← Акыда

Акыда · id 147315

الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة دراسة عقدية

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (593 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

خامساً: الحض على الوقوف عند حدود الله: تعاضدت نصوص الشريعة الغراء في الحض على الوقوف عند حدود الشرع دون إفراط أو تفريط، والحث على التمسك بها من غير غلو أو جفاء، والأمر بلزوم غرزها بلا وكس ولا شطط (١). ومن نظر إلى طرق أهل البدع في الاستدلال بالشرع عرف أنها لا تنضبط؛ لأنها سيالة لا تقف عند حد، فأهل البدعة والفرقة، عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والسنة -لذا فهم لا يقفون عند حدودهما-، ولكن اعتمادهم على أصولٍ ابتدعها شيوخهم في التوحيد والصفات والقدر والإيمان وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فحملوا الآيات مالا تحتمله عند السلف الصالح؛ فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما، ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى، والآيات والأحاديث التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن، فليس مقصودهم أن يفهموا مراد الله ومراد رسوله، بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج بها (٢). وكما تعددت النصوص الشرعية في النهي عن الزيادة عن الحد المشروع، فقد تكاثرت في مقابل ذلك النصوص الشرعية المحذرة من التهاون في الأوامر والنواهي، والتقصير في الشعائر والشرائع، فالأخذ بالنصوص جميعاً هو طوق النجاة من تعمق المتنطعة، ورخاوة المترخصة، وصمام الأمان من تفريط هؤلاء، وإفراط أولئك. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ الأعراف: ١٧٠، وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ الزخرف: ٤٣، وقال جل وعلا: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ الجاثية: ١٨، وقال : ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾ الأنعام: ١٠٦، وقال ﵎: ﴿وَاتْلُ (٣) مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ الكهف: ٢٧.

стр. 107

سادساً: تحقيق العبودية لله تعالى: ومن أهم معاني الوسطية، تحقيق العبودية لله التي خلق لها الثقلان، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ الأنبياء: ٩٢، وقال سبحانه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الأعراف: ٥٩، ولا تتحقق العبودية إلا بعبادة الله بما شرع دون إفراط ولا تفريط. فالوسطية قائمة على الاعتدال والتوسط ليتمكن العباد من عبادة ربهم على الوجه الأكمل، بحسب قدراتهم وإمكاناتهم في كل زمان ومكان. وهذا هو أعظم الغايات وأزكى المقاصد، وعليه قوام الدين، وبه ينال العبد ما عند الله من النعيم، ويظفر بجنة رب العالمين. وقد ذكر الله في كتابه عن خَوَاصِ عباده ما يوجب العلم بأن أفضل الرتب وأجلّ الكرامات تحقيق العبودية، وإخلاص العبادة، فوصف الله إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ النحل: ١٢٠، بهذه الصفات الجليلة التي هي أعلى درجات تحقيق التوحيد، ترغيباً في اتباعه في التوحيد، وتحقيق العبودية، فمن اتبعه في ذلك، فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب كما يدخلها إبراهيم ﵇؛ ووصف الله رسوله ﷺ بذلك في مقام الإسراء وفي مقام التحدّي، وفي مقام الدعوة، ومن توهَّم أن فوق العبادة وتحقيقها وإخلاصها رتبةً وفضلاً لأحد من العباد فهو من أضل الخلق وأجهلهم بالله وبحقه وما يجب له (١). وتحقيق العبودية الصادقة والتي هي من أعظم معاني الوسطية، تجعل من القلة المؤمنة في غزوة بدر قوة رهيبة قهرت عظائم الأحداث، وأصبحت قانوناً خالداً ينظم حياة المسلمين على أصول الرسالة الخاتمة، ويضيء أرواح وعقول الرجال المسلمين على مر العصور بالعبر المنهجية، فالصدق والإخلاص في العمل لله وحده لا شريك له يفتح بصيرة من وفقه الله

стр. 108

لسلوك الصراط المستقيم حتى يروا ما أعد الله تعالى لهم، وهم بعد أحياء يمشون على الأرض (١). سابعاً: الأمر بالدعوة إلى الصراط المستقيم: لم تأتِ آيات الوسطية للعلم فقط بل أتت للعلم والعمل، ومن العمل أن تدعو إلى الصراط المستقيم، قال الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النحل: ١٢٥. لذلك كانت حياة النبي ﷺ جهاداً في سبيل الدعوة الإسلامية بالحجة والبرهان في مجادلة الكفار على اختلاف الملل والأديان، ثم بالسيف والسنان بعد ظهور الحجة والبرهان، وكذلك كان أصحابه ﵃ من بعده ﷺ ، فقد كان بعض الصحابة على اطلاع واسع وعميق على الأديان، وبخاصة اليهودية والنصرانية، كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومسلمة أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وتميم الداري وسلمان الفارسي وغيرهم ﵃ (٢). إن دين الإسلام رسالة سماوية بعث الله بها جميع أنبيائه ورسله إلى الناس كافة بمختلف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وقبائلهم؛ ولهذا فرسالة الإسلام رسالة عالمية، امتدت طولاً حتى شملت كل الأزمان، وامتدت عرضاً حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقاً حتى استوعبت شئون الأولى والآخرة (٣). قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ سبأ: ٢٨. وبيان الوسطية والاعتدال الذي يوافق العقل الصريح والنقل الصحيح يرغب المدعوين للإسلام، فيؤثروه على غيره؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ الأنبياء: ١٠٧.

стр. 109

وإذا كان أهل الباطل يصبرون على باطلهم والدعوة إليه، بل الموت في سبيله، فأهل الوسطية الحقة ودعاتها أجدر وأحق بهذا الأمر، قال تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾ النساء: ١٠٤. ثامناً: الأمر بمدافعة الباطل وأهله: الصراع بين الحق والباطل (١) قديم قدم وجود البشر على وجه الأرض، ولن ينطفئ لهيبه ولن تخمد جذوته، فهو سنة من سنن الله في الكون (٢)، فهو صراع دائم حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ ولذا فنحن نشاهد النزاع يثور بين الحق والباطل، ويشتد بين الإيمان والكفر، ولكل اتجاه أعوانه وأنصاره، وسادته وكبراؤه؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ الفرقان: ٣١. وبقاء الباطل ليس علامة ولا دليلاً على صحته؛ وإنما هذا الإنظار رمز إلهي على أن ناموس الشر لا ينقضي من عالم الحياة الدنيا وأن نظامها قائم على التصارع بين الأخيار والأشرار (٣). فنزلت آيات الوسطية لتقرر لنا هذه الحقيقة (٤) وسَمَّت المتصارعين بألقابهم، ونطقت

стр. 110

بحقيقة انتصار الحق (١)، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ الأنبياء: ١٨، وقال: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾ الرعد: ١٧. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ التوبة: ٤٠. فآيات الوسطية فيها دعوة صريحة إلى القيام بتطبيق تعاليم الصراط المستقيم ونشرها والذود عنها. تاسعاً: أن أصحاب الصراط المستقيم أصحاب منهج واضح، بينما أهل البدع المتقابلة أصحاب مناهج مضطربة: أهل الإيمان إذا تنازعوا في شيء من مسائل الدين، سواءً دقه أوجله، خفيه أو جليه، ردوا ذلك كله إلى الله ورسوله، فلو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بيان ما تنازعوا فيه، لم يأمر الله بالرد إليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر الله تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع، وقد أجمع الناس على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته، وإلى سنته ﷺ بعد وفاته، وقد جعل الله هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين، فإنه من الطرفين، فكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر (٢). والواقع أن أهل الأهواء والبدع وقعوا في متناقضات عقلية تصرخ بشدة الغباء، أو شدة الجحود (٣)، فقد جعلوا القرآن عضين، فأقروا ببعض آيات القرآن، وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم لهم فيما أقروا به وأثبتوه، فخالفوا منهج

стр. 111

أهل الصراط المستقيم الواضح، ليتخبطوا في مناهجهم المضطربة، وصدق فيهم قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ الأنعام: ٤ - ٥. وقال ابن أبي العز الحنفي (١) ﵀ وصف حالهم: "جميع أهل البدع مختلفون في تأويل القرآن، فهم مؤمنون ببعضه دون بعض، يقرون بما يوافق رأيهم من الآيات، وما يخالفه: إما أن يتأولوه تأويلاً يحرفون فيه الكلم عن مواضعه، وإما أن يقولوا: [هذا متشابه لا يعلم أحد معناه، فيجحدون ما أنزله الله من معانيه] وهو في معنى الكفر بذلك؛ لأن الإيمان باللفظ بلا معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الجمعة: ٥، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ البقرة: ٧٨، أي: إلا تلاوة من غير فهم معناه. وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به، واشتبه عليه بعضه فوكل علمه إلى الله، كما أمره النبي ﷺ بقوله: ((فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه)) (٢)، فامتثل ما أمر به ﷺ " (٣). عاشراً: أن العدول عن الصراط المستقيم الذي أمر الله باتباعه، سبب الضلال والفرقة: قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ الأنعام: ١٥٣، وقال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يوسف: ١٠٨. وقال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ هود: ١١٢، أي: أن يستقيم كما (أُمر) لا كما (يُريد) وهو نبي، ولو كان لأحدٍ أن يستقيم كما يريد لكان محمد ﷺ (٤)، فكيف بمن دونه.

стр. 112

لذا فليست الوسطية منهجية السلامة والبحث عن الأسهل والتهاون في الدين، فالوسطية لا ترسمها الأذهان، ولكنها الحق الأصيل الذي جاء به النبي ﷺ ، وقضى أمرها الرحمن ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ البقرة: ١٤٣. قال ابن مسعود ﵁: "خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سُبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ الأنعام: ١٥٣" (١). فوُحِد لفظ صراط الله وسبيله، وجمعت السبل المخالفة له (٢)، ليدلنا هذا على أن الخروج مفارقة الوسطية مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام؛ لأنها تقتضي التفرق شيعاً، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ آل عمران: ١٠٥، وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام: ١٥٣، وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ الروم: ٣٢، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الأنعام: ١٥٩، وما أشبه ذلك من الآيات في هذا المعنى. وقد بين ﵊ أن فساد ذات البين هي الحالقة، وأنها تحلق الدين (٣). وجميع هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع (٤).

стр. 113

الحادي عشر: شهادة أهل الوسطية للأنبياء والرسل على أممها بالبلاغ: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ البقرة: ١٤٣، وقوله تعالى: ﴿وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الحج: ٧٨. "وجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أنه جعل هذه الأمة عدولاً خياراً ليشهدوا على الناس بأن رسلهم قد بلغوهم عن الله رسالته وأدوا إليهم ذلك وهذا يتناول شهادتهم على الأمم الماضية وشهادتهم على أهل عصرهم ومن بعدهم أن رسول الله ﷺ أمرهم بكذا ونهاهم عن كذا فهم حجة الله على من خالف رسول الله ﷺ وزعم أنه لم يأتهم من الله ما تقوم به عليه الحجة ويشهد كل واحد بانفراده بما وصل إليه من العلم الذي كان به من أهل الشهادة " (١). وقد أورد البخاري في صحيحه (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيدا، فذلك قوله -جل ذكره-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ البقرة: ١٤٣)). إن من جعلهم الرب شهداء على الناس لا بد وأن يكونوا عالمين بما يشهدون به فلو كانوا يحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ويسقطون ما أوجب ويوجبون ما أسقط لما صلحوا أن يكونوا شهداء على الناس، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ النساء: ١١٥، فتوعد على اتباع غير سبيله كما توعد على مشاقة الرسول فكل منهما مذموم فإذا أصفقوا على تحريم أو حل وخالفهم مخالف فقد اتبع غير سبيلهم فيذم (٣).

стр. 114

فانظر إلى كونه تعالى خلقهم عدولاً وخياراً؛ ليكونوا شهداء على بقية الأمم يوم القيامة وحينئذ فكيف يستشهد الله تعالى بغير عدول أو بمن ارتدوا بعد وفاة نبيهم ﷺ (١)، أو بمن ارتموا في أحضان أهل البدع. ونجد أن في وصف الشهادة التي جعلها الله لهذه الأمة، في قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ البقرة: ١٤٣، بمعنى: الاستغناء عما ابتدعه المبتدعون، من الحجج الفاسدة، التي يزعمون أنهم ينصرون بها أصل الدين، ومن الرأي الفاسد الذي يزعمون أنهم يتمون به فروع الدين، وما كان من الحجج صحيحاً ومن الرأي سديداً، فذلك له أصل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فهمه من فهمه، وحرمه من حرمه (٢). الثاني عشر: أن طلب الاستقامة من الله وأنه هو الموفق لها . قال القرطبي ﵀: " قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ولغيره. وقيل: له والمراد أمته، قاله السدي. وقيل: "استقم" اطلب الإقامة على الدين من الله واسأله ذلك ... والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال، فاستقم على امتثال أمر الله. وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي (٣) قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدا بعدك! قال: ((قل آمنت بالله ثم استقم)) (٤). وبهذا الاستعراض الموجز يتضح أن لآيات الوسطية معاني متعددة، مررنا على بعض منها، ومن أفاض الله عليه حسن التدبر، ستظهر له أضعاف هذه المعاني.

стр. 115

المبحث الثاني معالم الوسطية ومظاهرها . وفيه مطلبان: المطلب الأول: معالم (١) الوسطية: الوسطية ليست مصطلحاً جديداً على الإسلام، وإنما هي مصطلح أصيل في ديننا، رسم معالمها الوحي، وجعلها توصيفاً ربانياً لهذه الأمة قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ البقرة: ١٤٣. لذا فإن للوسطية في الإسلام معالم تميزها عن غيرها (٢)، والواقع أن معرفة هذه الأمور على قدر كبير من الأهمية؛ لأنها تعتبر ضوابط (٣) لتحديد الوسطية ومعرفة حقيقتها كما وردت في الكتاب والسنة، وكما طبقها السلف الصالح لهذه الأمة، وفيما يلي أهم معالم الوسطية في الإسلام وهي: المعلم الأول: توحيد مصادر المعرفة: يمتاز منهج الإسلام بأنه المنهج الوحيد المحفوظ بعناية الله من التحريف والزيادة والنقصان، فهو منهج رباني في عقائده وعباداته وآدابه وأخلاقه وشرائعه ونظمه وذلك في

стр. 116

الأسس الكلية والمبادئ العامة، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه، والحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه (١)، والتكليف والإلزام من عند الله دون سواه (٢). لذا فالوسطية والاعتدال بريئان من الهوى، ويعتمدان على العلم الراسخ، والعلم إما أن يكون نصاً من كتاب أو سنة، أو استدلالاً صحيحاً فيما لم يرد فيه نص، ويكون من اجتهادات أهل العلم الراسخين في ذلك مع مراعاة الخلاف فيما لا قطع فيه، فاعتماد الوسطية على العلم الراسخ الصحيح مظهر من مظاهرها وسمة من سماتها (٣)، وهذا هو ما عليه أهل السنة والجماعة. فيما نجد أن هناك طوائف تتكرر في كل زمان، لا تقر بغير القرآن مصدراً، فيجرها ذلك إلى إنكار السنة أو بعضها (٤)، وعدم الانقياد لها، أو جهلها وإهمالها، فحين أهملوا سنته ﷺ فقد عملوا بمتشابه القرآن، وعموماته ومطلقاته التي تحتاج إلى سنته ﷺ لترفع تشابهها، أو تخصيص يخصص عمومها، أو قيد يقيد مطلقها، ولعلها الفئة التي أشار إليها عمر بن الخطاب ﵁ بقوله: ((إنه سيأتي أناس يأخذونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله)) (٥). والمتأمل في كثير من مسائل الضلالة، يجدها تعود إلى هذا الباب (٦).

стр. 117

المعلم الثاني: الجمع بين صحة النقل وصراحة العقل: إن العلاقة بين العقل والنقل ذات أهمية كبرى فهي من معالم الوسطية، ومن منهج أهل السنة والجماعة عموماً وفي قواعد استدلالهم خصوصاً؛ ذلك أن العقل تابع للنقل عندهم، وآلة لفهمه، ولا يمكن أن يعارضه فضلاً أن يكون مقدماً عليه وحاكماً؛ ولأن ذلك هو مقتضى الإيمان بالنبي ﷺ والتسليم لخبره بغير قيد أو شرط، فهو أيضاً مقتضى ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، فأهل السنة من جهة مصدر التلقي اعتمدوا الكتاب والسنة، ومن جهة الفهم التزموا فهم الصحابة ﵃ وأرضاهم- (١). وليس ثمة عقيدة تقوم على احترام العقل الإنساني، وتكريمه والاعتزاز به، والاعتماد عليه في فهم النصوص، كالعقيدة الإسلامية؛ إلا أن هذه العقول تتفاوت (٢)، وهذا يدل على أن لكل واحد منها حداً وغاية في إدراك الأشياء ينتهي إليه، ولا يتعداه، فالعقل لا يدرك كل ما جاء به الرسول ﷺ ، أو خبر عنه، فمداركه ليست شاملة (٣). من أجل ذا قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: "ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول" (٤). قال ابن تيمية ﵀، معلقاً على قول الإمام أحمد ﵀: " هذا قوله، وقول سائر أئمة المسلمين؛ فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول ﷺ لا تُدركه كل الناس بعقولهم، ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن الرسول" (٥)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ الإسراء: ١٥. وعلى كل حال فإن منهج الوسط يقوم على التوافق بين الأدلة الصحيحة أياً كان مصدرها وامتناع التعارض بينها في نفس الأمر، ويرجع منهجهم في ذلك إلى أمور:

стр. 118

- الأول: التسليم لنصوص الكتاب والسنة الصحيحة، من غير قيد أو شرط . يقول أبو القاسم التيمي (١) ﵀: " وليس لنا مع سنة رسول الله ﷺ من الأمر شيء إلا الاتباع والتسليم، ولا يعرض على قياس ولا غيره، وكل ما سواها من قول الآدميين تبع لها، ولا عذر لأحد يتعمد ترك السنة، ويذهب إلى غيرها؛ لأنه لا حجة لقول أحد مع قول رسول الله ﷺ إذا صح" (٢). وفي هذا يقول الطحاوي (٣) ﵀: " ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام" (٤). - الثاني: تضمن الأدلة النقلية للأدلة العقلية: قال ابن تيمية ﵀: " والقرآن قد دل على الأدلة العقلية التي بها يعرف الصانع وتوحيده وصفاته وصدق رسله، وبها يعرف إمكان المعاد، ففي القرآن من بيان أصول الدين التي تعلم مقدماتها بالعقل الصريح ما لا يوجد مثله في كلام أحد من الناس، بل عامة ما يأتي به حذاق النظار من الأدلة العقلية يأتي القرآن بخلاصتها وبما هو أحسن منها" (٥). عليه فإن الأدلة النقلية تضمنت الأدلة العقلية (٦)، مما يبين أن الأدلة العقلية الصحيحة موجودة في الكتاب والسنة؛ فلا نحتاج بعد ذلك إلى أن نفرض دليلاً عقلياً خارجاً عنهما ندعي به نصرة الدين وهو في الحقيقة معارض للدين (٧).

стр. 119

- الثالث: امتناع التعارض بين العقل والنقل: بعد أن تبين أن حقيقة الإيمان بالنبي ﷺ لا بد فيها من التسليم لما جاء به، وأنه ﷺ قد بين للناس أصول الدين والإيمان من جهة الدلائل والمسائل، فالمعارض العقلي يناقض هاتين الحقيقتين. والقول بإمكان التعارض بين العقل والنقل، يلزم منه القول بتعارض الحقائق وتناقضها، وأنه يمكن نقض الحق بما هو حق، والقول بهذا فيه نفي لجميع الحقائق وعدم إمكان إثبات الحقائق بدليل يسلم عن معارض صحيح على زعمهم (١). ويدخل في هذا القسم -النقل- أغلبُ مسائل الاعتقاد؛ فلا تعلم إلا عن طريق الخبر؛ إذ لا يمكن للعقول أن تستقل بمعرفة هذه المسائل، لولا مجيء الوحي بها، وبأدلتها العقلية، وما على العقل إلا فهمها وتدبرها (٢). المعلم الثالث: التلازم بين الظاهر والباطن: "التلازم بين الظاهر والباطن": قاعدة قطعية في الشريعة الإسلامية، ولا شك أن لهذه القاعدة أهمية كبرى في إزالة التضييع والتميُّع (٣) وفي ضبط الرؤية في كثير من قضايا البدع المتقابلة. لأنه متى ما قامت المحبة بالقلب مع التصديق، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة. قال شيخ الإسلام ﵀: " وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه، ودليله ومعلوله كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضا تأثير فيما في القلب. فكل منهما يؤثر في الآخر لكن القلب هو الأصل، والبدن فرع له والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه" (٤).

стр. 120

وقال كذلك ﵀: " وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذى في القلب، فصار الإيمان متناولاً للملزوم واللازم وإن كان أصله ما في القلب " (١). وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "يؤخذ من هذه الآية الكريمة - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ آل عمران: ٣١ - : أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله ﷺ هي اتباعه ﷺ ، فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر؛ إذ لو كان محباً له لأطاعه، ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة" (٢). ومن الأمثلة على ذلك، قوله : ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ المائدة: ٨١، فالإيمان في الباطن يستلزم عداوة الكافرين وترك موالاتهم في الظاهر. وقال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ آل عمران: ١٥٢، فلما اختلفت نياتهم الباطنة، تباينت أعمالهم الظاهرة. فتجمع الوسطية بين الاهتمام بأعمال الجوارح وأعمال القلوب، أو ما يعرف بفقه الظاهر وفقه الباطن. "وجملة القول: أن التلازم بين الظاهر والباطن فرقان بين أهل السنة والمرجئة في باب الإيمان، وأن من عرف هذا التلازم زالت عنه شبهات كثيرة" (٣). المعلم الرابع: التوازن في الجمع بين عمارة الحياة والسمو الروحي: في الوسطية خلاص من منزلق الإفراط وهاوية التفريط؛ لأنها دلالةٌ على طابع التوازن والتكامل والانسجام، الذي نستقيه من فهم الإسلام واستلهام توجيهاته. لذا فإننا نجد أن من أبرز معالمها، التوازن بين العمل للآخرة والعمل للدنيا فتكون الدنيا مزرعة الآخرة، أو بعبارة أخرى التوازن بين الاستجابة لحاجات الإنسان المادية والروحية.

стр. 121

لهذا نجد أن الإسلام أبطل الرهبانية؛ ففي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: ((رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا)) (١). ورغب النبي ﷺ في عمل الدنيا، فقال: ((لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب، فيحملها على ظهره فيبيعها، خير له من أن يسأل رجلاً يعطيه أو يمنعه)) (٢). فالوسطية في الإسلام ترشد المسلم إلى الجمع بين خيري الدنيا والآخرة أي: أن يعمل الإنسان ويتحرى في عمله الأحسن والأفضل ويجعل عمله كله لله تعالى، فهو جاد في عمله في دنياه مستعد لآخرته؛ قال الله معلماً لنا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ البقرة: ٢٠١؛ ونجد أن هذا الدعاء الجامع الصالح للخيرين معاً كان أكثر دعاء النبي ﷺ (٣). فيتولد عن هذا الاتزان الجمع بينهما وفق منهج الله، (الاتباع في الدين)، (والإبداع في أمور الدنيا)؛ لأنه لا تعارض بين ذلك. فنجد أن في الوسطية الثبات في الأهداف والمرونة في الوسائل (٤). المعلم الخامس: الشمول: ليست الوسطية محصورة في جزئية من الجزئيات، ولا ركن من الأركان، وإنما هي منهج متميز بالشمول لحياة الإنسان كلها، بطول امتداده الزمني، وعرض مجالاته في الحياة كلها، وعمق أغواره الحياتية، فهي تشمل الجسم والعقل والروح، وتضم الظاهر والباطن، وتعم القول والعمل والنية (٥). إذن الوسطية ليست مرحلة وإنما منهج حياة شامل مطلوب في كل حين.

стр. 122

لذا فالوسطية بقدر ما هي تثبيت للثوابت وانطلاق من المرجعية، فهي تجديد متواصل في مختلف مظاهر حياتنا الثقافية والفكرية، على اعتبار أن لكل جيل كسبه وتجربته التاريخية الخاصة ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ البقرة: ١٣٤ (١). فالشمول الذي يجعل الإسلام مهيمنا على الحياة كلها بأنظمتها وأنشطتها المختلفة، وبأعمال الإنسان المتنوعة، لا يشذ عن الدين أبداً، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ الأنعام: ١٦٢. وقال الحق -جل وعلا-: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ٣٨، ليدُلنا على أن الإسلام دين شامل لجميع نواحي الحياة، سواء تعلق الأمر بالإنسان في علاقته بربه (فقه العبادات) أم بالإنسان مع بني جنسه (فقه المعاملات)؛ فرسالة الإسلام شاملة في تعاليمها، شاملة في عقيدتها، شاملة في معاملاتها وعباداتها، شاملة في أخلاقها وآدابها. المعلم السادس: وضوح (٢) الأصول الاعتقادية: من أهم وأبرز معالم الوسطية، وضوحُ أصولها الاعتقادية (٣)؛ التي استمدتها من المصادر الربانية المتقنة غاية الإتقان، والصالحة لكل زمان ومكان؛ وهي مع وضوح أصولها الاعتقادية واضحة الأهداف والغايات والتشريعات والآداب والمناهج والطرق (٤)، فكانت بحق منطلقاً لغيرها من الأعمال (٥)، وعلامة بارزة على الوسطية الحقة.

стр. 123

ومن أشد الناس وضوحاً في رؤيتهم لحقائق وأحكام الدين هم الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-، ثم الصحابة والسلف الصالح -رضوان الله عليهم- (١)، ثم من اقتفى أثرهم ممن سلك الصراط المستقيم، ولهذا فقد بذلوا لهذا الدين كل غالٍ ونفيس، والتاريخ شاهد بذلك. ولقد تميزت الوسطية في أخذها بالأصول الاعتقادية، بميزات وخصائص جعلتها تنجو من الحيرة والتناقض والاضطراب الذي وقع فيه من زاغ عن الكتاب والسنة وابتغى الهدى في غيرهما. - فمن هذه الخصائص الدالة على وضوح الأصول الاعتقادية: ١ - الاعتقاد الجازم بأن القرآن الكريم والسنة المطهرة وحي إلهي، وأنهما مصدرا التشريع (٢)، فلا يقدم العقل عليهما، ولا تعطل نصوصهما الصحيحة؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ النساء: ٦٥. قال شيخ الإسلام ﵀: " لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل، فضلاً عن أن يقول: فيجب تقديم العقل" (٣). ٢ - الاعتقاد بأن الله له الكمال المطلق في صفاته وأفعاله، وهو سبحانه منزه عن كل نقيصة؛ فلزم من هذا الأخذ بظاهر النصوص (٤)،

стр. 124

فلو كان ظاهر النصوص (١) غير مراد لما خاطبنا بها ربنا تعالى، ولما أمرنا بتدبر كتابه، في قوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ ص: ٢٩. ٣ - الأخذ بكل ما صح من أحاديث الآحاد في أبواب الاعتقاد، وعلى هذا إجماع السلف ﵏ (٢). ٤ - الإيمان المطلق بما جاء عن الله ورسوله دون وقفه على معرفة معناه وإدراكه؛ لأن عقول البشر قاصرة عن إدراك جميع المعاني والإحاطة بها؛ ولأن الخبر إذا جاء عن الله ورسوله لم نحتج في إيماننا أن نحيط بمعناه، بل نصدقه ونؤمن به أولاً، ثم نبحث عن معناه. قال شيخ الإسلام ﵀: " إن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وإن لم يفهم معناه" (٣). ٥ - الاعتقاد بأن أصول التوحيد والإيمان شاملة لكل مناحي الحياة، وكلٌ لا يتجزأ (٤)، فلا ينبغي أخذ بعضه واطراح بعضه؛ فلزم العمل بكل نصوصه المقدسة بلا إفراط ولا تفريط (٥)؛ قال المولى : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا

стр. 125

لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ النحل: ٨٩، وقال ﷺ : ((وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء)) (١). ٦ - وضوح الارتباط الوثيق بين الإيمان والأعمال الصالحة (٢)، فالدين الحق يتضمن العمل الصالح ليظهره على الدين كله، والظهور يكون بالعلم واللسان ليبين أنه حق وهدى، ويكون باليد والسلاح ليكون منصوراً مؤيداً، والله أظهره هذا الظهور (٣)، وهذا هو وصف الصراط المستقيم. المعلم السابع: الموقف المعتدل من القضايا الكبرى: إن تقرير الحق شيء جليل، لا شك في ذلك، ولكن الشيء الذي لا يقل عنه أهمية، بل قد يربو عليه وصل هذا الحق بالحياة وتطبيقاتها، ومد جذوره في أغوارها؛ وهذا ما نجده بعد تأمل يسير في آيات القرآن الكريم التي تميط اللثام عن وجه الحق الذي امتازت به الوسطية عن غيرها من فِرق أهل الضلالة والبدع؛ بأن وافقت الحق في كل باب من أبواب العقيدة تقريراً وتطبيقاً؛ ومن هنا نجد أنها لم تغلُ ولم تفرط كفعل أهل البدع (٤)؛ ليس في هذا الباب فحسب، بل في جميع الأبواب التي تتفرق فيها الفرق (٥) بين طرفين آراؤهما متضادة، فهي حق بين باطلين (٦)؛ وهذه الوسطية تعتبر صفة لازمة لمن ينهجون منهج السلف (٧). وسأُجمِل -بإذن الله تعالى- فيما يلي الأصول التي كان فيها أهل الحق وسطاً بين باطلين:

стр. 126

- الأصل الأول: ما يتعلق بتوحيد الله وأسمائه وصفاته: توسط أهل الحق في هذا الأصل بين أهل النفي والتعطيل الذين يلحدون في أسمائه وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى شبهوه بالمعدوم وبالأموات، وبين أهل التشبيه والتمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوق (١). - الأصل الثاني: ما يتعلق بأفعال الله -: وهم في باب خلقه وأمره وسط بين جفاء القدرية، وغلو الجبرية. فهم وسط بين المكذبين بقدر الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه كل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ١٤٨ (٢). - الأصل الثالث: ما يتعلق بشأن العبادات: توسط أهل السنة في هذا الأصل بين الرافضة والصوفية وبين الدروز والنصيرية (٣). فالرافضة والصوفية يعبدون الله بما لم يشرعه من الأذكار والتوسلات، وإقامة الأعياد والاحتفالات البدعية، والبناء على القبور. بينما الدروز والنصيريون (٤) تركوا عبادة الله بالكلية فلا يصلون ولا يصومون ولا يزكون ولا يحجون ... الخ.

стр. 127

وهم كذلك وسطية في التحليل والتحريم بين اليهودية التي أسرفت في التحريم، وبين النصرانية التي أسرفت في الإباحة (١). - الأصل الرابع: ما يتعلق بنصوص الوعد (٢) والوعيد (٣). أما في هذا الأصل، فهم وسط بين الوعيدية وغلاة المرجئة. فهم وسط بين طرف فرَّطوا فغلَّبوا نصوص الوعد وأهملوا نصوص الوعيد وهم المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، ووصفوا مرتكب الكبيرة بأنه مؤمن كامل الإيمان، وطرف أفرطوا فغلَّبوا نصوص الوعيد وأهملوا نصوص الوعد، فأخرجوا مرتكب الكبيرة من الإيمان وقالوا: بتخليده بالنار وهم الخوارج والمعتزلة وزاد الخوارج الحكم عليه بالكفر (٤). - الأصل الخامس: ما يتعلق بأسماء الإيمان، وأحكامها في الدين: في باب الأسماء (٥) والأحكام (٦)، هم وسط بين جفاء المرجئة، وغلو الخوارج والمعتزلة: فهم وسط (٧) بين الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين (٨) مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ (٩)، وبين المرجئة الذين

стр. 128

يقولون إيمان الفاسق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان، ويكذبون بالعقاب بالكلية (١). - الأصل السادس: ما يتعلق بشأن الصحابة رضوان الله عليهم . وأيضا، فهم وسط (٢) في هذا بين غلو الرافضة (٣)، وجفاء الخوارج (٤)؛ لأن الرافضة والخوارج في أصحاب الرسول ﷺ في طرفي نقيض: فهم وسط بين الغالية الذين يغلون في علي ﵁ فيفضلونه على أبي بكر وعمر ﵄، أو يعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ﵃ ظلموا وفسقوا وكفروا، والأمة بعدهم كذلك وإنما جعلوه نبيا وإلها. وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان ويستحلون دمهما ودماء من تولاهما أو يستحلون سبَ علي وعثمان ونحوهما، أو يقدحون في خلافة علي وإمامته (٥).

стр. 129

- الأصل السابع: ما جاء في النصوص الشرعية . المنهج الحق وسط بين من يتلاعب بالنصوص، فيتأول الكتاب، وينكر الأحاديث الصحيحة، ولا يعبأ بإجماع السلف، وبين من يخبط خبط عشواء، فيتقبل كل رأي، ويأخذ بكل قول، لا يفرق في ذلك بين غث وسمين، وصحيح وسقيم (١). مع أن الله قد نهى عن التقليد الأعمى، فعاب على القائلين ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ الزخرف: ٢٢، كما نهى عن التوغل بالعقل لإدراك كيفية صفات الرب فقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ طه: ١١٠، ودعا إلى التوسط والأخذ بالمدركات كوسائط قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ الذاريات: ٢٠ - ٢١. فكان أهل السنة والجماعة وسط بين المحكمين للعقل: وإن خالف النص القاطع، والمغيبين له -أي: العقل- ولو في فهم النص، فليسوا ممن يقبل بالتسليم الساذج والتقليد الأعمى في العقائد، وليسوا كذلك ممن غلوا وتوغلوا بالعقل لإدراك كل شيء حتى الألوهية. - الأصل الثامن: ما يتعلق بأنبياء الله ورسله، وتعظيم نبينا محمد ﷺ -: وأيضا فهم وسط بين غلو النصارى، وجفاء اليهود. فالنصارى غلوا في عيسى، فقالوا: هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة. وقالت اليهود: عيسى ولد زنا -حاشاه ﵇. وكذلك فهم وسط بين من خالف رسول الله ﷺ إلى ما نهاهم عنه، فغلوا فيه وقالوا ما ليس لهم به علم ولا عندهم من الله ورسوله فيه برهان، كفعل كثير من الضلال؛ وبين من جفا وقصر في حق النبوة والأنبياء، بعامة ونبينا ﷺ خاصة، مثل تفضيل بعض غلاة الصوفية أولياءهم على الأنبياء والرسل (٢).

стр. 130

- الأصل التاسع: ما يتعلق بطاعة ولي الأمر: لا يفوت أن أشير إلى أن بعض أتباع الأمويين كان لديهم إرجاء خاص بالملوك والخلفاء، وهو أن الله إذا ولى أحداً خلافة المسلمين كفر سيئاته بحسناته (١)، فرأوا تبعاً لذلك أن طاعة ولي الأمر مطلقة، فكان أهل السنة وسط بينهم وبين الخوارج الذين يكفرون ولاة أمر المسلمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ ؛ لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يُعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته" (٢). - الأصل العاشر: ما يتعلق بمسائل متفرقة (٣): عقيدة أهل السنة والجماعة هي العقيدة المثلى التي يتبوأ أربابها الوسطية بين جميع الطوائف والمسائل، والأمثلة على جوانب وسطيتها كثيرة يتعذر حصرها، ويمتنع على المستقصي ذكرها؛ وفيما يلي إبراز لبعضٍ منها للتوضيح، فنجد أنهم: وسط بين الذين ينكرون كل ما وراء الطبيعة مما لم تصل إليه حواسهم؛ وبين الذين يثبتون للعالم أكثر من إله، أو يحلون روح الإله في الملوك والحكام، بل وفي بعض الحيوانات والنباتات والجمادات؟ ! ! . وهم وسط بين الغلاة في إطاعة الفرد للشيخ والقائد، كأنه الميت بين يدي الغاسل؛ والمسرف في تحرُره كأنه ليس عضواً في جماعة. ووسط بين المغالين في التحريم، كأنه لا يوجد في الدنيا شيء حلال؛ والمبالغين في التحليل، كأنه لا يوجد في الدين شيء حرام.

стр. 131

كذلك هم وسط بين دعاة الفلسفة الفردية «الليبرالية» التي تعطي الفرد وتضخمه على حساب المجتمع؛ ودعاة الفلسفة الجماعية «الماركسية» التي تعطي المجتمع وتضخمه على حساب الفرد. وهم وسط بين دعاة الثبات، ولو في الوسائل والآلات؛ ودعاة التطور، ولو في المبادئ والغايات. ووسط بين دعاة التجديد، وإن كان في أصول الدين وقطعياته؛ ودعاة التقليد وخصوم الاجتهاد، وإن كان في قضايا العصر التي لم تخطر ببال السابقين. ووسط بين دعاة الغلو في التكفير، حتى كفروا كل المسلمين المتدينين؛ وبين المتساهلين فيه، ولو مع صرحاء المرتدين. ووسط بين من نفى الشفاعة مطلقاً، كما نفتها الخوارج والمعتزلة؛ وبين من غلا في إثباتها، كما فعل القبوريون والخرافيون. ووسط بين أتباع التصوف وإن انحرف وابتدع؛ وأعداء التصوف، وإن التزم واتبع (١). وسط بين دعاة الانفتاح على العالم بلا ضوابط، ودعاة الانغلاق على النفس بلا مبرر. وسط بين المقدسين للتراث، وإن بدا فيه قصور البشر؛ والملغين للتراث، وإن تجلت فيه روائع الهداية. وسط بين المستعجلين لقطف الثمرة قبل أوانها؛ والغافلين عنها، حتى تسقط في أيدي غيرهم بعد نضجها (٢).

стр. 132

وسط بين المستغرقين في الحاضر الغائبين عن المستقبل؛ والمبالغين في التنبؤ بالمستقبل، كأنه كتاب يقرؤونه. وسط بين المسرفين في التفاؤل، متجاهلين العوائق والمخاطر؛ وبين المسرفين في التشاؤم، فلا يرون إلا الظلام، ولا يرقبون للظلام فجراً. ووسط بين الذين يهملون النصوص الثابتة، بدعوى مراعاة مقاصد الشريعة ... والذين يغفلون المقاصد الكلية، باسم مراعاة النصوص. ووسط في الاعتقاد، فلا هم يجنحون للخرافيين كأساطير اليونان ولا هو يميل للمتطرفين المتشددين. وكذلك فهم وسط في الروحانيات والماديات، فهم يرفضون أن يكون الإنسان كالأنعام همه المادة وملذات الدنيا الفانية (١)؛ كما يرفض الرهبنة والانعزال عن الحياة (٢). فالوسطية والتوازن مطلب شرعي. وهكذا أهل السنة دائماً، وسط بين الإفراط والتفريط (٣)؛ لأنهم مستمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان (٤). المعلم الثامن: الثبات والاستمرار: من أخص معالم ومميزات الوسطية الثبات، فجذورها راسخة رسوخ الحق في النفس البشرية وفي الوجود، فهي حق واحد موصول بالله تعالى، ثابت وطيد عميق الجذور (٥)؛

стр. 133

فقد أودع الله في دين الوسطية عنصر الثبات والخلود (١)، وعنصر المرونة (٢) والتطور معاً، فهي صالحة لكل زمان ومكان ولكل الأجيال (٣). قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ إبراهيم: ٢٤ - ٢٦. ولأجل ذلك كان ضرورياً اتصاف منهج الإسلام الوسط بعوامل البقاء والثبات والاستمرار، فالناس تبتعد منها وتقترب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ البقرة: ١٤٣ (٤)، فلم يكلف المولى الناس فوق طاقتهم؛ فسنة الله جارية على أنه لا يكلف النفوس إلا وسعها (٥). وكان النبي ﷺ يرشد أمته إلى العمل الذي يطيقون الثبات عليه والمداومة فيه، قال ﷺ : ((أكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ، وكان إذا عمل عملا أَثْبَتَهُ)) (٦). المعلم التاسع: ظهور الثمرات والفوائد: إن من حكمه الله الربانية أن جعل قلوب عباده المؤمنين تحس وتتذوق وتشعر بثمرات الصراط المستقيم، لتندفع نحو مرضاته والتوكل عليه، ومن أعظم هذه الفوائد والثمار (٧):

стр. 134

١ - الاغتباط بولاية الله الخاصة، التي هي أعظم ما تنافس فيه المتنافسون، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ يونس: ٦٢ - ٦٣. ٢ - الفوز برضا الله ودار كرامته، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ التوبة: ٧١ - ٧٢. ٣ - أن الله يدفع عن المؤمنين جميع المردة، وينجيهم من الشدائد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الحج: ٣٨. ٤ - أن الاستقامة على صراط الله تثمر الحياة الطيبة في هذه الدار، وفي دار القرار، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ النحل: ٩٧. ٥ - أن الوسطية طريق الهداية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ يونس: ٩. ٦ - أن أهل الصراط المستقيم يجعل الله لهم المحبة في قلوب المؤمنين، ومن فوائد محبة المؤمنين الثناء والدعاء له حياً وميتاً، والاقتداء به، وحصول الإمامة في الدين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ مريم: ٩٦. ٧ - أن أهل الوسطية، هم أعلى الخلق درجة عند الله وعند عباده في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ المجادلة: ١١. ٨ - حصول البشارة بكرامة الله، والأمن التام من جميع الوجوه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ الأنعام: ٨٢.

стр. 135

٩ - حصول الفلاح الذي هو إدراك غاية الغايات، بإدراك كل مطلوب، والسلامة من كل مرهوب، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ البقرة: ٥. ١٠ - منهج الوسطية وسلوك الصراط المستقيم، يقطع الشكوك التي تعرض لكثير من الناس فتضر بدينهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ الحجرات: ١٥؛ وذلك لأن الباطل يتضح بطلانه بأمور كثيرة أعظمها العلم أنه منافٍ للحق، وكل ما ناقض الحق فهو باطل ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ يونس: ٣٢.

стр. 136

المطلب الثاني: مظاهر (١) الوسطية: إن الوسطية ليست عقيدة فحسب، بل منهج حياة؛ فالحديث عن مظاهرها في الإسلام حديث متشعب، ذو فروع؛ لأنها كثيرة متغلغلة في جميع عقائده، وفرائضه، وشرائعه، والمقام لا يتسع للإتيان عليها كلها في هذا المطلب، ولكن لنا أن نبرز أهم مظاهرها في الجوانب التالية (٢): - مظاهر الوسطية في الجانب الفردي (المسئولية الفردية): لقد اهتمَّ القرآن الكريم بإرشاد الإنسان إلى ما يحقق له العيش الرغيد في الحياة الدنيا، والفوز برضا ربه في الآخرة، وذلك من خلال القيام بدَوْره كخليفة في الأرض، فمصلحة الإنسان وسعادته وكرامته مرتبطة بمسئولية السعي في إقامة عدل الله، والتحلي بقيم الوَحْي في الكون؛ ولقد فقه الرَّعيل الأول نداءات القرآن، وحَمَلها وعَمِل بها، فشيَّد بها حضارة يشهد الناس بسموها (٣). لذا نجد أن الوسطية إذا تغلغلت جذورها في الإنسان وتمكنت قواعدها من الرسوخ في ذاته، أضفت عليه قوة كبيرة تنطبع في اتجاهه العقدي والتشريعي والفكري والسلوكي (٤). وقد يُستغرب إقحام المسئولية في مظاهر الوسطية، لكن هذا لا يلبث وأن ينجلي عندما نعلم أن بعض الطوائف تنادي بتقسيم الخلق إلى أصحاب الحقيقة (٥) وأصحاب الشريعة، ومن إسقاط الواجبات الشرعية عن البعض، ومن تحمل البعض آخر المسئولية عن آخرين، وسلب

стр. 137

مسئولية الإنسان الفردية؛ من أمثال العقيدة النصرانية (١) وعقيدة البراهمة والبوذيين الجينيين (٢) وغير ذلك من العقائد الباطلة. كذلك نجد أن هناك من يزعم العصمة لمتبوعيهم (٣) كالرافضة والمتصوفة وأضرابهم (٤). من أجل هذا نجد أن من أهم عناصر الوسطية في الجانب الفردي؛ المسئولية التي قررها الإسلام على الفرد؛ فقد حمله مسئولية عمله، ولم يحمله مسئولية عمل غيره، مهما بلغت القرابة ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الزمر: ٧.

стр. 138

وهذه القيمة لها أثرها في حياة الإنسان وسلوكه، وتحمله المسئولية، وتحقيق العدالة والمساواة بين الخلق، وهي أصل ومبدأ من مبادئ الإسلام الراسخة، تقصر دونه كل المبادئ والقيم الأخرى، وقد رتب على هذا: "أن الجزاء مرتب على العمل"، فلا أحد يظلم بحمل وزر غيره؛ إلا من سلك سبيل المضلين فإنهم يحملون أثقالهم وأثقال إضلال الناس ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ العنكبوت: ١٣، وذلك كله من أوزارهم. إن حل مشكلات البدع المتقابلة تبدأ من النفس، ومسيرة ألف ميل في إصلاح الأمة تبدأ بخطوة إصلاح النفس أولاً. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن مسئولية الفرد تتشعب إلى شعبتين: مسئولية تجاه نفسه وأخرى تجاه مجتمعه. ويمكن القول بأن مسئولية الفرد نحو نفسه قد تتسع بحيث تصبح مسئولية نحو مجتمعه، كما أن مسئوليته نحو المجتمع قد تضيق بحيث تكون أيضا مسئولية نحو شخصه بالذات (١)؛ فالبنيان لبنات متفرقة، فعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)) (٢). - مظاهر الوسطية في الجانب الاجتماعي والإنساني: ليست الوسطية شعاراً يرفعه مدعوه بل هي ممارسة عملية في واقع الحياة (٣)، متحررة من النفعية الضيقة فهي لا تخدم إلا المصلحة العامة، فلا هدف لها سوى تحقيق النظام العام الإسلامي (٤). من أجل ذلك نظم الإسلام العلاقة بين أطراف المجتمع حاكماً ومحكوماً؛ فحرم على المحكوم أن يخرج على حاكمه، وحرم على الحاكم غش رعيته، فجعل عقاب الحاكم إليه (٥)، وعقابه

стр. 139

أنكى، ولئلا يتطاول الناس، وجعل عقاب المحكوم إلى خلقه لئلا يتجرؤوا على ولاتهم، وبهذا تستقيم وتستقر الأوضاع. وقد أُتي المسلمون من خلل في هذا الجانب، والإعراض عن ضوابطه الشرعية بمصائب كثيرة ابتداء من فتنة الدار إلى عصرنا الحاضر. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يبني الإسلام علاقة متوازنة بين المسلمين وغيرهم من حيث الحقوق والواجبات، فالوسطية عدل في المواقف مهما تكن درجة الاختلاف مع الآخرين؛ إذ البشرية كلها فريقان ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ التغابن: ٢، فلا يجوز ظلم الكافر وسلب حقوقه، بل لهم حقوق شرعت، وطرائق في معاملتهم سنت، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ المائدة: ٨ (١). على أنه من المهم أن نعلم أن الوسطية محلها في رضا الله، لا في اجتماع الأطراف والتيارات عليها، من أجل ذلك فلن يسلم أصحاب الوسطية من نقد الجميع ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ البقرة: ١٢٠؛ فالمنسلخ بقدر بعده عن الوسطية يصف المتوسط بالغلو، والغالي بقدر بعده عن الوسطية يصف المتوسط بالانسلاخ، فالوسطية لا يراها بدقة من كان بعيداً عنها (٢). - مظاهر الوسطية في الجانب التشريعي: الجانب التشريعي في الإسلام يتضمن الأحكام الفرعية التي تنظم حياة الناس اليومية في علاقاتهم الاجتماعية، وفي أحوالهم السياسية والاقتصادية. وهذه الأحكام التشريعية قد تكفلت كتب الفقه الإسلامي بتفصيلاتها وبيان مسائلها، وما يجوز وما لا يجوز في ضوء الكتاب والسنة.

стр. 140

والواقع أن المنتسبين إلى الإسلام -عدا أهل الوسطية- على طرفي نقيض: - فئة غالية تريد أن تجعل من كل ما ورد في نصوص الشريعة (١) تشريعاً ملزماً لكل الناس في كل الأزمان وفي كل الأقطار، وفي كل الأحوال (٢)، بفهمها الخاص؛ فسوت بين شرائع الإسلام، فأصبح منهم من يكفر بكل ذنب ولو كان دون الشرك. - وفئة أخرى تقابل سابقتها، تريد أن تعزل الدين عن شئون الحياة العلمية كلها (٣)، فالعادات والمعاملات وشئون الاقتصاد والإدارة والحرب ونحوها، يجب أن تترك للناس، ولا تدخل نصوص الشرع فيها آمرة، ولا ناهية، ولا موجبة ولا هادية؛ وحجتهم في ذلك قول النبي ﷺ : ((أنتم أعلم بأمر دنياكم)) (٤)؛ وليس لهم فيه حجة (٥). إن هذه القضية تعتبر من أهم القضايا التي يقع فيها الخلط وسوء الفهم؛ فليست الشرائع على درجة واحدة، وكذلك المحظورات؛ فالشرائع من شعب الإيمان، والمحظورات

стр. 141

من شعب الكفر؛ ومن أصول أهل السنة أنه يمكن أن يجتمع في الشخص الواحد كفر وإيمان، ويكون مؤمناً، والوسط هو قول أهل السنة كما هو معلوم في بابه. وبهذه النبذة المختصرة، يتبين لنا مدى وسطية الإسلام وتوازنه في الجانب التشريعي، بل في جميع جوانب الحياة.

стр. 142

الباب الأول: الفصل ٢ الآيات الدالة على التحذير من الغلو والجفاء. وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: المبحث الأول: دراسة تحليلية للآيات الواردة في التحذير من الغلو والجفاء. المبحث الثاني: معالم الغلو والجفاء وحدوده. المبحث الثالث: الاتجاهات المغالية.

стр. 143

تمهيد في تعريف الغلو والجفاء: إذا عرفنا أن الوسطية هي الخلاص من مشقة الإفراط وهاوية التفريط، وأنها دلالة على طابع التوازن والتكامل والانسجام، الذي نستقيه من فهم الإسلام واستلهام توجيهاته؛ وجب علينا أن نعرف ما المراد بالغلو والجفاء المناقضين للوسطية اللذين هما جنوح عن المنهج القويم وانحراف عن الصراط المستقيم، وفيما يلي بيان ذلك: حقيقة الغلو: - معنى الغلو لغة: تدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها (١)، على أصل صحيح يدل على الارتفاع ومجاوزة القدر، فغلا في الأمر يغلو غلواً، أي جاوز الحد فيه وأفرط. فأصل الغلو في كل شيء مجاوزة حده الذي هو حده، يقال: غلا في الدين غلواً تشدد وتصلب حتى جاوز الحد، قال ﷺ : ((إياكم والغلو في الدين)) (٢) أي: التشدد فيه ومجاوزة الحد، وغلا السهم: ارتفع في ذهابه وجاوز المدى، ويقال للشيء إذا ارتفع: قد غلا، وغلا النبت: ارتفع وعظم. ومن هذا يتضح أن "الغلو" في اللغة هو: الارتفاع عن القدر المعتاد، أو مجاوزة الحدِّ المألوف في كل شيءٍ.

стр. 144

- معنى الغلو في الشرع: معنى الغلو في الشرع لا يكاد يخرج عن معناه في اللغة، إذ الارتباط بينهما شديدٌ وثيق الصلة (١)؛ لأن الغلو في الدين في اصطلاح أهل العلم وميزان الشرع يدور حول: تجاوز الحد (٢) الشرعي في أمر من أمور الدين إما بالزيادة أو النقصان بقصد التعبد (٣). ولقد اجتهد العلماء في وضع تعريف للغلو في عبارة موجزة، فعرفه ابن تيمية ﵀، بأنه: مجاوزة الحد بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك (٤). قال ابن حجر ﵀ في تعريفه للغلو: المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد (٥). قال النووي ﵀: "الغلو: هو الزيادة على ما يطلب شرعاً" (٦). قال المناوي ﵀: " الغلو: تجاوز الحد" (٧). وهذه التعاريف وغيرها (٨) متقاربة.

стр. 145

وقد وردت آيتان في القرآن الكريم فيهما النهي (١) عن الغلو بلفظه الصريح، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ النساء: ١٧١، وقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ المائدة: ٧٧، وهاتان الآيتان وإن كان الخطاب فيهما موجهاً إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى خاصة، إلا أن المراد منهما موعظة هذه الأمة؛ لكي تجتنب الأسباب التي أوجبت غضب الله ونقمته على الأمم السابقة (٢)، وتحذر من سلوك طرق السابقين بالغلو في الدين؛ وقد فُسِّر الغُلو فيهما بأنه تجاوز الحد (٣)، قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ طه: ٨١، الغلو هو تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي ذمه الله. - ضابط الغلو: بين الشيخ سليمان بن عبد الوهاب (٤) ﵀، ضابط الغلو الشرعي (٥) حيث قال: "وضابطه تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ طه: ٨١ " (٦).
следующие страницы →