (٩). قوله: (أَوْ قُطْنَةٍ بِأُذُنَيْهِ) أي: وكذلك يفتدي إذا جعل قطنة في أذنيه. يريد: سواء كانت القطنة صغيرة أو كبيرة (١٠). قوله: (أَوْ قِرْطَاسٍ بِصُدْغَيْهِ) أي: وكذلك يفتدي (١١) إذا ألصق (١٢) على صدغيه

стр. 913

قرطاسًا، وقد تقدم ذلك من لفظه في المدونة (١). قوله: (وَتَرْكِ (٢) ذِي نَفَقَةٍ ذَهَبَ، أَوْ رَدِّهَا لَهُ) هذا معطوف على الجائز؛ أي: ويجوز لصاحب النفقة إذا شد نفقة غيره معها ونفدت نفقته أن يترك نفقة الغير إن ذهب صاحبها أو يردها له، وقاله اللخمي (٣). قوله: (وَلِمَرْأَةِ (٤) خَزٌّ وَحُليٌّ) أي: ويجوز للمرأة أن تلبس الخز والحلي، وقاله في المدونة (٥) وهو المشهور، وحكى فيه اللخمي قولًا بالفدية. قوله: (وَكُرِهَ شَدُّ نَفَقَتِهِ بِعَضُدِهِ أَوْ فَخْذِهِ) هكذا قال في المدونة (٦) وهو المشهور، وقال أصبغ: عليه في العضد فدية (٧). قوله: (وَكَبُّ رَأْسٍ عَلَى وِسَادٍ (٨)) هكذا قال في العتبية عن مالك (٩) خشية أن يكون من باب الرفاهية، وهو بخلاف وضع خده (١٠) عليها عند نومه، فإنه يجوز من غير كراهة. قوله: (وَمَصْبُوغٌ لِمُفْتَدًى بِهِ) يريد المصبوغ بما لا طيب فيه. الباجي: ويكره ذلك للإمام ومن يقتدى به؛ لئلا يلتبس (١١) على من لا يعرف فيقتدي به في لبس المصبوغ الممنوع لبسه. رواه محمد عن مالك (١٢). ابن عبد البر: ولا خلاف أنه لا يجوز (١٣).

стр. 914

قوله: (وَشَمٌّ كَرَيْحَانٍ) يريد: أنه يكره للمحرم أن يشم الريحان وما في معناه كالياسمين والورد والبنفسج، فإن تعمد شم شيء من ذلك (١) فلا فدية فيه عليه، وقاله في المدونة (٢). قوله: (وَمُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ (٣) طِيبٌ) يريد: أن المحرم يكره له المكث بمكان فيه (٤) طيب كموضع العطارين وشبههم. ابن القاسم في الموازية: ويكره له أن يخرج في رفقة معها أحمال الطيب (٥)، وإليه أشار بقوله: (وَاسْتِصْحَابُهُ) أي: استصحاب الطيب. قوله: (وَحِجَامَةٌ بِلا عُذْرٍ) يريد: لخشية قتل الدواب التي في موضعها إن كانت في الرأس، وهذا هو المشهور. وقال (٦) سحنون: لا كراهة إذا لم يزل بسببها شعر، إلا في الرأس خيفة قتل الدواب (٧)، فلو حصل له عذر فلا كراهة، فإن لم تدع إليها ضرورة وحلق بسببها شعرا فهي حرام والفدية على المحرم (٨). قوله: (وَغَمْسُ رَأْسِه (٩)) أي: في الماء خيفة قتل دوابه (١٠)، وهكذا قال في المدونة وزاد: فإن فعل أطعم شيئًا (١١)، وقيده اللخمي بما إذا كانت له وفرة، فإن لم تكن له وعلم أنه لا شيء برأسه، أو كان حديث عهد بالحلاق، فلا بأس بغمس رأسه (١٢)، وأجاز ذلك ابن وهب وأشهب وأكثر العلماء وكانا يتغاطسان في الماء وهما محرمان قصدًا لمخالفة ابن القاسم (١٣).

стр. 915

قوله: (وَتَجْفِيفُهُ بِشِدَّةٍ) أي: إذا غسل رأسه يكره له أن يجففه بشدة، قال في البيان: مخافة أن يقتل في ذلك دواب جسده، ولو جففه برفق لا يخشى معه القتل لم يكره (١). قوله: (وَنَظَرٌ بِمِرْآةٍ) إنما كره له ذلك كما قال في العتبية خشية أن يرى شعثًا فيصلحه، قاله محمد ومالك (٢). قوله: (وَلُبْسُ مَرْأَةٍ (٣) قَبَاءً مُطْلَقًا) أي: ومما يكره أيضًا لبس القباء للمرأة المحرمة، قال في المدونة: حرة أو أمة لأنه يصفهن (٤)، ومراده بالإطلاق؛ أي (٥): في الإحرام وغيره. قوله: (وَعَلَيْهما دَهْنُ اللِّحْيَةِ وَالرَّأسِ وَإِنْ صَلِعَا) يريد: ويحرم عليهما؛ أي: على (٦) الرجل والمرأة إلى آخره، فلا يجوز للرجل ترجيل لحيته ولا رأسه بالدهن، وكذلك المرأة لا يجوز لها أن ترجل شعرها بالدهن، وسواء كان مطيبًا أم لا لما فيه من الزينة، وكذلك لا فرق بين الأصلع وغيره كما قال. قوله: (وَإبَانَةُ ظُفُرٍ) أي: ويحرم عليه (٧) إبانة الظفر؛ أي: قطعه، وهو معنى قوله في المدونة: ولا ينبغي لمحرم أن يقلم أظفاره، فإن فعل ناسيًا أو جاهلًا افتدى (٨). قال الأشياخ: معنى "لا ينبغي" لا يجوز. قوله: (أوْ شَعْرٍ) أي: وكذلك يحرم عليهما أيضًا إبانة الشعر، قال مالك في المدونة: ومن نتف شعرة أو شعرات يسيرة أطعم شيئًا من طعام كان ناسيًا أو جاهلًا، وإن نتف ما أماط عنه به أذى افتدى (٩).

стр. 916

(المتن) أَوْ وَسَخٍ إِلَّا غَسْلَ يَدَيْهِ بِمُزِيلِهِ وَتَسَاقُطَ شَعَرٍ لِوُضُوءٍ أَوْ رُكُوبٍ. وَدَهْنُ الْجَسَدِ: كَكَفٍّ أوْ رِجْلٍ بِمُطَيِّبٍ أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَلَهَا قَوْلانِ اخْتُصِرَتْ عَلَيْهِمَا. وَتَطَيُّبٌ بِكَوَرْسٍ وَإِنْ ذَهَبَ رِيحُهُ، أَوْ لِضَرُورَةِ كُحْلٍ وَلَوْ فِي طَعَامٍ أَوْ لَمْ يَعْلَقْ؛ إِلا قَارُورَةً سُدَّتْ وَمَطْبُوخًا، وَبَاقِيًا مِمَّا قَبْلَ إِحْرَامِهِ، وَمُصِيبًا مِنْ إِلْقَاءِ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ خَلُوقِ كَعْبَةٍ، وَخُيِّرَ فِي نَزْعِ يَسِيرِهِ، وَإِلا افْتَدَى إِنْ تَرَاخَى كَتَغْطِيَةِ رَأسِهِ نَائِمًا. وَلا تُخَلَّقُ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَيُقَامُ العَطَّارُونَ فِيهَا مِنَ الْمَسْعَى، وَافْتَدَى الْمُلْقِي الْحِلُّ إِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ بِلا صَوْمٍ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَفْتَدِ الْمُحْرِمُ، كَأَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ. (الشرح) قوله: (أَوْ وَسَخٍ إِلا غَسْلَ يَدَيْهِ بمُزِيلِهِ) يريد: وكذلك يحرم عليهما إزالة الوسخ عنهما إلا إذا غسل يديه بما يزيل به الوسخ فلا شيء عليه؛ لأنه محل ضرورة، وكذلك ما عطف عليه من تساقط الشعر في الوضوء أو الركوب، وإليه أشار بقوله: (وَتَسَاقُطُ شَعَرٍ لِوُضُوءٍ أَوْ رُكُوبٍ) قال في المدونة: ولا شيء عليه فيما انقطع عند وضوئه من لحيته أو رأسه وأنفه إذا امتخط (١) أولما حلق الإكاف (٢) والسرج في الركوب من ساقه، وهذا خفيف لابد للناس منه (٣). قوله: (وَدَهْنُ الجَسَدِ) أي: وكذلك يحرم على الرجل والمرأة دهن جسدهما؛ أي: سواء كان مطيبًا أم لا، وعليهما الفدية في ذلك خلافًا لابن حبيب في غير المطيب فإنه (٤) لا فدية عليهما فيه. قوله: (كَكَفٍّ) أي: باطنه احترازًا من ظاهره. قوله: (أَوْ رِجْلٍ (٥)) أي: وكذا يحرم عليهما أيضًا دهن رجليهما. قوله: (بِمُطَيِّبٍ أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ) إشارة (٦) إلى دهن الكف والرجل وفيهما ثلاث صور:

стр. 917

الأولى: الجواز وهو دهنهما بغير مطيب لعلة به من شقوق ونحوها، ولا فدية. الثانية: المنع وهو دهنهما بمطيب لغير علة، ويفتدي إن فعل. الثالثة: المنع ولو مع علة على أحد القولين وهي التي أشار إليها بقوله: (وَلَهَا قَوْلانِ) أي: وإن دهنهما لعلة؛ يريد: بمطيب ففي ذلك قولان مقيدان بما عدا باطن الكف والقدم فإنه لا خلاف في الجواز وسقوط الفدية في دهنهما لها ويتبين ذلك بالنقل عن المدونة وغيرها (١). قوله: (اخْتُصِرَتْ عَلَيْهِما) أي أن المدونة اختصرت على قولين، ففيها عند البراذعي: وإن دهن قدميه وعقبيه من شقوق فلا شيء عليه، وإن دهنهما لغير علة أو دهن ذراعيه أو ساقيه ليحسنهما لا (٢) لعلة افتدى (٣). وعند ابن أبي زمنين: ليحسنهما أو من علة افتدى، فحملها على الوجوب مطلقًا (٤). أبو الحسن الصغير وفي غير المدونة ما يدل على غير القولين هل لا شيء عليه في الساقين والدم عين إذا كان من علة قياسا على القدمين وعليه اختصر البراذعي أو عليه الفدية مطلقا لأن العلة في الساقين والدم أعين نادرة بخلاف القدمين فإنهما محل الشقوق وهذا يبنى على النادر هل يراعى في نفسه أو يرد إلى غالب جنسه وعليه اقتصر ابن أبي زمنين انتهى. فقد تبين من هذا أن محل القولين اللذين ذكرهما الشيخ في الدم والساقين وظاهر الكف والقدم وباطنهما انظر الكبير (٥). قوله: (وَتَطَيُّبٌ بِكَوَرْسٍ وَإنْ ذَهَبَ رِيحُهُ) أي: ويحرم عليهما أن يتطيبا بالمؤنث من الطيب (٦) وهو ما يظهر ريحه وأثره كالزعفران والمسك والكافور والورس، وإلى جميع ذلك أشار بقوله: (بكورس)، والورس نبت باليمن رائحته طيبة صبغه ما بين الحمرة والصفرة. ابن شاس: ولو بطلت رائحة الطيب لم يبح (٧)؛ يريد (٨): لأن حكم المنع قد

стр. 918

ثبت فيه والأصل استصحابه، وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ ذَهَبَ رِيحُهُ) وتجب الفدية باستعمال ذلك ولو لضرورة كحل، كما قال: (أَوْ لِضَرُورَةِ كُحْلٍ) أي: فإن اكتحل لأجل ذلك ولم يكن فيه طيب فلا فدية، وأشار بقوله: (وَلَوْ في طَعَامٍ) إلى أن الطيب يحرم عليهما استعماله ولو خلط بطعام (١) ثم أكله، وظاهره كان مطبوخًا فيه أم لا، والمشهور المنع، وهو مذهب المدونة إن لم يطبخ فيه وتجب فيه الفدية (٢)، وقيل: لا فدية، وقد (٣) رواه محمد عن مالك وهو قول أشهب (٤)، فإن طبخ بالنار وصبغ الفم (٥) فالمشهور عدم الفدية، وهو مذهب المدونة (٦)، وظاهر الموطأ (٧) والمختصر: وإن لم يصبغ الفم فلا فدية (٨). قوله: (أَوْ لَمْ يَعْلَقْ) إشارة إلى قوله في المدونة: ومن مس الطيب بيده افتدى لصق الطيب (٩) بيده أم لا، قال: وتجب الفدية بمجرد اللمس (١٠). قوله: (إِلا قَارُورَةً سُدَّتْ) أي: فإنه لا فدية فيها، وكذلك ما يذكره بعده (١١) من المعطوفات (١٢)، ومراده أنه من حمل قارورة مسدودة الفم في حال إحرامه لا فدية عليه؛ إذ لا رائحة لها حينئذٍ، وألحق بها (١٣) فأرة المسك غير المشقوقة. قوله: (وَمَطْبُوخًا) أي: طعامًا مطبوخًا، يريد: بالطيب وقد تقدم أن المشهور: وإن

стр. 919

صبغ الفم. قوله: (وَبَاقِيًا مِمَّا قَبْلَ إِحْرَامِهِ) الباجي: لأن الفدية إنما تجب بإتلاف الطيب وهو محرم (١)، وهذا أتلفه قبل إحرامه وإنما بقي منه الرائحة، إلا أن يكون قد بقي منه مقدار ما تجب الفدية بإتلافه فحينئذٍ تجب، وقيل: هو بمنزلة من تطيب بعد الإحرام إذ الاستدامة (٢) كالابتداء (٣). قوله: (وَمُصِيبًا مِنْ إِلْقَاءِ رِيحٍ) يريد: أن من ألقت عليه الريح الطيب فنزعه عنه (٤) ناجزًا فلا شيء عليه، يدل عليه قوله بعد ذلك: (وَإلا افتدَى إِنْ تراخَى) أي: في نزعه (٥). قوله: (أَوْ غَيْرِ) أي: أوقعه عليه (٦) غيره وهو نائم أو غير ذلك، فإن انتبه فنزعه في الحال فلا فدية، وإن تراخى لزمته الفدية (٧). قوله: (أَوْ خَلُوقِ كَعْبَةٍ) يريد: أن ما أصابه من خلوق الكعبة؛ أي: إذا كان كثيرًا ونزعه في الحال فلا فدية، وإن تراخى لزمته الفدية (٨). قوله: (وَخُيِّرَ في نَزْعِ يَسِيرِهِ) يريد: أنه مخير في نزع يسير الطيب، وفيه إشارة إلى أن الكثير لا يخير فيه كما تقدم. قوله (٩): (وَإلَّا افتدَى إِنْ تراخَى)؛ أي: في مسألة إلقاء الريح وما بعدها. قوله: (كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ نَائِمًا) يريد: أن حكم تغطية الرأس نائمًا (١٠) حكم إلقاء الطيب عليه، فإذا ألقى عليه غيره شيئًا (١١) غطى به رأسه، فإن انتبه فنزعه في الحال فلا شيء

стр. 920

عليه، وإن تراخى افتدى. قوله: (وَلا تُخَلَّقُ أيَّامَ الحَجِّ) أي: لا تخلق الكعبة في ذلك الزمن؛ يريد: لكثرة ازدحام الطائفين. قوله: (وَيُقَامُ الْعَطَّارُونَ فِيهَا مِنَ الْمَسْعَى) أي: في أيام الحج من بين الصفا والمروة، وقاله في المدونة (١). قوله: (وَافْتَدَى الْمُلْقِي الحِلُّ إِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ) يريد: أن الفدية حيث لا تجب على المحرم الملقَى عليه الطيب أو الثوب بأن (٢) يكون قد نزعه عنه في حال انتباهه يلزم الفاعل به ذلك، وقاله في المدونة (٣). قوله: (بِلا صَوْمٍ) أي: أن الملقي إذا لزمته الفدية فإنما هي نيابة عن المحرم، فلذلك لا يصوم؛ إذ لا يصوم (٤) أحد عن أحد. قوله: (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَفْتَدِ الْمُحْرِمُ) أي: فإن أعسر الملقي افتدى المحرم، ثم يرجع عليه إن لم يفتد بالصوم بالأقل من الطعام (٥) أو النسك، فإن صام لم يرجع بشيء (٦). قوله: (كَأَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ) يعني: وكذلك الحكم فيمن حلق رأس محرم في مخاطبة الفاعل بالفدية حيث لا تجب على المفعول كما (٧) تقدم. (المتن) وَعَلَى الْمُحْرِمِ الْمُلْقِي فِدْيَتَانِ عَلَى الأَرْجَحِ. وَإِنْ حَلَقَ حِلٌّ مُحْرِمًا بِإذْنٍ فَعَلَى الْمُحْرِمِ؛ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ، وَإنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حِلٍّ أَطْعَمَ وَهَلْ حَفْنَةٌ أَوْ فِدْيَةٌ؟ تَأْوِيلَانِ. وَفِي الظُّفُرِ الْوَاحِدِ -لَا لإمَاطَةِ الأَذَى- حَفْنَةٌ، كَشَعْرَةٍ أَوْ شَعَرَاتٍ، وَقَمْلَةٍ أَوْ قَمَلاتٍ، وَطَرْحِهَا كَحَلْقِ مُحْرِمٍ لِمِثْلِهِ مَوْضِعَ الْحِجَامَةِ؛ إِلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ نَفْيَ الْقَمْلِ، وَتَقْرِيدِ بَعِيرِهِ لا كَطَرْحِ عَلَقَةٍ أَوْ بُرْغُوثٍ. وَالْفِدْيَةُ فِيمَا يَتَرَفَّهُ بِهِ أَوْ

стр. 921

يُزِيلُ أَذًى: كَقَصِّ الشَّارِبِ أَوْ ظُفُرٍ وَقَتْلِ قَمْلٍ كَثُرَ، وَخَضْبٍ بِكَحِنَّاءٍ وَإِنْ رُقْعَةً إِنْ كَبُرَتْ، وَمُجَرَّدُ حَمَّامٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَاتَّحَدَتْ إِنْ ظَنَّ الإِبَاحَةَ، أَوْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا بِفَوْرٍ، أَوْ نَوَى التَّكْرَارَ، أَوْ قَدَّمَ الثَّوْبَ عَلَى السَّرَاوِيلِ. (الشرح) قوله: (وَعَلَى الْمُحْرِمِ الْمُلْقِي فِدْيَتَانِ) يريد: فإن كان الملقي محرمًا فعليه حيث لا فدية على المحرم فديتان؛ فدية (١) لمسه الطيب وفدية لتطييب النائم، وهو قول ابن (٢) القابسي، وقال ابن أبي زيد: ليس عليه غير فدية. ابن يونس: وقول أبي الحسن أصوب (٣)، وإليه أشار بقوله: (عَلَى الأَرْجَحِ). قوله: (وَإِنْ حَلَقَ حِلٌّ مُحْرِمًا بِإذْنٍ فَعَلَى المُحْرِمِ) المراد بالحل غير المحرم؛ أي: إذا حلق حلال شعر محرم بإذنه فإن الفدية على المحرم دون الحلال، وإن فعله بغير إذنه مكرهًا أو نائمًا فإنها على الفاعل، وإليه أشار بقوله: (وَإلا فَعَلَيْهِ) أي: على (٤) الحلال. قوله: (وَإنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حِلٍّ أَطْعَمَ) هذه عكس التي قبلها، ومعناها أن المحرم إذا حلق شعر (٥) رأس الحلال فإنه يطعم، قال مالك في المدونة: يفتدي. وقال ابن القاسم: يطعم شيئًا من الطعام (٦). واختلف الأشياخ هل قول مالك بالفدية محمول على الحفنة وأنه وفاق لقول ابن القاسم، وإليه ذهب التونسي، أو هو خلاف، والفدية على ظاهرها، وإليه ذهب اللخمي (٧) والباجي وبعض البغداديين (٨)؟ وإلى هذا أشار بقوله: (وَهَلْ حَفْنَةٌ (٩) أَوْ فِدْيَةٌ؟ تَأْوِيلانِ). قوله: (وَفى الظُّفُرِ الْوَاحِدِ، لا لإِمَاطَةِ الأَذَى حَفْنَةٌ) أي: وفي تقليم الظفر الواحد

стр. 922

لغير إماطة الأذى حفنة من الطعام. واحترز بقوله: (لا لإماطة الأذى) مما إذا كان للإماطة فإنه يفتدي على المشهور. قوله: (كَشَعْرَةٍ أَوْ شَعَرَاتٍ) أي: وكذلك يطعم حفنة إذا أزال من جسده شعرة واحدة (١)، أو شعرات متعددة لغير إماطة الأذى. قوله: (وَقَمْلَةٍ أَوْ قَمَلاتٍ، وَطَرْحُهَا) أي: وكذلك يطعم حفنة إذا قتل قملة واحدة أو قملات، وكذلك إذا طرحها؛ لأن ذلك يؤدي إلى قتلها، وقوله: (وَطَرْحُهَا) أي: كذلك فحذف الخبر لفهم المعنى، واختلف إذا قتل الكثير من القمل فقال مالك عليه الفدية قال في البيان ورآه من إماطة الأذى وقال ابن القاسم يطعم كيسيره (٢). قوله: (كَحَلْقِ مُحْرِمٍ لِمِثْلِهِ مَوْضِعَ الحِجَامَةِ) يريد أن حكم (٣) المحرم إذا حلق لمحرم موضع الحجامة حكم ما تقدم في أنه يطعم حفنة من الطعام لمكان الدواب، ولهذا إذا تحقق ألا دواب فلا شيء عليه؛ لأنه إنما أزال شعرًا من جسد غيره ولا شيء عليه فيه، ولهذا أشار بقوله: (إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ نَفْيَ الْقَمْلِ) نعم على المحجوم المحرم الفدية لكونه حلق قبل التحليل. قوله: (وَتَقْرِيدِ بَعِيرِهِ) أي: وكذلك الحكم في المحرم إذا قرَّد بعيره؛ أي: إذا (٤) أزال عنه القراد فإنه يطعم حفنة من الطعام بيد واحدة. قوله: (لا كَطَرْحِ عَلَقَةٍ أَوْ بُرْغُوثٍ) أي: فإنه لا شيء عليه في طرحهما، قاله الباجي (٥) وغيره. قوله: (وَالْفِدْيَةُ فِيما يُتَرَفَّهُ بِهِ وَيُزِيلُ أَذًى كَقَصِّ الشَّارِبِ أَوْ ظُفُرٍ وَقَتْلِ قَمْلٍ كَثُرَ) يريد أن الفدية تجب في كل ما يحصل به الترفه أو يزيل به أذى كقص الشارب (٦) أو حلق (٧)

стр. 923

العانة أو نتف الإبط أو الأنف، وكذا تقليم الأظفار للإماطة، أو قتل ما كثر من القمل، وقاله مالك (١). قوله: (وَخَضْبٍ بِكَحِنَّاءَ) أي: وكذا تجب الفدية في الخضب بالحناء وشبهه، يريد: كان في رأسه أو لحيته أو غيرهما من جسده، فإن خضب جرحه في إصبعه (٢)، ونحوه برقعة فإن كانت كبيرة فعليه أيضًا الفدية، وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ رُقْعَةً إِنْ كَبُرَتْ)، ونبه به على أنها إن صغرت فلا شيء عليه فيها، ونحوه في المدونة، وحكم المحرمة تخضب يديها أو رجليها أو رأسها أو تطرف (٣) أصابعها بحناء حكم الرجل في الفدية، وقاله في المدونة (٤). قوله: (وَمُجَرَّدُ حَمَّامٍ) اختلف في وجوب الفدية بغسل المحرم في الحمام، ففي المدونة: إن تدلك وأنقى الوسخ وجبت عليه وإلا فلا (٥)، وقيل: تجب بمجرد التدلك ولو لم ينقِ الوسخ وحكاه (٦) اللخمي، وروي أنها تجب بمجرد الغسل وإن لم يتدلك ولم ينق الوسخ، وهو اختيار اللخمي وغيره (٧)؛ لأن صب الماء الحار على الجسد مظنة إزالة الوسخ، وإلى اختيار اللخمي أشار بقوله: (عَلَى المُخْتَارِ). قوله: (وَاتَّحَدَتْ إِنْ ظَنَّ الإباحَةَ، أَوْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا بِفَوْرٍ (٨)، أَوْ نَوَى التَّكْرَارَ، أَوْ قَدَّمَ الثَّوْبَ عَلَى السَّرَاوِيلِ) يريد أن الفدية تتعدد بتعدد (٩) موجبها إلا في هذه المواضع الأربعة: الأول: أن يظن (١٠) الإباحة ابتداء أو يعلم وجوب الفدية بالمرة الأولى ويظن إباحة الاستعمال ثانيًا وثالثًا، والثاني: أن يفعل ذلك في فور واحد كأن يلبس ويتطيب

стр. 924

ويقلم أظفاره ويقتل القمل دفعة من غير تراخٍ، والثالث: أن يفعل ذلك ناويًا التكرار؛ يريد: ولو بَعُد ما بين الفعلين، والرابع: إلا (١) يحصِّل بالفعل الثاني نفعًا زائدًا على الأول، كأن يلبس الثوب أولًا ثم يلبس السراويل، أو العمامة بعد القلنسوة، أو الجبة بعد القميص. (المتن) وَشَرْطُهَا فِي اللُّبْسِ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، لا إن نَزَعَ مَكَانَهُ، وَفي صَلاةٍ قَوْلانِ. وَلَمْ يَأْثَمْ إِنْ فَعَلَ لِعُذْرٍ، وَهِيَ نُسُكٌ بِشَاةٍ فَأَعْلَى، أوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكينَ لِكُلٍّ مُدَّانِ كَالْكَفَّارَةِ، أَوْ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ؛ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالمَذْبَحِ الْهَدْيَ فَكَحُكْمِهِ، وَلا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ مُدَّيْنِ. وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ وَأَفْسَدَ مُطْلَقًا، كَاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ، وَإِنْ بِنَظَرٍ، قَبْلَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا، أوْ بَعْدَهُ إِنْ وَقَعَ قَبْلَ إِفَاضَةٍ وَعَقَبَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ، وَإلَّا فَهَدْيٌ كَإنْزَالٍ ابْتِدَاءً وَإِمْذَائِهِ. وَقُبْلَتِهِ وَوُقُوعِهِ بَعْدَ سَعْيٍ فِي عُمْرَتِهِ، وَإِلَّا فَسَدَتْ. (الشرح) قوله: (وَشَرْطُهَا، في اللُّبْسِ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، لا إِنْ نَزَعَ مَكَانَهُ) أي: وشرط الفدية بسبب اللبس أن يحصل به الانتفاع من حر أو برد، ولهذا لو نزعه مكانه لا شيء عليه كمن لبس قميصًا أو خفًّا ثم نزعه، وقاله مالك (٢). اللخمي: واختلف إذا صلى به صلاة ولم يطل، قيل: لا شيء عليه فيه (٣)، وقيل: يفتدي (٤)، وإليه أشار بقوله: (وَفي صَلاةٍ قَوْلانِ). قوله: (وَلَمْ يَأْثَمْ إِنْ فَعَلَ لِعُذْرٍ) إشارة (٥) إلى أن من فعل شيئًا من الأمور السابقة، تارة يكون آثمًا كما إذا فعل ذلك لغير ضرورة ولا مشقة من حر أو برد، وتارة غير آثم لعذر حصل له من ضرورة أو مشقة شديدة ألجأته إلى ذلك، يريد: وعليه الفدية (٦).

стр. 925

قوله: (وَهِيَ نُسُكٌ) أي: والفدية نسك لا هدي، والفرق بينها وبين الهدي أن الهدي على الترتيب، وأنه يختص بزمان ومكان يفعل فيهما، وأن الصوم يدخل على (١) بعض أفراده على سبيل النيابة كالأمداد في إطعام جزاء الصيد والنسك بخلاف ذلك. قوله: (بِشَاةٍ فَأَعْلَى) هو بيان لقوله: (نسك) أي: والنسك شاة أو بقرة أو بدنة من الإبل. قوله: (أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلٍّ مُدَّانِ) يريد أن فدية الأذى على التخيير، وهذا لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وفي الموطأ: كان كعب بن عجرة معه ﵊ محرمًا فأذاه القمل في رأسه، فأمره ﵊ أن يحلق رأسه، وقال له: "صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدَّيْن مدَّيْن (٢) لكل مسكين أو انسك بشاة" (٣)، أيُّ ذلك فعلت أجزأ عنك، قال في المدونة: والإطعام لستة مساكين مدان لكل مسكين بمدِّ النبي ﷺ من عيش أهل ذلك البلد من بر أو شعير (٤)، وإليه أشار بقوله: (كَالْكَفَّارَةِ). قوله: (أَوْ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (٥) وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى) هو مذهب المدونة (٦)، وفي الموازية هو مكروه (٧)؛ لأنها لم تقيد بالحج كالهدي، وأرى (٨) أنها أيام منهي عن صومها. قوله: (وَلَمْ تَخْتَصَّ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ) هو أحد ما فرق به بين الهدي والنسك وهو المشهور، وقال ابن الجهم: لا يكون النسك إلا بمكة (٩).

стр. 926

قوله: (إِلا أَنْ يَنْوِيَ بِالْمَذْبَحِ الْهَدْيَ فكَحُكْمِهِ) أي: إلا أن ينوي بالنسك (١) الهدي فيصير له حكم الهدي، و (المذبح) اسم مفعول بمعنى المذبوح مثل مكروم ومكرم. قوله: (وَلا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ مُدَّيْنِ) هكذا قال أشهب في النوادر (٢)، وقال (٣) أكثر الأشياخ وهو وفاق لقوله في المدونة: ولا يجزئ أن يغدي ويعشي (٤)؛ لأنه ﵊ سمى مدين (٥). قوله: (وَالجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ) وهو معطوف على فاعل حرم، يريد أن المحرم يحرم عليه الجماع ومقدماته من القبلة والمباشرة للذة (٦) والغمزة والجسه (٧) وشبهها. قوله: (وَأَفْسَدَ مُطْلَقًا) فاعل أفسد هو الجماع، والمعنى: أن الجماع يفسد الحج إذا وقع قبل التحليل، ولا فرق عندنا بين أن يطأ عمدًا أو نسيانًا في الفرج أو المحل المكروه من رجل أو امرأة كان معه إنزال أم لا، وإليه أشار بالإطلاق. قوله: (كاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ، وَإنْ بِنَظَرٍ) أي: ومما يساوي الجماع في إفساد الحج استدعاء المني ولو بنظر، وهذا هو المعروف، وقيل: لا يفسده إلا ما يوجب الصداق والحد. قوله: (قَبْلَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَهُ إِنْ وَقَعَ قَبْلَ إِفَاضَةٍ وَعَقَبَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ) يريد أن الفساد مشروط (٨)، بأن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده إن وقع قبل طواف الإفاضة ورمي (٩) جمرة العقبة يوم النحر أو قبله؛ أي: ليلة المزدلفة، والمشهور في القسم الأول من هذه الأقسام الأربعة الإفساد، واختلف في الجميع على أربعة أقوال: الفساد في الجميع، وعدمه في الجميع، والمشهور ما ذكر هنا (١٠) وهو مذهب المدونة (١١)، وقال

стр. 927

ابن وهب وأشهب: إن وطئ يوم النحر بعد الإفاضة وقبل الرمي (١) أفسده، وعن مالك خامس: إن وقع قبلها (٢) بعد طلوع الفجر يوم النحر فعليه الهدي والعمرة (٣)، وإن كان قبل الفجر أفسد. قوله: (وَإلا فَهَدْيٌ) أي: وإن لم يقع الوطء قبل الوقوف ولا بعده وقبل الإفاضة والرمي يوم النحر أو قبله، بل وقع قبل الإفاضة وبعد جمرة العقبة أو بالعكس أو قبلهما بعد (٤) يوم النحر فإنه لا يفسد وعليه الهدي. قوله: (كَإنْزَالٍ ابْتِدَاءً) أي: فإن فيه الهدي ولا يفسد الحج. قوله: (وَإمْذَائِهِ) أي: ابتداء. قوله: (وَقُبْلَتِهِ) يريد: مع عدم الإنزال، قال في المدونة: وإذا نظر المحرم فأنزل ولم يتبع النظر ولا أدامه، أو قبَّل أو غمز أو جس أو باشر أو تلذذ بشيء من أهله ولم ينزل ولم تغب الحشفة منه في ذلك، فعليه في ذلك الدم وحجه تام (٥). قوله: (وَوُقُوعِهِ بَعْدَ سَعْيٍ فِي عُمْرَتِهِ) يريد أن وقوع الوطء بعد السعي وقبل الحلق في العمرة موجب للهدي أيضًا من غير إفساد؛ إذ لم يبق من أركانها شيء لأن الحلق ليس بركن، فإن وقع الوطء قبل السعي أوفي أثنائه فسدت العمرة، وإلى هذا أشار بقوله: (وَإلا فَسَدَتْ) أي: العمرة إن وقع الوطء في السعي أو قبله. (المتن) وَوَجَبَ إِتْمَامُ الْمُفْسَدِ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ، وَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهُ إِلَّا فِي ثَالِثَةٍ، وَفَوْرِيَّةُ الْقَضَاءِ وَإِنْ تَطَوُّعًا، وَقَضَاءُ الْقَضَاءِ، وَنَحْرُ هَدْيٍ فِي الْقَضَاءِ. وَاتَّحَدَ وَإِنْ تَكَرَّرَ لِنِسَاءٍ بِخِلافِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ، وَأَجْزَأَ إِنْ عَجَّلَ وَثَلاثَةٌ إِنْ أَفْسَدَ قَارِنًا ثُمَّ فَاتَهُ وَقَضَى، وَعُمْرَةٌ إِنْ وَقَعَ قَبْلَ رَكْعَتَي الطَّوَافِ، وَإِحْجَاجُ مُكْرَهَتِهِ وَإنْ نَكَحَتْ غَيْرَهُ، وَعَلَيْهَا إِنْ أعْدَمَ وَرَجَعَتْ كَالْمُتَقَدِّمِ. (الشرح) قوله: (وَوَجَبَ إِتْمَامُ الْمُفْسَدِ) يريد أن المحرم إذا أفسد حجه أو عمرته بالوطء أو

стр. 928

غيره فإنه يجب (١) عليه أن يمضي على ذلك المفسد حتى يتمَّه كما لو لم يفسد، ولا خلاف في ذلك. قوله: (وَإلا فَهُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ) أي: وإن لم يتمه فهو عليه باقٍ، ولو أحرم بحجة القضاء أو عمرة القضاء، قال في المدونة: ومن أفسد حجه بالوطء فلم يتمه حتى أحرم بحجة القضاء لم يلزمه ذلك ولا قضاؤه وهو على إحرامه الأول، ولا يكون ما جدد من إحرامه قضاء لحجته الفاسدة (٢). قوله: (وَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهُ إِلا فِي ثَالِثَةٍ) أي: فإن لم يتم الفاسد وأحرم لقضائه في السنة الثانية منه فهو على ما أفسد ولا يكون ذلك قضاء عنه، ولا يقع على هذا قضاؤه إلا في السنة الثالثة. قوله: (وَفَوْريَّةُ الْقَضَاءِ وَإِنْ تَطَوُّعًا) أي: ومما يجب عليه أيضًا أن يقضي ما أفسد من حج أو عمرة على الفور، وهو القضاء للحج في العام القابل ولا يؤخره عنه فإن أخره عصى وقضاه فيما بعده، وأما العمرة فيقضيها بعد التحلل من فاسدها؛ لأنها تقع في جميع السنة، وسواء كان الحج الذي أفسده فرضًا أو تطوعًا. قوله: (وَقَضَاءُ الْقَضَاءِ) أي: ومما يجب عليه أيضًا قضاء القضاء، ومعناه إذا أحرم قضاء عما أفسد ثم أفسد القضاء ثانيًا، فإنه يلزمه أن يحج حجتين، إحداهما قضاء عن الأصل، والثانية عن القضاء المفسَد وهو المشهور، وقيل: لا يجب عليه إلا حجة واحدة وهي الأولى. قوله: (وَنَحْرُ هَدْيٍ في الْقَضَاءِ) يريد: أنه كما تجب عليه حجة ثانية بسبب إفساده القضاء، كذلك يجب عليه هدي آخر مع الهدي الأول، وهو مذهب ابن القاسم (٣) وابن وهب، وقال عبد الملك: لا يلزمه غير الهدي الأول (٤). قوله: (وَاتَّحَدَ، وَإنْ تَكَرَّرَ لِنِسَاءٍ) أي: واتحد الهدي وإن تكرر الوطء لأجل تعدد النساء، يريد أو في امرأة واحدة، وقاله في المدونة (٥).

стр. 929

قوله: (بِخِلافِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ) أي: فإن الموجَب يتعدد بتعدد موجِبه، وهو المشهور في الصيد خلافًا لابن عبد الحكم، فإن الجزاء عنده لا يتعدد بتعدد موجب (١) الصيد، نقله سند (٢)، وتعدد الموجِب في الفدية مقيد بالأمور التي تقدمت وهو أن يحصل بالفعل الثاني نفع زائد على الأول، ولم يظن الإباحة، ولم ينوِ التكرار، ولم يكن في فور واحد. قوله: (وَأَجْزَأَ إِنْ عَجَّلَ) أي: وأجزأ هدي الفساد إن عجل قبل القضاء، وهو قول عبد الملك (٣)، قال: وأحب إلينا أن يكون مع حجة القضاء (٤). الباجي: ويحتمل على (٥) قول أصبغ في هدي الفوات: أنه لا يجزئه (٦). قوله: (وَثَلاثَةٌ إِنْ أَفْسَدَ قَارِنًا ثُمَّ فَاتَهُ وَقَضَى) أي: فإن أحرم بحجة وعمرة فأفسدهما ثم فاته الحج فإن عليه هديًا آخر لقرانه الأول. قوله: (وعُمْرَةٌ إِنْ وَقَعَ): ثلاثة هدايا واحدًا عن قرانه (٧) الثاني وآخر عن فساده وثالث عن فواته، روي عن ابن القاسم أن عليه هديًا آخر لقرانه الأول (٨). قوله: (وَعُمْرَةٌ إِنْ وَقَعَ قَبْلَ رَكْعَتِيِ الطَّوَافِ) أي: وكذلك يجب عليه (٩) أن يأتي بعمرة إذا وقع منه الوطء قبل ركعتي الطواف، وكذا إذا وقع قبل الطواف أو بعده (١٠) في محل لا يكون مفسدًا، وهذا هو المشهور، وقيل: لا عمرة عليه وقع قبل الطواف أو بعده.

стр. 930

قوله: (وَإحْجَاجُ مُكْرَهَتِهِ (١) وَإنْ نَكَحَتْ غَيْرَهُ) أي: ووجب على المكرِه إحجاج مكرهته وإن طلقها ونكحت غيره أو كانت أَمَة. قوله: (وَعَلَيْهَا إن أَعْدَمَ وَرَجَعَتْ) أي: فإن لم يكن مع الزوج ما يُحِجُّها به وجب عليها أن تحج نفسها وترجع عليه إذا أيسر، وقيل: ليس عليها حج ولا صيام وإنما ذلك على من أكرهها. قوله: (كَالمُتقَدِّمِ) كما تقدم هذا فيمن أكره امرأته في رمضان وقد تقدم في باب الصيام (٢). (المتن) وَفَارَقَ مَنْ أَفْسَدَ مَعَهُ مِنْ إِحْرَامِهِ لِتَحَلُّلِهِ، وَلا يُرَاعَى زَمَنُ إِحْرَامِهِ، بِخِلافِ مِيقَاتٍ إِنْ شُرِعَ وَإنْ تَعَدَّاهُ، فَدَمٌ، وَأَجْزَأَ تَمَتُّعٌ عَنْ إِفْرَادٍ وَعَكْسُهُ، لا قِرَانٌ عَنْ إِفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّعٍ وَعَكْسُهُمَا، وَلَمْ يَنُبْ قَضَاءُ تَطَوُّعٍ عَنْ وَاجِبٍ، وَكُرِهَ حَمْلُهَا لِلْمَحْمِلِ وَلِذَلِكَ اتُّخِذَتِ السَّلالِمُ، وَرُؤْيةُ ذِرَاعَيْهَا لا شَعْرِهَا، وَالْفَتْوَى فِي أُمُورِهِنَّ. (الشرح) قوله: (وَفَارَقَ مَنْ أَفْسَدَ مَعَهُ) أي: زوجة كانت أو أمة. قوله: (مِنْ إِحْرَامِهِ لِتَحَلُّلِهِ) أي: من حين إحرامه بحجة القضاء إلى أن يحل منها، قال في المدونة: وإن جامع زوجته في الحج فليفترقا إذا أحرما بحجة القضاء ولا يجتمعا حتى يحلا (٣)؛ أي: لئلا يتذاكرا ما كان منهما (٤) فيدعوهما إلى الفساد ثانية، واختلف هل افتراقهما واجب وهو ظاهر المدونة عند ابن بشير، أو مستحب وهو رأي ابن القصار، أو يفرق بين العامد والجاهل فإن صدر من عامد فالوجوب أو من الجاهل فالاستحباب، وهو رأي اللخمي (٥).

стр. 931

قوله: (وَلا يُرَاعَى زَمَنُ إِحْرَامِهِ) أي: فيجوز لمن أحرم أولًا بالحج من شوال أن يحرم بحجة القضاء يوم التروية أو غير ذلك. قوله: (بِخِلافِ مِيقَاتٍ إِنْ شُرِعَ) أي: فليس لمن أحرم (١) أولًا من ذي الحليفة مثلًا أو غيرها من المواقيت المشروعة أن يحرم بحجة القضاء إلا من موضع إحرامه؛ فلو أحرم قبل الميقات فليس عليه أن يحرم إلا من الميقات، وقاله في المدونة (٢)؛ لأنه أحرم من مكان لم يشرع منه الإحرام. قوله: (وَإنْ تَعَدَّاهُ، فَدَمٌ) أي: فلو لم يحرم ثانيًا من الميقات بل تعداه فإن عليه في ذلك الدم، قاله في المدونة (٣). قوله: (وَأَجْزَأَ تَمَتُّعٌ عَنْ إِفْرَادٍ) يريد: أنه إذا أفسد حجًّا مفردًا فقضاه متمتعًا فإنه يجزئه؛ لأن التمتع إفراد وزيادة، ولا إشكال في ذلك إذا أحرم ثانيًا بالحج من المكان الذي أحرم منه بالحج أولًا. قوله: (وَعَكْسُهُ) أي: وكذلك يجزئه إذا قضى إفرادٌ عن تمتع، وهو قول ابن القاسم، وقال ابن بشير: مقتضى الروايات عدم الإجزاء (٤). قوله: (لا قِرَانٌ عَنْ إِفْرَادٍ) أي: فإن ذلك لا يجزئه على المشهور؛ لأن حج القارن ليس تامًّا كتمام المفرد، وقال عبد الملك: يجزئه (٥). قوله: (أَوْ تَمَتُّعٍ) أي: وكذلك لا يجزئه (٦) قران عن تمتع؛ يريد: لأن القارن يأتي بعمل واحد للحج والعمرة معًا والمتمتع يأتي بعملين. قوله: (وَعَكْسُهُمَا) أي: فلا يجزئه (٧) أن يقضي إفرادًا عن قران أو تمتعًا عن قران، وقاله في النوادر (٨).

стр. 932

قوله: (وَلَمْ يَنُبْ قَضَاءُ تَطَوُّعٍ عَنْ وَاجِبٍ) يريد: أن من تطوع بحج قبل الفرض ثم أفسده بالوطء فإنه يلزمه قضاؤه، ولم ينب له ذلك (١) عن حجة الإسلام إذا نوى به ذلك؛ لأن حجة القضاء مترتبة في ذمته وعليه حجة الفرض، وحجة واحدة لا تجزئ عن حجتين. قوله: (وَكُرِهَ حَمْلُهَا لِلْمَحْمَلِ (٢)) أي: أنه يكره للمحرم أن يحمل زوجته أو غيرها للمحمل، قال في كتاب محمد: وإن الناس ليتخذون سلالم (٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَلذَلِكَ اتُّخِذَتِ السَّلالِمُ) أي لأجل الكراهة المذكورة. قوله: (وَرُؤْيَةُ ذِرَاعَيْهَا لا شَعْرِهَا) قال مالك في كتاب محمد: ولا يلمس المحرم كفي امرأته تلذذًا، ويكره له (٤) أن يرى ذراعيها، ولا بأس أنه يرى شعرها (٥). قوله: (وَالْفَتْوَى في أُمُورِهِنَّ (٦)) هو معطوف على قوله: (لا شعرها) أي: وكذلك لا يكره الفتوى في أمور النساء، وقاله مالك في الموازية (٧). (المتن) وَحَرُمَ بِهِ وَبِالْحَرَمِ مِنْ (٨) نَحْوِ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ خَمْسَةٌ لِلتَّنْعِيمِ، وَمِنَ الْعِرَاقِ ثَمَانِيَةٌ لِلْمَقْطَعِ، وَمِنْ عَرَفَةَ تِسْعَةٌ، وَمِنْ جُدَّةَ عَشْرَةٌ لآخِرِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَيَقِفُ سَيْلُ الْحِلِّ دُونَهُ تَعَرُّضُ بَرِّيٍّ، وَإِنْ تَأَنَّسَ أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ، (الشرح) أي: وحرم بالإحرام، يريد بحج أو عمرة التعرض إلى قتل صيد بري وإن كان متأنسًا أو لم يؤكل، فاحترز بالبري من البحري فإن صيده للمحرم جائز. ابن شاس: وأما البري فيحرم إتلاف جميعه ما أكل لحمه وما لم يؤكل كان متأنسًا أو متوحشًا مملوكًا أو مباحًا (٩)، ولما كان المكان الذي يحرم فيه الاصطياد

стр. 933

على المحرم (١) وغيره محدودًا أشار إلى بيانه على ما رواه مالك عن عمر (٢) ﵁ في تحديد معالم الحرم، قال في الموازية (٣): وحده مما يلي المدينة نحو من أربعة أميال إلى منتهى التنعيم، ومما يلي العراق ثمانية أميال إلى مكان يقال له المقطع، ومما يلي عرفة تسعة أميال، ومما يلي طريق اليمن سبعة أميال إلى موضع يقال له آضاة، ومما يلي جدة عشرة أميال إلى منتهى الحديبية، قال: والحديبية في الحرم، وقال ابن القاسم: سمعت أن الحرم يعرف بأن لا يجري (٤) سيل من الحل فيدخل الحرم، وإنما يخرج السيل من الحرم إلى الحل وهو يجري من (٥) الحل فإذا انتهى إلى الحرم وقف ولم يدخل الحرم إلا سيل الحرم، نقله في النوادر (٦)، وهو معنى قوله هنا: (وَيَقِفُ سَيْلُ الحلِّ دُونَهُ). (المتن) أَوْ طَيْرَ مَاءٍ وَجُزْئِهِ وَبَيضِهِ، وَلْيُرْسِلْهُ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ، وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ لا بِبَيْتِهِ، وَهَلْ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ؟ تَأْوِيلانِ. فَلا يَسْتَجِدُّ مِلْكَهُ وَلا يُسْتَوْدَعُهُ، وَرُدَّ إِنْ وُجِدَ مُودِعَهُ وَإلَّا بُقِّيَ، وَفِي صِحَّةِ شِرَائِهِ قَوْلانِ، إِلَّا الْفَأْرَةَ وَالْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ مُطْلَقًا، وَغُرَابًا وَحِدَأَةً، وَفِي صَغِيرِهِمَا خِلافٌ، كَعَادِي سَبُعٍ كَذِئْبٍ إِنْ كَبُرَ، كَطَيْرٍ خِيفَ إِلَّا بِقَتْلِهِ، وَوَزَغًا لِحِلٍّ بِحَرَمٍ، كَأَنْ عَمَّ الْجَرَادُ فَاجْتَهَدَ، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ، وَفِي الْوَاحِدَةِ حَفْنَةٌ، وَإِنْ فِي نَوْمٍ: وَالْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ، وَإِنْ لِمَخْمَصَةٍ وَجَهْلٍ وَنِسْيَانٍ، (الشرح) قوله: (أوْ طَيْرِ مَاءٍ وَجُزئِهِ وَبَيْضِهِ) أي: وكذلك يحرم عليه أن يتعرض لطير الماء، قال في المدونة: وإن أصاب شيئًا منه فعليه جزاؤه (٧)، وقال في الجواهر: ويحرم التعرض لأجزائه وبيضه (٨). قوله: (وَلْيُرْسِلْهُ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ) هذا قريب من قوله في المدونة: ومن أحرم ومعه

стр. 934

صيد (١) بيده يقوده أو في قفص معه فليرسله ثم لا يأخذه حتى يحل، فإن أرسله من يده حلالًا أو حرامًا لم يضمن شيئًا؛ لأن ملكه زال عن الصيد بإحرامه (٢)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ) وهو المشهور خلافًا لابن القصار والأبهري، وقيل: ليس عليه إرساله. قوله: (لا بِبَيْتِهِ) أي: فلا يجب على من أحرم وفي بيته صيد أن يرسله ولا شيء عليه، وقاله في المدونة (٣)، واختلف هل هو على إطلاقه وهو رأي ابن يونس أو هو مقيد بما إذا لم يحرم من بيته، فإن (٤) أحرم من بيته وجب عليه أن يرسله كما قال (٥) في القفص (٦)، وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وَهَلْ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ؟ تَأْوِيلانِ) أي: من بيته أو بشرط ألا يحرم منه تأويلان. قوله: (فَلا يَسْتَجِدُّ مِلْكَهُ) أي: فإن أبقى الصيد بيده بعد إحرامه حتى حل فليس له أن يتملكه، وهو معنى قوله: (فلا يستجد ملكه)، ويحتمل أن يريد أن المحرم لا يجوز له في حال إحرامه استحداث ملك الصيد. ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من وهب له صيد في حال إحرامه لا يجوز له قبوله ولا شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه (٧). قوله: (وَلا يُسْتَوْدَعُهُ) أي: ولا يجوز للمحرم أن يأخذ صيدًا وديعة عنده لغيره، فإن استودعه وجب عليه إرساله وضمن لربه قيمته، ولو أحرم وبيده صيد وديعة رده لصاحبه إن وجده فإن لم يجد صاحبه أبقاه بيده، وإليه أشار بقوله: (وَرُدَّ إِنْ وَجَدَ مُودِعَهُ وَإلا بَقِيَ) قال في الموازية (٨): وإن أرسله ضمن (٩).

стр. 935

قوله: (وَفي صِحَّةِ اشْتِرَائِهِ قَوْلانِ) يريد (١): إنما هذا بعد الوقوع، وإلا (٢) فقد تقدم أن ابن عبد البر حكى الإجماع على عدم جواز شراء المحرم الصيد في حال إحرامه؛ أي: فلو تعدى واشتراه فهل شراؤه صحيح أم فاسد؟ قولان. قوله: (إِلا الْفَأْرَةَ وَالحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ مُطْلَقًا، وَغُرَابًا، وَحِدَأَةً) وهذا (٣) مستثنى من قوله: (حرم بالحرم والإحرام تعرض بري)؛ أي: إلا ما ورد في الصحيحين مما يباح قتله في الحل والحرم، وهي: الفأرة وما بعدها، وقد روي أنه ﵇ قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" (٤)، خرجه الصحيحان، وقوله: (مُطْلَقًا) أي: أنه لا فرق في الفأرة والحية والعقرب بين الكبير والصغير؛ لأن صغيرها (٥) يؤذي ككبيرها (٦). قوله: (وَفي صَغِيرِهِمَا خِلافٌ) أي: صغير الغراب والحدأة، قال ابن راشد: والمشهور القتل (٧)؛ لعموم الحديث، وقال ابن هارون: المشهور المنع (٨). قوله: (كَعَادِي سَبُعٍ) أي: وكذلك لا يحرم قتل كل عادٍ (٩) من السباع كالأسد والنمر والفهد ونحوها مما يعدو، وهو المشهور حملًا لقوله ﵇: "والكلب العقور" على ذلك، وقيل: المراد الكلب الإنسي. الباجي: ولم يختلف قول مالك في الأسد والفهد والنمر أنه يجوز قتلها، واختلف قوله في الذئب، فروي عنه إباحة ذلك، وعنه منعه (١٠)،

стр. 936

وإليه أشار بقوله: (كَذِئْبٍ). قوله: (إِنْ كَبُرَ) يعني أن الذئب الذي روي عن (١) مالك إباحة قتله إنما هو إذا كان كبيرًا؛ لأنه الذي يحصل منه الأذى غالبًا، وأما الصغير فلا يقتل على مذهب المدونة (٢)، وعن ابن القاسم الكراهة، وقال أشهب: يقتل (٣). قوله: (كَطَيْرٍ خِيفَ، إِلا بِقَتْلِهِ) أي: وكذا يقتل الطير إذا عدا عليه وخيف من إذايته (٤) ولا تندفع إلا بقتله، وقال أشهب: عليه في الطير الفدية (٥). قوله: (وَوَزَغًا لِحِلٍّ بِحَرَمٍ) أي: وكذلك يجوز للحلال أن يقتل الوزغ في الحرم، وفهم من تخصيصه جواز القتل بالحلال أن المحرم يمنع من ذلك، وقاله مالك (٦). قوله: (كَأَنْ عَمَّ الْجَرَادُ) أي: ولا يستطاع دفعه، قال في المختصر: ولا شيء على من أصاب منه حينئذٍ شيئًا ولو أطعم شيئًا من الطعام كان أحسن (٧). قوله: (فَاجْتَهَدَ (٨)) أي: في التحفظ منه. قوله: (وَإلا فَقِيمَتُهُ) أي: وإن لم يكثر الجراد ولا مشقة فيه فعليه ضمانه إذا قتله وهو المراد بالقيمة. قوله: (وَفي الْوَاحِدَةِ حَفْنَةٌ) أي: من الطعام بيد واحدة، وهو معنى قوله في الموازية: قبضة (٩). قوله: (وَإنْ في نَوْمٍ) أي: إذا تقلَّب عليه في نومه فقتله فعليه جزاؤه. قوله: (وَالجَزَاءُ بِقَتلِهِ، وَإنْ لِمَخْمَصَةٍ) الضمير في (بقتله) عائد على الصيد المفهوم من السياق؛ أي: ويجب الجزاء بقتل الصيد وإن كان السبب في ذلك حصول مخمصة

стр. 937

ومجاعة، وقاله في الجواهر (١) وغيرها، وحكى اللخمي قولًا بعدم الجزاء (٢). وأشار بقوله: (وَجَهْلٍ وَنِسْيَانٍ) إلى أن حكم الجهل والنسيان والعمد في قتل الصيد وإتلافه في الجزاء واحد؛ يريد: إلا في الإثم، وعن ابن عبد الحكم: أن لا جزاء (٣) في غير العمد (٤). (المتن) وَتَكَرَّرَ كَسَهْمٍ مَرَّ بِالْحَرَمِ، وَكَلْبٍ تَعَيَّنَ طَرِيقُهُ، أَوْ قَصَّرَ فِي رَبْطِهِ، أَوْ أَرْسَلَ بِقُرْبِهِ فَقَتَلَ خَارِجَهُ، وَطَرْدِهِ مِنْ حَرَمٍ، وَرَمْيٍ مِنْهُ أَوْ لَهُ، وَتَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ، وَجَرْحِهِ وَلَمْ يتَحَقَّقْ سَلامَتَهُ، وَلَوْ بِنَقْصٍ، وَكَرَّرَ إنْ أَخْرَجَ لِشَكٍّ ثُمَّ تُحُقِّقَ مَوْتَهُ، كَكُلٍّ مِنَ الْمُشْتَرِكِينَ، وَبِإرْسَالٍ لِسَبُعٍ، أَوْ نَصْبِ شَرَكٍ لَهُ، وَبِقَتْلِ غُلامٍ أُمِرَ بِإفْلاتِهِ فَظَنَّ الْقَتْلَ، وَهَلْ إِنْ تَسَبَّبَ السَّيِّدُ فِيهِ أَوْ لا؟ تَأْوِيلانِ. (الشرح) قوله: (وَتَكَرَّرَ) أي أن الجزاء يتكرر بحسب (٥) تكرار الموجب، وهو المشهور خلافًا لابن عبد الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] أي: في الآخرة أو يعفو عنه. قوله: (كَسَهْمٍ مَرَّ بالْحَرَمِ) أي: وكذلك يجب الجزاء على من رمى صيدًا وهما في الحل إلا أن السهم قطع أطراف (٦) الحرم، ثم خرج إلى الحل فقتل الصيد فيه، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: لا جزاء (٧). قوله: (وَكَلْبٍ تَعَيَّن طَرِيقُهُ) أي: وكذلك يجب الجزاء على من أرسل كلبًا على صيد في الحل فدخلا معًا في الحرم ثم خرجا منه فأدركه في الحل فقتله فيه، وقيد وجوب الجزاء بما إذا لم يكن للكلب طريق سوى الحرم كما قال: (تعين طريقه)؛ لأن الرامي حينئذٍ منتهك حرمة الحرم، فإن كان له طريق من غير الحرم فلا شيء عليه لعدم الانتهاك.

стр. 938

قوله: (أَوْ قَصَّرَ في رَبْطِهِ) يريد أنه إذا كان محرمًا أو هو في الحرم ومعه كلب أو جارح يصيد به فانفلت من يده فقتل صيدًا، وقد كان قصر في رباطه أولًا، فعليه الجزاء، وإن لم يقصر فلا شيء عليه. قوله: (أَوْ أُرْسِلَ بِقُرْبِهِ فَقَتَلَ خَارِجَهُ) الضمير في (بِقُرْبِهِ) و (خَارِجَهُ) عائد على الحرم، ولا بد من حذف في كلامه ومعناه: وكذلك يجب عليه الجزاء إذا أرسل جارحه بقرب الحرم (١) فدخل ثم خرج فقتل الصيد خارجه، لأنه منتهك حرمة الحرم. قوله: (وَطَرْدِهِ مِنْ حَرَمٍ) وهذا وما بعده معطوف على قوله: (وَالجَزَاءُ بِقَتْلِهِ) أي: ويجب الجزاء بطرد الصيد من الحرم إلى الحل، وقاله في المدونة (٢)، يريد إذا كان الصيد لا يمكنه النجاة بنفسه؛ لأنه أخرجه من مأمنه وعرضه للتلف، فإن كان ينجو بنفسه فلا شئ عليه. قوله: (وَرَمْيٍ (٣) مِنْهُ أَوْ لَهُ) أي: وكذلك يجب الجزاء إذا كان في الحرم فرمى صيدًا في الحل أو العكس، وهو معنى قوله: (أو له) أي: رمى من الحل للحرم، وقاله في المدونة (٤)، وقال أشهب وعبد الملك: إذا رمى صيدًا من الحل وهو في الحرم فلا جزاء عليه (٥). قوله: (وَتَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ) كما إذا نتف ريشه فمات، أو حبسه فمات، أو نفَّره (٦) فهلك ونحو ذلك في المدونة (٧). قوله: (وَجَرْحِهِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ سَلامَتَهُ) كما إذا جرحه وغاب عنه، وقاله في المدونة (٨)،

стр. 939

وقال عبد الملك: لا شيء عليه (١)؛ لأن الأصل براءة الذمة، أما إذا أُنْفِذَتْ مقاتله فلا خلاف في الجزاء؛ لأنه حينئذٍ في حكم الميت، واختلف إذا أيقن لحاقه بنقص فالمشهور وهو مذهب المدونة: لا شيء عليه (٢)، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ بِنَقْصٍ) أي: ولا شيء عليه إن تحقق سلامته ولو مع نقص، وقال محمد: يلزمه ما بين القيمتين (٣)، فيقوَّم صحيحًا مثلًا بعشرة أمداد ومعيبًا بثمانية فيغرم مُدَّين وهو ما بين القيمتين. قوله: (وَكَرَّرَ إِنْ أَخْرَجَ لِشَكٍّ، ثُمَّ تَحَقَّقَ مَوْتَهُ) يريد فإن جرح صيدًا وغاب عنه، ولم يتحقق سلامته فأخرج جزاءه وهو على شك، ثم ثبت أنه مات بعد الإخراج فإنه يخرج ثانيًا، وهو مراده بالتكرار (٤)، واقتضى كلامه أنه لو بقي على شكه (٥) لم يكن عليه جزاءٌ ثانٍ. قوله: (كَكُلٍّ مِنَ المُشْتَرِكِينَ) أي: وكذلك يتكرر الجزاء إذا اجتمع على قتل الصيد اثنان فأكثر ويكون على كل واحد جزاء كامل وهو المشهور، وفي الذخيرة قول باتحاد الجزاء (٦) كمذهب الشافعي (٧). قوله: (وَبِإرْسَالٍ لِسَبُعٍ) أي: وكذا يترتب الجزاء على من أرسل كلبًا أو بازيًّا على ما يجوز قتله كالسبع والنمر والذئب ونحو ذلك فقتل صيدًا، وهو مذهب المدونة (٨)، وقال أشهب: لا جزاء عليه (٩). اللخمي: وهو أبين (١٠). قوله: (أَوْ نَصْبِ شَرَكٍ لَهُ) أي: وكذا يترتب عليه الجزاء إذا نصب شركًا للسبع

стр. 940

ونحوه فوقع فيه صيد فعطب، وقاله في المدونة، وقال سحنون: لا جزاء لأنه فعل ما يجوز له (١). وقال أشهب: إن كان موضعًا يتخوف فيه على الصيد وداه وإلا فلا شيء عليه، واختاره ابن المواز (٢). قوله: (وَبِقَتْلِ غُلامٍ أُمِرَ بِإفْلاتِهِ فَظَنَّ الْقَتْلَ) هذه مسألة المدونة وهي إذا أمر المحرم عبده أن يرسل صيدًا كان معه فظن العبد أنه أمره بذبحه فذبحه، فعلى السيد الجزاء قال فيها: وإن كان العبد محرمًا فعليه الجزاء أيضًا ولا ينفعه خطؤه (٣). اللخمى: والأحسن ألا شيء على السيد كان العبد حلالًا أو حرامًا؛ لأن الخطأ من العبد (٤). قوله: (وَهَلْ إِنْ تَسَبَّبَ السَّيِّدُ فِيهِ أَوْ لا؟ تَأْوِيلانِ) أي: وهل وجوب الجزاء على السيد مشروط بأن يكون هو المتسبب للعبد في أخذ الصيد، وإليه ذهب ابن الكاتب قال: وأما إن صاده العبد بغير إذنه فلا شيء على السيد إذ لم يفعل إلا خيرًا، أو ذلك (٥) مطلقٌ، وإليه ذهب ابن محرز (٦)؟ (المتن) وَبِسَبَبٍ وَلَوِ اتَّفَقَ، كَفَزَعِهِ فَمَاتَ، وَالأَصَحُّ وَالأَظْهَرُ خِلافُهُ، كَفُسْطَاطِهِ وَبِئْرٍ لِمَاءٍ، وَدِلالَةِ مُحْرِمٍ أَوْ حِلٍّ، وَرَمْيِهِ عَلَى فَرْعٍ أَصْلُهُ بِالْحَرَمٍ، أَوْ بِحِلٍّ وَتَحَامَلَ فَمَاتَ بِهِ، إِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، وَكَذَا إِنْ لَم يُنْفَذْ عَلَى الْمُخْتَارِ، أَوْ أمْسَكَهُ لِيُرْسِلَهُ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ، وإلَّا فَعَلَيْهِ، وَغَرِمَ الْحِلُّ لَهُ الأَقَلَّ، وَلِلْقَتْلِ شَرِيكَانِ. وَمَا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ صِيدَ لَهُ مَيْتَةٌ، كَبَيْضِهِ وَفِيهِ الْجَزَاءُ، إِنْ عَلِمَ وَأَكَلَ، لا فِي أَكْلِهَا، وَجَازَ مَصِيدُ حِلٍّ لِحِلٍّ وَإنْ سَيُحْرِمُ، وَذَبْحُهُ بِحَرَمٍ مَا صِيدَ بِحِلٍّ، وَلَيْسَ الإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ بِصَيْدٍ، بِخِلافِ الْحَمَامِ. (الشرح) قوله: (وَبِسَبَبٍ وَلَوِ اتَّفَقَ كَفَزَعِهِ فَماتَ) هذا هو السبب الاتفاقي، وهو ألا يقصد إلى قتل

стр. 941

الصيد ألبتة، وإنما اتفق إهلاكه من غير شعور كما إذا رآه الصيد ففزع منه فمات أو فر فعطب فعليه الجزاء، قاله في المدونة (١)، وقال أشهب: لا جزاء (٢) عليه. أبو إسحاق: وهو الصواب، واختاره ابن المواز وهو أظهر (٣)، ولا تكون حرمته أعظم من حرمة الآدمي (٤)، وإليه أشار بقوله: (وَالأَصَحُّ وَالأَظْهَرُ خِلافُهُ) أي: خلاف قول ابن القاسم. قوله: (كَفُسْطَاطِهِ وَبِئْرٍ لِمَاءٍ) أي: فإنه لا جزاء عليه بسببهما، وقاله ابن القاسم (٥) وأشهب (٦). قوله: (وَدِلالَةِ مُحْرِمٍ أَوْ حِلٍّ) أي: وكذا لا جزاء على من دل غيره على صيد فقتله (٧) سواء كان الدال حلالًا أو حرامًا، وقاله في المدونة (٨)، وحكى ابن المواز عنه أنه قال: إذا دل المحرم محرمًا على صيد فقتله فعلى كل واحد منهما جزاء، وإن دل حلالًا فليستغفر الله ولا شيء عليه، والأشبه أن عليه الجزاء إذا دل حلالًا (٩)، وقال ابن وهب: هو أحب إليَّ (١٠). قوله: (وَرَمْيِهِ عَلَى فَرْعٍ أصْلُهُ بِالحَرمِ) أي: وكذلك لا جزاء على من رمى (١١) صيدًا على فرع في الحل أصله في الحرم، وهو مذهب المدونة (١٢)؛ لأنه إنما صاد في الحل، وقال عبد الملك: عليه الجزاء (١٣). قوله: (أوْ بِحِلٍّ وتَحَامَلَ فَماتَ بِهِ، إِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ) أي: وكذلك لا جزاء على من رمى

стр. 942

صيدًا في الحل فتحامل حتى دخل الحرم فمات فيه إن كان قد أنفذ مقتله، وهذا مما لا إشكال فيه. اللخمي: اختلف إذا لم ينفذ مقاتله، فقال أشهب: يؤكل (١)، وقال أصبغ: لا يؤكل ولا جزاء عليه (٢)، قال: وقول أشهب أبين؛ لأنه إنما مات من تلك الرمية بالحضرة فكانت مقتلًا (٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَكَذَا إِنْ لَمْ يُنْفَذْ عَلَى المُخْتَارِ) وقال التونسي: الأشبه أن عليه الجزاء ولا يؤكل (٤). قوله: (أَوْ أَمْسَكَهُ ليُرْسِلَهُ إِنْ قتَلَهُ مُحْرِمٌ) أي (٥): وكذلك لا جزاء على المحرم إذا أمسك صيدًا ليرسله فقتله محرم، يريد: وعلى المحرم (٦) الجزاء، قاله في المدونة (٧)، واحترز بقوله: (ليرسله) (٨) مما إذا أمسكه للقتل فإن عليه الجزاء، وبقوله: (محرم) مما إذا قتله حلال فإن الجزاء على الممسك، وإليه أشار بقوله: (وَإلا فَعَلَيْهِ) وقال سحنون: لا شيء عليه. قوله: (وَغَرِمَ الحِلُّ لَهُ الأَقَلَّ) (٩) أي: فإن أمسكه للقتل فقتله حلال فعلى القاتل القيمة ما لم تكن أكثر من الجزاء فلا يلزمه إلا الجزاء؛ لأن المحرم يقول: كنت أقدر على السلامة بإطلاقه (١٠) فعليك ما أدخلت عليَّ بقتله. وقال أشهب: على كل واحد منهما جزاء إن كان في الحرم ويغرم الحلال قيمته للمحرم، وإن كان في الحل غرم له قيمته والجزاء على المحرم وحده (١١)، وإليه أشار بقوله: (وَلِلْقَتْلِ شَرِيكَانِ) أي: في الجزاء.

стр. 943

قوله: (وَمَا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ صِيدَ لَهُ مَيْتَةٌ (١)) أي: فلا يأكله حلال ولا حرام، وعن ابن القاسم: إن كان عالمًا أنه صيد من أجله أو من أجل محرم سواه فالجزاء عليه؛ وإن لم يعلم فلا شيء عليه (٢)، وقال أصبغ: لا جزاء (٣) عليه وإن صيد من أجله وعلم (٤). قوله: (كَبَيْضِهِ) أي: كبيض الصيد فإنه إذا أخذه المحرم أو أخذ من أجله فهو ميتة لا يؤكل لحلال ولا لحرام، وهو مذهب الجمهور. قوله: (وَفِيهِ الجَزَاءُ، إِنْ عَلِمَ وَأَكَلَ (٥)) هو مقيد بما صيد للمحرم؛ يعني: فإن صيد لأجل المحرم فعلم به وأكل فإن عليه الجزاء؛ لأن الصائد (٦) إنما اصطاده لأجله، وقد تقدم ما في ذلك. قوله: (لا في أَكْلِهَا) أي: أكل الميتة فلا يترتب عليه بأكلها جزاء ئانٍ وهو المشهور. قوله: (وَجَازَ مَصِيدُ حِلٍّ لِحِلٍّ) لا إشكال في ذلك إذا صيد (٧) في غير الحرم. ابن شاس: ولا بأس بأكل المحرم من لحم صيد صاده الحلال لنفسه أو لحلال (٨). قوله: (وَإِنْ سَيُحْرِمُ) يريد أن الحكم في ذلك الجواز وإن كان الذي صيد من أجله يريد أن يحرم بعد ذلك. قوله: (وَذَبْحُهُ بِحَرَمٍ مَا صِيدَ بِحِلٍّ) أي: يجوز للمحرم (٩) أن يذبح في الحرم ما صيد في الحل، وقاله في المدونة (١٠). قوله: (وَلَيْسَ الإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ بِصَيْدٍ) أي: فللمحرم وغيره أن يذبحه في الحرم وغيره.

стр. 944

قوله: (بِخِلافِ الحَمَامِ) أي: فإنه يكره ذبحها قاله مالك (١)، وهل الكراهة على المنع أو على بابها؟ قولان. (المتن) وَحَرُمَ بِهِ قَطْعُ إِلَّا الإِذْخِرَ وَالسَّنَا، كَمَا يُسْتَنْبَتُ، وَإِنْ لَمْ يُعَالَجْ، وَلا جَزَاءَ، كَصَيْدِ الْمَدِينَةِ بَيْنَ الْحِرَارِ، وَشَجَرِهَا بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ، وَالْجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ بِذَلِكَ، مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ، أَوْ إِطْعَامٌ بِقِيمَةِ الصَّيدِ يَوْمَ التَّلَفِ بِمَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَبِقُرْبِهِ. وَلا يُجْزِئُ بِغَيْرِهِ وَلا زَائِدٌ عَلَى مُدٍّ لِمِسْكِينٍ؛ قَالَ إِلَّا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فَتَأْوِيلانِ. أَوْ لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ، وَكَمَّلَ لِكَسْرِهِ: فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ وَالْفِيلُ بِذَاتِ سَنَامَيْنِ، وَحِمَارُ الْوَحْشِ، وَبَقَرُهُ بَقَرَةٌ وَالضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ شَاةٌ كَحَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهِ بِلا حُكْمٍ، (الشرح) قوله: (وَحَرُمَ بِهِ) أي: بالحرم قطع ما ينبت بنفسه؛ أي: ما عادته أن يطلع من غير صنع أدمي ولا معالجة. قوله: (إِلا الإِذْخِرَ وَالسَّنَا) أي: فلا يحرم قطعهما، معناه ولا يكره لما جاء في الحديث (٢). قوله: (كَمَا يُسْتَنْبَتُ) أي: فلا يحرم قطعه أيضًا كشجر الرمان والخوخ ونحوهما

стр. 945

والبقول والسلق والخس (١) وغير ذلك مما ينبت بالعلاج والصنعة، وأشار بقوله: (وَإِنْ لَمْ يُعَالَجْ) إلى أن ما كان عادته أن يستنبت فاتفق أنه طلع بنفسه من غير علاج فإن حكمه حكم غالبه ويجوز قطعه نظرًا إلى الجنس، وحكم العكس على العكس من ذلك. قوله: (وَلا جَزَاءَ) أي: ويستغفر الله، قاله في المدونة (٢). قوله: (كَصَيْدِ المَدِينَةِ بَيْنَ الحِرَارِ، وَشَجَرِهَا بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ) يعني أن صيد المدينة يحرم في حرمها كما يحرم قطع شجر حرم مكة ولا جزاء فيه، كما أنه لا جزاء في الشجر ونحوها على ما سبق، والتشبيه بين صيد (٣) حرم المدينة وقطع شجر حرم مكة في تحريم الصيد وعدم الجزاء، وكذلك حكم شجر المدينة، وهو مراده (٤) بقوله: (وشجرها)، والأصل في تحريم صيد المدينة وشجرها ما في الصحيح أنه ﵊ قال: "إني لأحرم ما بين لابَتَي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها" (٥)؛ أي: بين الحِرَار الأربع، وإليه أشار بقوله: (بين الحرار). ابن حبيب: إنما هذا في الصيد وأما في قطع الشجر فبريد في بريد (٦)، وقاله غيره ونص عليه مالك أيضًا (٧)، وإليه أشار بقوله (٨): (وَشَجَرِهَا بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ) والمشهور ما قدمناه أن لا جزاء في صيد المدينة خلافًا لابن نافع، وعليه فيحرم أكله، وروى أشهب فيه الكراهة (٩).

стр. 946

قوله: (وَالجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ بذَلِكَ) الأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقوله: (فقيهين) أَي: بذلك؛ إذ (١) لا يشترط أن يكونا فقيهين بجميع أبواب الفقه. قوله: (مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ) الضمير عائد على الصيد؛ أي: والجزاء مثل الصيد، والمراد ما قاربه في الصورة والقدر، ولهذا كان في النعامة بدنة (٢) لقربها منها صورة وقدرًا، فإن لم يوجد مثله في القدر والصورة فالقدر كافٍ. قوله: (أَوْ إِطعَامٌ) يشير إلى أن ذلك على التخيير، وهو قوله (٣) تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]. قوله: (بقِيمَةِ الصَّيْدِ) أي أن المقوَّم هو الصيد المقتول لا عدله، فيقال: كم يساوي هذا الظبي (٤) الذي وجب فيه الجزاء؟ فإذا قيل عشرة أمداد من الحنطة أعطي ذلك للفقراء. قوله: (يَوْمَ التَّلَفِ) أي: أن القيمة إنما تعتبر يوم التلف وهو الأصح، وقيل: يوم القضاء، وقيل: الأكثر من القيمتين (٥) من يوم القضاء إلى يوم الإتلاف. قوله: (بِمَحَلِّهِ) أي: محل الإتلاف؛ يريد: إذا كان له هناك قيمة، فإن لم يكن له (٦) قيمة فالمعتبر أقرب الأماكن إلى محل الإتلاف، وإليه أشار بقوله: (وَإلا فَبِقُرْبِهِ) كسائر المتلفات. قوله: (وَلا يُجْزِئُ بِغَيْرِهِ) يعني: أنه مطلوب ابتداء بأن يخرج بمحل التقويم، فإن أخرجه في غيره فمذهب المدونة عدم الإجزاء، ومذهب الموطأ الإجزاء. قوله: (وَلا زَائِدٌ عَلَى مُدٍّ لِمِسْكِينٍ (٧)) أي: لا يجزئ ذلك، وهو ظاهر الموطأ (٨)

стр. 947

والمدونة (١). قوله: (قَالَ (٢) إِلا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فتَأْوِيلانِ) (٣) قال محمد: إن أصاب الصيد بمصر فأطعم في المدينة أجزأه بخلاف العكس (٤)، واختلف هل هو تفسير أو خلاف؛ وإليه أشار بقوله: (إِلا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فتَأْوِيلانِ) وقال أصبغ: يجزئ حيث شاء إذا أخرج (٥) على سعر البلد المحكوم فيه (٦). قوله: (أوْ لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ وَكَمَّلَ لِكَسْرِهِ) هكذا قال في المدونة: وإنما وجب في كسر المد يوم (٧)؛ لأنه لا يمكن إلغاؤه، ولا يتبعض الصوم فلم يبقَ إلا جبره بالإكمال كالأيمان في القسامة. قوله: (فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ) هذا مما لا إشكال فيه؛ لأن البدنة تقارب النعامة في القدر والصورة، وتقدير كلامه فالنعامة فيها (٨) بدنة أو نظيرتها بدنة، أو ففي النعامة بدنة. قوله: (وَالْفِيلُ بِذَاتِ سَنَامَيْنِ) أي: وكذلك في الفيل بدنة ذات سنامين وهي البدنة الخراسانية، وقيل: قيمته طعامًا لغلاء عظامه ولا ينظر إلى شبع لحمه. قوله: (وَحِمَارُ الْوَحْشِ وَبَقَرُهُ بَقَرَةٌ) أي: وفي كل من حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة. ابن شاس: وكذلك في الإبل بقرة (٩). قوله: (وَالضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ شَاةٌ) أي: وفي الضبع شاة، وكذلك في الثعلب شاة، ولم يذكر ابن شاس في الضبع (١٠) خلافًا في ذلك (١١)، وحكى في الثعلب قولين أحدهما: أن

стр. 948

فيه شاة، والآخر: قيمته طعامًا أو يصوم (١). قوله: (كَحَمَامِ مَكَّةَ) أي: فإن فيه شاة لقضاء عثمان ﵁ (٢) بذلك، فإن لم توجد الشاة فقال مالك وعبد الملك: لا يخرج طعامًا بل يصوم عشرة أيام، وقال أصبغ: إن شاء صام أو أطعم قدر ما تُشْبع الشاة من الطعام، وإن أحب صام لكلِّ مدٍّ يومًا (٣). قوله: (وَالْحَرَمِ) أي: وكذلك في حمام الحرم شاة وهو المشهور، وقاله مالك وابن الماجشون وأصبغ وهو مذهب المدونة (٤)، وقال ابن القاسم: فيه حكومة (٥). قوله: (وَيَمَامِهِ) أي: في يمام مكة والحرم شاة، وفي المدونة: واليمام مثل الحمام (٦). قوله: (بِلا حُكْمٍ) أي: فلا يحتاج في حمام مكة والحرم ولا في يمامهما (٧) إلى حُكْمِ حَكَمَيْن كغيرهما؛ لأن ذلك من باب الديات التي تَقَرَّرَ (٨) حكمها فلا يحتاج إلى إنشاء حكم في كل واقعة بل يقتصر فيه على ما ورد. (المتن) وَلِلْحِلِّ وَضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعٍ وَجَمِيعِ الطَّيرِ الْقِيمَةُ طَعَامًا، وَالصَّغِيرُ وَالْمَرِيضُ وَالْجَمِيلُ كَغَيْرِهِ، وَقُوِّمَ لِرَبِّهِ بِذَلِكَ مَعَهَا، وَاجْتَهَدَا، وَإنْ رُوِيَ فِيهِ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ فَتَأْوِيلانِ. وَإِنِ اخْتَلَفَا ابْتُدِئَ، وَالأَوْلَى كَوْنُهُمَا بِمَجْلِسٍ، وَنُقِضَ إِنْ

стр. 949

تَبَيَّنَ الْخَطَأُ. وَفِي الْجَنِينِ وَالْبَيْضِ عُشْرُ دِيَةِ الأُمِّ وَلَوْ تَحَرَّكَ، وَدِيَتُهَا إِنِ اسْتَهَلَّ، وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ وَالصَّيْدِ مُرَتَّبٌ هَدْيٌ، وَنُدِبَ إِبِلٌ فَبَقَرٌ، ثُمَّ صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَصِيَامُ أَيَّامِ مِنًى بِنَقْصٍ بِحَجٍّ إِنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى وَلَمْ تُجْزِئْ إِنْ قُدِّمَتْ عَلَى وُقُوفِهِ، كَصَوْمٍ أَيْسَرَ قَبْلَهُ، أَوْ وَجَدَ مُسَلِّفًا لِمَالٍ بِبَلَدِهِ، (الشرح) قوله: (وَلِلْحِلِّ وَضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعِ وَجَمِيعِ (١) الطَّيْرِ الْقِيمَةُ طَعَامًا) أي: والواجب في حمام الحل وما ذكره معه القيمة طعامًا، وقد نص فى المدونة على ذلك فى الضب واليربوع والأرنب وشبهه (٢)، وقال ابن وهب: فى الضب شاة (٣)، وقاله أيضًا مالك في اليربوع والأرنب (٤). قوله: (وَالصَّغِيرُ وَالمَرِيضُ وَالجَمِيلُ كَغَيْرِهِ) يريد أن الصغير من الصيد (٥) كالكبير والمريض كالسليم (٦) والجميل كغيره (٧)، فقوله: (كغيره) أي: فى الثلاثة؛ يريد: وكذلك الأنثى كالذكر (٨). قوله: (وَقُوِّمَ لِرَبِّهِ بِذَلِكَ مَعَهَا) يشير إلى أن من قتل بازيًّا معلمًا أو غيره مما فيه منفعة شرعية فإنه يقوم لربه (٩) بما فيه من المنفعة فيعطي القيمة على ما هو عليه ويخرج الجزاء، وإلى هذا أشار بقوله: (معها) أي: مع القيمة التي وجبت جمعًا بين حق الله تعالى وحق الآدمي وهو المشهور، وقيل: لا جزاء عليه. قوله: (وَاجْتَهَدَ، وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ) الضمير فى الموضعين عائد على الجزاء، وأحدهما

стр. 950

متعلق بـ (اجتهد) والآخر بـ (روي)؛ أي أن الحكمين يجتهدان في الجزاء وإن روي فيه ما روي، قال في المدونة: ولا يكتفيان في الجزاء بما روي فيه وليبتدئا بالاجتهاد، ولا يخرجا باجتهادهما عن آثار من مضى (١)، يريد: مثل أن يخرجا عما وجب فيه القضاء ببدنة إلى شاة أو بالعكس. قوله: (وَلَهُ أَنْ يَنتقِلَ، إِلا أَنْ يَلْتَزِمَ فتَأْوِيلانِ) أي: إذا خيره الحكمان في المثل والإطعام والصيام فاختار أحدها فحكما عليه به، ثم أراد بعد حكمهما أن ينتقل إلى غيره فله ذلك، وهو مذهب المدونة قال فيها: وإن حكما عليه بالجزاء فأراد بعد حكمهما أن يرجع إلى الإطعام أو الصيام فحكما عليه به هما أو غيرهما فذلك له (٢)، واختلف هل ذلك على ظاهره أم لا؟ فقال ابن الكاتب: إنما قال "له أن ينتقل" لأنه ألزم نفسه ذلك قبل أن يعرفه، ولو أنهما حكما عليه بالجزاء من النعم (٣) أو الطعام، وعرف مبلغ ذلك لزمه ولم يكن له أن يعدل إلى غيره. ابن محرز: وخالفه غيره من شيوخنا وحملوا ما في الكتاب على ظاهره (٤)، وإلى هذا أشار بالتأويلين، وحكى ابن شعبان ثالثًا: أنه لا ينتقل ويلزمه ما حكما به عليه (٥). قوله: (وَإنِ اخْتَلَفَا ابْتُدِئَ) أي: إذا حكما ثم اختلفا فيما حكما به فإن غيرهما يبتدئ الحكم حتى يجتمعا على أمر واحد، وقاله في المدونة، قال في المدونة (٦): وليس له أن يأخذ بقول أرفقهما (٧)؛ أي: لأنه يصير كمن أخرج بقول واحد. اللخمي: ويجوز إذا ابتدأ غيرهما أن يكون أحدهما أحد الأولين. قوله: (وَالأَوْلَى كَوْنُهُما بِمَجْلِسٍ) أي: ليطلع كل منهما على حكم صاحبه، قاله محمد (٨). سند: ولا بد من لفظ الحكم والأمر بالجزاء، ولا تكفي الفتوى ولا يكون
следующие страницы →