← Акыда

Акыда · id 147315

الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة دراسة عقدية

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (593 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من شعب الكفر؛ ومن أصول أهل السنة أنه يمكن أن يجتمع في الشخص الواحد كفر وإيمان، ويكون مؤمناً، والوسط هو قول أهل السنة كما هو معلوم في بابه. وبهذه النبذة المختصرة، يتبين لنا مدى وسطية الإسلام وتوازنه في الجانب التشريعي، بل في جميع جوانب الحياة.

стр. 142

الباب الأول: الفصل ٢ الآيات الدالة على التحذير من الغلو والجفاء. وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: المبحث الأول: دراسة تحليلية للآيات الواردة في التحذير من الغلو والجفاء. المبحث الثاني: معالم الغلو والجفاء وحدوده. المبحث الثالث: الاتجاهات المغالية.

стр. 143

تمهيد في تعريف الغلو والجفاء: إذا عرفنا أن الوسطية هي الخلاص من مشقة الإفراط وهاوية التفريط، وأنها دلالة على طابع التوازن والتكامل والانسجام، الذي نستقيه من فهم الإسلام واستلهام توجيهاته؛ وجب علينا أن نعرف ما المراد بالغلو والجفاء المناقضين للوسطية اللذين هما جنوح عن المنهج القويم وانحراف عن الصراط المستقيم، وفيما يلي بيان ذلك: حقيقة الغلو: - معنى الغلو لغة: تدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها (١)، على أصل صحيح يدل على الارتفاع ومجاوزة القدر، فغلا في الأمر يغلو غلواً، أي جاوز الحد فيه وأفرط. فأصل الغلو في كل شيء مجاوزة حده الذي هو حده، يقال: غلا في الدين غلواً تشدد وتصلب حتى جاوز الحد، قال ﷺ : ((إياكم والغلو في الدين)) (٢) أي: التشدد فيه ومجاوزة الحد، وغلا السهم: ارتفع في ذهابه وجاوز المدى، ويقال للشيء إذا ارتفع: قد غلا، وغلا النبت: ارتفع وعظم. ومن هذا يتضح أن "الغلو" في اللغة هو: الارتفاع عن القدر المعتاد، أو مجاوزة الحدِّ المألوف في كل شيءٍ.

стр. 144

- معنى الغلو في الشرع: معنى الغلو في الشرع لا يكاد يخرج عن معناه في اللغة، إذ الارتباط بينهما شديدٌ وثيق الصلة (١)؛ لأن الغلو في الدين في اصطلاح أهل العلم وميزان الشرع يدور حول: تجاوز الحد (٢) الشرعي في أمر من أمور الدين إما بالزيادة أو النقصان بقصد التعبد (٣). ولقد اجتهد العلماء في وضع تعريف للغلو في عبارة موجزة، فعرفه ابن تيمية ﵀، بأنه: مجاوزة الحد بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك (٤). قال ابن حجر ﵀ في تعريفه للغلو: المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد (٥). قال النووي ﵀: "الغلو: هو الزيادة على ما يطلب شرعاً" (٦). قال المناوي ﵀: " الغلو: تجاوز الحد" (٧). وهذه التعاريف وغيرها (٨) متقاربة.

стр. 145

وقد وردت آيتان في القرآن الكريم فيهما النهي (١) عن الغلو بلفظه الصريح، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ النساء: ١٧١، وقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ المائدة: ٧٧، وهاتان الآيتان وإن كان الخطاب فيهما موجهاً إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى خاصة، إلا أن المراد منهما موعظة هذه الأمة؛ لكي تجتنب الأسباب التي أوجبت غضب الله ونقمته على الأمم السابقة (٢)، وتحذر من سلوك طرق السابقين بالغلو في الدين؛ وقد فُسِّر الغُلو فيهما بأنه تجاوز الحد (٣)، قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ طه: ٨١، الغلو هو تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي ذمه الله. - ضابط الغلو: بين الشيخ سليمان بن عبد الوهاب (٤) ﵀، ضابط الغلو الشرعي (٥) حيث قال: "وضابطه تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ طه: ٨١ " (٦).

стр. 146

ولذلك فإن معرفة حدود المشروع - من المأمور به والمنهي عنه- من أنفع الأشياء للعبد؛ حتى لا يُدخل فيها ما ليس منها، فيكون غالياً مُفْرِّطاً، ولا يُخرج منها ما هو داخل فيها، فيكون مقصراً مُفَرِّطاً (١). وقد قرر العلماء أن الحق واسطة بين التفريط والإفراط، وهو معنى قول مطرف بن عبدالله: "الحسنة بين السيئتين" (٢) وبه نعلم أن من جانب التفريط والإفراط فقد اهتدى. - العلاقة بين الغلو والبدع: الدليل على هذا تقارب معنى الغلو ومعنى البدعة، أن البدعة اصطلاحاً هي: الإضافة إلى الدين (٣)، يقول ابن رجب الحنبلي ﵀: " ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدّل عليه، أما ما كان له أصل من الشرع يدّل عليه فليس ببدعة شرعاً وإنْ كان بدعة لغةً" (٤). والغلو (٥) في الدين نقيض الجفاء عنه، حيث إن مضمون الأخير التساهل في التدين الذى يلزم منه التقصير في الالتزام بضوابط الدين، غير أن كليهما يلتقيان في المحصلة (عدم الالتزام بضوابط الدين سواء بتجاوزها أو التقصير في الالتزام بها). يقول ابن القيم ﵀: " ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين" (٦).

стр. 147

ومما سبق من التعريف اللغوي للغلو وما ورد فيه من آيات وأحاديث (١)، وكذلك تعريف العلماء وبيان ضابطه، يتضح المعنى الشرعي للغلو بأنه: مجاوزة الحد (٢) المشروع، بالزيادة فيه أو المبالغة إلى الحد الذي يخرجه عن الوصف الذي أراده وقصده الشارع (٣). وبعد أن تبين لنا معنى (الغلو) لغة وشرعاً، فهناك ألفاظ شرعية، بَينَها وبين لفظة الغلو تقارب مثل: التنطع، والتشدد، والتعمق، والتطرف، والعنف وغيرها (٤)، كما أن هناك ألفاظاً

стр. 148

بينها وبين لفظ الغلو عموم وخصوص مثل: البدعة والبغي، وكذلك ما يطلقه السلف من لفظ (أهل الأهواء) الشامل لأهل الابتداع والغلو (١)، إلا أن ألصقها وأكثرها تعلقاً لفظة (الإفراط) ؛ لأنها تتولد من معنى الغلو، فكل غالٍ واقع في الإفراط، وكل جافٍ واقع في التفريط، وفيما يلي معنى (الإفراط) بإيجاز، بحيث تتضح صلته بالغلو: الإفراط: - لغة هو: التقدم ومجاوزة الحد. يقال: أفرط: إذا تجاوز الحد في الأمر، يقولون: إياك والفرط، أي: لا تجاوز القدر، وهذا هو القياس؛ لأنه إذا جاوز القدر فقد أزال الشيء عن وجهته (٢). وأفرط في الأمر: أي: جاوز فيه الحد وأسرف. والإفراط: الإعجال والتقدم، وأفرط عليه: حمّله فوق ما يطيق، وكل شيء جاوز قدره فهو مُفْرِطٌ (٣). - و شرعاً هو: تجاوز الحد، والتقدم عن القدر المطلوب شرعاً. قال تعالى: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥)﴾ طه: ٤٥. قال الطبري ﵀: وأما الإفراط فهو الإسراف والإشطاط والتعدي، يقال منه: أفرطت في قولك: إذا أسرف فيه وتعدى (٤). قال الجرجاني: والفرق بين الإفراط والتفريط: أن الإفراط يستعمل في تجاوز الحد من جانب الزيادة والكمال، والتفريط يستعمل في تجاوز الحد من جانب النقصان والترك والتهاون والتقصير (٥).

стр. 149

وقد وردت مادة (فرط) في القرآن الكريم في ثمانية مواضع (١)، وكلها بمعنى: التقصير والضياع والتقدم على الشيء (٢)؛ كما وردت في السنة في عدد من الأحاديث يضيق المقام عن حصرها. ومن خلال ما سبق: يتضح من تعريفي (الغلو) و (الإفراط) أن كلا منهما يصدق عليه: "تجاوز الحد"، وإن كان كل واحد منهما يحمل معنى أبلغ من الثاني في بعض ما يستعمل فيه (٣). والذي يعنينا في هذا المبحث أن كلا من الغلو والإفراط خروج عن "الوسطية" فكل أمر استحق وصف (الغلو) أو (الإفراط) فليس من الوسطية في شيء. وبعد أن عرفنا معنى الغلو والإفراط، وما يدل عليه كل منهما، نقف الآن مع ما يقابلهما، وهو: التفريط والجفاء.

стр. 150

حقيقة الجفاء: - معنى الجفاء لغة: تدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها (١) على أصل واحد: يدل على المفارقة والترك والبعد؛ والجافي عن الشيء أي: التارك له، وللعمل به. الجفاء: هو نبو (٢) الشيء عن الشيء، وهو خلاف البر، والجفاء: ما نفاه السيل، ومنه اشتقاق الجفاء، من ذلك: جفوت الرجل اجفوه، وهو ظاهر الجفوة، أي: الجفاء، وجفا الشيء يجفو جفاء وتجافى: لم يلزم مكانه، كالسرج يجفو عن الظهر، والجفاء غلظ الطبع وسوء الخلق (٣). - معنى الجفاء شرعاً: جاء معناه في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ الرعد: ١٧، قال الزجاج (٤): "والجفاء ما جفا الوادي؛ أي: رمى به" (٥). وفي الحديث: ((اقرءوا القرآن ولا تجفوا عنه)) (٦)، أي: تعاهدوه ولا تبتعدوا عن تلاوته.

стр. 151

قال أبو عبيد (١) في معنى الجفاء في الحديث: "والجافي عنه التارك له، وللعمل به" (٢). وكذلك كل شيء إذا لم يلزم شيئا يقال جفا عنه يجفو. وقد جاء ذم الجفاء في حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال ﷺ : ((الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار)) (٣)، وأكثر ما يرد الجفاء لما هو محظور ومنهي عنه، كالجفاء بما يقابل الصلة والبر، والجفاء الذي هو من الشدة والغلظة، ونحو ذلك (٤). ومما سبق يتضح أن المعنى الشرعي للجفاء: يدل على المفارقة والرد للدين مع التنقص والاحتقار وترك العمل بشيء من أركانه وواجباته. أما مصطلح (التفريط) ؛ فهو متولد من معنى الجفاء، فكل غالٍ واقع في الإفراط، وكل جافٍ واقع في التفريط، وفيما يلي معنى (التفريط) بإيجاز، حتى تتضح صلته بالجفاء: التفريط: - لغة هو: الترك والتهاون والتضييع والتقصير في الأمر حتى يفوت (٥). يقال: فرط في الأمر فرطاً: أي قصر فيه، وضيعه، حتى فات، وكذلك التفريط (٦)، ووصف بالتقصير؛ لأنه إذا قصر فيه فقد قعد به عن رتبته التي هي له (٧). وفرط في جنب الله، ضيع ما عنده فلم يعمل، ومنه قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ الزمر: ٥٦، وأمره فرُطٌ أي: متروك، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ الكهف: ٢٨، أي متروكاً، ترَك فيه الطاعة، وغفل عنها.

стр. 152

- و شرعاً هو: التقصير عن الحد المطلوب، وإزالته عن مكانه المستحق له شرعاً. قال الطبري: وأما التفريط فهو التواني، يقال منه: فرطت في هذا الأمر حتى فات، إذا توانى فيه (١). وقال الزجاج: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ الكهف: ٢٨، أي: كان أمره التفريط وهو تقديم العجز، وقال بعض البلغاء: "لا يرى الجاهل إلا مفرطا أو مفرّطا" (٢)، وهو بالتخفيف: المسرف في العمل، وبالتشديد المقصر فيه. وفَرَط في الأمر يُفَرِّطُ فَرَطاً، أي: قصر فيه وضيعه حتى فات، وكذلك التفريط (٣). ونخلص بهذا إلى أن معنى الإفراط هو عكس التفريط. - الفرق بين التفريط والجفاء: عند التأمل في استعمال العرب لهما يُلحظ أن الجفاء يستعمل -غالباً - فيما فيه قصد الأمر من الترك (٤) والبعد وسوء الخلق. أما التفريط فمنشؤه -غالبا - التساهل والتهاون. والخلاصة: أن كل أمر اتصف بالتفريط أو بالجفاء، فإنه يخالف الوسطية، وبمقدار اتصافه بأي من هذين الوصفين يكون بعده عن الوسطية وتجافيه عنها.

стр. 153

المبحث الأول دراسة تحليلية للآيات الواردة في التحذير من الغلو والجفاء . وفيه مطالبان: المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الدالة على التحذير من الغلو والجفاء . لما كان الإسلام منهجاً ربانياً، فقد شرع سبحانه للبشرية -وهو أعلم بحدودهم وإمكانياتهم- ما يناسبهم ويوافق قدراتهم فجاء الإسلام ديناً سمحاً سهلاً، جاء بالوسطية والاعتدال، واليسر والسماحة، ورفض الغلو والجفاء بكل صورهما ومظاهرهما، وحذر من الوقوع فيهما، وسد الطرق المفضية إليهما؛ فإذا كان الدين الإسلامي بهذا الوضع، وكونه دين اعتدال وتوسط وقصد في كل شيء، عُلِم أن الغلو فيه والزيادة عليه بُعد عن مقاصده، وأن التهاون والتفريط في أحكامه ضلال عن هديه. والحجة قائمة في كتاب الله تعالى فقد حوى شفاء دائي الغلو والجفاء، فكبح جماح الغالين ودفع تفريط المقصرين، ولا يتأتى الوصول إلى ذلك إلا بتدبر آياته وتفهمها وتعقلها، ولذلك أمر الله بذلك، في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ النساء: ٨٢، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ محمد: ٢٤. ولو أن المسلمين رجعوا إلى كتاب ربهم وتدبروه حق تدبره لما حصل بينهم هذه المحن التي فتكت بهم والفتن التي أضرت بهم. ومع هذا البيان الواضح إلا أنه قد انقطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين: وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدي. والقليل منهم جداً الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه. والحاصل أن القرآن الكريم مليء بالآيات الناهية عن الغلو ومجاوزة الحد، أو الجفاء والتقصير في الدين؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر:

стр. 154

الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ هود: ١١٢ . جَمَع قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أصول الإصلاح الديني وفروعه، كما جمع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ أصول النهى عن المفاسد وفروعها، فكانت الآية الكريمة بذلك جامعة لإقامة المصالح ولدرء المفاسد (١). وهذه الآية الكريمة من الآيات الدالة على مجانبة الغلو والجفاء؛ لأنها دعت إلى لزوم الاستقامة (٢) وعدم مفارقتها إلى غيرها من الغلو ومجاوزة الحد، أو الجفاء والتقصير في الدين. فكانت صريحة في الأمر بالاستقامة، في باب الأمر والاتباع، وكانت كذلك صريحة في النهي عن الغلو والجفاء والإفراط والتفريط، لذلك نراها ترسم لنا بوضوح خطة المنهج السليم في العقائد والعبادات، وذلك بالاستقامة في فعلهما على الطريق المعتدل، الذي ليس فيه إفراط ولا تفريط، حسب الشرع ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ ثم أكد ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ والطغيان: مجاوزة الحد بالتشدد والتنطع، وهو الغلو (٣)؛ ولأن الأمر بالاستقامة وما يستلزمه من يقظة دائمة وحرص دائم لعدم الوقوع في الخطايا والذنوب أو البعد عن النهج المستقيم قد يدفع إلى الغلو والإفراط؛ لذلك كان أمر الله سبحانه لنبيه محمد ﷺ ومن معه بالاستقامة مرتبطاً بالنهي عن الطغيان (٤). والنهي عن أحد الضدين يتضمن النهي عن الضد الآخر وهو الجفاء؛ كما أن تجاوز الحد يستعمل من جانب الزيادة والكمال، فقد يستعمل كذلك في تجاوز الحد من جانب النقصان والترك والتهاون والتقصير (٥). وإن كان الخطاب في هذه الآية موجهاً للنبي ﷺ ، إلا أن المقصود أمته. قال القرطبي ﵀: "قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ولغيره. وقيل: له والمراد أمته، قاله

стр. 155

السدي" (١). قال ابن عباس ﵁: ((ما نزل على رسول الله ﷺ آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه))، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب! فقال: ((شيبتني هود وأخواتها)) (٢). قال أبو حامد الغزالي ﵀ (٣): " ((شيبتني هود وأخواتها)) أراد به ﷺ قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، فإن الامتداد على الصراط المستقيم في طلب الوسط بين هذه الأطراف شديد، وهو أدق من الشعرة وأحد من السيف (٤)، كما وصف من حال الصراط في الدار الآخرة ومن استقام على الصراط في الدنيا استقام عليه في الآخرة، بل يكون في الآخرة مستقيماً، إذ يموت المرء على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه، ولذلك يجب في كل ركعة من الصلاة سورة الفاتحة، المشتملة على قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فإنه أعز الأمور وأعصاها على الطالب، ولو كلف ذلك في خُلُقٍ واحد لطال العناء فيه، فكيف وقد كلفنا ذلك في جميع الأخلاق، مع خروجها عن الحصر، ولا مخلص عن هذه المخاطرات إلا بتوفيق الله ورحمته" (٥). الآية الثانية: قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ النساء: ١٧١، المائدة: ٧٧ . تتضمن هذه الآية النهي عن الغلو والتزام الوسطية. ووجه الاستدلال من الآية أنه قال سبحانه: ﴿لَا تَغْلُوا﴾، و (تَغْلُوا) فعل جاء في سياق النهي فهو يعم جميع أنواع الغلو

стр. 156

في الدين، أي: لا تغلو بأي نوع من أنواع الغلو في الدين، وإن كان الخطاب فيها موجهاً لأهل الكتاب إلا أن العبرة بعموم اللفظ كما هو قول أكثر أهل العلم (١). قال القاسمي ﵀ (٢): " ميزان العدل (لا تغلوا في دينكم غير الحق) أي: لا تتجاوزوا الحد في تعظيم عيسى وأمه، وترفعوهما عن رتبتهما إلى ما تقولتم عليهما من العظيمة، فأدخلتم في دينكم اعتقاداً غير الحق بلا دليل عليه، مع تظاهر الأدلة على خلافه ... و (الغلو) نقيض التقصير، ومعناه الخروج عن الحد؛ وذلك لأن الحق بين طرفي الإفراط والتفريط، ودين الله بين الغلو والتقصير" (٣). والحاصل: أنه لا يأتي الغلو في شيء إلا ورافقه الجفاء، فكما أن الغلو من المنهيات، فالتقصير والتفريط كذلك (٤)، فالنهي عن الغلو يتضمن النهي عن الجفاء. والغلو له جانبان أو صورتان: غلو في التمسك والتشدد في التطبيق، لم يأذن به الله، ولم تأت به شريعته، التي من أصولها (رفع الحرج، والتيسير) (٥). والصورة الأخرى للغلو: غلو في الانحلال والتميع، والتفلت من نصوص الشرع وقواعده، يؤدي إلى التطاول على مُحكَماتِه، وهو أيضا مما يأباه الله ورسوله والمسلمون. ولا ننس في غمرة الانشغال بالأول: الإنكار على الثاني، وبالدرجة نفسها، فإن الصورة الثانية من الغلو (في جانب التفريط) تكون غالبا من أسباب الغلو في صورته الأولى، والواقع خير دليل (٦).

стр. 157

ودين الإسلام وسط لا تشديد فيه ولا تحلل منه، فكلا الطرفين مذموم، والوسط خير، ولهذا قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ المائدة: ٧٧، وقال ﵊: ((هلك المتنطعون)) قالها ثلاثاً (١). فالخروج عن هذا المنهج، والتنكب عن هذه العقيدة الواضحة، يفضي بصاحبه: إما إلى غلو وإفراط، وإما إلى تفريط وتضييع، وإما إلى الجمع بينهما (٢)، وكُل ذلك مذموم في دين الله، وخروج عن المنهج الوسط الذي اختاره الله للأمة (٣). وعدم الجنوح إلى الإفراط أو التفريط هو عين الحكمة وجوهرها. الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ الفاتحة: ٦ - ٧ . هذه الآية تحذر من الغلو والجفاء اللذين هما طرفا النقيض للاستقامة، التي أشارت إليها الآية السابقة ونبهت إلى وجوب لزوم الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ منبهاً إلى هذا الملحظ: " ولما أمرنا الله سبحانه: أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين (٤) كان ذلك مما يبين

стр. 158

أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين وقد وقع ذلك كما أخبر به النبي ﷺ حيث قال: ((لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن)) (١) " (٢). والحاصل: أن كتاب الله العزيز وسنة نبيه الأمين، مليئة بالنهي عن الغلو والجفاء إما تصريحاً أو تلميحاً. فنسأل الله العظيم أن يمدنا بتوفيقه لنتجاوز الأخطار ولا نخدع بطرق أهل الضلال.

стр. 159

المطلب الثاني: العلاقة بين الغلو والجفاء قديماً وحديثاً . الغلو (١) في الدين آفة قديمة ابتليت بها الأمم من قبلنا، كما بليت بها هذه الأمة؛ لذا فإن مشكلة الغلو في الدين قديمة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، ممتدةٌ حبالها حتى وقتنا الحاضر، ولعل هذا المطلب يُبين مدى العلاقة بين الغلو في القديم والحديث، فيما يلي: ١ - تشابه فِرق الغلاة والجفاة -قديماً وحديثاً- في كثير من الصفات والآراء، خاصة التي أخبر عنها النبي ﷺ (٢)؛ فالدراس لمذهب الخوارج -مثلاً- يجد تشابهاً مع آراء الغلاة المعاصرين: كتكفير العصاة أصحاب الكبائر، والقول بأن ديار المسلمين ديار كفر تستباح فيها الدماء، إلى غير ذلك من الآراء والمعتقدات التي يتشابهون فيها (٣)، كذلك الدارس لمذهب المرجئة -مثلاً- يجد تشابهاً مع آراء الجفاة المعاصرين: أمثال طوائف الحلولية، وغلاة الصوفية، والفرق الباطنية، وعباد الموتى، ودعاة الشرك بكل ضروبه، وسائر الزنادقة والمنافقين الذين ظهر لهم في عصرنا أسماء وأشكال جديدة، كالاشتراكيين والبعثيين والقوميين والعلمانيين وسائر المنضمين أو المؤمنين بالأحزاب المرتدة والنظريات الكفرية، وكذلك دعاة الإباحية والمطلقة المنتسبين إلى النظريات الاجتماعية والأدبية والنفسية والتربوية وأمثالها (٤)؛ وهذا مما يؤكد الترابط والامتداد الزمني والتاريخي لهذه الفرق. ٢ - أن كثيراً من أفكار الفرق الغالية أو الجافية ومناهجها كانت ردة فعل أو انعكاس مباشر لأفكار ومناهج فرق سبقتها أو عاصرتها، فمثلاً: مبدأ الجفاء عند القدرية الذي أبطلوا فيه ما قضاه الله وقدره، نتج عنه غلوٌ مضاد تمثل في الإثبات المغالي

стр. 160

للقدر عند الجبرية، كذلك المرجئة قابلت الخوارج والمعتزلة في باب الأسماء والأحكام ونتجت عنها، والمعطلة قابلت المشبهة في الصفات، والرافضة قابلت الناصبة الخوارج في آل البيت خصوصا. . . إلخ، وأهل السنة والجماعة وسط بين ذلك كله. وهكذا أهل السنة دائماً، والحمد لله (١). ٣ - أن أغلب العقائد الموجودة عند فرق الغلاة المسلمين وكذا الجفاة (٢) على مر التاريخ، إنما هي حصيلة جملة من العقائد القديمة للهنود والمجوس واليهود والنصارى، وغيرها من العقائد القديمة (٣). ٤ - أن كثيراً من أسباب البدع المتقابلة ودوافعها مشتركة ومتشابهة عند الفرق الغالية والجافية قديماً وحديثاً. ٥ - أن منطلق الجميع زعمهم موافقة الشريعة وتطبيقها، فخاضوا في المتشابهات من النصوص بل استدلوا بالضعيف والموضوع لتقوية ما هم عليه، فالغلو في حقيقته مبالغة في الالتزام بالدين، وليس خروجاً عنه في الأصل، بل هو نابع من الرغبة في الالتزام به، ولكنها حركة تتجاوز في مداها الحدود التي حدها الشارع (٤)، وكذلك التفريط والجفاء نابع من رغبتهم في استبقاء أصل الإيمان، وحفظ دماء المسلمين

стр. 161

وأعراضهم، ولكنهم قصروا عن الحدود التي حدها الشارع، وهذا الأصل -موافقة الشريعة بزعمهم- مشترك عند الفرق الغالية والجافية قديماً وحديثاً. كل هذا التشابه -أو الاتفاق- في عقائدهم، وأفكارهم، ومناهجهم، وعوامل نشأتهم، ودوافع غلوهم وأسبابه، يؤكد قوة العلاقة وشدة الارتباط بين الفكر قديماً وحديثاً لدى الغلاة والجفاة، الأمر الذي يعني ضرورة النظر باهتمام إلى حقيقتهما كما وردت في الكتاب والسنة، لمجانبة الوقوع في شراكهما؛ لأن البدع المتقابلة -الغلو والجفاء- هلاك في الدنيا، وهلاك في الآخرة، ولا تأتي بخير أبداً، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وهذا هو طريق النجاة دائماً وأبداً (١).

стр. 162

المبحث الثاني معالم الغلو والجفاء وحدودهما . وفيه مطلبان: المطلب الأول: معالم الغلو والجفاء: الحكم على العمل بأنه غلو أو تقصير، أو أن هذا المرء من الغلاة أو الجفاة، باب خطير، لا يقدر عليه إلا العلماء (١) الذين يدركون حدود هذا العمل، ويعلمون أبواب العقيدة وفروعها؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ لذا نجد الحاجة قائمة لمعرفة هذه المعالم؛ لأن المتتبع لأحوال الفرق يجد أن كل فرقة تصف ما سواها بالغلو والجفاء، وقد يكون الأمر مشروعاً ويوصف صاحبه بالغلو (٢) أو الجفاء، وهذه الدعاوى ليست من باب الأسماء والأحكام، أو لتبين معاني شرعية - بقدر ما هي لأغراض شخصية ضيقة وأهواء ذاتية أو غايات سياسية محدودة. فتكون بذلك من تحميل المعاني والمصطلحات الشرعية ما لا تحتمل، وهذا فيه من التدليس والتلبيس على المسلمين باسم الدين والإسلام ما لا يخفى ضرره! (٣). ولذلك فإن المقياس في الحكم على الأعمال والأفراد والجماعات هو الكتاب والسنة، وليست الأهواء والأعراف، وما تواضع عليه الناس، وقد ضل في هذا الباب أمم وأفراد وجماعات (٤)؛ من أجل ذلك أمرنا الله باستبانة سبيلهم في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ الأنعام: ٥٥، والواقع أن معرفة هذه الأمور على قدر كبير من الأهمية؛ لأنها تعتبر ضوابط لتحديد الغلو والجفاء ومعرفة حقيقتهما كما وردت في الكتاب والسنة، وفيما يلي أهم المعالم، وهي:

стр. 163

المعلم الأول: الخلل في منهج التلقي والاستدلال: منهج الاستدلال عند أصحاب البدع المتقابلة، يعتمد على مصادر مغايرة لمصادر الشريعة الإسلامية كالعقول المجردة الفاسدة والمنطق والفلسفات الكلامية العقيمة، فيؤدي ذلك إلى تحريف الأدلة وتأويلها وإلى الاستدلال بالمتشابه من الأدلة دون ردها إلى المحكم، مع قياس عالم الغيب على عالم الشهادة، والتعلق بالآراء المجملة، فيخالفون بذلك الرسل -عليهم الصلاة والسلام- (١)، ومن ثم لا يتلقون العلم الشرعي عن العلماء الربانيين؛ لذلك أصبح العلم عندهم ليس مبنيا على الأصول الشرعية (٢)، وإلا فكيف يضربون صفحاً عن الآيات المحكمات، ويعتمدون على النصوص المتشابهات (٣)، ولا يردونها إلى المحكم، فالنص يدور في فلك معين وهم في فلك آخر مغاير له، وكذا ما يقع من المدرسة العقلية الحديثة (٤) من استقلالية بالأخذ عن الكتاب والسنة بدون ضابط حتى ظهرت العبارة المشهورة

стр. 164

"نحن رجال وهم رجال" (١) دون الاعتداد بأهل العلم والبصيرة من علمائهم (٢). فخلَلُهم يبدأ من الاستقلالية في استنباط الأحكام الشرعية دون ضابط محدد ومنهج حق من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومستند السلف الصالح واللغة العربية، وفي الوقوف على الأدلة ودلالتها وأقوال أهل الفقه والبصيرة فيها، وكل ذلك يؤدي إلى الزيغ والهلاك، ولذا حذر الرسول ﷺ من تلك الطريقة (٣)، كما كان بعض العلماء يتعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي (٤)؛ لأن أهل الفلسفة حصروا منهجهم العلمي بالمنطق والقياس، كما قابلتهم طائفة في هذا الباب، فرأوا أن مصدر المعرفة ليست في شيء من ذلك، وجعلوا مصدرها ما عندهم من خيالات صوفية، وفيوضات شيطانية، وغفل هؤلاء وهؤلاء عن الطريقة الشرعية. والواقع والملاحظ أن التمسك بنصوص الكتاب والسنة، وفهمها فهماً صحيحاً، يعتبر عند هؤلاء -المتهاونين بأحكام الشريعة الغافلين عنها أو المغالين في تقديس العقل (٥) المقدمين له- غلواً وتطرفاً، أو جموداً وانغلاقاً، وذلك بالنظر إلى ما هم عليه من تفريط ظاهر،

стр. 165

في التزام منهج الحق؛ لاعتقاد أن أخبار الرسول ﷺ بمعزل عن العلم، وأنَّ العلم ما يلقيه الشيطان إليهم من نتاج عقولهم الفاسدة، ووساوس صدروهم المظلمة، وهواجس قلوبهم الخالية من الخير وكلماتهم، وحججهم العاطلة بل شبههم الداحضة الباطلة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ محمد: ٢٣، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ الحج: ١٨. المعلم الثاني: موقفهم من العقل: هذا المعلم متداخل مع سابقِه وربما يكون وسيلة من وسائله، وأفردته لأهميته؛ لأن الناس في تعاملهم مع العقل طرفان ووسط؛ طرف جحدوا العقل وعطلوه (١)، وطرف عظموه وقدسوه وجعلوه حاكماً على النصوص (٢)، فإن وافقه النص قُبل وإلا فلا، فإن كان نصاً قرآنياً أولوه وصرفوه عن معناه الحق، وإن كان نبوياً صحيحاً ووجدوا له مخرجاً وأولوه، وإن لم يستطيعوا لذلك سبيلاً طعنوا فيه وردوه، دون اعتبار للقواعد والأصول الشرعية في التعامل مع النصوص. أما منهج الوسطية فهو الأرشد؛ لأنه لا يميل إلى جحد العقل أو تعظيمه دون حق، بل يثبت له دوره السليم الذي أذن فيه الله ورسوله ﷺ (٣)، مع التمسك بنصوص الكتاب والسنة وتقديمها عليه؛ لأن تعارض النص الصريح -من الكتاب والسنة- مع العقل الصحيح

стр. 166

السليم غير متصور أصلاً، بل هو مستحيل؛ لأن العقل السليم لا يعارض الحق، فإذا جاء ما يوهم ذلك فإن الوحي مقدم ومحكم؛ لأنه صادر عن المعصوم ﷺ والعقل لا عصمة له، بل هو نظر البشر الناقص، وتقديمه على كلام الله ورسوله ﷺ ضلال وتعسف (١). المعلم الثالث: بغضهم لأهل السنة والجماعة: التبس على هؤلاء الحق بالباطل، بسبب إعراضهم عن الوحي، واتباع العقول المتضاربة والمختلفة، فظنوا أن ما هم عليه هو الحق، وأن ما عليه سلف الأمة وأئمتها هو الباطل، ولذلك عادوا السنة وأهلها ورموها عن قوس واحدة بالأقوال الشنيعة- كتسميتهم إيَّاهم حشوية وجهلة وظاهرية-، ووصفوا كتبهم بالأوصاف المنفرة منها، بل حذروا من قراءتها (٢). ولا عجب فأهل الحق يقعون في (الوسط) فخلافهم يكون مع جميع أهل الأطراف على اختلاف عقائدهم ونحلهم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن الغالي منهم يرى المعتدل متساهلاً، والمتساهل يرى المعتدل غالياً ومتشدداً. قال الإمام الحافظ أبو حاتم الرازي: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة وعلامة القدرية أن يسموا أهل السنة مجبرة وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية " (٣). قال أبو زرعة ﵀: "إذا رأيت الكوفي يطعن على سفيان الثوري (٤) وزائدة (٥): فلا تشك أنّه رافضي، وإذا رأيت الشامي يطعن على مكحول (٦) والأوزاعي (٧): فلا تشك أنّه

стр. 167

ناصبي، وإذا رأيت الخراساني يطعن على عبد الله بن المبارك: فلا تشك أنّه مرجئ، واعلم أنّ هذه الطوائف كلها مجمعة على بغض أحمد بن حنبل؛ لأنّه ما من أحد إلا وفي قلبه منه سهم لا بُرْء له" (١). كل هؤلاء اختلفوا في تسمياتهم واتفقوا على محاربة السنة، ولا يخفى أن الغاية تكون في الغالب لهدف التنفير والتحذير منهم وليس لكونهم متجاوزين لحدود الشريعة ووسطية الإسلام (٢). يقول الشيخ جمال الدين القاسمي ﵀: "من المعروف في سنن الاجتماع أن كل طائفة كثر سوادها، لا بد أن يوجد فيها الأصيل والدخيل والمعتدل والمتطرف والغالي والمتسامح وقد وجد بالاستقراء أن صوت الغالي أقوى صدى وأعظم استجابة؛ لأن التوسط منزلة الاعتدال، ومن يحرص عليه قليل في كل عصر ومصر، وأما الغلو فمشرب الأكثر ورغيبة السواد الأعظم وعليه درجت طوائف الفرق والنحل (٣)، فحاولت الاستئثار بالذكرى، والتفرد بالدعوى ولم تجد لاستتباع الناس لها إلا الغلو بنفسها وذلك بالحط من غيرها والإيقاع بسواها حسبما تسنح لها الفرص ... إن كان بالسنان أو باللسان" (٤). المعلم الرابع: الجدل والخصومات والمراء في الدين: من أبرز معالم أصحاب البدع المتقابلة، كثرة الجدل والخصومات في الدين، مع قلة العمل المفيد والمثمر. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ, ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾)) (٥).

стр. 168

وقال ابن أبي الزناد (١) ﵀: " ما أقام الجدلُ شيئاً إلا كسره جدلٌ مثله" (٢). وقال الأوزاعي ﵀: " إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل" (٣). وقال عمر بن عبدالعزيز (٤) ﵀: " من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل" (٥). وقيل للحكم بن عتيبة الكوفي (٦) ﵀: " ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء؟ قال: الخصومات" (٧). قال ابن تيمية ﵀: " وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة علمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها وجدت أكثره من البغي: بتأويل أو بغير تأويل، كما بغت الجهمية على المستنَّة (٨) في محنة الصفات والقرآن ... وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته، وكما قد تبغي المشبهة على المنزهة، وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم، وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به، وهو الإسراف المذكور في قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ آل عمران: ١٤٧" (٩). قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ آل عمران: ١٩، وذكر غيرها من الآيات في هذا المعنى، قال: " فهذه المواضع من القرآن تبين أن المختلفين

стр. 169

ما اختلفوا حتى جاءهم العلم والبينات، فاختلفوا للبغي والظلم لا لأجل اشتباه الحق بالباطل عليهم، وهذا حال أهل الاختلاف المذموم من أهل الأهواء كلهم، لا يختلفون إلا من بعد أن يظهر لهم الحق ويجيئهم العلم، فيبغي بعضهم على بعض، ثم المختلفون المذمومون كل منهم يبغي على الآخر، فيكذب بما معه من الحق مع علمه أنه حق ويصدق بما مع نفسه من الباطل مع العلم أنه باطل" (١). المعلم الخامس: عدم الشمول: لا تكاد تجد أحداً غلا في شيء إلا وجفا في شيء آخر، فمن المستحيل تطبيق الشريعة بحجمها الشمولي لمن اتصف بالغلو أو بالجفاء، قال ابن حجر ﵀: " من تكلف الزيادة على ما طبع عليه يقع له الخلل في الغالب" (٢). لذا يلاحظ أن من يندفع نحو الغلو والتشدد في كل شيء لا يصبر ولا يطيق ذلك التغالي والمبالغة، فيتراجع وينقص أمر تدينه وسلوكه، إلا من أراد الله هدايته فيوفقه للرجوع إلى الطريق المستقيم، وهذا ما حذر منه الرسول ﷺ في قوله: ((إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهراً أبقى)) (٣)، وقوله ﷺ : ((إن الدين يسر، ولن يشاد (٤) الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا)) (٥). قال ابن المنير (٦): "في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع" (٧).

стр. 170

وتلافيا للوقوع في هذا المزلق الخطير، أمر الشارع الحكيم بالقصد وهو الوسط في العمل؛ فقد بوب البخاري ﵀ في صحيحه باب القصد والمداومة على العمل، في كتاب الرقاق، وذكر فيه حديث عائشة ﵂ أنها قالت: سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: ((أدومها وإن قلَّ)) (١) وقال: ((اكلفوا من الأعمال ما تطيقون)) (٢). وليس من الغلو طلب الأكمل في العبادة؛ بل الغلو تجاوز الأكمل إلى ما يؤدي إلى المشقة ونحوها، وليس الجفاء هو طلب الحد الأدنى من العبادة بل هو طلب التخفيف والتسهيل لحد الخروج عن شرعه وتجاوز حدوده باسم الدين. قال ابن المنير ﵀: وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل (٣). ومن يظن أن إعمال نصوص الشرع تؤدي للغلو، فإنه واهم؛ لأنه لا تلازم بين التمسك بالنصوص والغلو؛ فقد كان الصحابة € أشد الناس تمسكاً والتزاماً لنصوص الشريعة مطلقاً (٤)، ومع هذا لم يحصل لهم غلو أو تشديد، إلا في قضايا عينية (٥) في حياة النبي ﷺ أرشد أصحابه إليها وعلمهم وبين لهم طريق العبادة المعتدل، فانتهوا (٦). المعلم السادس: عدم وضوح الأصول الاعتقادية: المتأمل لواقع أكثر أصحاب التوجهات التي تميل إلى الغلو والعنف أو إلى الجفاء والتمييع يجد أن أصولهم الاعتقادية غير واضحة المعالم، ولا يكون ذلك إلا عن نقص كما لا يخفى، فهم يتميزون بالجهل وضعف الفقه في الدين، وضحالة الحصيلة في العلوم الشرعية، فحينما

стр. 171

يتصدون للأمور الكبار والمصالح العظمى يكثر منهم التخبط والخلط، والأحكام المتسرعة، والمواقف المخالفة؛ ومن آثار عدم وضوح الأصول الاعتقادية: ١ - عدم الثبات والاستمرار؛ فلا تكاد تجد فرقة ضلت في غياهب البدع وانتهجت موقفا واستطاعت أن تثبت عليه، بل يحدث بينها من التشقق والخلاف، ما يكون أكبر دليل على أن ما ابتدعوه ضلال وباطل. إلا أهلُ السنة والجماعة فالمتأخر منهم مثل المتقدم. ٢ - الجهل بمذهب السلف وبالوحي وبالعقل السليم، والجهل بدلالات النصوص وأسباب النزول. ٣ - مخالفة أحكام الشرائع السماوية وقلة البصيرة فيها-ولو بمقصد شرعي-، وهذا يؤدي إما إلى فهم زائد عن الواجب (١)، أو إلى عكسه؛ وهذا يستلزم اعتقادهم بعدم كمال الدين وصلاحه لكل زمان ومكان. ٤ - التعالم والغرور عند هؤلاء الغلاة، والتعالي على العلماء وعلى الناس، واحتقار الآخرين وآرائهم (٢). ٥ - قد يحمل عدم الوضوح على الزيغ والانسلاخ من الدين، فإن النفس تضعف كلما ابتعدت عن العمل بحجة إخراجه من مسمى الإيمان، وكذلك قد تعجز أو تمل مع شدة العمل فتتركه ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه قال عن المتشدد في الدين: ((كالمنبت لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع)) (٣).

стр. 172

٦ - كذلك فإن عدم وضوح الأصول الاعتقادية تحمل على القنوط من رحمة الله كما حصل من الذي قال: ((والله لا يغفر الله لفلان)) (١)، وفي المقابل تحمل على الجرأة على محارم الله والتساهل في إتيان الذنوب مع الاعتماد على العفو والمغفرة وسعة الرحمة. ٧ - التقليد الأعمى، وسيأتي مزيد تفصيل في المعلم التالي. المعلم السابع: التقليد الأعمى، والتعصب له . الناس على وجه العموم يتوارثون العقائد كابراً عن كابر دون التأكد من الحقيقة، وهل هم على حق أم على الباطل؟ ! ، وإنما يفعلون ذلك لمجرد المحاكاة، للآباء والتعصب للكبراء، فتقليد الآخرين دون دليل ودون تبصُّر - على مدى العصور- أدى إلى الافتراق العظيم بين الناس، وإلى استمرار بقاء عقائد عديدة، على الرغم من انحرافها وبعدها عن جادة الحق والصواب (٢). لذا فقد بين لنا رسول الله ﷺ خطر قضية التقليد (٣) وأنها قاعدة كبرى عند كل المخالفين لرسالته، فقال: ((لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود)) (٤)، يقول الحافظ ابن حجر ﵀ عن العشرة الذين ذكرهم النبي ﷺ : "والذي يظهر أنهم الذين كانوا حينئذ رؤساء في اليهود، ومن عداهم كان تبعاً لهم فلم يسلم منهم إلا القليل" (٥).

стр. 173

وعلى كلٍ فقد اتخذ الغلوّ أشكالاً مختلفة، وأصبح يؤلّف فرقاً وأحزاباً تتعصّب لمقولاتها أشدّ التعصّب، حتّى تموت دونها! لذا نجد عند التأمل في أسباب التقليد الأعمى والتعصب له، أنها تنطلق من: ١ - الجهل بالدين (١). ٢ - التعصب للآباء والأسلاف (٢). ٣ - الغلو في الشيوخ والكبراء (٣). ٤ - التأثر بالثقافات الأجنبية، والافتتان بالغرب (٤). بينما نجد أن مظاهر الغلو في مفهوم التقليد تتعدد وتتكاثر لكن من أهمها:

стр. 174

١ - ادعاء العصمة لمتبوعيهم، حيث يعتقدون أنهم معصومون عن الخطأ، لا يبرحون الحق، وأن كلامهم صواب دائماً لا يقبل الخطأ، ولا يحتاج إلى مناقشة أو دليل (١). ٢ - الاستغناء عن الأصلين العظيمين: الكتاب والسنة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولو فتح هذا الباب - يعني متابعة الإمام المقلد حتى مع المخالفة- لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله ﷺ ، ويبقى كل إمام (٢) في أتباعه بمنزلة النبي ﷺ في أمته" (٣). ٣ - تعدد الأحزاب والفرق الباطلة، المغايرة لدين الإسلام الحق (٤)، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ المؤمنون: ٥٣.

стр. 175

٤ - الوقوع في الكفر (١)، ومحاكات أهله (٢). ٥ - لوقوع في البدعة (٣)، وتقليد أصحابها (٤). ٦ - الوقوع في المعاصي (٥).

стр. 176

١ - التعصب للآراء والمعتقدات، وسوء الظن بالآخرين واتهامهم، واعتبار من يخالفهم في الدين مبتدعاً (١). لذا فمفهوم التقليد الأعمى في باب العقائد من أعظم أسباب افتراق الأمة الإسلامية إلى فرق ضالة، وبدع متقابلة؛ ذلك أن الأتباع يقلدون متبوعيهم، وهذا يؤدي إلى آثار خطيرة متعددة، ومعظمها يمس الجانب العقدي، فكل من يخالف الرسول ﷺ فهو مقلد متبع لمن لا يجوز له اتباعه، كالذي يترك طاعة رسول الله، ويتبع سادته وكبراءه، من أمراء أو مشايخ، أو علماء، أو يتبع غيرهم، أو يتبع الرسول ﷺ ظاهراً من غير إيمان في قلبه، وعلى هذا فإن من أطاعهم في معصية الله فقد أشرك مع الله غيره (٢). المعلم الثامن: اضطرابهم في مفهوم الولاء والبراء: تعرضَ مفهوم الولاء والبراء إلى أنواع من الاضطراب في الاستعمال، وضروب من الفوضى في التوظيف ما بين انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين (٣)؛ فأدى ذلك إلى كثير من البلاء والفتن، حيث جعله الغلاة -بصورته المحرَّفة- مناط الإيمان، وشرط الدخول في جماعة الإسلام. وكَفَّرُوا بمقتضاه كلَّ من لم يحرره في عقيدته وتطبيقه، على ما فهموه وقصَّدوه من معنى. بينما لم يعتبره الجفاة من أصول الدين عندهم، فحاولوا تذويبه، ومهاجمة مظاهره الشرعية الصحيحة -بإشاعة عادات الكفار وتقاليدهم بين المسلمين-، ولم يقف بهم الأمر عند هذا الحد بل قاموا بالمطالبة بإلغاء عقيدة الولاء والبراء المبنية على الأساس الديني، بحجّة

стр. 177

أنها تؤصّل ثقافة الكراهية للآخرين (١)، وتؤجّج نار التطرُف والغُلُوّ، وجعلوها على أساس الوطنية والقومية. وهكذا تنتج لنا البدع المتقابلة عقيدة مشوهة المعالم مضطربة المفاهيم غير مقبولة شرعاً ولا عقلاً، مما آلت إليه عقيدة الولاء والبراء بفعل هؤلاء وهؤلاء. ويرجع ذلك إلى الأسباب التالية: ١ - عدم فهم وضبط الأدلة الشرعية (٢). ٢ - ردة الفعل في تطبيق أحكام الولاء والبراء من قبل بعض المنتسبين للإسلام (٣). ٣ - تحسين صورة الإسلام المشوهة لدى الكفار (٤).

стр. 178

٤ - وقوعهم تحت ضغط الهزيمة النفسية أمام الحضارة الغربية (١). ٥ - معالجة الأحداث الطائفية (٢).

стр. 179

المطلب الثاني: مظاهر الغلو والجفاء: للغلو والجفاء مفاسد كثيرة وآثار سيئة على أصحابها خاصة وعلى الناس بعامة؛ والحديث عن مظاهرها قديماً وحديثاً حديث متشعب، ذو فروع؛ تتعدد أشكاله وصوره إلى: عقدية (١)، ومنهجية، وأخلاقية، وتشريعية وغير ذلك، والمقام لا يتسع للإتيان عليها كلها في هذا المطلب، ولكن لا مناص من إبراز أهم مظاهرها وأشدها خطورة في الجوانب التالية: - مظاهر الغلو والجفاء في الجانب الفردي (٢) (المسئولية الفردية): لقد اهتمَّ القرآن الكريم بإرشاد الإنسان إلى ما يحقق له العيش الرغيد في الحياة الدنيا، والفوز برضا ربه في الآخرة، وذلك من خلال ما نبهت إليه كثير من الآيات الواضحات؛ فعندما فقه الرَّعيل الأول نداءات القرآن، وحَمَلها وعَمِل بها، شيَّد بها حضارة يشهد الناس بسموها، لكن عندما أعرض كثير من أبناء المسلمين عن هديها وقعوا في الغلو والجفاء ولا زالوا يتجرعون مرارتهما على مر التاريخ، ومن مظاهرهما على الجانب الفردي ما يلي (٣):

стр. 180

١ - الميل إلى التضييق والتشديد (١)، وتوسيع دائرة التحريم والمحرمات، وتجاهل التيسير ورفع الحرج (٢)، بل ورمي من يأخذ بالرخص الشرعية بالتساهل والتفريط (٣). وفي المقابل نجد من يدعو إلى التساهل ويوسع دائرة المباح ويتجاهل المحرمات والمنهيات ويرمي كل من يتمسك بالدليل بالغلو والتشدد، فنجد أن القتل والزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوها، لا تقدح في الإيمان عند هؤلاء، ولا تنقص منه شيئاً، وأنه يكفي في الإيمان الإقرار، ولا شك أن هذا تطرف بالتساهل، والأول تطرف بالتشدد. ٢ - الغلظة والفظاظة في التعامل مع الناس ودعوتهم (٤)، وربما مفارقتهم وهجرهم، خلافاً لهدي النبي ﷺ وأمره بالرفق والحكمة واللين. وفي المقابل تظهر الدعوة إلى الانسلاخ عن الدين بدعوى إبعاد الدين عن الحياة وحصره في المسجد، ورفع شعارات التسامح والتيسير والتخفيف (٥)؛ خلافاً لهدي النبي ﷺ وتعطيلاً للشرع.
следующие страницы →